Indexed OCR Text

Pages 321-340

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
خذ هذا عوض ما لك عليه، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة
فمرض ستة أيام ثم مات.
وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقيين أراده للقضاء
بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه، وضربه مائة
سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط. وهو على الامتناع، فلما
رأى ذلك خلى سبيله، وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى
وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب الإمام أحمد على ترك
القول بخلق القرآن، يعني البكاء والترحم.
وذكر الخطيب في ((تاريخه)) أيضاً أن أبا حنيفة رضي الله عنه رأى في
المنام أنه ينبش قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبعث من سأل
محمد بن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه
إليه أحد.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟
قال: نعم رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وروى حرملة بن يحيى عن الشافعي، قال: الناس عيال على هؤلاء
الخمسة من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد
أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، ومن أراد أن
يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في الشعر
- ٣٢١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو
عيال على بن محمد بن إسحاق. وفيها توفي وقيل في التي قبلها، وقال في
التي بعدها أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح القرشي مولاهم
المكي، كان أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في
الإسلام، قال رحمه الله: كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت
الحج، فلم يخطر لي نية، فخطر ببالي قول عمرو بن ربيعة:
بالله قولي له من غير معتبة ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت ذنباً أو نعمت بها فما أخذت بترك الحج من ثمن
قال: فدخلت على معن فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فقال
لي: ما يدعوك إليه ولم تكن تذكره؟، فقلت: وذكرت بيتين لعمرو بن
أبي ربيعة، وأنشدته إياهما فجهزني وانطلقت.
الجواهر المضيئة للقرشي
الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن كاوس بن هُرْمز بن
مرزبان بن بهرام بن مهركز بن ماحين بن حسينك بن أذر بن بود بن
سروس بن نردمان بن بهرام بن مهركز بن أردرباد بن أزرحود بن
بردفیروز بن سیدوس بن رفتار بن ایتکرز بن کودبو بن کردبو بن سرواد
ابن وادين بن سيدوس بن ثزد بن تحت بود بن شادان بن هرمزدیار بن
خاتسا بن دينار بن كيار بن ددين بن سيدوس بن کودود بن ساسان
الملك بن بابك الملك بن حاز الملك بن مهراس الملك بن ساسان الملك بن
- ٣٢٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بهمن بن اسفندیار الملك بن کستاسب الملك بن نهراس الملك بن کتمش
الملك بن كي ياسين الملك بن كيابود الملك بن كيقباد الملك بن داد
الملك بن ترجمان الملك بن برمان سود الملك بن منوجهر الكيان الملك
وهو الفارس اليهود ابن يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم ابن إسحاق بن
إبراهيم ابن آزر وهو تارخ بن نافور بن سروع بن راغو بن فالخ بن عابر
وهو هود النبي صلى الله عليه وسلم بن شالخ بن أرقشحد بن سام بن
نوح النبي صلى الله عليه وسلم بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن
مارد بن مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم
وعلى سائر الأنبياء أجمعين. هكذا رأيت هذا النسب من أوله إلى آخره
بخط الحافظ أبي إسحاق إبراهيم الصريفيني رحمه الله تعالى، وقد تقدم
ضبط بعض هذه الأسماء في نسب سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه
وآله وصحبه وسلم.
فصل في ذكر مولده ووفاته رحمه الله تعالى
الصحيح أنه ولد سنة ثمانين، وقيل إحدى وستين، وقيل ثلاث
وستين، وأجمعوا على أنه مات سنة خمسين ومائة، واختلفوا في أي الشهور
منها فقال يعقوب بن شيبة: سمعت إبراهيم بن هاشم يحكي عن محمد بن
عمر الواقدي قال: مات أبو حنيفة وهو ابن سبعين سنة، وقال: في شعبان
سنة خمسين ومائة، وروي عن أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال:
وفي سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه النعمان بن
- ٣٢٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ثابت في رجب وهو ابن سبعين سنة، وقال يعقوب بن شيبة بن الصلت:
لم أرهم يختلفون أو قال: يشكون أن وفاة أبي حنيفة كانت في رجب
ببغداد وقالوا في شعبان سنة خمسين ومائة، وروي عن بشر بن الوليد قال:
سمعت أبا يوسف يقول: مات أبو حنيفة في النصف من شوال سنة
خمسين ومائة، ادعى بعضهم أنه سمع ثمانية من الصحابة رضي الله
عنهم، وقد جمعهم غير واحد في جزء، وروينا هذا الجزء عن بعض
شيوخنا وقد جمعت أنا جزأ في بيان استحالة ذلك من بعضهم وهذا طريق
الإنصاف، وذكرت في هذا الجزء من سمعه من الصحابة ومن رآه، والذي
سمعه منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين عبد الله بن أنيس وعبد الله بن
جزء الزبيدي وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله ومعقل بن يسار
وواثلة بن الأسقع وعائشة بنت عجرد.
وذكرت عن الخطيب أنه رأى أنس بن مالك ورددت قول من قال:
أنه ما رآه، وبينت ذلك بيانا شافيا والحمد لله، وسمع خلقا من التابعين
كعطاء بن أبي رباح ونافع مولى ابن عمر وغيرهما، وروى عنه الجم
الغفير وقد تقدم في أول خطبة كتابي ((الجواهر)) هذا أنه روى عنه نحو
أربعة آلاف نفس.
فصل
قال مسعر بن كدام فيما روينا عنه بالأسانيد: من جعل أبا حنيفة بينه
وبين الله إماما رجوت أن لا يخاف، وأن لا يكون فرط في الاحتياط
- ٣٢٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
لنفسه. وروى الطحاوي بسنده عن عبد الله بن داود الخربي وسأله رجل
فقال: ما عيب الناس فيه على أبي حنيفة؟ فقال: والله ما أعلمهم عابوا
عليه في شيء إلا أنه قال فأصاب وقالوا إذا خطؤوا. وقال يحيى بن آدم:
سمعت الحسن بن صالح يقول: كان النعمان بن ثابت فيما نعلم متثبتا
فيه إذا صح عنده الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد إلى غيره.
وقال أبو يوسف القاضي: ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة.
وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: ما
طلب أحد الفقه إلا كان عيالا على أبي حنيفة. وقال الإمام مالك رضي
الله عنه وقد سئل عنه: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها
ذهبا لقام بحجة. وكان الإمام أحمد بن حنبل كثيرا ما يذكره ويترحم عليه
ويبكي في زمن محنته ويتسلى بضرب أبي حنيفة على القضاء. وقال ابن
عبد البر في كتاب ((الانتقاء)) في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء أبي حنيفة
ومالك والشافعي رضي الله عنهم: سئل يحيى بن معين وعبد الله بن أحمد
الدورقي يسمع من أبي حنيفة فقال يحيى بن معين: هو ثقة ما سمعت
أحدا ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث بأمره وشعبة
شعبة، قال: وكذا علي بن المديني أثنى عليه. وقال ابن عبد البر أيضا في
کتاب «بیان جامع العلم)): وقیل لیحیی ابن معين: يا أبا زكريا أبو حنيفة
كان يصدق في الحديث؟ قال: نعم صدوق، قال: وقال سواء: كان شعبة
حسن الرأي في أبي حنيفة. قلت: وشعبة أول من تكلم في الرجال، وقال
يزيد بن هارون: أدركت ألف رجل وكتبت عن أكثرهم ما رأيت فيهم
- ٣٢٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
أفقه ولا أورع ولا أعلم من خمسة: أولهم أبو حنيفة. وقال أبو يوسف:
كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يختم القرآن في كل ليلة في ركعة، وفي رواية
ويكون ذلك في وتره. قال ابن عبد البر: وقال ابن المديني: أبو حنيفة ثقة
لا بأس به. قال ابن عبد البر: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا
عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا من أهل الحديث أكثر ما
عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس، قال: وكان يقال يستدل على
نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أنه هلك فيه فئتان محب أفرط ومبغض أفرط وقد
جاء في الحديث أنه يهلك فيه رجلان محب مطر ومبغض مكثر، قال: هذه
صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الفضل والدين الغاية. قال ابن عبد البر:
قال أبو داود السجستاني: إن أبا حنيفة كان إماما، وإن مالكا كان إماما،
وإن الشافعي كان إماما، وكلام الأئمة بعضهم في بعض، يجب أن لا
يلتفت إليه، ولا يعرج عليه فيمن صحت إمامته، وعظمت في العلم
غايته، ولقد أكثر ابن عبد البر في تصانيفه، ولا سيما في هذا الكتاب النقل
عن هذه الأئمة بثنائهم على الإمام أبي حنيفة، وكذا غيره من الأئمة
المعتبرين من أهل الحديث والفقه، وقد بسطت ذلك في كتابي ((الكبير))
قال ابن عبد البر: وأبو حنيفة أقعد الناس بحماد بن أبي سليمان.
فصل
اعلم أن الإمام أبا حنيفة قد قبل قوله في الجرح والتعديل، وتلقوه عنه
- ٣٢٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
علماء هذا الفن وعملوا به كتلقيهم عن الإمام أحمد والبخاري وابن معين
وابن المديني وغيرهم من شيوخ الصنعة، وهذا يدلك على عظمته وشأنه
وسعة علمه وسيادته، فمن ذلك ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى في كتاب
((العلل)) من ((الجامع الكبير)): حدثنا محمود بن غيلان عن جرير عن يحيى
الحماني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا
أفضل من عطاء بن أبي رباح. وروينا في ((المدخل لمعرفة دلائل النبوة))
للبيهقي الحافظ بسنده عن عبد الحميد الحماني سمعت أبا سعد الصنعاني
وقام إلى أبي حنيفة فقال: يا أبا حنيفة ما تقول في الأخذ عن الثوري؟
فقال: اكتب عنه فإنه ثقة ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحارث
وحديث جابر الجعفي. وقال أبو حنيفة: طلق بن حبيب كان يرى القدر.
وقال أبو حنيفة: زيد بن عياش ضعيف. وقال سويد بن سعيد عن سفيان
ابن عيينة قال: أول من أقعدني للحديث أبو حنيفة، قدمت الكوفة فقال
أبو حنيفة: إن هذا أعلم الناس بحديث عمرو بن دينار، فاجتمعوا علي
فحدثتهم. وقال يعقوب بن شيبة: قلت لعلي بن المديني: كلام رقبة بن
مسقلة الذي يحدثه سفيان بن عيينة عن أبي حنيفة، قال يعقوب: فعرفه
علي بن المديني وقال: لم أجده عندي، وقال أبو سليمان الجوزجاني:
سمعت حماد بن زيد يقول: ما عرفنا كنية عمرو بن دينار إلا بأبي حنيفة،
كنا في المسجد الحرام وأبو حنيفة مع عمرو بن دينار، فقلنا له: يا أبا حنيفة
كلمه يحدثنا، فقال: يا أبا محمد حدثهم ولم يقل يا عمرو. قلت: حماد بن
زيد هذا أحد الأعلام روى له الأئمة الستة، قال ابن مهدي: ما رأيت
- ٣٢٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بالبصرة أفقه منه، ولم أر أعلم بالسنة منه. عاش إحدى وثمانين سنة،
وتوفي في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، ويأتي في بابه من هذا الكتاب
إن شاء الله تعالی.
وقال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس بابا إلى علم
الكلام. وقال أبو حنيفة: قاتل الله جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان،
هذا أفرط في النفي وهذا أفرط في التشبيه. قال الطحاوي: حدثنا سليمان
ابن شعيب، حدثنا أبي قال: أملى علينا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة:
لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى
يوم يحدث به. قلت: سمعت شيخنا العلامة الحجة زين الدين بن الكناني
في درس الحديث بالقبة المنصورية، وكان أحد سلاطين العلماء ينصر هذا
القول. وسمعته يقول في هذا المجلس: لا يحل لي أن أروي إلا قوله صلى
الله عليه وسلم: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)»، فإني حفظته من
حين سمعته إلى الآن. قلت: ولكن أكثر الناس على خلاف ذلك ولهذا
قلت رواية أبي حنيفة لهذه العلة، لا لعلة أخرى، زعمها المتحاملون عليه،
وقال أبو عاصم: سمعت أبا حنيفة يقول: القراءة جائزة يعني عرض
الكتب. قال: وسمعت ابن جريج يقول: هي جائزة يعني عرض الكتب.
قال: وسمعت مالك بن أنس وسفيان وسألت أبا حنيفة: عن الرجل يقرأ
عليه الحديث يقول: أخبرنا أو كلاما هذا معناه، فقالوا: لا بأس.
وعن أبي عاصم أخبرني ابن جريج وابن أبي ذئب وأبو حنيفة
- ٣٢٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ومالك بن أنس والأوزاعي والثوري كلهم يقولون: لا بأس إذا قرأت
على العالم أن تقول: أخبرنا. وقال أبو قطن فيما رواه الطحاوي: قال لي
أبو حنيفة: اقرأ علي وقل حدثني، وقال لي مالك: اقرأ علي وقل حدثني.
قال الطحاوي: حدثنا روح بن الفرج، أنا ابن بكير قال: لما فرغنا من
قراءة الموطأ على مالك قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله كيف نقول في
هذا؟ فقال: إن شئت فقل حدثنا، وإن شئت فقل أخبرنا، وأراه قال: وإن
شئت فقل سمعت. قال الطحاوي: وممن قال بهذا أبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد، وقال أبو حنيفة: لم يصح عندي أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لبس السراويل فأفتي به.
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي
وفيها توفي الإمام الأعظم أبو حنيفة، واسمه: النعمان بن ثابت بن
زوطى، الفقيه الكوفي صاحب المذهب؛ ولد سنة ثمانين من الهجرة ورأى
أنس بن مالك الصحابي غير مرة بالكوفة لما قدمها أنس، قاله ابن سعد.
وروی عن عطاء بن أبي رباح ونافع وسلمة وخلق کثیر، وتفقه محماد
وغيره حتى برع في الفقه والرأي، وساد أهل زمانه بلا مدافعة في علوم
شتى. وقال عبد الله بن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس. وقال الشافعي:
الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت
أحداً أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وعن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة
صلى العشاء والصبح بوضوء واحد أربعين سنة. قال الذهبي: وقد روي
- ٣٢٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
من وجهين أنه ختم القرآن في ركعة. وعن النضر بن محمد قال: كان أبو
حنيفة جميل الوجه نقي الثوب عطر الرائحة. وعن ابن المبارك واسمه
عبد الله قال: ما رأيت رجلاً أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتاً وحلماً من
أبي حنيفة. وروى إبراهيم بن سعيد الجوهري عن المثنى أن رجلاً قال:
جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقاً أن يتصدق بدینار.
ويروى أن أبا حنيفة ختم القرآن في الموضع الذي مات فيه سبعة آلاف
مرة. وروى محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن عن القاسم بن معن:
أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَّوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ﴾.
ويبكي ويتضرع إلى الفجر. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحداً أحلم
من أبي حنيفة. وعن الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: إذا ارتشى القاضي
فهو معزول وإن لم يعزل. وقال إسحاق بن إبراهيم الزهري عن بشر بن
الوليد الكنديّ: طلب المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف
ليلين، فأبى وحلف ألا يفعل ذلك؛ فقال الربيع حاجب المنصور: ترى
أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف! قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر
مني؛ فأمر به إلى السجن فمات فيه ببغداد. وعن مغيث بن بديل قال: دعا
المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع؛ فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال:
لا أصلح؛ قال: كذبت؛ قال أبو حنيفة: فقد حكم أمير المؤمنين على أني
لا أصلح، فإن كنت كاذباً فلا أصلح، وإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني
لا أصلح، فحبسه؛ ووقع لأبي حنيفة بسبب القضاء أمور مع المنصور
وهو على امتناعه إلى أن مات. وقال أحمد بن الصباح: سمعت الشافعي
- ٣٣٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
يقول: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك
في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته. وقال حبان بن موسى: سئل
ابن المبارك: أمالك أفقه أم أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة. وقال الخربي: ما
يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل. وقال يحيى القطان: لا نكذب الله،
ما سمعنا بأحسن من أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال علي بن
عاصم: لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم. وقال
حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أرق من الشعر لا يعيبه إلا
جاهل. وقال الحميدي: سمعت ابن عيينة يقول: شيئان ما ظننتهما يجاوزان
قنطرة الكوفة: قراءة حمزة وفقه أبي حنيفة، وقد بلغا الآفاق. وعن الأعمش
أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت، وأظنه بورك له في
علمه. وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة تتفقه، فإن إبراهيم
النخعي لو كان حيّاً لجالسه. وقال محمد بن شجاع سمعت علي بن عاصم
يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف الناس لرجح بهم.
قلت: ومناقب أبي حنيفة كثيرة، وعلمه غزير وفي شهرته ما يغني عن
الإطناب في ذكره، ولو أطلقت عنان القلم في كثرة علومه ومناقبه لجمع
من ذلك عدة مجلدات؛ وكانت وفاته رضي الله عنه في شهر رجب من
هذه السنة، ودفن بمقابر بغداد، وأقام على ذلك سنين إلى أن بنى عليه
شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان
- ٣٣١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ملك شاه السلجوقي مشهداً في سنة تسع وخمسين وأربعمائة وبنى على
القبر قبة ومدرسة كبيرة للحنفية، فلما فرغ من عمارة ذلك جمع الفقهاء
والعلماء والأعيان ليشاهدوا ما بناه، فبينما هم في ذلك إذ دخل عليهم
الشريف أبو جعفر مسعود البياضيّ الشاعر وأنشد:
فجمعه هذا الموسد في اللحد
ألم تر أن العلم كان مبدداً
فأنشرها فعل العميد أبي سعد
کذلك کانت هذه الأرض ميتة
قلت: وأحسن من هذا ما قاله عبد الله بن المبارك في مدح أبي حنيفة،
القصيدة المشهورة التي أوّلها:
لقد زان البلاد ومن عليها إمام المسلمين أبو حنيفة
خلاصة تذهيب تهذيب الكمال
لأحمد بن عبد الله بن أبي الخير الساعدي اليمني
(تم ز س) النعمان بن ثابت الفارسي أبو حنيفة، إمام العراق
وفقيه الأمة، عن عطاء ونافع والأعرج وطائفة، وعنه ابنه حماد وزفر
وأبو يوسف ومحمد وجماعة، وثقه ابن معين، وقال ابن المبارك:
ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة. وقال مكي: أبو حنيفة أعلم أهل
زمانه. وقال القطان: لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأي
أبي حنيفة. قال ابن المبارك: ما رأيت أورع منه. مات سنة خمسين
ومائة.
- ٣٣٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح
ابن العماد العكري
وقال الشّافعيّ: النّاس عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير،
وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الفقه، وعلى
الكسائي في النحو، وعلى ابن إسحاق في المغازي.
وفيها توفي الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفيّ، مولى بني
تيم الله بن ثعلبة، ومولده سنة ثمانين، رأى أنسا وغيره، ونظم بعضهم
من لقي من الصحابة فقال:
لقي الإمام أبو حنيفة ستّة من صحب طه المصطفى المختار
أنسا وعبد الله نجل أنيسهم وسميّه ابن الحارث الكرّار
وزد ابن أوفى وابن واثلة الرّضي واضمم إليهم معقل بن يسار
ولكن لم تثبت له رواية عن أحد منهم، وإنما روى عن عطاء بن أبي رباح
وطبقته، وتفقّه على حمّاد بن سليمان، وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه،
والعبادة، والورع، والسّخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة، بل ينفق ويؤثر من
کسبه، له دار كبيرة لعمل الخزّ وعنده صنّاع وأجراء رحمه الله تعالى.
قال الشّافعيّ: النّاس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة.
- ٣٣٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة،
إذ سمعت رجلا يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا
يتحدّث عنّي بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرّعا.
وقد روي أن المنصور سقاه السّمّ فمات شهيدا - رحمه الله- سمّه
لقيامه مع إبراهيم. قاله في ((العبر)).
وذكر الحافظ العامري في تأليفه ((الرياض المستطابة)) وكذلك ملخّصه
صالح بن صلاح العلائي، ومن خطّه نقلت: أن الإمام أبا حنيفة رأى
عبد الله بن الحارث بن جزء الصحابي، وسمع منه قوله صلّى الله عليه وسلّم:
((من تفقّه في دين الله كفاه الله همّه ورزقه من حيث لا يحتسب)). انتهى.
وقال ابن الأهدل: نقله المنصور عن الكوفة إلى بغداد ليولّيه القضاء
فأبى، فحلف عليه ليفعلنّ، فحلف أن لا يفعل، وقال: أمير المؤمنين أقدر
مني على الكفّارة، فأمر به إلى الحبس.
وقيل: إنه ضربه.
وقيل: سقاه سمّا لقيامه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن فمات
شهیدا.
وقيل: إنه أقام في القضاء يومين ثم اشتكى ستة أيام ومات.
وكان ابن هبيرة قد أراده على القضاء في الكوفة أيام مروان الجعديّ
- ٣٣٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فأبى، وضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة، وأصرّ على
الامتناع، فخلّی سبیله.
وكان الإمام أحمد إذا ذكر ذلك ترحّم علیه. انتهى.
وقد قال في ((الأشباه والنظائر)): لما جلس أبو يوسف رحمه الله
للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة، أرسل إليه أبو حنيفة رجلا فسأله عن
خمس مسائل:
الأولى: قصّار جحد الثوب وجاء به مقصورا، هل يستحق الأجر أم
لا؟ فأجاب أبو يوسف: يستحق الأجر. فقال له الرّجل: أخطأت، فقال:
لا يستحق، فقال: أخطأت، ثم قال له الرّجل: إن كانت القصارة قبل
الجحود استحقّ، وإلا فلا.
الثانية: هل الدخول في الصّلاة بالفرض أم بالسّنّة؟ فقال: بالفرض،
فقال: أخطأت، فقال بالسّنّة، فقال: أخطأت، فتحيّر أبو يوسف، فقال
الرّجل: بهما، لأن التکبیر فرض، ورفع الیدین سنّة.
الثالثة: طير سقط في قدر على النّار، فيه لحم ومرق، هل يؤكلان، أم لا؟
فقال أبو يوسف: يؤكلان، فخطّأه، فقال: لا يؤكلان، فخطّأه، ثم
قال: إن كان اللحم مطبوخا قبل سقوط الطير يغسل ثلاثا ويؤكل، وترمى
المرقة، وإلا يرمى الكلّ.
- ٣٣٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
الرابعة: مسلم له زوجة ذميّة ماتت وهي حامل منه، تدفن في أيّ
المقابر؟ فقال: في مقابر المسلمين، فخطّأه، فقال أبو يوسف: في مقابر أهل
الدّمّة، فخطّأه، فتحيّر [أبو يوسف] فقال [الرّجل: تدفن] في مقابر
اليهود -أي لأنهم يوجهون قبورهم إلى القبلة- ولكن يحوّل وجهها عن
القبلة حتّى يكون وجه الولد إلى القبلة، لأن الولد في البطن يكون وجهه
إلى ظهر أمه.
الخامسة: أمّ ولد لرجل، تزوجت بغير إذن مولاها، [فمات المولى]،
هل تجب العدّة من المولى؟ فقال: تجب، فخطّأه، [ثم قال: لا تجب،
فخطّأه]، ثم قال الرّجل: إن كان الزّوج دخل بها لا تجب، وإلا وجبت.
فعلم أبو يوسف تقصيره، فعاد إلى أبي حنيفة، فقال تزيَّيْت قبل أن تُحَصْرِم،
كذا في إجارات الفيض. انتهى كلام ((الأشباه)) والله أعلم، وبه التوفيق.
هدية العارفين
لإسماعیل بن محمد أمین الباباني
الإمام أبو حنيفة: نعمان بن ثابت بن كاوس بن هرمز مرزبان بن
بهرام الإمام الأعظم المجتهد الأقدم أبو حنيفة الكوفي البغدادي ولد
بالكوفة سنة ٨٠ ثمانين وتوفي ببغداد سنة ١٥٠ خمسين ومائة.
من تصانيفه رسالته إلى عثمان البتي قاضي البصرة.
- ٣٣٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
الفقه الأکبر مشهور وعلیه شروح.
كتاب الرد على القدرية.
كتاب العالم والمتعلم.
المسند في الحديث.
طبقات الحفاظ للسيوطي
- أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي.
فقيه أهل العراق وإمام أصحاب الرأي، وقيل: إنه من أبناء فارس.
رأى أنسا وروى عن: حماد بن أبي سليمان وعطاء وعاصم بن أبي
النجود والزهري وقتادة وخلق.
وعنه: ابنه حماد ووكيع وعبد الرزاق وأبو يوسف القاضي ومحمد ابن
الحسن وزفر وخلائق.
قال العجلي: کان خزازا يبيع الخز.
وقال ابن معين: كان ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا
يحدث بما لا يحفظه.
وقال ابن المبارك: ما رأيت في الفقه مثله.
وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين
أورع منه.
- ٣٣٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
وسئل يزيد بن هارون أيما أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ فقال: سفيان
أحفظ للحديث وأبو حنيفة أفقه.
وأكره أبو حنيفة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا، وكان يحيي الليل
صلاة ودعاء وتضرعا.
ولد سنة ثمانین، ومات سنة خمسين ومائة، وقيل سنة إحدى وخمسين،
وقيل سنة ثلاث.
جامع الأصول لابن الأثير الجزري
[٢٧٨٠] النعمان بن ثابت
هو أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابت بن زُوْطَى بن ماه الإمام الفقيه الكوفي
مولى تيم الله بن ثعلبة، وهو من رهط حَمْزَةَ الزَّيَات، وكان رضي الله عنه
خزازاً يبيع الخزّ، له ذِكْر في الأشعار من كتاب الحج، وكان جده زُوْطى
من أهل كابُل، وقيل: من أهل بابل، وقيل: من الأنبار، وكان مملوكاً لبني
تيم الله بن ثعلبة فأُعِقَ، ووُلِدَ أبوه ثابت على الإسلام. قال إسماعيل بن
حماد بن بن ثابت بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن
ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارسَ من الأحرار، والله ما وقع
علينا رقّ قط، وُلِدَ جدي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى عليّ بن أبي
طالب، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكونَ
- ٣٣٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
اللهُ قد استجابَ ذلك لعلي فينا. وُلِدَ سنةَ ثمانين، ومات ببغدادَ سنة
خمسين ومائة، وقيل: إحدى وخمسين وقيل: سنة ثلاث وخمسين، والأول
أصح وأكثر، ودُفِنَ بمقابر الخَيْزُران، وقبرُه معروف ببغداد، وكان في أيام
أبي حنيفة أربعة من الصحابة: أنسُ بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن
أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد السَّاعدي بالمدينة، وأبو الطّفيل
عامر بن واثلة بمكة، ولم يلقَ أحداً منهم ولا أخَذَ عنه؛ وأصحابُه يقولون:
إنه لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولا يثبتُ ذلك عند أهل النقل.
وأخذ الفقه عن حمادٍ بن أبي سليمان.
وسمع: عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبيعي، ومُحارب بن
دِثار، والهيثم بن حبيب، ومحمد بن المنكدر، ونافعاً مولى ابن عمر،
وهشام بن عروة، وسماك بن حرب.
روى عنه: عبدُ الله بن المبارك، ووكيعُ بن الجرَّحِ، ويزيدُ بن هارون،
وعلي بن عاصم، والقاضي أبو يُوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهُم.
نقله المنصورُ من الكوفة إلى بغدادَ فأقامَ بها إلى أن مات فيها، وكان
أكرهه ابنُ هُبَيْرة أيامَ مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفة فأبى
فضربه مائة سوط في عشرة أيام، كل يوم عشرة، فلمَّا رأى ذلك خلَّى
سبيلَه، ولمّا أشْخَصه المنصورُ إلى العراق أرادَه على القضاء، فأبى فحلفَ
عليه ليفعلنَّ وحلفَ أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الأيمانُ منهما فحبسَه
- ٣٣٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المنصورُ، ومات في الحبس، وقيل: إنه افتدى نفسَه بأن تولى عدد اللبن ولم
يصح.
كان رَبْعَة من الرِّجال، وقيل: كان طوالاً تعلوه سمرة حسنُ الوجه،
أحسنُ الناس منطقاً وأحلاهم نغمة، حسن المجلس، شَديدَ الكرم، حسن
المواساة لإخوانه. قال الشافعي رحمه الله: قيل لمالك: هل رأيت أبا
حنيفة؟ قال: نعم، رأيتُ رجلاً لو كلِّمك في هذه الساريةِ أن يجعلَها ذهباً
لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد الحديث فعليه بمالك، ومن أراد
الجدلَ فعليه بأبي حنيفة. وقال الشافعي: من أراد أن يتبحَّر في الفقهِ فهو
عِيال على أبي حنيفة. ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلْنا الخُطب،
ولم نصلْ إلى الغرض منها، فإنه كان عالماً عاملاً، زاهداً، عابداً، ورعاً،
تقيّاً، إماماً في علوم الشريعة مرضيا، وقد نسب إليه وقيل عنه من
الأقاويل المختلفة التي نجلُّ قدره عنها ويتنزه منها؛ من القول بخلق القرآن،
والقول بالقدر، والقول بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه.
ولا حاجة إلى ذكرها ولا إلى ذكر قائليها، والظاهر أنه كان منزهاً
عنها، ويدل على صحة نزاهته عنها، ما نشر الله تعالى له من الذِّكْر المنتشر
في الآفاق، والعلم الذي طبق الأرض، والآخذ بمذهبه وفقهه والرجوع إلى
قوله وفعله، وإن ذلك لو لم يكن لله فيه سرّ خفي، ورضى إلهيّ، وفقه الله
له لما اجتمع شطرُ الإسلامِ أو ما يقاربهُ على تقليده، والعمل برأيه
ومذهبه حتى قد عُبدَ اللهُ ودِينَ بفقهه، وعُمل برأيه ومذهبه، وأُخذَ بقوله
- ٣٤٠ -