Indexed OCR Text

Pages 361-380

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
يستلزم أنّ غيره أفضل منه ولا أعلم منه على الإطلاق، فقد كان أبو
هريرة رضي الله عنه أحفظ الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن أعلمهم
ولا أفقههم ولا أفضلهم، وقد كان معاذ أفقههم، وزيد أفرضهم، وعليّ
أقضاهم، وأُبيّ أقرأهم، والخلفاء أفضلهم.
وبعد؛ فالمناقب مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن يشاء، وقد أشار
الذّهبي إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله، وإلى أنّه لا قدح
عليه بما ذكر فيه من الاختلاف، فقال في خطبة ((الميزان)): وكذا لا أذكر
من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في
النّفوس، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضرّه ذلك
عند الله ولا عند النّاس، إنّما يضر الإنسان الكذب، والإصرار على كثرة
الخطأ، والتّجرّي على تدليس الباطل، فإنّه خيانة وجناية، فالمرء المسلم
يطبع على كلّ شيء إلا الخيانة والكذب. انتهى كلامه.
فانظر كيف تأدّب أبو عبد الله الذّهبي، وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في
الإسلام، ونصّ على أنّ ذكرهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرهم عند الله ولا
عند النّاس. وهكذا فليكن ذكر العالم لمن هو أعلم منه؛ بأدب وتواضع وتعظيم
وتوقير، جعلنا الله ممن عرف قدر الأئمة وعصمنا من مخالفة إجماع الأمّة.
وبهذه الجملة تمّ كشف عوار هاتين الشّبهتين الضّعيفتين في علم إمام
أكثر أهل الإسلام، الذي أجمع على إمامته العلماء الأعلام. وقد أحببت
- ٣٦١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
التّقرّب إلى الله تعالى، والتّشرّف بخدمة مناقبه العزيزة، والدّبّ عن معارفه
الغزيرة، بذكر هذه الأحرف الحقيرة اليسيرة، ولم أقصد التّعريف بمجهول من
فضائله، ولا الرّفع لمخفوض من مناقبه، فهو من ذلك أرفع مكاناً وأجلٌ شأنا.
والشمس في صادع أنوارها غنيّة عن صفة الواصف
فهرست ابن النديم
٢٥١/١
أبو حنيفة النعمان بن ثابت: اسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن
زوطى وكان خزازا بالكوفة، وزوطى من موالي تيم الله بن ثعلبة، وهو
من أهل كابل، وقيل: مولى لبني قفل، وكان من التابعين، لقي عدة من
الصحابة، وکان من الورعین الزاهدين، وکذلك ابنه حماد، وكان له من
الولد حماد ويكنى أبا إسماعيل، ومات بالكوفة، فمن ولد حماد أبو حيان
إسماعيل وعثمان وعمر، وولي إسماعيل بن حماد قضاء البصرة
للمأمون. قال الشاعر وأحسبه مساور الوراق يمدح أبا حنيفة:
بآبدة من الفتيا طريفةٌ
إذا ما الناس يوما قايسونا
تلاد من طراز أبي حنيفة
أتيناهم بمقياس صحيح
وأثبتها بحبر في صحيفة
إذا سمع الفقيه بها وعاها
وقال بعض أصحاب الحديث وهو عبد الله بن المبارك:
- ٣٦٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
إمام المسلمين أبو حنيفة
لقد زان البلاد ومن عليها
كآيات الزبور على الصحيفة
بآثار وفقه في حديث
ولا بالمغربين ولا بكوفة
فما في المشرقين له نظير
رأيت العايبين له سفاها خلاف الحق مع حجج ضعيفة
وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة، ودفن في مقابر
الخيزران بعسكر المهدي من الجانب الشرقي، وصلى عليه الحسن بن
عمارة روى ذلك ابن أبي خيثمة عن سليمان بن أبي شيخ، وله من
الكتب كتاب الفقه الأكبر، كتاب رسالته إلى البستي، كتاب العالم والمتعلم
رواه عنه مقاتل، كتاب الرد على القدرية، والعلم برّاً وبحرا شرقا وغربا
بعدا وقربا تدوينه رضي الله عنه.
حماد بن أبي سليمان: مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري وكان
قاضيا وعنه أخذ أبو حنيفة الفقه والحديث وتوفي سنة عشرين ومائة.
عقد الجوهر الثمين لإسماعيل بن محمد العجلوني ص٢٠
هو إمام الأئمة، هادي الأمة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي،
ولد سنة ثمانين، وتوفاه الله سنة مائة وخمسين للهجرة، أحد من عدّ في
التابعين، إمام المجتهدين بلا نزاع، أول من فتح باب الاجتهاد بالإجماع، لا
يشك من وقف على فقهه وفروعه في سعة علومه وجلالة قدره، وأنه كان
- ٣٦٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
أعلم الناس بالكتاب والسنة، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة،
ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وتحمله والجد
والتشمير في ذلك؛ ليأخذ الدين من أصول صحيحة، ويتلقى الأحكام
عن صاحبها المبلّغ لها، وقد أجمع الناقلون عنه من أهل الأصول وأهل
الحديث أنه يقدم الحديث الصحيح على القياس المعتبر، نعم لم يكن هو
رضي الله عنه من المكثرين كسائر الأمة وليس من شروط الإمام
والاجتهاد الإكثار في الرواية، لأن الاجتهاد إنما يتوقف على حفظ السنن
وتحملها لا على أدائها وتبليغها، فالصديق رضي الله عنه إمام الصحابة
وأفقههم وأحفظهم لا يشك في مسلم لم يُكثر، وإنما روى أحاديث
معدودة، وإمام المحدثين بالإجماع إمام الأئمة وإمام دار الهجرة مالك رضي
الله عنه لم يصح عنده إلا ما في كتاب الموطأ، فهل يقول قائل فيه شيئا؟
ونحن لا ننكر أن في السنن سنناً لم تبلغ الإمام أبا حنيفة أو بلغته ولم تثبت
عنده صحتها، لكن هذا أمر لا يمس شأن المجتهد، وكان عمر رضي الله
عنه يرى رأيا ثم تبلغه السنة فيرجع، مع أنه ثبت عند أهل العلم بالأثر أن
عمر أفقه الصحابة، ثم الطاعنون فيه كانوا يقرُّون بإمامته وتقدمه من
حيث لا يدرون، كانوا يرمونه بالرأي، وليس الرأي في سلفنا إلا قوة
الاطلاع على معاني النصوص الشرعية، وعلى الحكم المعتبرة من عند
الشارع في شرعة الأحكام، ولن يتم اجتهاد بل ولا علم إلا بالحفظ وفقه
معاني المحفوظ. فهو رضي الله عنه حافظ حجة فقيه، لم يكثروا في الرواية
لما شدد في شروط الرواية والتحمل وشروط القبول.
- ٣٦٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة لمحمد بن علوي العلوي
٧١١٨- النعمان بن ثابت التيمي، أبو حنيفة الكوفي، فقيه أهل العراق،
وإمام أصحاب الرأي، وقيل: إنه من أبناء فارس، رأی أنس بن مالك وروی
عن: حماد بن أبي سليمان، وعطاء، وعاصم بن أبي النجود، والزهري، وقتادة،
وأبي الزبير، ومحمد بن المنكدر، وأبي جعفر الباقر، والشعبي، وخلق.
وعنه: ابنه حماد، ووكيع بن الجراح، وعيسى بن يونس وعبد الرزاق،
وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، وخلق كثير.
قال العجلي: كوفي تيمي، من رهط حمزة الزيات، وكان خزازاً يبيع
الخز. وقال محمد بن سعد العوفي: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو
حنيفة ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما حفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ،
وقال مرة: كان من أهل الصدق، ولم يُتّهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة
على القضاء فأبى أن يكون قاضياً. وقال ضرار بن صُرد: سئل يزيد
ابن هارون: أيما أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ فقال: سفيان أحفظ للحديث
وأبو حنيفة أفقه، وقال ابن المبارك: ما رأيت في الفقه مثله، إذا اجتمع
سفيان وأبو حنيفة فمن يقوم لهما على فتيا، وقال مكي بن إبراهيم: كان
أبو حنيفة أعلم أهل زمانه، وقد جالست الكوفيين فما رأيت أورع منه،
وقال ابن معين: سمعت يحيى القطان يقول: لا نكذب الله، ما سمعت
أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال ابن معين: وكان
- ٣٦٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين، ويختار قوله من
أقوالهم، ويتبع رأيه من بين أصحابه، وقال الربيع: سمعت الشافعي
يقول: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، كان أبو حنيفة ممن وفق له
الفقه. قال الربيع عن الشافعي: سئل أبو حنيفة عن الصائم يأكل ويشرب
ويطأ إلى طلوع الفجر، وكان عنده رجل نبيل، فقال: أرأيت إن طلع
الفجر نصف الليل؟ فقال: الزم الصمت يا أعرج. وقال أبو يوسف: بينا
أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول: هذا أبو حنيفة لا ينام
اللیل، فقال أبو حنيفة: والله لا يُتحدث عني بما لم أفعل، فکان یُحیی الليل
صلاة ودعاء وتضرعاً. قال أبو نعيم وجماعة: ولد سنة ثمانين، ومات سنة
خمسين ومائة، وقال ابن معين: مات سنة إحدى وخمسين. وقال غيره: سنة
ثلاث و خمسين ومائة.
أخبرنا الحافظ الحجة أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن
المزي بقراءتي عليه سنة أربعين وسبعمائة، قال: نا الزاهد أبو إسحاق
إبراهيم بن علي بن الواسطي، أنا أبو علي الحسن بن إسحاق بن
الجواليقي، أنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني، أنا أبو القاسم
علي بن أحمد البندار، أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن البزاز، أنا أبو حامد
محمد بن هارون الحضرمي، ثنا يوسف بن موسى، ثنا وكيع، ثنا أبو حنيفة،
عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((من باع عبداً وله مال، فالمال للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)).
- ٣٦٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
رواه (د) في البيوع و(ن) في العتق، وفي الشروط من حديث عطاء
عن جابر.
الطبقات السنية في تراجم الحنفية لتقي الدين التميمي
١٤/١
تم حفظ مادة هذا الكتاب لطوالتها في ((زوائد المقدمة)) وعدد
صفحاتها ١١٧، ومن أشهر عناوينها هذه العناوين:
٢٤/١
ترجمة الإمام الأعظم رحمه الله تعالى:
فصل
في ذکر مولده ووفاته، وصفته عن مزاحم بن داود بن علیة، أنه کان
یذکر عن أبيه أو غيره، أن أبا حنيفة ولد سنة إحدى وستين، ومات سنة
خمسين ومائة.
فصل
في ذکر خبر ابتداء أبي حنيفة.
فصل
في مناقب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وثناء الأئمة عليه.
- ٣٦٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فصل
في ذكر ما نقل في حق الإمام رضي الله تعالى عنه، كان من كبار
الحفاظ للحديث الشريف، وكان مقبول القول في الجرح والتعديل، وفي
ذکر طائفة ممن روی عن الإمام، وروى الإمام عنه، وأنه كان من كبار
الثقات، وثقات الكبار، رضي الله تعالی عنه.
فصل
في ذکر عبادته، وورعه، و ثناء الناس عليه بذلك.
عن يحيى بن معين، أنه قال: سمعت يحيى القطان يقول: جالسنا والله
أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه
يتقي الله عز وجل.
فصل
في بيان ما روي وصح عن أبي حنيفة من إرادتهم إياه على القضاء
وامتناعه من قبوله، وضربهم إياه بالسياط على ذلك رحمه الله تعالى.
فصل
في ذكر جود أبي حنيفة، وسماحه، وحُسن عهده رضي الله تعالى عنه.
فصل
في ذكر ما كان عليه أبو حنيفة من حُسن الاعتقاد ووفور العقل، والفِطنة،
والذكاء المفرط، والتلطف في الجواب، وبره لوالديه، رضي الله عنه.
- ٣٦٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فصل
في ذكر بعض الأمور التي اعترض بها الحُساد على أبي حنيفة، رضي
الله عنه، وشنعوا بها علیه، وما أجیب به عنه، وذکر بعض ما مدح به من
الشعر، وما نُسب إليه، وما تمثل به منه، وغير ذلك.
فصل
في ذكر بعض ما يؤثر من إجابة الدُعاء عند قبره، وبعض المنامات
التي رآها له الصالحون قبل موته وبعد موته.
كتاب الميزان للإمام عبد الوهاب الشعراني ص٢٢٠
فصول في بعض الأجوبة عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه
الفصل الأول: في شهادة الأئمة له بغزارة العلم وبيان أن جميع أقواله
وأفعاله وعقائده مشيدة بالكتاب والسنة
اعلم يا أخي أني لم أجب عن الإمام في هذه الفصول بالصدر
وإحسان الظن فقط، كما فعل بعضهم وإنما أجبت عنه بعد التتبع
والفحص في كتب الأدلة كما أوضحت ذلك في خطبة كتاب ((المنهج
المبين في بيان أدلة مذاهب المجتهدين)) ومذهبه أول المذاهب تدوينا وآخرها
انقراضا كما قاله بعض أهل الكشف قد اختاره الله تعالى إماما لدينه
وعباده، ولم تزل أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة، لو حبس
أحدهم وضرب على أن يخرج عن طريقه ما أجاب فرضي الله عنه وعن
- ٣٦٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع سائر الأئمة، وكان سيدي علي
الخواص رحمه الله تعالى يقول: لو أنصف المقلدون للإمام مالك والإمام
الشافعي رضي الله عنهما لم يضعف أحد منهم قولا من أقوال الإمام أبي
حنيفة رضي الله عنه بعد أن سمعوا مدح أئمتهم له أو بلغهم ذلك، فقد
تقدم عن الإمام مالك أنه كان يقول: لو ناظرني أبو حنيفة في أن نصف
هذه الأسطوانة ذهب أو فضة لقام بحجته أو كما قال، وتقدم عن الإمام
الشافعي أنه كان يقول: الناس كلهم في الفقه عيال على أبي حنيفة رضي
الله عنه. انتهى. ولو لم يكن من التنويه برفعة مقامه إلا كون الإمام
الشافعي ترك القنوت في الصبح لما صلى عند قبره مع أن الإمام الشافعي
قائل باستحبابه لكان فيه كفاية في لزوم أدب مقلديه معه كما مر، انتهى.
وأما ما قاله الوليد بن مسلم من قوله: قال لي مالك بن أنس رحمه الله
تعالى: أيذكر أبو حنيفة في بلادكم؟ قلت: نعم، فقال: ما ينبغي لبلادكم
أن تسكن، فقال الحافظ المزني رحمه الله: إن الوليد هذا ضعيف. انتهى.
قلت: وبتقدير ثبوت ذلك عن الإمام مالك فهو مؤول، أي: إن كان
الإمام أبو حنيفة في بلادكم يذكر أي على وجه الانقياد والاتباع له فلا
ينبغي لعالم أن يسكنها لاکتفاء بلادكم بعلم أبي حنيفة، واستغناء الناس
بسؤاله في جميع أمور دينهم عن سؤال غيره، فإذا سكن أحد من العلماء
في بلاده صار علمه معطلا عن التعليم فينبغي له الخروج إلى بلاد أخرى
تحتاج إليه ليبث علمه في أهلها، هذا هو اللائق بفهم كلام الإمام مالك
رحمه الله تعالى إن ثبت ذلك عنه لبراءة الأئمة عن الشحناء والبغضاء
- ٣٧٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
لبعضهم بعضا، ومن حمله على ظاهره فعليه الخروج من ذلك بين يدي
الله عز وجل يوم القيامة، فإن مثل الإمام مالك لا يقع في تنقيص إمام من
الأئمة بقرينة ما تقدم عنه من شهادته له بقوة المناظرة وقوة الحجة - والله
أعلم -. وأما ما نقله أبو بكر الآجري عن بعضهم أنه سئل عن مذهب
الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فقال: لا رأي ولا حديث، وسئل عن
الإمام مالك فقال: رأي ضعيف وحديث صحيح، وسئل عن إسحاق بن
راهويه فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف، وسئل عن الإمام الشافعي
فقال: رأي صحیح وحديث صحيح. انتهى. فهو كلام ظاهره التعصب
على الأئمة بإجماع كل منصف إن صح النقل عنه، فإن الحس لا يصدق
هذا القائل فيما قاله في حق الإمام أبي حنيفة، وقد تتبعت بحمد الله أقواله
وأقوال أصحابه لما ألفت كتاب ((أدلة المذاهب)) فلم أجد قولا من أقواله
أو أقوال أتباعه إلا وهو مستند إلى آية أو حديث أو أثر أو إلى مفهوم ذلك
أو حديث ضعيف كثرت طرقه أو إلى قياس صحيح على أصل صحيح،
فمن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتابي المذكور، وبالجملة فقد ثبت
تعظيم الأئمة المجتهدين له كما تقدم عن الإمام مالك والإمام الشافعي،
فلا التفات إلى قول غيرهم في حقه وحق أتباعه، وسمعت سيدي عليّاً
الخواص رحمه الله تعالى يقول مرارا: يتعين على أتباع الأئمة أن يعظموا
كل من مدحه إمامهم، لأن إمام المذهب إذا مدح عالما وجب على جميع
أتباعه أن يمدحوه تقليدا لإمامهم، وأن ينزهوه عن القول في دين الله
بالرأي، وأن يبالغوا في تعظيمه وتبجيله؛ لأن كل مقلد قد أوجب
- ٣٧١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
على نفسه أن يقلد إمامه في كل ما قاله سواء أفهم دليله أم لم يفهمه من
غير أن يطالبه بدليل، وهذا من جملة ذلك، وقد تقدم في فصل الانتقال
من مذهب إلى مذهب أنه يحرم على المقلد أن يفاضل بين الأئمة تفضيلا
يؤدي إلى التنقيص لأحد منهم مع أن جميع المعترضين على بعض أقوال
الإمام رضي الله عنه دونه في العلم بيقين، ولا ينبغي لمن هو مقلد لإمام
أن يعترض على إمام آخر؛ لأن كل واحد تابع أسلوبا إلى أن يصل ذلك
إلى عين الشريعة المطهرة التي يتفرع منها قول كل عالم كما مر إيضاحه،
وكل من ترك التعصب ونظر في أقوال المجتهدين وجدها كالنجوم في
السماء، ووجد المعترض عليهم كالذي ينظر خيال تلك النجوم على وجه
الماء، فلا يعرف حقيقتها ولا مدركها، فالله تعالى يرزق جميع إخواننا من
المقلدين للمذاهب الأدب مع جميع أئمة المذاهب.
ومما وقع لي أن شخصا دخل على ممن ينسب إلى العلم وأنا أكتب في
مناقب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، فنظر فيها وأخرج لي من كمه
كراريس وقال لي: انظر في هذه فنظرت فيها فرأيت فيها الرد على الإمام
أبي حنيفة رضي الله عنه فقلت له: ومثلك يفهم كلام الإمام حتى يرد
عليه؟ فقال: إنما أخذت ذلك من مؤلف للفخر الرازي، فقلت له: إن
الفخر الرازي بالنسبة إلى الإمام أبي حنيفة كطالب العلم أو كآحاد الرعية
مع السلطان الأعظم أو كآحاد النجوم مع الشمس، وكما حرم العلماء
على الرعية الطعن على إمامهم الأعظم إلا بدليل واضح كالشمس،
فكذلك يحرم على المقلدين الاعتراض والطعن على أئمتهم في الدين إلا
- ٣٧٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بنص واضح لا يحتمل التأويل، ثم بتقدير وجود قول من أقوال الإمام
أبي حنيفة لم يعرف المعترض دليله فذلك القول من الاجتهاد بيقين فيجب
العمل به على مقلده حتى يظهر خلافه، وكان بعض العلماء من مشايخ
الجامع الأزهر ينكر على ابن أبي زيد القيرواني فقال يوما: إن بعض
الأطفال يقدر على تأليف مثل رسالته فخرج من الجامع الأزهر فلقيه
جندي، فقال: اقرأ لي هذا الكتاب فلم يعرف أن يقرأه للجندي، فمده
وضربه إلى أن ألهب قلبه وقال له: تكبر عمامتك وتوهم الناس أنك فقيه،
انتهى. فكان الناس يرون أن ذلك ببركة ابن أبي زيد رحمه الله تعالى، وكان
بعض طلبة العلم من الشافعية المترددين ينكر على أصحاب الإمام أبي حنيفة
رضي الله عنه ويقول: لا أقدر أسمع لأصحابه كلاما فنهيته يوما فلم ينته،
ففارقني فوقع من سلم ربع عال فانكسر عظم وركه لم يزل على مقور حتى
مات على أسوأ حال، وأرسل إلي أني أعوده فأبيت أدبا مع أصحاب الإمام
رضي الله عنه من حيث كونه يكرههم فاعلم ذلك واحفظ لسانك مع الأئمة
وأتباعهم فإنهم على هدى مستقيم والحمد لله رب العالمين.
فصل: في بيان ضعف قول من نسب الإمام أبا حنيفة إلى أنه يقدم
القياس على حديث رسول الله
اعلم أن هذا الكلام صدر من متعصب على الإمام متهور في دينه
غير متورع في مقاله غافلا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
- ٣٧٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وعن قوله تعالى: ﴿مَّايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ﴾، وعن
قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ((وهل يكب الناس في النار على
وجوههم إلا حصائد ألسنتهم))، وقد روى الإمام أبو جعفر الشيزاماري
نسبة إلى قرية من قرى بلخ بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله
عنه أنه كان يقول: كذب والله وافترى علينا من يقول عنا إننا نقدم
القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى قياس؟، وكان رضي الله
عنه يقول: نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر أولا
في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة أو أقضية الصحابة فإن لم نجد
دليلا قسنا حينئذ مسكوتا عنه على منطوق به بجامع اتحاد العلة بينهما.
وفي رواية أخرى عن الإمام: إنا نأخذ أولا بالكتاب، ثم بالسنة، ثم
بأقضية الصحابة، ونعمل بما يتفقون عليه، فإن اختلفوا قسنا حكما على
حكم بجامع العلة بين المسألتين حتى يتضح المعنى. وفي رواية أخرى: إنا
نعمل أولا بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم
بأحاديث أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وفي رواية
أخرى أنه كان يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى
الرأس والعين بأبي هو وأمي، وليس لنا مخالفته وما جاءنا عن أصحابه
تخيرنا، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال. وكان أبو مطيع
البلخي يقول: قلت للإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: أرأيت لو رأیت رأیا
ورأى أبو بكر رأيا أكنت تدع رأيك لرأيه؟ قال: نعم، فقلت له: أرأيت لو
رأيت رأيا ورأى عمر رأيا أكنت تدع رأيك لرأيه؟ فقال: نعم وكذلك
- ٣٧٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
كنت أدع رأيي لرأي عثمان وعلي وسائر الصحابة ما عدا أبا هريرة
وأنس بن مالك وسمرة بن جندب. انتهى. قال بعضهم: ولعل ذلك
لنقص معرفتهم وعدم اطلاعهم على المدارك والاجتهاد وذلك لا يقدح
في عدالتهم، وكان أبو مطيع: يقول كنت يوما عند الإمام أبي حنيفة في
جامع الكوفة فدخل عليه سفيان الثوري ومقاتل بن حيان وحماد بن سلمة
وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء فكلموا الإمام أبا حنيفة وقالوا: قد
بلغنا أنك تكثر من القياس في الدين، وإنا نخاف عليك منه فإن أول من
قاس إبليس، فناظرهم الإمام من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال وعرض
عليهم مذهبه، وقال: إني أقدم العمل بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية
الصحابة، مقدما ما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه، وحينئذ أقيس،
فقاموا كلهم وقبلوا يده وركبته، وقالوا له: أنت سيد العلماء فاعف عنا
فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم، فقال: غفر الله لنا ولكم
أجمعين، قال أبو مطيع: ومما كان وقع فيه سفيان أنه قال: قد حل أبو
حنيفة عرى الإسلام عروة عروة، فإياك يا أخي إن أخذت الكلام على
ظاهره أن تنقل مثل ذلك عن سفيان بعد أن سمعت رجوعه عن ذلك،
واعترافه بأن الإمام أبا حنيفة سيد العلماء، وطلبه العفو عنه، وإن أولت
هذا الكلام فلا يحتاج الأمر إلى رجوع، ويكون المراد بأنه حل عرى
الإسلام أي مشكله مسألة بعد مسألة حتى لم يبق في الإسلام شيئا مشكلا
لغزارة فهمه وعلمه، ومما كان كتبه الخليفة أبو جعفر المنصور إلى الإمام
أبي حنيفة: بلغني أنك تقدم القياس على الحديث، فقال: ليس الأمر كما
- ٣٧٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بلغك يا أمير المؤمنين، إنما أعمل أولا بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ثم بأقضية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي
الله عنهم، ثم بأقضية بقية الصحابة، ثم أقيس بعد ذلك إذا اختلفوا
وليس بين الله وبين خلقه قرابة. انتهى. ولعل مراد الإمام بهذا القول إنه
لا مراعاة لأحد في دين الله عز وجل دون أحد بل الحق واجب فعله على
جميع الخلق والله أعلم بمراده. وقد أطال الإمام أبو جعفر الشيزاماري
الكلام في تبرئة الإمام أبي حنيفة من القياس بغير ضرورة ورد على من
نسب الإمام إلى تقديم القياس على النص، وقال: إنما الرواية الصحيحة
عن الإمام تقديم الحديث ثم الآثار ثم يقيس بعد ذلك، فلا يقيس إلا بعد
أن لم يجد ذلك الحكم في الكتاب والسنة وأقضية الصحابة، فهذا هو النقل
الصحيح عن الإمام فاعتمده واحم سمعك وبصرك، قال: ولا خصوصية
للإمام أبي حنيفة في القياس بشرطه المذكور، بل جميع العلماء يقيسون في
مضايق الأحوال إذا لم يجدوا في المسألة نصّاً من كتاب ولا سنة ولا إجماع
ولا أقضية الصحابة، وكذلك لم يزل مقلدوهم يقيسون إلى وقتنا هذا في
كل مسألة لا يجدون فيها نصا من غير نكير فيما بينهم، بل جعلوا القياس
أحد الأدلة الأربعة، فقالوا: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد كان
الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: إذا لم نجد في المسألة دليلا قسناها
على غيرها. انتهى. فمن اعترض على الإمام أبي حنيفة في عمله بالقياس
لزمه الاعتراض على الأئمة كلهم لأنهم كلهم يشاركونه في العمل
بالقياس عند فقدهم النصوص والإجماع، فعلم من جميع ما قررناه أن
- ٣٧٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
الإمام لا يقيس أبدا مع وجود النص كما يزعمه بعض المتعصبين عليه،
وإنما يقيس عند فقد النص، وإن وقع أننا وجدنا للمسألة التي قاس فيها
نصا من كتاب أو سنة فلا يقدح ذلك فيه لعدم استحضاره ذلك حال
القياس، ولو أنه استحضره لما احتاج إلى قياس ثم بتقدير وقوعه رضي
الله عنه في القياس مع وجود حديث فرد، لا يقدح ذلك فيه أيضا، فقد
قال جماعة من العلماء: إن القياس الصحيح على الأصول الصحيحة
أقوى من خبر الآحاد الصحيح فكيف بخبر الآحاد الضعيف، وقد كان
الإمام أبو حنيفة يشترط في الحديث المنقول عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قبل العمل به أن يرويه عن ذلك الصحابي جمع أتقياء عن مثلهم
وهكذا واعتقادنا واعتقاد كل منصف في الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه
بقرينة ما رويناه آنفا عنه من ذم الرأي والتبري منه ومن تقديمه النص
على القياس أنه لو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة وبعد رحيل
الحفاظ في جمعها من البلاد والثغور وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس
كان قاسه، وكان القياس قل في مذهبه كما قل في مذهب غيره بالنسبة
إليه، لكن لما كانت أدلة الشريعة مفرقة في عصر مع التابعين وتابع التابعين
في المدائن والقرى والثغور كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلى غيره من
الأئمة ضرورة لعدم وجود النص في تلك المسائل التي قاس فيها بخلاف
غيره من الأئمة، فإن الحفاظ كانوا قد رحلوا في طلب الأحاديث وجمعها
في عصرهم من المدائن والقرى ودونوها فجاوبت أحاديث الشريعة
بعضها بعضا فهذا كان سبب كثرة القياس في مذهبه وقلته في مذاهب
- ٣٧٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
غيره، ويحتمل أن الذي أضاف إلى الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على
النص ظفر بذلك في كلام مقلديه الذين يلزمون العمل بما وجدوه عن
إمامهم من القياس ويتركون الحديث الذي صح بعد موت الإمام فالإمام
معذور وأتباعه غير معذورين، وقولهم: إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث لا
ينهض حجة لاحتمال أنه لم يظفر به أو ظفر به لكن لم يصح عنده وقد
تقدم قول الأئمة کلهم: إذا صح الحديث فهو مذهبنا، وليس لأحد معه
قياس ولا حجة إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم له، انتهى. وهذا الأمر
الذي ذكرناه يقع فيه كثير من الناس فإذا وجدوا عن أصحاب إمام مسألة
جعلوها مذهبا لذلك الإمام وهو تهور، فإن مذهب الإمام حقيقة هو ما
قاله ولم يرجع عنه إلى أن مات لا ما فهمه أصحابه من كلامه، فقد لا
يرضى الإمام ذلك الأمر الذي فهموه من كلامه ولا يقول به لو عرضوه
عليه فعلم أن من عزى إلى الإمام كل ما فهم من كلامه فهو جاهل بحقيقة
المذهب على أن غالب أقيسة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من القياس
الجلي الذي يعرف به موافقة الفرع للأصل بحيث ينتفى افتراقهما أو
نقضه كقياس غير الفارة من الميتة إذا وقعت في السمن على الفارة في غير
السمن من سائر المائعات والجامدات عليه وكقياس الغائط على البول في
الماء الراكد ونحو ذلك، فعلم مما قررناه أن كل من اعترض على شيء من
أقوال الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه كالفخر الرازي فإنما هو الخفاء
مدارك الإمام عليه، وقد تتبعت أنا بحمد الله تعالى المسائل التي قدم فيها
أصحابه القياس على النص فوجدتها قليلة جدا، وبقية المذهب كله فيه
- ٣٧٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
تقديم النص على القياس، ونقل الشيخ محيي الدين عن بعض المالكية أنه
كان يقول: القياس عندي مقدم على خبر الآحاد، لأنا ما أخذنا بذلك
الحديث إلا بحسن الظن برواته، وقد أمرنا الشارع بضبط جوارحنا وأن لا
نزكي على الله أحدا، وإن وقع أننا زكينا أحدا فلا نقطع بتزكيته، وإنما
نقول: نظنه كذا أو نحسبه كذا بخلاف القياس على الأصول الصحيحة،
انتهى. قال الإمام أبو جعفر الشيزاماري رحمه الله تعالى: وقد تتبعت
المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الإمام أبي حنيفة والإمام مالك رضي
الله عنهما فوجدتها يسيرة جدا نحو عشرين مسألة، انتهى. ولعل ذلك
بحسب أصول المسائل التي نص عليها الإمامان وكذلك القول في خلاف
بعض المذاهب لبعضها بعضا في الأقيسة هي يسيرة جدا، والباقي كله
مستند إلى الكتاب والسنة أو الآثار الصحيحة وقد أخذ بها الأئمة كلهم،
وما انفرد أحدهم عن صاحبه إلا ببعض أحاديث، فكلهم في فلك
الشريعة يسبحون كما مر بيانه في الفصول، فالعاقل من أقبل على العمل
بأقوال جميع الأئمة بانشراح صدر لأنها كلها لا تخرج عن مرتبتي الميزان
تخفيف وتشديد، اللهم إني أبرأ إليك من كل من اعترض على أقوال
الأئمة وأنكر عليهم في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
فصل: في تضعيف قول من قال: إن أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة
ضعيفة غالبا
اعلم يا أخي أني طالعت بحمد الله تعالى أدلة المذاهب الأربعة
- ٣٧٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وغيرها، لا سيما أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، فإني
خصصته بمزيد اعتناء وطالعت عليه كتاب تخريج أحاديث كتاب ((الهداية))
للحافظ الزيلعي وغيره من كتب الشروح، فرأيت أدلته رضي الله عنه
وأدلة أصحابه ما بين صحيح أو حسن أو ضعيف كثرت طرقه حتى لحق
بالحسن، أو الصحيح في صحة الاحتجاج به من ثلاثة طرق أو أكثر إلى
عشرة، وقد احتج جمهور المحدثين بالحديث الضعيف إذا كثرت طرقه
وألحقوه بالصحيح تارة وبالحسن أخرى، وهذا النوع من الضعيف يوجد
كثيرا في كتاب ((السنن الكبرى)) للبيهقي التي ألفها بقصد الاحتجاج
لأقوال الأئمة وأقوال أصحابهم، فإنه إذا لم يجد حديثا صحيحا أو حسنا
يستدل به لقول ذلك الإمام أو قول أحد من مقلدیه یصیر یروي الحديث
الضعيف من كذا كذا طريقا، ويكتفي بذلك ويقول: وهذه الطرق يقوي
بعضها بعضاً فبتقدير وجود ضعف في بعض أدلة أقوال الإمام أبي حنيفة
وأقوال أصحابه، فلا خصوصية له في ذلك، بل الأئمة كلهم يشاركونه في
ذلك، ولا لوم إلا على من يستدل بحديث واه بمرة جاء من طريق واحدة،
وهذا لا يكاد أحد يجده في أدلة أحد من المجتهدين، فما منهم أحد استدل
بضعيف إلا بشرط مجيئه من عدة طرق، وقد قدمنا أني لم أجب عن الإمام
أبي حنيفة وغيره بالصدر وحسن الظن كما يفعل ذلك غيري، وإنما
أجيب عنه بعد التتبع والفحص عن أدلة أقواله وأقوال أصحابه وكتابي
المسمى ((بالمنهج المبين في بيان أدلة مذاهب المجتهدين)» كافل بذلك، فإني
جمعت فيه أدلة جميع المذاهب المستعملة والمندرسة قبل دخولي في محبة
- ٣٨٠ -