Indexed OCR Text
Pages 81-100
الموسوعة الحديثية المجلد الرابع قال: دفع إليّ أبو يحيى الحماني كتاب أبي حنيفة إلى البتي في شأن الإيمان، أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، وطاعته، وكفى بالله حسيباً وجازياً بلغني كتابك وفهمت الذي ذكرت فيه من نصحتك، وحفظك لنا، وقد أظنه أنه إنما دعاك إلى الكتاب إليّ بما كتبت به حرصا على الخير، ونصيحة، وعلى ذلك موقعه عندنا، كتبت تذكر أنه بلغك أني من المرجئة، وإني أقول: مؤمن ضال [وأن ذلك(١) يشق عليك]، ولعمري ما شيء باعد (٢) من الله عزّ لأهله، ولا فيما أحدث الناس وابتدعوا أمر يهتدي به، وما الأمر إلا ما جاء به القرآن، ودعا إليه النبي، وكان عليه أصحابه حتى تفرق الناس، فأما ما سوى ذلك فمبتدع محدث، فافهم كتابي إليك، واعلم أني لولا أني رجوت أن ينفعك الله به لم أتكلف إليك الكتاب، فاحذر على نفسك(٣) وما نتخوف أن يدخل الشيطان عليك - عصمنا الله وإياك بطاعته، ونسأله لنا ولك التوفيق برحمته - كان الناس أهل شرك قبل أن يبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، فبعث الله محمدا يدعوهم إلى الإسلام، فدعاهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنه رسوله، وإلى الإقرار بما جاء من عند الله، فكان الداخل في (١) من الرسالة المطبوعة باسم ((رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي)) باعتناء الإمام الكوثري رحمه الله. (٢) في الأصل: (بأعزّ) والتصويب من المطبوع. (٣) وفي المطبوع: (فاحذر رأيك على نفسك وتخوف أن يدخل الشيطان عليك). - ٨١ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ذلك مؤمناً بريئاً من الشرك، حراما دمه وماله، له حق المسلمين وحرمتهم، وكان التارك لذلك حين دعي إليه كافراً حلالاً دمه، لا يقبل منه إلا الدخول في الإسلام، أو القتل إلا ما ذكر الله تعالى في (١) أهل الكتاب من إعطاء الجزية، ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق فكان الأخذ بها عملاً مع الإيمان، وذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ، وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ وأشباه ذلك في القرآن، فلم يصر المضيع للعمل مضيعا للتصديق، ولا ينتقل عن أهل التصديق اسم الإيمان، وحرمته بتضييعهم العمل، وإن الناس إذا ضيعوا التصديق انتقلوا عن اسم الإيمان، وعن حرمته وحقه، ورجعوا إلى حالهم التي كانوا عليها من الشرك، ومما يعرف به اختلافهما أن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، وقد يختلفون في الأعمال، ويختلف فرائضهم، فدين أهل السماء ودين الرسل واحد، وهم مختلفون في الأعمال، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ واعلم أن الهدي في التصديق بالله ورسله لیس کاهدي فيما افترض (١) في الأصل: (من) والتصويب من المطبوع. - ٨٢ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع من الأعمال، فمن أين يشكل ذلك عليك، وأنت تسميه مؤمنا وهو جاهل لما لم يعلم من الفرائض فهل بد من أن تسميه مؤمنا بتصديقه، كما سماه الله تعالى في كتابه، وتسميه جاهلا لما لم يعلم من الفرائض، وإنما يتعلم ما جهل، فهل يكون الضلال عن معرفة الله ومعرفة رسوله كالضلال عن معرفة ما يتعلمه الناس وهم مؤمنون، وقد قال الله تعالى في تعليمه الفرائض: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾، وقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾، وقال: ﴿ فَعَلْنُهَ إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الضَّالِّينَ﴾، هل يعني إلا وأنا من الجاهلين، والحجج في كتاب الله عز وجل تصدق ذلك، والسنة أبين وأوضح من أن يشكل على مثلك، أليس تقول: مؤمن ظالم، ومؤمن مذنب، ومؤمن جائر، ومؤمن مخطئ، فيكون فيما ظلم وأخطأ وعصى مهتديا مع هداه في الإيمان، وقول بني يعقوب لأبيهم إنك لفي ضلالك القديم، أتظنهم عنوا إنك لفي كفرك القديم، فتفهّم في(١) هذا وأتم بالقرآن. واعلم أن لو كان الأمر كما كتبت به أن الناس كانوا أهل تصديق قبل الفرائض، فلما جاءت الفرائض كان ينبغي لأهل التصديق أن يستحقوه بالعمل حين كلفوه، ولم يصب (٢) ما هم وما دينهم، وما اسمهم (١) في المطبوع: (حاشا لله أن تفهم هذا وأنت بالقرآن عالم). (٢) في المطبوع: (ولم تفسر لي). - ٨٣ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع إذا لم يستحقوا بالأعمال حتى كلفوها مع التصديق، فإن زعمت أنهم مؤمنون ثم ترد عليهم أحكامهم، وحرمتهم كان ذلك صواباً لما كتبت، وإن زعمت أنهم كفار فقد ابتدعت الشيء، وخالفت النبي عليه السلام والقرآن، وقلت بقول من تعنّت من أهل البدع، وإن زعمت أنه ليس بمؤمن ولا كافر، فأعظم بهذا القول بدعة وخلافاً للنبى عليه السلام وقد سُمي عمر وعلي أميري المؤمنين أمير المطيعين في الفرائض كلهم يعنون، وقد سمى على أهل حربه من أهل الشام مؤمنين في كتاب القضيّة وهو يقاتلهم، فكانوا مؤمنين مهتدين وهو يقاتلهم، وقد اقتتل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلم تكن الفئتان عندنا جميعاً مهتديتين، فما اسم الباغية عندك؟، فوالله ما أعلم من ذنوب أهل القبلة ذنباً أعظم من القتل، ثم دماء أصحاب محمد بخاصة فما اسم الفريقين؟ وليسا بمهتدين جميعاً، فإن زعمت أنهما ضالان جميعاً، فقد ابتدعت، وإن زعمت أن إحداهما مهتدية فما الأخرى؟ فإن قلت: الله أعلم أصبت فتفهم في الذي كتبت به إليك، واعلم أني أقول: إن أهل القبلة جميعاً مؤمنون لست أخرجهم من الإيمان بتضييع شيء من الفرائض، فمن أطاع الله في الفرائض كلها مع الإيمان كان من أهل الجنة عندنا، ومن ترك الإيمان والعمل كان كافراً من أهل النار، ومن أصاب الإيمان وضيع شيئاً من الفرائض كان مؤمنا مذنبا، وكانت لله فيه المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن غفر له فذنب يغفر له، وإن عذبه على تضييعه فعلى ذنب يعذبه هذا قولي فيما مضى - ٨٤ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع من اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وما كان بينهم والله أعلم، ولا أظن إلا أن هذا رأيك ورأي أهل السنة في أهل القبلة، لأن هذا أمر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، وأهل الفقه زعم أخوك عطاء بن أبي رباح ونحن نصف له أن هذا أمر أصحاب محمد وأنه فارقهم على هذا، وزعم سالم أن سعيد بن جبير قال: هذا أمر أصحاب محمد، وزعم نافع أن هذا أمر عبد الله بن عمر، وزعم عبد الكريم، عن طاؤس، عن ابن عباس (١) أن هذا أمره، مع ما بلغك عن علي حين كتب كتاب القضية أنه سمى الطائفتين مؤمنين، وزعم ذلك عمر بن عبد العزيز لمن لقيه من إخوانك، ثم قال: ضعوا لي في هذا كتاباً، ثم أنشأ يعلم ولده ويأمرهم بتعليمه، فعلمه جلساءك رحمك الله، فإنه بمكان من المسلمين، وأنه أفضل(٢) ما علّمته وتعلموا كيف تعلموا الناس السنة ينبغي أن تعرف من أهلها الذي ينبغي لهم أن يتعلموها، وأما ما ذكرت من اسم المرجئة فما ذنب قوم أن تكلموا بعدل، فسماهم أهل الشنآن والبدع بهذا الاسم، ولكن هم أهل الحق، وأهل العدل، وأهل السنة، ولعمري ما يهجّن(٣) عدلا لو دعوت الناس فوافقوك عليه أن (١) في الأصل: (عمر) والتصويب من المطبوع. (٢) وفي المطبوع: (واعلم أن أفضل ما علمتم وما تعلمون الناس السنة، وأنت ينبغي لك أن تعرف أهلها الذين ينبغي أن يتعلموها). (٣) هجّن الأمر: قبّحه. - ٨٥ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع تسميهم أهل الشنآن البتة، ولو فعلوا ذلك كان هذا الاسم بدعة، فلم يهجّن ذلك ما أخذت به من العدل، ولا ما وافقوك عليه، واعلم أن لولا كراهية التطويل وأن يكثر التفسير لشرحت لك الأمور، ولكن أجبتك بما كتبت به إلي، فإن أشكل عليك شيء أو أدخل عليك [أهل] البدع شيئاً فأعلمني أجبك فيه إن شاء الله، ثم لا آلوك ونفسي خيراً - والله المستعان - لا تدع الكتاب إلينا بخيرك وخير إخوانك قبلك وحاجة إن بدت لك فإني أحب حفظك وصلتك وأنت أهل ذلك منا ومن عامة إخوانك، رزقنا الله وإياك حياة طيبة ومنقلبا كريما والسلام عليك ورحمة الله. وكتب أبو حنيفة رحمه الله يوم الأربعاء غرة رجب، سنة أربع وأربعين ومائة، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيراً، نفعنا الله وإياك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وقد روى عن سهل بن مزاحم المروزي، عن عبد العزيز بن سليم رسول أبي حنيفة إلى عثمان البتي، والعباس بن سالم الطائي، ويحيى بن نصر بن حاجب القرشي، عن أبي مقاتل السمر قندي، وعن رجل لم يسم هذه الرسالة نذكره في أبوابه بعون الله ومشيئته(١). ١٢٩ - حدثنا محمد بن نصر بن سليمان، ومحمد بن علي بن الحسن، (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (١٦٧٢). - ٨٦ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع قالا: أخبرنا أحمد بن مصعب، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، قال: حدثني عثمان بن مقسم الكندي، قال: شهدت عثمان البتي حيث أتاه كتاب النعمان قرأه علينا(١). ١٣٠ - حدثنا محمد بن نصر بن سليمان الهروي، ومحمد بن علي بن الحسن الترمذي، قالا: حدثنا أحمد بن مصعب، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، قال: أخبرنا عثمان بن مقسم الكندي، قال: شهدت عثمان البتي حيث أتاه كتاب النعمان فقرأه علينا، وقال: إن كان الإرجاء هذا، فأنا مرجئ منذ ستين سنة وأنا لا أعلم (٢). ١٣١ - حدثنا محمد بن نصر بن سليمان بن يزيد الهروي، ومحمد بن علي بن الحسن الترمذي، قالا: حدثنا أحمد بن مصعب، قال: حدثنا عمر ابن إبراهيم، قال: حدثنا العباس بن سالم الطائي اليماني، قال: حضرت أبا حنيفة النعمان بن ثابت حين كتب إلى عثمان البتّي جواب كتابه: أما بعد، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأسأله الصلاة على نبيه وصفيه وخيرته من خلقه محمد صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها، وأوصيك ونفسي بتقوى الله، وكفى به حسيباً وجازياً، جاءني كتابك، وفهمت الذي ذكرت فيه وظننا أنه إنما دعاك الكتاب إليّ حرصاً منك (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (١٦٧٣). (٢) ((كشف الآثار)) للحارثي (١٧٠١). - ٨٧ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع على الخير ونصيحةً كتبت - يرحمك الله - تذكر أني من المرجئة، وأني أقول مؤمن تقي ومؤمن عاص ومؤمن ضال، وإنك أنكرت هذا القول مني، ولعمري ما شيء تباعد من الله عزّ فیه لأهله ولا فيما أحدث الناس وابتدعوا خير، وما الأمر إلا الأمر الأول، وهو مما نزل به القرآن، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ودعا إليه، وكان عليه أصحابه من الألفة والنصيحة والتراحم والجماعة حتى قتل عثمان وتفرق الناس، فنحن على تلك الألفة والنصيحة للأمة والجماعة، فنحن معهم عند اجتماعهم واتفاق كلمتهم، ووقفنا حيث تفرقوا، وترحمنا على أهل الإيمان جميعاً، وتوليناهم وورثناهم وناكحناهم، ورجونا لهم بالإيمان والأعمال الحسنة، وخفنا عليهم بذنوبهم، والأمر على ما كان عليه محمد وأصحابه، فأما ما سوى ذلك فبدعة ومحدث، فافهم - يرحمك الله - كتابي، واعلم أني لو لم أرجو أن ينفعك الله، وينفع الناس بك لموضعك في الإسلام ومكانك منه لم أتكلف الكتاب إليك، فاحذر رأيك على نفسك والخوف(١) أن يدخل الشيطان عليك أو يستميلك الرجال باجتهاد العمل وتبيين الورع إلى الأهواء المضلة، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، وعصمنا وإياك مما يسخط، إن الناس - رحمك الله - كانوا أهل شرك قبل أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فبعثه الله إلى الناس كافة يدعوهم إلى الإيمان به، (١) في الأصل: (ما الخوف). - ٨٨ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع فدعاهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وإلى الإقرار به والتصديق بما جاء من عند الله، فكان الداخل في ذلك مؤمناً حراماً دمه وماله، له حق المسلمين وحرمتهم، وكان التارك لذلك حين دعي إليه كافراً بريئاً من الإيمان، حلالاً دمه وماله لا يقبل منه إلا الدخول في الإيمان أو القتل (١) إلا ما ذكر من أهل الكتاب بإعطائهم(٢) الجزية، ثم نزلت الفرائض على رسول الله بعد التصديق فكان الأخذ بها عملاً مع الإيمان، وذلك قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ﴾ ﴿ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾. في أشباه ذلك من القرآن، فلم يكن المضيع للعمل مضيعاً للتصديق، وقد أصاب التصديق باسم الإيمان، فلو أن الناس تركوا التصديق بالإيمان كفروا، وانتقلوا عن اسم الإيمان وحرمته، ورجعوا إلى حالهم التي كانوا عليها من الشرك، ومما يبيّن لك الاختلاف بين الإيمان والعمل أن الناس لا يختلفون في الإيمان والتصديق، ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل، فتختلف فرائضهم وأعمالهم، فدين أهل السماء ودين أهل الأرض ودين الرسل ودين الأولين والآخرين في الإيمان والتصديق واحد، وهم مختلفون في الشرائع والأعمال، قال الله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى (١) في الأصل: (والإيمان إلى العمل) وهو خطأ. (٢) في الأصل: (بعطائهم). - ٨٩ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيُواْ الدِّينَ وَلَا تَشَفَرَّقُواْ﴾ [الشورى: ١٣] وأقام الدين في الأولين والآخرين والتصديق والإقرار. واعلم أن اهدي في التصدیق بالله ورسوله لیس کالهدي فيما افترض الله من الأعمال فمن أين يشتبه ذلك أو يشكل عليك وأنت تسميه مؤمناً وهو جاهل بما لم يعلم من الفرائض، وهل بدّ من أن تسميه مؤمناً بتصديقه كما سمى الله في كتابه، وأن تسميه جاهلاً بما لم يعلم، وأنه إنما يتعلم بما جهل فهل تكون الضلالة والجهالة عن معرفة الله ومعرفة رسوله، وترك الإقرار، والجهل به كالضلالة عن معرفة ما يعرفه الناس مما افترض الله عليهم وهم مؤمنون، وقد قال الله عز وجل في بعض تعليم ما افترض: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال: ﴿ أَن تَضِلَّ إِحْدَثَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال موسى عليه السلام: ﴿ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَأْ مِنَ الضَّالِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، فهل يعني إلا وأنا من الجاهلين ليس يعني وأنا من المشركين بالضلالة عن معرفة الله والإقرار به، والحجج في كتاب الله تعالى بتصديق ذلك أكثر من أن یشکل على مثلك، والسنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتماع أصحابه قبل الفرقة أبين وأوضح من أن يذهب على مثلك، أو ليس تقول: مؤمن ظالم ومؤمن مذنب، ومؤمن عاصٍ ومؤمن جابر ومؤمن - ٩٠ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع مخطئ، فهل يكون فيما ظلم وعصى أو أخطأ أو أذنب أو جار مهتد بهداية الإيمان أم ضال عن الذي أخطأ فيه أو جهل حتى يبلغ به الشرك، ويسقط عنه اسم الإيمان، وقول بني يعقوب لأبيهم: ﴿ إِنَّكَ لَفِىِ ضَلَلِكَ اُلْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، أتظن أنهم عنوا: أنك لفي كفرك القديم، فتفهم - يرحمك الله - كتابي هذا وائتهم بالقرآن، وائتهم آراء الرجل ممن لم يفقه في القرآن، ولم يعلم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا آثار أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم، إذ الأمر جامعٌ وهم على الألفة والتراحم. واعلم - يرحمك الله - أنه لو كان يكفر أحد من هذه الأمة بذنب صغير وكبير لكان ينبغي لأهل التصديق أن لا يستحقوا التصديق إلا بتمام جميع الأعمال الزاكية، ولا يكون مستحقّاً للإيمان والتصديق حتى لا يذنب ذنباً، ولا يعلم أنه سلم من الذنوب الرسل فمن دونهم، فإن زعمت أنهم مؤمنون فأجريت عليهم أهل التوحيد، ولهم حرمة المسلمين صدقت وكان تركاً لما كتبت به، وإن زعمت أنهم كفار بذنوبهم ابتدعت وخالفت النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقلت بقول أهل البدع، وإن زعمت أنهم ليسوا بمؤمنين ولا كفار فأعظم بهذا القول بدعة، وخلاف النبي عليه السلام وأصحابه، لأنه ليس بين الإيمان والكفر منزلة، فإذا خرج من الكفر دخل في الإيمان، ومن خرج من الإيمان دخل في الكفر، والقرآن ينطق بذلك مع سنة رسول الله عليه السلام، وإجماع أصحابه - ٩١ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع رضوان الله عليهم، فإن ذكرت المنافقين فهم قوم أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك فهم كفار، ولو كان الإيمان العمل لكان المنافقون مؤمنين، لأنهم كانوا يعملون(١) ويظهرون الإيمان والإقرار، ولم يكونوا يصدقون بذلك في قلوبهم، فسماهم الله عز وجل كفاراً، وقال: ﴿إِذَا جَاءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ [المنافقون: ١] لأنهم لم يصدقوا بقلوبهم، ومن أين تسمى عمر وعثمان أميري المؤمنين، أترى أنهما عنيا أميري المطيعين في الفرائض كلها والأعمال، وقد اقتتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تكن الفئتان بمهتديتين جميعاً، فما اسم الباغية عندك منهما، فوالله ما أعلم من ذنوب أهل القبلة شيئاً أعظم من القتل، ولا سيما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما اسم الفئتين وليستا بمهتديتين جميعاً، فإن زعمت أنهما ضالتان جميعاً ابتدعت [وإن زعمت] أنهما مهتديتان جميعاً ابتدعت، وإن قلت: الله أعلم بهما ووقفت عند الفرقة وجعلت إلى الله علم ما غاب أصبت. فتفهم - رحمك الله - كتابي هذا، واعلم أني أقول أهل القبلة مؤمنون بإقرارهم بألسنتهم وتصديقهم بقلوبهم، ولست أخرج أحداً منهم من الإيمان بتضييع شيء من الفرائض من غير جحد ولا إباء، فمن آمن (١) في الأصل: (ويعلمون). - ٩٢ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع وأطاع الله عز وجل في الفرائض كلها كان من أهل الجنة، ومن شك في الإيمان وعمل بالفرائض كان من أهل النار، ومن ضيّع الإيمان والعمل كان من أهل النار، ومن أصاب الإيمان الإقرار والتصديق بالقلب والقول وضيّع شيئاً من الفرائض بلا جحد ولا إباء كان مؤمناً مذنباً، وكانت الله فيه المشيئة، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فإن يعف فهو أهل العفو، وإن يعذب فعلى ذنبه وكسبه، وأما القول فيمن مضى من أصحاب رسول الله وفيما كان بينهم والله أعلم غير أني أتولاهم جميعاً بولاية الإيمان وأترحم عليهم، ولا أتكلف علم ما حجبه الله عني ولم يأمرني بالبحث منه والنظر فيه، ورضي لي بما أنزل في كتابه، فلا يجوز لنا أن نتعدى القرآن، ولا أن نقول بخلافه، قال الله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاوَ لِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآَ إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ولا نكفر أحداً من أهل القبلة، ولا نشك في إيمانهم، وبهذا نزل القرآن، وجرت السنة والفقه، زعم أخوك عطاء بن أبي رباح، ونحن نصف له هذا، فارقهم وعليه ماتوا، وزعم سالم الأفطس عن سعيد بن جبير أن هذا أمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن هذا كان أمرهم و دینهم. وزعم عبد الكريم بن أبي المخارق، عن طاووس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحماد، عن إبراهيم رحمة الله عليهم أن هذا كان أمرهم - ٩٣ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ورأيهم مع ما بلغك عن علي بن أبي طالب، حتى كتب كتاب القضية فسمى الفئتين جميعاً مؤمنين، وبلغني عن عمر بن عبد العزيز أنه لقيه من لقيه من إخوانه حتى استحلف فقال لهم: صفوا لي هذا الأمر، فوصفوه له، فأنشأ يعلمه ولده، وكتب إلى أهل الأمصار، وأمر بتعليمه فعلّمه - رحمك الله - جلساءك وادعهم إليه وحضهم فإنك بمكان من المسلمين، وأنه أفضل ما تعلموا وعلمتهم، فإنك في ذلك أكثر أجراً من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وخص بهذه النصيحة من هو أهلها، وأما قولك في اسم المرجئة فما ذنب قوم دعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه ورجوا لأهل الإيمان وخافوا عليهم ولم يقسموا بخلاف الإيمان فسماهم أهل الشنآن والبدع بهذا الاسم، ونحن برآء من كل اسم خلاف الإسلام والإيمان، وما ذنبك - يرحمك الله - إن لبست ثوباً يواري عورتك وتؤدي فيه الفرائض وتتوقى به الحر والبرد فسميت به ونسبت إليه وسماك سفهاء من أهل الخلاف والعصيان لله فيما نهاهم من الغيبة والألقاب، وإن أشكل عليك - يرحمك الله - شيء مما كتبت به إليك أو أدخل عليك أهل البدع والتاركون لكتاب الله وسنة نبيه فأعلمني أجيبك عن ذلك وأشرحه لك بتفسير أكثر مما كتبت به إليك، فإني كرهت التطويل عليك، ورجوت أن تجتزئ بدون ما كتبت إليك لإحسان الله إليك إذ صرت لدينه متفقداً وعليه محباً ومبغضاً والسلام. فقال عمر بن إبراهيم: وأخبرني عثمان بن مقسم الكندي، قال: - ٩٤ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع شهدت عثمان البّي حيث أتاه كتاب النعمان فقرأه علينا فقال: إن كان هذا الإرجاء فأنا مرجئ منذ ستين سنة ولا أعلم(١). ١٣٢ - حدثنا إبراهيم بن منصور، قال: حدثنا محمد بن بور، قال: حدثني أبو وهب، قال: حدثني سهل بن مزاحم، قال: كتب أبو حنيفة إلى عثمان البتّي: من النعمان بن ثابت إلى عثمان: سلام عليك، فإني أحمد الله ... وذكر الحديث بنحو ما في هذا الكتاب بطوله(٢). ١٣٣ - حدثنا محمد بن عبد الله السعدي، قال: حدثنا الحسن بن عثمان، قال: أخبرنا خازم بن إسحاق، عمن حدثه عن أبي حنيفة، قال: کتب أبو حنيفة إلى عثمان البتي: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، أوصيك بتقوى الله وطاعته، وكفى بالله حسيباً وجازياً، بلغني كتابك وفهمت الذي ذكرت، وذكر الحديث كما مضى في الأول(٣). باب: في الردّ على من ينكر المعنى المعروف للإيمان ١٣٤ - حدثني قيس بن محمد الجوزجاني، قال: حدثنا موسى بن نصر، قال: حدثني أبو إسحاق الخوارزمي قاضي خوارزم، قال: إن جهم (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٢٢١٦). (٢) (كشف الآثار)) للحارثي (٢٨٣٦). (٣) ((كشف الآثار)) للحارثي (٣٠٥٥). - ٩٥ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ابن صفوان قصد أبا حنيفة للكلام، فلما لقيه قال له: يا أبا حنيفة أتيتك لأكلمك في أشياء قد تهيأتها لك، فقال أبو حنيفة: الكلام معك عارٌ، والخوض فيما أنت فيه نار تتلظى، فقال: كيف حكمتَ علي بما حكمت ولم تسمع كلامي ولم تلقني؟ قال: بُلّغتُ عنك أقاويل، لا يقولها أهل الصلاة، قال: أفتحكم عليّ بالغيب، قال: اشتهر ذلك عنك، وظهر عند العامة والخاصة، فجاز لي أن أحقق ذلك عليك، فقال: يا أبا حنيفة لا أسألك عن شيء إلا عن الإيمان، فلا تجيبني [عن شيء إلا] عن الإيمان؟ فقال له: أو لم تعرف الإيمان إلى الساعة حتى تسألني عنه، قال: بلى ولكن شككت في نوع منه، قال: الشك في الإيمان كفرٌ، فقال: لا يحل لك أن لا تبين لي من أي وجه يلحقني الكفر، فقال: سلْ، فقال: أخبرني عن من عرف الله بقلبه، وعرف أنه واحدٌ لا شريك له ولا ندّ، وعرفه بصفاته أنه ليس كمثله شيء، ثم مات قبل أن يتكلم بلسانه أمؤمناً مات أم كافراً، قال: كافراً من أهل النار حتى يتكلم بلسانه مع ما عرفه بقلبه، قال: وكيف لا يكون مؤمناً وقد عرف الله بصفاته، فقال له أبو حنيفة: إن كنت تؤمن بالقرآن وتجعله حجة كلمتك به، وإن كنت لا تؤمن به ولا تجعله حجة كلمتك بما تكلم به من خالف ملة الإسلام، فقال: أؤمن بالقرآن وأجعله حجةً، فقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: وجدنا الله تبارك وتعالى جعل الإيمان في كتابه بجارحتين: بالقلب واللسان، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ - ٩٦ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ ٨٣ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ فَأَثَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ٨٤ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ ( خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المائدة، الآيات: ٨٣ - ٨٥]، فأوجب لهم الجنة بالمعرفة والقول، وجعلهم (١) المؤمنين بالجارحتين بالقلب واللسان، وقال: ﴿ قُولُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآأَنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [البقرة، الآيتان ١٣٦، ١٣٧]، وقال: ﴿ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح، آية: ٢٦]، وقال: ﴿ وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيْبٍ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَا إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج، آية: ٢٤]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ﴾ [فاطر، آية: ١٠]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا))، فلم يجعل لهم الفلاح بالمعرفة دون القول، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه كذا» [ولم(٢) يقل] يخرج من النار من عرف الله وكان في قلبه كذا، ولو كان القول لا يحتاج إليه ويُكتفى بالمعرفة، لكان من رد الله باللسان وأنكر الله بلسانه إذا عرفه بقلبه مؤمناً، ولكان إبليس مؤمناً، لأنه عرف بربّه، فعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومغويه قال: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى﴾ [الحجر، آية: ٣٩]، وقال: ﴿أَنِظِرْنِ إِلَى (١) في الأصل: (فجعلهم) والمثبت من ((المناقب)). (٢) في الأصل طمس، والمثبت من ((المناقب)) للموفق المكي (١٢٥). - ٩٧ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف، آية: ١٤]، وقال: ﴿خَلَقْنَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. [الأعراف، آية: ١٢]، ولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم ربهم وإن أنكروا بلسانهم، قال الله تعالى: ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل، آية ١٤]، فلم يجعلهم مع استيقانهم بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم، وقال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّيُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ} [النحل، آية: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَىُّ﴾ [يونس، الآيتان: ٣٢،٣١]، فلم ينفعهم معرفتهم مع إنكارهم، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمْ﴾ [البقرة، آية: ١٤٦]، يعني النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنفعهم المعرفة مع كتمانهم أمره وجحودهم به، فقال له جهم: قد أوقعت في خلدي شيئاً فسأرجع إليك، فقام من عنده ولم يعُد إليه (١). ١٣٥ - أخبرنا الشهاب أحمد بن محمد الخفاجي الحنفي على نعت ما شرح، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العلقمي، عن أبي الفضل السيوطي، قال: أخبرني أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد القمصي - بضم القاف والميم المشددة - عن أبي الطاهر بن الكويك، عن الحافظ أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، قال: أنا أبو العباس أحمد بن شيبان بن (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٣٧٨٦). - ٩٨ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع تغلب الشيباني، قال: أنا أبو مسلم الموئد بن عبد الرحيم بن الأخوة، قال: أنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي قراءة، قال: أنا أبو بكر أحمد ابن الفضل بن محمد الباطرقاني، قال: أنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة، قال: أنا الحافظ أبو محمد الحارثي، قال: ثنا قيس بن محمد الجوزجاني، قال: ثنا موسى بن نصر، قال: حدثني أبو إسحاق الخوارزمي قاضي خوارزم، قال: إن جهم بن صفوان قصد أبا حنيفة للكلام، فلما لقيه قال له: يا أبا حنيفة! أتيتك لأكلمك في أشياء هيأتها لك، فقال أبو حنيفة: الكلام معك عار، والخوض فيما أنت فيه نار تتلظى، فقال: كيف حكمتَ علي بما حكمت ولم تسمع كلامي ولم تلقني؟ قال: بلغت عنك أقاويل، لا يقولها أهل الصلاة، قال: أفتحكم عليّ بالغيب، قال: اشتهر ذلك عنك، وظهر عند العامة والخاصة، فجاز لي أن أحقق ذلك عليك، فقال: يا أبا حنيفة لا أسألك عن شيء إلا عن الإيمان، فلا تجيبني [إلا] عن الإيمان؟ فقال له: أو لم تعرف الإيمان إلى الساعة حتى تسألني عنه، قال: بلى ولكني شككت في نوع منه، قال: الشك في الإيمان كفرٌ، قال: لا يحل لك أن لا تبين لي من أي وجه يلحقني الكفر، قال: سلْ، فقال: أخبرني عن من عرف الله بقلبه، وعرف أنه واحدٌ لا شريك له ولا ندّ، وعرفه بصفاته وأنه ليس كمثله شيء، ثم مات قبل أن يتكلم بلسانه أمؤمناً مات أم كافراً، قال: كافرٌ من أهل النار حتى يتكلم بلسانه مع ما عرفه بقلبه، قال: وكيف لا يكون مؤمناً وقد عرف الله بصفاته، - ٩٩ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع فقال له أبو حنيفة: إن كنت تؤمن بالقرآن وتجعله حجة كلمتك به، وإن كنت لا تؤمن به ولا تجعله حجة كلمتك بما يكلم به من خالف ملة الإسلام، فقال: أؤمن بالقرآن وأجعله حجةً، فقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: قد جعل الله تبارك وتعالى الإيمان في كتابه بجارحتين: بالقلب واللسان، فقال تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ ﴿ وَمَا لَنَا لَا مِنَ اُلَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ (٣) (٨٤ ) فَأْثُبهم تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٥]، فأوصلهم إلى الجنة بالمعرفة والقول، وجعلهم مؤمنين بالجارحتين بالقلب واللسان، وقال تعالى: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧]، وقال تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيِّبٍ مِنَ﴾ [الحج: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّاِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي اُلْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)) فلم يجعل لهم الفلاح بالمعرفة دون القول، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يخرج (١) من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في (١) في الأصل مكرر. - ١٠٠ -