Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
مقدار القراءة فى الحضر
ج -٤
العصر نحو ذلك. وفى الصبح أطول من ذلك رواهما أحمد ومسلم كذا فى
النيل (١٢٤:٢).
٩٩٠- عن: أبى برزة الأسلمى قال: كان رسول الله ◌َ ◌ّه يقرأ فى الفجر ما
بين الستين إلى المائة رواه مسلم (١٨٧:١).
٩٩١- عن سليمان بن يسار قال: كان فلان(١) يطيل الأوليين من الظهر،
أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود اهـ. (٣: ١٢٤، ١٢٥).
قلت: وأنه قرأ "بيسين" فى الصبح رواه الطبرانى فى الأوسط عن جابر بن سمرة
كما سيأتى، وأنه كان يؤم بهم فى الفجر "بالصافات" أخرجه ابن حبان عن ابن عمر كذا
قال الزيلعي (١: ٢٢٩).
قوله: "عن أبى برزة" إلخ. قلت: دلالته على إطالة القراءة فى الفجر مع بيان قدرها
ظاهرة، وظاهره المواظبة أى العادة الأكثرية لورود لفظ "كان" فيه، وربما كان ◌َ له يزيد
على هذا وينقص بعد أن كان قراءته فى الفجر أطول من الظهر والعصر وغيرها، كما يدل
عليه ما بيناه لك آنفا بالتفصيل، وفيه دلالة على أن رعاية عدد الآيات فى المقروء سنة.
وقد روى عن ابن عباس أن رسول الله معظم أمر أن يقرأ فى صلاة الصبح " بالليل إذا
يغشى" "والشمس وضحاها". رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام
(مجمع الزوائد، ١: ١٨٩).
قلت: وقد قدمنا أنه حسن الحديث ولكن حديثه لا يقادم الأحاديث الصحاح التى
ذكرناها فى المتن، ولا يصلح معارضا لها، ويمكن حمله (٢) على حالة السفر، ونحوها أو
أنه أمر بذاك إمام قوم كان يثقل عليهم الإطالة فلا تعارض. والله أعلم.
قوله: "عن سليمان بن يسار" قلت: احتج به أصحابنا على أن سنة القراءة أن
(١) المراد به الإمام الزاهد، والخليفة الراشد سيدنا عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وأرضاه كما يظهر من رواية ابن
سعد فى الطبقات ذكرها الزيلعى فى (٢٣٩:١). (مؤاف)
(٢) ويمكن أن يقال: إن معناه أن لا ينقص القراءة فى الفجر عن هاتين السورتين إذا لم يقدر على الإطالة.
١
٢٢
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
ويخفف العصر، ويقرأ فى المغرب بقصار المفصل، وفى العشاء بوسطه، وفى
الصبح بطواله، فقال أبو هريرة رضى الله عنه: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة
برسول الله مظلةٍ من هذا. أخرجه النسائى بإسناد صحيح كما فى بلوغ المرام
(٤٨:١). وفى فتح البارى (٢٠٦:٢): صححه ابن جزيمة وغيره.
٩٩٢- عن: جابر بن سمرة قال: كان رسول الله إذا دحضت الشمس
صلى الظهر وقرأ بنحو من ﴿ والليل إذا يغشى) والعصر كذلك والصلوات
كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها. رواه أبو داود (١٦٤:١) وسكت عنه.
يقرأ فى المغرب بقصار المفصل، وفى العشاء بأوساطه، وفى الفجر بطواله، ووجه
الاستدلال فى قول أبى هريرة: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ظلٍّ من هذا"
مع بيان الراوى حال قراءته أنه كان يقرأ فى المغرب بقصار المفصل، وفى العشاء بوسطه،
وفى الصبح بطواله، وهذا يشعر بمواظبته مرّ له على ذلك. قال الحافظ فى الفتح: ولكن
فى الاستدلال به نظر يأتى مثله فى باب جهر الإمام (١) بالتأمين اهـ (٢: ٢٦).
ثم نظر فى باب جهر المأموم بالتأمين بما حاصله: وقد تعقب استدلاله باحتمال أن
يكون أبو هريرة أراد بقوله: "أشبهكم" أى فى معظم الصلاة لا فى جميع أجزائها، ثم
أجاب عنه بأن الخبر فی جمیع الأجزاء، فیحمل علی عمومه حتی یثبت دلیل يخصه اهـ
(٢: ٢٢٢).
قلت: ومع ذلك فتصدى الراوى لبيان حال القراءة فى تفسير قول الصحابى يدل
على أن أبا هريرة إنما شبه صلاته بصلاة رسول الله مرّ التر فى ذلك، وأن الراوى فهم ذلك من
قوله بقرینة قامت عنده، فالاستدلال به متجه.
قوله: "عن جابر" إلخ. قلت: دلالة على سنية إطالة القراءة فى الفجر ظاهرة وفيه
دليل على أنه ◌ّ ير كان يقرأ فى الظهر بوسط المفصل، وسيأتى الكلام عليه.
وأما قوله: "والصلوات كذلك" فمعناهأن قراءته فى بقية الصلوات كانت مثله أو
(١) قلت: الصحيح " فى باب جهر المأموم بالتأمين"، فإن النظر مذكور فيه مؤلف.
٢٣
ج -٤
مقدار القراءة فى الحضر
٩٩٣- وعنه: أن النبى ◌ّاللّه كان يقرأ فى الصبح بـ (يس). رواه
الطبرانى فى الأوسط ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد، ١٨٩:١).
٩٩٤- وعنه: أن رسول الله مرّ له كان يقرأ فى الظهر والعصر " بالسماء
ذات البروج، والسماء والطارق" وشبههما رواه الترمذى (٤١:١) وقال: حسن
صحيح.
٩٩٥- عن: أبى سعيد الخدرى أن رسول الله عز له كان يقرأ فى صلاة
الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفى الأخریین(١) قدر
قريباً منه لما سيأتى أنه ظلّ كان يقرأ فى المغرب بقصار المفصل.
قوله: "وعنه برواية مجمع الزوائد" إلخ. دلالة على إطالة الفجر ظاهرة.
قوله: "وعنه برواية الترمذى" إلخ. دلالته على قراءة الظهر، والعصر، وأن يقرأ
فيهما بالأوساط ظاهرة.
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قلت: دلالته على إطالة القراءة فى الركعتين الأوليين
من الظهر ظاهرة. وفيه أنه مّ هٍ كان يقرأ فى الظهر بطوال المفصل ونحوها، وحديث جابر
ابن سمرة المتقدم ذكره يدل على قراءته ◌ّ له بوسط المفصل فيها، ومن ههنا اختلف
أقوال الحنفية فى ذلك فبعضهم ألحق الظهر بالعصر لحديث جابر وغيره، وبعضهم ألحقها
بالفجر لحديث أبى سعيد هذا مع ما سيأتى عنه قال: لقد كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب
الذاهب إلى البقيع، فيقضى حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتى ورسول الله مرّةٍ فى الركعة
الأولى مما يطيلها . رواه مسلم (١: ١٨٦).
قال فى الهداية: ويقرأ فى الفجر فى الركعتين بأربعين آية أو خمسين آية سوى فاتحة
الكتاب، ويروى من أربعين إلى ستين ومن ستين إلى مائة، وبكل ذلك ورد الأثر. ووجه
(١) وفى هذا الحديث إشارة إلى أنه مرٍّ كان يضم السورة إلى الفاتحة فى الأخريين أيضا. قلت: يعارضه ..
صريح ما ورد عن أبى قتادة أن النبى مّ ه كان يقرأ فى الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة،
ويقرأ فى الأخريين بفاتحة الكتاب (متفق عليه). فالأخذ بالصريح أولى ويحمل ذلك على بيان الجواز ١٢ .
٢٤
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
قراءة خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفى العصر فى الركعتين الأوليين
فى كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفى الأخریین قدر نصف ذلك. رواه
أحمد ومسلم. كذا فى النيل (١٢:٢).
قلت: ورواه أبو داود (١٢٤:١) أيضا، وسكت عنه، ومسلم (١٨٥:١) فى
رواية له، ولفظهما: قال: حرزنا قيام رسول الله مسّ التّ فى الظهر والعصر، فحرزنا
قيامه فى الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية قدر ﴿ الم تنزيل
السجدة ﴾ الحديث.
التوفيق أنه يقرأ بالراغبين مائة، وبالكسالى أربعين، وبالأوساط ما بين خمسين إلى ستين.
وقيل: ينظر إلى طول الليالى وقصرها، وإلى كثرة الأشغال وقلتها، وفى الظهر مثل
ذلك الاستوائهما فى سعة الوقت، وقال فى الأصل: أودونه لأنه وقت الاشتغال فينقص عنه
تحرزا عن الملال إهـ (١: ١٠٠).
وفى شرح المنية: قال القدورى: يقرأ فى الفجر أى فى كل ركعة بطوال المفصل أى
بسورة من طوال المفصل، وفى الظهر، والعصر والعشاء بأوساط المفصل. وهذا من
القدورى اختيار لرواية الأصل فى الظهر حيث جمعها مع العصر، والعشاء لا مع الفجر اهـ
(ص: ٣٠٤).
قلت: وبكل ذلك ورد الأثر، فالأمر واسع، وينبغى للإمام أن يراعى حال أهل
زمانه، ولا يوقعهم فى السأمة، والملال. وفى هذا الحديث دلالة على تساوى قدر القراءة فى
الأوليين من الظهر، والعصر، والظاهر أن حكم الفجر، والمغرب، والعشاء كذلك.
بحث إطالة الركعة الأولى
ولكن الفجر قد استثنى من ذلك. قال فى الهداية: (ويطيل الركعة الأولى من
الفجر على الثانية) إعانة الناس على إدراك الجماعة. قال: (وركعتا الظهر سواء) وهذا
عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى، وقال محمد رحمه الله: أحب إلى أن
٢٥
ج -٤
مقدار القراءة فى الحضر
٩٩٦- ورواه أحمد عن أبى العالية قال: اجتمع ثلثون من أصحاب النبى
مرّ لته، فقالوا: أما ما يجهر فيه رسول الله مّ التِّ فقد علمناه، وما لا يجهر فيه فلا
نقيس بما يجهر فيه. قال: فاجتمعوا، فما اختلف منهم إثنان أن رسول الله منز له
كان يقرأ فى صلاة الظهر قدر ثلاثين آية فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة
الحديث. وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودى وهو ثقة ولكنه اختلط،
ويقال: إن يزيد بن هارون سمع منه فى حال اختلاطه، والله أعلم. كذا قال
الهيثمى فى مجمع الزوائد (١٨٧:١).
قلت: ولكن الاختلاط لا يضر إذا كان لما رواه شواهد، وهناك كذلك،
فإن سند مسلم، وأبى داود سالم من العلة.
يطيل الركعة الأولى على غيرها فى الصلوات كلها لما روى أن النبى ◌ّ ةٍ كان يطيل
الركعة الأولى على غيرها فى الصلوات كلها، وفهما أن الركعتين استويا فى استحقاق
القراءة فيستويان فى المقدار، بخلاف الفجر، لأنه وقت نوم وغفلة، والحديث محمول
على الإطالة من حيث الثناء، والتعوذ والتسمية اهـ (١: ١٠٠).
قلت: الحديث الذى أشار إليه فى الهداية لم أجده بهذا اللفظ وقد روى البخارى ما
يفيد معناه من طريق يحيى عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال: كان رسول الله عز له
يقرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول فى الأولى
ويقصر فى الثانية ويسمع الآية أحيانا، وكان يقرأ فى العصر بفاتحة الكتاب وسورتين،
وكان يطول فى الأولى من صلاة الصبح ويقصر فى الثانية اهـ.
وقال الحافظ فى شرحه: روى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى فى آخر هذا الحديث:
فظننا أنه يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى. ولأبى داود وابن خزيمة نحوه من رواية أبى
خالد عن سليمان عن معمر اهـ (٢: ٢٠٣). وروى أحمد عن أبى مالك الأشعرى عن النبى .
مرّةٍ أنه كان يسوى بين الأربع ركعات فى القراءة والقيام، ويجعل الركعة الأولى هى
أطولهن لكى يثوب الناس إلخ (٥: ٣٣٤).
٢٦
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
٩٩٧- عن: ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ◌ّ لله سجد فى صلاة
الظهر، ثم قام، فركع، فرأينا أنه قرأ ﴿تنزيل السجدة﴾(١) قال ابن عيسى ("
لم يذكر أمية أحد إلا معتمرا اهـ رواه أبو داود (٢١٤:١) وسكت عنه.
٩٩٨- عن: أبى سعيد رضى الله عنه الخدرى قال: لقد كانت صلاة
الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضى حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتى
ورسول الله مَّ لته فى الركعة الأولى مما يطولها. رواه مسلم (١٨٦:١).
٩٩٩- عن: أبى أيوب أو عن زيد بن ثابت أن النبى ◌ّ لته قرأ فى المغرب
بالأعراف فى الركعتين فرقها فى الركعتين رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
توثیق شهر بن حوشب
قال الهيثمى: وفى طرفها كلها شهر بن حوشب، وفيه كلام وهو ثقة إن شاء الله
تعالى (١: ١٩٤).
قوله: "عن ابن عمر" إلخ قلت: دلالته على إطالة القراءة فى الظهر ظاهرة، وكذا
دلالة حديث أبى سعيد الآتى بعده.
قوله: "عن أبى أيوب إلى قوله: عن عروة بن الزبير" إلخ. قلت: فى الأحاديث
دلالة على إطالة القراءة فى المغرب وهو خلاف ما اشتهر عن الحنفية أن السنة قراءة
القصار فيها، ولا ينبغى أن يقرأ فيها بالطوال، وأجاب عنها محمد فى موطأه بما نصه:
العامة على أن القراءة تخفف فى صلاة المغرب يقرأ فيها بقصار المفصل، ونرى أن هذا
(أى القراءة فى المغرب بالطوال) كان شيئا فترك، أو لعله كان يقرأ بعض السورة، ثم يركع
اهـ (ص: ١٤٢).
(١) فإن قلت: قد صرح علماء الحنفية بكراهة قراءة آية السجدة فى السرية والحديث يرد عليهم، قلت: هو محمول
على بيان الجواز، فلا كراهة فى حق النبى مرّاتٍ لكونه فى مقام التشريع، وأيضا فقد عللوها بمخافة الاشتباه على
القوم، فلعل العلة كانت منتفية إذ ذاك لكون المأمومين عدة من خواص أصحابه ولم تكن الجماعة كثيرة. والله
أعلم.
(٢) هو شيخ أبى داود الراوى للحديث.
٢٧
ج -٤
مقدار القراءة فى الخضر
(مجمع الزوائد، ١٨٨:١).
١٠٠٠- قلت: والحديث أخرجه النسائي عن عائشة رضى الله عنها أن
رسول الله عز تيٍ قرأ فى صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها فى الركعتين اهـ
وسکت عنه. فهو صحیح عنده.
١٠٠١- عن: عمر أن النبى ◌ّ اللّه كان يقرأ بهم فى المغرب ﴿الذين كفروا
وصدوا عن سبيل الله). رواه الطبرانى فى الثلاثة ورجاله رجال الصحيح
(مجمع الزوائد، ١٨٨:١).
قلت: أما الجواب الأول فمخدوش بحديث أم الفضل بنت الحارث لما فيه من
التصريح بأنه مرّ لت قرأ فى المغرب "والمرسلات عرفا" فى آخر صلاة صلاها لم يصل لهم
بعدها حتى قبضه الله، والثانى بحديث عائشة وجبير بن مطعم وزيد بن ثابت فإن فى
حديث عائشة أنه مرّ ه قرأ فى صلاة المغرب "بسورة الأعراف" فرقها فى ركعتين، وهو
صريح فى قراءة جميع السورة فيهما، ولا يخفى أن نصف الأعراف يزيد على أطول سورة
من المفصل، فلا يفيدنا تفريقه، وفى حديث جبير ما يدل قراءته منز لته بسورة الطور كلها
وهو قوله: "فلما بلغ هذه الآية "أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون" الآيات إلى قوله:
"المصيطرون" كاد قلبى يطير". فإن قوله: "المصيطرون" هو فى آخر الطور، وفى حديث
زيد بن ثابت الآتى قريبا ما يشعر الإنكار على المواظبة بقراءة قصار المفصل وأن قراءته
مَ ◌ّه ربما كانت تزيد عليها. ويمكن الجواب عن حديث أم الفضل بأنه يعارضه حديث
عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب قال: آخر صلاة صلاها رسول الله سمّ اهِ المغرب،
فقرأ فى الركعة الأولى "بسبح اسم ربك الأعلى" وفى الثانية "بقل يا أيها الكافرون".
أخرجه الطبرانى، وسيأتى فى المتن. فيحمل حديث أم الفضل على قراءته فى نافلة (١)
المغرب فى البيت، يدل عليه ما فى رواية النسائى: فصلى بنا فى البيت. اهـ (١: ١٥٤).
(١) فإن قلت: يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب فى هذا الحديث بلفظ: خرج إلينا رسول الله معرّفهمه وهو
عاصب رأسه فى مرضه، فصلى المغرب، الحديث أخرجه الترمذى. قلت: يمكن حمل قولها: "خرج إلينا" أى
من مكانه الذى كان راقدًا فيه إلى من فى البيت، فصلى بهم. فتلتثم الروايات كما قال الحافظ فى الفتح (١ :
٢٠٤) مؤلف.
٢٨
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠٠٢- عن: ابن عباس رضى الله عنه أن أم الفضل بنت الحارث سمعته
وهو يقرأ ﴿والمرسلات عرفا﴾ فقالت: يا بنى! لقد ذكرتنى بقرائتك هذه
السورة أنها لآخر ما سمعت من رسول الله ◌َّ اه يقرأ بها فى المغرب. رواه الجماعة
إلا ابن ماجة (نيل الأوطار، ١٢٦:٢).
قال الحافظ فى الفتح (٢٠٤:٢): وصرح عقيل عن ابن شهاب أنها آخر
صلوات النبى معَّ له، ولفظه: ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. أورده
المصنف (أى البخارى) فى باب الوفاة اهـ.
١٠٠٣ - عن: محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت النبى مّ له
فاجتمع الحديثان بأنه قرأ فى جماعة الرجال فى الفرض بقصار المفصل ونحوها، وفى
جماعة النساء فى البيت بالمرسلات، ونحوها. والله تعالى أعلم.
وعن حديث عائشة، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم بأن إطالة القراءة فى المغرب
كان فى الابتداء ثم ترك، وليس فى حديثهم ما يدل على أنه ذلك مما فعله رسول الله مت لقي
آخرا. والحق فى الجواب أنه مَّةٍ كان أحيانا يطيل القراءة فى المغرب لبيان الجواز، وأن
وقت المغرب يسع هذا القدر من القراءة، وليس فى تلك الأحاديث ما يدل على مواظبته
المستمرة بإطالة القراءة فيها، بل الظاهر من حديث سليمان بن يسار المتقدم أن عادته مت بلة.
الأكثرية كانت قراءة القصار فى المغرب، وسيأتى ما يدل على ذلك صراحة.
وأما إنكار زيد بن ثابت على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل،
فالظاهر (١) أن زيدا لم يرد منه المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك
كما رآه من النبى ◌ّ له، ولا يجعل قراءة القصار حتما على نفسه حيث لا يجاوز إلى غيره
أبدا بل يقرأ أحيانا من الطوال أيضا لبيان الجواز كما فعله النبى مرّ له .
قال الحافظ فى الفتح: قال الترمذى: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ فى المغرب
بالسور الطوال نحو "الطور والمرسلات".
(١) كذا قال الحافظ فى الفتح (٢: ٢٠٧) مؤلف.
٢٩
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
قرأ فى المغرب "بالطور". رواه الإمام البخارى. وفى التفسير له: سمعته يقرأ
فى المغرب "بالطور" فلما بلغ هذه الآية ( أم خلقوا من غير شىء أم هم
الخالقون﴾ الآيات إلى قوله: ﴿مصيطرون) كاد قلبى يطير. ونحوه لقاسم
ابن أصبغ. كذا فى فتح البارى (٢٠٧:٢).
١٠٠٤- عن: عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم قال: قال لى زيد بن
ثابت: تقرأ فى المغرب بقصار، وقد سمعت النبى مّ له يقرأ بطولى الطوليين.
رواه الإمام البخارى. قال الحافظ فى الفتح (٢٠٥:٢). وفى رواية البيهقى من
طريق أبى عاصم شيخ البخارى فيه بلفظ " كان رسول الله مّظله يقرأ" ، ومثله فى
رواية حجاج بن محمد عن ابن جريح عند الإسماعیلی اهـ.
وقال الشافعى: لا أكره ذلك بل استحب، وكذا نقله البغوى فى شرح السنة عن
الشافعى، والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة فى ذلك ولا استحباب، وأما مالك فاعتمد
العمل بالمدينة وبغيرها .
قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة فى الصبح وتقصيرها فى
المغرب. والحق عندنا أن ما صح عن النبى ◌ّ لته فى ذلك، وثبت مواظبته فهو مستحب،
وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه اهـ (٢: ٢٠٦).
قلت: وهذا هو الحق عندنا أن قراءة القصار فى المغرب إنما هو سنة يجوز تركها،
ولم يقل بكراهة الطوال فيها أحد منا بشرط كونها أحيانا، وعدم ملال القوم منها. قال فى
الدر بعد ذكره سنة القراءة: واختار فى البدائع عدم التقدير، وأنه يختلف بالوقت، والقوم،
والإمام اهـ.
قال العلامة الشامى: وعمل الناس اليوم على ما اختاره فى البدائع (رملى) إلى أن
قال: ولذا قال فى البحر عن البدائع: والجملة فيه أنه ينبغى للإمام أن يقرأ مقدار ما يخف
على القوم، ولا يثقل عليهم بعد أن يكون على التمام وهكذا فى الخلاصة. اهـ (١:
٥٦٥). فثبت بهذا أن التقدير الوارد فى المذهب فى هذا الباب ليس بلازم عند الحنفية بل
ومنهم من اختار تركه، وأحال على اقتضاء المصلحة، وقد عرفت دليل سنية هذا التقدير
٣٠
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠٠٥- حدثنا: أحمد بن بديل ثنا حفص بن غياث ثنا عبيد الله عن نافع
أن ابن عمر قال: كان النبى ◌ّ ◌ّه يقرأ فى المغرب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
و﴿قل هو الله أحد﴾. رواه ابن ماجة، ورجاله ثقات من رجال الصحيح إلا ابن
بدیل وهو ثقة ذ کره النسائی فی أسماء شیوخه، وقال: لا بأس به، وذكره ابن
حبان فى الثقات، وقال: مستقيم الحديث. كذا فى التهذيب (٧٨:١).
وقال الحافظ فى الفتح (٢٠٦:٢): فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده
الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطنى: أخطأ فيه بعض رواته. اهـ وفى التهذيب
(١٨:١): قال الدارقطنى: تفرد به أحمد عن حفص اهـ.
قلت: تفرد راوى الصحيح أو الحسن(١) مقبول ما لم يخالف رواية
فى الفجر، والظهر، والعصر. وأما قراءة القصار فى المغرب، وكونها سنة، فقد مر فى
حديث سليمان ما يدل عليها بظاهره، وقد عرفت فى قول محمد، ومالك، وابن دقيق
العيد أن العمل قد استمر على تقصير القراءة فيها المدينة بل وغيرها من البلاد، ولا
يخفى أن الصحابة، ومن بعدهم لا يواظبون جميعا على شىء ما لم يثبت مواظبة النبى
مرِّ عليه، واختياره إياه على غيره. وسيأتى فى الأحاديث المرفوعة، والموقوفة أيضا ما
يدل على ذلك صريحا .
قوله: "حدثنا أحمد بن بديل" إلخ. قال العينى فى العمدة: روى ابن ماجة بسند
صحیح عن ابن عمر كان رسول الله منزلته ، فساق الحديث نحو سياق المتن، وروى أبو
بكر أحمد بن موسى بن مردويه فى كتابه "أولاد المحدثين" من حديث جابر بن سمرة قال:
كان النبى ◌ٍّ يقرأ فى صلاة المغرب ليلة الجمعة " قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله
أحد" اهـ (٣: ٨٢).
قلت: فى سنده سعيد بن السماك قاله فى "تنقيح الرواة فى تخريج أحاديث
المشكاة" (١: ١٥٦). وقال فى اللسان: قال أبو حاتم الرازى: متروك الحديث، وذكره ابن
(١) وأحمد بن بديل مختلف فيه وقد وثق، فهو من رجال الحسن.
٣١
ج -٤
مقدار القراءة فى الحضر
الجماعة مخالفة يلزم منها رد ما رووه وههنا كذلك، فإن الجماعة روت قراءة
"الإخلاص" "والكافرون" فى الركعتين(١) بعد المغرب، ولا منافاة بين هذا
وذلك، بل يمكن الجمع بينهما لا سیما إذا كان له شاهد كما سيأتى.
حبان فى الثقات اهـ.
ثم أجاب العينى عن أحاديث الإطالة فى المغرب بأجوبة. منها أنه قيل: قراءة
سيدنا رسول الله مرّ ة ليست كقراءة غيره، ألا تسمع قول الصحابى: ما صليت (٣) خلف
أحد أخف صلاة من النبى مَّةٍ وكان يقرأ بالستين إلى المائة؟ وقد قال رسول الله مرزلته:
إن داود عليه السلام كان يأمر بدوابه أن تسرج، فيقرأ القرآن (الزبور) قبل إسراجها. (٧
فإذا كان داود عليه السلام بهذه المثابة، فسيدنا محمد مرّ هِ أحرى بذلك، وأولى. ولا
يقاس غيره مّ له فى ذلك لما قد ثبت من إنكاره مرّ له على معاذ فى إطالة القراءة فى
العشاء(٤) مع سعة وقتها وأمره بقراءة "سبح اسم ربك الأعلى" و"والشمس وضحاها"
ونحوها ، فالمغرب أولى بذلك مع ضيق وقتها .
وقال الطحاوى: المستحب أن يقرأ فى المغرب بقصار المفصل.
وقال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم.
قلت: هو مذهب الثورى، والنخعى، وعبد الله بن المبارك، وأبى حنيفة، وأبى
يوسف، ومحمد، وأحمد، ومالك، وإسحاق. انتهى كلامه مع تغير يسير بالتقديم،
والتأخير، ونحوه (٣: ٨١، ٨٢).
قلت: وما ذهب إليه هذا القائل من تخصيص الإطالة بالنبى سعر مؤيد بما روى
النسائى عن ابن عمر رضى الله عنه قال: كان رسول الله ◌ّالتّ يأمر بالتخفيف، ويأمنا
بالصفت اهـ (١: ١٣٢) وسكت عنه، فهو صحيح عنده. ولا يخفى أن المغرب يضيق
(١) قال الحافظ: والمحفوظ أنه قرأ بهما فى الركعتين بعد المغرب (فتح البارى ٢٠٦:٢).
(٢) متفق عليه برواية أنس كذا فى المشكاة مع التنقيح (١: ٢٠٦) مؤلف.
(٣) قلت: رواه البخارى فى فضائل الأنبياء (١: ١٢) منه.
(٤) متفق عليه عن جابر كذا فى المشكاة مع التنقيح (١: ٥٣) مؤلف.
٣٢
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠٠٦- حدثنا: يحيى بن إسماعيل أبو زكريا البغدادى قال: ثنا أبو بكر
ابن أبى شيبة قال: ثنا زيد بن الخباب قال: ثنا الضحاك بن عثمان قال:
حدثنى بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبى هريرة قال: كان رسول الله
مَّ الِ يقرأ فى المغرب بقصار المفصل. رواه الطحاوى، ورجاله كلهم ثقات من
رجال البخارى ومسلم إلا يحيى بن إسماعيل أبو زكريا فلم أجد من ترجمه
بالبغدادى .
وفى التهذيب (١٧٩:١١): يحيى بن إسماعيل أبو زكريا اثنان، أحدهما
الواسطى روى عنه أبو داود، وقال: سمعت أحمد ذكره فقال: أعرفه قديما وكان
لی صدیقا . اهـ.
والثانى الكوفى يقال له: "الخواص" روى عنه البخارى فى التأريخ،
ومحمد بن عوف قال أبو حاتم: كتبت عنه، وذكره ابن حبان فى الثقات. اهـ
فلا أدرى هل البغدادى هو واحد منهما قد نزل بغداد فنسب إليها أم آخر
سواهما؟ وقال فى جامع مسانيد الإمام (٥٨٨:٢): يحيى بن إسماعيل أبو
زكريا البغدادى ذكره الخطيب فى تاريخه، وقال : سمع إسماعيل بن أبى أويس،
وأبا بكر بن أبى شيبة، وأبا حيثمة، وزهير بن حرب. روى عنه أبو جعفر
الطحاوى الفقيه ذكر أنه سمع منه بطبرية اهـ.
قلت: ولم يذكره بجرح، ولا تعديل، والحديث قد ذكره الطحاوى
(١٢٦:١) فى موضع الاحتجاج، فلا أقل من أن يكون حسنا لا سيما وله شاهد
صحيح عند النسائى رواية سليمان بن يسار عن أبى هريرة، وقد تقدم فى
الباب.
وقتها وقصره أولى بالتخفيف من الجميع، فلما أمر معاذا بقراءة وسط المفصل فى العشاء
فينبغى أن لا يزاد فى المغرب على القصار فافهم.
قوله: "حدثنا يحيى بن إسماعيل أبو زكريا" إلخ. قلت: دلالته على مواظبته على
القصار فى المغرب ظاهرة.
3
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
٣٣
١٠٠٧- عن: بريدة رضى الله عنه كان النبى ◌ّ له يقرأ فى المغرب،
والعشاء "والليل إذا يغشى" و"والضحى" وكان يقرأ فى الظهر، والعصر
"بسبح اسم ربك الأعلى" " وهل أتاك". رواه البزار فى مسنده بسند صحيح
کذا قال العینی فی العمدة (٨٢:٣).
قوله: "عن بريدة" إلخ. فإن قلت: إن هذا القيد مواظبته مر ◌ّ على قراءة الأوساط
فى المغرب مثل العشاء وهو ينافى حديث مواظبته ظير على القصار فيها.
قلت: قد تقرر فى الأصول أنه إذا وقع التعارض بين السنتين لزم المصير إلى أقوال
الصحابة وأفعالهم، أو إلى القياس، وأقوال الصحابة، وأفعالهم ترجح أحاديث المواظبة
على القصار كما سيأتى، أو يقال: إن المراد بالمواظبة على القصار القراءة بها أو بمثلها من
غیر حصر فيها .
قال فى الدر: أى (يقرأ) فى كل ركعة سورة مما ذكر اهـ. قال الشامى: أى من
الطوال، والأوساط، والقصار، ومقتضاه أنه لا نظر إلى مقدار معين من حيث عدد الآيات
مع أنه ذكر فى النهر أن القراءة (١) من المفصل سنة، والمقدار المعين سنة أخرى. ثم قال:
وفى الجامع الصغير: يقرأ فى الفجر فى الركعتين قدر أربعين أو خمسين. واقتصر فى
الأصل على الأربعين، وفى المجرد ما بين الستين إلى المائة، والكل ثابت (٢) من فعله عليه
الصلاة والسلام. ويقرأ فى العصر، والعشاء خمسة عشر فى الركعتين فى ظاهر الرواية
كذا فى شرح الجامع لقاضى خان، وجزم به فى الخلاصة. وفى المحيط وغيره: يقرأ عشرين،
وفى المغرب خمس آيات فى كل ركعة اهـ.
أقول: كون المقروء من سور المفصل على الوجه الذى ذكره المصنف هو المذكور
فى المتون، كالقدورى، والكنز، والمجمع، والنقاية وغيرها، وحصر المقروء بعدد على ما
ذكره فى النهر، والبحر مما علمته مخالف لما فى المتون من بعض الوجوه كما نبه عليه فى
الحلية (إلى أن قال): فالذى ينبغى المصير إليه أنهما روايتان متخالفتان اختار أصحاب
(١) سیأتی دليله ١٢ منه.
(٢) قلت: قد مر دليله ١٢ منه.
٣٤
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠٠٨- عن: عبد الله بن يزيد أن النبى ◌ّظلّ قرأ فى المغرب " والتين
والزيتون" ، رواه الطبرانى فى الكبير وفيه جابر الجعفى وثقه شعبة، وسفيان
وضعفه بقية الأئمة. (مجمع الزوائد، ١٨٠:١).
قلت: وأخرجه الطحاوى (١ :١٢٦) وفيه جابر أيضا ولكن لا بأس به فى
المتابعات، وقد أوردناه كذلك.
١٠٠٩- عن: عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب قال: آخر صلاة
صلاها رسول الله عرّالتي المغرب، فقرأ فى الركعة الأولى "بسبح اسم ربك
المتون إحداهما ويؤيده أنه فى متن المنتقى ذكر أولا أن السنة فى الفجر حضرا أربعون آية
أو ستون، ثم قال: واستحسنوا (٣) طوال المفصل فيها، وفى الظهر إلخ فذكر أن الثانى
استحسان اهـ (١ : ٥٦٤).
فثبت بهذا أن حصر القراءة فى قصار المفصل للمغرب، وفى الأوساط، والطوال
لغيرها إنما هو مجرد استحسان، والأصل أن يقرأ فى المغرب بما يماثل القصار، وكذا فى
غيرها بما يشبه اختيها، ولا يخفى أن "سورة الليل" يماثل "سورة لم يكن" فى المقدار وهى
من القصار على ما نقله الشر نبلالى وغيره عن الكافى (شامى، ١: ٥٦٤). وكذا "سورة
الضحى" يساوى "سورة العاديات" وهى من القصار، فهذا الحديث لا يعارض الأحاديث
التى فيها المواظبة على القصار فى المغرب. والله تعالى أعلم. ودلالة الحديث على قراءة
الأوساط فى الظهر والعصر ظاهرة.
قوله: "عن عبد الله بن الحارث" إلخ قلت: قال فى التهذيب فى حجاج بن نصير:
وقال يحيى بن معين كان شيخا صدوقا ولكنهم أخذوا عليها أشياء فى حديث شعبة. قال
يعقوب: يعنى إنه أخطأ فى أحاديث من أحاديث شعبة. وذكره ابن حبان فى الثقات،
وقال: يخطئ ويهم. وأورد له ابن عدى الأحاديث التى أخطأ فيها عن شعبة وهى ثلاثة
ثم قال: ولحجاج أحاديث، وروايات عن شيوخه، ولا أعلم له شيئا منكرا غير ما ذكرت
(١) سیأتی دلیل هذا الاستحسان ١٢ منه.
٣٥
مقدار القراءة فى الحضر
ج - ٤
الأعلى"، وفى الثانية "بقل يا أيها الكافرون". رواه الطبرانى فى الكبير. وفيه
حجاج بن نصير (١) ضعفه ابن المدينى وجماعة، ووثقه ابن معين فى رواية ووثقه
ابن حبان (مجمع الزوائد، ١٨٠:١).
قلت: وهو مرسل فإن عبد الله بن الحارث ولد على عهد النبى عليه
فحنكه النبى معَ له. روى عن النبى مَّةٍ مرسلا، وعامة روايته عن الصحابة عنه
◌ّ له كذا يظهر من التهذيب (١٨٠:٥).
قلت: ومرسل الصحابی حجة عندهم جمیعا ، فالحديث مرسل حسن فى
حكم الموصول.
١٠١٠- أخبرنا: سفيان الثورى عن على بن زيد بن جدعان عن الحسن
وغيره قال: كتب عمر إلى أبى موسى أن أقرأ فى المغرب بقصار المفصل، وفى
العشاء بوسط المفصل، وفى الصبح بطوال المفصل. رواه عبد الرزاق فى
مصنفه (نصب الراية ٢٢٩:١).
وهو فى غير ما ذكرته صالح اهـ. ملخصا بمعناه (٢: ٢٠٩).
قلت: وحديث المتن ليس من الثلاثة المذكورة، فهو فيه صالح. وقال الذهبى فى
الميزان: قلت: لم يأت بمتن منكراهـ (١: ٢١٦). فعندى أنه من أمثال حجاج بن أرطاة
وابن لهيعة وغيرهما فى حسن الحديث بالدرجة الثانية، والله أعلم. وفى الحديث دلالة
على أن آخر فعله ◌ّ له قراءته فى المغرب بقصار المفصل، وما يماثلها، وقد مر بعض ما فيه
مع جوابه، فتذکر.
قوله: أجبرنا سفيان الثورى" إلخ. دلالته على قراءة المغرب والعشاء ظاهرة. وفى
رد المحتار: قال فى الكافى: وهو كالمروى عن النبى ◌ّ ةٍ لأن المقادير لا تعرف إلا سماعا.
أهـ ( ١ : ٥٦٤).
وفيه أيضا: أن القراءة من سور المفصل على الوجه الذى هو مذكور فيه
(١) بضم النون.
٣٦
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
قلت: لم يدرك الحسن عمر رضى الله عنه، وعلى هذا اختلف فى
الاحتجاج به، وقد وثق، كذا فى مجمع الزوائد (١٩٧:١). وهو من رجال
الخمسة. وبقية السند رجالها رجال الجماعة. ومراسيل الحسن صحاح فلا يضر
الانقطاع بينه وبين عمر قال ابن المدينى: مرسلات الحسن إذا رواها عنه
الثقات صحاح ما أقل يسقط منها اهـ كذا فى التهذيب (٦٦:٣).
مستحسنة، لأن الصحابى لا يأمر إلا بما هو مستحسن فى الشرع، ولذا قال فى متن
المنتقى: واستحسنوا طوال المفصل فى الفجر إلخ كما مر آنفا، ولذا اختاره أصحاب
المتون من أصحابنا. وليس فى هذا الأثر بيان قراءة الظهر والعصر، أما الظهر فقد ورد ذكره
عند الترمذى كما فى المتن ولكن فيه أن اقرأ فى الظهر بأوساط المفصل، وهو خلاف ما
نقله أصحابنا فى كتبهم. قال فى الهداية: روى أن عمر رضى الله عنه كتب إلى أبى موسى
الأشعرى أن اقراء فى الفجر والظهر بطوال المفصل، وفى العصر والعشاء بأوساط المفصل،
وفى المغرب بقصار المفصل. اهـ قال الزيلعي: غريب بهذا اللفظ اهـ (١: ٢٢٩).
وأما العصر فكونها مثل العشاء فى القراءة إن لم يرد فى هذا الأثر فهو ثابت
بالأحاديث المرفوعة، فقد مر أنه ظهر كان يقرأ فى العصر بنحو "والليل إذا يغشى" رواه
أحمد ومسلم، وأنه كان يقرأ فيها "بالسماء ذات البروج والسماء والطارق" وشبههما.
رواه الترمذى، وصححه. وسيأتى أنه مرّةٍ كان يقرأ فيها " بسبح اسم ربك الأعلى وهل
أتاك". رواه البزار، وصححه الهيثمى. وهذا هو حكم القراءة فى العشاء، كما ستعرف،
فثبت استحسان قراءة الأوساط فيهما.
وأما كون الظهر مثل الفجر فى الإطالة فقد مر دليله فى حديث أبى سعيد احذرى
والثلثين من الصحابة أنهم حرزوا قيامه سرِّ فى الركعتين الأوليين منها قدر ثلاثين آية،
فأثر الهداية. وإن كان غريبا بلفظه ولكن معناه ثابت، وقد عرفت أن الظهر ألحقها فى
الأصل بالعصر، فلعل ذلك بالنظر إلى أثر عمر رضى الله عنه، فإنه أمر أبا موسى بقراءة
الأوساط فيها هذا. والله ولى التوفيق، ومنه الهداية إلى سواء الطريق.
٣٧
مقدار القراءة فى الحضر
ج - ٤
١٠١١ - عن: زرارة بن أبى أوفى قال: أقرأنى أبوموسى كتاب عمر إليه اقرأ
فى المغرب آخر المفصل، وآخر المفصل من لم يكن إلى آخر القرآن. أخرجه
الطحاوى، وذكره الحافظ فى الفتح (٨٢٨:٢). فهو صحيح أو حسن على
قاعدته.
١٠١٢- وروى عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى أن اقرأ فى الظهر بأوساط
المفصل. أخرجه الترمذى (٤١:١).
قوله: "عن زرارة" إلخ قلت: المراد بآخر المفصل فيه قصاره لما فى حديث سفيان
المار أن اقرأ فى المغرب بقصار المفصل، فيكون مفسرا للآخر.
تحقيق المفصل وطواله ووسطه وقصاره
قال العلامة السيوطى فى الإتقان: والمفصل ما ولى المثانى من قصار السور سمى
بذلك لكثرة الفصول التى بين السور بالبسملة وقيل: لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى
بالمحكم أيضًا، كما روى البخارى عن سعيد بن جبير قال: إن الذى تدعونه المفصل هو
المحكم. وآخره سورة الناس بلا نزاع، واختلف فى أوله على اثنى عشر قولا أحدها "ق"
لحديث أوس السابق. اهـ (١: ٦٧ مطبوعة مصر).
قلت: وهو ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وغيرهما عن أوس بن أبى أوس حذيفة
الثقفى قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف، فذكر الحديث، وفيه: فقال لنا
رسول الله مرّ: طرأ على حزبى من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه. قال:
فسألنا أصحاب رسول الله مرطِّ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور،
وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل
من "ق" حتى تختم. اهـ ذكره الحافظ فى الفتح (٩: ٣٩). وسكت عنه فهو صحيح، أو
حسن على قاعدته. ورجال أحمد كلهم ثقات. قال عبد الله بن أحمد: حدثنى أبى ثنا
عبد الرحمن بن مهدى (من رجال الجماعة) ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى (من
٣٨
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠١٣- عن: الحسن قال: كان عمران بن الحصين يقرأ فى المغرب "إذا
زلزلت والعاديات". أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه. قاله العينى فى العمدة
(٨٢:٣) ولم یذ کر سنده.
١٠١٤- عن: أبى عبد الله الصنابحى أنه قال: قدمت المدينة فى خلافة
رجال مسلم) عن عثمان بن عبد الله ابن أوس الثقفى (وثقه ابن حبان كذا فى التهذيب،
٧: ١٢٩) عن جده أوس بن حذيفة به. اهـ (٤: ٩). وفى زهر الربى هو من "ق" إلى آخر
القرآن على الصحيح اهـ (١: ١٥٦).
وفى فتح البارى: وفى المراد بالمفصل أقوال أصحها أنه من أول "ق" إلى آخر
القرآن اهـ (٢٦٤:٢).
قلت: فثبت بهذا أول طوال المفصل، وثبت بأثر زرارة بن أوفى أول قصاره أنه من
لم يكن إلى آخر القرآن، ولم أقف على تعيين أوسطه من الآثار، والمشهور أنه من البروج
إلى لم يكن وعليه الجمهور، كذا فى تنقيح الرواة فى تخريج أحاديث المشكاة (١: ٥٣١).
فمن ظفر بدليله فى أثر فليلحق بهذا المقام. وفى الإتقان: قال ابن معن: طواله إلى "عم"،
وأوساطه منها إلى "الضحى" ومنها إلى آخر القرآن قصاره. هذا أقرب ما قيل فيه اهـ (١:
٦٧) .
ترتيب السور توقیفی
قلت: ولكن حديث أوس وأثر عمر يضاد، وأنه فى مبدأ الطوال، والقصار، وفى
حديث أوس المذكور دلالة على أن ترتيب السور كما هو فى المصاحف توقيفى لأن
الصحابة رتبوا القرآن على هذا الترتيب فى زمن النبى مرّ له، والظاهر أنه لم يكن إلا
بتعليمه أو باطلاع منه مرّ له، وأقرهم الله سبحانه وتعالى عليه.
قوله: "عن الحسن إلى قوله: عن أبى عثمان النهدى" الخ. قلت: دلالته الآثار
على قراءة القصار فى المغرب من فعل أجلة الصحابة ظاهرة.
٣٩
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
أبى بكر فصليت وراءه المغرب، فقرأ فى الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة
سورة من قصار المفصل الحديث. رواه الإمام مالك فى الموطأ (ص: ٢٧). قلت:
سند صحيح.
١٠١٥- عن: أبى نوفل بن عقرب عن ابن عباس قال: سمعته يقرأ فى
المغرب ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾. أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه قال:
حدثنا وكيع عن شعبة به. كذا فى عمدة القارى (٨١:٣).
قلت: سند صحيح رجاله من رجال الجماعة إلا أبا نوفل فهو من رجال
مسلم وأبى داود والنسائى كذا فى التهذيب (٤٦٠:١٢).
١٠١٦- عن: أبى عثمان النهدى أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ
"قل هو الله أحد". أخرجه أبو داود (١٢٥:١)، وسكت عنه، فهو صالح عنده.
وأخرجه ابن أبى شيبة، وزاد: فوددت أنه قرأ "سورة البقرة" من حسن صوته،
كذا فى عمدة القارى (٨٨١:٣) ولم یذکر سنده.
١٠١٧- عن: هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ فى صلاة المغرب بنحو ما
تقرأون "والعاديات" ونحوها من السور. قال أبو داود: وهذا يدل على أن
ذاك(١) منسوخ. قال أبو داود: وهذا أصح أخرجه أبو داود (١٢٥:١) فى سننه
بسند صحيح.
قوله: "عن هشام بن عروة" إلخ. قلت: فى قوله: "بنحو ما تقرأون" دلالة على ما
مر فى قول محمد، وابن دقيق العيد أن العمل قد استمر على تقصير القراءة فى المغرب،
وعلى أن التابعين، وأتباعهم كانوا قد تركوا التطويل فيها، ولذا قال أبو داود: إن هذا
يدل على أن ذاك منسوخ، لأن ترك العمل بحديث من إمارات نسخه، وقد مر بعض ما
فيه فتذكر، ودلالة بقية الآثار على مواظبة تقصير القراءة فى المغرب من فعل أجلة التابعين
ظاهرة، فثبت بمجموع الأحاديث المرفوعة والموقوفة أن ما ينبغى أن يقرأ به فى صلاة
(١) أى إطالة القراءة فى المغرب.
٤٠
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠١٨ - عن: رافع بن خديج قال: كنا نصلى المغرب مع النبى معَّه،
فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله. أخرجه الإمام البخارى (٢٤:٢).
١٠١٩- أخبرنا: وكيع عن إسماعيل بن عبد المالك قال: سمعت سعيد
ابن جبير يقرأ فى المغرب مرة " تنبئ أخبارها" ومرة "تحدث أخبارها". أخرجه
ابن أبى شيبة فى مصنفه (عمدة القارى ٨٢:٣).
قلت: إسماعیل هذا مختلف فيه، قال يحيى بن معين: ليس به بأس،
كذا فى التهذيب (٣١٦:١). وقد عرفت أن هذا من ابن معين توثيق، كما
ذكرناه فى المقدمة. وبقية رواته ثقات.
١٠٢٠- حدثنا: وكيع عن ربيع قال: كان الحسن يقرأ فى المغرب "إذا
زلزلت، والعاديات" لا يدعهما. أخرجه ابن أبى شيبة (عمدة القارى ١٨٢:١).
قلت: ربيع هذا لعله ابن صبيح السعدى وثقه شعبة، وأبو زرعة، وأبو
الوليد، وأحمد، وقال ابن عدى: له أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر له حديثا
منكرا جدا، وأرجو أنه لا بأس به، ولا برواياته. كذا فى التهذيب (٢٤٧:٣،
٢٤٨) .
١٠٢١- أخبرنا: زيد بن الحباب عن الضحاك بن عثمان قال: رأيت عمر
ابن عبد العزيز رضى الله عنه يقرأ فى المغرب بقصار المفصل. أخرجه ابن أبى
شيبة (عمدة القارى ١٨٦:٣).
المغرب هو قصار المفصل، وهذا قول أبى حنيفة، وصاحبيه رضى الله تعالى عنهم.
قوله: "عن رافع بن خديج" إلخ. قلت: قال الطحاوى: فلما كان هذا وقت
انصراف النبى مَّ لله من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ "الأعراف" ولا
نصفها. اهـ (معانى الآثار ١: ١٢٥).
وقال الحافظ فى الفتح (٢: ٢٠٦): نعم! حديث رافع الذى تقدم فى المواقيت أنهم
كانوا ينتصلون بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها اهـ.