Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
إعلاء السنن
١١١- عن: معمر عن قتاده عن أبى العالية الرياحى أن أعمى تردى فى
بئر، والنبى مٍّ يصلى بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلى مع النبى
عمّ الٍّ، فأمر النبى مظلةٍ من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة.
رواه عبد الرزاق في مصنفه، ورجاله رجال الصحيحين وهو الصحيح نصب
الراية ٢٨:١) وفى آثار السنن ٣٦:١) "وإسناده مرسل قوى" اهـ ولم يذكر
سنده تاما.
أبى العالیة، قلت له: فقد رواه إبراهيم عن النبی متر مرسلا؟ فقال عبد الرحمان حدثنا
شريك عن أبى هاشم قال: أنا حدثت به إبراهيم عن أبى العالية، قلت له: فقد رواه
الزهرى عن النبى مرّاتٍ مرسلا؟ فقال عبد الرحمان قرأت هذا الحديث فى كتاب ابن
أخى الزهرى عن الزهرى عن سليمان بن أرقم عن الحسن، انتهى (١). أو قال البيهقى فى
سننه: قال الإمام أحمد: ولو كان عند الزهرى والحسن فيه حديث صحيح لما استجازا
القول بخلافه، وقد صح عن قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى من الضحك فى الصلاة
وضوء، وعن شعيب بن أبى حمزة وغيره عن الزهرى أنه قال: من الضحك فى الصلاة
يعاد الصلاة، ولا يعاد الوضوء قال البيهقى: وقد روى هذا الحديث بأسانيد موصولة إلا
: أنها ضعيفة، وقد ثبت أحاديثها فى الخلافيات انتهى(٢) وقال ابن عدى فى الكامل: وقد
روى هذا الحديث الحسن البصرى وقتادة وإبراهيم النخعى والزهرى مرسلا، وقد اختلف
على كل واحد منهم موصولاً ومرسلا، ومدار الكل يرجع إلى أبى العالية، والحديث له وبه
يعرف، ومن أجله تكلم الناس فيه، ولكن سائر أحاديثه مستقيمة صالحة، انتهى (١).
قلت، وفيه (٤) أيضا (٢٨:١): "وأسند ابن عدى عن يحيى ابن معين أنه قال
مراسيل إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين وحديث القهقهة، انتهى، قلت: أما
حديث القهقهة فقد عرف، (ذكره قبل من جهة الدارقطنى) وأما حديث تاجر البحرين
(١) أى كلام ابن عدى، وعبارة نصب الراية مستمرة.
(٢) أى كلام البيهقى، وعبارة نصب الراية مستمرة.
(٣) هنا انتهت عبارة نصب الراية ١: ٥٢ و٥٣.
(٤) يعنى فى نصب الراية ١: ٥٢.

ج - ١
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
١٦٢
فرواه ابن أبى شيبة فى مصنفه وكيع ثنا الأعمش عن إبراهيم قال: جاء رجل فقال يا
رسول الله! إنى رجل تاجر اختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلى ركعتين، يعنى القصر".
انتهى قال المؤلف: رجال هذا المرسل رجال الجماعة، إلا أن الأعمش مدلس.
ثم اعلم أن ما ذكرناه عن نصب الراية يدل على جرح رواية المتن بنقل الإمام، وكذا
رواية أبى العالية المذكورة فى آخر المتن، فلا بد من الجواب عنه. فالجواب عن جرح
حديث الحسن بأن ما ذكر ليس بنص فى أن الحديث ليس عند الحسن إلا من هذه
الطريق، لأنه يمكن أن يكون عنده من الطريقين. وأما كون مذهبه خلاف هذا الحديث
فلا يجرح به الحديث، فإنه يمكن أن يكون مذهبه هذا قبل أن يبلغه هذا الحديث
والجواب عن مرسل أبى العالية بأن سنده صحيح ومسنده أيضا محتج به كما عرفت،
ولا يجرح الحديث بكون روايته مرسلة مرة ومسندة أخرى، فإنه يجوز أن يكون الحديث
ثابتا من الجهتين، وقد تأيد بمرسل الحسن فثبت بحمد الله، عز وجل نقض الوضوء
بالقهقهة بأسانيد مقبولة.
العمل بالحديث الضعيف:
وقد قال صاحب الجوهر النقى (٤٣:١): "قال ابن حزم كان يلزم المالكين
والشافعين لشدة تواتره عن عدد من أرسله، قلت: ويلزم الحنابلة أيضا، لأنهم يحتجون
بالمرسل، وعلى تقدير أنهم لا يحتجون به فأقل أحواله أن يكون ضعيفا والحديث
الضعيف عندهم مقدم على القياس الذى اعتمدوا عليه فى هذه المسألة" اهـ.
قلت: قوله " والحديث الضعيف إلخ" مغلطة عظيمة فإن من يحتج من الأئمة
بالضعاف، فليس مراده منه بضعيف مصطلح ينزل عن درجة الحسن بل مراده ما ينزل
عن رتبة الصحيح، وهو الحسن المصطلح، وقد كنت تحيرت زمانا طويلا فى هذه
المسئلة المشهورة التى نقلها جماعة من الأكابر، بأنه كيف يمكن أن يحتج الأعلام
بالضعاف، ثم فتح الله على بمنّه وفضله ما يزيل الإشكال، وتلخيصه ما قلناه وتقصيله فى
التحفة المرضية (ص٢٧٠)(١) العلامة المحدث القاضى الشيخ حسين بن محسن
(١) المطبوعة بالمطبعة الأنصارية الدهلوية (من المؤلف).

١٦٣
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
إعلاء السنن
الأنصارى اليمانى ونصه: "وقال شيخ مشايخنا السيد العلامة عبد الرحمان بن سليمان
فى المنهج السوى: وما نقل عن الإمام أحمد من العمل بالحديث الضعيف مطلقا، لم يرد
غيره، وأنه خير من الرأى قال ابن علان رحمه الله تعالى: حمل الضعيف فيه على مقابل
الصحيح على عرفه وعرف المتقدمين فإن الخبر عندهم صحيح وضعيف، لأنه ضعف
عن درجة الصحيح فيشمل الحسن، وأما الضعيف بالإصطلاح المشهور أى ما لم يجمع
شروط القبول فليس مرادا كما نقله ابن العربى عن شيخه، قال الزركشى، وقريب منه
قول ابن خزيمة (١): الحنفية متفقون على أن مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث عنده
يحسن تصطازج وليس العقود
أولى من الرأى، فالظاهر أن مراده بالضعيف ما سبق" انتهى. وفيه أيضاً (ص٢٧٠):
"وقال الحافظ ابن تيمية: إثبات الحسن اصطلاح الترمذى (٢)، وغير الترمذى من أهل
الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ما انحط عن درجة
الصحيح، ثم قد يكون متروكا وهو أن يكون متهما أو كثير الغلط ، وقد يكون حسنا بأن
لا يتهم بالكذب وهذا معنى قول أحمد: العمل بالضعيف أولى من صاحب القياس"
انتھی.
وفيه أيضا (ص٢٧١): "وقال الحافظ ابن القيم فى إعلام الموقعين: الأصل الرابع
من أصول الإمام أحمد الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن فى الباب شىء
يدفعه، وهو الذى رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا
ما فى روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عندهم
قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن
ضعيف المطلق الغور وليس ومطار
وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف والضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد فى الباب أثراً
يدفعه ولا قول صاحب(٢) ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولى من.
القياس" اهـ. برت
وفيه أيضا (ص٧٢): "قال ابن القيم: وأصحاب أبى حنيفة مجمعون على أن
(١) هكذا فى الأصل والغالب عندى أنه ابن ٢٠ ٥- نقل عنه فى كتب (مؤلف).
(٢) هكذا فى الأصل.(مؤلف).
(٣) أى صحابى (مؤلف).

١٦٤
ج - ١
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأى، وعلى ذلك مبنى
مذهبه، فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأى قوله وقول الإمام
أحمد (ابن محمد بن) حنبل، وليس المراد بالحديث فى اصطلاح السلف هذا الضعيف
فى اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا".
انتهى .
قال المؤلف: وهذا هو الصحيح الحق الصراح، لا يعدل عنه محقق إلى غيره،
وأعنى به أن المراد بالضعيف عندهم فى موضع الاحتجاج إنما هو الحسن المصطلح عند
المتأخرين فإن الضعيف المصطلح عند المتأخرين ليس بشىء يعتد به، فكيف يسوغ
لأهل العلم أن يحتجوا به، ولله الحمد فى الأولى والأخرى على ما أنعم على من إزالة هذا
الإشكال القوى بتحرير أفاضل أمة النبى الهادى إلى الصراط السوى، عليه أفضل
الصلاة والسلام.
ثم اعلم أن صاحب الهداية قال (١٢:١): "والأثر ورد فى صلاة مطلقة (أى ذات
ركوع وسجود) فيقتصر عليها" اهـ. وقيد فى شرح الوقاية وغيره كون القهقهة ناقضا
بوقوعه فى صلاة البالغ، فلا ينقض وضوء الصبى فقال شيخى: ودليل هذا القيد على
ما أدى إليه نظرى أن النص قد ورد خلاف القياس، فيعتبر فى الحكم قيود كانت
متحققة فى المورد يقينا، وحضور الصبيان فى ذلك المورد غير يقينى، فلو حكمنا
بالنقض فيهم لكان حكما قياسيا، وقد سمعت امتناعه فى المورد الغير القياسى، فحكمنا
بعدم نقض وضوءهم لا لدليل على عدم النقض، بل لعدم دليل على النقض، وكان قد
صح وضوءهم من قبل، ووقع الشك فى ارتفاعه ومعلوم أن اليقين لا يزول بالشك
فحكمنا ببقاء وضوءهم، بخلاف النسوة، وإن كان حضورهن غير يقينى أيضا، لكنا
عملنا بالاحتياط، لأن الفرق بينهما فى الأحكام نادر جدا محتاج إلى دليل مستقل
فحيث فقد الدليل حكمنا بالمماثلة، وبهذا خرج الجواب من الصبيان عما يترا آى وروده
أنهم لم لم يحكموا فيهم بالاحتياط؟ وجه الجواب ظاهر، لأن الرجال والنساء كلهم
مكلفون فوجب رعاية الاحتياط فى إلحاقهن بهم وأما الصبيان فغير مكلفين فلم يجب
رعاية الاحتياط لقيام المانع من الإلحاق بهم.

١٦٥
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
إعلاء السنن
١١٢- حدثنا: ابن جوصاء حدثنا عطية بن بقية حدثنى أبى حدثنا عمرو
ابن قيس السكونى عن عطاء عن ابن عمر، قال قال رسول الله مَ اله: ((من
وقال بعض الفقهاء إن أمره منّ الله لهم بإعادة الوضوء كان زجراً لا لكون القهقهة
حدثاً، وبنوا على ذلك كون قهقهة الصبى غير ناقض لعدم كونه محلا للزجر، وإن
اشتقت إلى تفصيله فارجع إلى السعاية، كذا قال دام ظله العالى. وفى فتح القدير
(٤٧:١): "وأما قهقهة الصبى فقيل تبطلهما وقيل لا تنقض" اهـ وفى الدر المختار (١ :١٥٠
مع رد المحتار): "فلا يبطل وضوء صبى ونائم، بل صلاتهما، به يفتى" اهـ.
وقال صاحب السعاية تحت قول شارح الوقاية "حتى لا ينقض الوضوء قهقهة
الصبى ولى فيه كلام وله جواب" -: "أما الكلام فهو أن معنى نقض شىء الوضوء أنه
يحرم أداء الصلاة بعده بغير تجديد الوضوء، وهذا المعنى منتف فى حق الصبى فى جميع
النواقض، فإنه لو أحدث ثم صلى بغير طهارة، لا يقال إنه اكتسب الحرام، ولا يكتب
عليه وزر، لأنه ليس بمكلف بالفروع كما تقرر فى الأصول، فإن أرادوا بقولهم: "لا ينقض
قهقهة الصبى" هذا المعنى فلا وجه للتخصيص، ولا يظهر ثمرة هذا الحكم، وإن أرادوا
أن وليه لا يحكم عليه بتجديد الوضوء كما يحكم به فى سائر النواقض، فممنوع، فإن
كل ما أمر به المكلف يلزمه أن يعلمه الصبى ويعاوده ليعتاد به بعد البلوغ وأما الجواب فهو
أنهم أرادوا به المعنى الأول وثمرته تظهر فيما إذا توضأ الصبى وصلى وقهقه فى الصلاة ثم
بلغ فحينئذ يجوز له أداء الصلاة بتلك الطهارة، لعدم انتقاض وضوءه بخلاف سائر
الأحداث، فافهم"(٢٤٦:١).
قوله: "حدثنا ابن جوصاء إلخ" قلت: قال فى التهذيب فى ترجمة عطاء بن أبى
رياح: وقال خالد بن أبى نوف عن عطاء: أدركت مأتين من الصحابة وعن ابن عباس أنه
كان يقول: تجتمعون إلىّ يا أهل مكة، وعندكم عطاء وكذا روى عن ابن عمر اهـ"
(٢٠١:٧) وفى تذكرة الحفاظ (١: ٩٢): "روى الثورى عن عمرو بن سعيد عن أبيه قال:
قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال تجمعون لى المسائل وفيكم عطاء" اهـ والظاهر أن ابن عمر
لا يقول مثل هذا القول إلا بعد ممارسة حال عطاء فى العلم وهى لا تتأتى إلا بطول الصحبة

١٦٦
ج - ١
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
ضحك فى صلاته قهقهة فليعد الوضوء والصلاة». أخرجه البيهقى (الجوهر
·النقى ١: ٤٣) أعله ابن جوزى بأن بقية من عادته التدليس، فلعله سمعه من
بعض الضعفاء، فحذف اسمه، وأجاب عنه ابن التركمانى والزيلعى (٢٦:١)
بأن بقية صدوق، وقد صرح بالتحديث. والمدلس الصدوق إذا صرح بذلك
زالت تهمة تدليسه. اه قلت: وبقية رجاله ثقات، كما يشعر بذلك سكوت ابن
الجوزى وغيره عنهم، وابن جوصاء مختلف فيه، وقد وثق. كما يظهر من
اللسان (١: ٤٣٩) وسماع عطاء عن ابن عمر مختلف فيه والراجح السماع،
على أن الانقطاع ليس بعلة عندنا، فالحديث حسن لا سيما وله شواهد.
بينهما، كيف؟ وقد ولد عطاء سنة ٢٧ فى خلافة عثمان رضى الله عنه، كما فى
التهذيب (٢٠٢:٧) ومات ابن عمر سنة ثلاث وسبعین فی آخرها أو أول التى تليها، كما
فى التقريب (ص١٠٨) فكان عطاء ابن ست وأربعين أو سبع وأربعين وقت وفاة ابن عمر
ويبعد كل البعد أن لا يسمع عطاء عنه فى مثل هذه المدة، لا سيما وهو مكى، وكان ابن
عمر رضى الله عنهما يكثر الاختلاف إلى مكة من المدينة للحج وغيره، فرواية عطاء عنه .
موصولة عند من يكتفى فى قبول العنعنة بإمكان اللقاء، وهو المذهب المنصور كما حققه
مسلم فى مقدمة الصحيح. وأظن أن مسلما أخرج فى صحيحه حديث عطاء عن ابن عمر
رضى الله عنه، ولكن لا أحفظ الآن موضعه. وقال ابن أبى حاتم فى المراسيل: قال أحمد
ابن حنبل: لم يسمع عطاء من ابن عمر، وقال علي بن المديني وأبو عبد الله : رأى ابن
عمر ولم يسمع منه، كذا في التهذيب (٢٠٣:٧) وفي جامع مسانيد الإمام (٢: ٤٩٤):
قال البخاري في تاريخه : كنيته (أى عطاء بن أبي رباح) أبو محمد مولى آل بني جهم
القرشي الفهري المكي، واسم أبي رباح أسلم، قال حيوة بن شريح عن عباس بن الفضل
عن حماد بن سلمة: قدمت مكة سنة مات عطاء سنة أربع عشرة ومائة، وقال أبو نعيم:
مات سنة خمس عشرة ومائة، سمع ابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد وجابراً وابن عمر
رضى الله عنهما اهـ.
قلت: وهذا هو الحق عندي، أى سماع عطاء عن ابن عمر رضى الله عنهما كما

١٦٧
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
إعلاء السنن
صرح به البخارى رحمه الله، والله تعالى أعلم. وحيث جعلت روايته عنه منقطعة فى
بعض المواضع من الكتاب فهو مبنى على قول أحمد وغيره، لا على ما هو التحقيق
عندی، فافهم.
قال المؤلف: واحتج الخصم بما رواه البخارى عن جابر تعليقا أنه قال: "إذا
ضحك فى الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء اهـ" (٢٩:١)، وأجاب عنه العلامة
العينى فى العمدة (٧٩٣:١) بما نصه: "قلت: مذهب أبى حنيفة ليس كما ذكره، وإنما
مذهبه مثل ما روى عن جابر أن الضحك يبطل الصلاة ولا يبطل الوضوء، والقهقهة
تبطلهما جميعا، والتبسم لا يبطلهما، والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه،
والقهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه، والتبسم ما لا صوت فيه، فإن قال: كيف
استدلت الحنفية بالحديث الذى رواه الدارقطنى وليس فيه إلا الضحك دون القهقهة؟
قلت: المراد منه من ضحك منكم قهقهة، يدل عليه ما رواه ابن عمر" . فذكر حديث المتن
سواء، وأجاب عن جرح ابن الجوزى فيه بمثل ما أجاب به الزيلعى وابن التركمانى وقال:
"والأحاديث تفسر بعضها بعضاً(١) اهـ".
قلت: ويؤيده ما رواه محمد فى الآثار عن أبى حنيفة حدثنا منصور بن زاذان عن
الحسن البصرى عن النبى معَّ له (مرسلا) وفيه: "فاستضحك بعض القوم حتى قهقه،
فلما فرغ رسول الله مرّةٍ قال: من كان قهقه منكم فليعد الوضوء والصلاة(٢)" . ورجاله
ثقات مشهورون، وأخرجه الحافظ ابن مندة فى معرفة الصحابة بسنده عن معن عن أبى
حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد بن أبى معبد عن النبى معَ له قال: ((من
قهقه فى صلاة أعاد الوضوء والصلاة" ، ثم قال: وهو حديث مشهور عنه رواه أبو يوسف
القاضى وأسد بن عمرو وغيرهما، ذكره فى الجوهر النقى (١: ٤٢).
ومعبد هذا هو ابن أم معبد التى مر النبى معَّ له بخباءها حين هاجر إلى المدينة وهو
صحابى رآى النبى معَّه وهو صغير، كما ذكره ابن مندة وفرق الحافظ فى الإصابة بين
ابن أبى معبد وبين ابن أم معبد، والذى يظهر من كلامه أن ابن أبى معبد أكبر من ولد أم
(١) عمدة القارى، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر.
(٢) كتاب الآثار ٤٢١.١ و٤٢٢ بتعليق الأفغانى.

١٦٨
ج - ١
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
١١٣- عن: بقية عن محمد الخزاعى (هو ابن راشد) عن الحسن عن
عمران بن حصين أن النبى ◌ّ لِّ قال لرجل ضحك فى الصلاة: أعد وضوئك.
معبد (٦ : ١٤٢) وأياما كان فكلاهما صحابى، وليس هو الجهنى الذى تكلم فى القدر كما
زعم البيهقى، ولم يذكر ذلك بسند لينظر فيه، ثم لو سلمنا أنه الجهنى المتكلم فى القدر
فلا نسلم أنه لا صحبة له، قال أبو عمر بن عبد البر فى كتاب الاستيعاب: "ذكره
الواقدى فى الصحابة، وقال: أسلم قديما قال: "وقال أبو أحمد فى الكنى وابن أبى حاتم
كلاهما: له صحبة." كذا فى الجوهر النقى (٤٢:١). فإن قيل: لم يثبت سماع الحسن
عن معبد بن أبى معبد وهو كثير الإرسال وقد عنعن، قلت: وما يضرنا ذلك، فإن
الانقطاع ليس بعلة عندنا، على أن صاحب الجوهر النقى قال: "قرأته فى مسند أبى
حنيفة، فرواه مكى بن إبراهيم عنه عن الحسن عن معقل بن يسار أن معبدا قال
الحديث". وسماع الحسن عن معقل ثابت كما سيأتى، فزالت علة الانقطاع أيضا.
تنبيه:
إن سلم ما قاله البيهقى أن معبدا هذا هو الجهنى، فلا نسلم أنه المتكلم فى القدر،
فقد قال الحافظ فى الإصابة فى ترجمة معبد الجهنى (١١٨:٦) قال أبو عمر: هو غير معبد
الذى تكلم فى القدر، وقيل: هو هو، قلت: هذا الثانى باطل فإن القدرى وافق هذا
الصحابى فى اسم أبيه ونسبه إلخ" "قلت: ولعل البيهقى أيضا من الذين لم يفرقوا بينهما
فلما رآه موصوفا بالجهنى ظن أنه هو الذى تكلم بالقدر، والحال أنهما اثنان أحدهما معبد
ابن خالد الجهنى صحابى، والآخر ليس بصحابى وبعد ذلك فلا يصح ادعاء ابن
التركمانى الصحبة له بعد تسليم أنه متكلم فى القدر، بل كان عليه أن يسلم كونه الجهنى
ويمنع كونه المتكلم فى القدر كما قلنا، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم.
قوله: "عن بقية" قلت: محمد الخزاعى هذا هو ابن راشد المكحولى قال فى
الجوهر النقى (٤٢:١): وابن راشد هذا وثقه ابن حنبل وابن معين، وقال عبد الرزاق:
"ما رأيت أحدا أورع فى الحديث منه" اهـ قلت: الذى وثقه هؤلاء هو المكحولى الشامى

١٦٩
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
إعلاء السنن
أخرجه ابن عدى وقال: محمد الخزاعى من مجهولى مشايخ بقية، وقال: ويروى
عن محمد بن راشد عن الحسن، وابن راشد مجهول" اهـ (من الزيلعى ١:
٢٧ مختصرًا) وسيأتى الجواب عن كل ذلك فى الحاشية، وبالجملة
فالحدیث حسن.
نزيل البصرة، وهو من رجال الأربعة ليس بمجهول أصلا، روى عنه الثورى وشعبة وهما
من أقرانه، وابن المبارك وابن المهدى والقطان وزيد بن أبى الزرقاء والوليد بن مسلم وبقية
ابن الوليد ويزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة، کما صرح به فى التهذيب (١٥٩:٩) وهو
مختلف فيه كما ذكرناه قبل، سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: ثقة ثقة، وقال غير واحد
عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: كان صدوقا حسن الحديث، وقال النسائى: ثقة،
وقال فى موضع آخر: لا بأس به، وقال فى موضع آخر: ليس بالقوى، وضعفه ابن حبان
وقال الدارقطنى: يعتبر به، وقال ابن عدي: يروى عن مكحول أحاديث وليس بروايته
بأس، وإذا حدث عنه بقية فحديثه مستقيم اه ملخصا من التهذيب (١٥٩:٩) وبالجملة
:
فهو حسن الحديث يحتج به إذا لم يأت بشىء منكر ولم يخالف الثقات مخالفة تستلزم
رد ما رواه الجماعة. ولا يخفى أن ما رواه عن الحسن ليس بمنكر بل هو مشهور عنه كما
مر، وقد تابعه على تسمية عمران بن حصين عمرو بن عبيد عن الحسن كما أخرجه
البيهقى عن إسماعيل بن عياش عن عمر ابن قيس المكى عن عمرو بن عبيد عن الحسن
عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله مَّ امٍ يقول: من ضحك فى الصلاة قرقرة
فليعد الوضوء والصلاة. وأعله البيهقى بأن عمر بن قيس المكى المعروف بسندل
ضعيف ذاهب الحديث وعمرو بن عبيد قيل فيه: إنه كذاب، كذا فى تخريج
الزيلعي (٢٧:١).
قلت: عمر بن قيس لم يتهمه أحد بالكذب وإنما كان فيه بذاء وتسرع إلى الناس
فأمسكوا عن حديثه، قال ابن حبان: كان فيه دعابة، يروى عن الثقات ما لا يشبه
حديث الإثبات، وله عنده حديث "الحج واجب والعمرة تطوع" وحديث " إذا أحدث فى
الصلاة فليأخذ بأنفه" وقال أبو زرعة: لين الحديث، كذا فى التهذيب (٧: ٤٩١) فهو وإن
كان ضعيفا لا يحتج به منفردا، فلا بأس به فى المتابعات، لا سيما وقد أخرج له ابن

١٧٠
نقض الوضوء من القهقهة فى الصلوة
ج - ١
حبان فى صحيحه حديثين. وعمرو بن عبيد وإن كذبه الناس وتركوه، ولكن قال ابن
حبان: كان يكذب فى الحديث وهما لا تعمداً، (تهذيب ٧٥/٨) وساق له ابن عدى جملة
أحاديث غالبها محفوظة المتون، قاله الذهبى فى الميزان (٢٩٥:٢).
قلت: فلا بأس به فى المتابعات، لا سيما وقد أثنى عليه عبد الوارث ابن سعيد
وصدقه فى الرواية، وهو من رجال الجماعة أحد الأعلام ثقة حافظ متقن، قال عبيد الله
ابن عمير: "سمعته يقول: لولا أنى أعلم أن كل شىء روى عمرو بن عبيد حق لما رويت
عنه شيئا"، (تهذيب ٤٤٣:٦). وبالجملة، إن كان ابن راشد هذا هو المكحولى
الدمشقى، كما يشعر به عبارة الجوهر النقى، فحديثه عن الحسن عن عمران بن حصين
حديث حسن، ولا ينكر سماعه عن الحسن لأنه يروى عن مكحول وهو قريب من طبقة
الحسن البصرى مات مكحول سنة اثنتى عشرة ومائة قاله أبو نعيم، وفيها أرخه دحيم
وغيره (تهذيب ٢٩١:١٠) ومات الحسن سنة عشرة ومائة (تقريب ص٣٨) وعنعنة الراوى
الغير المدلس محمولة على السماع إذا أمكن اللقاء، وابن راشد هذا لم يتهمه أحد
بالتدليس، وقد صرحوا بأنه كان قد سكن البصرة، فلا يبعد سماعه عن الحسن هذا،
ولكن كلام الذهبى فى الميزان يدل على التفرقة بين ابن راشد المكحولى الشامى وبين
ابن راشد الذى يروى عن الحسن فإنه أطال فى ترجمة الأول وقال فى الراوى عن الحسن:
لا يدرى من هو؟ (٥٦:٣) وهذا يؤيد قول ابن عدى: إنه من مجهولى مشايخ بقية، ولكن
يرفع عنه الجهالة قول الحافظ فى التهذيب بما نصه: "قلت: وفى الرواة محمد بن راشد
ثلاثة: بغدادی یروی عن بقية بن الوليد، وبصری یروی عن یونس بن عبيد، وآخر یروی
عن الحسن، وأظنه الذى قبله" اهـ (١٦٠:٩). يعنى أن الراوى عن الحسن هو الراوى عن
يونس بن عبيد وهو ليس بمجهول بل ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: محمد بن راشد
یروی عن محمد بن سیرین روى عن سليمان الحربى، فكأنه هو ابن راشد البصرى عن
يونس تكلم فيه اهـ. وفى الثقات لابن حبان (أيضا) محمد بن راشد التميمى المكفوف
من أهل البصرة، روى عن ابن عون، روى عنه حميد بن مسعر فهو هو اهـ كذا فى لسان
الميزان (١٦٣:٥ و١٦٤).
فالحاصل أن محمد بن راشد الراوى عن الحسن هو الراوى عن يونس ابن عبيد

١٧١
إعلاء السنن
باب ترك الوضوء مما مست النار
١١٤- أخبرنا: عمرو بن منصور حدثنا على بن عباس قال: حدثنا شعيب
عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: كان
عند الحافظ، وهو الذى يروى عن ابن عون، وهو ثقة لا بأس به تكلم فيه بعضهم كما فى
الميزان (٥٦:٣) ولكن ما ورد فى إسناد الحديث من وصف محمد هذا بالخزاعى يرجح
قول صاحب الجوهر النقى أنه هو الذى وثقه أحمد وابن معين وعبد الرزاق وغيرهم أى
المکحولی الشامی، فإنه هو الموصوف بالخزاعی دون غيره ممن یسمی باسمه من مشايخ
بقية. وبالحديثين الذين ذكرناهما فى المتن وبما ذكرناه فى شرحهما اندفع ما ذكره البيهقى
عن ابن مهدى أنه قال: حديث الضحك فى الصلاة كله يدور على أبى العالية اهـ الجوهر
النقى (٤٢:١) فقد عرفت أن الحسن يرويه عن عمران بن حصين وعن معقل بن يسار
عن معبد وسماعه عنهما ثابت كما ذكره الزيلعى ناقلا عن البزار (٤٨:١) وعن معبد بن
أبى معبد ورواه أيضا عطاء عن ابن عمر، وقد رواه أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه كما
ذكرناه. هذا، وقد أطلنا الكلام فى هذا الباب لقدح الخصوم على الحنفية فى هذه
المسألة جدا، فثبت بما ذكرنا أن نقض الوضوء بالقهقهة ثابت بأحاديث عديدة، بعضها
مرسل وبعضها مرفوع حسن، وقد تركنا ما ورد فيها من الروايات الضعيفة التى يتقوى
بعضها ببعض، فما على أبى حنيفة من ملام إذا كان متمسكا بالحديث الصحيح أو
الحسن إن خالفه الناس فافهم والله يتولى هداك.
باب ترك الوضوء مما مست النار
قوله: "أخبرنا عمرو إلخ" قال المؤلف: دلالته والتى بعده على الباب ظاهرة، وأما
ما يعارضه فما رواه مسلم (١٥٧:١) عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله مر ته يقول:
"الوضوء مما مست الناراهـ" وفى لفظ له: "توضأوا مما مست النار". وما رواه مسلم أيضا
(١٥٨:١) عن جابر ابن سمرة رضى الله عنه أن رجلا سأل رسول الله عظيمٍ أ أتوضأ من

١٧٢
:
ج - ١
ترك الوضوء مما مست النار
آخر الأمرين من رسول الله ◌ّ لي ترك الوضوء مما مست النار. رواه النسائي
وسكت عنه فهو صحيح عنده، وقال الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم ١ :
١٥٦) "وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائى وغيرهما من أهل السنن
بأسانيدهم الصحيحة" اهـ وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما لكن قال أبو
داود وغيره: إن المراد بالأمر هنا الشأن والقصة، لا مقابل النهى فتح البارى ١ :
٢٦٩) (١) .
لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال أ أتوضأ من لحوم الإبل؟
قال نعم! فتوضأ من لحوم الإبل، الحديث. وما رواه أبو داود (٢) وسكت عنه (ص-١٩٠ مع
غاية المقصود) عن البراء بن عازب قال: "سئل رسول الله مَّظهر عن الوضوء من لحوم
الإبل، فقال توضأوا منها، وسئل عن لحوم الغنم فقال: لا توضأوا منها، وسئل عن
الصلاة فى مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فى مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وسئل عن
الصلاة فى مرابض الغنم فقال صلوا فيها فإنها بركة" اهـ وفى التلخيص الحبير (٤٢:١):
"وقال ابن خزيمة فى صحيحه(٣) لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح
من جهة النقل، لعدالة ناقليه" اهـ وفيه أيضا: "قال البيهقى قد صح فيه حديثان حديث
جابر بن سمرة وحديث البراء، قاله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه(٤)" اهـ فالجواب
عن الحديث الأول ما ذكره الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم (١: ١٥٦): "واحتج
هؤلاء بحديث توضأوا مما مست النار، واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء
مما مسته النار وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين: أحدهما أنه منسوخ
بحديث جابر رضى الله عنه قال: "كان آخر الأمرين" فذكره، والجواب الثاني: أن المراد
بالوضوء غسل الفم والكفين. ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم
أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار . اهـ ملخصاً".
(١) باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق ١: ٢٤٩.
(٢) باب الوضوء من لحوم الإبل.
(٣) أنظر صحيح ابن خزيمة ١: ٢٠ باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل.
(٤) التلخيص الحبير، باب الأحداث ١: ١١٦ رقم ١٥٤ .

١٧٣
ترك الوضوء مما مست النار
إعلاء السنن
قلت: ولكن هذين الجوابين لي فيهما نظران: الأول منهما أن ترك الوضوء مما
مست النار لا يدل على نسخه، لأنه فعل فيحتمل أن يكون تركه للنسخ أو لبيان الجواز،
ويدل عليه قوله مٍّ في حديث المغيرة: "ولو فعلت (أي استمرارا، وإلا قد فعله م ظل
كما يدل عليه حديث جابر) فعل الناس ذلك بعدي " (أي لزوماً ووجوباً) فظهر أن المانع له
عَ طِّ من الوضوء مما مست النار كان مخافة أن يجعلوه واجباً، لا النسخ، فإنه لو كان لما
وسعه مٍَّ أن يقول ما قال، بل قال إن الوضوء منه قد نسخ أو نحوه، فافهم. والثانى
منهما أن حمل الوضوء على معنى غسل الفم والكفين، مع أنه خلاف المتبادر يخالف
أيضا قول جابر رضى الله عنه كان آخر الأمرين من رسول الله مرّ ات ترك الوضوء مما مست
النار، فإنه يبعد أن يراد بهذا القول الوضوء اللغوى أشد البعد كما لا يخفى على من له
ذوق ما فى المحاورات(١) فالأحسن أن يقال إن الأمر بالوضوء محمول على الاستحباب
وتر که بيان الجواز، ثم رأيت فى فتح البارى (٢٦٩:١): "وجمع الخطابى بوجه آخر وهو
أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب" فلله الحمد. وفى الميزان للإمام الشعرانى
رحمه الله (١ :١٣٣): " ووجه الثانى أن النار مظهر غضبى يعذب الله تعالى بها من يشاء
من العصاة، فلا يناسب من أكل مما مسته أن يقف بين يدى الله تعالى إلا بعد التطهر منه
طهارة كاملة. اهـ" قلت: ومن ثم أمروا بابراد الظهر فى شدة الحر، فقد روى الجماعة كما
فى النيل (٢٩١:١): عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "قال رسول الله ◌ٍّ إذا اشتد الحر
فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم اهـ".
والجواب عن الحديث الثانى بأن هذا الحديث والحديث الذى يأتى آخر الباب قد
تعارضا وهما قولیان، فلا بد من التطبيق بينهما على قدر الإمكان وقد ذکرنا ذلك عن
قريب فى الوضوء مما مست النار. وفى الميزان للشعرانى (١٣٢:١): " كما يتنزهون (أى
(١) قلت: يرد قول المؤلف هذا ما أخرجه الترمذى فى كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (٢: ٨) عن
عكراش بن ذؤيب فى قصة طويلة: "ثم أتينا بماء فغسل رسول الله مرّ ةٍ يديه، ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه
ورأسه، ثم قال: يا عكراش! هذا الوضوء مما غيرت النار" فهذا إن صح يفسر الوضوء مما غيرت النار تفسيرا
واضحا. والذى يظهر لهذا الفقير من مجموع الروايات أن الوضوء مما غيرت النار كان وضوء لغويا كما فى
حديث عكراش، وكان مستحبا فى مبدء الإسلام، كما يظهر من حديث المغيرة، ثم نسخ استحبابه كما فى
حديث جابر وعلى هذا تنطبق جميع الروايات.

١٧٤
ج - ١
ترك الوضوء مما مست النار
١١٥- عن: ميمونة قالت أكل النبى ◌ّ له من كتف شاة، ثم قام فصلى
ولم يتوضأ .
١١٦ - وعن عمرو بن أمية الضمرى قال رأيت النبى منّالله يجتز من كتف
شاة، فأكل منها فدعى إلى الصلاة فقام وطرح السكين وصلى لم يتوضأ. متفق
عليه (نيل الأوطار ٢٠٣:١) (١) .
١١٧ - عن: المغيرة بن شعبة أن رسول الله مّ التر أكل طعاما ثم أقيمت
الصلاة فقام، وقد كان توضأ قبل ذلك فأتيته بماء ليتوضأ منه فانتهرنى وقال:
وراءك. فساءنى والله ذلك ثم صلى، فشكوت ذلك إلى عمر فقال يا نبى الله!
الأكابر) عن الصلاة إذا أكلوا لحم الجزور إلا بعد طهارة تباعدا عنها، لكونها محلا لركوب
الشياطين على ظهرها كما ورد، لا لكونها لحما إذا اللحم كله من سائر الحيوان فى ذلك
واحد. فافهم ذلك فإنه نفيس"اهـ. وفى غاية المقصود (١٩٢:١): قال الحافظ ولى الدين
العراقى: يحتمل أن يكون قوله "فإنها من الشياطين" على حقيقته، وإنها أنفسها
شياطين، وقد قال أهل الكوفة: إن الشيطان كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب
أو مشبهة بها فى النفرة والتشويش أو مقارنة لها، فقد روى النسائى وابن حبان فى
صحيحه وأحمد فى مسنده من حديث حمزة بن عمرو الأسلمى مرفوعاً: على ظهر كل
بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله" ، الحديث اهـ. وأما ما رواه الإمام أحمد بإسناد
صحيح مرفوعا كما فى غاية المقصود (١٩٢:١): "لا تصلوا فى أعطان الإبل، فإنها
خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت اهـ" . فلا يعارض الحديث
المذكور فإنه يمكن أنها خلقت من الجن ثم قورنوا بها، أو يقال: معنى "خلقت من الجن"
أن أخلاقها مشبهة بهم على سبيل المجاز.
قوله: "عن ميمونة إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وكذا دلالة
حديث عمرو بن أمية والمغيرة وعائشة رضى الله عنهم.
(١) أبواب ما يستحب الوضوء لأجله ١: ١٨٢.

12
إعلاء السنن
ترك الوضوء مما مست النار
١٧٥
إن المغيرة قد شق عليه انتهارك إياه وخشى أن يكون فى نفسك عليه شىء،
فقال النبى مَ له: ليس عليه فى نفسى إلا خير، ولكن أتانى بماء لأتوضأ، وإنما
أكلت طعاما ولو فعلت فعل الناس ذلك بعدى. رواه أحمد والطبرانى فى الكبير
ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١: ١٠٢).
١١٨ - عن: عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله مَّ له يمر بالقدر
فأخذ العرق، فيصيب منه ثم يصلى، ولم يتوضأ (١١) ولم يمس ماء. رواه أحمد
وأبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١: ١٠٣).
١١٩- عن: أبى أمامة رضى الله عنه مرفوعا: ((إذا كان أحدكم على
وضوء فأكل طعاما فلا يتوضأ إلا أن يكون لبن الإبل إذا شربتموه، فتمضمضوا
بالماء)). رواه الطبرانى فى الكبير والضياء (كنز العمال ٥: ٧٩)(٢) قلت: أما
إسناد الطبرانى فقال فى مجمع الزوائد (١٩٣: ١٠٢): لم أر من ترجم أحدا منهم،
وأما إسناد الضياء فصحيح على قاعدة الإمام السيوطى المذكورة فى خطبة كنز
العمال
(٤)
قوله: "عن أبى أمامة إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة وأما المضمضة
من اللبن فِللتنظيف، وتخصيصه بلبن الإبل لما فيه من شدة الدسومة، وقد ورد حديث
فى الوضوء من ألبان الإبل أيضا، وهو ما فى مجمع الزوائد (١٠٢:١) عن سمرة السوائى
قال: "سألت رسول الله مرّ له فقلت: إنا أهل بادية وما شية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل
وألبانها؟ قال: نعم! قلت: فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال لا! رواه الطبرانى فى
الكبير وإسناده حسن إنشاء الله تعالى(٤)". وهو محمول على المضمضة، فإن الحديث
(١) أى لم يتوضأ وضوء الصلاة ولا وضوء الطعام (مؤلف).
(٢) قسم الأقوال، الفصل الرابع فى نواقض الوضوء.
(٣) وهو قوله: "ورمزت ... للضياء المقدسى فى المختارة (ض) وجميع ما فى هذه الكتب الخمسة صحيح". (٧:١
من الطبع الجديد) .
(٤) مجمع الزوائد، باب الوضوء من لحوم الإبل وألبانها ١: ٢٥٠.

١٧٦
ج - ١
باب ترك الوضوء من مس المرأة
١٢٠ - عن: عطاء عن عائشة رضى الله عنها أن النبى معَّ له كان يقبل
بعض نسائه ثم يصلى ولا يتوضأ. رواه البزار وإسناده صحيح آثار السنن (١ :
٣٩) .
١٢١ - عن: عائشة رضى الله عنها قالت: إن كان رسول الله مّ له ليصلى
يفسر بعضه بعضا .
باب ترك الوضوء من مس المرأة
قوله: "عن عطاء" قال المؤلف: ذكر الحديث فى نصب الراية (ص٣٨ ج١) بلفظ:
"روى البزار فى مسنده حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح ثنا محمد بن موسى بن
أعين ثنا أبى عن عبد الكريم الجزرى عن عطاء عن عائشة رضى الله عنها" فذكره، ثم ذكر
ما يدل على ثقة جميعهم، ثم قال: وقال عبد الحق بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار
"لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث
عبد الكريم عن عطاء حديث ردىء، لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره،
فإما أن يكون قبل نزول الآية أو يكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس رضى الله عنه
انتهى كلامه(١). فإن قيل: فقد رواه الدارقطنى من جهة ابن مهدى عن الثورى عن عبد
الكريم عن عطاء قال: ليس فى القبلة وضوء، قلنا: الذى رفعه زاد والزيادة مقبولة والحكم
للرافع، ويحتمل أن يكون عطاء أفتى به مرة وأخرى رفعه. والله أعلم (٢)" اهـ. قلت:
فالحديث صحيح، ذكر فى المتن، ودلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وقال السندى فى
(١) يعنى كلام عبد الحق، وكلام الزيلعى مستمر.
(٢) نصب الراية ١ : ٧٤ .

١٧٧
ترك الوضوء من مس المرآة
إعلاء السنن
وأنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسنی برجله. رواه
النسائى(١) وإسناده صحيح. واستدل به على أن اللمس فى الآية الجماع لأنه
مسها فى الصلاة واستمر (التلخيص الحبير ١: ٤٨). وفى تخريج الزيلعى (١:
٣٨): وهذا الإسناد على شرط الصحيح اهـ.
تعليق النسائى (٣٨:١): "ومعلوم أن ذلك كان مسا بلا شهوة، فاستدل به المصنف (أى
النسائى) على أن المس بلا شهوة لا ينقض، وأما بالشهوة فالدليل على عدم الانتفاض أن
الأصل هو العدم، حتى يظهر دليل الانتقاض للقائل به، وهذا يكفى فى القول بعدم
النقض بل سيظهر دليل العدم، وهو حديث القبلة إذا القبلة لا تخلو عادة عن مس
بشهوة .
وأما قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾. فأرجح التفسيرين له هو الجماع وهو مروى
عن حبر الأمة بحر الملة سيدنا عبد الله بن عباس، قال فى غاية المقصود (١٧٩:١) ناقلا
عن الحافظ ابن كثير: "وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك" اهـ
يعنى ما ذكره قبل هذا اللفظ وهو عن ابن عباس قال: "الملامسة الجماع، ولكن الله
كريم يكنى بما يشاء" اهـآه وحديث عائشة رضى الله عنها أخرجه الشيخان بلفظ:
"قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله مَّ ورجلاى فى قبلة، فإذا سجد غمزنى فقبضت
رجلى فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح". كذا فى الزيلعى (٣٧:١)،
وأما ما يدل أن المس ناقض فمنه ما فى مجمع الزوائد (١٠٠:١). "عن عبد الله - يعنى ابن
مسعود رضى الله عنه - قال: الملامسة ما دون الجماع بأن مس الرجل جسد امرأته بشهوة
ففيه الوضوء. رواه الطبرانى فى الكبير، ورجاله موثقون إلا أن فيه حماد بن أبى سليمان،
وقد اختلف فى الاحتجاج به. وعن أبى عبيدة ابن مسعود رضى الله عنه قال: يتوضأ
الرجل من المباشرة ومن اللمس بيده، وعن القبلة إذا قبل امرأته، وكان يقول فى هذه
الآية "أو لامستم النساء" هو الغمز. رواه الطبرانى فى الكبير وأبو عبيدة لم يسمع من
.(٢) ،"
أبيه (٢)" اهـ.
(١) النسائى: ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة ١: ٢١.
(٢) مجمع الزوائد ١ : ٢٤٧ باب فيمن قبل أو لامس.

١٧٨
ج - ١
ترك الوضوء من مس المرأة
١٢٢- حدثنا: أبو بكر بن أبى شيبة قال: ثنا وكيع ثنا الأعمش عن
حبيب بن أبى ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله
مَ ◌ٍّ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هى إلا
أنت؟ فضحكت. رواه ابن ماجة (١: ٣٨) وفى تخرج الزيلعي (١: ٣٧) " كلهم
ثقات وسنده صحيح وقد مال أبو عمر ابن عبد البر إلى تصحيح هذا
الحديث، فقال: صححه الكوفيون وثبتوه، لرواية الثقات من أئمة الحديث له،
وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة لرواية عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتا، وقال فى
موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة. انتهى ملخصا (١).
ومنه ما فى سنن الدارقطنى "عن عبد الرحمان بن أبى ليلى عن معاذ بن جبل
رضى الله عنه أنه كان قاعداً عند النبى مرّ لّ فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله! ما تقول
فى رجل أصاب من امرأة لا تحل له فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه
منها إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: توضأ وضوء حسنا، ثم قم فصل، قال: فأنزل الله عز
وجل هذه الآية: ﴿ أقم الصلوة طرفى النهار وزلفا من الليل) الآية، فقال معاذ بن جبل
رضى الله عنه: أ هى له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل هى للمسلمين عامة،
(٢) ،،
صحيح (٢)" اهـ.
والجواب عن الأول بأنه موقوف فلا يعارض المرفوعات وعن الثانى بأنه يحتاج
الاستدلال به إلى أنه كان على وضوء ثم أمر به لنقضه بالمس دون التبرك ولم يثبت، فلا
يصح الاستدلال به، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وقال الزيلعى فى نصب الراية.
(٣٦:١): "ليس فيه حجة لأنه إنما أمره بالوضوء للتبرك وإزالة التخطئة لا للحدث،
ولذلك قال "له: "توضأ وضوء حسنا اهـ.
قوله: "حدثنا أبو بكر" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وفى سنده كلام
طويل غير مضر مذكور فى تخريج الزيلعى.
(١) نصب الراية ١: ٧٢ أحاديث مس المرأة.
(٢) الدارقطنى ١: ١٣٤، الباب المذكور، رقم ٤.

١٧٩
ترك الوضوء من مس المرأة
إعلاء السنن
١٢٣ - عن: عائشة رضى الله عنها قالت: فقدت رسول الله مَ اللّه ليلة من
الفراش فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدمه وهو فى المسجد وهما
منصوبتان، وهو يقول: اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك. الحديث رواه
(١)
مسلم (١).
١٢٤- عن: ابن عباس رضى الله عنه قال: "ليس فى القبلة وضوء"
أخرجه الدارقطنى وقال صحيح (١: ٥٢) (٢).
١٢٥- أخبرنا: محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان قال
أخبرنى أبو روق عن إبراهيم التيمى عن عائشة أن النبى ◌ّ ه كان يقبل بعض
قوله: "عن عائشة إلخ" قلت: قال الزيلعى " والخصوم يحملونه على أن المس
وقع بحائل وهذا التأويل - مع شدة بعده - يدفعه بعض ألفاظه كما ستراه إن شاء الله
تعالى" (٣٧:١).
قلت: لعله أشار إلى ما فى هذا الحديث من قولها "فوقعت يدى على بطن قدمه"
وفيه دلالة على أن اللمس لا ينقض وضوء الملموس خلاف ما قاله الشافعية، وهو
الراجح عندهم، أنه ينقض. ذكره فى رحمة الأمة (ص٦) والحديث حجة عليهم،
والتأويل الذى ذكروه تمشية لمذهبهم، قال الشوكانى فى النيل (٩٠:١) "والاعتذار عن
حديث عائشة بما ذكره ابن حجر فى الفتح من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل أو على
أن ذلك خاص به تكلف ومخالفة للظاهر اهـ".
قوله: "عن ابن عباس رضى الله عنه" دلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "أخبرنا محمد بن المثنى" إلى قوله "عن على بن عبد العزيز الوراق إلخ"
قلت: إنما ذكرت لحديث عائشة طرقا عديدة لدفع طعن الخصوم فى حديث إبراهيم
التيمى عنها بأنه مرسل، فقد ظهر بما ذكرنا أن لحديث عائشة طرقا عديدة مرسلة
(١) فى باب ما يقال فى الركوع والسجود ١: ١٩٢.
(٢) باب صفة ما ينقض الوضوء وما روى فى الملامسة والقبلة، ١: ١٤٣.

١٨٠
ج - ١
ترك الوضوء من مس المرآة
أزواجه ثم يصلى ولا يتوضأ. أخرجه النسائي (١: ٣٩) وقال: "ليس فى هذا
الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا" اهـ أى لأن إبراهيم
التيمى لم يسمع من عائشة كما قاله أبو داود، ومراسيل الثقات حجة عندنا،
وقد جاء موصولا ، قال الدارقطنى: "وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام
عن الثورى عن أبى روق عن إبراهيم التيمى عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده
ومعاوية هذا أخرج له مسلم فى صحيحه" فزال بذلك انقطاعه، وأبو روق عطية
ابن الحارث أخرج له الحاكم فى المستدرك، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال
ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو عمر (ابن عبد البر): قال
الكوفيون هو ثقة، لم يذكره أحد بجرحه، كذا فى الجوهر النقى (١: ٣٣).
فالحديث حجة بالاتفاق، قاله السندى فى حاشية النسائى (١: ٣٩).
١٢٦- عن: سعيد بن بشير قال ثنى منصور بن زاذان عن الزهرى عن أبى
سلمة عن عائشة رضى الله عنها قالت: لقد كان رسول الله عز له يقبلنى إذا
خرج إلى الصلاة، ولا يتوضأ أخرجه الدارقطنى (١: ٤٩) وقال: تفرد به سعيد
ابن بشير عن منصور عن الزهرى وليس بقوى فى الحديث، قلت: وثقه شعبة
وموصولة، ومراسيل كبار التابعين حجة عند الشافعى إذا وردت بطريق أخرى موصولة،
أو وافقها قول صحابى أو عمل بموافقته، صرح به فى الجوهر النقى نقلا عن البيهقى
(٤٨:١) وههنا كذلك، فإن حديث عائشة مرسلا صححه النسائى، وورد موصولا عند
الدارقطنى برواية الثقات، وله طرق عديدة من غير إبراهيم التيمى، فلا شك فى كونه
حجة بالاتفاق، قال الشوكانى فى النيل: "وأجيب بأن فى حديث التقبيل ضعفا وأيضا
فهو مرسل، ورد بأن الضعف منجبر بكثرة رواته، وقد ثبت مرفوعا وموقوفا والرفع زيادة
يتعين المصير إليها، كما هو مذهب أهل الأصول" اهـ (١٩٠:١).
(١) فى باب فرض الغسل (هامش البيهقى ١: ١٧٨) ولفظه: "وقد ذكر جماعة منهم البيهقى فى كتاب المعرفة
وغيره من كتبه أن الشافعى يقبل مراسيل كبار التابعين إذا اعتضد بمسند آخر أو أرسل من وجه آخر أو عضده
قول صحابى أو فتوى عوام من أهل العلم".