Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
كتاب السير
والفيء شىء ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإِن هم أبوا فاسألهم الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل
منهم، وكف عنهم، فإِن هم أبوا فاستعن بالله، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن ، فأرادوك
أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة
أصحابك، فاٍنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ، وإذا
حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم
على حكمك ، فانك لاتدرى أقصيب حكم الله فيهم أم لا ، ثم اقضوا فيهم بعدُ ماشتتم، انتهى.
زاد مسلم فى رواية: قال سفيان: قال علقمة : فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان ، فقال :
حدثنى مسلم بن هيضم عن النعمان بن مقرن عن النبى ◌َّ لِّ بنحو حديث بريدة، انتهى.
قوله : روى عن على رضى الله عنه أنه قال: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا ، ٥٧٥٣
وأموالهم كأموالنا؛ قلت : غريب، وأخرج الدار قطنى فى "سننه" (١) عن الحكم عن حسين ٥٧٥٤
ابن ميمون عن أبى الجنوب الأسدى ، قال: قال على بن أبى طالب: من كانت له ذمتنا، قدمه كدمنا،
وديته كديتنا ، انتهى . قال الدار قطنى: خالفه أبان بن تغلب ، فرواه عن حسين بن ميمون عن
عبد الله بن عبد الله عن أبى الجنوب، وأبو الجنوب ضعيف الحديث، انتهى. قلت: وحديث
أبان الذى أشار إليه أخرجه الشافعى فى "مسنده". فقال: أخبرنا محمد بن الحسن ثنا قيس بن ربيع
الأسدى عن أبان بن تغلب عن الحسين بن ميمون به.
الحديث الرابع : قال عليه السلام فى وصية أمراء الأجناد : فادعهم إلى شهادة ٥٧٥٥
أن لا إله إلا الله، قلت: تقدم فى حديث بريدة: ادعهم إلى الإسلام.
قوله: ولو قاتل قبل الدعوة أثم ، للنهى؛ قلت: تقدم فى حديث فروة بن مسيك، قلت:
يارسول الله أقاتل بمقبل قومى مدبرهم ؟ قال: نعم، فلما وليت دعانى، فقال: لا تقائلهم حتى
تدعوهم إلى الإسلام، مختصر، وفى حديث على، أن النبي صٍَّ قال له حين بعثه إلى اليمن :
لا تقاتل قوماً حتى تدعوهم . انتهى .
الحديث الخامس، والسادس: وقد صح أن النبى عَيِّ أغار على بني المصطلق، وهم ٥٧٥٦
غارّون، وعهد إلى أسامة أن يغير على أبنى صباحا، ثم يحرق؛ قلت: حديث بنى المصطلق أخرجه ٥٧٥٧
البخارى ، ومسلم (٣) عن ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل الفتال، فكتب إلى: ٥٧٥٨
(١) عند الدارقطنى فى " الحدود،، ص ٣٥٠
وعند أبى داود فى ," الجهاد ،، ص ٣٥٤ - ج ١
(٢) عند مسلم فى١, أوائل الجهاد،، ص ٨١ - ج ٢،
٣٨٢
نصب الراية
إنما كان ذلك فى أول الإسلام، قد أغار رسول اللّه صَّ اله على بنى المصطلق، وم غارّون،
وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث،
حدثی به عبد الله بن عمر ، وكان فى ذلك الجیش ، انتهى .
٥٧٥٩ وحديث أسامة: أخرجه أبو داود، وابن ماجه(١) عن صالح بن أبى الأخضر عن الزهرى
عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول اللّه عَّ الله كان عهد إليه، فقال : أغر على أبنى صباحا ،
وحرق ، انتهى . قال المنذرى فى "حواشيه": غارون - بتشديد الراء - هكذا قيده غير واحد؛
وقال الفارسى: أظنه غادون - بالدال المهمله المخففة - فان صحت رواية الراء فوجْهه أنهم ذوغرة،
أى أتاهم الجيش على غرة منهم ، فان الغار هو الذى يغر غيره ، ولا وجه له هنا ، وهذا الذى قاله
فيه تكلف ، فقد قال الجوهرى ، وغيره: الغافل، انتهى. وأبنى - بضم الهمزة ، وسكون الباء
الموحدة ، بعدها نون ، وألف مقصورة - موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة ، ويقال:
يبنى - بياء مضمومة آخر الحروف -، انتهى. وزعم الحازمى فى "الناسخ والمنسوخ" أن حديث
ابن عمر المتقدم ناسخ للأحاديث التى فيها الدعوة، وهو صريح فى ذلك ، فانه قال فيه : إنما كان
٥٧٦٠ ذلك فى أول الإسلام، ثم ساق من طريق أبى عوانة ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم ثنا على بن بكار
عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه عَّ اللهم أغار على خيبر يوم الخميس، وهم غارون،
فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، انتهى. قال: وقد جمع بعض العلماء بين الأحاديث، فقال: الأحاديث
الأول محمولة على الأمر بدعاء من لم تبلغهم الدعوة، وأما بنو المصطلق، وأهل خيبر، فان الدعوة
کانت بلغتهم ، انتهى.
٥٧٦١ الحديث السابع: قال عليه السلام فى حديث سليمان بن بريدة، فان أبوا فادعهم إلى إعطاء
الجزية، إلى أن قال: فان أبوا فاستعن بالله عليهم، وقاتلهم؛ قلت : تقدم ذلك فى حديث سليمان
ابن بريدة عن أبيه .
٥٧٦٢ الحديث الثامن: روى أنه عليه السلام نصب المجانيق على الطائف؛ قلت: ذكره الترمذى
٥٧٦٣ فى "الاستئذان"(٣) معضلاً، ولم يصل سنده به ، فقال: قال قتيبة : ثنا وكيع عن رجل عن ثور
ابن يزيد أن النبي صَّ اله نصب المنجنيق على الطائف، قال قتيبة: قلت لوكيع : من هذا الرجل؟
٥٧٦٤ قال: صاحبكم عمر بن هارون، انتهى. ورواه أبو داود فى "المراسيل" عن مكحول أن النبي صَ ال
(١) عند أبى داود فى ," الجهاد - باب فى الحرق فى بلاد العدو،، ص ٣٥٢ - ج ١، وعند ابن ماجه فى
و" الجهاد،، ص ٢٠٩ (٢) عند الترمذى فى (((الا داب - فى ضمن باب ماجاء فى الأخذ من اللحية،، ص ١٠٦- ج ٢
٣٨٣
ڪتاب السير
نصب المجانيق على أهل الطائف ، انتهى. ورواه ابن سعد فى "الطبقات"(١) أخبرنا قبيصة بن
عقبة أنا سفيان الثورى عن ثور بن يزيد عن مكحول، فذكره، وزاد: أربعين يوما، ورواه العقيلى
فى "ضعفائه" مسنداً من حديث عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن أبى صادق عن على ٥٧٦٥
قال: نصب رسول اللّه صَّ اله المنجنيق على أهل الطائف، انتهى. وقال الواقدى فى " كتاب المغازى":
وقال سلمان الفارسى يومئذ: يارسول الله أرى أن تنصب عليهم المنجنيق، فانا كنا بأرض فارس ٥٧٦٦
ننصب المجانيق على الحصون ، فنصيب من عدونا ، وإن لم يكن منجنيق طال المقام ، فأمره
رسول اللّه صَّاله، فعمل منجنيقاً بيده، فنصبه على حصن الطائف، ويقال: قدم بالمنجنيق
يزيد بن ربيعة ، وقيل : غيره.
الحديث التاسع: روى أن النبي صَ لَي حرق البويرة؛ قلت: أخرجه الأئمة الستة فى ٥٧٦٧
"كتبهم " عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن النبي صَ اله قطع تخل بنى النضير، وحرق ٥٧٦٨
- وهى البويرة - وفيها نزلت ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها ) الآية، انتهى. أخرجه البخارى
فى "المغازى" عن آدم (٢)، وفى " التفسير" عن قتيبة، ومسلم فى " المغازى" عن يحي بن يحي،
وقتيبة، ومحمد بن رمع، أربعتهم عنه به، وأبو داود فى " الجهاد"، والترمذى، والنسائى فى " السير"،
وفى " التفسير " عن قتيبة به، وقال الترمذى : حديث حسن صحيح، وابن ماجه فى "الجهاد "عن
محمد بن رمع به ، والله أعلم
الحديث العاشر: قال عليه السلام: ((لا تسافروا بالقرآن فى أرض العدو))؛ قلت: ٥٧٦٩
رواه الجماعة - إلا الترمذى - فأخرجه البخارى، ومسلم، وأبو داود (٣)، وابن ماجه من حديث ٥٧٧٠
مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: نهى رسول اللّه صَّ اله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، انتهى.
وزاد أبو داود، وابن ماجه فيه، قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو ، انتهى . وأخرجه مسلم،
والنسائى، وابن ماجه عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صَّ لي أنه كان ينهى أن ٥٧٧١
(١) ذكره ابن سعد فى " غزوات النبي صلى الله عليه وسلم،. ص ١١٥ - ج ٢ - القسم الأول منه -
(٢) ص ٥٧٥ - ج ٢، وفى ١١ تفسير سورة الحشر،، ص ٧٢٥ - ج ٢ عن قتيبة، وعند مسلم فى " الجهاد،،
ص ٨٥ - ج ٢، وعند أبى داود فى ١١ الجهاد - باب فى الحرق فى بلاد العدو،، ص ٣٥٢ - ج ١، وعند الترمذى فى
" السير - باب التحريق والتخريب،، ص ٢٠٠ - ج ١، وفى ١" التفسير،، ص ١٦٨ - ج ٢، وعند ابن ماجه
فى ×, الجهاد ،، ص ٢٠٩
(٣) عند البخارى فى " الجهاد - باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو،، ص ٤٢٠ - ج ١، وعند
مسلم فى كتاب الامارة - باب النهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار،، ص ١٣١ - ج ٢، وعند أبى داود
فى ((" الجهاد - باب فى المصحف يسافر به إلى أرض العدو،، ص ٣٥١ - ج ١، وينظر البقية
٣٨٤
نصب الراية
٥٧٧٢ يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، يخاف أن يناله العدو ، انتهى . وأخرجه مسلم عن أيوب
السختيانى عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه عَ ليهِ: ((لا تسافروا بالقرآن، فانى لا آمن
أن يناله العدو))، قال أيوب: فقد ناله العدو، وخاصموكم به، انتهى. وفى لفظ لمسلم: فانى أخاف،
٥٧٧٣ وأخرجه مسلم عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر عن النبي صَّ له: لا تسافروا بالقرآن
مخافة أن يناله العدو .
واختلف الحفاظ فى هذه الزيادة - أعنى قوله: مخافة أن يناله العدو - هل هى من لفظ
النبي صَ لِّ أو من كلام مالك؟، والصحيح أنها من قول النبى عَّهِ، قال القرطبى فى ( شرح مسلم":
هذه الزيادة من كلام النى صَّ اله، كما رواه الثقات، غير أن يحيى بن يحيى، ويحيى بن بكير أخر جاها من
قول مالك، فان صح فيحمل على أن مالكا شك فى رفعها مرة ، فوقفها على نفسه ، وقال النووى:
غلط بعض المالكية، فزعم أنها من قول مالك، وإنما هى من قول النبى عدّ له، انتهى. وقال المنذرى
فى "مختصر السنن": هكذا أخرجه أبو داود من رواية القعنى عن مالك، فأفرد الزيادة من قوله.
ووافق القعنى على ذلك أبو مصعب الزبيرى ، وابن وهب ، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحمي بن
يحي الأندلسى، ويحيى بن بكير ؛ ورواه بعضهم من حديث عبد الرحمن بن مهدى ، والقعنى عن
مالك ، فأدرجها فى الحديث، وقد اختلف على القعنى فى ذلك، فمرة يبين أنها قول مالك ، ومرة
يدرجها فى الحديث؛ ورواه يحيى بن يحيى النيسابورى عن مالك، فلم يذكر هذه الزيادة ألبتة، وقد
رفع هذه الكلمات أيوب السختيانى، والليث بن سعد، والضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر؛
وقال بعضهم: يحتمل أن مالكا شك، هل من قول النبي صَّ الله أولا، فجعل لتحريه هذه الزيادة من
كلامه على التفسير، وإلا فهى صحيحة من قول النبى ◌َّاللّه من رواية الثقات ، انتهى. وذهل شيخنا
علاء الدين، فعزاه مقلداً لغيره ، لمالك فى " الموطأ" فقط.
واعلم أن المصنف حمل الحديث على الجيش الصغير الذى لا يؤمن معه ضياعه ، والشافعية معنا
فى ذلك ، وأخذ المالكية بإطلاقه، قال القرطى: ولا فرق بين الجيوش والسرايا عملا بإطلاق
النص، وهو - وإن كان نيل العدو له فى الجيش العظيم نادراً - فنسيانه وسقوطه ليس نادراً ، انتهى.
واعلم أن المراد بالقرآن فى الحديث المصحف. وقد جاء مفسراً فى بعض الأحاديث، وأشار
٥٧٧٤ إليه البخارى بقوله: "باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو " يروى ذلك عن محمد بن بشر عن
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صَّ ◌ِلّهِ، وقد سافر النبى معَّ اله وأصحابه إلى أرض العدو وهم
يعلمون القرآن ، انتهى .
٣٨٥
كتاب السير
الحديث الحادى عشر: قال عليه السلام: ((لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا)؛ ٥٧٧٥
قلت : تقدم ذلك فى حديث بريدة .
قوله: والمثلة المروية فى قصة العربيين منسوخة بالنهى المتأخر ؛ قلت: أخرج البخارى ، ٥٧٧٦
ومسلم(١) حديث العرنيين فى " كتاب الحدود" من رواية سعيد عن قتادة عن أنس أن نفراً من
عكل ثمانية ، وفى لفظ أن أناساً من عرينة قدموا على رسول اللّه صَيطاليهٍ ، فبايعوه على الإِسلام،
فاستوخموا الأرض، وسقمت أبدانهم، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صَّ له، فقال: ألا تخرجون
مع راعينا فى إبله، فتصيبون من أبوالها وألبانها ؟ قالوا: بلى يارسول الله، فخرجوا، فشربوا من
أبوالها وألبانها، فصحوا ، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، واستاقوا ذود
رسول اللّه عَ الهِ، فبلغ ذلك النبي صَ لّ فبعث فى إثرهم، وأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل
أعينهم ، وتركهم فى الحرة حتى ماتوا ، وفى لفظ : وألقوا فى الحرة يستقون فلا يسقون،
ولم يحسمهم حتى ماتوا. وفى لفظ: فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم أمر بمسامير فأحميت، ثم كلهم
بها، وفى لفظ: وتركهم بالحرة يعضون الحجارة، وفى آخره، قال قتادة: وبلغنا أن النبي صَلَّه
كان بعد ذلك يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة، انتهى. وفى لفظ له) (٢) ، قال قتادة : حدثنى
محمد بن سيرين أن ذلك قبل أن تنزل الحدود ، انتهى . وفى لفظ البيهقى : قال أنس : فما خطبنا
رسول اللّه بَّ اللّهم بعد هذا خطبة، إلا نهى فيها عن المثلة، انتهى. قال فى "المعرفة": وحديث
العربيين إما أن يحمل على النسخ ، كما روى عن ابن سيرين ، وقتادة ، وبه قال الشافعى ، أو يحمل
على أنه فَعَل بهم ما فُعِل بالرعاء، وقد جاء مصرحا عند مسلم عن أنس، قال: إنما سمل النبي صَلّه
أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء، انتهى. وقال أبو الفتح اليعمرى فى "سيرته": من الناس من
زعم أن حديث العرنيين منسوخ بآية المائدة ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية، ومن
الناس من أبى ذلك، لما وقع من الخلاف فى سبب نزولها، وقد ذكر البغوى وغيره لها قصة أخرى،
وأيضاً فليس فيها أكثر مما يشعره لفظة " إنما" من الاقتصار فى حد الحرابة ، على ما فى الآية،
وأما من زاد على الحرابة جنايات أخر ، كما فعل هؤلاء حيث زادوا بالردة ، وسمل أعين
(١) قلت: لفظ الكتاب عند البخارى فى ٠٠ المغازى - باب قصة كل وعرينة،، ص ٦٠٢ - ج ٢، وأورده فى
مواضع من صحيحه، وعند مسلم فى كتاب المحاربين،، ص ٥٧ - ج ٢، ٠ أكثر طرق هذا الحديث فى «الصحيحين،،
عن أبى قلابة عن أنس
(٢) ذكره البخارى فى ((الطب - باب الدواء بأبوال الابل،، ص ٨٤٨ - ج ٢، ولم أجده فى ٠(( مسلم،، والله أعلم
٣٨٦
نصب الراية
الرعاء، وغير ذلك ؛ وروى ابن سعد فى خبرهم أنهم قطعوا يد الراعى ورجله، وغرزوا الشوك
فى لسانه وعينيه حتى مات ، فليس فى الآية ما يمنع من التغليظ عليهم ، والزيادة فى عقوبتهم ،
فهذا ليس بمثلة ، والمثلة ما كان ابتداءً عن غير جزاء، وقد جاء فى " صحيح مسلم"، إنما سمل النبي
عَ المِ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء ، ولو أن شخصاً جنى على قوم جنايات فى أعضاء متعددة ،
فاقتص منه للمجنى عليه، لما كان التشويه الذى حصل من المثلة المنهى عنها ، وإذا اختلفت فى نزول
الآية الأقوال ، وتطرق إليها الاحتمال، فلا نسخ ، انتهى كلامه. وقد تقدمت أحاديث النهى عن
المثلة فى " كتاب الحج - فى مسألة الإشعار - من باب التمتع"، والله أعلم. قلت: ما يدل على
٥٧٧٧ نسخ حديث العرنيين بالآية ما رواه الواقدى فى "كتاب المغازى" حدثنى إسحاق عن صالح مولى
التوسعة عن أبى هريرة، قال: لما قطع النى سَّاللّهِ أيدى أصحاب اللقاح، وأرجلهم ، وسمل أعينهم
نزلت هذه الآية ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) إلى آخر الآية، قال: فلم تسمل بعد
ذلك عين ، قال: وحدثى أبو جعفر، قال: ما بعث النبي ◌َّ له بعد ذلك بعثاً، إلا نهاهم عن
المثلة ، انتهى .
٥٧٧٨
الحديث الثانى عشر : وقد صح أنه عليه السلام نهى عن قتل الصبيان والذرارى؛
٥٧٧٩ قلت: غريب بهذا اللفظ، وأخرج الجماعة (١) - إلا ابن ماجه - عن نافع عن ابن عمر أن امرأة وجدت
فى بعض مغازى رسول اللّه عَّاله مقتولة، فنهى رسول اللّه صَّ اله عن قتل النساء والصبيان، انتهى.
٥٧٨٠ وفى لفظ للشيخين: فأنكر قتل النساء والصبيان؛ وأخرج أبو داود (٢) عن خالد بن الفرز حدثنى
٥٧٨١ أنس بن مالك أن رسول اللّه عَّ اله، قال: انطلقوا باسم الله، وعلى ملة رسول اللّه، لا تقتلوا شيخاً
فانياً، ولا طفلا ، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضمرا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن
الله يحب المحسنين، انتهى. وخالد بن الفرز، قال ابن معين: ليس بذاك ، قال البيهقى : وهو
٥٧٨٢ يعارضه ما أخرجه أبو داود أيضاً (٣) عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن الحسن عن سمرة، قال:
قال رسول اللّه صَّال: اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم، انتهى. قال: والحجاج بن أرطاة
غير محتج به ، والحسن عن سمرة منقطع فى غير حديث العقيقة ، على ما ذكره بعض أهل العلم
بالحديث ، انتهى.
(١) عند البخارى فى ١, الجهاد - باب قتل النساء فى!" الحرب،، ص ٤٢٣ - ج ١، وعند مسلم فى !! الجهاد ،،
ص ٨٤ - ج ٢، وعند أبى داود فى ١, المغازى - باب قتل النساء،، ص ٦ - ج ٢، وعند الترمذى فى ٦١ السير - باب
ماجاء فى النهى عن قتل النساء،، ص ٢٠٣ - ج ١ (٢) عند أبى داود فى ٠٠ المغازى - باب فى قتل النساء،،
ص ٦ - ج ٢ (٣) عند أبى داود فى ," المغازى ،، ص ٦ - ج ٢
٣٨٧
كتاب السير
حديث آخر : يشكل عليه ، أخرجه الأئمة الستة (١) عن الصعب بن جثامة أنه سأل ٥٧٨٣
رسول اللّه عَّ الله عن الدار من المشركين يبيتون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال عليه السلام:
هم منهم، وفى لفظ: هم من آبائهم، انتهى. زاد أبو داود: قال الزهرى: ثم نهى رسول اللّه صَ اله
بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان، انتهى. وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه منسوخ ، نقله
الحازمى فى "الناسخ والمنسوخ" عن سفيان بن عيينة، وقد ذكره أبوداود عن الزهرى؛ الثانى :
أن حديث الصعب هذا إنما هو فى تبييت العدو إذا أغير عليه ، فقتل من الذرية من غير قصد ،
ضرورة التوصل إلى العدو ، وأما مع عدم الحاجة فالعمل على حديث ابن عمر ، والمنع من قتلهم
لوجهين : أحدهما: أنهم غنيمة للمسلمين ، فلا يجوز إتلافها ؛ الثانى: أن الشارع ليس من غرضه
إفساد العالم ، وإنما غرضه إصلاحه، وذلك يحصل بإهلاك المقاتلة ، وما ثبت بالضرورة فيتقدر
بقدرها ، والله أعلم.
الحديث الثالث عشر: روى أن النبي صَّ الي رأى امرأة مقتولة، فقال: ((هاه، ما كانت ٥٧٨٤
هذه تقاتل ، فلم قتلت؟!))؛ قلت: أخرج أبو داود * (٢)، والنسائى عن أبى الوليد الطيالسى عن ٥٧٨٥
عمر بن المرقع بن صیفی حدثنی أُبی عن جده رباح بن الربيع بن صيفى، قال : كنا مع رسول الله
سَطالمٍ فى غزوة، فر أى الناس مجتمعين على شىء، فبعث رجلا ، فقال: أنظر على مَ اجتمع هؤلاء؟
بناء، فقال : امرأة قتيل ، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلا ،
فقال: قل لخالد: لا يقتلن امرأة، ولا عسيفاً، انتهى. وأخرجه النسائى أيضاً، وابن ماجه عن
المغيرة بن عبد الرحمن عن أبى الزناد عن المرقع عن جده رباح، فذكره ؛ ورواه أحمد فى "مسنده"
عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبى الزناد به ؛ وكذلك رواه ابن حبان فى " صحيحه " ، والحاكم
فى "المستدرك"، وفى لفظه: فقال: ((هاه، ما كانت تقاتل))، الحديث ، ثم قال: وهكذا رواه ٥٧٨٦
المغيرة بن عبد الرحمن ، وابن جريج عن أبى الزناد، فصار الحديث صحيحاً على شرط الشيخين ، ولم
يخرجاه، انتهى . حديث المغيرة تقدم عند النسائى، وابن ماجه ، وحديث ابن جريج عند
عبد الرزاق فى "مصنفه" أخبرنا ابن جريج عن أبى الزناد عن المرقع به
(١) عند البخارى فى " الجهاد - باب أهل الدار يبيتون،، ص ٤٢٣ - ج ١، وعند مسلم فى " الجهاد ،،
ص ٨٤ - ج ٢، وعند أبى داود فيه ,(" باب فى قتل النساء،، ص ٦ - ج ٢، وعند الترمذى فى " السير - باب ماجاء
فى النهى عن قتل النساء والصبيان،، ص ٢٠٣ - ج ١، وينظر البقية
(٢) عند أبى داود فى((المغازى - باب فى قتل النساء،، ص ٦ - ج ٢، وحديث المغيرة، عند ابن ماجه فى ٠« الجهاد
- فى باب الغارة والبيات وقتل النساء،، ص ٢٠٩، وفى (" المستدرك - فى الجهاد،، ص ١٢٢ - ج ٢
٣٨٨
نصب الراية
٥٧٨٧ حديث آخر: أخرجه النسائي، وابن ماجه (١) عن سفيان الثورى عن أبى الزناد عن
المرقع بن صيفى عن حنظلة الكاتب، قال: غزونا مع رسول اللّه صَّاتهٍ ، فمررنا على امرأة مقتولة،
قد اجتمع عليها الناس ، فقال : ما كانت هذه تقاتل ، ثم قال الرجل : انطلق إلى خالد بن الوليد ،
فقل له: إن رسول اللّه وَّ اله يأمرك لا تقتلن ذرية، ولاعسيفاً، انتهى. ورواه أيضاً أحمد فى
"مسنده"، وابن حبان فى "صحيحه"، وقال: هذا الخبر سمعه المرقع بن صيفى عن حنظلة الكاتب ،
وسمعه من جده رباح بن الربيع، والخبر ان محفوظان، انتهى. قال ابن أبى حاتم فى " كتاب العلل" (٢):
سألت أبى، وأبا زرعة عن حديث رواه سفيان الثورى عن أبى الزناد عن المرقع بن صيفى عن
حنظلة الكاتب ، قال: خرج النبى عَّاللّهِ فى بعض مغازيه، الحديث، فقالا: هذا خطأ ، يقال: إنه
من وهم الثورى، إنما هو المرقع بن صيفى عن جده رباح بن الربيع ، أخى حنظلة بن الربيع عن النبى
صَ لِّ، كذا يرويه مغيرة بن عبد الرحمن ، وزياد بن سعد، وعبد الرحمن بن أبى الزناد ، وهو
الصحيح ، انتهى . وقال البيهقى فى "المعرفة": مرقع بن صيفى بن رباح، ويقال: رباح، قال
البخارى: ورباح أصح، وروى هذا الحديث عنه موسى بن عقبة، وأبو الزناد ، وابنه عمر ، وأقام
إسناده عن أبى الزناد ابنه ، والمغيرة بن عبد الرحمن ، ورواه الثورى عن أبى الزناد عن مرقع عن
حنظلة الكاتب، قال البخارى: وهو وهم، انتهى. وقال الدار قطنى: ليس فى الصحابة أحد يقال له:
رباح، إلا هذا ، مع اختلاف فيه، والله أعلم .
باب الموادعة
٥٧٨٨ الحديث الأول: روى أن التى ◌َ الله وادع أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب
٥٧٨٩ بينه وبينهم عشر سنين؛ قلت: رواه أبو داود فى "سننه" (٣) من حديث محمد بن إسحاق عن الزهرى
عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب
عشر سنين، يأمن فيها الناس، وعلى أن بينناعيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ، ولا إغلال، انتهى.
٥٧٩٠ ورواه أحمد فى "مسنده" مطولا بقصة الفتح: حدثنا يزيد بن هارون ثنا ابن إسحاق به، قالا: خرج
رسول الله عَّ له عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لا يريد قتالا ، وساق معه الهدى سبعين بدنة ،
(١) عند ابن ماجه فى (" الجهاد،، ص ٢٠٩ (٢) ذكره فى ١٣ كتاب العلل فى علل أخبار السير،،
ص ٣٠٥ - ج١ (٣) عند أبى داود فى ٠١ المغازى - باب فى صلح العدو ،، ص ٢٥ - ج ٢
٣٨٩
كتاب السیر
وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، إلى أن قال: ثم دعا رسول الله عسر اله
على بن أبى طالب ، فقال له: أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لاأعرف
هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم ، فقال عليه السلام: اكتب باسمك اللهم هذا ماصالح عليه محمد
رسول اللّه سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لوشهدت أنك رسول اللّه لم أقاتلك، ولكن أكتب هذا
ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين. يأمن فيها الناس،
ويكف بعضهم عن بعض، الحديث بطوله . وروى الواقدى فى " المغازى" حدثنى ابن أبى سبرة
عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن واقد بن عمرو، فذكر قصة الحديبية ، وفيها: فكتب:
باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله، وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين،
يأمن فيها الناس ، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن يتناعية مكفوفة،
الحديث. وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة - فى أبواب قصة الحديبية" عن عروة بن الزبير، وموسى بن
عقبة مرسلا، فذكر القصة، وفى آخرها: فكان الصلح بين رسول اللّه صَ لجهوبين قريش سنتين،
قال البيهقى: وقولها: سنتين يريد أن بقاءه حتى نقض المشركون عهدهم، وخرج النبى عَّ الله إليهم
حينئذ لفتح مكة ، فأما المدة التى وقع عليها عقد الصلح فيشبه أن يكون المحفوظ مارواه محمد بن
إسحاق، وهى عشر سنين ، انتهى كلامه. وقال السهيلى فى " الروض الأنف" فى كلامه على غزوة
الحديبية : واختلف العلماء هل يجوز الصلح إلى أكثر من عشر سنين ؟ وحجة المانعين أن منع
الصلح هو الأصل ، بدليل آية القتال ، وقد ورد التحديد بالعشر فى حديث ابن إسحاق، حصلت
الإباحة فى هذا القدر، ويبقى الزائد على الأصل، انتهى. وقال أبو الفتح اليعمرى فى " سيرته،
عيون الأثر": ليس فى مطلق الأمر بالقتال مايمنع من الصلح، وإن كان المراد ما فى "سورة براءة"
من ذلك، مما نزل بعد هذه الواقعة ، ففى التخصيص بذلك اختلاف بين العلماء، وأما تحديد هذه
المدة بعشر سنين ، فأهل النقل مختلفون فى ذلك، فوقع فى رواية ابن إسحاق عشر سنين، ووقع فى
روايه موسى بن عقبه أنه كان سنتين، وكذلك ابن عائذ عن محمد بن شعيب عن عثمان بن عطاء عن
أبيه عن عكرمة عن ابن عباس، أن مدة الصلح كانت إلى سنتين ، انتهى. وفى - كتاب شيخنا علاء
الدين - مقلداً لغيره: فى "الصحيح" عن مسور، ومروان فى قصة الحديبية: وخرج سهيل بن
عمرو إلى النبى ﴿ حتى وقع الصلح، على أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين، وهذا ليس فى
"الصحيح" ، وإنما هو عند أبى داود، كما تقدم.
٣٩٠
نصب الراية
٥٧٩١ الحديث الثانى: روى أن النبي صَّ لي نقض الصلح بعد الموادعة التى كانت بينه وبين أهل
٥٧٩٢ مكة ؛ قلت: روى البيهقى فى " دلائل النبوة - فى باب غزوة مؤتة" من طريق ابن إسحاق حدثنى
الزهرى عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة، قالا: كان فى صلح رسول الله
صِّ له يوم الحديبية بينه وبين قريش أن من شاء أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل ، ومن شاء أن
يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل ، فدخلت خزاعة فى عقد محمد مَّ اليه ، ودخلت بنوبكر فى
عقد قريش ، فمكثوا فى الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشرة شهراً، ثم إن بى بكر الذين دخلوا فى
عقد قريش، وثبوا " على خزاعة الذين دخلوا فى عقد رسول اللّه صَّ اللّه ليلا، بماء لهم، يقال له:
الوتير، قريب من مكة ، وقالت قريش: هذا ليل، وما يعلم بنامحمد ، ولا يرانا أحد، فأعانوا بنى بكر
بالسلاح والكراع، وقاتلوا خزاعة معهم، للضغن على رسول اللّه عَّ ليل، وركب عمرو بن سالم
إلى رسول اللّه صَّ لي عند ذلك، يخبر الخبر، فلما قدم عليه أنشده:
لا هُمَّ إنى ناشد محمدا » حلف أبينا وأبيه ، الأتلدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير مجدا * فقتلونا ركعاً وسجدا
فانصر رسول الله نصراً عندا
فقال رسول اللّه صَّ لهم: ((نصرت ياعمرو بن سالم»، ثم أمر الناس فتجهزوا، وسأل الله أن
يُعَمِّى على قريش خبرهم، حتى يبغتهم فى بلادهم، وذكر موسى بن عقبة نحو هذا، وأن أبابكر قال له:
يارسول الله، ألم تكن بينك وبينهم مدة ؟ قال: ألم يبلغك ماصنعوا بنى كعب؟، ورواه الطبرانى
فى " معجمه الكبير - والصغير" من حديث ميمونة؛ ورواه ابن أبى شيبة مرسلا عن عروة؛
٥٧٩٣ ورواه الواقدى فى " كتاب المغازى" مرسلاعن جماعة كثيرين، وفيه: فقال أبو بكر: يارسول الله
أوليس بيننا وبينهم مدة؟ قال: إنهم غدروا، ونقضوا العهد، فأنا غازيهم، ثم ذكر الحديث.
الحديث الثالث: قال عليه السلام: ((فى العهود وفاء لاغدر) ؛ قلت : هكذا وقع فى
٥٧٩٤
الكتاب ، والموجود فى كتب الحديث موقوفا من كلام عمرو بن عبسة ، أخرجه أبو داود،
٥٧٩٥ والترمذى(١)، والنسائى عن شعبة أخبرنى أبو الفيض عن سليم بن عامر، رجل من حمير ، قال:
كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، جاء رجل
(١) عند أبى داود فى «المغازى - باب فى الامام يكون بينه وبين العدو عهد فيير نحوه،، ص ٢٣ - ج ٢،
وعند الترمذي في " السير - باب ماجاء في الغدر ،، ص ٢٠٤ - ٤ ١
٣٩١
كتاب السير
على فرس، أوبرذون، وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لاغدر، فنظروا، فإذا عمرو بن عبسة،
فأرسل إليه معاوية، فسأله، فقال: سمعت رسول اللّه صَّ الهل يقول: من كان بينه وبين قوم عهد ،
فلا يشد عقدة ، ولا يحلها حتى ينقضى أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء، فرجع معاوية بالناس، انتهى.
ورواه أحمد، وأبو داود الطيالسى ، وابن أبى شيبة فى "مسانيدهم" ، وابن حبان فى صحيحه" فى
النوع الثالث والأربعين، من القسم الثالث، وكذلك رواه الطبرانى فى "معجمه"، وقال الترمذى
فیہ : حديث حسن صحيح، انتهى.
الحديث الرابع: روى أن النبى مهد اله نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب ، ثم أعاده ٥٧٩٦
المصنف، وزاد: وحمله إليهم ؛ قلت : غريب بهذا اللفظ؛ وروى البيهقى فى "سننه" ، والبزار فى
"مسنده"، والطبرانى فى "معجمه" من حديث بحر بن كنيز السقاء عن عبيد الله بن القبطي عن ٥٧٩٧
أبى رجاء عن عمران بن حصين أن رسول اللّه عَّ التي نهى عن بيع السلاح فى الفتنة، انتهى.
قال البيهقى: رفعه وهم، والصواب موقوف، وقال البزار: لا نعلم أحداً يرويه عن النبى تَّ له إلا
عمران بن حصين ، وعبد الله اللقيطى ليس بالمعروف، وبحر بن كنيز لم يكن بالقوى؛ وقد روى
سلم بن زرير عن أبى رجاء عن عمران موقوفا، انتهى. وأخرجه ابن عدى فى "الكامل"، والعقيلى
فى "كتابه" عن محمد بن مصعب القرقسانى ثنا أبو الأشهب عن أبى رجاء به مرفوعا، نحوه سواء،
قال العقيلى : قال ابن معين : محمد بن مصعب ليس بشىء ، ولينه ابن عدى ؛ وقال: وهو عندى
لا بأس برواياته، ونقل عن أحمد بن حنبل نحو ذلك؛ وقال عبد الحق فى "أحكامه": محمد بن مصعب
فيه غفلة، وليس بقوى؛ وقال أبوزرعة: هو صدوق، ولكنه حدث بأحاديث منكرة، انتهى كلامه.
وقال ابن حبان فى "صحيحه": قد يفهم من حديث خباب بن الأرت كنت قيناً بمكة ، فعملت ٥٧٩٨
العاص بن وائل سيفاً ، جئت أتقاضاه ، الحديث، إباحة بيع السلاح لأهل الحرب ، وهو فهم
ضعيف ، لأن هذه القصة كانت قبل فرض الجهاد ، وفرض الجهاد ، والأمر بقتال المشركين إنما
كان بعد إخراج أهل مكة رسول اللّه صَّ اتٍ، انتهى.
الحديث الخامس: روى أن رسول اللّه صَ لهل أمر تمامة أن يمير أهل مكة، وهم حرب ٥٧٩٩
عليه ؛ قلت: رواه البيهقى فى "دلائل النبوة - فى آخر باب حديث الإفك" من طريق ابن إسحاق
حدثنى سعيد المقبرى عن أبى هريرة، فذكر قصة إسلام ثمامة بلفظ " الصحيحين" ، وفى آخره : ٥٧٩٩ م
فقال: إنى والله ما صبوت، ولكنى أسلمت، وصدقت محمداً، وآمنت به، وإيم الذى نفس ثمامة
يده لا يأتيكم حبة من اليمامة - وكانت ريف مكة - مابقيت حتى يأذن فيها محمد عَّالهٍ، وانصرف
٣٩٢
نصب الراية
إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول اللّه صَ الله يسألونه بأرحامهم
أن يكتب إلى ثمامة يخلى إليهم حمل الطعام، ففعل رسول اللّه صَّ الله، مختصر، وذكره ابن هشام
٥٧٩٩ م فى "أواخر السيرة" فقال: وحدثت أنه قال لرسول اللّه صَّ اله حين أسلم: والله يا محمد لقد كان وجهك
أبغض الوجوه إلىّ ، فلقد أصبح اليوم أحب الوجوه إلى، وقال فى الدين والبلد مثل ذلك، ثم
خرج ثمامة معتمراً حتى دخل مكة ، فقالوا له: صبأت ياثمامة ؟ قال : لا ، ولكنى اتبعت خير الدين،
دين محمد، والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول اللّه صَّ اتي، ثم خرج إلى اليمامة،
فمنع أهلها أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى رسول اللّه عَّ الم إنك تأمر بصلة الرحم، وأنك قد
قطعت أرحامنا، فكتب إليه رسول اللّه عَّ اله أن يخلى بينهم وبين الحمل، انتهى. ورواه الواقدى
٥٨٠٠ فی کتاب الردة" فقال: حدثنیمعاذ بن محمد بن أبی بکر بن عبد الله بن أبى جھُم عن أبى بكر بن سليمان
ابن أبى حثمة، قال: بعث رسول اللّه عَّ اله العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى بالبحرين،
ليال بقين من رجب، سنة تسع، منصرف النبي صٍَّ من تبوك، وكتب إليه كتابا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد اللّه إلى المنذر بن ساوى، سلام على من اتبع الهدى،
أما بعد: فإنى أدعوك إلى الإسلام، فأسلم تسلم ، وأسلم يجعل الله لك ما تحت يديك، واعلم أن دينى
سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، وختم رسول اللّه صَّاللّه الكتاب، ودفعه إليه، خرج العلاء فى نفر
منهم أبو هريرة، حتى قدم على المنذر بن ساوى ، فدفع إليه الكتاب، فقرأه، فقال: أشهد أن مادعا إليه
حق، وأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأكرم منزله، ثم رجع العلاء إلى النبي صَّ له ،
فأخبره بما رأى من المنذر، وسرعة إسلامه، ثم قال: يارسول الله مررت بثمامة بن أثال الحنفى، فقال:
أنت رسول محمد؟ فقلت: نعم، فقال: والله لا تصل إلى محمد أبداً، وأراد قتلى، فمنعه عمه عامر بن
سلمة، فقال النبي ◌َّ لّهِ: اللهم اهد عامراً، وأمكنى من ثمامة، فأسلم عامر، وجعل النبى عَّ له يأمر
كل من خرج إلى وجه، إن ظفرت بثمامة بن أثال هذه، فرج محمد بن مسلمة فى بعث من البعوث،
وقد أوصاه النبي صَّ الٍّ حتى إذا كان بيطن نخل إذا هم يقوم يصطنعون طعاما، وفيهم ثمامة بن أثال،
فأخذه محمد بن مسلمة، فأوثقه فى جامعه ، وبعث به مع أبى نائلة ، وأربعة نفر معه ، فلما أتى به إلى
النبى عَّالم أمر به فربط إلى سارية من سوارى المسجد وأطلقه رسول اللّه عَّ القيم بعد ثلاثة أيام،
فذهب إلى حائط أبي طلحة فاغتسل، ولبس ثوبين جديدين، ثم جاء فوقف على النبي صَّاله، فقال:
يا محمد، والله لقد كنت وما وجه إلىّ أبغض من وجهك، ولا دين أبغض إلىّ من دينك، ولا بلد
أبغض إليّ من بلدك، فلقد أصبحت وما وجه أحب إلىّ من وجهك ، ولادين أحب إلى من دينك،
ولا بلد أحب إلىّ من بلدك، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ثم خرج
٣٩٣
کتاب السیر
إلى مكة معتمراً ، فقالت له قريش: والله ياتمامة ما كنا نظن لو أن حنيفة بأسرها تبعت محمداً أن
تتبعه أنت، فقال: والله يا معشر قريش أقسم بالله لا يأتيكم من اليمامة بر، ولا تمر حتى تسلموا، أو
يأذن فيه محمد عَّ الَّهِ، ثم رجع إلى اليمامة، لخبس عن قريش الميرة، حتى جهدوا، فقدم أبو سفيان
ابن حرب إلى التى عَّالٍّ فى ركب من قريش، يسأله بالرحم إلا أرسلت إلى ثمامة أن يخلى الحمل إلينا،
فأنا قد هلكنا جوعا، ففعل رسول اللّه عَّاتٍ ، وكتب معه كتابا إلى ثمامة أن خل بین قر یشو بین
الميرة، فلما جاءه الكتاب قال: سمعاً وطاعة لرسول اللّه عَّ له، مختصر. وحديث ثمامة فى "الصحيحين" ٥٨٠١
ليس فيه أمر النبى معَّ الَّه لتمامة أن يرد الميرة على أهل مكة ، أخرجاه عن الليث بن سعد عن سعيد
المقبرى عن أبى هريرة، قال: بعث النبي صَ الِ خيلا قبل نجد . جاءت برجل من بنى حنيفة يقال له:
ثمامة بن أثال. الحديث. ذكره البخاري(١) فى "المغازى - فى باب وفد بني حنيفة"، ومسلم فى باب ترك
الأسارى والمنّ عليهم" بقية الحديث، يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ، فربطوه بسارية من
سوارى المسجد، خرج إليه رسول اللّه عَّ الله، فقال له: ماذا عندك ياثمامة؟ قال: خير يا محمد، إن
تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال ، فسل تعط ماشئت ، فتركه
رسول اللّه عَ ◌ٍّ حتى كان الغد، فقال له مثل ذلك، وقال له فى اليوم الثالث مثله، ثم أمر به
فأطلق ، فذهب ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن
لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على الأرض
وجه أبغض إلىّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلىّ ، وما كان دين أبغض
إلى من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إلىّ ، ولا كان بلد أبغض إلى من بلدك ، فأصبح
بلدك أحب البلاد كلها إلى، وإن خيلك أخذتى، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فأمره عليه السلام
أن يعتمر ، فلما قدم مكة قيل له: أصبوت؟ فقال: لا، ولكنى أسلمت مع رسول اللّه ستي الي، والله
لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللّه صَّ اله، انتهى.
فصل
الحديث السادس: قال عليه السلام: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)؛ ٥٨٠٢
قلت: احتج المصنف بقوله: " ويسعى بذمتهم أدناهم" على جواز أمان الرجل الواحد، أو المرأة
الواحدة لأهل مدينة أو حصن ، وهو فى "الصحيحين" أخرجه البخارى فى (الجهاد"، ومسلم
(١) س ٦٢٧، وعند مسلم فى ٦١ الجهاد - باب ربط الأسير وحبه وجواز المنّ عليه،، ص ٩٣ - ج ٢
٣٩٤
نصب الراية
٥٨٠٣ فى "الحج" (١) عن إبراهيم التيمى عن أبيه عن على بن أبى طالب، قال: ما كتبنا عن النبي صَ لّه
إلا القرآن، وما فى هذه الصحيفة، قال رسول اللّه عَّالله: المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا، وذمة المسلمين
واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه
٥٨٠٤ يوم القيامة صرفا ولاعدلا، انتهى . وأخرج البخارى نحوه (٣) من حديث أنس، وأخرج مسلم عن
أبى صالح عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَل اتيٍ: ((المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى
محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولاعدل، وذمة المسلمين
واحدة ، يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه
يوم القيامة صرف ولا عدل ، انتهى . وذهل شيخنا علاء الدين مقلداً لغيره ، فذكر حديث على
٥٨٠٥ من جهة أبى داود، والنسائى فقط، أخر جاه (٣) عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد، قال:
انطلقت أنا والأشتر إلى على عليه السلام، فقلنا: هل عهد إليك رسول اللّه وي اتي شيئاً لم يعهده
إلى الناس عامة ؟ قال : لا ، إلا مافى كتابى هذا، فأخرج كتابا من قراب سيفه، فاذا فيه: المؤمنون
تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد
فى عهده، ومن أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، انتهى.
ورواه أحمد فى "مسنده"، ومن طريقه رواه الحاكم فى "المستدرك - فى كتاب قسم الفيء"، وقال:
صحيح على شرط الشيخين، انتهى. وأخرجه أبو داود أيضاً (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
٥٨٠٦ عن جده، محيلا على حديث على، وأخرجه ابن ماجه مفسراً، ولفظه: قال: قال رسول اللّه ست اتله:
(( المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم ، يرد
مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد فى عهده، انتهى.
٥٨٠٧ وأخرج الدار قطنى فى "سننه - فى الحدود" (٥) عن مالك بن محمد بن عبد الرحمن عن عمرة عن عائشة
قالت: وجد فى قائم سيف رسول اللّه عَّ التي كتابان: إن أشد الناس عتواً فى الأرض رجل ضرب
(١) عند البخارى فى مواضع منها فى « الجهاد - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة،، ص ٤٥٠ - ج ١، وعنه
مسلم فى ((( الحج ـ باب فضائل المدينة،، ص ٤٤٢ - ج ١، وكذا حديث أبى صالح، عند مسلم فيه
(٢) عند البخارى فى ((فضا ئل المدينة،، ص ٢٥١ - ج ١ (٣) عند أبى داود فى " الديات - باب إيفاد المسلم
بالمكافر ،، ص ٢٠٧ - ج ٢، وعند النسائى فى ١١ الفود - باب سقوط القود من المسلم للكافر،، ص ٢٤١ - ج ٢،
وفى "المستدرك - فى كتاب قم الفيء،، ص ١٤١ - ج ٢ (٤) عند أبى داود فى ,, الديات،، ص ٢٦٧ - ج ٢،
قلت: والفظ المنسوب لابنماجه هو عند أبى داود فى «المغازى - باب فى السرية ترد على أهل العسكر،، من ٢٢ - ج ٢
(٥) عند الدارقطنى فى " الحدود والديات،، ص ٣٤٣
٣٩٥
كتاب السير
غير ضاربه، أو رجل قتل غير قاتله ، ورجل تولى غير أهل نعمته، فمن فعل ذلك فقد كفر بالله
وبرسله ، لا يقبل اللّه منه صرفاً ولا عدلا، وفى الآخر: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم
أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد فى عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، انتهى. ومالك هذا
هو ابن أبى الرجال ، أخو حارثة ، ومحمد قال أبو حاتم: هو أحسن حالا من أخويه ، انتهى .
ورواه البخارى فى " تاريخه الكبير"، والله أعلم.
أحاديث الباب - حديث أم هانى .: أخرجاه فى "الصحيحين" (١) عنها قالت: يارسول الله ٥٨٠٨
زعم ابن أمى على أنه قاتل رجلا قد أجرته ، فلان بن هبيرة ، فقال عليه السلام: قد أجرنا من
أجرت، وأمنا من أمنت، مختصر؛ ورواه أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقى فى " كتاب تاريخ ٥٨٠٨ م
مكة " من طريق الواقدى عن ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى مرة ، مولى عقيل عن أم هانى.
بنت أبى طالب، قالت: ذهبت إلى رسول اللّه صَّ له، فقلت له: يارسول الله إنى أجرت حموين
لى من المشركين، فأراد على أن يقتلهما ، فقال رسول الله مطالتيٍ: ما كان ذلك له ، قد أجرنا من
أجرت، وأمنا من أمنت، ثم اغتسل وصلى ثمان ركعات، وذلك ضحى يوم فتح مكة ، وكان الذى
أجارت أم هانىء يوم الفتح عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة ، والحارث بن هشام بن المغيرة ،
كلاهما من بنى مخزوم، انتهى. وكذلك رواه الواقدى فى " كتاب المغازى" .واء، وهذا مطابق
لما ذكره صاحب" الخلاصة من حديث أم هانى.، فإنه قال: روى عن أم هانىء أنها أجارت رجلين ٥٨٠٩
من المشركين، ولم تمكن علياً من قتلهما، وأجاز النبى معَّ اقي أمانها، انتهى. وعند الطبرانى عن
أنس أنها أجارت أخاها عقيلا ، وسيأتى.
حديث آخر: رواه أبو داود (٢) حدثنا عثمان بن أبى شيبة عن سفيان بن عيينة عن منصور ٥٨١٠
عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: أن كانت المرأة لتجير على المؤمنين ، فيجوز ، انتهى.
حديث آخر : رواه الترمذى حدثنا يحيى بن أكثم ثنا عبد العزيز بن حازم عن كثير بن ٥٨١١
زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة عن النبي صَ لّهِ، قال: إن المرأة لتأخذ للقوم - يعنى تجير على
المسلمين -، انتهى. وقال: حسن غريب، وترجم عليه "باب أمان المرأة"، وقال فى" علله الكبير":
وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ، فقال: هو حديث صحيح ، وكثير بن زيد سمع من
الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبى هريرة ، والوليد مقارب الحديث، انتهى.
(١) عند البخارى فى (" الجهاد باب أمان النساء،، ص ٤٤٩ - ج ١، وعند مسلم فى" الصلاة فى استحباب
صلاة الضحى،، ص ٢٤٩ - ج ١. (٢) عند أبى داود فى (« المغازى - باب أمان المرأة،، ص ٢٤ - ج ٢،
وعند الترمذى فى " السير - باب أمان المرأة والعبد ،، ص ٢٠٤ - ج ١
٣٩٦
نصب الراية
حديث آخر : أخرجه الطبرانى فى " معجمه" عن عباد بن كثير عن عقيل بن خالد عن ابن
٥٨١٢
شهاب عن أنس بن مالك أن زينب بنت رسول اللّه صَّ التي أجارت أبا العاص، فأجاز النبى
مَّ الّ جوارها، وأن أم هانىء بنت أبى طالب أجارت أخاها عقيلا، فأجاز النبي صَ لِّ جوارها،
وقال : يجير على المسلمين أدنام، انتهى .
٥٨١٣
حديث آخر : أخرجه الطبرانى أيضاً عن ابن لهيعة ثنا موسى بن جبير عن عراك بن مالك
عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة أن أبا العاص لما لحق بالمدينة أرسل
إلى زينب بنت رسول اللّه عَّ الي أن خذى لى أمانا من أبيك، فرجت ورسول اللّه صَّاللّه فى صلاة
الصبح، فقالت: يا أيها الناس أنا زينب بنت رسول اللّه عَّ الي، وإنى قد أجرت أبا العاص، فلما
فرغ رسول اللّه عَّ له من الصلاة، قال: يا أيها الناس إنى لم أعلم بهذا حتى سمعتموه، ألا وإنه يحير
على المسلمين أدناهم ، انتهى.
٥٨١٤
الحديث السابع: قال عليه السلام: (( أمان العبد أمان))، رواه أبو موسى الأشعرى؛
قلت : غريب؛ وروى عبد الرزاق فى "مصنفه" حدثنا معمر عن عاصم بن سليمان عن فضيل بن
يزيد الرقاشى ، قال: شهدت قرية من قرى فارس، يقال لها: شاهرتا (١)، خاصر ناها شهراً، حتى
إذا كناذات يوم وطمعنا أن نصبحهم ، انصرفنا عنهم عند المقيل، فتخلف عبدمنا، فاستأمثوه ،
فكتب إليهم فى سهم أمانا ، ثم رمى به إليهم ، فلما رجعنا إليهم خرجوا فى ثيابهم ، ووضعوا
أسلحتهم ، فقلنا: ما شأنكم؟ فقالوا: أمنتمونا، وأخرجوا إلنا السهم ، فيه كتاب أمانهم ، فقلنا:
هذا عبد ، والعبد لا يقدر على شىء ، قالوا : لا ندرى عبدكم من حركم ، وقد خرجنا بأمان ،
فكتبنا إلى عمر ، فكتب عمر: إن العبد المسلم من المسلمين، وأمانه أمانهم، ورواه ابن أبى شيبة فى
"مصنفه" ، وزاد: وأجاز عمر أمانه، انتهى. قال فى " التنقيح": وفضيل بن يزيد الرقاشى،
٥٨١٦ وثقه ابن معين، قال : وقد روى البيهقى بإِسناد ضعيف عن على مرفوعا ، ليس للعبد من الغنيمة
شىء، إلا خرفى المتاع، وأمانه جائز، وأمان المرأة جائز ، إذا هى أعطت القوم الأمان ، انتهى .
وأحاديث ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، من هذا الباب .
(١) وفى - نسخة - [س] و" شاهريا ،،
٣٩٧
كتاب السير
باب الغنائم وقسمتها
الحديث الأول : قال المصنف رحمه الله: وإذا فتح الإمام بلدة عنوة ، فهو بالخيار ،
إن شاء قسمه بين المسلمين، كما فعل رسول اللّه صَّ اله بخير، قلت: أخرج البخارى فى "صحيحه"(١)
عن زيد بن أسلم أن عمر قال: والذى نفسى بيده، لولا أن أترك آخر الناس بانا (٢)، ليس لهم شيء ٥٨١٧
مافتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله عَ ليه خيبر، ولكن أتركها لهم خزانة، يقتسمونها،
ورواه مالك فى "الموطأ" أخبرنا زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول : لولا أن نترك
آخر الناس لاشىء لهم، ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا، كما قسم رسول اللّه صَّ التي خيبر ٥٨١٧ م
سهمانا، انتهى. والمصنف ذكر فى "باب القسامة" أنه عليه السلام أقر خيبر على أهلها، ووضع
عليهم الخراج، قيل : إن الطحاوى بين ذلك، فلينظر .
أحاديث الباب: أخرج أبوداود فى سننه (٣) - فى كتاب الخراج" عن يحيى بن زكريا ٥٨١٨
عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبى حثمة، قال: قسم رسول اللّه صَّ اله خيبر
نصفين، نصفاً لنوائبه، ونصفاً بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهماً، انتهى. قال صاحب
"التنقيح": إسناده جيد، ويحيى بن زكريا هو ابن أبى زائدة، وهو أحد الثقات، انتهى . ثم
أخرجه أبوداود عن محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن رجال من أصحاب ٥٨١٩
النبي صَ لّهِ، أن رسول الله صَّ له لما ظهر على خبير قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم
مائة سهم، فكان لرسول اللّه عَّ له وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقى لمن
نزل به من الوفود ، والأمور ، ونوائب الناس ، انتهى . ثم أخرجه عن سليمان بن بلال ٥٨٢٠
عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار ، أن رسول اللّه صَّالي لما أفاء الله عليه خيبر قسمها
ستة وثلاثين سهماً جمعاً ، فعزل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهماً ، يجمع كل سهم مائة ،
(١) عند البخارى فى " المغازى .- فى غزوة خيبر،، ص ٦٠٨ - ج ٢
(٢) قوله: " ببانا،، - بفتح موحدة أولى، وتشديد ثانية، وبنون - أى شيئا واحداً؛ وقيل: مستوياً، أى
لولا أترك الذين بعدنا فقراء مستوين فى الفقر لقسمت أراضى القرى مفتوحة بين الغانمين، فأتركها وفقاً مؤبداً باسترضائهم
كالخزانة يقتسمونها، كل وقت إلى يوم ١ لحة، انتهى. كذا فى " هوامش البخارى،، ص ٦٠٨ - ج ٢، تهلا عن
" مجمع البحار،، للمحدث الفتنى الهنا:
(٣) عند أبى داود فى ," الخراج - باب ماجاء فى حكم أرض خيبر،، ص ٦٩ - ج ٢
٣٩٨
نصب الراية
والنبي صَّ له معهم له سهم، كسهم أحدهم، وعزل رسول اللّه عَّاتليع ثمانية عشر سهماً، وهو
الشطر لنوائبه ، وما ينزل به من أمر المسلمين ، فكان ذلك الوطيح ، والكتيبة ، والسلالم ،
وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبي صٍَّ والمسلمين، لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها ، فدعا
رسول اللّه صَ لِّ اليهود، فعاملهم، انتهى. زاد أبو عبيد فى "كتاب الأموال": فعاملهم على نصف
ما يخرج منها ، فلم يزل على ذلك حياة رسول اللّه صَّ الهٍ، وأبى بكر، حتى كان عمر، فكثر العمال
فى المسلمين، وقووا على العمل ، فأجلا عمر اليهود إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين، إلى
اليوم ، انتهى . وبشير بن يسار تابعى ثقة ، يروى عن أنسٍ ، وغيرِه. يروى هذا الخبر عنه يحيى بن
سعيد ، وقد اختلف عليه فيه ، فبعض أصحاب يحي يقول فيه : عن بشير عن سهل بن أبى حثمة ،
وبعضهم يقول: عن رجال من أصحاب رسول اللّه صَّله، ومنهم من يرسله، والله أعلم.
٥٨٢١
حديث آخر: أخرجه البيهقى فى " دلائل النبوة" عن عبد الرحمن بن المرقع ، قال: لما
افتتح رسول اللّه صَّ اتيمٍ خيبر قسمها على ثمانية عشر سهماً، جعل لكل مائة سهماً، وهى مخضرة من
الفواكه، فوقع الناس على الفاكهة، فأخذتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى النبي صَ لّهِ ، فقال: إن
الحمى قطعة من النار ، فاذا هى أخذتكم فبردوا لها الماء فى الشنان ، ثم صبوها عليكم بين الصلاتين
- يعنى المغرب والعشاء- قال: ففعلوا، فذهبت، انتهى. قال أبو الفتح اليعمرى فى "سيرته عيون الأثر" :
اختلف العلماء فى المدينة إذا فتحت عنوة، هل تقسم أرضها بين المسلمين، كسائر الغنائم، أو توقف؟
فقال الكوفيون: الإمام مخير بين أن يقسمها كما فعل رسول اللّه صَّ اليهم بأرض خيبر، أو يقر
أهلها عليها ، ويضع عليهم الخراج، كما فعل عمر بسواد العراق، فى جماعة من الصحابة ، وبالأول
أخذ الشافعى ، وبالثانى أخذ مالك، نفعاً لمن يأتى بعده من المسلمين، ثم ذكر حديث البخارى، ثم
قال: وهذا يدل على أن خيبر قسمت كلها سهمانا ، وهو رواية ابن إسحاق عن الزهرى ، رواه
٥٨٢٢ أبو داود فى "سننه" (١) عن ابن إسحاق قال: سألت ابن شهاب، فأخبرنى أن رسول الله صَ له
افتح خيبر عنوة بعد القتال ، وروى أيضاً من حديث يونس عن الزهرى نحوه ، وروى أيضاً
٥٨٢٣ من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن رسول اللّه صَّاتيِ غزا خيير، فأصبناها عنوة، وجمع
السى ، قال أبو عمر فى " مغازيه": وهذا هو الصحيح فى أرض خيبر أنها كانت عنوة ، وأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم جميع أرضها على الغانمين، وهم أهل الحديبية ، وروى موسى
(١) الأحاديث المذكورة فى كلام أبى الفتح اليعمرى، وابن عبد البر المعزوة إلى أبى داود ، هي عنده فى "باب
حكم أرض خيبر ،،
٣٩٩
كتاب السير
ابن عقبة ، وغيره عن الزهرى أن بعضها كان عنوة ، وبعضها كان صلحاً ، قال أبو عمر : وهذا
وهم ، وإنما دخل عليه ذلك من جهة الحصنين اللذين أسلمهما أهلهما فى حقن دمائهم، وهما الوطيح
والسلالم، كما روى أن النبى عَّ الله لما حاصر أهل خيبر فى حصتهم الوطيح، والسلالم، حتى إذا أيقنوا
بالهلكة سألوه أن يسيرهم، وأن يحقن لهم دماءهم، ففعل، فماز رسول اللّه عَ ليهِ الأموال وجميع
الحصون ، إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله عَ الله أن
يعاملهم فى الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم، فصالحهم رسول اللّه صَّ له على النصف،
على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخر جناكم. قال أبو عمر: فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين معنومين ظن
أن ذلك صلح ، ولعمرى أنه فى الرجال والنساء والذرية لضرب من الصلح ، ولكنهم لم يتركوا
أرضهم ، إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضهما كحكم سائر أرض خير كلها عنوة غنيمة مقومة
بين أهلها قال: وربما شبه على هذا القائل بحديث بشير بن يسار أنه عليه السلام قسم خبر نصفين ،
نصفاً له، ونصفاً للمسلمين، قال: وهذا إن صح، فمعناه أن النصف له مع سائر من وقع فى ذلك النصف
معه، لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهماً، فوقع سهم النبي صَ لّهِ وطائفة معه فى ثمانية عشر سهماً،
ووقع سائر الناس فى باقيها، وكلهم ممن شهد الحديبية، ثم خيبر، وليست الحصون التى أسلها أهلها
بعد الحصار والقتال صلحاً ، ولو كانت صلحاً لملكها أهلها، كما يملك أهل الصلح أرضهم ، وسائر
أموالهم، قال: فالحق فى ذلك ما قاله ابن إسحاق عن الزهرى ، دون ماقاله موسى بن عقبة عنه، انتهى
كلام أبى عمر. قال أبو الفتح: ويترجح ماقاله موسى بن عقبة، وغيره: إن بعض خبير كان صلحاً ، بما
أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن مالك عن الزهرى أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها ٥٨٢٤
صلحاً ، والكتيبة أكثرها كان عنوة ، وفيها صلح ، قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض
خيبر ، وهى أربعون ألف عذق ؛ وروى أبو داود أيضاً عن مالك عن الزهرى عن سعيد بن ٥٨٢٥
المسيب أن رسول اللّه عَّ الي افتتح بعض خبير عنوة؛ وروى أيضاً من طريق محمد بن إسحاق عن ٥٨٢٦
الزهرى، وعبد الله بن أبى بكر، وبعض ولد محمد بن مسلمة ، قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر
تحصنوا، فسألوا رسول اللّه صَ لّمِ أن يحقن دماءهم، ويسيرهم، ففعل: فسمع بذلك أهل فدك،
فنزلوا على مثل ذلك، قال: وروى أبو داود أيضاً من حديث حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر، ٥٨٢٧
قال: أحسبه عن نافع عن ابن عمر أن النبي صَّ الّ قاتل أهل خيبر، فغلب على النخل والأرض، وألجأم
إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول اللّه صَالمِ الصفراء والبيضاء والحلقة، ولهم ماحملت ركابهم
على أن لايكتموا ، ولا يغيبوا شيئاً ، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، ولا عهد، فغيبوا مسكا لحيى بن
أخطب ، وقد كان قتل قبل خيبر ، كان احتمله معه يوم بنى النضير حين أجليت النضير، فيه حليهم،
٤٠٠
نصب الراية
فقال النبي صَ الهِ لسعية بن عمرو أين مسك حيى بن أخطب؟ قال: أذهبته الحروب والنفقات،
فوجدوا المسك، فقتل النبى سَّ ابنى أبى الحقيق، وسبى نساءهم وذراريهم، وأراد أن يحليهم ،
فقالوا : يا محمد دعنا نعمل فى هذه الأرض ، ولنا الشطر مابدا لكم، ولكم الشطر ، وزاد البلاذرى
فيه: قال: فدفع رسول اللّه عدّ له سعية بن عمرو إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: رأيت حياً
يطوف فى هذه الخربة، ففتشوها، فوجدوا المسك، فقتل النبي صَّ اللّهِ ابنى أبى الحقيق، وأحدهما
زوج صفية بنت حيي بن أخطب . وسبى نساءهم وذراريهم ، وقسم أموالهم، للنكث الذى نكثوا ،
فى هذا أنها فتحت صلحاً، وأن الصلح انتقض، فصارت عنوة، ثم خمسها رسول اللّه عَّ الله وقسمها.
وفى رواية بشير بن يسار المرسلة : أنه عليه السلام عزل شطرها ثمانية عشر سهماً لنوائب المسلمين،
فكان منها الوطيح ، والسلالم، والكتيبة التى كان بعضها صلحاً وبعضها عنوة، وقد تكون غلب
عليها حكم الصلح، فلذلك لم يقسم فيما قسم بين الغانمين، والوطيح، والسلالم ، لم يجر لهما ذكر
صريح فى العنوة، فصار هذا القول قوياً ، انتهى كلام أبى الفتح رحمه الله .
٥٨٢٨ قوله: وإن شاء أفر أهلها عليها، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، هكذا فعل
عمررضى الله عنه بسواد العراق بموافقة من الصحابة، ولم يُحْمَد من خالفه؛ قلت: روى ابن سعد
٥٨٢٩ فى "الطبقات - فى ترجمة عثمان بن حنيف" أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبى عروبة
عن قتادة عن أبى مجلز "ح" وأخبرنا مخبر عن ابن أبى ليلى عن الحكم، ومحمد بن المنتشر أن عمر
ابن الخطاب وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد، ورزقه كل يوم ربع شاة وخمسة دراهم ،
وأمره أن يمسح السواد عامره وغامره، ولا يمسح سبخة، ولا تلا ، ولا أجمة، ولا مستنقع
ماء ، ولا ما لا يبلغه الماء ، فمسح عثمان كل شىء دون الجبل - يعنى حلوان - إلى أرض
العرب - وهو أسفل الفرات - وكتب إلى عمر: إنى وجدت كل شىء بلغه الماء من عامر وغامر
ستة وثلاثين ألف ألف جريب، وكان ذراع عمر الذى مسح به السواد ذراعا وقبضة ، فكتب
إليه عمر: أن أفرض الخراج على كل جريب عامر أو غامر، عمله صاحبه، أو لم يعمله، درهما
وقفيزاً، وافرض على الكرم ، وعلى كل جريب عشرة دراهم ، وعلى الرطاب خمسة دراهم ،
وأطعمهم النخل والشجر ، وقال : هذا قوة لهم على عمارة بلادهم ، وفرض على رقابهم، على
الموسر ثمانية وأربعين درهما ، وعلى من دون ذلك أربعة وعشرين درهما ، وعلى من لم يجد
شيئاً اثنى عشر درهما ، وقال : درهم لا يعوز رجلا فى كل شهر ، ورفع عنهم الرق بالخراج
الذى وضعه فى رقابهم ، وجعلهم أكرة فى الأرض ، حمل من خراج سواد الكوفة إلى عمر