Indexed OCR Text
Pages 341-360
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث إلى يومنا هذا ما يقارب أربعمائة وخمسين سنة، وفي هذا أدل دليل على صحة مذهبه وعقيدته، وأن ما قيل عنه هو منزَّه منه، وقد جمع أبو جعفر الطحاوي - وهو من أكبر الآخذين بمذهبه - كتاباً سماه ((عقيدةُ أبي حنيفةً رحمه الله)) وهي عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسبَ إليه وقيل عنه، وأصحابه أخبرُ بحاله وبقوله من غيرهم، فالرجوعُ إلى ما نقلوه عنه أولى مما نقله غیرُهم عنه، وقد ذكر أيضاً سبب قول من قال عنه ما قال والحامل له على ما نسب إليه، ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قالوه، فإن مثل أبي حنيفة ومحلُه في الإسلام لا يحتاجُ إلى دليل يُعْتَذَرُ به مما نُسب إليه. والله أعلم. الجواهر والدرر للسخاوي وسأله بعض الحنفيَّة عن عِدَّة من لقي أبو حنيفة رحمه الله من الصحابة رضي الله عنهم، فقال: أنس فقط، قال السائل: فقلت له: إنَّ علماءنا بلغوا بهم سبعةً أو أربعةَ عشر، فقال: من يقدر ينازعكم وأنتم أصحاب السَّيف والرُّمح والخُوذة؟! والذي أعرفه ما قلتُه لك. جامع بيان العلم لابن عبد البر قال أبو عمر: وأفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة رحمه الله وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر - ٣٤١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث من جهة الإسناد بطل القياس والنظر، وكان رده لما رد من الأحاديث بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده کإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فيأتي منهم من ذلك خلاف كثير للسلف وشنع هي عند مخالفيهم بدع وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سنة رد من أجل ذلك المذهب بسنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا وهو يوجد لغيره قليلا. ٢١٠٥ - وقد ذكر يحيى بن سلام، قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب يحدث عن الليث بن سعد، أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال فيها برأيه قال: ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك، قال أبو عمر: ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله أو بإجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إماما ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله عز وجل من ذلك، ونقموا أيضا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من ینسب إلى الإرجاء کثیر لم یعن أحد بنقل قبیح ما قيل فيه كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضا مع هذا يحسد وينسب إليه - ٣٤٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ما ليس فيه ويختلق عليه ما لا يليق به، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه، ولعلنا إن وجدنا نشطة نجمع من فضائله وفضائل مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي رحمهم الله كتابا، أملنا جمعه قديما في أخبار أئمة الأمصار إن شاء الله تعالى. ٢١٠٦ - وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا عباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: أكان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: كان أنبل من ذلك. ٢١٠٧ - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا يوسف بن يعقوب النجيرمي بالبصرة، ثنا العباس بن الفضل قال: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي سفيان كله رأي، وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار. ٢١٠٨ - حدثنا عبد الوارث، ثنا قاسم، ثنا أحمد بن زهير، ثنا مصعب بن عبد الله، ثنا الدراوردي قال: إذا قال مالك: وعليه أدركت أهل بلدنا والمجتمع علیه عندنا فإنما يريد ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن هرمز. ٢١٠٩ - وذكر محمد بن الحسين الأزدي الحافظ الموصلي في الأخبار التي في آخر كتابه في الضعفاء قال: يحيى بن معين: ما رأيت أحدا أقدِّمه علی وکيع. وکان یفتي برأي أبي حنيفة وکان يحفظ حديثه كله، وكان قد - ٣٤٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث سمع من أبي حنيفة حديثا كثيرا، قال الأزدي: هذا من يحيى بن معين تحامل، ولیس و کیع کیحیی بن سعید وعبد الرحمن بن مهدي، وقد رأی یحیی بن معین هؤلاء وصحبهم، قال: وقیل لیحیی بن معین: يا أبا زكريا، أبو حنيفة كان يصدق في الحديث؟ قال: نعم صدوق، قيل له: والشافعي كان يكذب؟ قال: ما أحب حديثه ولا ذكره، قال: وقيل ليحيى بن معين: أيما أحب إليك أبو حنيفة أو الشافعي أو أبو يوسف القاضي؟ فقال: أما الشافعي فلا أحب حديثه، وأما أبو حنيفة فقد حدث عنه قوم صالحون وأبو يوسف لم يكن من أهل الكذب، كان صدوقا ولكن لست أرى حديثه يجزئ. قال أبو عمر: لم يتابع يحيى بن معين أحد في قوله في الشافعي، وقوله في حديث أبي يوسف وحديث الشافعي أحسن من أحادیث أبي حنيفة. ٢١١٠ - وقال الحسن بن علي الحلواني: قال لي شبابة بن سوار: كان شعبة حسن الرأي في أبي حنيفة، وكان يستنشدني أبيات مساور الوراق: إذا ما الناس يوما قايسونا بآبدة من الفتيا لطيفه وذكر الأبيات. ٢١١٢ - وقال علي بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وهشيم، ووكيع بن الجراح، وعباد بن العوام، وجعفر بن عون، وهو ثقة لا بأس به. - ٣٤٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ٢١١٣ - وقال يحيى بن سعيد: ربما استحسنا الشيء من قول أبي حنيفة فنأخذ به. ٢١١٤ - قال يحيى: وقد سمعت من أبي يوسف الجامع الصغير، ذكره الأزدي، نا محمد بن حرب، سمعت علي بن المديني، فذكره من أوله إلى آخره حرفا بحرف قال أبو عمر رحمه الله: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث، أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس والإرجاء وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قد هلك فيه فتيان، محب مفرط ومبغض مفرط. ٢١١٥ - وقد جاء في الحديث: «أنه يهلك فيه رجلان: محب مطر ومبغض مفتر)) وهذه صفة أهل النباهة ومن بلغ في الدين والفضل الغاية، والله أعلم. ٢١١٦ - وقال أبو عمر: بلغني عن سهل بن عبد الله التستري، أنه قال: ما أحدث أحد في العلم شيئا إلا سئل عنه يوم القيامة فإن وافق السنة سلم وإلا فهو العطب. وقد ذكرنا من الآثار في باب أصول العلم وفي باب صفة العالم ما يغني عن الكلام في هذا الباب، وبالله التوفيق. ٢١١٧ - أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، نا الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي ببغداد، نا أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، ثنا - ٣٤٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الحسن بن الصباح، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، قال: قال مالك بن أنس: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استكمل هذا الأمر، فإنما ينبغي أن يتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة، ولا يتبع الرأي، فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته، فأنت کلما جاء رجل فغلبك اتبعته، أری هذا لا يتم. ٢١١٨ - وحدثنا عبد الله، نا الحسن، نا يعقوب، نا أحمد بن عثمان، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: كنت أجالس أبا حنيفة فربما سمعته يقول في اليوم الواحد في المسألة الواحدة خمسة أقوال، ينتقل من قول إلى قول فقمت عنه وترکته وطلبت الحدیث. ٢١١٩ - حدثنا عبد الله، نا الحسن، نا يعقوب، نا عبد الله بن عثمان قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: كان يعجبني مجالسة سفيان الثوري، وكنت إذا شئت رأيته مصليا، وإذا شئت رأيته في الزهد، وإذا شئت رأيته في الغامض من الفقه، ورب مجلس شهدته ما صلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم قال عبدان: كأنه عرض بمجلس أبي حنيفة. الجوهر النقي ٢٠٣/٨ وإن ضُعف لأجل أبي حنيفة فهو وإن تكلم فيه بعضهم فقد وثقه کثیرون، وأخرج له ابن حبان في ((صحيحه))، واستشهد به الحاكم في - ٣٤٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ((المستدرك))، ومثله في دينه وورعه وعلمه لا يقدح فيه كلام أولئك، وقد ذكر جماعة من السلف: أنه كان محسودا، حكى أبو عمر في كتاب ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء)»: عن حاتم بن داود قال: قلت للفضل بن موسى البناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في حق أبي حنيفة؟ فقال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه من العلم وما لا يعقلونه، ولم يترك لهم شيئا فحسدوه. وذكر أبو عمر في ((التمهيد»: أن أبا حنيفة والثوري رویا هذا الأثر عن عاصم وكذا أخرجه الدار قطني في «سننه» بسند جيد عنهما عن عاصم، وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن الثوري عنه، فقد تابع الثوري أبا حنيفة وإن ضعف لأجل الراوي عن أبي حنيفة فقد رواه عنه الثوري ووكيع ومحمد بن الحسن وغيرهم، وفي (التمهيد)): وروى قتادة عن خلاس عن علي مثله، وهو قول الحسن وعطاء، ومن حجتهم: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء والولدان، وحكى الترمذي وابن عبد البر وغيرهما: أن مذهب الثوري: أن المرأة تحبس ولا تقتل فيبعد أن يكون هذا مذهبه ثم يقول: أما من ثقة فلا. ثم حكى البيهقي عن الشافعي أنه قال لمخالفه: قد روى بعضهم أن أبا بكر قتل نسوة ارتددن عن الإسلام فكيف لم تصر إليه. ثم ذكر البيهقي ذلك، ثم حکی (عن الشافعي أنه قال: فما كان لنا أن نحتج إذ كان ضعيفا عند أهل الحديث) - قلت -: فلذلك لم يصر إليه مخالفة، وأيضا فقد خالف ما هو المشهور في كتب السير أن أبا بكر قتل أهل الردة وسبى نساءهم ولم یقتلهن. - ٣٤٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الروض الباسم لابن الوزير ٣٠٧/١ الوهم الحادي عشر: وهم هذا المعترض أنّه يمكنه التّشكيك في علم أبي حنيفة رضي الله عنه، واعتلّ في ذلك بأنّه قد رمي بالقصور في علميّ العربية والحديث، أمّا العربية؛ فلقوله: بأبا قبیس، وأمّا الحديث؛ فلأنه كان يروي عن المضعّفين وما ذلك إلا لقلّة علمه بالحديث، انتهى كلامه. وكان قد قدّمه قبل هذا الموضع في المسألة الأولى: لكنّي أحببت أن أجمع الدّبّ عن أئمة الإسلام الأربعة في موضع واحد فأقول: لا يخلو إمّا أن ينكر صدور الفتوى عنه رضي الله عنه، وينكر نقل الخلف والسّلف لمذاهبه في الفقه، أو يقرّ بذلك، إن أنكره أنكر الضّرورة، ولم تكن لمناظرته صورة، وإن لم ينكره فهو يدلّ على اجتهاده، ولنا في الاستدلال به على ذلك مسالك: المسلك الأوّل: أنّه ثبت بالتّواتر فضله وعدالته، وتقواه وأمانته، فلو أفتى بغير علم وتأهّل لذلك وليس له بأهل لكان جرحاً في عدالته، وقدحاً في ديانته وأمانته، ووصماً في عقله ومروءته، لأنّ تعاطي الإنسان ما لا يحسنه ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه من عادات السّفهاء ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخسّة والدّناءة، ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوصمة القبيحة، والبدعة الشّنيعة. - ٣٤٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسلك الثّاني: أنّ رواية العلماء لمذاهبه وتدوينها في كتب الهداية وخزائن الإسلام؛ تدلّ على أنّهم قد عرفوا اجتهاده لأنّه لا يحلّ لهم رواية مذهبه إلّا بعد المعرفة بعلمه لأنّ إيهام ذلك من غير معرفة محرّم؛ لما یتركّب عليه من الأحكام الشّرعيّة المجمع عليها؛ كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه، والمختلف فيها، کانخرام إجماع من بعده بخلافه وجواز تقليده بعد موته. المسلك الثالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده، فإن خالف في ذلك مخالف فقد انعقد الإجماع بعد موته، وإنّما قلنا بذلك لأنّ أقواله متداولة بين العلماء الأعلام، سائرة في مملكة الإسلام، في الشّرق والغرب واليمن والشّام، من عصر التّابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم النّاس هذا وهو أوّل المائة التّاسعة بعد الهجرة، لا ينكر على من يرويها ولا على من يعتمد عليها، والمسلمون بين عامل عليها وساكت عن الإنكار على من يعمل عليها، وهذه الطّريقة [هي] التي يثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع. المسلك الرّابع: أنه قد نصّ كثير من الأئمة والعلماء على أنّ أحد الطّرق الدّالّة على اجتهاد العالم هي: انتصابه للفتيا، ورجوع عامّة المسلمين إليه من غير نكير من العلماء والفضلاء، وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم أصول الفقه، وهناك يذكر الدّليل على أنّ ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالم وجواز تقليده. - ٣٤٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وممن ذكر ذلك من أئمة الزّيديّة وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه: ((الصّفوة))، وأبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد))، وهذا في سكوت سائر العلماء عن النّكير على المفتي، فكيف بسكوت ركن الإسلام من عصابة التّابعين ونبلاء سادات المسلمين [الذين] هم من خير القرون بنصّ سيّد المرسلين، فقد كان الإمام أبو حنيفة معاصراً لذلك الطّراز الأوّل كما سيأتي، وقد تطابق الفريقان من أهل السّنّة والاعتزال على التّعظيم لأبي حنيفة والإجلال؛ أمّا أهل السّنّة: فذلك أظهر من الشّمس، وأوضح من أن يدخل فیه اللبس. وليس يصحّ في الأفهام شيء إذا احتاج النّهار إلى دليل وأمّا المعتزلة: فقد تشرّفوا بالانتساب إليه، والتّعويل في التّقليد عليه، كأبي عليّ وولده أبي هاشم من متقدّميهم وأبي الحسين البصري والزّمخشريّ من متأخّريهم، وهم وإن قدّرنا دعواهم الاجتهاد والخروج من التّقليد، فذلك إنّما كان بعد طلبهم العلم وطول المدّة، وهم قبل ذلك وفي خلال ذلك معترفون باتباع أقواله، وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه والمتابعة في المعارف لرسمه، وفي كلام علامتهم الزّمخشريّ: «وتّد الله الأرض بالأعلام المنيفة كما وطّد الحنيفيّة بعلوم أبي حنيفة. الأئمة الجلّة الحنفية، أزمّة الملّة الحنيفيّة، الجود والحلم حاتميّ وأحتفيّ، والدّين والعلم حنيفيّ وحنفيّ. - ٣٥٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقد عقد الحاكم أبو سعد فصلاً في فضل أبي حنيفة، وعلمه ذكره في كتابه ((سفينة العلوم))، وقد أطبق أهل التّاريخ على تعظيمه، وأفرد بعضهم سيرته رضي الله عنه في كتاب سمّاه ((شقائق النّعمان في مناقب النّعمان)): ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً ومن حلية العلم عاطلاً ما تطابقت جبال العلم من الحنفيّة على الاشتغال بمذاهبه، كالقاضي أبي يوسف، ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ، والطّحاويّ، وأبي الحسن الكرخيّ، وأمثالهم وأضعافهم، فعلماء الطّائفة الحنفيّة في الهند والشّام ومصر واليمن والجزيرة والحرمين والعراقين منذ مئة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة، فهم ألوف لا ينحصرون، وعوالم لا يحصون من أهل العلم والفتوى، والورع والتّقوى، فكيف يجترئ هذا المعترض، ويجوّز عليهم أنّهم تطابقوا على الاستناد إلى عامّي جاهل لا يعرف أنّ الباء تجرّ ما بعدها، ولا يدري ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما هذا إلا كلام عامّي أو أعمى، يخبط من الجهل فيه ظلماً. وهبك تقول هذا الصّبح ليل أيعمى العالمون عن الضّياء وأمّا ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللّغة العربيّة فلا شكّ أنّ هذا كلام متحامل متنكّب عن سبيل المحامل، فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللّسان القويمة واللّغة الفصيحة. وليس بنحويّ يلوك لسانه ولكن سيلقيّ يقول فيعرب - ٣٥١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وذلك لأنّه أدرك زمان العرب، واستقامة اللّسان، فعاصر جريراً والفرزدق، ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين، وقد توفّي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، والظّاهر أنّ أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد، بل رآه بعد التّمييز، يدلّ على ذلك أنّ أبا حنيفة كان من المعمّرين، وتأخّرت وفاته إلى سنة خمسين ومائة، وقد جاوز التسعين من العمر، وهذا يقتضي أنّه بلغ الحلم، وأدرك بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدر الثمانين [سنة] لأنّه عليه السلام توفّي بعد مضي عشر من الهجرة، وهذا يدلّ على تقدم أبي حنيفة وإدراكه زمان العرب، وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سنّاً، فهذا مالك على تقدّمه توفّي بعده بنحو ثلاثين سنة، ولا شكّ أنّ تغيّر اللّسان في ذلك الزّمان كان يسيراً، وأنّه لم يشتغل في ذلك الزّمان بعلم اللّغة وفنّ الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التّقليد؛ لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر كما أشار إلى ذلك أبو السّعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه ((النّهاية))، وكما لا يخفى ذلك على من له أنس بعلم التّاريخ، فلو أوجبنا قراءة علم العربيّة في ذلك الزّمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة، ولزم أن لا يصحّ احتجاج علماء العربيّة بأشعار جرير والفرزدق، وهذا ما لم يقل به أحد، وإنّما اختلّ اللّسان الاختلال الكثير في حقّ بعض النّاس بعد ذلك العصر، وقد سلم من تغيّر اللّسان من لم يخالط العجم في الأمصار من خلّص العرب، وأدرك الزّمخشري كثيراً منهم ممن لزم البادية، وأكثر ما أسرع التّغيّر إلى العامّة ومن لا تمييز - ٣٥٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث له، وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب ((شفاء الأوام)): إنّ الإمام يحيى بن الحسين رضي الله عنه كان عربيّ اللّسان حجازيّ اللّغة من غير قراءة، وروى [علاّمة الشّيعة] عليّ بن عبد الله بن أبي الخير: أنه قرأ في العربيّة أربعين يوماً، وهذا وهو توفي على رأس ثلاثمائة من الهجرة. وأمّا سنة ثمانين من الهجرة، فليس أحد من أهل التّمييز يعتقد أنّ أهل العلم في ذلك الزّمان كانوا لا يتمكّنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد قراءة في علم العربيّة، ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك، وعرف شيوخ التّابعين فيه، وليت شعري من كان شيخ علقمة بن قيس، وأبي مسلم الخولاني، ومسروق [بن] الأجدع، وجبير بن نفير، وکعب الأحبار، أو من كان شيوخ من بعدهم من التّابعين؟ كالحسن، وأبي الشّعثاء، وزين العابدين، وإبراهيم التّيميّ، والنّخعيّ، وسعيد بن جبير، وطاووس، وعطاء والشعبي ومجاهد، وأضرابهم، فما خصّ أبا حنيفة بوجوب تعلّم العربيّة، وفي أيّ المصنّفات البسيطة يقرأ في ذلك الزّمان؟. وأمّا قوله: بآبا قبیس فالجواب عنه من وجوه: الأوّل: أنّ هذا يحتاج إلى طرق صحيحة، والمعترض قد شدّد في نسبة الصّحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها، والمحافظة على ضبطها، فكيف بمثل هذا؟ !. الثّاني: أنّه إن ثبت بطرق صحيحة، فإنّه لم يشتهر، ولم يصحّ مثل - ٣٥٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث شهرة صدور الفتيا، ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة، وقد تواتر علمه وفضله وأجمع عليه، وليس يقدح في المعلوم بالمظنون، بل بما لا يستحق أن يسمّى مظنوناً. الثالث: أنَّا لو قدّرنا أنّ ذلك صحّ عنه بطريق معلومة لم يقدح به لأنّه ليس بلحن بل هو لغة صحيحة، حكاها الفراء عن بعض العرب وأنشد: إنّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها الرّابع: سلّمنا أنّ هذا لحن لا وجه له، فإنّه لا يدلّ على عدم المعرفة، فإنّ كثيراً من علماء العربيّة يتكلّم بلسان العامّة ويتعمّد النّطق باللّحن، بل قد يتكلّم العربي بالعجميّة ولا يقدح ذلك في عربيّته، وعلى الجملة؛ فكيف ما دارت المسألة فإنّ ذلك لا يدلّ على قصور الإمام أبي حنيفة، بل يدلّ على غفلة المعترض به وتغفيله وجرأته على وصم هذا الإمام الجلیل وتجهیله. وأمّا قدحه عليه بالرّواية عن المضعّفين، وقوله: إنّ ذلك ليس إلا لقلّة معرفته بالحدیث؛ فهو وهم فاحش، لا يتكلّم به منصف. والجواب على ذلك يتبيّن بذكر محامل: المحمل الأول: أنه قد علم من مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنّه يقبل المجهول، وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدّمناه، ولا شكّ أنّهم إنّما يقبلونه حيث لايعارضه حديث الثّقة المعلوم العدالة؛ لأنّ التّرجيح بزيادة - ٣٥٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الثقة والحفظ عند التّعارض أمر مجمع عليه، ولا شكّ أنّ الغالب على حملة العلم النّبويّ في ذلك الزّمان العدالة، ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهور: ((خيركم القرن الذي أنا فيهم، ثمّ الذين يلونهم ثم الذين یلونهم؛ ثم یفشو الكذب من بعد»، وقد تقدّم الكلام على الحديث، وقد كان عليّ رضي الله عنه يتّهم بعض الرّواة فيستحلفه ثمّ يقبله، وهذا إنّما يكون في حديث من فيه جهالة أو نحوها، ولذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المذي، وقد روى الحافظ ابن كثير في ((جزء جمعه في أحاديث السباق)) عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم یکن في الباب حدیث صحیح يدفعه، وأنّه روى في المسند أحاديث كثيرة من هذا القبيل، وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث، ولا بمقادير الضّعف، وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع، وما فيه خلاف. وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: إنّ أبا داود يخرج الإسناد الضّعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنّه أقوى عنده من رأي الرّجال. انتهى. وفي هذا شهادة واضحة على أنّ رواية الحديث الضعيف لا تستلزم الجهل بالحديث، فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مدافعة، وهذا الحديث الضّعيف الذي ذكروه، ليس حديث الكذّابين، ولا الفسّاق المصرّحين، فذلك عندهم لا يستحق اسم الضّعف، وإنّما يقال فيه: إنّه باطل، أو موضوع، أو ساقط، أو متروك، أو نحو ذلك، وإنّما الضّعيف حديث - ٣٥٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الرّاوي الصّدوق الذي ليس بحافظ، أو المعلول بالاختلاف في رفعه وإسناده، والمضطرب اضطراباً يسيراً، أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التّعليل للحديث به، أو الجرح للرّاوي به، ولا تظهر قوّة في دليل ردّه ولا دليل قبوله، وأكثر التّضعيف إنّما يكون من جهة الحفظ، وعند الأصوليين: أنّه لا يقدح به حتى يكون الخطأ راجحاً على الصّواب أو مساوياً له، وفي المساوي خلاف عندهم، وقد تقدّم ذكر هذه المسألة، وهي مقرّرة في كتب علوم الحديث وكتب الأصول، فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضّعفاء مذهباً واختياراً لا جهلاً واغتراراً. المحمل الثاني: أن يكون ضعف أولئك الرّواة الذين روى عنهم مختلفاً فيه، ويكون مذهبه وجوب قبول حديثهم، وعدم الاعتداد بذلك التّضعيف؛ إمّا لكونه غير مفسر لسبب أو لأجل مذهب أو غير ذلك، وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفّاظ، بل لم يسلم من ذلك صاحبا ((الصّحيح)) كما قدّمنا ذلك، وكذلك أئمة العلم. هذا الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه أكثر من الرّواية عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، ووثقه، وقد خالفه الأكثرون في ذلك. وقال ابن عبد البرّ في ((تمهيده)): أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى إلا الشّافعيّ. قلت: أمّا الإجماع على تجريحه فليس بمسلّم، فقد وافق الشّافعيّ على توثيقه أربعة من كبار الحفّاظ وهم: ابن جريج، وحمدان بن محمد - ٣٥٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الأصبهاني وابن عدي وابن عقدة، وقال الذّهبيّ في ((التّذكرة)): لم يكن ابن أبي يحيى في وزن من يضع الحديث. انتهى. ولكن تضعيفه قول الجماهير. وهو المصحّح عند أئمة الحديث من الشّافعيّة كالنّووي والذّهبي وابن كثير وابن النّحويّ وغيرهم. وكذلك روى الشّافعي عن أبي خالد الزّنجي المكّيّ، وهو مختلف في توثيقه، وكذلك الإمام أحمد يروي عن جماعة مختلف فيهم كما تقدّم، وكذلك القاسم بن إبراهيم ويحيى بن الحسين الهادي رضي الله عنهم قد رويا عن ابن أبي أويس، وهو مختلف فيه، وقد ذكر أهل علم الرّجال ذلك الاختلاف، وبيّنوا في علوم الحديث ما يقبل من الجرح والتّعديل، ومراتبهما، وكيفيّة العمل عند تعارضهما. المحمل الثالث: أن يكون إنّما روى عن أولئك الضّعفاء على سبيل المتابعة والاستشهاد، وقد اعتمد على غير حديثهم من عموم آية أو حدیث أو قیاس أو استدلال. مثلما صنع مالك في الرّواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصريّ، قال ابن عبد البرّ في ((تمهيده)): كان مجمعاً على تجريحه، ولم يرو عنه مالك إلا حديثاً واحداً معروفاً من غير طريقه وهو حديث: وضع اليمين على الشّمال في الصلاة، وقد رواه مالك في ((الموطأ)) من طريق صحيحة من رواية أبي حازم التابعي الجليل عن سهل بن [سعد] الصحابي رضي الله عنه. - ٣٥٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وكذلك القاسم بن إبراهيم، وحفيده يحيى بن الحسين من أئمة الزّيديّة قد أكثر من رواية أحاديث الأحكام، والاحتجاج عليها من حديث ابن أبي ضميرة وأهل الرّواية متفقون على تجريحه والقدح في روايته. وكذلك قد روى شعبة على جلالته وتشدّده عن أبان بن أبي عيّاش مع قول شعبة فيه: لأن أشرب من بول حمار حتّى أروى أحبّ إليّ من أن أقول: حدّثنا أبان بن أبي عيّاش. رواه شعيب بن جرير عنه، وروى ابن إدريس وغيره عن شعبه أنّه قال: لأن يزني الرّجل خير من أن یروي عن إبان. فإن قلت: فكيف روى عنه مع اعتقاده تحريمها؟. قلت: إنّما أراد تحريم ذلك على من لا يعرف الحديث الباطل من غيره، وتحريم رواية العارف عن المتروكين في حضرة من لا يعرف واجب، فإن الثوري نهى عن الرواية عن بعض المتروكين، فقيل له: ألست تروي عنه؟ فقال إنّ أروي ما أعرف. وهذا من لطيف علم الحديث. وقد قدّمنا عن مسلم أنه ربما أخرج الإسناد الضعيف لعلوّه واقتصر عليه، وترك إيراد الإسناد الصّحيح لنزوله، ومعرفة أهل الشّأن له، روى ذلك النووي عن مسلم تنصيصاً كما تقدم، وفيه دلالة على أن رواية العالم لحديث الرجل الضعيف لا تدلّ علی جهله بضعفه. - ٣٥٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وكذلك البخاري قد ضعف هو بعض من روى عنه في ((الصحيح))، ذكر ذلك الذهبي في ((الميزان)) وهذا يدلّ على أنّه لم يعتمد على ذلك الرّاوي الذي ضعّفه، لولا شواهد لحديثه ومتابعات. وهذا من لطيف علم الحديث، ولذا قال الإمام النووي: ((إن من صحّح حديثاً على شرط مسلم لكون راويه من رواة صحيح مسلم؛ فقد وهم في ذلك)). المحمل الرابع: أن تكون رواية الإمام أبي حنيفة من قبيل تدوين ما بلغه من الحديث صحيحه وضعيفه، كما هو عادة كثير من مصنّفي الحفّاظ أهل السّنن والمسانيد، وغرضهم بذلك حفظ الحديث للأمّة لينظر في توابعه وشواهده، فإن صحّ منه شيء عمل به وإن بطل شيء حذّر من العمل به، وإن احتمل شيء الخلاف كان للنّاظر من العلماء أن يعمل فيه باجتهاده. وفي الرّواية المشهورة عن البخاريّ أنّه كان حفظ ثلاث مئة ألف حديث، منها: مئتا ألف غير صحاح. وقال إسحاق بن راهويه: أحفظ مكان مئة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث صحيحة عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة. فقيل له في ذلك؟ فقال: لأجل إذا مرّ بي منها حديث في الأحاديث الصّحيحة فليته فلياً. - ٣٥٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المحمل الخامس: أن يكون كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ضعيفة من قبيل ما روى عنه، لا من جهته، ولا من جهة شيوخه ومن فوقهم، كما في كثير من الأحاديث المنسوبة إلى جعفر الصّادق، و کثیر من الثقات. فقد روى الذهبي في ((الميزان)) عن الحافظ ابن حبان: أنّ أَبّاء بن جعفر وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث، ما حدّث بها أبو حنيفة قطّ، رواه الذهبي في ترجمة آباء بن جعفر. إذا عرفت هذا؛ فاعلم أنّ الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه طلب العلم بعد أن أسنّ. وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كبر وأسنّ [تناقص] حفظه، فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب، وكذلك غيره من الأئمة، فقد كان الإمام أحمد بن حنبل أوسع الأئمة الأربعة معرفة بالحديث وحفظاً له، ولم يكن ذلك عيباً فيهم ولا قدحاً في اجتهادهم، وقد كان حديث ابن المسيّب ومحمّد بن سيرين وإبرهيم النّخعي أصحّ وأقوى من حديث عطاء والحسن البصريّ وأبي قلابة، وأبي العالية. وكان ابن المسيّب أصح الجماعة حديثاً من غير قدح في علم من هو دونه. ولهذا السبب تكلّم بعض الحفّاظ في حديث الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه؛ فظنّ بعض الجهال أنّ ذلك يقتضي القدح في اجتهاده وإمامته، وليس كذلك، فغاية ما في الباب أنّ غيره أحفظ منه، وذلك لا - ٣٦٠ -