Indexed OCR Text

Pages 221-240

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
مبيح، وحديث المنع من الكلام حاظر، فالحاظر هو الذي يؤخذ به لئلا
يتعدد النسخ.
المسألة الثالثة عشرة بعد المائة: قضاء القاضي بشهود زور
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أم سلمة وأبي هريرة.
ولفظ حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجته من بعض، فمن
قضيت له من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لو أن شاهدي زور شهدا عند
القاضي على رجل بطلاق امرأته، ففرق القاضي بينهما بشهادتهما: أنه لا
بأس أن يتزوجها أحدهما.
قلت: الحديث في القضاء بلا بينة بحسن بيان أحد المتخاصمين فلا
يشمل الحكم بعدم استكمال البينة واستتمام تزكية الشهود بقدر الطاقة
البشرية، فإن ذاك إذا حكمنا بعدم نفاذ الحكم إلا ظاهراً عند فرض أن
الشهود شهود زور، واعتبرنا ظاهراً وباطناً في الموضوع، تعطلت الأحكام
وشملت الفوضى، فيتصل الزوج الأول بالمرأة بحكم الباطن، والثاني
بحكم الظاهر، فتختلط الأنساب، وهذا مالا يرضاه أبو حنيفة والمسألة
فرضية، لأن شهود الزور قلّما تروج على قاضي يقظ، وعلى القاضي
استخلاص الحق والسعي في تعرف دخائل الشهادة بقدر ما تصل إليه
الطاقة البشرية، فإذا لم يتبين له وجه رد إليه فحكم بمقتضى الشهادة،
- ٢٢١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فنضطر أن نقول أن حكمه نافذ ظاهراً وباطناً لئلا تشمل الفوضى ونعد
عقوبة من تسبب في ضياع الحق إلى الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة
بقدر عِظَم جريمة هذا الجاني. ومن الدليل على نفاذ قضاء القاضي ظاهراً
وباطناً قضاء القاضي بالفسخ في باب التحالف واللعان، فإنه ينفذ ظاهراً
وباطناً، ولا شك أن إحدى اليمينين كاذبة ومع هذا ينفذ الفسخ اتفاقاً،
وكذلك أحد المتلاعنين كاذب بيقين ومع هذا تنفذ الفرقة ظاهراً وباطناً.
وكذا اجتهاد القاضي في المجتهدات مع احتمال الخطأ، وإقامة البينة على
أن هذا الميت عليه دين وهم شهود زور، فباع القاضي شيئا من أموال
الميت لأجل الدين، فإنه ينفذ البيع ظاهراً وباطناً.
المسألة الرابعة عشرة بعد المائة: هل تقتل المرأة إذا ارتدت؟
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عباس وعبد الله والحسن وإبراهيم وحماد.
ولفظ حديث ابن عباس مرفوعاً قال: ((من بَدَّلَ دينه فاقتلوه)).
وقال في آخره: وذكروا أن أبا حنيفة قال: لا تقتل إذا ارتدت.
قلت: يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله بصحة هذه الأحاديث والآثار
لكنها مستثناة بأحاديث أخرى، قد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس
قال: النساء لا يقتلن إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يُحبسن ويُدعین
إلى الإسلام، ويُجبرن عليه. وأخرج الدار قطني عن علي قال: المرتدة
تُسْتَتاب ولا تقتل.
- ٢٢٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) عن معاذ بن جبل مرفوعاً، وفيه: ((وأيما
امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت
فاستتبها)). هي أدلة أبي حنيفة في استتابة المرتدة من غير أن تقتل مع ما
اعترف به الجميع من أن العقوبات مما يدرأ بالشبهات، وزد على ذلك
نص النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان في الحروب،
فإذا كانت الكافرة الأصلية موضوع رفق، فالمرتدة الطارئة الكفر بدار
الإسلام أولى بالرفق، تمكينا لها من العود إلى حظيرة الإسلام.
المسألة الخامسة عشرة بعد المائة: الصلاة في خسوف القمر
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي بكرة وفلان بن فلان، والسيدة
عائشة وعلقمة والنعمان بن بشير.
ولفظ حديث أبي بكرة قال: الْكَسَفَتِ الشمس أو القمر على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات
الله، لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا كان ذلك فصلوا حتى تَنْجَلي)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يصلي في كسوف القمر.
قلت: ما نسب إلى أبي حنيفة أنه لا يرى الصلاة في خسوف القمر
فهو باطل، لأنه يرى صلاة كسوف الشمس وصلاة خسوف القمر إلا أن
الأولى تصلى بالجماعة عنده، وبإسرار القراءة وبدون اشتراط الخطبة،
- ٢٢٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
والثانية: إنما تصلى انفراداً، ومعه في ذلك مالك وهما لا يريان الجهر
بالقراءة في صلاة كسوف الشمس، لأن أكثر الرواة يقتصرون على
الإسرار بالقراءة فيها، وكذلك لا يريان الخطبة شرطاً فيها، لأن الخطبة في
صلاة كسوف الشمس كانت بعد انجلاء الشمس في بعض الأحاديث، فلو
كانت شرطاً لكانت أثناء الكسوف، فتكون الخطبة في صلاة كسوف
الشمس لمجرد إلقاء عظمة للجمع الحاشد، ولم تنقل الجماعة في الأحاديث
إلا في صلاة كسوف الشمس، ولذا قال مالك وأبو حنيفة أيضاً: أن الجماعة
مقصورة على صلاة كسوف الشمس فلا تصلى عندهما صلاة خسوف
القمر إلا في حالة الانفراد قصراً للجماعة على موردها في السنة، وابتعاداً
عن ابتداع الجماعة في صلاة خسوف القمر مع عدم ورودها في السنة.
المسألة السادسة عشرة بعد المائة: الأذان والإقامة عند قضاء الفائتة
قد ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله وأبي سعيد الخدري.
ولفظ حديث عبد الله بن مسعود، قال: شَغَلَ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم المشركون يوم الخندق عن أربع صلوات، قال: فأمر بلالاً فأذن
وأقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام
فصلى العشاء.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا فاتته الصلوات لم يُؤذن في
شيء منها ولم يُقِم.
- ٢٢٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
قلت: يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله في الفائتة: الأذان والإقامة،
لكنه لا یری تكرار الأذان في كل فائتة عند قضاء عدة فوائت في مجلس
واحد بل يرى كفاية أذان واحد في الأول وتكرير الإقامة عند قضاء كل
منها، وحجته ما رواه محمد بن الحسن في ((آثاره)) قال: أخبرنا أبو حنيفة
عن حماد عن إبراهيم: عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((من
يحرسنا؟))، فقال شاب من الأنصار: أنا يا رسول الله أحرسكم، فحرسهم
حتى إذا كان الصبح غلبته عيناه، فما استيقظوا إلا بحر الشمس، فقام
رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وتوضأ أصحابه وأمر المؤذن
فأذن، فصلى ركعتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الفجر بأصحابه وجهر
فيها بالقراءة كما كان يصلي في وقتها. ثم قال محمد: وبه نأخذ وهو قول
أبي حنيفة، انتهى. فظهر بذلك أن مذهب أبي حنيفة في الفائتة الأذان
والإقامة، فيكون ما عزاه المصنف إليه هنا غير صحيح.
المسألة السابعة عشرة بعد المائة: البُر بالبُر مثلا بمثل يداً بيد
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عمر وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري.
ولفظ حديث عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البر
بالبر رباً إلا هَاءَ وهَاءَ، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كان يقول: لا بأس ببيع الحنطة
الغائبة بعينها بالحنطة الحاضرة.
- ٢٢٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
قلت: غلط ابن أبي شيبة في عزو هذه المسألة إلى الإمام أبي حنيفة
رحمه الله بل المسألة إجماعية، فلا يجيز أحد بيع ما لم يقبض من الطعام ولا
بيع الربويات إلا مثلاً بمثل يداً بيد، والحديثان مخرجان عن أبي حنيفة في
جميع ما ألف في مسانيده، ومحمد بن الحسن يقول: بعد إخراجه لحديث
أبي سعيد الخدري في الربا بطريق أبي حنيفة: به نأخذ، وهو قول أبي
حنيفة رحمه الله، ولكن لا ندري من أين وقع المصنف في هذا السهو.
المسألة الثامنة عشرة بعد المائة: هل تجوز الصدقة على الفقير
القادر على الكسب
قد ذكر ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو.
ولفظ حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا تحِل الصدقة لغني، ولا لذي مِرة سويّ)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة رخص في الصدقة عليه، وقال:
جائزة.
قلت: في الحديث الأول في سنده مجالد.
وفي الحديث الثاني: سالم بن أبي الجعد ولم يسمع من أبي هريرة.
والحديث الثالث: وقفه شعبة عن سعد ولم يرفعه عند الترمذي
... } الآية
والطحاوي. وحجته أن قوله تعالى ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
- ٢٢٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
يشمل الفقير الزمن والفقير الصحيح، وخبر الآحاد ولو صح لا يصلح
ناسخاً لما هو قطعي الثبوت ولا مخصصاً له، وهذا الحديث على ما في
أسانيده من الكلام لو حملناه على ظاهره لعارض تلك الآية، وليس فيه
قوة المعارضة للكتاب، ولو حملناه على أن الفقير القوي الصحيح الجسم
لا تحل له الصدقة حلها للفقير الزمن الذي لا يقدر على الكسب لالتأم
معنى هذا الحديث مع معنى الآية ومعنى باقي الأحاديث وزال
التعارض. وحجته قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين بالطواف،
ولا بالذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين
الذي لا يسأل ولا يفطن له فيتصدق عليه)). وحديث: ((إن المسألة حرمت
إلا في ثلاث: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك،
ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتي يصیب
قواماً من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة حتى
تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، فحلت له المسألة حتى يصيب
قواماً من عيش أو سداداً من عيش))، رواه الطحاوي. وكل هؤلاء ليسوا
من الزمنى العاجزين عن الاكتساب، ومع ذلك تحل لهم الصدقة
في الشرع، لذا لم يجعل أبو حنيفة صحة الجسم بحسب الظاهر باعثاً على
حرمان الفقير من الصدقة بل أخذ بعموم الآية وجعل الصدقة
جائزة لكل فقير، وليس في هذا مخالفة لخبر صريح صحيح، بل جرى
في هذا على موافقة كتاب الله والآثار الواردة في إباحة الصدقة للفقير
مطلقاً.
- ٢٢٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المسألة التاسعة عشرة بعد المائة: النهي عن بيع وشرط
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن جابر من طريقين.
ولفظ حديث الطريق الأول، منهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال له: ((قد أخذت جملك بأربعة دنانير ولك ظهره إلى المدينة)).
وقال في آخره: وذكروا أن أبا حنيفة كان لا يراه.
قلت: وافقه في ذلك أصحابه والشافعي وأصحابه، وهو قول عمر
وعبد الله بن عمر وابن مسعود وزوجته زينب الثقفية الصحابية، ولم
يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فكاد أن يكون من مواضع
الإجماع فيما يقوله الطحاوي، ودليلهم من السنة حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده مرفوعاً: نهى عن بيع وشرط. أخرجه الحاكم في ((معرفة
علوم الحديث))، والطبراني في ((الأوسط)). وحديثه أيضاً: ((لا يحل سلف
وبيع ولا شرطان في بيع)). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن
حبان والحاكم. وحديث السيدة عائشة: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو
باطل)). أخرجه الشيخان. وأما حديث جابر أن البيع صوري ليس فيه نقد
الثمن ولا تسليم المبيع، فما لم ينقد الثمن ما كان يجب على جابر تسليم
البعير، فكان من حقه أن يركبه إلى أن يقبض الثمن ويسلم المبيع، وهذان
ما تما إلا في المدينة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقصد التفضل
عليه من مبدأ الأمر في صورة بيع لحكمة - ذكرها الإسماعيلي -،
- ٢٢٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فيكونان في دور المساومة لا البت في البيع، ويدل على ذلك قوله عليه
السلام في آخر الحديث: ((أتراني إنما ماكست لآخذ جملك ومالك؟ ما
كنت لآخذ جملك فهما لك)). فظهر أن حديث جابر لا يرد على رأي
أبي حنيفة في المسألة.
المسألة العشرون بعد المائة: من وجد متاعه عند مفلس
قد ذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به)).
وقال عقبة: وذكر أن أبا حنيفة قال: هو أسوة الغُرماء.
قلت: معه إبراهيم النخعي والحسن البصري والترمذي وأبو يوسف
وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن، وهم يرون أن لفظ المال يضاف إلى
مالك البضاعة، وذلك إنما يتصور في الوديعة، والعارية، والمسروق،
والمغصوب التي تبقى السلعة فيها تحت ملك المالك الأصلي دون من
عنده، لأن المبيع ملك المبتاع لا ملك البائع، قبض الثمن أو لم يقبض، لأن
المبتاع بمجرد قبضه المبيع بعد عقد البيع يكون مالكاً للمبيع بزوال ملك
البائع عنه، فإضافة المال إلى غير مالكه الآن لا تصح إلا عند قيام قرينة
تصرفها عن الحقيقة، بل الميل إلى المجاز بدون قرينة صارفة عن الحقيقة إنما
يكون تأويلاً قرمطياً فيكون البائع والحالة هذه أسوة الغرماء كما يقول
أبو حنيفة حيث لا يشمله الحديث الصحيح المذكور.
- ٢٢٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المسألة الحادية والعشرون بعد المائة: المزارعة
قد ذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر وزيد بن ثابت وموسى بن طلحة
وطاوس وعلي بن أبي طالب.
ولفظ حديث ابن عمر الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من زرع أو ثمر.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كان يكره ذلك.
قلت: تابعه في ذلك إبراهيم النخعي وحجته أن أرض خيبر خراج
مقاسمة على الخارج من الأرض، وليس هذا من المزارعة في شيء، وله
أدلة يتمسك بها لكن الأرفق بالناس ما عليه العمل المتوارث في تجويز
المزارعة بشروط مبينة في كتب الفقه، وقد ساق الحافظ الزيلعي في ((نصب
الراية)) أحاديث النهي عن المخابزة - وهي المزارعة - والنهي عن كراء
المزارع في حديث رافع وحملهما على ما يؤديان إليه من المخاصمة، وجعل
النهي للتنزيه، ومن الدليل على ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي بطريق
عروة عن زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج: أنا والله أعلم بالحديث
منه، إنما أتى رجلان قد اقتتلا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كان
هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)»، فسمع رافع قوله: فلا تكروا المزارع.
المسألة الثانية والعشرون بعد المائة: النهي عن بيع حاضر لباد
قد ذكر ابن أبي شيبة عن جابر وأبي هريرة وأنس وابن عمر.
- ٢٣٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ولفظ حديث جابر مرفوعاً: ((لا يَبيعَنَّ حاضر لباد)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة رخص فيه.
قلت: ظاهر الحديث النهي عن توسط الحضري في البيع بين من
يسكن المدينة وبين أهل البادية، سواء كان بأجر أو بغير أجر. وحمل
أبو حنيفة هذا النهي على ما إذا ضر هذا التوسط أحد الطرفين كالنهي
عن تلقي الركبان، فإن الأصل في شرع الأحكام في المعاملات أن تكون
معقولة المعنى، وهذا هو المعنى المعقول في هذا النهي، لأن قاعدة اليد
الواحدة كثيرا ما تضر المنتج والمستهلك أو لأحدهما، وربما يكون التوسط
لأجل تنظيم المعاملة بين البدوي والحضري بحيث لا يلحق بأحد الطرفين
أي ضرر، فلا يكون أي داع للمنع على هذا التقدير في النظر العقلي
والمصلحة المعقولة، وحجته ما رواه الطحاوي من طريق أبي الزبير عن
جابر مرفوعاً: ((لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من
بعض)). هذا يدل على علة المنع لأن الوسيط يكون عارفاً بالسعر فيكون
فطنة أن يغير أحد الطرفين، فيستمتع بالفائدة على ضرر أحدهما، فمنع
من توسط وسيط ليعود ما يتوخاه من الفائدة إلى أحد الطرفين مباشرة.
وإطلاق الكلام في العزو في الموضعين ليس بجيد كما فعل ابن أبي شيبة
هنا وفيما سبق، ورخص عطاء في بيع الحاضر للبادي، كما
ذكره البخاري، وحكى سعيد بن منصور عن مجاهد، أما اليوم فلا
بأس، وقول أبي حنيفة ليس على هذين الإطلاقين بل المنع منه
- ٢٣١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
عند لحوق الضرر، وعدم المنع عند انقضاء الضرر.
المسألة الثالثة والعشرون بعد المائة: حكم التصدق
لآل محمد صلى الله عليه وسلم
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي هريرة وابن أبي رافع وأبي ليلى
ورشيد بن مالك وابن أبي مليكة وبريدة وأنس.
ولفظ حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى
الحسن بن علي أخذ تمرة من الصدقة، فلاكها في فيه، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ((كِخْ كِخْ إنا لا تحل لنا الصدقة)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: الصدقة تحل لموالي بني هاشم وغيرهم.
قلت: قد اختلف عن أبي حنيفة في ذلك، فروي أنه قال: لا بأس
بالصدقات كلها على بني هاشم، وذهب في ذلك عندنا إلى أن الصدقات
إنما كانت حرمت عليهم من أجل ما جعل لهم في الخمس من سهم ذوي
القربى، فلما انقطع ذلك عنهم ورجع إلى غيرهم بموت رسول الله صلى
الله عليه وسلم حل لهم بذلك ما قد كان محرماً عليهم من أجل ما قد كان
أحل لهم. وأخرج الطحاوي عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصْحَبْنِي
كيما تصيب منها فقال: حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
- ٢٣٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: ((إن آل محمد لا يحل
لهم الصدقة وإن مولى القوم من أنفُسِهم))، انتهى.
وهذه الرواية أتم وأوضح، وقد علمت مرعى كلام أبي حنيفة في بني
هاشم ومواليهم، وقد اقتصر ابن أبي شيبة هذا الباب على كلام أبي
حنيفة في موالي بني هاشم مع أن كلامه يشمل بني هاشم ومواليهم جميعا
لكن قوله هذا ليس بمطلق كما يفيده عزو ابن أبي شيبة بل مقيد بما إذا لم
يصرف إليهم ما يستحقونه من بيت المال من الخمس فيبقون ما داموا
فقراء يشملهم قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا اُلصَّدَقَتُ
المسألة الرابعة والعشرون بعد المائة: رد السلام في الصلاة بالإشارة
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديث ابن عمر قال: دخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم مسجد بني عمرو بن عوف يصلي فيه، ودخلت
علیه رجال من الأنصار، ودخل معهم صهيب، فسألت صهيباً: كيف كان
رسول الله صلی الله عليه وسلم يصنع حيث كان يسلم عليه؟ فقال: كان
يشير بيده.
وقال عقبه: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يفعل.
قلت: هناك أحاديث تعارض الباب تدل على أن أناساً سلموا عليه
وهو يصلي، ولم يرد عليهم لا بالاشارة ولا بغيرها، وقال لهم بعد فراغه
من الصلاة: ((إن في الصلاة شغلا)). فذلك دليل على أن المصلي معذور
- ٢٣٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بذلك الشغل عن ردّ السلام على المسلم عليه، ونهي لغيره عن السلام
عليه كما يقوله الطحاوي. وحديث جابر عند مسلم: (لم يمنعني أن أرد
عليك إلا أني كنت أصلي)). وحديث ابن مسعود في الصحيحين: كنا
نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا،
فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا. ففى هذين
الحديثين نفي الرد على السلام في الصلاة مطلقاً، فشمل القول والإشارة،
فأبو حنيفة وأصحابه أخذوا بهذه الأحاديث فمنعوا من الإشارة لرد
السلام في الصلاة، وإن لم يقولوا: ببطلان الصلاة بمجرد الإشارة، وعدوا
أحاديث الإشارة دائراً أمرها بين أن تكون للنهي عن السلام على المصلي
وبين أن تكون للرد على السلام على أكبر تنزل، على أن الحاظر يقدم في
الأخذ به على المبيح عند أهل العلم.
المسألة الخامسة والعشرون بعد المائة: هل فيما
دون خمسة أوسق صدقة؟
قد ذكر ابن أبي شيبة عن أبي سعيد وأبي هريرة.
ولفظ حديث أبي سعيد الأول: ((ليس في أقل من خمسة أَوْسُق صدقة)).
وقال عقبه: وذكر أن أبا حنيفة قال: في قليل ما يخرج وكثيره صدقة.
قلت: معه عمر بن عبد العزيز ومجاهد وإبراهيم النخعي وزفر،
- ٢٣٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وقالوا: أن كل ما أخرجته الأرض قليلاً كان أوكثيراً فيه العشر. واستدلوا
بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعاً: ((فيما سقت السماء
والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر))، أخرجه
البخاري. وبحديث أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: ((فيما سقت الأنهار
والغيم العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر))، أخرجه مسلم.
وبحديث مسروق عن معاذ مرفوعاً: أمرني أن آخذ مما سقت السماء وما
سقى بعلا العشر، وما سقى بالدوالي نصف العشر. أخرجه ابن ماجه.
هذه أحاديث مطلقة توجب الصدقة في القليل والكثير من ذلك، فوقع
التعارض بين ما رواه ابن أبي شيبة وبين هذه الأحاديث ولم يُعلم
التاريخ، فاحتاط أبو حنيفة ومن معه بتوسيع دائرة الوجوب فجعلوه
يشمل ما دون خمسة أوسق جريا من الشارع على سنن التدرج بالأمة في
التشريع، تسهيلاً لامتثالهم بالأمر كما وقع في الصلاة والصيام والزكاة
وتحريم الخمر وغيرها.
- ٢٣٥ -

الفصل التاسع عشر
في الجامع لنقول من ترجم للإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه
من المصنفين
تهذيب الكمال في أسماء الرجال
٦٤٣٩- ت س:
النعمان بن ثابت التيمي، أبو حنيفة الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة،
فقيه أهل العراق، وإمام أصحاب الرأي، وقيل: إنه من أبناء فارس.
رأی أنس بن مالك.
وروى عن: إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وإسماعيل بن عبد الملك
ابن أبي الصُّفيراء، وجبلة بن سحيم، وأبي هند الحارث بن عبد الرحمن
الهمداني، والحسن بن عُبيد الله، والحكم بن عُتَيبة، وحماد بن أبي سليمان،
وخالد بن علقمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزُبَيد اليامي، وزياد بن
علاقة، وسعيد بن مسروق الثوري، وسلمة بن کھیل، وسماك بن حرب،
وأبي رؤبة شداد بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وهو
من أقرانه، وطاووس بن كَيسان - فيما قيل -، وطريف أبي سفيان
السعدي، وأبي سفيان طلحة بن نافع، وعاصم بن كُلَيب، وعاصم بن
أبي النجود (س)، وعامر الشعبي، وعبد الله بن أبي حبيبة، وعبد الله بن
دينار، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن رفيع،
وعبد الكريم أبي أمية البصري، وعبد الملك بن عُمير، وعدي بن ثابت
- ٢٣٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
الأنصاري، وعطاء بن أبي رباح (ت)، وعطاء بن السائب، وعطية بن
سعد العوفي، وعكرمة مولى ابن عباس، وعلقمة بن مرثد، وعلي بن
الأقمر، وعلي بن الحسن الزَّرّاد، وعمرو بن دينار، وعون بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود، وقابوس بن أبي ظبيان، والقاسم بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود، وقتادة بن دعامة، وقيس بن مسلم الجَدَلي، ومحارب بن
دثار، ومحمد بن الزُّبير الحنظلي، ومحمد بن السائب الكلبي، وأبي جعفر
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن قيس
الهمداني، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر،
ومِخول بن راشد، ومسلم البطين، ومسلم الملائي، ومعن بن عبد الرحمن،
ومِقْسم، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن أبي عائشة، وناصح بن عبد الله
المحلّمي، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وأبي غسان الهيثم بن
حبيب الصرّاف، والوليد بن سريع المخزومي، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، وأبي حُجية يحيى بن عبد الله الكندي، ويحيى بن عبد الله
الجابر، ويزيد بن صُهيب الفقير، ويزيد بن عبد الرحمن الكوفي، ويونس بن
عبد الله بن أبي فروة، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي بكر بن عبد الله بن
أبي الجهم، وأبي جناب الكلبي، وأبي حصين الأسدي، وأبي الزبير
المكي، وأبي السوار ويقال: أبي السوداء السُّلمي، وأبي عون الثقفي،
وأبي فروة الجهني، وأبي معبد مولى ابن عباس، وأبي يعفور العبدي.
روى عنه: إبراهيم بن طهمان، والأبيض بن الأغر بن الصباح
المنقري، وأسباط بن محمد القُرشي، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد
- ٢٣٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ابن عمرو البجلي القاضي، وإسماعيل بن يحيى الصَّيرفي، وأيوب بن
هاني الجعفي، والجارود بن يزيد النيسابوري، وجعفر بن عون، والحارث بن
نبهان، وحبان بن عليّ العنزي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، والحسن بن
فرات القزاز، والحسين بن الحسن بن عطية العوفي، وحفص بن
عبد الرحمن البلخي القاضي، وحكّام بن سلم الرازي، وأبو مطيع الحكم
ابن عبد الله البلخي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، وحمزة بن حبيب الزيات،
وخارجة بن مصعب السرخسي، وداود بن تُصَير الطائي، وأبو الهذيل
زفر بن الهذيل التميمي، وزيد بن الحُباب العَكلي، وسابق الرقي، وسعد
ابن الصلت قاضي شيراز، وسعيد بن أبي الجهم القابوسي، وسعيد بن
سلام بن أبي الهيفاء العطّار البصري، وسلّم بن سالم البلخي، وسليمان
ابن عمرو النخعي، وسهل بن مزاحم، وشعيب بن إسحاق الدمشقي،
والصباح بن مُحارب، والصلت بن الحجاج الكوفي، وأبو عاصم
الضحاك بن مخلد، وعامر بن الفرات النسوي، وعائذ بن حبيب، وعبّاد
ابن العوام، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وأبو يحيى
عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني (ت)، وعبد الرزاق بن همام،
وعبد العزيز بن خالد الترمذي، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني،
وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، وعبد الوارث بن سعيد،
وعبيد الله بن الزبير القرشي، وعبيد الله بن عمرو الرّقّي، وعبيد الله بن
موسى، وعّاب بن محمد بن شَوْذب، وعلي بن ظَبيان الكوفي القاضي،
وعلي بن عاصم الواسطي، وعلي بن مسهر، وعمرو بن محمد العنقزي،
- ٢٣٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وأبو قطن عمرو بن الهيثم القطعي، وعيسى بن يونس (س)، وأبو نعيم
الفضل بن دكين، والفضل بن موسى السيناني، والقاسم بن الحكم
العرني، والقاسم بن معن المسعودي، وقيس بن الربيع، ومحمد بن أبان
العنبري الكوفي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن الحسن بن أتش
الصنعاني، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الوهبي، ومحمد بن
عبد الله الأنصاري، ومحمد بن الفضل بن عطية، ومحمد بن القاسم
الأسدي، ومحمد بن مسروق الكوفي، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومروان
ابن سالم، ومصعب بن المقدام، والمعافى بن عمران الموصلي، ومكي بن
إبراهيم البلخي، وأبو سهل نصر بن عبد الكريم البلخي المعروف
بالصّيقل، ونصر بن عبد الملك العتكي، وأبو غالب النضر بن عبد الله
الأزدي، والنضر بن محمد المروزي، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني،
ونوح بن درّاج القاضي، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وهُشَيم بن
بشير، وهوذة بن خليفة، والهياج بن بسطام البرجمي، ووكيع بن الجراح،
ويحيى بن أيوب المصري، ويحيى بن نصر بن حاجب، ويحيى بن يمان،
ويزيد بن زريع، ويزيد بن هارون، ويونس بن بكير الشيباني، وأبو
إسحاق الفزاري، وأبو حمزة السكري، وأبو سعد الصاغاني، وأبو شهاب
الحناط، وأبو مقاتل السمر قندي، والقاضي أبو يوسف.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: أبو حنيفة النعمان بن ثابت كوفي تيمي
من رهط حمزة الزيات، وكان خزّازاً يبيع الخز.
- ٢٣٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وقال محمد بن إسحاق البكائي، عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة: أبو
حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطَى، فأما زوطى فإنه من أهل كابل، وولد
ثابت على الإسلام، وكان زوطى مملوكا لبني تَيْم الله بن ثعلبة، فأعتق،
فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة ثم لبني قفل، وكان أبو حنيفة خزازا، ودكانه
معروف في دار عمرو بن حريث.
وقال إسماعيل بن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الرحمن المقرئ:
کان أبو حنيفة من أهل بابل.
وقال النضر بن محمد المروزي، عن يحيى بن النضر القرشي: كان
والد أبي حنيفة من نَسَا.
وقال سلیمان بن الربيع، عن الحارث بن إدريس: أبو حنيفة أصله من ترمذ.
وقال أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان التنوخي الأنباري، عن
أبيه، عن جده: ثابت والد أبي حنيفة من أهل الأنبار.
وقال مكرم بن أحمد القاضي: حدثنا أحمد بن عبيد الله بن شاذان
المروزي، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعت إسماعيل بن حماد بن
أبي حنيفة يقول: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان
ابن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد
جدي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير
- ٢٤٠ -