Indexed OCR Text

Pages 381-400

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
طريق القوم، ووقوفي على عين الشريعة التي يتفرع منها أقوال
جميع المجتهدين ومقلديهم، وقد من الله تعالى علي بمطالعة مسانيد الإمام
أبي حنيفة الثلاثة من نسخة صحيحة عليها خطوط الحفاظ آخرهم الحافظ
الدمياطي، فرأيته لا يروي حديثا إلا عن خيار التابعين العدول الثقات
الذين هم من خير القرون بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم
كالأسود وعلقمة وعطاء وعكرمة ومجاهد ومكحول والحسن البصري
وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين، فكل الرواة الذين بينه وبين
رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول ثقات أعلام أخيار ليس فيهم
كذاب ولا متهم بكذب، وناهيك يا أخي بعدالة من ارتضاهم الإمام
أبو حنيفة رضي الله عنه لأن يأخذ عنهم أحكام دينه مع شدة تورعه وتحرزه
وشفقته على الأمة المحمدية، وقد بلغنا أنه سئل يوما عن الأسود وعطاء
وعلقمة أيهم أفضل؟ فقال: والله ما نحن بأهل أن نذكرهم فكيف نفاضل
بينهم، على أنه ما من راو من رواة المحدثين والمجتهدين كلهم إلا وهو
يقبل الجرح كما يقبل التعديل لو أضيف إليه ما عدا الصحابة، وكذا
التابعون عند بعضهم لعدم العصمة أو الحفظ في بعضهم، ولكن لما كان
العلماء رضي الله عنهم أمناء على الشريعة وقدموا الجرح أو التعديل
عمل به مع قبول كل الرواة لما وصف به الآخر احتمالا، وإنما قدم
جمهورهم التعديل على الجرح وقالوا: الأصل العدالة، والجرح طارئ لئلا
يذهب غالب أحاديث الشريعة كما قالوا أيضا: إن إحسان الظن بجميع
الرواة المستورين أولى، وكما قالوا: إن مجرد الكلام في شخص لا يسقط
- ٣٨١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
مرويه، فلا بد من الفحص عن حاله، وقد خرج الشيخان لخلق كثير ممن
تكلم الناس فيهم إيثارا لإثبات الأدلة الشرعية على نفيها ليحوز الناس
فضل العمل بها، فكان في ذلك فضل كثير للأمة أفضل من تجريحهم، كما
أن في تضعيفهم للأحاديث أيضا رحمة للأمة بتخفيف الأمر بالعمل بها،
وإن لم يقصد الحفاظ ذلك فإنهم لو لم يضعفوا شيئا من الأحاديث
وصححوها كلها لكان العمل بها واجبا، وعجز عن ذلك غالب الناس
فاعلم ذلك، قال الحافظ المزني والحافظ الزيلعي رحمهما الله تعالى: وممن
خرج لهم الشيخان مع كلام الناس فيهم جعفر بن سليمان الضبعي
والحارث بن عبيد وأيمن بن ثابل الحبشي وخالد بن مخلد القسواطيني
وسويد بن سعيد الحدثاني ويونس بن أبي إسحاق السبيعي وأبي أويس،
لكن للشيخين شروط في الرواية عمن تكلم الناس فيه، منها: أنهم لا
يروون عنه إلا ما توبع عليه وظهرت شواهده وعلموا أن له أصلا، فلا
يروون عنه ما انفرد به أو خالفه فيه الثقات، وذلك كحديث أبي أويس
الذي رواه مسلم في ((صحيحه)) مرفوعا يقول الله عز وجل: ((قسمت
الصلاة بيني وبين عبدي نصفین ... )) الحديث، مع أنه لم يتفرد به بل رواه
غيره من الثقات، كذلك منهم الإمام مالك وشعبة وابن عيينة رضي الله
عنهم وصار حديثه متابعة، قال الحافظ الزيلعي والدمياطي: وهذه العلة
قد راجت على كثير من الحفاظ، لا سيما من استدرك على الصحيحين
كأبي عبد الله الحاكم فكثيرا ما يقول: وهذا حديث صحيح على شرط
الشيخين أو أحدهما مع أن فيه هذه العلة، إذ ليس كل حديث احتج
- ٣٨٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
برواية في الصحيح يكون صحيحا إذ لا يلزم من كون راويه محتجا به في
الصحيح أن يكون كل حديث وجدناه له يكون صحيحا على شرط
صاحب ذلك الصحيح لاحتمال فقد شرط من شروط ذلك الحافظ كما
قدمناه، فإن أحدا غير أصحاب ذلك الصحيح لم يلتزم هذه الشروط في
الصحيح عنده، انتهى. فقد بان لك أنه ليس لنا ترك حديث كل من تكلم
الناس فيه بمجرد الكلام فربما يكون قد توبع عليه وظهرت شواهده،
وكان له أصل وإنما لنا ترك ما انفرد به، وخالف فيه الثقات، ولم يظهر له
شواهد ولو أننا فتحنا باب الترك لحديث كل راو تكلم بعض الناس فيه
بمجرد الكلام لذهب معظم أحكام الشريعة كما مر، وإذا أدى الأمر إلى
مثل ذلك فالواجب على جميع أتباع المجتهدين إحسان الظن برواة جميع
أدلة المذاهب المخالفة لمذاهبهم، فإن جميع ما رووه لم يخرج عن مرتبتي
الشريعة اللتين هما التخفيف والتشديد، وقد قال الشيخ تاج الدين
السبكي في ((الطبقات الكبرى)) ما نصه: ينبغي لك أيها المسترشد أن
تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعض
الناس فيهم إلا ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن
بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحا عما ترى بينهم، فإنك يا أخي
لم تخلق لمثل هذا، وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك، قال:
ولا يزال الطالب عندي نبيلا حتى يخوض فيما جرى بين الأئمة فتلحقه
الكآبة وظلمة الوجه، فإياك ثم إياك أن تصغي لما وقع بين أبي حنيفة
وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح
- ٣٨٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
والشعبي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرا إلى زمان
الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح، فإنك إن
فعلت ذلك خفت عليك الهلاك فإن القوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل
ربما لم يفهمها غيرهم، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى
بينهم، كما نسكت عما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، قال:
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: إذا بلغك أن أحدا من
الأئمة شدد النكير على أحد من أقرانه، فإنما ذلك خوفا على أحد أن
يفهم من كلامه خلاف مراده لا سيما علم العقائد، فإن الكلام في ذلك
أشد، وقد اختفى أحمد بن حنبل في دار إسماعيل بن إسحاق السراج،
وكان الحارث المحاسبي ينام عنده هو وأصحابه، فلما صلوا العشاء تذاكروا
في الطريق وبكوا فبكى أحمد معهم، فلما أصبح قال: ما رأيت مثل هؤلاء
القوم ولا سمعت في علوم الحقائق شيئا يشبه كلام هذا الرجل ومع هذا
فلا أرى لك يا إسماعيل صحبتهم خوفا عليك أن تفهم عنهم غير
مرادهم. انتهى كلام ابن السبكي، فعلم أن کل دليل ورد مناقضا لدليل
آخر فليس هو بمناقض حقيقة، وإنما هو محمول على حالين من وجوب
وندب أو تحريم وكراهة أو أحد الحديثين منسوخ لا بد من ذلك، إذ
التناقض في كلام الشارع ممنوع كما مر، ومن قال: إن حديث ((من مس
ذكره فليتوضأ)) يناقض حديث ((هل هو إلا بضعة منك)) فما حقق
النظر لأن حديث النقض بمس الفرج خاص بأكابر المؤمنين، وحديث
((هل هو إلا بضعة منك)) خاص بالعوام كما سيأتي بسطه في
- ٣٨٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
توجيه كلام الأئمة إن شاء الله تعالى، فإن قيل: إذا قلتم بأن أدلة مذهب
الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ليس فيها شيء ضعيف لسلامة الرواة
بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين من
الجرح، فما جوابكم عن قول بعض الحفاظ عن شيء من أدلة الإمام أبي
حنيفة بأنه ضعيف، فالجواب: يجب علينا حمل ذلك جزما على الرواة
النازلين عن الإمام في السند بعد موته رضي الله عنه إذا رووا ذلك
الحديث من طريق غير طريق الإمام، إذ كل حديث وجدناه في مسانيد
الإمام الثلاثة فهو صحيح لأنه لولا صح عنده ما استدل به، ولا يقدح
فيه وجود كذاب أو متهم بكذب مثلا في سنده النازل عن الإمام، وكفانا
صحة لحديث استدلال مجتهد به ثم يجب علينا العمل به ولو لم يروه غيره
فتأمل هذه الدقيقة التي نبهتك عليها فلعلك لا تجدها في كلام أحد من
المحدثين، وإياك أن تبادر إلى تضعيف شيء من أدلة مذهب الإمام أبي
حنيفة إلا بعد أن تطالع مسانيده الثلاثة، ولم تجد ذلك الحديث فيها،
ويحتمل أن يكون مراد القائل في شيء من أدلة مذهب الإمام أنه ضعيف
أدلة مذهب أصحابه الذي ولدوه بعده وفهموه من كلامه لجهل هذا
بحقيقة المذهب، إذ مذهب الإمام حقيقة هو ما قاله ولم يرجع عنه إلى أن
مات لا ما فهم من كلامه کما مر أوائل الفصل، وهذا الجهل يقع فيه کثیر
من طلبة العلم فضلا عن غيرهم فيقولون عن مذهب أصحاب الإمام أنه
مذهب له مع أن ذلك الإمام ليس له في تلك المسألة كلام، وقد عدوا
مثل ذلك من قلة الورع في المنطق وسوء التصريف وقالوا: من بركة العلم
- ٣٨٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وقوة المعرفة به عزو كل قول إلى قائله على التعيين لينظر العلماء فيه
ويكونوا على ثقة في عزوه إليه بخلاف نحو قولهم: قال بعض العلماء كذا
فإنه عزو ناقص، وثم من العلماء من جعل الله تعالى على كلامه القبول،
ومنهم من لم يجعل عليه قبولا فيطعن فيه الناس، وها أنا قد أبنت لك عن
صحة أدلة مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه، وإن جميع ما
استدل به لمذهبه أخذه عن خیار التابعین وأنه لا يتصور في سنده شخص
منهم بكذب أبدا، وإن قيل بضعف شيء من أدلة مذهبه، فذلك الضعف
إنما هو بالنظر للرواة النازلين عن سنده بعد موته وذلك لا يقدح فيما
أخذ به الإمام عند كل من استصحب النظر في الرواة وهو صاعد إلى
النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك نقول في أدلة مذهب أصحابه فلم
يستدل أحد منهم بحديث ضعيف فرد لم يأت إلا من طريق واحدة أبدا
كما تتبعنا ذلك إنما يستدل أحدهم بحديث صحيح أو حسن أو ضعيف
قد كثرت طرقه حتى ارتفع لدرجة الحسن، وذلك أمر لا يختص
بأصحاب الإمام أبي حنيفة بل يشاركهم فيه جميع المذاهب كلها كما مر
إيضاحه فاترك يا أخي التعصب على الإمام أبي حنيفة وأصحابه رضي
الله عنهم أجمعين، وإياك وتقليد الجاهلين بأحواله وما كان عليه من الورع
والزهد والاحتياط في الدين، فتقول: إن أدلته ضعيفة بالتقليد، فتحشر مع
الخاسرين وتتبع أدلته كما تتبعناها تعرف أن مذهبه رضي الله عنه من
أصح المذاهب كبقية مذاهب المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين، وإن شئت
أن يظهر لك صحة مذهبه كالشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب
- ٣٨٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فاسلك طريق أهل الله تعالى على الإخلاص في العلم والعمل حتى تقف
على عين الشريعة التي قدمنا ذكرها في أوائل الكتاب، فهناك ترى جميع
مذاهب العلماء وأتباعهم تتفرع منها، وليس مذهب أولى بها من مذهب،
ولا ترى من أقوال المذاهب قولا واحدا خارجا عن الشريعة فرحم الله
تعالى من لزم الأدب مع الأئمة كلهم وأتباعهم فإن الله تعالى جعلهم
قدوة للعباد في سائر أقطار الأرض، فإنها كلها هدى من الله تعالى ونور
وطريق إلى دخول الجنة، وعن قريب يقدم عليهم في الآخرة من لزم
الأدب معهم وينظر ما يحصل له من الفرح والسرور حين يأخذون بيده
ويشفعون فيه ضد ما يحصل لمن أساء معهم الأدب، والحمد لله رب
العالمين.
فصل: في بيان ضعف قول من قال: إن مذهب الإمام أبي حنيفة أقل
المذاهب احتياطا في الدين
اعلم يا أخي أن هذا قول متعصب على الإمام رضي الله عنه ولیس
عند صاحبه ذوق في العلم، فإني بحمد الله تتبعت مذهبه فوجدته في غاية
الاحتياط والورع لأن الكلام صفة المتكلم، وقد أجمع السلف والخلف
على كثرة ورع الإمام وكثرة احتياطاته في الدين وخوفه من الله تعالى، فلا
ينشأ عنه من الأقوال إلا ما كان على شاكلة حاله على أنه ما من إمام إلا
وقد شدد في شيء وترك التشديد في شيء آخر توسعة للأمة، كما يعرف
ذلك من سير مذاهبهم كلها مثلما سبرناها، فبتقدير وجود قلة الاحتياط
- ٣٨٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
في شيء من مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فلا خصوصية له في
ذلك، فامتحن يا أخي ما قلته لك في جميع أبواب الفقه من باب الطهارة
إلى آخر الأبواب تعرف صدق قولي لا سيما في الأموال والأبضاع، فإنه
إن احتاط إمام للمشتري قل احتياطه للبائع، وإن احتاط إمام لوقوع
الطلاق من الزوج قل احتیاطه لمن يتزوجها بعده، وبالعكس فقد لا يكون
الطلاق وقع بذلك اللفظ الذي قاله الحالف، وقس على ذلك سائر
مسائل الخلاف، ثم إن ما سماه هذا المعترض قلة احتياط من الإمام أبي
حنيفة رضي الله عنه ليس هو بقلة احتياط، وإنما هو تيسير وتسهيل على
الأمة تبعا لما بلغه عن الشارع صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقول:
(يسروا ولا تعسروا)) يعني في كل شيء لم تصرح به شريعتي وإلا فكل
شيء صرحت به الشريعة ليس فيه تضييق ولا مشقة على أحد أبدا،
فرجع الأمر في مثل ذلك إلى مرتبتي الميزان تخفيف وتشديد تبعا لما ورد
عن الشارع سواء، وقد كان طلحة بن مصرف وولده وسفيان الثوري
وغيرهم يكرهون لفظ الاختلاف بين العلماء ويقولون: لا تقولوا
اختلاف العلماء، وقولوا: توسعة العلماء، وقد قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ
وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾، انتهى. فيجب على كل مقلد أن لا يعترض على قول
مجتهد خفف أو شدد، فإنه ما خرج عن قواعد الدين، ولا عن مرتبتي
الميزان السابقة الجامعة لجميع أقوال المجتهدين وأتباعهم، وكذلك يجب
عليه الاعتقاد الجازم بأن ذلك الإمام الذي خفف أو شدد على هدى من
- ٣٨٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ربه في ذلك حتى يمن الله تعالى عليه بالوقوف على عين الشريعة المطهرة
التي يتفرع منها كل قول من أقوال علماء الشريعة، وقد أجمع أهل
الكشف على أن الدائر مع رفع الحرج عن الأمة أولى من الدائر مع الحرج
عليهم، لأن رفع الحرج هو الحال الذي ينتهي أمر الخلائق إليه في الجنة
فيتبوؤن منها حيث شاءوا لا تحجير فيها على أحد عكس الحال في الدنيا،
والحمد لله رب العالمين.
فصل: في بيان ذكر بعض من أطنب في الثناء على الإمام أبي حنيفة
من بين الأئمة على الخصوص وبيان توسعته على الأمة وسعة
علمه وكثرة ورعه وعبادته وعفته وغير ذلك
روى الإمام أبو جعفر الشيزاماري عن شقيق البلخي أنه كان يقول:
كان الإمام أبو حنيفة من أورع الناس، وأعلم الناس، وأعبد الناس،
وأكثرهم احتياطا في الدين، وأبعدهم عن القول بالرأي في دين الله
عز وجل، وكان لا يضع مسألة في العلم حتى يجمع أصحابه عليها
ويعقد عليها مجلسا، فإذا اتفق أصحابه كلهم على موافقتها للشريعة قال
لأبي يوسف أو غيره: ضعها في الباب الفلاني، انتهى. وقد مر ذلك في
الفصول السابقة فانظر يا أخي شدة ورع هذا الإمام وخوفه من الله أن
يزيد في شرعه ما لم تقبله شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وروى أيضا
بسنده إلى إبراهيم بن عكرمة المخزومي رحمه الله تعالى أنه کان یقول: ما
رأيت في عصري كله عالما أورع ولا أزهد ولا أعبد ولا أعلم من الإمام
- ٣٨٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
أبي حنيفة رضي الله عنه. وروى الشيزاماري أيضا عن عبد الله بن
المبارك قال: دخلت الكوفة فسألت علماءها وقلت: من أعلم الناس في
بلادكم هذه؟ فقالوا كلهم: الإمام أبو حنيفة، فقلت لهم: من أورع
الناس؟ فقالوا كلهم: الإمام أبو حنيفة، فقلت لهم: من أزهد الناس؟
فقالوا كلهم: الإمام أبو حنيفة، فقلت لهم: من أعبد الناس وأكثرهم
اشتغالا للعلم؟ فقالوا كلهم: الإمام أبو حنيفة، فما سألتهم عن خلق من
الأخلاق الحسنة إلا وقالوا كلهم: لا نعلم أحداً تخلق بذلك غير الإمام
أبي حنيفة رضي الله عنه. وكان شقيق البلخي يمدح أبا حنيفة ويثني عليه
كثيرا ويقول على رؤوس الأشهاد في الملأ العظيم: من مثل الإمام أبي حنيفة
في الورع! كان إذا اشترى أحد منه ثوبا وخلط ثمنه على الغلة، ثم رده
عليه يعطي صاحب الثوب جميع الغلة التي عنده، ويقول: قد اختلطت
دراهمك بدارهمي فخذها كلها، وسامحتك يا أخي دنيا وأخرى، وهذا
ورع لم يبلغنا وقوعه من غيره رضي الله عنه. وروى أبو جعفر
الشيزاماري أيضا أن الإمام أبا حنيفة وكّل وكيلا في بيع ثياب من خز
وكان فيها ثوب معيب، فقال للوكيل: لا تبع هذا الثوب حتى تبين عيبه
فباعه ونسي أن يبين عيبه وخلط ثمنه على ثمن بقية الثياب، فلما أخبره
الوكيل بذلك تصدق بثمن الثياب كلها على الفقراء والمساكين ومحاويج
أهل الذمة، قال: وروينا عن شقيق البلخي أن الإمام أبا حنيفة رضي الله
عنه كان لا يجلس في ظل جدار غريمه، ويقول: إن لي عنده قرضا وكل
قرض جر نفعا فهو ربا وجلوسي في ظل جداره انتفاع لي بظل جداره.
- ٣٩٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ومن دقيق ورعه رضي الله عنه أن أبا جعفر المنصور الخليفة لما منع الإمام
أن يفتي سألته ابنته في الليل عن الدم الخارج من لحم الأسنان هل ينقض
الوضوء، فقال لها: سلي عمك حمادا عن ذلك بكرة النهار فإن إمامي
منعني الفتيا ولم أكن ممن يخون إمامه بالغيب، انتهى. فانظر يا أخي إلى
شدة مراقبته لله عز وجل، وكان هذا المنع للإمام رضي الله عنه قبل
اجتماعه به ومعرفته بمقام الإمام في العلم. وروى أبو نعيم وغيره عن
الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أنه صلى الصبح بوضوء العشاء أكثر من
خمسين سنة، ولم يكن يضع جنبه إلى الأرض في الليل أبدا، وإنما كان ينام
لحظة بعد صلاة الظهر وهو جالس، ويقول: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((استعينوا على قيام الليل بالقيلولة)) يعني النوم بعد الظهر.
وروى الثقات عنه أنه رضي الله عنه ضرب وحبس لِيَلِي القضاء فصبر
على ذلك ولم يل، وكان سبب إكراهه على القضاء أنه لما مات القاضي
الذي كان في عصره فتش الخليفة في بلاده عن أحد يكون مكان القاضي
الذي مات، فلم يجدوا أحدا يصلح لذلك غير الإمام لكثرة علمه وورعه
وعفته وخوفه من الله تعالى، وقيل: إنه مات في السجن وبلغ الإمام أبا
حنيفة أنهم قالوا للخليفة: قد فتشنا العلماء فما وجدنا أحدا أفقه ولا
أورع من الإمام أبي حنيفة، ويليه سفيان الثوري وصلة بن أشيم وشريك
فقال الإمام أبو حنيفة: أنا أخمن لكم تخمينا أما أنا فأضرب وأحبس ولا
ألي وأما سفيان فيهرب وأما صلة بن أشيم فيتحامق ويتخلص وأما
شريك فيقع فكان الأمر كما قال الإمام فإن سفيان لبس ثياب الفتيان
- ٣٩١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وأخذ بيده عصا وخرج إلى بلاد اليمن فلم يعرفه أحد حين خرج وأما
شريك فتولى وأما صلة فدخل على الخليفة وقال له: كم عندك من الحمير
والبراذين وإيش طبخت اليوم فقال الخليفة: أخرجوه عني هذا مجنون،
قال الشيزاماري: وبلغنا عن الإمام أبي حنيفة وسفيان وصلة أنهم هجروا
شريكا حتى ماتوا، وقالوا: كان يمكنه عمل الحيلة ويتخلص من هذه
الورطة فلم يفعل رضي الله عنهم أجمعين، وأما توسعة الإمام رضي الله
عنه على الأمة فكثيرة لمن تتبع أقواله وسيأتي غالبها في توجيه أقوال
الأئمة إن شاء الله تعالى، فمن ذلك قوله رضي الله عنه بصحة الطهارة
من ماء الحمامات المسخنة بالسرجين وعظام الميتة، فإنه في غاية التوسعة
على الأمة عكس من قال بمنع الطهارة من ذلك الماء، ومنع أكل الخبز
المخبوز بالنجاسة، وإن كان كل من المذهبين يرجع إلى مرتبتي الميزان من
تخفيف وتشديد، ومن ذلك قوله رضي الله عنه بطهارة الفخار الذي خلط
بالنجاسة، وقوله: إن النار تطهر ذلك، فإن ذلك في غاية التوسعة على
الأمة، فلولا هذا القول ما كان يجوز لنا استعمال شيء من الأزيار
والأباريق والشقف والزبادي والقلل والكيزان والطواجن والخوابي
ورماد النجاسة الذي يبنى به، وقد بلغنا أن جميع ما ذكر لا بد من خلطه
بالسرجين ليتم تماسكه، بل رأينا ذلك وشاهدناه من صانع الفخار
والشقف، ولولا تقليد الناس للإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في قوله:
يحل استعمال الفخار المذكور لتكدر عيش الناس وضاعت مصالحهم،
وقد استنبطت لقوله رضي الله عنه في ذلك دليلا، وهو ما ورد من تطهير
- ٣٩٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
عصاة المسلمين بالنار، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة لأن من شأن الجنة أن
لا يدخلها إلا المطهرون من الدنس الظاهر والباطن، فكما كانت النار
مطهرة من الذنوب المعنوية فكذلك تكون مطهرة من الأمور المحسوسة
کالسرجین الذي یعجن به الفخار.
فإن قلت: فما تقولون فيما كان نجسا من أصل خلقته كعظام الخنزير
وبقية أجزائه إذا أحرقت عند من يقول بنجاسته من أصل الخلقة ذاتا
وصفة، فالجواب: مثل ذلك لا ينبغي إضافته إلى الإمام أبي حنيفة لأنه
نظير أجسام الكفار فلا يطهره إحراقه بالنار كما سيأتي بسطه في توجيه
أقوال العلماء إن شاء الله تعالى، فعلم أنه يجب على كل مكلف أن يشكر
الله تعالى على إيجاده مثل الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في الدنيا ليوسع
على الناس تبعا لتيسير الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وجميع ما
سكت الشرع عنه ولم يتعرض فيه لأمر ولا نهي فهو عافية وتوسعة على
الأمة، فليس لأحد أن يحجره عليهم، ثم إن وقع من عالم تحجيره في مثل
ذلك كان على سبيل التنزه والتورع، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم
أهل بيته عن لبس الحرير مع قوله صلى الله عليه وسلم بحله للإناث دون
الرجال، والعلماء أمناء الشارع على شريعته من بعده فلا اعتراض عليهم
فيما بينوه للخلق واستنبطوه من الشريعة، لا سيما الإمام أبو حنيفة رضي
الله عنه، فلا ينبغي لأحد الاعتراض عليه لكونه من أجل الأئمة وأقدمهم
تدوينا للمذهب وأقربهم سندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
- ٣٩٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ومشاهدا لفعل أكابر التابعين من الأئمة رضي الله عنهم أجمعين وكيف
يليق بأمثالنا الاعتراض على إمام عظيم أجمع الناس على جلالته وعلمه
وورعه وزهده وعفته وعبادته وكثرة مراقبته لله عز وجل وخوفه منه
طول عمره، ما هذا والله إلا عمى في البصيرة، لأن جميع ما وسع به علينا
إنما هو من توسعة الشارع ثم بتقدير عدم تصريح الشريعة بذلك فهو من
باب اجتهاده ونور قلبه، وإمام عظيم يوسع علينا باجتهاده مع شدة ورعه
واحتياطه في دينه وشدة احتياجنا إلى ما وسع به علينا كيف يسوغ لمسلم
عاقل أن يفترض عليه مع شدة احتياجه هو إلى ما وسع به الإمام عليه
ليلا ونهارا، فاعلم ذلك وتأمله فإنه نفيس، وإياك أن تخوض مع الخائضين
في أعراض الأئمة بغير علم فتخسر في الدنيا والآخرة، فإن الإمام رضي
الله عنه كان متقيدا بالكتاب والسنة، متبرئا من الرأي كما قدمناه لك في
عدة مواضع من هذا الكتاب، ومن فتش مذهبه رضي الله عنه وجده من
أكثر المذاهب احتياطا في الدين، ومن قال غير ذلك فهو من جملة الجاهلين
المتعصبين المنكرين على أئمة الهدى بفهمه السقيم، وحاشا ذلك الإمام
الأعظم من مثل ذلك حاشاه، بل هو إمام عظيم متبع إلى انقراض
المذاهب كلها كما أخبرني به بعض أهل الكشف الصحيح وأتباعه لن
يزالوا في ازدياد كلما تقارب الزمان، وفي مزيد اعتقاد في أقواله وأقوال
أتباعه، وقد قدمنا قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه: الناس كلهم عيال
في الفقه على أبي حنيفة رضي الله عنه. وقد ضرب بعض أتباعه وحبس
ليقلد غيره من الأئمة، فلم يفعل، وما ذلك والله سدى ولا عبرة بكلام
- ٣٩٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بعض المتعصبين في حق الإمام ولا بقولهم أنه من جملة أهل الرأي، بل
كلام من يطعن في هذا الإمام عند المحققين يشبه الهذيانات، ولو أن هذا
الذي طعن في الإمام كان له قدم في معرفة منازع المجتهدين ودقة
استنباطاتهم لقدم الإمام أبا حنيفة في ذلك على غالب المجتهدين لخفاء
مدرکه رضي الله عنه.
واعلم يا أخي أنني ما بسطت لك الكلام على مناقب الإمام أبي حنيفة
أكثر من غيره إلا رحمة بالمتهورين في دينهم من بعض طلبة المذاهب
المخالفة له، فإنهم ربما وقعوا في تضعيف شيء من أقواله لخفاء مدركه
عليهم بخلاف غيره من الأئمة، فإن وجوه استنباطاتهم من الكتاب والسنة
ظاهرة لغالب طلبة العلم الذين لهم قدم في الفهم ومعرفة المدارك، وإذا
بان لك تبري الأئمة كلهم من الرأي فاعمل بكل ما تجده من كلام الأئمة
بانشراح صدر ولو لم تعرف مدركه، فإنه لا يخرج عن إحدى مرتبتي
الميزان ولا يخلو أن تكون أنت من أهل مرتبة منهما، وإياك والتوقف عن
العمل بكلام أحد من الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم، فإنهم ما وضعوا
قولا من أقوالهم إلا بعد المبالغة في الاحتياط لأنفسهم وللأمة، ولا تفرق
بين أئمة المذاهب بالجهل والتعصب فإن من فرق بين الأئمة فكأنه فرق
بين الرسل كما مر بيانه في الفصول قبله، وإن تفاوت المقام فإن العلماء
ورثة الرسل وعلى مدرجتهم سلكوا في مذاهبهم، وكل من اتسع نظره
وأشرف على عين الشريعة الأولى وعرف منازع أقوال الأئمة ورآهم
- ٣٩٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
كلهم يغترفون أقوالهم من عين الشريعة لم يبق عنده توقف في العمل بقول
إمام منهم كائنا من كان بشرطه السابق في الميزان، وقد تحققنا بذلك ولله
الحمد، فليس عندي توقف في العمل برخصة قال بها إمام إذا حصل
شرطها أبدا، ومن لم يصل إلى هذا المقام من طريق الكشف وجب عليه
اعتقاد ذلك في الأئمة من طريق الإيمان والتسليم ومن فهم ما ذكرناه من
هذا البيان العظيم لم يبق له عذر في التخلف عن اعتقاده أن سائر أئمة
المسلمين على هدى من ربهم أبدا، ويقال لكل من توقف عن ذلك
الاعتقاد: أن هؤلاء الأئمة الذين توقفت عن العمل بكلامهم كانوا أعلم
منك وأورع بيقين في جميع ما دونوه في كتبهم لأتباعهم، وإن ادعيت أنك
أعلم منهم نسبك الناس إلى الجنون أو الكذب جحدا وعنادا، وقد أفتى
علماء سلفك بتلك الأقوال التي تراها أنت ضعيفة، ودانوا الله تعالى بها
حتى ماتوا فلا يقدح في علمهم وورعهم جاهل مثلك بمنازعهم وخفاء
مداركهم، ومعلوم بل مشاهد أن كل عالم لا يضع في مؤلفه عادة إلا ما
تعب في تحريره، ووزنه بميزان الأدلة وقواعد الشريعة، وحرره تحرير
الذهب والجوهر، فإياك أن تنقبض نفسك من العمل بقول من أقوالهم إذا
لم تعرف منزعه، فإنك عامّي بالنسبة إليهم، والعامي ليس من مرتبته
الإنكار على العلماء، لأنه جاهل، بل اعمل يا أخي بجميع أقوال العلماء
ولو مرجوحة أو رخصة بشرطها المعروف بين العلماء، وشاكل بعضك
بعضا، وفتش نفسك فربما رأيتها تقع في الكبائر من غل وحسد وكبر
ومكر واستهزاء بالناس وغيبة فيهم، وأكل حرام فضلا عن الشبهات
- ٣٩٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وغير ذلك من الكبائر فضلا عن الصغائر والمكروهات، ومن يقع في مثل
ذلك فأين دعواه الورع وصدقه فيه حتى يتورع عن العمل بقول مجتهد لا
يعرف دليله، ما هذا والله إلا جهل أو حمية الجاهلية كيف يقع فيما عرف
دليل تحريمه من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ويتورع عما يراه من كلام
أئمة الهدى، فلیتنا يا أخي نراك تتكدر من وقوعك في هذه الكبائر كما
نراك تتكدر من تقليد غير إمامك، أو ممن أمرك بالانتقال من مذهبك إلى
غيره، ويا ليت ذنوبك كلها مثل ذنوب انتقالك من مذهب إلى مذهب، أو
مثل عملك بقول إمام لم تعرف دليله، أو عمل بقول ضعيف فاعتقادك يا
أخي الصحة في كلام أئمة الهدى واجب عليك ما دمت لم ينكشف لك
الحجاب، ولم تقف على عين الشريعة الأولى التي يتفرع منها قول كل عالم
كما تقدم بيانه في فصل الأمثلة المحسوسة، وكل من نظر بعين الإنصاف
وصحة الاعتقاد وجد جميع مذاهب الأئمة كأنها نسجت من الكتاب
والسنة سداها ولحمتها منهما، والحمد لله رب العالمين.
طبقات القراء لابن الجزري
٣٧٤٥- النعمان بن ثابت بن زوطى، الإمام أبو حنيفة الكوفي فقيه
العراق والمعظم في الآفاق مولى بني تيم الله بن ثعلبة، روى القراءة عرضا
عن الأعمش وعاصم وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ورأى أنس بن مالك،
وحدّث عن عطاء والأعرج ونافع مولى ابن عمر وعكرمة، روى القراءة
عنه الحسن بن زیاد، وقد أفرد أبو الفضل الخزاعي قراءته في جزء رويناه
- ٣٩٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
من طريقه وأخرجها الهذلي في ((كامله)) إلا أنه تكلم في الخزاعي بسببها
كما تقدم في ترجمته، وفي النفس من صحتها شيء ولو صح سندها إليه
لكانت من أصح القراءات، توفي في شهر رجب سنة خمسين ومائة عن
سبعين سنة.
طبقات الشيرازي ( طبقات الفقهاء لأبي إسحاق
إبراهيم بن علي الشيرازي)
٨٦/١
ومنهم: أبو حنيفة
النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه، مولى لتيم الله ابن ثعلبة: ولد سنة
ثمانین ومات ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة.
قال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت
رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته. وروى حرملة
عن الشافعي قال: من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك، ومن أراد
الجدل فعليه بأبي حنيفة، ومن أراد التفسير فعليه بمقاتل بن سليمان.
وروى حرملة أيضاً قال: سمعت الشافعي يقول: من أراد أن يتبحر في
الفقه فهو عيال علي أبي حنيفة.
وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان راوية إبراهيم، وقد كان في أيامه
أربعة من الصحابة: أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى الأنصاري
- ٣٩٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وأبو الطفيل عامر بن واثلة وسهل بن سعد الساعدي، وجماعة من
التابعين كالشعبي والنخعي وعلي بن الحسين وغيرهم، وقد مضى تاريخ
وفاتهم، ولم يأخذ أبو حنيفة عن أحد منهم، وقد أخذ عنه خلق كثير
نذكرهم في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى.
الإمام القدوري
قال الإمام القدوري مؤلف المتن المشهور في علم الفقه في شرحه
المختصر الإمام الكرخي في الفقه أيضاً:
وأقدم على ذلك مسألة في تقديم قول أبي حنيفة في الجملة على سائر فقهاء
الأمصار، وهذا أمر يعلم باستقراء المسائل والنظر في دلائلها، ليأخذ المجتهد بما
يصح عنده في كل مسألة منها، وإنما يدل على هذا في الجملة، لأن من ليس
بمجتهد إذا أراد الأخذ بقول فقيه لزمه الرجوع إلى أولى الفقهاء في نفسه.
فالذي يدل على هذا أنه رحمه الله ولد في عصر الصحابة وتفقه في زمن
التابعين، وأفتى معهم، وناظر الشعبي وطاووساً وعطاء، وقد قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: ((خير القرون قرني الذي بعثت فیھم، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، فيشهد الرجل قبل أن
يستشهد)»، فمن تشاء وتعلّم، وأفتى في عصر عدّل أهله رسول الله صلى الله
عليه وسلم أبعد من البدع ممن نشأ في الزمان الذي لم يعدّل رسول الله
- ٣٩٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
صلى الله عليه وسلم أهله، وقد روى أبو حنيفة رحمه الله عن أنس بن
مالك وعبد الله بن جزء الزبيدي وأبي الطفيل وعامر بن واثلة وغيرهم.
ويدل عليه أن الله تعالى [ثمَّنَ] حفظ الشريعة وأمر بتعلّمها والتفقه
فيها، وأول من دون الفقه ووضع فيه كتباً ورتبه أبو حنيفة رحمه الله،
ويستحيل أن يضمن الله تعالى حفظ الشريعة ويكون المبتدئ بتدوينها على
غير الحق، ويدل عليه أنه وضع هذا المذهب شورى، ولم يستبد بوضع
المسائل، وإنما كان يلقيها على أصحابه مسألة مسألة، فيعرف ما عند كل
واحد منهم، ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقيم أحد القولين، فيثبته
أبو يوسف حتى أثبت الأصول كلها .
وكان له أصحاب لم يتفق لفقيه مثله، منهم: أبو يوسف يعقوب بن
إبراهيم الأنصاري، وزفر بن الهذيل التميمي، ومحمد بن الحسن الشيباني،
والحسن بن زياد اللؤلؤي، وداود الطائي، وعافية بن يزيد الأزدي،
ويوسف بن خالد السمتي، والقاسم بن معن المسعودي، وحفص بن
غياث، ووكيع بن الجراح، ومالك بن مغول البجلي، وهؤلاء فهم علماء
بالحديث والسنة والسيرة والعربية والحساب .
فإذا كان المذهب وضع على اتفاق من جماعتهم كان أصح مما يبتدئه
الواحد، ويرجع فيه إلى اجتهاده، ولأنه أول من تكلم في الشروط وصنّفها،
وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأخبر
هو أن الله هو المعلم للشروط وهي علم لا ينفرد، وإنما يتفرع على كل
- ٤٠٠ -