Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ج - ١ يتعلق به قريبا، وبقيتهم ثقات مشهورون، إلا أن محمدا عن على رضى الله عنه مرسل، فإنه لم يدركه. ١٨٦- حدثنا: جبارة بن المغلس ثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضى الله عنه قال: كان رسول الله عَ ◌ّه يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. رواه ابن ماجة (١) وسنده لا بأس به. : باب استحباب غسل من أراد الإسلام ١٨٧- عن: أبى هريرة رضى الله عنه أن ثمامة بن أثال أو أثالة أسلم، فقال رسول الله ربّ الّ: ((اذهبوا به إلى حائط بنى فلان، فمروه أن يغتسل)). رواه أحمد والبزار وزاد: "بماء وسدر" وله عند أبى يعلى: ((لما أسلم ثمامة ابن أثال أمره النبى ◌ّظلِّ أن يغتسل ويصلى ركعتين)). وفى إسناد أحمد والبزار عبد الله أبن عمر العمرى وثقه ابن معين وأبو أحمد ابن عدى وضعفه غيرهما من غير نسبة إلى كذب. وقال أبو يعلى: "عن رجل عن سعيد المقبرى" قال: "فإن باب استحباب غسل من أراد الإسلام قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه إلخ" اعلم أن قوله "أسلم" معناه أراد الإسلام، كما ورد فى قصة قيس رضى الله عنه عند أبى داود، وسيأتى آخر الباب، ولا ينافيه قوله "يصلى ركعتين" لأن المراد أن يغتسل ثم يسلم ثم يصلى، والواو لا يقتضى الترتيب. وأيضا فى هذه القصة عند النسائى (٤٠:١)، وقد سكت عنه فهو صحيح عنده على قاعدته ما يدل على أنه اغتسل قبل الإسلام، ونصه: "أن ثمامة بن أثال الخنفى انطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله" الحديث. وظاهر الأمر هو الوجوب .. (١) باب ما جاء فى الإغتسال فى العيد. ٢٤٢ استحباب غسل من أراد الإسلام إعلاء السنن كان هو العمرى فالحديث حسن" والله أعلم. كذا فى مجمع الزوائد(١). قلت: فإسناد الإمام أحمد والبزار حسن عند أبى يعلى، والاختلاف غير مضر. ١٨٨- عن: قتادة أبى هشام قال: أتيت رسول الله مِ لٍ فقال لى: «يا قتادة! اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر. وكان رسول الله مرّ لته يأمر من أسلم أن يختتن وإن كان ابن ثمانين سنة)). رواه الطبرانى فى الكبير، ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد ١: ١١٧) وإسناده حسن ( کذا فی العزیزی(٢). ١٨٩- عن: قيس بن عاصم رضى الله عنه قال: ((أتيت النبى ◌ّ التي أريد وفى النيل (٢٢٥:١): "وقد ذهب إلى الوجوب مطلقا أحمد بن حنبل" اهـ قلت: الكفر ليس بحدث يوجب الغسل، وإلا لم يجز دخول الكافر فى المسجد، وهو يجوز عندنا كما سيأتى فى محله، فالقول بوجوب الاغتسال مشكل وقال الشيخ أبو الطيب فى . شرح الترمذى (٥٤٩:١) "أى تنظيفا للظاهر ليناسب طهارة الباطن" اهـ قلت: وهو إن كان جنبا يكفيه هذا الغسل، ولو لم يغتسل للإسلام وأسلم وقد كان جنبا يجب عليه الغسل من الجنابة. قوله: "عن قتادة إلخ" قال المؤلف: قوله "أتيت" أى لأن أسلم، وأما قوله مؤ لّ "شعر الكفر" ففى عون المعبود (١ ٤٠٠) "بل إضافة الشعر إلى الكفر يدل على حلق الشعر الذى هو الكفار علامة لكفرها(٣) هى مختلفة الهيئة فى البلاد المختلفة، وقد مر تقرير الدلالة على الباب، وسيأتى ما يتعلق بالاختتان فى باب الحظر والإباحة إنشاء الله تعالی. قوله: "عن قيس رضى الله عنه" قال المؤلف: دلالته على الباب بما مر من تقريرها ظاهرة، وقوله "أسلم" أى أراد الإسلام. (١) مجمع الزوائد، باب غسل الكافر إذا أسلم ١: ٢٨٣. (٢) حرف الكاف، لفظ " كان" ٣: ١٥٠. (٣) كذا فى الأصل، والظاهر "لكفرهم" مؤلف. ٢٤٣ ج - ١ الإسلام فأمرنى أن اغتسل بماء وسدر)). أخرجه أبو داود وسكت عنه، قال المنذرى: "وأخرجه الترمذى والنسائى وقال الترمذى: هذا حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه". (عون المعبود) (١) وأخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة(٢)، وصححه ابن السكن، قاله فى النيل ونقل الحديث قبل بلفظ: "عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبى مَ اه أن يغتسل بماء وسدر. رواه الخمسة إلا ابن ماجة"(٣) اهـ قلت: هذا اللفظ للترمذي (١: ٧٧). باب استحباب غسل المغمى عليه إذا أفاق ١٩٠- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: ((ثقل النبى مرّ اتّ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لى ماء فى المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل، فذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لى ماء فى المخضب، قالت: ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لى ماء فى المخضب، فقعد فاغتسل)). الحديث رواه إمام الدنيا أبو عبد الله البخارى رضى الله عنه الخالق البارى (٩٥:١). باب استحباب غسل المغمى عليه إذا أفاق قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وذكر ندب هذا الغسل فى الدر المختار (١٧٥:١ مع رد المحتار). (١) باب الرجل يسلم فيؤمر بالغسل ١: ١٣٩ و١٤٠ . (٢) موارد الظمآن باب الغسل لمن أسلم ١: ٨٢ رقم ٢٣٤ وابن خزيمة، باب استحباب غسل الكافر ١: ١٢٦ رقم ٢٥٤. (٣) نيل الأوطار، باب وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم ١: ١٩٥. ٢٤٤ •إعلاء السنن باب وجوب التستر عن الأعين فى الغسل وجواز التجرد فى الخلوة واستحباب الاستتار فيتها م ١٩١- عن ابن عباس رضى الله عنه قال قال رسول الله عَز اله: ((إن الله ينهاكم عن التعرى فاستحيوا من ملائكة الله الذين لا يفارقوتكم إلا عند ثلث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو جذمة(١) حائط أو ببعيره)). رواه البزار وقال: لا يروى عن ابن عباس رضى الله عنه إلا من هذا الوجه، وجعفر بن سليمان لين، قلت: جعفر بن سليمان من رجال الصحيح، وكذلك بقية رجاله. (مجمع الزوائد). ١٩٢- عن: أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى مع اله قال: ((بينما أيوب عليه السلام يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثى فى ثوبه، فناداه ربه: یا ایوب! أ لم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب! ولكن لا غنى بى عن بركتك)) رواه البخارى (٢). ١ باب وجوب التستر عن الأعين فى الغسل وجواز التجرد فى الخلوة واستحباب الاستتار فيها قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه إلخ" قال المؤلف: هو محمول على الاغتسال فى الخلوة، وهو ظاهر، فدلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة، قلت: وجوب ستر العورة عام ولو فى الخلوة على الصحيح، إلّا لغرض صحيح، صرح به فى الدر المختار (٤١٩:١ مع رد المحتار) وفى حديث بهز دلالة عليه، وأصرح منه حديث ابن عباس: "قال رسول الله مَّ الله: إن الله ينهاكم عن التعرى فاستحيوا من ملائكة الله الذين لا يفارقونكم (١) كذا فى الأصل، وفى نسختنا من المجمع "بجذمة" (١: ٢٦٨ باب التستر عند الاغتسال) والجذمة بالكسر: القطعة من الشىء يقطع طرفه ويبقى أصله (تاج العروس ١: ٢٢٣). (٢) كتاب الأنبياء، باب قول الله: وأيوب إذ نادى إلخ ١: ٤٨٠. ٢٤٥٠ ج -١ وجوب التستر فى الغسل ١٩٣- عن: بهز بن حكم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا نبى الله! عوراتنا ما نأتى منها وما نذر؟ قال: ((إحفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان القوم بعضهم فى بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا ترينها، قال قلت: يا نبى الله! إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيى من الناس)). رواه الترمذى(١) وقال: "حسن" قلت: عزاه العزيزى إلى أحمد والحاكم والبيهقى وأبى يعلى ثم قال: إلا عند ثلاث حالات" الحديث، ورجاله رجال الصحيح كما مر، وفيه الأمر بالاستحياء عن الملائكة والنهى عن التعرى ومفاده الوجوب. قال العلامة الشامى: "أى إذا كان خارج الصلاة يجب التستر بحضرة الناس إجماعا، وفى الخلوة على الصحيح، ثم إن الظاهر المراد بما يجب ستره فى الخلوة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة فقط، حتى أن المرأة لا يجب عليها ستر ما عدا ذلك وإن كان عورة، يدل عليه ما فى باب الكراهية من القنية، وفى غريب الرواية: يرخص لمرأة کشف الرأس فى منزلها وحدها، فأولى لها ليس خمار رقيق يصف ما تحته عند محارمها أهـ، لكن هذا ظاهر فى ما يحل نظره للمحارم، أما غيره كبطنها وظهرها هل يجب ستره فى الخلوة؟ محل نظر، وظاهر الإطلاق نعم! فتأمل" (٤١٩:١). قلت: قال فى الدر "وتنظر المرأة المسلمة من المرأة كالرجل من الرجل، وقيل كالرجل لمحرمه، والأول أصح سراج " اهـ (٣٦٥:٥ على هامش رد المحتار). فلما كان الصحيح أن عورة المرأة من المرأة كعورة الرجل من الرجل فأولى أن تكون هذه هى عورتها من نفسها، فالصحيح جواز كشفها للبطن والظهر أيضا فى الخلوة وبعد ذلك فالأولى فى تقرير الاستدلال أن يقال: إن قصة اغتسال أيوب عليه السلام عريانا دلت على جواز التجرد عند الغسل، وكذا ما رواه أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله مرّ له: ((إن موسى بن عمران عليه السلام كان إذا أراد أن يدخل الماء. لم يلق ثوبه حتى يوارى عورته فى الماء)». رجاله موثقون، إلا أن على بن زيد مختلف فى (١) أبواب الآداب، باب حفظ العورة ٢: ١٠٣. ٢٤٦ وجوب التستر فى الغسل إعلاء السنن "قال الشيخ حديث صحيح. (١: ٦٢). الاحتجاج به، كذا فى مجمع الزوائد(١) قلت: فهو حسن الحديث، وفيه دلالة على جواز التجرد إذا أمن من وقوع النظر على عورته بالماء أو بالحائط ونحوه، وكذا ما رواه الطبرانى فى الكبير عن زينب بنت أم سلمة. "أنها دخلت على رسول الله عَ لّه وهو يغتسل فأخذ حفنة من ماء فضرب بها وجهى، وقال: وراءك بالكاع (٢)!" وإسناده حسن (مجمع الزوائد ) فإنه يدل بظاهره على أنه آرٍ كان يغتسل عريانا إذاً، وكذا ما ورد فى قصة موسى عليه السلام من اغتساله عريانا وفرار الحجر بثوبه، فخص بذلك عموم قوله سَ لّه ((إن الله ينهاكم عن التعرى فاستحيوا من ملائكة الله)) وكذا عموم قوله مرّ له ((فالله أحق أن يستحيى منه من الناس)) وعلم أن النهى عن التعرى مقيد بعدم ضرورة داعية إليه، فإذا دعت إليه جاز، كالاستنجاء والتغوط والغسل ونحوها، ومع ذلك لو لم يتجرد كل التجرد واستتر ما أمكن كان أفضل، لما فيه من رعاية الأدب مع الله تعالى والحياء منه، دل عليه قوله مرّالّه: ((إن الله حيى ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر". رواه أبو داود والنسائى عن يعلى بن أمية، ورجال إسناده رجال الصحيح كذا فى النيل (٢٤٣:١) فإنه بعمومه يدل على طلب الستر عند الغسل مطلقا، وكذا قوله فى جواب السائل عن الخلوة: ((فالله أحق أن يستحيى منه من الناس)). فستر العورة فى الخلوة واجب عند عدم ضرورة داعية إلى الكشف، ومندوب عند ضرورة داعية إليه ما استطاع. قال الشامى تحت قول الدر. "ووجوبه عام ولو فى الخلوة" ما نصه: "لأنه تعالى وإن كان يرى المستور كما يرى المكشوف، لكنه يرى المكشوف تاركا للأدب والمستور متأدبا، وهذا الأدب واجب مراعاته عند القدرة عليه، وهذا ما ذكره الزيلعى من أن العامة لم يشترطوا الستر عن نفسه، فذاك فى الصلاة، كما سيأتي بيانه عند ذكر المصنف له، فليس فيه تصحيح لخلاف ما هنا، فافهم اهـ" (٤١٩:١). قلت: قال المصنف بعد ذلك: "والشرط سترها (أى العورة عن غيره ولو حكماً كمكان مظلم) (فإن العورة مرئية فيه حكما، فيشترط سترها) لا سترها عن نفسه، وبه يفتى، فلو رآها من (١) باب التستر عند الاغتسال ١: ٢٦٩. (٢) كذا فى الأصل، وفى نسختنا من المجمع: "أى لكاع (١: ٢٦٩). ٢٤٧ ج - ١ وجوب التستر فى الغسل عَ له: ((إن ١٩٤- عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عز له موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شىء استحيى منه، فاذاه من آذاه من بنى إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة. وإن الله عز وجل أراد أن يبرأه مما قالوا بموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر. فجعل يقول: ثوبى حجر! ثوبى حجر! حتى انتهى إلى ملأ من بنى إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون)). الحديث أخرجه الإمام البخارى(١). زيقه(٢) لم تفسد وإن كره اهـ". قال الشامى: "قوله: وإن كره، لقوله فى السراج فعليه: أن يزره لما روى عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: يا رسول الله! أصلى فى قميص واحد؟ فقال: زره عليك ولو بشوكة، بحر، ومفاده الوجوب المستلزم تركه للكراهة" (٤٢٥:١). قلت: وحديث سلمة أخرجه الحاكم بمعناه فى المستدرك، وصححه وأقره عليه الذهبى (٢٥:١) . قوله: "عن أبى هريرة" قلت: دلالته على جواز الاغتسال عريانا فى البيت ظاهرة ووجه الاستدلال حكايته ◌ّ له للقصة وعدم إنكاره عليها، فدل على موافقتها لشرعنا، وإلا فلو كان فيها شىء غير موافق لبينه، فيحمل الأحاديث التى فيها الإرشاد إلى التستر (عند الغسل مطلقا) على الأفضل، كذا فى النيل (٢٤٤:١) (١) كتاب الأنبياء، بعيد حديث الخضر مع موسى، ١: ٤٨٣. (٢) زيق القميص بالكسر ما أحاط بالعنق منه (تاج العروس ٦: ٣٧٦). ٢٤٨ إعلاء السنن باب أن الاحتلام بغير إنزال لا يوجب الغسل ١٩٥- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: ((سئل النبى معَ اللّه عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر إحتلاما، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أن قد احتلم، ولا يجد البلل، قال: لا غسل عليه. فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك أ عليها غسل؟ قال: نعم! إنما النساء شقائق الرجال)). رواه أبو داود وسكت عنه (١: ٩٥) وفيه العمری وقد اختلف فيه کما عرفت فى باب غسل الإسلام، لكن قد علمت أيضا أن أبا يعلى حسن حديثه والاختلاف غير مضر، لا سيما إذا سكت عنه إمام من أئمة من الفن. باب أن الاحتلام بغير إنزال لا يوجب الغسل قال المؤلف: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة، وفى عون المعبود (٩٦:١): "قال الخطابى فى معالم السنن: ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى بلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق، وروى هذا القول عن جماعة من التابعين منهم عطاء والشعبى والنخعى، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إلىّ أن يغتسل، وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنها الماء الدافق، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط، ولم يختلفوا أنه إذا لم ير الماء وإن كان رآى فى النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال انتهى كلامه". قلت: ومن اشترط فى رؤية البلة بعد النوم تذكر الشهوة والدفق، فهو مع كونه خلاف المذهب لا يصح رواية ولا دراية. أما كونه خلاف المذهب، فيعرف بما ذكرناه فى باب اشتراط الشهوة فى وجوب الغسل بخروج المنى، فراجعه. وأما كونه خلاف الرواية فلأنه مِّ بنى أمر الغسل على رؤية البلل مطلقا فى أحاديث الباب، ولو لم يتذكر احتلاما، كما وقع التصريح به فى حديث عائشة رضى الله عنها ولا يخفى أن عدم تذكر الاحتلام يشمل عدم تذكر الشهوة والدفق أيضا، فكيف يصح اشتراط تذكرهما مع ورود التصريح بعدمه؟ وما يقال: إن الأحاديث الدالة على اشتراط الشهوة. ج - ١ الاحتلام بغير إنزال لا يوجب الغسل ٢٤٩ ١٩٦- عن: خولة بنت حكيم أنها سئلت النبى مَ ◌ّر عن المرأة ترى فى منامها ما يرى الرجل، فقال: ((إنه ليس عليها غسل حتى تنزل، كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل)). رواه ابن أبى شيبة، وهو صحيح (كنز العمال ١٣٢:٥). والدفق تعم حالة النوم واليقظة، ففيه أولا أن عمومها لحالة النوم ممنوع، لما فى حديث على من قوله مرّ له: ((إذا رأيت المذى فتوضأ واغسل ذكرك وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)) مقيدا بالرؤية، وهى لا تتصور إلا فى اليقظة حقيقة، وثانيا إن سلم عمومها لها بحمل الرؤية على العلم، فهى أولى بالتخصيص من هذه، لأنها أفادت حكم حالة النوم بعمومها إشارة، وأحاديث الباب وردت فى حالة النوم خاصة وأفادت حكمها صراحة، والخاص يقضى على العام والصريح على الإشارة، فافهم. وأما كونه خلاف الدراية فلأن التيقن بالدفق أو الشهوة متعذر مع النوم، فكيف يحال الحكم عليه؟. لا يقال: إن لهذا يستلزم القول بوجوب الغسل من خروج المنى من غير شهوة، لأنا نقول: عدم تذكر الشهوة لا يستلزم عدمها فى نفس الأمر، فغاية ما قلنا إن تذكرها والتيقن بها ليس بشرط وأما إن وجودها ليس بشرط فلا، فنقول: إن المستيقظ إذا رآى على ثوبه أو جسده بللا ونحوه ولم يتذكر شيئا أصلا، فإن تيقن أنه منى أو شك فى كونه منيا أو مذيا وجب عليه الغسل لوجود الشهوة، لأن النوم مظنة الاحتلام، فيحال عليه، ثم يحتمل فى صورة الشك أنه منى رق بالهواء أو للغذاء، فاعتبرناه منيا احتياطا، والحاصل أن وجود الشهوة يكون حقيقة مرة ومظنة أخرى، فالأول فى حال اليقظة وتذكر الاحتلام، والثانى فى حال النوم إذا لم يتذكر شيئا. ٢٥٠ إعلاء السنن باب تأخير الغسل للجنب وما يفعل إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أو يعاود ١٩٧- عن: على بن أبى طالب كرم الله وجهه عن النبى معَّ اللّه قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب)). رواه أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه (الترغيب ١: ٣٨). ١٩٨- عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق" رواه البزار بإسناد صحيح، كما فى (١) الترغيب(١) . ١٩٩- عن: عمار بن ياسر رضى الله عنه مرفوعا: ((ثلثة لا تقربهم الملائكة بخير: جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوق والجنب، إلا أن يبدو له أن يأكل أو ينام فيتوضأ وضوءه للصلاة». رواه الطبرانی فی الکبیر بإسناد حسن (العزيزى ٢: ١٨٣). ٢٠٠- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: "كان رسول الله عَ ليه إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوئه للصلاة". رواه الجماعة (المنتقى باب تأخير الغسل للجنب وما يفعل إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أو يعاود قوله: "عن على إلخ" وفى عون المعبود (٩٠:١): "قال الإمام الخطابى فى معالم السنن: يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة، دون الملائكة الذين هم الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب" اهـ. قوله: "عن عائشة" قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة، وكذا ما بعده. (١) كلا الحديثين فى الترهيب من تأخير الغسل ١: ١٤٨. ج - ١ تأخير الغسل للجنب ٠ ٢٥١ ٢٠٨:١ مع النيل). ٢٠١- عن: عائشة رضى الله عنها: "أنه ظلٍّ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم" رواه البيهقى(١) بإسناد حسن (فتح البارى ١: ٣٣٧). ٢٠٢- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: "كان رسول الله مّ له إذا واقع بعض أهله فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم" . رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس، كذا فى مجمع الزوائد(٢) قلت: وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين، كما فى طبقات المدلسين (ص ١٧) وقد نقلناه اعتضادا ٢٠٣- عن: أم سلمة رضى الله عنها قالت: "كان رسول الله مظله يجنب ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام "(٢). رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع وبالجملة: فقد ثبت عنه مرّ ◌ّ تأخير الغسل إلى وقت الصلاة، حتى أنه شرع فى الصلاة مرة ثم انصرف وقال للقوم أن مكانكم! ثم جاء ورأسه يقطر ماء، وقال: إنى كنت جنبا فنسيت أن أغتسل، كما رواه الدار قطنى قاله الحافظ فى الفتح (١٠٢:٢) وأصل القصة مخرج فى الصحيحين، وهل يتطرق النسيان إلا من التأخير وأيضا فقد روت عائشة وأم سلمة رضى الله عنها: "أن رسول الله مَّ ه كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم". أخرجه البخارى(٤) فهل يسع لمؤمن بالله أن يقول لأمر ثبت عن رسول الله مَّ إنه مكروه مذموم؟ وإذا كان تأخير الغسل وعدم فور الطهارة مباحا فى الشرع فالأولى أن يقال إن تأخير الغسل خلاف الأولى، وتعجيله أفضل. وتأخيره مؤلّ. كان لبيان الجواز: وأما حديث على "لا يدخل الملائكة بيتا فيه جنب" إلخ فحمله العلماء على من يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة، لا على من يؤخر الاغتسال إلى (١) السنن ١: ٢٠٠ باب الجنب يريد النوم فيغسل فرجه ويتوضأ إلخ. (٢) باب التيمم على الجدار ١: ٢٦٤ وباب فيمن أراد النوم والأكل والشرب وهو جنب ١: ٢٧٤. (٣) تعنى به أنه عليه السلام لا يغتسل ولا يتوضأ ولا يتيمم (مؤلف). (٤) فى باب الصائم يصبح جنبا ١: ٢٥٨ . ٢٥٢ تأخير الغسل للجنب إعلاء السنن الزوائد ١: ١١٤). ٢٠٤- عن: ابن عمر رضى الله عنه: أنه سأل النبى مزافي أ ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم! ويتوضأ إن شاء)). رواه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، وأصله فى الصحيحين، دون قوله " إن شاء" كذا فى التلخيص (١) الحبير(١). ٢٠٥- عن: عبد الله بن أبى قيس قال: سئلت عائشة عن وتر رسول الله وَ الٍ فذكر الحديث قلت: كيف كان يصنع فى الجنابة؟ أ كان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. الحديث رواه مسلم (١). ٢٠٦- عن عائشة رضى الله عنها: " كان رسول الله منزلته إذا كان جنبا وأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة". رواه مسلم (١: ١٤٤) وبهذا اللفظ عزاه الحافظ إلى مسلم فى التلخيص الحبير. ٢٠٧- عن: عائشة رضى الله عنها: أن النبى معَ لِّ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوئه للصلاة قبل أن ينام، وكان إذا أراد أن يطعم وهو جنب، غسل كفيه ومضمض فاه ثم طعم. رواه الدارقطنى وقال: "(٣) صحيح حضور الصلاة، صرح به السندى فى حاشية النسائى والسيوطى فى زهر الربى (٥١:١). هذا كلامنا فى جواز النوم من غير غسل، أما جوازه من غير وضوء فيدل عليه حديث عائشة بلفظ ابن ماجة: "أن رسول الله مرّ ه إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا يمس ماء". وسنده صحيح كما مر فى المتن، فقولها " ثم ينام كهيئته لا (١) باب الغسل ١: ٤٢ رقم ١٨٩. (٢) باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له ١: ١٤٤ . (٣) باب الجنب إذا أراد أن ينام إلخ ١: ١٢٦ . ج - ١ تأخير الغسل للجنب ٢٥٣ يمس ماء" يدل صراحة على أنه ظهر كان ينام (أحيانا) من غير غسل ولا وضوء، وبهذا اللفظ اندحض (١) تأويل الترمذى بأن المراد لا يمس ماء للغسل، حكاه الحافظ عنه فى (١) قال سيدى الخليل دام مجده وعلاه فى بذل المجهود (١: ١٣٧): قال ابن العربى فى شرح الترمذى تحت قوله قد روى عن أبى إسحاق هذا الحديث شعبة والثورى وغير واحد ويرون أن هذا غلط من أبى إسحاق": تفسير غلط أبى إسحاق أن هذا الحديث رواه أبو إسحاق مختصرا واقتطعه من حديث طويل، فأخطأ فى اختصاره عنه. ونص الحديث الطويل ما رواه أبو غسان قال: أتيت الأسود فقلت: يا أبا عمر! حدثنى ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول الله مظهرٍ فقال: كان ينام أول الليل ويحيى آخر ثم إن كانت حاجته قضى له حاجة، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول وثب، وربما قالت: قام، فأفاض عليه الماء - وما قالت: اغتسل وأنا أعلم ما تريد - وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة فهذا الحديث الطويل فيه "وإن نام وهو جنب توضأ وضوء الرجل للصلاة" فهذا يدلك على أن قوله "ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء" يحتمل أحد وجهين: إما أن يريد حاجة الإنسان من البول والغائط ثم يستنجى ولا يمس ماء (للوضوء) فإن وطئ توضأ كما فى آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة الوطئ، وبقوله: "لا يمس ماء" يعنى الاغتسال، وإلا تناقض أول الحديث آخره. فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة حاجة الوطئ فنقل الحديث على ما فهمه هذا ما ذكره الشوكانى، وأما البيهقى فأخرج هذا الحديث بسنده من طريق زهير عن أبى إسحاق قال: سألت الأسود ابن يزيد عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله، قالت: كان ينام أول الليل ويحيى آخره، ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول وثب وأخذ الماء وإن لم يكن له حاجة توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين، ثم قال البيهقى: أخرجه مسلم فى الصحيح دون قوله "قبل أن يمس ماء" لأن الحفاظ طعنوا فى هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وإن أبا إسحاق ربما دلس فرواها من تدليساته قال الشيخ (البيهقى): وحديث أبى إسحاق صحيح من جهة الرواية، وذلك أن أبا إسحاق بين فيه سماعه من الأسود فى رواية زهير عنه، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده، ثم ذكر البيهقى عن أبى عبد الله سى الحافظ أنه قال: سألت أبا الوليد الفقيه قد صح عندنا حديث الثورى عن أبى إسحاق عن الأسود عن عائشة أن النبى مَ ◌ّ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء، وكذلك صح حديث عمر قال: يا رسول الله! أ ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم! إذا توضأ. فقال لى أبو الوليد: سألت العباس بن سريج عن الحديثين، فقال: الحكم لهما جميعا، ثم ذكر وجه الجمع بينهما". اهـ وهذا يدلك على صحة الحديث عند هؤلاء الثلاثة أبى عبد الله الحاكم وأبى الوليد الفقيه والعباس بن سريج، وعلى أن المراد بالحاجة فيه حاجة الوطئ، لا حاجة الإنسان من البول والغائط، فإن. لفظ "إلى أهله" يأبى عنها كل الإباء، فيرد المحتمل إلى المتيقن، وعلى أن الحفاظ الذين طعنوا فى لفظة " قبل أن يمس ماء" طعنوا فيها من غير دليل، بل بمحض التوهم والحديث صحيح سندا ومتنا فمن قال: إن المحدثين أجمعوا على أنه خطأ من أبى إسحاق فقد أخطأ. ٢٥٤ تأخير الغسل للجنب إعلاء السنن ٢٠٨- عن: أبى رافع رضى الله عنه: "أنه معالي طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله! ألا تجعله غسلا واحدا؟ قال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر)). رواه أبو داود والنسائى (فتح البارى ٢٢٢:١) وهو صحيح أو حسن على قاعدته. ٢٠٩- عن: أنس رضى الله عنه أن النبى مظاهر كان يطوف على نسائه ويغتسل غسلا واحدا" رواه مسلم (١٤٤:١). ٢١٠- عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال قال رسول الله مت له: ((إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ". رواه مسلم (١: ١٤٤) وفى التلخيص الحبير(١): "ورواه أحمد فى مسنده وابن خزيمة وابن حبان (فى صحيحيهما) والحاكم (فى مستدركه) وزادوا: فإنه أنشط للعود. وفى رواية لابن خزيمة (فى صحيحه) والبيهقى (فى سننه): فليتوضأ وضوئه للصلاة" اهـ. ٢١١ - عن: عائشة رضى الله عنها قالت: " كان النبى معَ لٍ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ" رواه الطحاوى (فتح البارى ١: ٣٢٣). ٢١٢- عن: عائشة رضى الله عنها: "أن رسول الله عز التي كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء". رواه أصحاب السنن كذا فى التلخيص: قال الحافظ بعد نقل كلام المحدثين فى هذا الحديث: "صححه البيهقى وقال: إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود فى رواية زهير عنه، وقال الدارقطنى فى العلل: يشبه أن يكون الخبران صحيحين قاله بعض أهل العلم" قلت: ولفظه عند ابن ماجة بسند صحيح عنها: "أن رسول الله منّ الله إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها، ثم ينام كهيئته لا يمس ماء" اهـ كذا فى العمدة للعينى (٦٤:٢). التلخيص والصحيح فى الجمع بين الحديثين أنه كان يفعل الأمرين لبيان الجواز، وبهذا جمع ابن قتيبة فى اختلاف الحديث، نقله الحافظ عنه فى التلخيص (٥٢:١) ويؤيده ما (١) باب الغسل ١: ١٤١ رقم ١٨٨. 17 ج - ١ تأخير الغسل للجنب ٢٥٥ ٢١٣- محمد: قال: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا أبو إسحاق السبيعى عن الأسود بن يزيد عن عائشة أم المؤمنين قالت: " كان رسول الله عز لته. يصيب من أهله من أول الليل فينام ولا يصيب ماء، فإن استيقظ من آخر الليل عاد واغتسل" أخرجه محمد فى الآثار (ص٨) وكذا فى الموطأ (ص٧١) إلا أن فيه: "ثم ينام ولا يمس ماء" وقال: وبه نأخذ، لا بأس إذا أصاب الرجل أهله أن ينام قبل أن يغتسل أو يتوضأ، وهو قول أبى حنيفة" . اهـ قلت: رجاله كلهم ثقات واستدلال المجتهد بحديث تصحيح له كما تقرر فى الأصول. ٢١٤- عن: شداد بن أوس الصحابى قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة" . رواه ابن أبى شيبة بسند رجاله ثقات، كذا فى العمدة للعينى (٢: ١٦٦) والفتح للحافظ (٣٣٧:١). رواه ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما عن ابن عمر: "أنه سأل النبى ◌ّرِ أ ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم! ويتوضأ إن شاء)) كذا فى التلخيص. قوله: "عن شداد بن أوس إلخ" قلت: فيه إرشاد إلى حكمة وضوء الجنب قبل النوم بأن فيه تخفيف الحدث، ولا شك أن نومه على وضوء أو تيمم أفضل من نومه من غير شىء منهما. يدل عليه ما ورد عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول الله! هل يرقد الجنب؟ قال: "ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، فإنى أخشى أن يتوفى فلا يحضره جبرئيل عليه السلام". رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه عثمان بن عبد الرحمان عن عبد الحميد بن يزيد. وعثمان بن عبد الرحمان هو الحرانى الطرائقى (١)، . وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم، صدوق، وقال ابن أبى عروبة الحرانى(٢) وابن عدى: لا بأس به، يروى عن مجهولين. وقال البخارى وأبو أحمد الحاكم: يروى عن قوم ضعاف" (مجمع الزوائد١: ١١٤). قلت: عبد الحميد بن يزيد لم أجد من ترجمه، وروى ابن أبى (١) كذا في الأصل وفى مجمع الزوائد، والصحيح "الطرائفى" بالغاء، كما فى ميزان الاعتدال ١: ٤٥. (٢) كذا فى الأصل، ووقع فى نسختنا من مجمع الزوائد: "قال أبو عروبة الحرانى" (١: ٢٧٥ باب فيمن أراد النوم وهو جنب) وهو الصحيح كما فى ميزان الاعتدال ١: ٤٥ رقم ٥٥٣٢ ترجمة عثمان بن عبد الرحمن. :۔۔ ٢٥٦ تأخير الغسل للجنب إعلاء السنن ٢١٥ - حدثنا: ابن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "إذا أجنب الرجل وأراد أن يأكل أو يشرب أو ينام غسل كفيه ومضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه وغسل فرجه ولم يغسل قدميه". أخرجه الطحاوى(١) ورجاله رجال الصحيح إلا ابن خزيمة وهو ثقة مشهور كما مر، ورواه مالك فى الموطأ عن ابن عمر من فعله عن عائشة رضى الله عنها قالت: "ربما اغتسل النبى معَّ من الجنابة ثم جاء فاستدفأ بى، فضممته إلى ولم أغتسل". أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث ليس بإسناده (٢) بأس (٣) . شيبة عن عائشة رضى الله عنها قالت "إذا أراد أحدكم أن يرقد وهو جنب، فليتوضأ، فإنه لا يدرى لعله تصاب نفسه فى منامه. كذا فى زهر الربى (٥١:١) من غير سند وفى الأثرين دلالة على فضيلة النوم على طهارة، ولو وضوء، فإنه يخفف الحدث وينوب عنه التيمم أيضا كما ورد عن عائشة عند البیهقی بسند حسن، كما مر. قوله: "حدثنا ابن خزيمة" قلت: فيه دلالة على أن وضوء الجنب قبل النوم والأكل قد شرع للنشاط ولتخفيف الحدث عن بعض الأعضاء فى الجملة، ولذا اكتفى ابن عمر رضى الله عنهما على الوضوء الناقص فعلا وقولا. قلت: والأفضل أن يتوضأ وضوء كاملا لما ورد فى حديث عائشة عند الجماعة: " كان مظلةٍ إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ وضوئه للصلاة". كما مر، وأثر ابن عمر هذا يدل على جواز نوم الجنب من غير غسل ولا وضوء بلا كراهة فيه، لأن ما ذكره من الوضوء ليس بوضوء شرعى، فافهم. قوله: "عن عائشة" قلت: فيه تقرير النبى مّظلّ أم المؤمنين على تأخير الغسل والنوم على غير طهارة، والظاهر أنها كانت لا تتوضأ أيضا، لأن الاستدفاء بالمرأة لا يحصل فى الشتاء بعد وضوءها كما هو مجرب، فافهم، والله تعالى أعلم. (١) باب الجنب يريد النوم أو الأكل أو الشرب أو الجماع ١: ٧٧. (٢) باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل ١: ١٧ . ج - ١ ٢٥٧ أحكام المياه باب نجاسة الماء القليل بوقوع نجس فيه قليلا كان أو كثيرا ٢١٦- عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَ الٍ: ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى ثم يغتسل فيه)). رواه البخارى(١). باب نجاسة الماء القليل بوقوع نجس فيه قليلا كان أو كثيرا قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه" قال المؤلف، وفى البحر: " ومعلوم أن البول القليل فى الماء الكثير لا يغير لونه ولا رائحته وقد منع النبى مرّةٍ من الاغتسال فيه، ويدل عليه ايضا قوله مرٍّ ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء، فإنه لا يدرى أين باتت يده؟ فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء. ومعلوم أنها لا تغير الماء ولولا أنها مفسدة عند التحقيق لما كان للأمر بالاحتياط معنى وحكم النبى معَ ◌ّه بنجاسة ولوغ الكلب بقوله: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا" وهو لا يغير، فالحاصل أنه حيث غلب على الظن وجود نجاسة فى الماء لا يجوز استعماله أصلا بهذه الدلائل، ولا فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر أو أقل، تغير أو لا، وهذا مذهب أبى حنيفة رحمه الله عليه، والتقدير بشىء دون شىء لا بد فيه من نص، ولم يوجد " (٨٣:١). حديث القلتين: وأما حديث القلتين فلم يوقف على حقيقته كما سيأتى، فالاحتجاج به لا يصح على ما قالوا. والحديث (٢) رواه الشافعى وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطنى والبيهقى من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه، (١) باب البول فى الماء الدائم ١: ٣٧. (٢) هذه العبارة مع جميع نصوصها مأخوذة من التلخيص الحبير ١: ١٨ رقم ٣ إلى قوله: " كذا فى التلخيص الحبير". ٢٥٨ نجاسة الماء إعلاء السنن ولفظ أبى داود: سئل رسول الله ◌ّ ◌ِّر عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال رسول الله مظاهر: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)). ولفظ الحاكم: فقال: ((إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شىء)) وفى رواية لأبى داود وابن ماجة: ((فإنه لا ينجس)). قال الحاكم: صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته، وقال ابن مندة: إسناده على شرط مسلم، ومداره على الوليد بن كثير، فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر. والجواب أن هذا ليس اضطرابا قادحا، فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظا انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق الصواب أنه عند الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكير وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم، وقد رواه جماعة عن أبى أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين. وله طريق ثالث رواها الحاكم وغيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وسئل ابن معين عن هذه الطريق، فقال: إسنادها جيد، قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ فقال: وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد. وقال ابن عبد البر فى التمهيد: "ما ذهب إليه الشافعى من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما فى أثر ثابت ولا إجماع". وقال فى الاستذكار: "حديث معلول رده إسماعيل القاضى، وتكلم فيه". وقال الطحاوى: "إنما لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت". وقال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث قد صححه بعضهم وهو صحيح على طريق الفقهاء، لأنه وإن كان مضطرب الإسناد مختلفا فى بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنه بجواب صحیح، بأن یمکن الجمع بین الروايات، ولکنی تر کته، لأنه لم یثبت عندنا : ج - ١ نجاسة الماء ٢٥٩ بطريق استقلالى يجب الرجوع إليه شرعا تعيين مقدار القلتين". قلت (١): كأنه يشير إلى ما رواه ابن عدى من حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شىء " وفى إسناده المغيرة بن صقلاب(٢)، وهو منكر الحديث، قال النفيلى(٢): لم يكن مؤتمنا على الحديث، وقال ابن عدى: لا يتابع على عامة حديثه: كذا فى التلخيص الحبير (٥:١) (٤) . وفيه أيضا: "لكن أصاب الشافعى قووا كون المراد قلال هجر، بكثرة استعمال العرب لها فى أشعارهم، كما قال أبو عبيد فى كتاب الطهور" . وفيه أيضا: "قال الخطابي: قلال هجر مشهورة الصنعة، معلومة المقدار(٥) والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهى الأوانى، تبقى مردودة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار، جعل الشارع الحد مقدرا بعدد، فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة فى تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة" (٦:١). وفى فتح البارى (٣٠٠:١): "ويرجع فى الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجار". وفى تابع الآثار (ص٦٨): "وما روى من أحاديث القلتين يحمل على ما إذا كان الماء مبسوطا على الأرض، كما يكون فى الحياض وقد وقعت الأحاديث فى جواب السؤال (١) قائله الحافظ ابن حجر فى التلخيص ١: ١٨ رقم ٣ وهذه العبارة كلها مأخوذة منه. (٢) هكذا فى الأصل، وفى الميزان "سقلاب" وأظنه صحيحا (مؤلف). (٣) هو أبو جعفر النفيلى، كما فى الميزان ٤: ١٦٣ . (٤) قال الحافظ أبو الفضل العراقى فى أماليه: "قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من الأئمة الحفاظ، الشافعى وأبو عبيد وأحمد وإسحاق ويحيى بن معين وابن خزيمة والطحاوى وابن حبان والدارقطنى وابن مندة والحاكم والخطابى والبيهقى وابن حزم وآخرون" اهـ. قلت: نعم! ولكنه لم يظهر فى عصر الصحابة والتابعين (مؤلف). (٥) قال فى رحمة الأمة (ص٣): "فإن بلغ قلتين، وهما خمسمائة رطل بالبغدادى تقريباً، وبالدمشقى نحو مائة وثمانية أرطال، وبالمساحة نحو ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا، لم ينجس إلا بالتغير عند الشافعى وأحمد". ٢٦٠ نجاسة الماء إعلاء السنن ٢١٧- عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ما يلي: ((إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات)). رواه مسلم والنسائى والدارقطنى، وقال: إسناده حسن رواته كلهم ثقات وأخرجه ابن خزيمة فى صحيحه ولفظه: فليهرقه. كذا فى التلخيص(١). عنها، والمبسوط من القلتين إذا كان عمقه بحيث لا ينحسر الأرض بالإغتراف منه، كان فى السعة حيث لا يتحرك طرف منه بحركة طرف آخر، وهذا هو حد الكثير فى المذهب، وقدروه للضبط على العوام بعشر فى عشر. هذا من إفادات سيد العلماء فى عصره مولانا رشيد أحمد المحدث الكنكوهى، وجربناه نحن، فوجدناه كذلك، والسر فی قيد البسط أن النجاسة تضمحل ولا تؤثر فى كل وجه الماء الذى هو محل للاغتراف للوضوء وإذا قل السعة قوى أثر النجاسة فى أجزاء وجه الماء، فتدبر اهـ" . قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه إلخ" قلت: فيه حكم النبى معَّاللّه بنجاسة الماء بولوغ الكلب، وأمر بإراقته، وهو لا يغير، فثبت أن القليل من الماء يفسد بوقوع النجس فيه، تغير أو لا، والإناء يعم الصغير والكبير، فيدخل فيه الدن أيضا، وأما حديث القلتين فغير ثابت لاضطراب متنه وإسناده، وقد بسط الكلام فيه العلامة النيموى فى آثار السنن (٦:١-٤) فمن شاء فليراجعه وحسنا من ذلك قول الذهبى فى الميزان بعد ما نقل كلام الخطيب فيما رواه الحسن بن محمد بن يحيى العلوى بسنده عن جابر مرفوعا: "على خير البشر، فمن أبى فقد كفر" : هذا حديث منكر، ما رواه سوى العلوى بهذا الإسناد، وليس بثابت(٢). "قلت(٣): فإنما يقول الحافظ "ليس بثابت" فى مثل خبر القلتين، وخبر "الخال وارث" لا فى مثل هذا الباطل الجلى، نعوذ بالله من الخذلان" (٢٤٢:١). وإن سلم ثبوته فمحمول على الماء المبسوط على وجه الأرض، كما يشعر به لفظ الترمذى عن ابن عمر قال: "سمعت رسول الله ◌َّه وهو يسأل عن الماء يكون فى الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١) باب الماء الطاهر ١: ٢٣ رقم ٩ تحت قوله "وسؤره نجس" . (٢) انتهى كلام الخطيب. (٣) قائله الذهبى فى الميزان فى ترجمة الحسن بن محمد العلوى ١: ٥٢١.