Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كراهية النوم قبل صلوة العشاء والسمر بعدها
إعلاء السنن
بعدها)). رواه الجماعة كذا فى "النيل" (٣١٥:١).
٥٥٤- عن: ابن مسعود رضى الله عنه قال: ((جدب لنا رسول الله عَ ليه
السمر بعد العشاء)). رواه ابن ماجة وقال: جدب: يعنى زجرنا عنه نهانا عنه،
ورجاله رجال الصحيح (النيل ٣١٦:١).
٥٥٥- عن: عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: ((كان رسول الله صَ لّل
يسمر مع أبى بكر فى الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما)). رواه الترمذى (٢٤:١)
وحسنه.
٥٥٦- عن: ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعا: ((لا سمر إلا لمصل (١) أو
مسافر)) رواه الإمام أحمد فى مسنده (٢) بإسناد صحيح (العزيزى ٤٣٧:٣).
والثالث على جواز السمر فيما يتعلق بأمور الدين، والرابع يدل على جوازه لمن لا ينام
وينتظر الصلاة(١) ولمن كانت له حاجة كالمسافر يتيقظ لحفظ متاعه ويسامر، والخامس
على جواز النوم لمن يشق بالانتباه لصلاة العشاء. فمجموع أحاديث الباب يدل على
مجموع أجزائه.
وقال الحافظ فى فتح البارى(٤): "لأن النوم قبلها قد يؤدى إلى اخراجها عن وقتها
مطلقا أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يودى إلى النوم عن الصبح أو عن وقتها
المختار أو عن قيام الليل، وكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على ذلك ويقول: أسمرًاً
أول الليل ونوما آخره؟ وإذا تقرر أن علة النهى ذلك فقد يفرق فارق بين الليالي الطوال
والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسما للمادة، لأن الشىء إذا شرع
مثله، وإليه ذهب الطحاوى، وقال ابن العربى: إن ذلك جائز لمن علم من نفسه اليقظة قبل خروج الوقت لعبادة،
=
أو يكون معه من يوقظه (نيل الأوطار، باب كراهية النوم قبلها إلخ ١٢:٢).
(١) أى منتظر الصلاة (مؤلف).
(٢) مسند ابن مسعود (٤٤٤:١) وأخرجه فى (٤١٢:١ ٤٦٣:١) بلفظ لا سمر إلا لأحد رجلين لمصل أو مسافر
وأخرجه الترمذى تعليقا (٥١:١).
(٣) التهجد أو الصبح (مؤلف).
(٤) باب ما يكره من السمر بعد العشاء (٦٠:٢).

ج - ٢
كراهية النوم قبل صلوة العشاء والسمر بعدها
١٠٠
١٠٢
٥٥٧- عن: معمر عن أيوب عن نافع: "أن ابن عمر رضى الله عنه كان
ربما رقد عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه". رواه عبد الرزاق، كذا فى فتح
البارى" (١)، قلت: رجاله رجال الجماعة.
لكونه مظنة قد يستمر فيصير مئنة والله أعلم اهـ. وقال العلامة العينى: "وفيه كراهية
النوم قبل العشاء لأنه تعرض لفوتها بإستغراق النوم، وفيه كراهية الحديث بعدها، وذلك
لأن السهر فى الليل سبب الكسل عما يتوجه من حقوق النوم والطاعات ومصالح
الدين. قالوا: المكروه منه ما كان فى الأمور التى لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة خير
فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف والعروس
للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين لحفظ
متاعهم وأنفسهم، والحديث فى الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم فى خير، والأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك وكل ذلك لا كراهة فيه"
اهـ (عمدة القارى ٥٣٥:٢).
وقال الطحاوى: إنما كره النوم قبلها (يعنى العشاء) لمن خشى عليه فوت وقتها أو
فوت الجماعة فيها، وأما من وكل نفسه إلى من يوقظه فيباح له النوم اهـ. وقال الزيلعى:
وإنما كره الحديث بعدها لأنه ربما يؤدى إلى اللغو أو إلى تفويت الصبح أو قيام الليل لمن
له عادة به، وإذا كان لحاجة مهمة فلا بأس اهـ. والمعنى فيه أن يكون اختتام الصحيفة
بالعبادة كما جعل ابتدائها بها ليمحى ما بينهما من الزلات، ولذا كره الكلام قبل صلاة
الفجر، وتمامه فى "الإمداد" ويؤخذ من كلام الزيلعى أنه لو كان لحاجة لا يكره وإن خشی
فوت الصبح لأنه ليس فى النوم تفريط وإنما التفريط على من أخرج الصلاة عن وقتها،
كما فى حديث "مسلم" نعم! لو غلب على ظنه تفويت الصبح لا يحل لأنه يكون
تفريطا. تأمل (رد المحتار ٣٨١:١ و٣٨٢).
(١) باب النوم قبل العشاء من كتاب المواقيت (٤٢:٢.

١٠٣
ج - ٢
باب حكم الكلام بعد ركعتى الفجر
والاضطجاع بعدهما
٥٥٨- عن: عائشة رضى الله عنها: ((أن النبى ◌ّ التّ كان إذا صلى سنة
الفجر فإن كنت مستيقظة حدثنى وإلا اضطجع، حتى يؤذن بالصلاة)) (١) رواه
"البخارى"(٢) - واللفظ له- ومسلم.
باب حکم الكلام بعد ر کعتی الفجر
والإضطجاع بعدهما
قوله: "عن عائشة" فى الحديث الأول إلخ" قال على القارى: "قال ابن الملك: فيه
دليل على أن الفصل بين سنة الصبح وبين الفريضة جائز، وعلى أن الحديث مع الأهل
سنة اهـ. يعنى من قال: إن الكلام بين السنة والفرض يبطل الصلاة أو ثوابها فقوله
باطل، نعم! كلامه عليه السلام لا شك أنه من كلام الآخرة، وأما كلام الدنيا فلا شك أنه
خلاف الأولى دائما، فضلا عما بين الصلاتين، لأن الحكمة فى وضع السنة أن يتهيأ
لكمال الحالة وطرد الغفلة، فيدخل فى الفريضة على كمال الحضور واللذة" اهـ (مرقاة
١١٩:٢).
وقال الحافظ فى الفتح (٣٧:٣): واستدل به على جواز الكلام بين طلوع
الفجر وصلاة الصبح خلافا لمن كره ذلك، وقد نقله ابن أبى شيبة عن ابن مسعود
ولا يثبت عنه، وأخرجه صحيحا عن إبراهيم وأبى الشعثاء وغيرهما اهـ. قلت:
روى ابن أبى شيبة عن إبراهيم قال: كانوا (أى الصحابة) يكرهون الكلام بعد ركعتى
(١) أى يخبره بإقامتها (مؤلف).
(٢) باب من تحدث بعد الركعتين من كتاب التهجد (١٥٥:١).

١٠٤
حكم الكلام والاضطجاع بعد ركعتى الفجر
إعلاء السنن
الفجراهـ. كذا فى عمدة القارى (٦٤٥:٣)، قال العلامة العينى: "إنه لا بأس بالكلام بعد
ركعتى الفجر مع أهله وغيرهم من الكلام المباح، وهو قول الجمهور وهو قول مالك
والشافعى، وقد روى الدارقطنى فى غرائب مالك بإسناده إلى الوليد بن مسلم قال: كنت
مع مالك ابن أنس نتحدث بعد طلوع الفجر وبعد ر کعتی الفجر، ویفتی به أنه لا بأس
بذلك. وقال أبو بكر ابن العربى: وليس فى السكوت فى ذلك الوقت فضل ما ثور إنما
ذلك بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وفى التوضيح: اختلف السلف فى الكلام
بعد ركعتى الفجر - إلى أن قال -: وكره الكوفيون الكلام قبل صلاة الفجر إلا بخير" قال:
ولقول الأول (أى عدم كونه مكروها) أولى بشهادة السنة الثابتة له ولا قول لأحد مع
(١)
السنة" اه(١).
قلت: ولكن كلامه مٍّ لا شك أنه من كلام الآخرة، وأما كلام الدنيا فلا شك أنه
خلاف الأولى دائما فضلا عما بين الصلاتين كما قال القارى، يشهد له حديث إبراهيم
قال: "كانوا يكرهون الكلام بعد ركعتى الفجر" فالأولى أن يجمع بين الحديثين فيحمل
حديث عائشة على كلام الآخرة وحديث إبراهيم على كلام الدنيا.
وفى الدر المختار: "ويكره النوم قبل العشاء والكلام المباح بعدها وبعد
طلوع الفجر إلى أدائه ثم لا بأس بمشيه لحاجته وقيل: يكره إلى طلوع ذكاء، وقيل: إلى
ارتفاعها "فيض" (٢). وظنى الكراهة تنزيهية كما يدل عليه قول على القارى وقد مر.
ومن زعم أن الكلام بعد ركعتى الفجر ينقض سنيتها أو ينقص ثوابها فقوله باطل لا
دليل عليه، وما أبعد أن يقال: إن الكلام الذى يكون بعد الفراغ من الصلاة
يكون ناقضا لها أو ناقصا لثوابها كما لا يخفى، وما نقل أن ابن مسعود وغيره من كراهية
الكلام فهو لا يقتضى بطلان السنة ولا نقصان ثوابها، وإنما يقتضى كراهة الكلام غير
ذكر الخير.
(١) عمدة القارى: باب من تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع (٦٤٥:١٣ و٦٤٦).
(٢) الدر المختار (٣٩٦:١).

ج - ٢
حكم الكلام والاضطجاع بعد ركعتى الفجر
١٠٥
٥٥٩- وعنها رضى الله عنها قالت: ((كان النبى مَ لٍ إذا صلى ركعتى
الفجر اضطجع على شقه الأيمن)). رواه البخارى (١ - ١٥٥) - واللفظ له-
ومسلم.
٥٦٠- وعنها ((أن رسول الله عّ لٍّ كان يصلى بالليل إحدى عشرة ركعة
يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن
فيصلى ركعتين خفيفتين)). رواه البخارى (١٥٣:١) ومسلم واللفظ له.
فائدة:
السنة فى ركعتى الفجر الأداء فى البيت(١) لأنه ◌ٍّ كان يصليهما فيه وأن
يصليهما أول طلوع الفجر، وأن يخفف القراءة فيهما ويقرء فى الأولى بعد الفاتحة "قل يا
أيها الكافرون" وفى الثانية "الإخلاص" اهـ. كذا فى "عدة أرباب الفتوى" (ص٤).
قولها: رضى الله عنها "اضطجع على شقه الأيمن" اهـ. قلت: قال الشامى فى رد
المختار (١: ٧١٢) "صرح الشافعية بسنية الفصل بين سنة الفجر وفرضه أخذا من هذا
الحديث ونحوه، وظاهر كلام علمائنا خلافه حيث لم يذكروها ، بل رأيت فى موطأ محمد
ما نصه إلخ". ثم ذكر حديث محمد عن مالك، وقد ذكرناه فى المتن وسيأتى الكلام على
هذا المسألة فانتظر.
قولها: "فإذا فرغ منها اضطجع إلخ". قلت: قال النووى فى شرح مسلم: قال
القاضى عياض فى هذا الحديث: إن الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتى الفجر.
(١) روى البخارى عن ابن عمر قال: حفظت من النبى معَ ةٍ عشر ركعات - إلى أن قال- وركعتين قبل صلاة الصبح
وكانت ساعة لا يدخل على النبى ◌ّ ل فيها، حدثتنى حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى
ركعتين " اهـ (١٥٨:١). والحديث يدل على أن ابن عمر لم ير رسول الله منّالله يصلى ركعتى الفجر وإنما حدثته
بذلك حفصة لأنه كان يصليهما فى البيت. وروى محمد فى موطئه عن حفصة رضى الله عنها: "أن رسول الله
◌ّله كان إذا سكت المؤذن من صلاة الصبح وبدا الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة". قال
محمد: وبهذا نأخذ، الركعتان قبل الفجر تخففان اهـ (ص١٥٢). وإسناده صحيح ويثبت بالحديثين أنه مرّ.
كان يركع الركعتين بعد سكوت المؤذن إذا طلع الفجر، وأما قراءة "قل يا أيها الكافرون" و"الإخلاص" فى
هاتين الركعتين فقد رواها البخارى ومسلم والله أعلم (مؤلف).

١٠٦
حكم الكلام والاضطجاع بعد ركعتى الفجر
إعلاء السنن
وفى الرواية الأخرى عن عائشة رضى الله عنها "أنه ◌ٍّ كان يضطجع يجد وكعتى
الفجر" وفى حديث ابن عباس "أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل قبل ركعتى
الفجر". قال: وهذا فيه رد على الشافعى وأصحابه فى قولهم أن الاضطجاع بعد ركعتى
الفجر سنة. قال: وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنه بدعة،
وأشار إلى أن رواية الاضطجاع بعد ركعتى الفجر مرجوحة. قال: فَيَقْدِمْ رواية
الاضطجاع قبلهما. قال: ولم يقل أحد فى الاضطجاع قبلهما أنه سنة فيكفا بسبهما،
قال: وقد ذكر مسلم عن عائشة رضى الله عنها: "فإن كنت مستيقظة فدعنى وإلا
اضطجع" فهذا يدل على أنه ليس بسنة، وإنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا
يضطجع، هذا كلام القاضى والصحيح أو الصواب أن الاضطجاع بعد سنة الفجر
سنة لحديث أبى هريرة قال: "قال رسول الله سرّي: إذا صلى أحدكم ركحتى الفجر
فليضطجع على يمينه" رواه أبو داود والترمذى بإسناد صحيح على شرط البخارى
ومسلم، قال الترمذى: هو حديث حسن صحيح، فهذا حديث صحيح صريح فى الأمر
بالاضطجاع اهـ (١).
الحديث القولى فى الاضطجاع بعد ركعتى الفجر شاذ:
قلت: لا يتم استدلال النووى بهذا الحديث القولى، فإنه رواية شاذة مخالفة
للثقات، والمحفوظ ما رواه غير واحد من الحفاظ من فعله مرّ له. قال العلامة السيوطى فى
تدريب الراوى: "والصحيح التفصيل، فإن كان الثقة يتفرده مخالفا احفظ منه وأضبط
-عبارة ابن الصلاح- لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وعبارة شيخ الإسلام لمن هو
أرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات كان ما انفرد به
شاذا مردوداً. قال شيخ الإسلام: ومقابله يقال له: المحفوظ - إلى أن قال: ومن أمثلته فى
المتن ما رواه أبو داود والترمذى من حديث عبد الواحد بن زيد عن الأعمش عن أبى
صالح عن أبى هريرة مرفوعا: إذا صلى أحدكم ركعتى الفجر فليضطجع عن يمينه. قال
(١) انتهى كلام النووى فى شرح مسلم (٢٥٤:١) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى مد لله إلخ.

ج - ٢
حكم الكلام والاضطجاع بعد ركعتى الفجر
١٠٧
٥٦١- وعنها أنها كانت تقول: ((إن النبى معَّ له لم يضطجع لسنة، ولكنه
كان يدأب ليلته فيستريح)). رواه عبد الرزاق (١) وفى إسناده راو لم يسم. كذا فى
فتح البارى (٣٦:١).
البيهقى: خالف عبد الواحد العدد الكثير فى هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبى
مَظٍّ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ " (٢).
فهذا كما ترى قد عده السيوطى من الشاذ المردود فلا يستقيم الاستدلال به
أصلا، فلم يبق إلا الاحتجاج بفعله مَّهِ، ويتجه عليه ما قاله القاضى عياض من أن فعله
عَّه لم يثبت على نهج واحد بل الآثار فيه مختلفة، فلا سبيل إلى جعل هذا.
الاضطجاع سنة عبادة، نعم! إنها سنة عادة للاستراحة من تعب صلاة الليل، كما يدل
عليه حديث عائشة الآتى. قال العلامة الشامى: وحاصله أن اضطجاعه مٍّ إنما كان فى
بيته للاستراحة لا للتشريع، وإن صح حديث الأمر بها الدال على أن ذلك للتشريع
يحمل على طلب ذلك فى البيت فقط توفيقا بين الأدلة، والله تعالى أعلم (١: ٧١٢).
قولها: " كان يدأب ليلته إلخ" أى يتعب، كذا فى "القاموس". والحديث وإن
كان فيه راو لم يسم ولكن ذكرناه فى المتن استشهادًا (٣)، لأن الحافظ ابن حجر قد ذكره
شاهداً فى (باب من تحدث بعد ركعتين ولم يضطجع) بما نصه: "أشار (أى البخارى)
بهذه الترجمة إلى أنه مٍّ لم يكن يداوم عليها (أى الضجعة بعد ركعتين) وبذلك احتج
الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك فى حديث أبى هريرة عند أبى داود
(١) فى مصنفه (٤٣:٣ رقم ٤٧٢٢) عن ابن جريج قال: "وأخبرنى من أصدق عن عائشة قالت: كان رسول الله من التل
إذا اطلع الفجر يصلى ركعتين خفيفتين، ثم يضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة. لم
يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ليله فيستريح. قال: فكان ابن عمر يحصبهم إذا رآهم يضطجعون على
"
أيمانهم".
(٢) انتهى كلام السيوطى فى النوع الثالث عشر من تدريب الراوى (ص١٤٨) وقدمنا فى مبحث المسح على العمامة
من هذا الكتاب (١٩:١) أن عبارة البيهقى التى نقلها السيوطى لمانجدها فى سننه، نعم يوجد فى باب ما ورد فى
الاضطجاع إلخ (٤٥:٣) ما يقابله، فلعل هذه العبارة فى كتاب له آخر، والله أعلم.
(٣) على أن هذا الرجل المجهول قد وثقه ابن جريج حيث قال فى روايته: "أخبرنى من أصدق" كما مر، فلا تضر
هذه الجهالة إن شاء الله.

١٠٨
حكم الكلام والاضطجاع بعد ركعتى الفجر
إعلاء السنن
٥٦٢- عن: إبراهيم قال: ((كانوا (أى الصحابة) يكرهون الكلام بعد .
ركعتى الفجر)) رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه (عمدة القارئ ٦٤٥:٣) وصححه
الحافظ فى الفتح (٣٧:٣).
٥٦٣- عن إبراهيم قال: قال عبد الله (١): ((ما بال الرجل إذا صلى
الركعيتن يتمعك كما يتمعك الدابة والحمار، إذا سلم فقد فصل (٢). رواه ابن
أبى شيبة فى مصنفه، كذا فى "عمدة القارى" وذكره الحافظ أيضاً مختصراً فى
الفتح (٣٥:٣) وسكت عنه فهو صحيح أو حسن على قاعدته، ومراسيل
إبراهيم صحيحة كما مر.
٥٦٤- عن: سعيد بن المسيب قال: ((رأى ابن عمر رجلا يضطجع بين
الركعتين فقال: احصبوه)) رواه ابن أبى شيبة(٣) كذا فى عمدة القارى وقال
الحافظ فى الفتح (٣٦:٣): وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله فى
المسجد. أخرجه ابن أبى شيبة اهـ.
وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك، الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا
يستحب ذلك إلا للمتهجد، وبه جزم ابن العربى، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق أن
عائشة كانت تقول إلخ فذكر الحديث بلفظ المتن وفيه دلالة صريحة على نفى كون هذا
الاضطجاع سنة عبادة بل هو سنة عادة له مرّةٍ لأجل الاستراحة كما لا يخفى.
قوله: "عن إبراهيم إلخ". قلت: إنما أنكر عبد الله على هذا الاضطجاع إذا كان
فى المسجد أو يفعل تحتما فيكره، وأما إذا كان فى البيت ولا على طريق التحتم فلا
كراهة فيه، فقد عرفت أنه سنة عادة، وعلى ذلك يحمل حديث ابن عمر المذكور فى
(١) هو ابن مسعود (مؤلف).
(٢) كذا بخط المؤلف، وكذلك هو فى عمدة القارى (٦٤٤:٣) ولكن وقع فى مصنف ابن أبى شيبة (٣٤٨:٢) طبع
حيدر آباد: "إذا سلم قعد فصلى" .
(٣) جعله فى النسخة المطبوعة من المصنف أثر عمر دون ابن عمر (٢٤٨:٢) ويمكن أن يكون فى النسخة المطبوعة
تصحيف، لأن الحافظين العينى والعسقلانى كليهما يرويانه عن ابن عمر، وكذلك نجد فى مصنف عبد الرزاق
(٤٣:٣) عن ابن جريج أنه يرويه عن ابن عمر دون عمر، والله أعلم.

١٠٩
ج - ٢
٥٦٥- أخبرنا: مالك أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر: "أنه رأى رجلا
ركع ركعتى الفجر ثم اضطجع فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع: فقلت
يفصل بين صلاته، قال ابن عمر: وأى فصل أفضل من السلام" . قال محمد:
وبقول ابن عمر نأخذ وهو قول أبى حنيفة رحمه الله. رواه محمد فى الموطأ
(ص-١٤٢) وإسناده صحيح.
باب كيفية الأذان والإقامة وسنتهما
والتثويب فى الفجر
٥٦٦- عن: عبد الله بن زيد قال: ((كان رسول الله مّ له قد هم بالبوق
وأمر بالناقوس فنحت، فأرى عبد الله بن زيد فى المنام(١) قال: رأيت رجلا عليه
ثوبان أخضران يحمل ناقوساً فقلت له: يا عبد الله تبيع الناقوس؟ قال: وما
تصنع به؟ قلت: أنادى به إلى الصلاة، قال: أ فلا أدلك على خير من ذلك؟
قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله
إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً
رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلاح، حى على
الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: فخرج عبد الله بن زيد حتى أتى.
رسول الله عَظّ فأخبره بما رأى، قال: يا رسول الله! رأيت رجلا عليه ثوبان
أخضران يحمل ناقوسا، فقص عليه الخبر فقال رسول الله مَ له: إن صاحبكم
المتن. وما نقل من السلف أنه بدعة فمعناه أن تحتمه أو فعله فى المسجد بدعة لا على
الإطلاق، فاجتمع الأخبار وارتفع الخلاف وحصل الاتفاق ولله الحمد.
(١) اعلم أن الأذان قد ثبت فى الشرع برؤيا غير النبى م غيره لكن مقرونا بتقريره مر فهو وحى حكمى، وما يروى فى
ثبوته بالوحى الحقيقى ابتداء فالأحاديث فيه لا تخلو من جرح، كما فصله الحافظ الزيلعى فى باب الأذان
(مؤلف) .

١١٠
كيفية الأذان والإقامة
إعلاء السنن
قد رأى رؤياً فأخرج مع بلال إلى المسجد فألقها عليه وليناد بلال فإنه أندى
صوتاً منك. قال: فخرجت مع بلال إلى المسجد فجعلت ألقيها عليه وهو
ينادى بها. قال: فسمع عمر بن الخطاب بالصوت فخرج فقال: يا رسول الله!
والله لقد رأيت مثل الذى رأى)) رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد وصححه
الترمذى وابن خزيمة والبخارى فيما حكاه عنه الترمذى فى العلل (آثار السنن
٥١:١).
٥٦٧- عن: عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد
عن القيم: ((أن عبد الله بن زيد الأنصارى جاء إلى النبى ◌ّ لٍّ فقال: يا رسول الله!
رأيت فى المنام كأن رجلا قام وعليه بردان أخضران، فقام على حائط فأذن مثنى
مثنى وأقام مثنى مثنى)) انتهى. رواه ابن أبى شيبة فى المصنف، وأخرجه
باب كيفية الأذان والإقامة وسننهما
والتثويب فى الفجر
قوله: "عن عبد الرحمان بن أبى ليلى إلخ". قلت: وفى الجوهر النقى: وقال ابن
حزم: هذا إسناد فى غاية الصحة (١٠٨:١)، وقال المحدث ابن الجوزى فى التحقيق:
حديث عبد الله بن زيد هو أصل فى التأذين، وليس فيه ترجيح، فدل على أن الترجيع (١)
غير مسنون اهـ (زيلعى ١٣٧:١). وقال أيضا: لا يختلف فى أن بلالا كان لا يرجع اهـ
(الجوهر النقى ١٠٤:١). وقال أيضا: إن أذان أبى محذورة عليه عمل أهل مكة، وما ذهبنا
إليه، عليه أهل المدينة، والعمل على المتأخر من الأمور انتهى (التعليق الحسن ٤٩:١).
قلت: مراده رضى الله عنه أن بلالا وغيره من مؤذنى المسجد النبوى لم يثبت عنهم
الترجيع قط، لا قبل إسلام أبى محذورة ولا بعده، وبلال أذن بين يدى رسول الله منز له
(١) الترجيع هنا إعادة الشهادتين مرتين بصوت عال بعد النطق بهما بصوت منخفض، وقد اختلف فيه الأئمة، فقال
أبو حنيفة وأحمد بعدمه، وإليه ذهب الثورى، وقال به مالك والشافعى، وعن أحمد جواز الأمرين، واختار
الحنابلة عدمه (ملخص من معارف السنن ١٧٤:٢).

١١١
كيفية الأذان والإقامة
ج - ٢.
البيهقى فى سننه، عن وكيع به. قال فى الإمام: وهذا رجاله رجال الصحيح،
وهو متصل على مذهب الجماعة فى عدالة الصحابة، وأن جهالة أسماءهم لا
تضر (زيلعى ١٤٠:١).
٥٦٨- عن: عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: أخبرنى أصحاب محمد
مرّ التٍّ: ((أن عبد الله بن زيد الأنصارى رأى فى المنام الأذان فأتى النبى مَ لّه
فأخبره فقال: علمه بلالا ، فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى وقعد قعدة)). رواه
الطحاوى وإسناده صحيح (آثار السنن ٥٢:١).
حتى قبض، فلو كان الترجيع مسنونا وزيادته مشروعة لأمره رسول الله مع له. يزيادته فى
أذانه ولثبت عنه الترجيع ولو مرة، والأمر بخلافه، لأنه لا يختلف فى أن بلالا كان لا
(يرجع (١)، فالأولى الأخذ بأذانه لأن العمل على المتأخر من الأمور، لا بأذان أبى محذورة
لأنه لم يسمع أذانه بعد ما علمه، فلا يبعد أنه زاد الترجيع فى أذانه لخطأ فى فهمه.
وظنى أن هذا الكلام فى غاية القوة لا يمكن رده.
وقد أجاب علمائنا عن حديث أبى محذورة بأجوبة: منها أن الروايات عنه
مختلفة، محمد جاء فى بعضها الترجيع وجاء فى بعضها ما يدل على أن أذانه كأذان بلال.
روى الطحاوى عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى ويقيم
مثنى مثنى، صححه ابن التركمانى فى الجوهر النقى (١٠٨:١) وحسنه العلامة النيموى
فى آثار العين (٥٣:١). وقال الحافظ فى الدراية: وهذا يرد قول الحاكم أن عبد العزيز لم
يدرك أبا معذورة (ص٦٠) وهكذا روى عن بلال أنه أذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى كما
مر فى المتن، فإذا تعارضت الآثار عن أبى محذورة تساقطت.
ومنها ما قال الطحاوى: أنه يحتمل أن الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمد
بذلك صوته على ما أراد النبى معَّظه فقال له النبى مرّ اتير: ارجع وامدد من صوتك. هكذا
(١) والدليل على أن بلالا لم يغير أذانه بعد قصة أبى محذورة ما أخرجه الطحاوى (٨٠:١) عن سويد بن غفلة قال:
"سمعت بلالا يؤذن مثنى ويقيم مثنى" وسويد بن غفلة مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبى
#، كما فى التقريب (ص٢١٦) فظاهر أنه لم يسمع أذان بلال إلا بعد وفاته مع الته .

١١٢ .
كيفية الأذان والإقامة
إعلاء السنن
٥٦٩- عن: أبى العميس قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن
زيد الأنصارى يحدث عن أبيه عن جده ((أنه أرى الأذان مثنى مثنى والإقامة
مثنى مثنى قال: فأتيت النبي ◌ِّلِّ فأخبرته فقال: علمهن بلالا، قال:
فتقدمت فأمرنى أن أقيم))(١) رواه البيهقى الخلافيات. وقال الحافظ فى الدراية:
إسناده صحيح (آثار السنن ١ :٥٢).
٥٧٠- عن الشعبى عن عبد الله بن زيد الأنصارى قال: ((سمعت أذان
رسول الله عَ لِّ فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى)). رواه أبو عوانة فى صحيحه
وهو مرسل قوى، (آثار السنن ٥٢:١).
اللفظ فى هذا الحديث اهـ قلت: هذه اللفظة أخرجها الأربعة إلا الترمذى بإسناد جيد من
طريق ابن جريج عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبى محذورة. وقال العلامة ابن الجوزى
فى التحقيق: إن أبا محذورة كان كافراً قبل أن يسلم، فلما أسلم ولقنه النبى مرّةٍ الأذان
أعاد عليه الشهادة وكررها ليثبت عنده ويحفظها ويكررها على أصحابه المشركين فإنهم
كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها، فلما كررها عليه ظنها من الأذان فعده تسع
عشرة كلمة اهـ (التعليق الحسن (٤٩:١).
قلت: يؤيد تأويل الطحاوى ما فى هذه الرواية من قول أبى محذورة: "فأذن مؤذن
رسول الله مظهر بالصلاة عند رسول الله مّ ◌َّ فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون،
فظللنا نحكيه ونهزأ به فسمع رسول الله مرّة الصوت فأرسل إلينا - إلى أن قال-
فأرسلهم كلهم وحسبنى فقال: قم فأذن" الحديث رواه النسائى (١٠٣:١) وإسناده جيد،
فلا يبعد من الذى كان قبل بساعة متنكبا عن الإسلام مستهزءًا بالأذان أن يسر
بالشهادتين، فلم يعتد به النبى ◌ّ لّه وأمره بالرجوع والمد بالصوت.
قال بعض الناس(٢): ویرد هذه التأويلات ما روى أبو داود وسكت عنه: حدثنا
مسدد ثنا الحارث بن عبيد عن محمد بن عبد الملك بن أبى محذورة عن أبيه عن جده
(١) سيأتى تفصيله فى باب من أذن فهو يقيم (مؤلف).
(٢) المراد به فى كتابنا هذا فى جميع المواضع المؤلف السابق "لإحياء السنن" المسمى بأحمد حسن.

١١٣
ج - ٢
كيفية الآذان والإقامة
٥٧١- عن: أنس رضى الله عنه قال: ((من السنة إذا قال المؤذن فى أذان
الفجر حى على الصلاة حى على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم))، رواه
ابن خزيمة فى صحيحه والدارقطنى ثم البيهقى فى سننيهما، وقال البيهقى:
إسناده صحيح. (الزيلعي ١٣٨:١).
وفيه قوله مر ◌ّ: ((تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك)) الحديث (١٨٩:١) ورواه ابن حبان
فى صحيحه. قلت: فيه الحارث بن عبيد أبو قدامة ضعفه غير واحد، قال الذهبى فى
ميزانه: قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشىء،
وقال النسائى وغيره: ليس بالقوى، وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه انتهى. وقال
الحافظ فى التقريب: صدوق يخطئ. وأما محمد بن عبد الملك فقد قال الذهبى فى
الميزان: محمد بن عبد الملك بن أبى محذورة عن أبيه فى الأذان ليس بحجة، يكتب
حديثه اعتبارًا انتهى (التعليق الحسن ٥٠:١). وفى تهذيب التهذيب: "وقال ابن القطان:
مجهول الحال لا نعلم روى عنه إلا الحارث" (٣١٧:٩) وفى الجوهر النقى: "قال محمد بن
عثمان بن أبى شيبة سمعت على بن المدينى يقول: بنو أبى محذورة الذين يحدثون كلهم
ضعيف ليس بشىء(١) ولهذا قال عبد الحق: لا يحتج بهذا الإسناد" (١٠٤:١) فثبت أن
رواية "تخفض بها صوتك وترفع بها" ليست بصحيحة، والصواب ما رواه الأربعة غير
الترمذى بسند جيد من طريق ابن جريح بلفظ: "ارجع وامدد من صوتك".
وإن سلم صحة الإسناد الأول فالواقعة واحدة، فتحمل هذه الرواية على أن بعض
الرواة نقلها بالمعنى فلم يقدر على ضبط مفهومها. وقال العلامة ولى الله المحدث الدهلوى
-نور الله مرقده- فى حجة الله البالغة (١٨٩:١): "وعندى أنها (يعنى الروايات فى باب
الأذان) كأحرف القرآن(٢) كلها شاف كاف".
(١) قلت: ولكن عبد الملك ابن أبى محذورة ذكره ابن حبان فى الثقات، ولم يذكر الحافظ فيه جرحا من أحد، كما
يظهر من التهذيب (٤١٨:٦) (مؤلف).
(٢) قلت: ويؤيده أن سعد القرظ رضى الله عنه، مؤذن مسجد قباء كان يؤذن بترجيع، كما أخرجه عنه الدارقطنى
(٣٦:١ باب ذكر سعد القرظ) وكان ابنه يؤذن فى أمارة ابن الزبير بغير ترجيع، كما أخرجه عنه عبد الرزاق فى
مصنفه (٤٥٩:١ رقم، ١٧٨) فدل على أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يرون كلا الطريقين جائزا، غير أن ما
كان عليه بلال أولى بالاتباع، لكونه يؤذن بين يدى رسول الله مرِّ فى السفر والحضر، والله أعلم.

١١٤
كيفية الأذان والإقامة
إعلاء السنن
٥٧٢- عن: ابن عمر رضى الله عنهما: "كان الأذان بعد حى على
الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين". رواه الطبرانى والبيهقى بإسناد حسن،
وقال اليعمرى: هذا إسناد صحيح (نيل ٣٣٨:١).
مبحث تثنية الإقامة:
وأما ما يعارض تثنية الإقامة(١) فما رواه الجماعة عن أنس قال: "أمر بلال أن
يشفع الأذان ويوتر إلا الإقامة" اهـ كذا فى المنتقى، وفى النيل: وليس فيه للنسائى
والترمذى وابن ماجة "إلا الإقامة" اهـ. وفيه أيضا: وأصرح من ذلك رواية النسائى وغيره
عن قتيبة عن عبد الوهاب بلفظ: إن النبى ◌ّ لِّ أمر بلالا اهـ (٣٣٠:١ و٣٤٠) وما رواه
أبو داود والنسائى وأحمد عن ابن عمر رضى الله عنه قال: ((إنما كان الأذان على عهد
رسول الله مَّ له مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة،
وكنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة)) وقال اليعمرى: "إسناده
صحيح "(٢) كذا فى النيل (٢٤٣:١).
والجواب عنه بأن الأخذ بالزيادة أولى لا سيما إذا كانت أقوى سندًا، فقد قال
الطحاوى فى شرح معانى الآثار (٨١:١): "فتصحيح معانى الآثار يوجب أن يكون الإقامة
مثل الأذان سواء على ما ذكرنا، لأن بلالا رضى الله عنه اختلف فيما أمر به من ذلك،
تثنية الإقامة متواترة عن بلال:
ثم ثبت هو من بعد على التثنية فى الإقامة بتواتر الآثار فى ذلك، فعلم أن ذلك هو
(١) اعلم أن الإقامة عند الحنفية سبع عشرة كلمة بتربيع التكبير وتشفيع الشهادتين والحيعلتين والإقامة، وعند
الشافعية والحنابلة ثلاث عشرة كلمة بتربيع التكبير وإيتار الشهادتين والحيعلتين وتشفيع الإقامة، وعند المالكية
عشر كلمات بتثنية التكبير وإيتار الشهادتين والحيعلتين والإقامة، هذا ملخص ما فى معارف السنن وغيره.
(٢) قلت: نعم! ولكنه رواية بالمعنى، فإن أكثر الرواة قالوا: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، هكذا رواه الجماعة
فرواه بعض الرواة بالمعنى حسب ما فهمه يدل على ذلك أن الإمام محمد بن الحسن ناظر أهل المدينة فى تثنية
التكبير فقال: إن المراد بها التثبت فى النفس، والحدر أن يجمع بين الكلمتين فى نفس، فيجمع التكبير أربع
مرات فى نفسين، ثم صرح بأن خلافه خلاف السنة اهـ. قلت: وبه يشرح قوله: وأن يوتر الإقامة أى الإيتار فى
النفس والصوت لا فى الكلمات - إلا الإقامة فيقول -: "قد قامت الصلاة" فى نفسين مترسلا، لأنه هو روح
الإقامة، كذا فى "فيض البارى" (١٦٠:١) ملخصا مع تغيير يسير فى التعبير، فلو كان لفظ الحديث ما صححه
اليعمرى لذكره أهل المدينة فى جوابهم، وردوا به تأويل محمد رحمه الله فدل سكوتهم عنه على أن هذا مما رواه
الراوى بالمعنى حسب ما فهمه، والله تعالى أعلم (مؤلف).
ء
3
)

ج - ٢
كيفية الآذان والإقامة
١١٥
٥٧٣- عن: عائشة قالت: ((جاء بلال إلى النبى معَ ◌ّ يؤذنه بصلاة
الصبح فوجده نائما، فقال: "الصلاة خير من النوم" فأقرت فى أذان الصبح)).
رواه الطبرانى فى الأوسط، (مجمع الزوائد ١٤:١).
ما أمر به" .
وفى التلخيص الحبير (٧٤:١) " وحديث أبى محذورة رضى الله عنه فى تثنية
الإقامة مشهور عند النسائى وغيره". وروى فطر بن خليفة عن مجاهد ذكر له الإقامة مرة
مرة فقال: هذا شىء استخفه الأمراء، الإقامة مرتين مرتين ، رواه عبد الرزاق وابن أبى شيبة
والطحاوى، وإسناده صحيح (آثار السنن ٥٤:١)، والله أعلم.
قوله: "عن عائشة إلخ" قلت: قال الهيثمى: وفيه صالح بن أبى الأخضر
واختلف فى الاحتجاج به ولم ينسبه أحد إلى الكذب اهـ. قلت: وذلك لا يضر فإن
الاختلاف غير قادح فى التصحيح كما مر غير مرة، على أنا نقلناه فى هذا الموضع
للاعتضاد لا للإحتجاج به، ودلالة هذه الأحاديث على التثويب فى الفجر ظاهرة، وما
رواه مالك في الموطأ: بلاغا: أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح
فوجده نائما فقال: "الصلاة خير من النوم" فأمره عمر أن يجعلها فى نداء الصبح، فهذا مما
يوهم بظاهره أن هذا التثويب فى الأذان ابتدأه عمر رضى الله عنه. وجوابه كما نقله
الزرقانى عن ابن عبد البر أن نداء الصبح موضع قوله لا هنا، كأنه كره أن يكون نداء آخر
عند باب الأمير كما أحدثته الأمراء، وإلا فالتثويب أشهر عند العلماء والعامة من أن يظن
بعمر رضى الله عنه أنه جهل ما سن رسول الله مطهر وأمر به مؤذنيه بلالا بالمدينة وأبا
محذورة (١) بمكة انتهى. ثم نقل الزرقانى فى تأويله قول الباجى: "يحتمل أن عمر قال ذلك
إنكارًا لاستعماله لفظة من ألفاظ الأذان فى غيره، وقال له: اجعلها فيه، يعنى لا تقلها فى
(١) عن أبى محذورة قال: ((قلت: يا رسول الله علمنى سنة الأذان قال: فمسح مقدم رأسى قال: تقول الله أكبر - إلى أن
قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله)). رواه أبو داود
وسكت عنه (١٩٠:١ و١٩١).

٠٠٠٠
١١٦
كيفية الأذان والإقامة
إعلاء السنن
٥٧٤- عن: أبى الزبير -مؤذن بيت المقدس- قال: جاءنا عمر بن
الخطاب فقال: ((إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاجدم))(١) رواه الدارقطنى(٢)،
وفى التلخيص الحبير (٧٤:١): وليس فى إسناده إلا أبو الزبير مؤذن بيت
المقدس وهو تابعی قدیم مشهور اهـ. یعنی إن سنده محتج به.
٥٧٥- عن: ابن أبى ليلى عن معاذ بن جبل -فى حديث طويل- فجاء
عبد الله بن زيد رجل من الأنصار وقال فيه: ((فاستقبل القبلة قال: الله أكبر))
الحدیث. رواه أبو داود(٣) وسكت عنه.
٥٧٦- عن: عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: ((أتيت النبي مّ له بمكة
وهو فى قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن فكنت أ تتبع فمه ههنا وههنا،
،، (٤)
غيره انتهى. وهو حسن متعين
.
قوله: "عن أبى الزبير إلخ". قال المؤلف: دلالته على ترتيل الأذان وحدر الإقامة
ظاهرة.
قوله: "عن ابن أبى ليلى إلخ". قال المؤلف: دلالته على سنية الإستقبال فى
الأذان ظاهرة.
قوله: "عن عون بن أبى جحيفة إلخ" قال المؤلف: دلالته على تحويل الرأس مع
إثبات القدمين والصدر على مقامهما ظاهرة. واعلم أن ثبات القدمين إذا لم تمس حاجة
إلى المشى. وأما إذا مست إليه حاجة كما إذا أذن فى صومعة متسعة بحيث لو حول
وجهه مع ثبات قدميه لا يحصل الإعلام، استدار فيها فيخرج رأسه من لكوة اليمنى
ويقول ما قاله، ثم يذهب إلى الكوة اليسرى فيفعل به ما فعل، كذا قال الفقهاء، ووجهه
ظاهر، لأن المقصود موقوف فى هذه الحالة على هذه الاستدارة فيستثنى من الحديث
(١) كذا فى مسودة المؤلف بالجيم، وفى نسختى الدارقطنى: "فاحذم" بالحاء، وفسره فى التعليق المغنى بالإسراع.
(٢) باب ذكر الإقامة واختلاف الروايات فيهما (٨٨:١ طبع الهند و٢٣٨:١ طبع المدينة) ..
(٣) باب كيف الأذان، قبيل باب فى الإقامة (٧٥:١).
(٤) شرح الزرقانى على الموطأ، ما جاء فى النداء للصلاة (١٥٠:١).

١١٧
كيفية الآذان والإقامة
ج - ٢
قال: ثم خرج رسول الله مَّ اله وعليه حلة حمراء برود يمانية قطرى، وقال موسى:
قال: رأيت بلالا خرج إلى الإبطح فأذن، فلما بلغ حى على الصلاة، حى على
الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر ثم دخل فأخرج العنزة)) وساق
حديثه رواه أبو داود(١) وسكت عنه.
٥٧٧- عن أبى جحيفة قال: "رأيت بلالا يؤذن ويدور(٢) ويتبع فاه ههنا
وههنا وإصبعاه فى أذنيه" . رواه الترمذى وأحمد وأبو عوانة وقال الترمذى:
حديث حسن صحيح (آثار السنن ٥٤:١).
٥٧٨- عن: عبد الله بن عمار بن سعد القرظ حدثنى أبى عن جدى: "أن
رسول الله عز في أمر بلالا يضع إصبعيه فى أذنيه وقال: إنه أرفع لصوتك".
مختصر. رواه الحاكم وسكت عنه (٣) زبلعى (١٤٥:١) وفى فتح البارى: فى سنده
ضعف(٤) وقد نقل اعتضاداً لما قبله.
٥٧٩- عن: مجاهد قال: " كنت مع عبد الله بن عمر فثوب رجل فى
بدليل الحاجة الشرعية إليه.
قوله: "عن أبى جحيفة إلخ" قال المؤلف: دلالته على إدخال الإصبعين فى
الأذنين حال التأذين، وعلى ما دل عليه الحديث السابق ظاهرة.
قوله "عن مجاهد إلخ" قال المؤلف: قال الترمذى: إنما كره عبد الله بن عمر
التثويب الذى أحدثه الناس بعد اهـ. وفى كنز العمال (٤: ٢٦٦) عن مجاهد قال: "لما قدم
عمر بن الخطاب رضى الله عنه مكة أتاه أبو محذورة رضى الله عنه فقال الصلاة يا أمير
(١) باب الأذان فوق المنارة (٧٧:١).
(٢) قوله: يدور. فى "التعليق الحسن": اختلفت الروايات فى الاستدارة، ففى بعضها أنه كان يستدير، وفى بعضها لم
يستدر. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى بها استدارة الرأس، ومن نفاها عنى استدارة
الجسد كله (٥٤:١) مؤلف.
(٣) قلت: أخرجه فى كتاب معرفة الصحابة من المستدرك فى ذكر سعد القرظ (٧:٣، ٦) ولم يذكر الذهبى فى
تلخيصه.
(٤) باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا (٢: ٩٦).

١١٨
كيفية الأذان والإقامة
إعلاء السنن
الظهر أو العصر قال: أخرج بنا فإن هذه بدعة". رواه أبو داود (٢١١:١)
وسكت عنه(١) وعزاه فى كنز العمال (٢٧٠:١) إلى عبد الرزاق، والضياء
المقدسى فى المختارة بنحوه. وسند الأخير صحيح على قاعدة كنز العمال
المذكورة فى خطبته.
المؤمنين! حى على الصلاة حى على الفلاح فقال له عمر: حى على الصلاة حى على
الفلاح"! أما كان فى دعائك الذى دعوتنا؟ ما نأتيك، تأتينا ثانيا" رواه الضياء المقدسى
فى المختارة اهـ. وسنده صحيح على قاعدة السيوطى المذكورة فى خطبة كنز العمال
(٣:١).
وأما ما يعارضه فمنه ما رواه البخارى (٢) عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((كان
رسول الله ◌ِّ ◌ّ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع رك تين خفيفتين قبل
صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن
للإقامة". ومنه ما رواه البخارى ومسلم (كما فى أشعة اللمعات ١: ٢٤٢) عن عائشة رضى
الله عنها قالت: ((لما ثقل رسول الله عّ لِّ جاء بلال يؤذنه بالصلاة)) الحديث(٢) ومنه ما فى
كنز العمال (٢٧٠:٤) عن ابن عمر رضى الله عنه قال: ((جاء بلال إلى النبى مّ له يؤذنه
الصلاة صلاة الصبح فقال: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، الصلاة،
يرحمك الله! قالها مرتين أو ثلاثا ورسول الله عَظِلِّ قد أغفى، فجاء بلال فقال: الصلاة
خير من النوم، فانتبه رسول الله ◌ِّرِ فقال: اجعله فى أذانك إذا أذنت لصلاة الصبح
فقل: الصلاة خير من النوم مرتين فجعل بلال رضى الله عنه يقولها فى كل أذانه إذا أذن
فى صلاة الصبح كما أمره رسول الله عَظ له)) رواه أبو الشيخ والضياء المقدسى وسند
الضياء صحيح على ما مر قريبا اهـ.
والجواب أن كل ذلك مخصوص بالإمام إذا لم يحضر وقته. وفى "أشعة اللمعات"
(١) قلت: وذكره الترمذى أيضا تعليقا فى باب التثويب فى الفجر وسكت عليه.
(٢) باب من انتظر الإقامة من كتاب الأذان (٨٧:١).
(٣) قلت: أخرجه البخارى فى باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم (٩١:١) فى قصة مرض وفاته مر ئية.
وأخرجه أيضا وأحمد (٢٢٤:٦) بهذا اللفظ.

١١٩
كيفية الأذان والإقامة
ج - ٢
(٢٤٢:١) "عادت بود که بعد از أذان جون در برآمدن آنحضرت تاخيرى راه مى يافت
بلال بر در آمد خبر میکرد درین حالت نیز آمده که خبر کند إلخ".
فائدة:
(متعلقة بجعل الإصبعين فى الاذنين عند الأذان والإقامة)
اطلعت بعد تحرير المتن وبعض الحواشى على حديث صحيح ذكره فى كنز العمال
(٢٦٦:٤) وهو عن بلال مؤذن رسول الله عزتي ((أنه كان لا يؤذن لصلاة الفجر حتی یری
الفجر، وكان يدخل إصبعيه فى أذنيه كلتاهما (على لغة البعض كما فى "الرضى") عند
الأذان وعند الإقامة" رواه الضياء اهـ. قلت: وإنما صححته اعتمادًا على ما فى " كنز.
العمال" من رمزض (المعجمة) بعده وهى علامة الضياء فى المختارة، وأحاديثها صحاح
بأسرها عند السيوطى كما صرح به فى خطبته، ثم رأيت الزيلعى ذكر الحديث بسنده فى
نصب الراية وعزاه إلى الطبرانى فى كتابه "مسند الشاميين": حدثنا الحسن بن على بن
خلف الدمشقى ثنا سليمان بن عبد الرحمن ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن
عبيد الله عن أبى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن بلال قال: « كنا لا نؤذن
لصلاة الفجر حتى نرى الفجر، وكان يضع إصبعيه فى أذنيه)) انتهى. وبه عن عبد العزيز
عن محمد بن المنكدر عن أبى سلمة ابن عبد الرحمان عن بلال نحوه اهـ (١٥٠:١) وفيه
عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة الحمصى وهو ضعيف ولم يرو عنه غير إسماعيل بن
عياش. كذا فى التقريب (ص١٢٩) وفى تهذيب التهذيب فى ترجمته (٣٤٩:٦): قلت:
وذكر البخارى أثرًا ولكن لم يسمه. قال فى الأذان: ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه فى
أذنيه، وهو ما أخرجه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز هذا عن
أبى بكر ابن عبد الرحمان بن الحارث عن بلال، وقال الدارقطنى: حمصى متروك اهـ.
فالذى يغلب على الظن أن الحديث ليس بصحيح بل هو ضعيف، ولعل السيوطى
رحمه الله رمز فيه لسعيد بن منصور بالصاد -المهملة- وهى علامة له كما فى خطبة
"الكنز" فصحفها الكاتب بالضاد المعجمة - بزيادة نقطة عليها، وأحاديث سعيد بن
منصور فى "سننه" ليس كلها صحاحا بل هى ما بين صحيح وحسن وضعيف كما لا
يخفى على من طالع خطبة الكنز ولا يرد بضعف هذا الحديث على السيوطى شىء،

١٢٠
كيفية الأذان والإقامة
إعلاء السنن
فإنه إنما ادعى الصحة فى أحاديث الضياء لا فى أحاديث سعيد بن منصور. ومما يؤيد
ضعفه أن الحافظ ذكره في الدراية ما لفظه: وعن بلال: (( كنا لا نؤذن لصلاة الفجر حتى
نرى الفجر)) . أخرجه الطبراني في مسندالشاميين بإسناد ضعيف اهـ (ص٦٤) فلو كان
له عند الضياء في المختار سند آخر صحيح لذكره الحافظ وما أهمله، فلا يسع لنا دعوى
صحته بعد ذلك بمجرد رمز (ض) الواقع فى كنز العمال فإن احتمال التصحيف فيه من
(ص) المهملة إلى المعجمة بزيادة نقطة غير بعيد، بل هو الغالب الذى يميل إليه القلب(١).
فما ورد فيه من جعل الإصبعين فى الأذنين عند الإقامة لا يحتج به ولا يحتاج إلى
الجواب عنه والله أعلم.
ومنعه فى الدر المختار عند الإقامة، ووجهه شيخنا (٢) بأن المقصود رفع الصوت وهو
محتاج إليه فى الأذان دون الإقامة، ويرشد إليه قوله عّ لّهِ: ((فإنه أندى صوتا منك))
وسيأتى فى (باب صفات المؤذن) فإدخال الإصبعين فى الأذنين فى الأذان موافق لقوله
عَ لِّ هذا. وأما فى الإقامة فيمكن أنه فعل من عند نفسه قياسا على الأذان وهو غير
صحيح. فإنه لا حاجة إلى رفع الصوت فى الإقامة فإنها لدعوة الحاضرين اهـ. قلت:
ويمكن أن بلالا فعل ذلك فى الإقامة لكثرة الجماعة والحاجة إلى رفع الصوت فيها، ولفظ
"كان" لا يقتضى الاستمرار كما مر. ولا يمنع عن إدخال الإصبع فى الأذان وقت الإقامة
فى هذه الحالة فإن علة المنع إنما هى كونها أخفض، فإذا مست الحاجة إلى رفع الصوت
فيها أيضا لكثرة الجماعة بحيث لا يبلغهم صوته بدونه فلا يمنع منه.
(١) قلت: وإن قاعدة السيوطى أن كل ما فى المختارة للضياء صحيح، ليست مطردة، لما قال العلامة الكتانى فى الرسالة.
المستطرفة (ص٢٢) فى ذكر المختارة: "وهو مرتب على المسانيد على حروف المعجم، لا على الأبواب، فى ستة
وثمانين جزءً - أى جزءا حديثيا-، ولم يكمل، التزم فيه الصحة، وذكر فيها أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها
وقد سلم له فيها إلا أحاديث يسيرة جدا تعقبت عليه" وقال شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة -حفظه الله
تعالى- فى تعليقه على الأجوبة الفاضلة " لعل الحافظ الضياء المقدسى رحمه الله لم يتم له الوفاء بما التزم من
الصحة، لأنه لم يتم تأليف الكتاب حتى يفرغ تنقيحه، فقد وقع فيه بعض الحديث الضعيف والمنكر" ثم سرد
شيخنا حفظه الله عدة أمثلة مما رواه الضياء فى المختارة وليس بصحيح، فراجع الأجوبة الفاضلة للإمام اللكنوى
بتحقيق وتعليق الشيخ العلامة عبد الفتاح أبى غدة (١٣٥ و١٥٤).
(٢) المراد به فى جميع المواضع شيخنا العارف العلامة المحدث ترجمان القرآن الكريم سيدى حكيم الأمة فقيه الملة
الحنيفة مولانا محمد أشرف على أدام الله ظلال فيوضه على العالمين.