Indexed OCR Text

Pages 301-320

ج - ١
سؤر الحمار والسباع
٣٠١
البخارى (١)
٢٧٢- عن: معاذ قال: كنت ردف النبى مّ لّ على حمار يقال له يعفور،
الحديث رواه البخارى(٢).
٢٧٣- عن: أسامة بن زيد أن رسول الله مَّ ه ركب على حمار على
قوله: "عن معاذ" إلى قوله: "عن أنس إلخ" قلت: فيها ثبوت الركوب على
الحمير والبغال عنه مرّ له، وإن أبا سفيان كان آخذا بلجام بغلته. وركوبه مرّ له على البغال
والحمير وكذا ركوب الصحابة عليها مما لا ينكر (٣).
وقد ورد الامتنان به فى قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة
ويخلق ما لا تعلمون﴾. ويتعذر للراكب الاحتراز عن مخالطة عرقها ولعابها فى ثيابه
وبدنه کما لا يخفى، لا سيما من كان آخذا بلجامها فاحترازه عن اللعاب متعذر جدا،
ولم يرد الأمر فى حديث بغسل الثياب والبدن عنهما ، فهذا يدل على طهارتهما، لا سيما
والضرورة والبلوى رافعة للحرج لقوله مَّ لّر فى الهرة: ((إنها من الطوافين عليكم
والطوافات)) رواه الترمذى وصححه كما مر، فتعارضت أحاديث تحريم لحومهما
(١) باب غزوة خيبر من المغازى ٢: ٦٠٣ .
(٢) باب اسم الفرس والحمار من كتاب الجهاد ١: ٤٠٠ وذكر فيه اسم الحمار "عفير" وقال ابن عبدوس: هما واحد،
ورد عليه الدمياطى، فقال: "عفير" أحداه المقوقس و"يعفور" أهداه فروة بن عمرو وقيل بالعكس (عمدة القارى
٦: ٥٩٩).
(٣) قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد فى هديه ◌ّ له فى الركوب: "ركب الخيل والإبل والبغال والحمير، وكان
أكثر مراكبه الخيل والإبل" (١: ٤٠) وقال أيضا: "وكان له من البغال دلدل، وكانت شهباء أهداها له المقوقس،
وبغلة أخرى يقال لها فضة، أهداها له فروة الجذامى وبغلة شهباء أهداها له صاحب دومة الجندل، وقد قيل إن
النجاشى أهدى له بغلة فكان يركبها، ومن الحمير عفيرا أهداه له المقوقس ملك القبط، وكان أشهب، وحمار
آخر أهداه له فروة الجذامى (قلت: اسمه يعفور) وذكر أن سعد بن عبادة أعطاه حمارا فرکبه. و کان له من
الأفراس سبعة متفق عليها وخمسة عشر أخر ولكن مختلف فيها، ومن الإبل الراحلة القصواء وهاجر عليها،
والعضباء وكانت لا تسبق، والجدعاء، وجمل مهرى لأبى جهل غنمه يوم بدر فى أنفه برة من فضة، فأهداه يوم
الحديبية ليغيظ به المشركين، وأهداه سعد بن عبادة مهرية من بنى عقيل، وكانت له خمسة وأربعون لقحة
ومائة شاة لا يريد أن تزيد، كلما ولدت منها بهمة ذبح مكانها شاة وكانت له سبع أعنز منائح ترعاهن أم أيمن"
انتهى ملخصا (١: ٣٤).

٣٠٢
إعلاء السنن
سؤر الحمار والسباع
إكاف عليه قطيفة، وأردف أسامة وراءه، رواه البخارى(١).
٢٧٤- عن: البراء فى قصة حنين: "والنبى ◌ّ اللّه على بغلة بيضاء، وأبو
سفيان ابن الحارث آخذ بلجامها، والنبى مرّ له يقول: ((أنا النبى لا كذب - أنا
ابن عبد المطلب)). رواه البخارى(٢).
ونجاستهما وأحاديث الركوب عليهما فى حكم لعابهما وعرقهما، فالأولی تفید نجاستهما
أيضا، والأخرى تفید طهارتهما، فلأجل ذلك ترددنا فى ذلك وحكمنا بكون سؤرهما
مشكوكا فى طهوريته، ولم نقل بطهارة العرق واللعاب مطلقا، لأن أحاديث الركوب لا
تفيد حكم طهارتهما بالإطلاق، بل تحتمل أن يكون كل منهما فى الأصل نجسا،
والطهارة إنما هى لأجل الضرورة وتعذر الاحتراز عنهما، والضرورى يتقدر بقدر الضرورة،
والضرورة والبلوى للراكب إنما هى فى حق الثياب والبدن دون الماء فاعتبرناهما طاهرين
فى حق الأولين دون الثالث، وتأيد ذلك بكراهة بعض الصحابة والتابين عن التوضئ
بسؤرهما كما مر.
قال الطحطاوى فى حاشية على مراقى الفلاح ناقلا عن البحر: والمعتمد أن كلا
من عرق الحمار ولعابه طاهر، وإذا أصاب الثوب أو البدن لا ينجسه وإذا وقع فى الماء
القليلُ صار مشكوكا وإن الشك فى جانب اللعاب والعرق، أى فى ذاتهما متعلق
بالطهارة، وفى جانب السؤر متعلق بالطهورية فقط، ولا شك فى الطهارة، لأن الماء طاهر
بيقين، وقد خالطه مشكوك فى طهارته وهو اللعاب أو العرق، فلا ينجس بالشك، ولكن
أورث شكا فى طهوريته للاحتياط، حتى لو اختلط هذا السؤر بماء قليل جاز الوضوء به
من غير شك ما لم يساوه، كما مخالطة الماء المستعمل" اهـ (ص٢٠).
واعلم أن جمعا من أصحابنا عللوا الشك فى طهارة لعاب الحمار والبغل وعرقهما
بتعارض الأدلة فى حرمة لحومهما وإباحتها. أما ما يدل على التحريم فقد مر ذكره فى
المتن، وأما ما يدل إباحتها فما روى غالب ابن أبجر أنه قال رسول الله من له: ((لم يبق لى
(١) باب الردف على الحمار من كتاب الجهاد ١: ٤١٩.
(٢) باب بغلة النبى مقر البيضاء من كتاب الجهاد ١: ٤٠٢.
٠

20
ج - ١
سؤر الحمار والسباع
٣٠٣
٢٧٥ - عن: أنس أن النبى ◌ّ ◌ِلِّ كان يوم خيبر على حمار مختوم بحبل
من ليف. أخرجه عبد ابن حميد، وفى سنده مقال، كذا فى فتح البارى (٦:
إلا حميرات))، فقال: ((كل من سمين مالك، فأباح لحومها)) كذا فى نور الأنوار
(ص١٩٤) وكذا فى التوضيح (١٠٤:٢ طبع مصر) وقال فى مراقى الفلاح: "والقسم
الرابع سؤر مشكوك فى طوريته فلم يحكم بكونه مطهرا جزما، ولم ينف عنه الطهورية وهو
سؤر البغل والحمار، لأن لعابه طاهر على الصحيح، والشك لتعارض الخبرين فى إباحة
لحمه وحرمته، والبغل متولد من الحمار، فأخذ حكمه. فإن لم يجد المحدث غيره توضأ
به وتيمم ثم صلى" اهـ مختصرا (ص٢٠). وبه علله شيخنا تبعا للقوم فى جامع الآثار له
(ص٦٠) ولكن فى التعليل بذلك نظر، قال صاحب التلويح: "وهذا ضعيف، لأن أدلة
الإباحة .لا تساوى أدلة الحرمة فى القوة، حتى إن حرمته مما يكاد يجمع عليه، كيف؟ ولو
تعارضتا لكان دليل التحريم راجحا كما فى الضبع، حيث يحكم بنجاسة سؤره اهـ" .
قلت: أما قوة دليل الحرمة فظاهر لكونه مما أخرجه البخارى ومسلم والجماعة، وقد
بلغ حد التواتر ما يظهر من كلام الحافظ، وسيأتى. وأما ضعف دليل الإباحة فلأن
حديث غالب بن أبجر أخرجه أبو داود وبين فى سنده اضطرابا، فأخرجه مرة عن عبيد
أبى الحسن عن عبد الرحمان عن غالب بن أبجر قال: "أصابتنا سنة، فلم يكن فى مالى
شىء أطعم أهلى إلا شىء من حمر، وقد كان النبى مرّ له حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيته
فقلت: يا رسول الله! أصابتنا السنة ولم يكن فى مالى ما أطعم أهلى إلا سمان حمر،
وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، وإنما حرمتها من
أجل جوال القرية، يعنى الجلالة. قال أبو داود: وروى شعبة عن عبيد أبى الحسن عن
عبد الرحمان بن معقل عن عبد الرحمان بن بشر عن ناس من مزينة أن سيد مزينة أبجر
أو ابن أبجر سأل النبى ◌ّ ◌ِيٍ"(١) اهـ.
وقال النووى: "هو حديث مضطرب مختلف الإسناد شديد الاختلاف، ولو صح
يحمل على الأكل منها حال الاضطرار". وقال المنذري: "اختلف فى إسناده اختلافا
(١) التلويح مع التوضيح. باب المعارضة والترجيح من مباحث القياس ٢: ١٠٤.

٣٠٤
سؤر الحمار والسباع
إعلاء السنن
كثيرا، وذكر البيهقى أن إسناده مضطرب" اهـ (من عون المعبود ٤٢٠:٣). وقال الحافظ
فى الفتح: "إسناده ضعيف والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها،
وأما الحديث الذى أخرجه الطبرانى عن أم نصر المحاربية أن رجلا سأل النبى معَّه عن
الحمر الأهلية، فقال: أليس ترعى الكلا وتأكل الشجر؟ قال: نعم! قال: فأصب من
لحومها. وأخرجه ابن شيبة من طريق رجل من بنى مرة قال: سئلت فذكره نحوه. ففى
السندين مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون قبل التحريم" اهـ (٥٦٥:٩ و٥٦٦).
ومن دلیل الإباحة ما أخرجه البخارى عن عمرو بن دينار قلت جابر بن زيد:
يزعمون أن رسول الله مّ نهى عن الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذاك الحكم بن
عمرو الغفارى عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر بن عباس، وقرأ ﴿قل لا أجد فيما
أوحى إلى محرما﴾ (١) اهـ.
قال الحافظ فى الفتح: "وقد تقدم فى المغازى عن ابن عباس أنه توقف فى النهى
عن الحمر الأهلية، هل كان لمعنى خاص أو للتأبيد؟ ففيه عن الشعبى عنه أنه قال: لا
أدرى أنهى عنه رسول الله مٍَّ من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم
أو حرمها البتة يوم خيبر، وهذا التردد أصح من الخبر الذى جاء عنه بالجزم بالعلة
المذكورة" قال الحافظ: " والاستدلال بهذا للحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبى
سَ ظله بتحريمه، وقد تواتر الأخبار بذلك، والتنصيص على التحريم مقدم على عموم
التحليل وعلى القياس، والآية مكية، وخبر التحريم متأخر جدا، فهو مقدم، وأيضا فنص
الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها ، فإنه حينئذ لم يكن نزل فى تحريم المأكول إلا ما
ذكر فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها فى المدينة
أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها، كالخمر فى آية المائدة، وفيها أيضا تحريم ما أهل
لغير الله به، والمتخنقة إلى آخره، وكتحريم السباع والحشرات. وقال النووى: قال بتحريم
الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة
خلافا لهم، إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثها الكراهة" اهـ مع شىء
(١) البخارى، باب لحوم الإنسية من الذبائح والصيد ٢: ٨٣٠.

ج - ١
٣٠٥٠
باب الدليل على جواز الوضوء بنبيذ التمر
٢٧٦- عن: أبى سعيد مولى بنى هاشم عن حماد بن سلمة عن على بن
زيد (ابن جدعان) عن أبى رافع عن ابن مسعود أن النبى ◌ّ ه قال له ليلة
من التقديم والتأخير (٥٦٥:٩).
فالحق أن يعلل الشك فى سؤر الحمار وعرقه بما قلنا من تعذر الاحتراز عنه
المراكب حال الركوب ووقت ربطه فى الدار، وقد أجازه النص وفعله النبى منظلم
والصحابة، وذلك مشهور عنهم. قال فى التلويح: "وذكر شيخ الإسلام فى المبسوط: ولا
إشكال فى حرمة لحمه، ترجيحا لجانب الحرمة إلا أنه لم ينجس الماء لما فيه من الضرورة
والبلوى إذا الحمار يربط فى الدور والأفنية فيشرب من الأوانى، إلا أن الهرة تدخل
المضايق فتكون الضرورة فيها أشد، فالحمار لم يبلغ فى الضرورة حد الهرة حتى يحكم
بطهارة سؤره، ولا فى عدم الضرورة حدا الكلب حتى يحكم بنجاسة سؤره، فبقى أمره
مشكلا، وهذا أحوط من الحكم بالنجاسة، لأنه حينئذ لا يضم إلى التيمم، فيلزم التيمم
مع وجود الماء الطهور احتمالا" اهـ (١٠٥:٢).
باب الدلیل علی جواز الوضوء بنبيذ التمر (٢)
قوله: "عن أبى سعيد إلخ" قلت: دلالته على الباب ظاهرة، وعلى ابن زيد
مختلف فيه وقد وثق (مجمع الزوائد ١٩٧:١)، وهو من رجال مسلم والأربعة قال
يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث، وقال الترمذى: صدوق، وقال الساجى: كان من
(١) أو توضأ بالنبيذ قبل أن يصير حلوا جاز بلا خلاف، ولو توضأ به إذا أسكر فلا يجوز من غير خلاف، وإذا طبخ
أو اشتد فكذلك الصحيح من مذهب أبى حنيفة أنه لا يجوز كما فى البحر. والذى اختلفوا فيه هو نبيذ التمر
الرقيق السيال الحلو غير المسكر غير المطبوخ غير المشتد. فقال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف: لا يجوز الوضوء به
ويتيمم عند ذلك وروى نوح رجوع أبى حنيفة إليه كما فى البدائع (١: ١٥) واختاره الطحاوى وقاضی خان وابن
نجیم وغیرهم من الحنفیة. وروی عن أبى حنيفة التوضأ جزما، وروی إن تيمم معه كان أحب وروى عنه وجوب
الجمع بين الوضوء به والتيمم، وإليه ذهب محمد، واختاره الإتقانى فى غاية البيان، وأيهما قدم جاز، فكانت
آعن أبى حنيفة أربع روايات، (معارف السنن للشيخ البنورى ١: ٣١٠) قلت: والفتوى اليوم على ما يوافق
الجمهور، لأنه ثبت رجوع الإمام إليه.

٣٠٦
ج - ١
جواز الوضوء بنبيذ التمر
الجن: أمعك ماء؟ قال: لا! قال أ معك نبيذ؟ قال: أحسبه قال: نعم! فتوضأ
به. أخرجه أحمد والدارقطنى (زيلعى) (١) قلت: أبو سعيد من رجال البخارى
ثقة وثقه أحمد وابن معين والطبرانى والبغوى والدارقطنى وابن شاهين كذا فى
التهذيب (٦: ٢٠٩) وحماد بن سلمة من رجال الجماعة ثقة.
٢٧٧- حدثنا: العباس بن الوليد الدمشقى (٢) ثنا مروان بن محمد(٣) ثنا
ابن لهيعة ثنا قيس بن الحجاج(٤) عن حنش الصنعانى(*) عن عبد الله بن
عباس: أن رسول الله مَّ اللّه قال لابن مسعود ليلة الجن: معك ماء؟ قال: لا! إلا
نبيذ فى سطيحة، فقال رسول الله ◌ّ له: تمرة طيبة وماء طهور، صب على قال:
فصببت عليه فتوضأ. أخرجه ابن ماجه (١: ٣٢) ورجاله كلهم ثقات إلا
أهل الصدق، ويتحمل لرواية الجلة عنه، وليس يجرى مجرى من أجمع على ثبته، كذا
فى التهذيب (٣٢٤:٧) وفى الترغيب للمنذرى: "وقال الترمذى: صدوق، وصحح له
حديثا فى السلام وحسن له غير ما حديث". قلت: فلا ينزل حديثه عن درجة الحسين،
وأبو رافع الصائغ اسمه نفيع، جاهلى إسلامى مشهور من علماء التابعين وكبارهم، روى
عن أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبى هريرة رضى الله عنه (زبلعى ٧٤:١) فهو
ممن يمكن سماعه عن ابن مسعود بلا ريب، على أن صاحب الكمال صرح بأنه سمع
منه، كذا فى الجوهر النقى (٦) فالحديث حسن، واندفع بما ذكرنا ما أورده الدارقطنى
(٢٨:١) من جهة على بن زيد وسماع أبى رافع من ابن مسعود.
قوله: "حدثنا العباس بن الوليد إلخ" قلت: دلالته على المقصود ظاهرة.
(١) الحديث التاسع والأربعون ١: ١٤١، وأخرجه أحمد فى مسند ابن مسعود ١: ٤٥٥ والدارقطنى فى الباب ١: ٧٧
رقم ١٣.
(٢) ثقة، تهذيب (مؤلف).
(٣) ثقة من رجال مسلم، تهذيب (مؤلف).
(٤) صدوق (مؤلف).
(٥) ثقة من رجال مسلم والأربعة (مؤلف).
(٦) باب منع التطهير بالنبيذ ١: ٩ من هامش البيهقى.

٣٠٧
جواز الوضوء بنبيذ التمر
إعلاء السنن
لهيعة، فقد اختلف فيه وبه أعله الدارقطنى (١: ٢٨) فى سننه، ولكن ذكرنا
غير مرة أنه حسن الحديث، قد احتج به غير واحد وحسن له الهيثمى فى
المجمع (١: ٥) وقال: "قد حسن له الترمذى" اهـ وقال البخارى فى التاريخ
الصغير له (١: ٢٠): "عن يحيى بن سعيد أنه كان لا يرى به بأسا" فالحديث
حسن
٢٧٨- عن: معاوية بن سلام عن أخيه زيد عن جده أبى سلام عن ابن
غيلان الثقفى(١) أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: "دعانى رسول الله عزله
ليلة الجن بوضوء فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله (عز لتي" أخرجه
قوله: "عن معاوية إلخ" وفيه قال الدارقطنى: "ابن غيلان هذا مجهول" قلت:
كلا! فقد ذكره خليفة والمستغفرى وغيرهما فى الصحابة، وقال ابن السكن: يقال له
صحبة وقد ذكره بعضهم فى الصحابة، وقال ابن مندة: مختلف فی صحبته، وذكره ابن
سميع فى الطبقة الأولى من تابعى أهل الشام، وقال: أدرك الجاهلية، قلت: (٢) إن كان
أدرك الجاهلية فهو صحابى، روى عنه مسلم بن مشكم عند ابن ماجة، وروى عنه أيضا
عبد الرحمن بن جبير المصرى وقتادة، قال البخارى فى تاريخه: عمرو بن غيلان الثقفى
أمير البصرة سمع كعبا، قاله سعيد بن قتادة عن عبد الله بن عمرو بن غيلان قلت: وهذا
أصح اهـ كذا فى الإصابة (١٠:٣) قلت: وروى عنه أبو سلام الحبشى عند الدارقطنى
كما ترى، وليس بمجهول من روى عنه أربعة، ومن كان مختلفا فى صحبته ليس بأقل
من أن يكون تابعيا ثقة، لا سيما وقد ذكره ابن سميع فى الطبقة الأولى من تابعى أهل
الشام، ولم يذكره أحد بجرح (٣).
(١) فى الدارقطنى: "فلان ابن غيلان الثقفى" (٧٨:١).
(٢) قائله الحافظ ابن حجر فى الإصابة (٣: ١٠).
(٣) قلت: هذا كله إنما يصح جوابا للدارقطنى إذا تعين أن الرجل الذى روى عن ابن مسعود هذا الحديث هو عمرو
ابن غيلان، ولكنه لم يتعين، لأن ابن غيلان قد وقع فى السند غير مسمى، ولذا يقول الدارقطنى: "الرجل
الثقفى الذى رواه عن ابن مسعود مجهول، قيل اسمه عمرو، وقيل عبد الله بن عمرو بن غيلان" (١: ٧٨) نعم!
يغلب على الظن أنه عمرو بن غيلان، فعلى هذا ما حققه المؤلف مظنون غير متيقن، والله أعلم.

ج - ١
٠
جواز الوضوء بنبيذ التمر
٣٠٨
الدارقطنى، وقال ابن غيلان: هذا مجهول (زيلعى ١: ٧٤) وسيأتى الجواب عنه
فى الحاشية، فالحديث عندی حسن.
٢٧٩- ثنا: محمد بن عيسى بن حبان ثنا الحسن بن قتيبة نا يونس بن
أبى إسحاق عن عبيد وأبى الأحوص عن ابن مسعود قال: "مربى رسول الله
ومعاوية بن سلام وأخوه زيد وجده أبو سلام كلهم ثقات من رجال مسلم كما
يظهر من التقريب (ص٦٤، ٢١٠ و٢١٤) فلا شك فى كون الحديث حسنا، ودلالته على
جواز الوضوء بالنبيذ ظاهرة . .
شهود ابن مسعود لیلة الجن
ثم اعلم أن حديث ابن مسعود هذا أعله المحدثون بأنه يخالف ما فى صحيح مسلم
من إنكار ابن مسعود شهوده ليلة الجن مع رسول الله مر اته، فقد روى مسلم (١) من
حديث الشعبى عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد ليلة الجن مع
رسول الله مِّ؟ قال: لا". اهـ (زيلعى ٧٣:١) ولفظ الطحاوى: فقال: "لم يصحبه منا
أحد" (٥٧:١) وسنده صحيح، وفى لفظ لمسلم: "قال: لم أكن مع النبى مرّالتر ليلة الجن
ووددت أنى كنت معه". (زيلعى ٧٣:١) وأخرج الطحاوى بسند صحيح عن عمرو بن
مرة قال "قلت لأبى عبيدة: أ كان عبد الله بن مسعود مع رسول الله مَّلغير ليلة الجن؟
قال: لا! وأجاب عن علة الانقطاع بين أبى عبيدة وأبيه بأنه إنما احتججنا به لأن مثله
على تقدمه فى العلم وموضعه من عبد الله وخلطته لخاصته بعده لا يخفى عليه مثل هذا
من أموره، فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرناه" (٥٧:١) يعنى أن هذا من قبيل
"صاحب البيت أدرى بما فيه" .
والجواب عن ذلك كله أنا لا ندعى كون عبد الله مع رسول الله عز له حين
مخاطبته للجن، بل كان بعيدا عنه منعزلا فى مكان بعينه. ودليله ما رواه الترمذى من
حديث أبى عثمان النهدى عن ابن مسعود قال: "صلى رسول الله مرّ ل العشاء ثم
انصرف، فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه ثم خط
(١) فى باب الجهر بالقراءة فى الصبح والقراءة على الجن ١: ١٨٤.

٣٠٩
جواز الوضوء بنبيذ التمر
إعلاء السنن
، فقال: خذ معك إداوة من ماء، ثم انطلق وأنا معه، فذكر حديثه ليلة
مَّاله
عليَّةٍ
بيـ
عليه خطا ثم قال: لا تبرحن خطك، فإنه سينتهى إليك رجال فلا تكلمهم، فإنهم لن
يكلموك، ثم مضى رسول الله مِّ لّ حيث أراد، فبينا أنا جالس فى خطى إذا أتانى رجال
كأنهم الزط" . الحديث بطوله، قال الترمذى: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا
، (١)
الوجه
وأسند البيهقى إلى أبى عثمان النهدى أن ابن مسعود أبصر زطا فى بعض الطريق،
فقال: ما هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء الزط، قال: ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن أهـ
(زيلعى ١ :٧٣).
وذكر الترمذى فى جامعه أن ابن مسعود شهد ليلة الجن تعليقا، فروى فى باب
كراهية ما يستنجى به من حديث حفص بن غياث عن داود بن أبى هند عن الشعبى
عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله مرّ اله: ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام،
فإنه زاد إخوانكم من الجن)) ثم قال: "وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره
عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن علقمة عن عبد الله أنه كان مع النبى معَِّ ليلة
الجن الحديث بطوله. قال: "وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث
اهـ" (٥:١).
وقال فى الكفاية: وقوله بأن عبد الله لم يكن مع النبى مَّ ةٍ (ليلة الجن) قلنا: لا !.
بل كان معه، فإن محمد بن إسماعيل البخارى رحمه الله أثبت كونه مع النبی میپے باثنی
عشر وجها اهـ" (١٠٥:١) قلت: ذكر البخارى منها فى التاريخ الصغير ثلاثة وجوه،
فقال: حدثنا على قال: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبى عن صالح عن أبى عبيدة قال:
أخبرنى طلحة بن عبد الله بن مسعود أن أباه حدثه: أن النبى مُّ اجْتهده ليلة الجن
حتى خرج من البيوت. ولا يعرف لطلحة سماع من عبد الله (٢) وقال جعفر بن ميمون
(١) أخرجه الترمذى فى أبواب الأمثال، باب ما جاء فى مثل الله عز وجل لعباده ٢: ١٠٩.
(٢) يعنى لا يعرف له سماع منه غير هذا، ولا بد من هذا التأويل، فإن طلحة يقول فيه إن أباه حديثه، وأى لفظ
أصرح منه فى السماع؟ وبهذا اندفع ما قاله الطحاوى إن أبا عبيدة أنكر شهود أبيه ليلة الجن، فنقول: يمكن أن
يكون أنكره أولا، ثم أثبته بعد ما سمع من أخيه طلحة أن أباه حدثه أن النبى ◌ِّ اجتهده ليلة الجن حتى خرج
من البيوت، فافهم (مؤلف).

٣١٠
ج - ١
جواز الوضوء بنبيذ التمر
الجن، فلما أفرغت عليه من الإدارة، فإذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله!
أخطأت بالنبيذ، فقال: تمرة حلوة وماء عذب". أخرجه الدارقطنى (١: ٢٩)
أبو على البصرى بياع الأنماط عن أبى تميمة عن أبى عثمان عن عبد الله: أن النبى ◌ّ لّه
خط عليه ببطحاء مكة. حدثنا عارم قال: حدثنا معتمر عن أبيه قال: حدثنى أبو تميمة
عن عمرو ولعله أن يكون قاله البكالى حدثهم عن ابن مسعود عن النبى منزله بهذا اهـ".
(ص٩٩) ولعله استوعب طرقه فى تاريخه الكبير. قلت: فما ورد من عبد الله أنه كان مع
النبى مّ ل ليلة الجن، يراد به الخروج معه إلى البطحاء وغيرها، وما ورد عنه أنه لم يكن
معه، يحمل على عدم مصاحبته إيّاه فى مخاطبته وكلامه مع الجن. قال الطحاوى:
حدثنا يحيى بن عثمان ثنا أصبغ بن الفرج وموسى بن هارون البردى قالا: ثنا جرير بن
عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن مسعود قال: انطلق رسول الله مّ لته إلى البراز،
فخط خطا، وأدخلنى فيه، وقال: لا تبرح حتى أرجع إليك، ثم أبطأ فما جاء حتى
السحر، وجعلت أسمع الأصوات، ثم جاء فقلت: أين كنت يا رسول الله؟ فقال:
أرسلت إلى الجن، فقلت: ما هذه الأصوات التى سمعت؟ قال: هى أصواتهم حين
ودعونى وسلموا على اهـ". قال الطحاوى: "ما علمنا لأهل الكوفة حديثا يثبت أن ابن
مسعود كان مع النبى معَ ◌ّه ليلة الجن، مما يقبل مثله إلا هذا اهـ" (زيلعى ٧٥:١).
قلت: وهذا توثيق منه لرواته، وهم ثقات معروفون من رجال مسلم أو البخارى
أو كليهما، إلا يحيى بن عثمان شيخ الطحاوى، فمن رجال أبى داود وابن ماجة صدوق
لينه بعضهم (تقريب ص٢٣٦) قال ابن أبى حاتم: " كتبت عنه، وكتب عنه أبى، وتكلموا
فيه" وقال ابن يونس: "كان عالما بأخبار البلد وبموت العلماء. وكان حافظا للحديث"
اهـ تهذيب التهذيب (٢٥٧:١١) وإلا قابوس، فمن رجال النسائى وأبى داود وابن ماجة
صدوق فيه لين (تهذيب ٣٠٤:٨) وبالجملة، فشهود ابن مسعود ليلة الجن ثابت بطرق
عديدة لا يمكن ردها والجمع بينها وبين أحاديث الإنكار غير متعذر، فلا يجوز إلغاء واحد
منهما .
قال الحافظ فى الفتح :. "وقيل على تقدير صحته أنه منسوخ، لأن ذلك كان
بمكة، ونزول قوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ إنما كان بالمدينة بلا خلاف أو هو
محمول على ماء ألقيت فيه تمرات يابسة لم تغير وصفا، وإنما كانوا يصنعون ذلك لأن

٣١١
جواز الوضوء بنبيذ التمر
إعلاء السنن
وقال "تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس عن أبى إسحاق، والحسن بن قتيبة
ومحمد ابن عيسى ضعيفان" اهـ قلت: أما الحسن فقال فيه ابن عدى: أرجو
أنه لا بأس به كما فى اللسان (٢: ٢٤٦) وأما محمد بن عيسى، وهو المدائنی
غالب مياههم لم تكن حلوة اهـ" (٣٠٥:١). وأجاب صاحب "الهداية" عن الأول بأن
ليلة الجن كانت غير واحدة فلا يصح دعوى النسخ اهـ قال المحقق ابن الهمام فى
"الفتح": "نظر فيه بأن وفد نصيبين كان قبل الهجرة بثلاث سنين، وكلامه يوهم أن
ليلة الجن كانت بالمدينة، ولم ينقل ذلك فى كتب الحديث فيما علم لكن ذكر صاحب
آكام المرجان فى أحكام الجان(١) أن ظاهر الأحاديث الواردة فى وفادة الجن أنها كانت
ست مرات، وذكر منها مرة فى بقيع الغرقد حضرها ابن مسعود، ومرتين بمكة، ومرة
رابعة خارج المدينة، حضرها الزبير بن العوام، وعلى هذا لا يقطع بالنسخ "(٢) اهـ.
قلت: قصة وفادتهم إليه ◌َّ اللّه بعد هجرته فى بقيع الغرقد أخرجها أبو نعيم فى
"دلائل النبوة" وفى سنده رجل لم يسم، وكذا وفادتهم إليه خارج المدينة وحضرها الزبير
ابن العوام، ذكره أبو نعيم أيضا، كذا فى "نصب الراية" مفصلا (٧٥:١ و٧٦) وسند
الثانی لا بأس به.
وما يدل على وفادتهم بعد الهجرة ما أخرجه البخارى(٣) عن سعيد ابن عمرو،
قال: "كان أبو هريرة يتبع رسول الله مَّظله بإدارة لوضوءه وحاجته، قال: فأدر كه يوما
فقال: من هذا؟ قال: أنا أبو هريرة! قال: انتنى بأحجار أستنجى بها ولا تأتنى بعظم
(١) هو كتاب "آكام المرجان فى غرائب الأخبار وأحكام الجان" للشيخ المحدث بدر الدين أبى عبد الله محمد بن عبد
الله الشبلى الحنفى المتوفى سنة ٧٦٩، جمع فيه كل ما ثبت من النصوص فى تاريخ الجن وأحكامهم، وعنده
مبحث نفیس فی شهود ابن مسعود ليلة الجن، ساق فيه جميع الروايات فى الموضوع، راجع منه ص ٤٥ باب ١٩
طبع مصر ١٣٧٦ هـ.
(٢) فتح القدير ١: ٨٢ فصل فى الأسار، قبيل باب التيمم.
(٣) قلت: أخرج البخارى معناه فى أبواب مبعث النبى مَّ ر باب ذكر الجن ١: ٥٤٤ ولكن لفظه غير لفظ المتن،
وأخرجه البخارى أيضا فى باب الإستنجاء بالحجارة ١: ٢٧ مختصرا، وليس فيه سؤال أبى هريرة ولا ذكر الجن،
ولم أجد عند البخارى هذا اللفظ الذى ذكره، وإنما هو لفظ البيهقى فى باب الاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة ١ :
١٠٧ بتغیر یسیر يمكن حمله على اختلاف نسخ البيهقى.

٣١٢
ج - ١.
جواز الوضوء بنبيذ التمر
فوثقه البرقانى، وذكره ابن حبان فى "الثقات"، وقال اللالكائى مرة: صالح
ولا روثة فأتيته بأحجار فى ثوبى، فوضعتها إلى جنبه، حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت: يا
رسول الله! ما بال العظم والروثة؟ قال: ((أتانى وفد جن نصيبين، فسألونى الزاد فدعوت
الله لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوا طعاما اهـ قال (البيهقى) (١): فهذا يدل على
أنهم وفدوا عليه بعد ذلك (أى بعد الهجرة) كذا فى الزيلعى ٧٥:١.
قال الحافظ فى الفتح: "قوله وإنه أتانى وفد جن نصيبين يحتمل أن خبرا عما
وقع تلك الليلة ويحتمل أن يكون خبرا عما مضى" اهـ (١٣١:٧). قلت: وثبوت
وفادتهم بعد الهجرة بما مضى يؤيد الاحتمال الأول، وهو الظاهر، والجواب عن الثانى أن
هذا النبيذ ألقى فيه التمرات من العشاء إلى الغداة حتى توضأ به النبى للفجر. والظاهر
أن ما ينبذ من العشاء إلى الغدوة وصار حلوا أن يكون غلب وصف من التمر أو أكثر
على الماء فأزال اسمه، ولأنه عليه السلام قال لابن مسعود: "هل معك ماء؟ فقال: لا!
فدل على أن الماء استحال فى التمر حتى سلب عنه اسم الماء، وإلا لما صح نفيه، كذا فى
الزيلعى محصلا (٧٦:١) فبطل حمله على ما ألقيت فيه تمرات يابسة لم تغير وصفا، ولو
كان كذلك لم يختلف الصحابة ومن بعدهم فى الوضوء به لكونه ماء باقیا علی إطلاقه،
فافهم.
فإن قيل: هب أن ليلة الجن كانت متعددة، وفى المدينة بعد الهجرة أيضا، ولكنها
لم تثبت إلا بخبر الأحاد، فكيف يجوز نسخ الكتاب بها؟ فإن النص قد حصر أمر
الطهارة فى الوضوء عند وجود الماء المطلق والقدرة عليه، وفى التيمم عند عدم وجدانه
وظاهر أن النبيذ ليس بماء مطلق، لزوال اسم الماء عنه، فوجب المصير إلى التيمم بالنص،
وفى تجويز الوضوء بالنبيذ نسخ له، قلنا: كونها ثبتت بخبر الأحاد ممنوع لما فى عمدة
القارى أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلا عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد(٢)،
(١) لم أجد هذه العبارة فى سنن البيهقى، فلعله كلام غيره ممن حكى عنه الزيلعى أقوالا من قبل ولعل المؤلف سامح
فى عزوه إلى البيهقى.
(٢) قلت: حديث أبى زيد عن ابن مسعود أخرجه أبو داود والترمذى بلفظ "قال له النبى مثير ماذا فى إداوتك؟ قال:
نبيذ، قال: تمرة طيبة وماء طهور" زاد الترمذى "فتوضأ به وصلى الفجر" وضعفوه لأن راويه أبا زيد رجل
مجهول لا یعرف، ولکن قال ابن العربی فی شرح الترمذى: أبو زيد مولی عمرو بن حریث، روی عنه راشد بن
كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه عن حد الجهالة فى "عمدة القارى" محصلا (١: ٩٤٩) مؤلف.

٣١٣
جواز الوضوء بنبيذ التمر
إعلاء السنن
ليس يدفع عن السماع اهـ، كذا فى اللسان (٥: ٢٣٣) فإن لم يكن الحديث
الأول: أبو رافع عند الطحاوى والحاكم. الثانى: رياح أبو على عند الطبرانى فى الأوسط.
الثالث: عبد الله بن عمر عند أبى موسى الأصبهانى فى كتاب الصحابة. الرابع: عمرو
البكال عند أبى أحمد فى "الكنى" بسند صحيح. الخامس: أبو عبيدة بن عبد الله.
السادس: أبو الأحوص وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائنى. السابع: عبد الله بن
مسلمة عند الحافظ أبى الحسن ابن المظفر فى كتاب غرائب شعبة. الثامن: قابوس بن
أبى ظبيان عن أبيه عند أبى المظفر أيضا بسند لا بأس به. التاسع: عبد الله بن عمرو بن
غيلان الثقفى عند الإسماعيلى فى جمعه(١) حديث يحيى بن أبى كثير عن يحيى عنه.
العاشر: عبد الله بن عباس عند ابن ماجة والطحاوى الحادى عشر: أبو وائل شقيق بن
سلمة عند الدارقطنى. الثانى عشر: ابن عبد الله رواه أبو عبيده ابن عبد الله عن طلحة بن
عبد الله عن أبيه أن أباه حدثه. الثالث عشر: أبو عثمان ابن سنة عند أبى حفص ابن
شاهين فى كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق جيدة، وخرجها الحاكم فى "المستدرك".
الرابع: عشر: أبو عثمان النهدى عند الدورقى فى "مسنده" بطريق لا بأس بها اهـ ملخصا
(٩٤٩:١). قلت: فهؤلاء خمسة عشر رجلا يروونه عن عبد الله، وبه أفتى على رضى
الله عنه وعكرمة مولى ابن عباس، ولما ذكر أبو خلدة ليلة الجن عند أبى العالية لم ينكرها،
بل قال: "أنبذتكم هذه خبيثة، وإنما كان ذلك زبيب وماء" وهذا يدل على صحة
حديثها ومعرفتهما إياها ذكرنا كل ذلك فى المتن، فلا يبعد دعوى الشهرة فيها، كما لا
يخفى، مع ما أنه لا حجة لهم فى الكتاب لأن عدم نبيذ التمر فى الأسفار يسبق عدم الماء
عادة، لأنه اعسر وجودا وأعز إصابة من الماء، فكان تغليق جواز التيمم بعد الماء تعليقا
بعدم النبيذ دلالة، فكأنه قال: "فلم تجدوا ماء ولا نبيذا من تمر فتيمموا" إلا أنه لم ينص
عليه لثبوته عادة، ويؤيد هذا ما ذكرنا من فتاوى نجباء الصحابة والتابعين رضى الله
عنهم فى زمان انسد فيه باب الوحى مع أنهم كانوا أعرف الناس بالتاسخ والمنسوخ،
وكذا فى "البدائع" (١٦:١).
(١) كذا فى الأصل، ومثله فى عمدة القارى (١: ٩٤٩) وهذه العبارة مأخوذة منها. ولعله خطأ، والصحيح: "فى
معجمه".

٣١٤
جواز الوضوء بنبيذ التمر
ج - ١
حسنا فلا أقل من أن يستشهد به.
قال العينى فى "العمدة": " وفى المغنى لابن قدامة: وروى عن على أنه كان لا
يرى بأسا بالوضوء بنبيذ التمر، وبه قال الحسن والأوزاعى، وقال عكرمة: النبيذ وضوء
من لم يجد الماء وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إلى من التيمم، وجمعهما أحب إلى،
وعن أبى حنيفة كقول عكرمة (١) اهـ. وفى أحكام القرآن لأبى بكر الرازى عن أبى حنيفة
فى ذلك ثلاث روايات إحداها: يتوضأ به ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، وهذه هى
المشهورة وقال قاضى خان: هو قوله الأول، وبه قال زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ،
رواها عنه نوح ابن أبى مريم وأسد بن عمرو والحسن بن زياد، قال قاضى خان: وهو
الصحيح عنه والذى رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء، واختار الطحاوى
هذا. والثالثة: روى عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد رحمه الله" اهـ (٩٤٨:١)، وفى
فتح القدير ناقلا عن الخزانة: "قال مشايخنا: إنما اختلفت أجوبته لاختلاف المسائل،
سئل مرة إن كان الماء غالبا، قال: يتوضأ، وسئل مرة، إن كانت الحلاوة غالبة، قال:
يتيمم ولا يتوضأ، وسئل مرة إذا لم يدر أيهما الغالب، قال: يجمع بينهما" (١٠٥:١).
وفى "البدائع" (١٧:١): "ثم لا بد من معرفة تفسير نبيذ التمر الذى فيه الخلاف،
وهو أن يلقى شىء من التمر فى الماء فتخرج حلاوته إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود
رضى الله عنه فى تفسير نبيذ التمر الذى توضأ به رسول الله ◌ٍّ ليلة الجن، فقال:
"تميرات ألقيتها" فما دام حلوا رقيقا أو قارصا (٢) يتوضؤ به عند أبى حنيفة، وإن كان
غليظاً كالرب لا يجوز التوضؤ به بلا خلاف، وكذا إن كان رقيقا لكنه غلا واشتد
وقذف بالزبد، لأنه صار مسكرا والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ به، ولأن النبيذ الذى
توضأ به رسول الله ◌ّ له كان رقيقا حلوا، فلا يلحق به الغليظ والمر. هذا إذا كان نيا،
فإن كان مطبوخا أدنى طبخة فما دام حلوا أو قارصا فهو على الاختلاف، وإن غلا
واشتد وقذف بالزبد ذكر القدورى فى شرحه لمختصر الكرخى الاختلاف فيه بين
(١) يعنى انتهى كلام ابن قدامة فى المغنى، وكلام العينى مستمر.
(٢) والقارص: الحامض من ألبان الإبل خاصة، وقيل: هو لبن يحذى اللسان (تاج العروس ٤: ٤١٩) فلعل المراد
ههنا نبيذ یحذى اللسان.

٣١٥
جواز الوضوء بنبيذ التمر
إعلاء السنن
٢٨- حدثنا: أبو بكر الشافعى نا محمد بن شاذان نا معلى (ابن
منصور) نا أبو معاوية عن حجاج عن أبى إسحاق عن الحرث عن على قال:
كان لا يرى بأسا بالوضوء من النبيذ، أخرجه الدارقطنى (١: ٢٩) ورجاله كلهم
الكرخى وأبى طاهر الدباس، على قول الكرخى يجوز وعلى قول أبى طاهر لا يجوز،
وهذا أقرب القولين إلى الصواب" اهـ ملخصا.
وجه رجوع أبى حنيفة إلى قول الجمهور:
فإن قيل: وبعد ذلك كله فلم رجع أبو حنيفة عن قوله الأول ووافق الجمهور؟
كما فى "رد المحتار" ناقلا عن البحر (٣٣٤:١). قلت: لعل وجهه التردد الواقع فى أن
قصة الوضوء بالنبيذ كانت بمكة قبل نزول آية المائدة، أو بالمدينة بعد نزولها. وتعدد ليلة
الجن ووقوعها بالمدينة وحضور ابن مسعود فيها لا يستلزم وقوع قصة النبيذ أيضا
بالمدينة، ولم يرد التصريح به فى أثر يقبل مثله، وأيضا وقع التردد فى صفة النبيذ الذى
توضأ به رسول الله ظلٍّ هل كان الماء غالبا فيه أو الحلاوة أو كانا مساويين، ولا يخفى
أن جواز الوضوء به إنما عرف على غير القياس فيقتصر على مورده، والمورد متردد فيه،
فلا يترك به القياس ولا ينسخ به الكتاب.
وأما ما ذكرناه قبل فى جواب الحافظ، فهو وإن كان يرجح احتمال غلبة الحلاوة،
ولكنه لا يقطع عرق احتمال خلافه، لجواز أن يكون ابن مسعود نفى عنه اسم الماء بمعنى
عدم خلوصه عن الشوب، وإن كان باقيا على إطلاقه. وأما إن ما ينبذ من العشاء إلى
الغدوة يغلب عليه الحلاوة، فهذا يختلف باختلاف الأحوال والفصول والتمر، فإذا كانت
التمرات يابسة والليلة قصيرة فقد لا يغلب حلاوتها على الماء فى مثل تلك المدة، والله
أعلم وعلمه أتم وأحكم.
قوله: "حدثنا أبو بكر الشافعى إلخ" قلت: دلالته على إفتاء بعض أجلة الصحابة
بالوضوء بالنبيذ ظاهرة.

٣١٦
ج - ١
جواز الوضوء بنبيذ التمر
ثقات، إلا أنه قال: "حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه" اهـ قلت: روى له
مسلم فى صحيحه، مقرونا وقال أحمد: كان من الحفاظ، وقال شعبة: اكتبوا
عنه وعن ابن إسحاق، فإنهما حافظان (الترغيب ص ٥٢٩)، وصرح فى تدريب
الراوى بأنه حسن الحديث (ص ٥٢)، والحارث وثقه ابن معين، وذكره ابن
شاهين فى الثقات، ونقل توثيقه عن أحمد بن صالح البصرى كما فى
التهذيب (٢: ١٤٢) فالحديث حسن، لا سيما وقد تابعه مزيدة بن جابر عن
على عند الدارقطنى أيضاً (١)، ومزيدة وثقه ابن حبان وقال أحمد: معروف،
كذا فى "التهذيب" (١٠: ١٠١).
٢٨١- ثنا: محمد بن مخلد العطار نا عبد الله بن أحمد بن حنبل نا أبى
نا الوليد بن مسلم نا الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة قال: النبيذ
وضوء إذا لم يجد غيره. قال الأوزاعى: إن كان مسكرا فلا يتوضأ به اهـ
أخرجه الدارقطنى (١: ٢٨) ورجاله كلهم ثقات من رجال مسلم، إلا شيخ
الدارقطنى وعبدالله، وكلاهما ثقتان.
٢٨٢- ثنا: أبو بكر الشافعى نا محمد بن شاذان نا معلى بن منصور نا
مروان بن معاوية نا أبو خلدة قال: قلت لأبى العالية: رجل ليس عنده ماء،
عنده نبيذ، أ يغتسل به فى جنابة؟ قال: لا! فذكرت له ليلة الجن، فقال:
أنبذتكم هذه الخبيئة إنما كان ذلك زبيب وماء. أخرجه الدارقطنى ورجاله كلهم
ثقات، وقال الحافظ فى "الفتح": وروى أبو عبيد عن الحسن أنه قال: لا بأس
به (أى بالوضوء بالنبيذ)، وهو حسن أو صحيح على قاعدته.
قوله: "محمد بن مخلد إلى آخر الباب" قلت: دلالة الآثار على موافقة أجلة
التابعين لأبى حنيفة فى هذه المسألة وعدم شذوذه فيها ظاهرة
(١) آخر حديث فى باب الوضوء بالنبيذ ١: ٧٩

٣١٧
إعلاء السنن
أبواب التيمم
باب أن التيمم يجوز بسائر أجزاء الأرض ولا يشترط له التراب المنبت
٢٨٣- عن: جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَّه فى
حديث طويل: ((جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا))، الحديث رواه
البخارى(١).
باب أن التيمم يجوز بسائر أجزاء الأرض
ولا يشترط له التراب المنبت(٢)
قال المؤلف: دلالة الحديث الأول على الباب ظاهرة من حيث أن لفظ الأرض عام
لسائر أجزاءه، ودلالة الحديث الثانى أيضا على الباب ظاهرة.
وأما ما فى "التلخيص الحبير" (٥٥:١): "روى البيهقى من طريق قابوس بن أبى
ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنه قال: الطيب الصعيد حرث الأرض، ورواه
ابن أبى حاتم فى تفسيره بلفظ "أطيب الصعيد تراب الحرث" وأورده ابن مردويه فى
تفسيره من حديث ابن عباس مرفوعا" اهـ فإن صح فلا يدل على اشتراط التراب المنبت
بل قال ابن عبد البرفى "الاستذكار" كما فى "التلخيص" أيضا (٥٥:١) أنه: "يدل على
أن الصعيد يكون غير أرض الحرث". وفى "شرح الموطأ" الزرقانى متكلما على دلائل
المخصصين: وفى حديث على رضى الله عنه: وجعل التراب لى طهوراً، أخرجه أحمد
والبيهقى بإسناد حسن فقوى تخصص عموم حديث جابر رضى الله عنه بالتراب، قال
القرطبى: وليس كذلك، وإنما هو من باب النص على بعض أشخاص العموم، كما قال
تعالی: ﴿فیهما فاكهة ونخل ورمان﴾، انتهى (١٠٢:١ مصرى).
(١) كتاب التيمم ١: ٤٨.
(٢) اعلم أنهم اتفقوا على جواز التيمم بتراب الحرث الطيب، واختلفوا فى جوازه بما عداه، فذهب الشافعى إلى أنه لا
يجوز إلا بالتراب الخالص (المنبت) وذهب مالك إلى أنه يجوز بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها
كالحصا والرمل، وزاد أبو حنيفة فقال: وبكل ما يتولد من الأرض (إذا كان من جنسها، مثل النورة والزرنيخ
والجص والطين والرخام وقال أحمد بن حنبل: يتيمم بغبار الثوب واللبد (ملخص من بداية المجتهد ١: ٥٥) وقال
الثورى والأوزاعى: يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج والجمد (عمدة القارى ١: ١٦١).

ج -١
٣١٨
٢٨٤- عن: أنس رضى الله عنه مرفوعا: "جعلت لى كل أرض طيبة
مسجدا وطهورا" ، رواه ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح (فتح البارى
٣٧١:١)
باب كيفية التيمم
٢٨٥- عن: جابر رضى الله عنه عن النبي ◌ُّ له قال: التيمم ضربة للوجه
وضربة للذراعين إلى المرفقين. رواه الحاكم(١) وقال الحاكم: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه، وقال الدارقطنى: رجاله كلهم ثقات(٢) انتهى، وقال ابن الجوزى
فى التحقيق: وعثمان بن محمد متكلم فيه وتعقبه صاحب التنقيح تابعا للشيخ
تقى الدين فى الإمام، وقال ما معناه: إن هذا الكلام لا يقبل منه، لأنه لم يبين
باب كيفية التيمم (٣)
قوله: "عن جابر رضى الله عنه" قال المؤلف: قال فى "عمدة القارى" (٣٧٢:٢)
بعد نقل هذا الحديث: "وأخرجه البيهقى أيضا والحاكم أيضا من حديث إسحاق
الحربى، وقال: هذا إسناده صحيح، وقال الذهبى أيضا: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى
قول من يمنع صحته"، انتهى كلامه.
وفى "التعليق الحسن": "وقال الحافظ ابن حجر أى فى "الدراية": وأخرجه
(١) قلت: هذا لفظ الدارقطنى (١: ١٨١) ولفظ الحاكم: "التيمم ضربتان ضربة للوجه ضربة لليدين إلى المرفقين"
(١: ١٨٠) ولم أجد فيه قوله: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" نعم! سكت عليه الحاكم والذهبى.
(٢) لكن قال أيضا: "والصواب موقوف" ١: ٦٦.
(٣) ههنا مسألتان، الأولى فى كيفيته باعتبار الفعل: فقال أحمد وإسحاق والأوزاعى: إنه ضربة واحدة للوجه
والكفين، وقال أبو حنيفة والشافعى ومالك: هما ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين، وقال الحسن بن حى
وابن أبى ليلى: ضربتان يمسح بكل منهما الوجه والذراعين، وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات والثالثة لهما
جميعًا: وأما المسألة الثانية ففى محل مسح اليدين فقال أحمد وإسحاق والأوزاعى والظاهرية: تمسح الكفان
فقط، دون الذراعين، وقال الأئمة الثلاثة والجمهور: تمسحان إلى المرفقين، وروى عن مالك أنه يجعل مسح
الكفين مفروضا وما زاد إلى المرفقين سنة وتفرد الزهرى فقال: يفرض المسح إلى المناكب والآباط - (العينى
١٧٢:٢).

21
إعلاء السنن
كيفية التيمم
٣١٩
من تكلم فيه، وقد روى عنه أبو داود وأبو بكر ابن أبى عاصم وغيرهما ذكره
ابن أبى حاتم فى "كتابه"، ولم يذكر فيه جرحا، والله أعلم (زيلعى ١: ٧٩) ..
٢٨٦- عن: ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَ له: ((التيمم
ضربان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)) رواه الدارقطنى وصحح
الأئمة وقفه(١) (بلوغ ص ٢٠).
الدارقطنى والحاكم نحو حديث ابن عمر المذكور من حديث جابر بإسناده حسن.
انتهى، وقال فى "التلخيص": ضعف ابن الجوزى هذا الحديث بعثمان بن محمد، وقال:
إنه متكلم فيه، وأخطأ فى ذلك، قال ابن دقيق العيد: لم يتكلم فيه أحد، نعم! روايته
شاذة، لأن أبا نعيم رواه عن عرزة موقوفا، أخرجه الدارقطنى والحاكم أيضا، انتهى.
قلت (٢): فى كون تلك الرواية شاذة نظر، لأن الرفع زيادة، وهى مقبولة، وهى لا
تخالف لرواية أبى نعيم لأن بين مفهوم الحديث المرفوع وبين الموقوف بونا بائنا، لا يتحد
معناهما، وإن سلم أن المفهوم واحد، لكن عثمان بن محمد الأنماطى لم يخالفه أحد من
أصحاب عزرة، غير أبى نعيم، وكلاهما ثقتان فكيف تكون الروية شاذة؟ وبذلك ظهر أن
ما قاله الدارقطنى من أن الصواب موقوف ليس بصواب اهـ" (٤٠:١).
وأما ما رواه الترمذى وقال: حسن صحيح (٢١:١): عن عمار ابن ياسر أن النبى
مرّ الر أمره بالتيمم للوجه والكفين"، وما رواه مسلم عنه أيضا مرفوعا كما فى "بلوغ المرام"
(٢٠:١): "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة.
ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه. فأجاب عنه النووى فى "شرح مسلم"
(١٦١:١) بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان ما يحصل به
التیمم اهـ.
(١) قلت: ولكن صح رفعه عند أبى حنيفة فى مسنده، فإنه رواه عن عبد العزيز ابن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر
قال: "كان تيمم رسول الله مَّ ه ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" (عقود الجواهر المنيفة
للزبيدى ص٤٠) وعبد العزيز بن أبى رواد من رجال الأربعة وأخرج عنه البخارى تعليقاً، وهو صدوق متعبد، قال
أحمد: صالح الحديث" وأتهم بالإرجاء ولم يثبت (الميزان ٢: ٦٢٨ رقم ٥١٠١ والتقريب ص٣٢٧).
(٢) قائله النيموى فى التعليق الحسن على آثار السنن ص٤٠.

ج - ١
٣٢٠
باب جواز التیمم بما لا غپار علیه إذا کان من جنس الأرض
٢٨٧٠- عن: عمار رضى الله عنه فى حديث طويل: فقال النبى معَ له:
((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك))
الحديث رواه مسلم (١: ٦١) ..
٢٨٨- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عز له: ((الصعيد
وضوء المؤمن المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله
وليمسه بشرته))، رواه البزار وصححه ابن القطان، ولكن صوب الدارقطنى
إرساله (بلوغ المرام ٢٠:١). قلت: قد عرفت أن الاختلاف غير مضر، فالحديث
مرفوع صحيح.
٢٨٩- عن أبى ذر رضى الله عنه أن رسول الله عز الم قال: ((إن الصعيد
الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه
بشرته، فإن ذلك خير))، رواه الترمذى وقال: حسن (١: ١٧)، وفى "بلوغ
المرام" (ص ٢١): "صححه الترمذى والحاكم".
باب جواز التيمم بما لا غبار عليه
إذا كان من جنس الأرض ونفض الیدین بقدر ما يتناثر التراب
وأن يتيمم ما دام العذر باقيا، وإن طالت المدة وإنه طهارة كاملة
قوله: عن عمار إلخ دلالة الجزئين الأولين من الباب ظاهرة، أما على الثانى: فبأنه
بين فى صفة التيمم نفخ التراب من اليدين، وأما على الأول فبأنه لو كان الغبار شرطا
لم ينفض اليد، وأما قيد الجزء الأول فيستدل عليه بقوله تعالى "صعيدا" وبقوله مر له
"جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا" أخرجاه كما فى بلوغ المرام مع تعليقه (٢٠:١)،
أفاده الشيخ ودلالة حديث أبى هريرة وأبى ذر على الجزء الثالث من الباب ظاهرة.
قوله: "عن أبى ذر إلخ": قلت: قوله مرّزاهر: ((ما لم يجد الماء» هو أصرح فى
المقصود ودلالته على الباب ظاهرة، لأن قوله مرّ له ((ما لم يجد الماء)) يعم الوقت وبعده،