Indexed OCR Text
Pages 201-220
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أو الاستنسال والأمر في ذلك إلى الملابسات والقرائن في كل إضافة بل الآثار تعين أن المراد بهما نوع خاص منهما، وهو عبد الخدمة وفرس الركوب. وحجة الإمام أبي حنيفة في ذلك حديث أبي هريرة مرفوعاً عند البخاري ومسلم : ... ولم ينس حق الله في رقابهما. وحديث يعلى بن أمية عن عمر عند عبد الرزاق قال: خذ من كل فرس ديناراً. وحديث جابر بن عبد الله عند الدارقطني والبيهقي مرفوعاً: ((في الخيل السائمة في کل فرس دینار)). المسألة السادسة والتسعون: رفع الإمام صوته بـ "آمين" قد ذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة ووائل بن حجر. ولفظ حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أمن القارئُ: فأمِّنوا فمن وافق تأمینه تأمین الملائكة، غُفر له ما تقدم من ذنبه)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يَرفع الإمامُ صوته بـ((آمين)» ويقولُها من خَلْفَه. قلت: صح الإخفاء بالتأمين والجهر به من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه حصل الاختلاف في الأفضل منهما، وفي الأمر سعة. وحجتنا بما روى البخاري عن أبي هريرة: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين)). فلم يعلق تأمين الجماعة على تأمين الإمام. وبما روى مسلم عن أبي موسى الأشعري: ((ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر - ٢٠١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث فكبروا وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين)). وبما روى الطيالسي وأحمد وأبو يعلى والحاكم عن سلمة عن وائل: أنه صلى الله عليه وسلم صلى، فلما بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: ((آمين))، وأخفى صوته. وفي لفظ وخفض بها صوته. ومذهب ابن مسعود في الإخفاء معروف، وقال ابن جرير في تهذيب الآثار، وروي ذلك عن ابن مسعود، وروي عن النخعي والشعبي وإبراهيم التيمي أنهم كانوا: يخفون بـ ((آمين)). والصواب أن الخبرين: الجهر بها والمخافتة صحيحان، وعمل عليه جماعة من العلماء إلا أن أكثر الصحابة والتابعين على الخفص بها كما حكى صاحب الجوهر النقي. المسألة السابعة والتسعون: صلاة الليل وفصل شفع الوتر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر وأبي سلمة وقبيصة بن ذویب وسعيد بن جبير وعكرمة وسالم ومحمد. ولفظ حديث ابن عمر مرفوعاً: ((صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر واحدة وسجدتان قبل طلوع الفجر)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن شئت صليت ركعتين وإن شئت أربعاً، وإن شئت ستا، لا تفصل بينهن. قلت: هذا هو رأي عمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي بن كعب وابن عباس وأنس وأبي أمامة، وعمر بن عبد العزيز والفقهاء السبعة، وأهل الكوفة. فنظر الإمام أبو حنيفة إلى هذه الأحاديث وإلى حديث - ٢٠٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث السيدة عائشة عند البخاري: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. وإلى حديث عائشة عند أبي داود: كان يصلي صلاة العشاء في جماعة ثم يرجع إلى أهله فيركع أربع ركعات ثم يأوي إلى فراشه. وإلى حديث ابن الزبير عند أحمد: صلاته عليه السلام بالليل أربع ركعات. وقال البدر العيني في ((عمدة القاري)) ٦٢٦/٣: ونظر أبو حنيفة إلى اختلاف الروايات عن عائشة في أعداد ركعاته عليه السلام بالليل، فحملها على اختلاف الأحوال من اتساع الوقت وضيقه، وعد المتطوع في سعة من ذلك كله إلا أن الأفضل في صلاة الليل هو الأربع بتلك الأحاديث الصريحة وصلاة الليل مثنى محمولة عند أبي حنيفة على أن كل شفع من صلاة الليل في حكم صلاة مستقلة، لو لم يسلم في كل شفع، على أن المتطوع في سعة أن يسلم في رأس كل ركعتين من صلاة الليل. وأما الإيتار في تلك الأحاديث فحمله أبو حنيفة على إيتار الشفع الذي سبقه بضم ركعة إليه بدون تسليم على رأس الركعتين، يدل عليه حديث السيدة عائشة عند النسائي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر. وحديث عائشة أيضاً عند الحاكم، وكان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. وحديث ابن مسعود عند الدار قطني والبيهقي: ((وتر الليل ثلاث كوتر النهار)). وحديث ابن عمر عند النسائي مرفوعاً: ((صلاة المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة - ٢٠٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الليل)). ومع أبي حنيفة في ذلك الثوري وصاحباه وغيرهم. المسألة الثامنة والتسعون: الوتر بركعة واحدة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر وعطاء وسعد وابن سيرين وليث ومحمد وابن عباس والشعبي ومعاذ والحسن. ولفظ حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الوتر واحدة)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجوز أن يوتر بركعة. قلت: إن الروايات اختلفت في أن أقل صلاة الوتر ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات بتسليم بعد الشفع أو بغير تسليم إلا في آخر الركعات. فرأى الإمام أبو حنيفة أن أغلب الصحابة على أن الوتر ثلاث ركعات، فقال معهم: إنها ثلاث ركعات، ورأي أغلب القائلين بالثلاث لا يرون الفصل بينهما بسلام، فقال: يفصل بين الشفع والواحدة منها بسلام وقال: بعد النظر المديد في تلك الآثار أن الواحدة وفصل الثلاث بسلام مما نسخ بالأدلة التي نصت على الثلاث بدون فصلها بسلام، وبحديث النهي عن البتيراء، لأنه تقرر عند أهل العلم: أن الحاظر والمبيح إذا تعارضا يقدم الحاظر لئلا يلزم تكرير النسخ، فيكون الحديث الذي ينهى عن الفصل بينهما بسلام، ويمنع من البتيراء هو المتعين والمعمول به، فيكون باقي الآثار محمولة على ما قبل النهي قبل استقرار الأمر. وحديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في التمهيد عن أبي سعيد أن - ٢٠٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها. ثم إن حديث النهي عن البتيراء مشهور بين الصحابة حتى وقع في حديث ابن عمر بطريق الأوزاعي عند الطحاوي بلفظ: سأل رجل ابن عمر عن الوتر فأمره أن يفصل، فقال الرجل: إني لأخاف أن يقول الناس هي البتيراء، فقال ابن عمر: تريد السنة؟ هذه السنة. قال محمد بن الحسن في ((الموطأ)) عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يسلم في الوتر بين الركعتين والركعة حتى يأمر ببعض حاجته، قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس ولا نرى أن يسلم بينهما. قال محمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود، قال: الوتر ثلاث كصلاة المغرب. قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود قال: ما أجزأت ركعة واحدة قط. قال محمد: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا یسلم في رکعتي الوتر. وأخرج الحاكم أنه قيل للحسن: أن ابن عمر كان يسلم في الركعتين من الوتر فقال: كان عمر أفقه منه، وكان ينهض في الثالثة مكبراً. وأسند الطحاوي إلى أبي الزناد أنه قال: وعيت عن الفقهاء السبعة - منهم ابن - ٢٠٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسيب - أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. وإسناده حسن. وفي روايات ابن أبي شيبة عبد الله بن شقيق الناصبي وحجاج بن أرطأة وليث بن أبي سليم وعسل بن سفيان وابن عجلان مع انقطاعات كثيرة. المسألة التاسعة والتسعون: الجلوس على جلود السباع قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي المليح عن أبيه وابن مسعود والحكم وعمر وعلي. ولفظ أبي المليح عن أبيه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع، قال يزيد: أن تُفْتَرَش. ولفظ رواية الحكم: أن عمر كتب إلى أهل الشام ينهاهم أن يركبوا على جلود السباع. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس بالجلوس عليها. قلت: في الباب أحاديث تدل على أن جلود الميتة كلها تطهر بالدباغ باستثناء جلد الكلب والخنزير، فجمع الجمهور بين هذه وتلك بأن المنع خاص بما إذا لم تكن مدبوغة، والترخيص في الجلود المدبوغة وطهارة الجلود بالدباغة يدل عليه حديث: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)). كما في ((الموطأ)). وحديث البخاري: ((هلا انتفعتم بجلدها؟)). وما روى سعيد بن منصور عن أنس: أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً عليه قلنسوة بطانتها من - ٢٠٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث جلود الثعالب، فألقاها عن رأسه، وقال: وما يدريك؟ لعله ليس بذَكِي. وهذا دليل على أنه لو علم أنه ذكي لم يكره له ليس ما هو فيه. وحديث ابن عباس عند مسلم في فرو بن وعلة: دباغة طهوره. ويرى الطحاوي: أن كراهة من كره ذلك من الصحابة رضي الله عنهم المشابهة ذلك ركوب العجم. المسألة المائة: كلام الإمام أثناء الخطبة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عطاء وقیس وعامر وابن سیرین وجابر. ولفظ عطاء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال للناس: ((اجلسوا))، فسمعه عبد الله بن مسعود وهو على الباب فجلس، فقال: ((يا عبد الله ادخل)). ولفظ حديث جابر قال: جاء سُليك الغطفاني والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال له: ((صليت؟)) قال: لا، قال: ((صل رکعتین تَجَوَّز فيهما)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يكلم الإمام أحدا في خطبته. قلت: الخبر الأول: فيه عنعنة ابن جريج وهو مرسل. والخبر الثاني: فيه قيس بن أبي حازم وهو المخضرم، والجمهور على أنه لم ير النبي صلى - ٢٠٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الله عليه وسلم وكان مقدمه إلى المدينة بعد وفاته صلى الله عليه وسم وهو لم يسمع إلا خطبة أبي بكر. والأمر الثالث: فيه رواية شريك عن جابر الجعفي على أن هذا، وخبر ابن سيرين حكاية ما كان عليه الأمويون في العراق. وأما حديث سليك فهو صحيح، وأجيب عن ذلك بأن الحديث مع سليك كان قبل البدء في الخطبة بدليل ما ذكره النسائي في ((السنن الكبرى)) تحت عنوان باب الصلاة قبل الخطبة فيكون معنى يخطب وهو على شرف الخطبة، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم انتظره إلى أن فرغ من صلاته، في رواية عند أحمد والدار قطني، والحديث قبل الشروع في الخطبة، والصلاة أثناء سكوت الخطيب ليسا مما يخالف المذهب، وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله احتج بما رواه الستة عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)). وفي مسند ابن راهويه من حديث السائب بن يزيد: فإذا خرج عمر وجلس على المنبر قطعنا الصلاة إلى أن قال: فإذا سكت المؤذن خطب ولم يتكلم أحد حتى يفرغ من خطبته. وروى مالك في ((الموطأ)) عن الزهري خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام، ومثله في موطأ محمد، وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم كانوا: يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام. - ٢٠٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الحادية بعد المائة: هل في الاستسقاء صلاة وخطبة؟ قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عباس وعبد الله بن يزيد الأنصاري وعمر بن عبد العزيز وعبد الله بن زيد. ولفظ حديث ابن عباس: خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً، مبتذلاً، متخشعاً، متضرعاً، مترسِّلاً، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد ولم يخطب خطبتکم هذه. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا تُصلّى صلاة الاستسقاء في جماعة ولا يخطب فيها. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة أن لا خطبة ولا صلاة في الاستسقاء بل مجرد ابتهال واستغفار، واستدل على ما ذهب إليه بقوله تعالى: اُسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾. علق نزول الغيث بمجرد الاستغفار والأحاديث الصحيحة اقتصرت على الدعاء والاستغفار كحديث أنس عند الصحيحين: في رجل دخل المسجد فقال: هلكت المواشي والأموال، فادع الله يغيئنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: ((اللهم أغثنا)) الحديث. وحديث عمير مولى آبي اللحم عند أبي داود والترمذي، وحديث عامر بن خارجة عند أبي عوانة: ((اجثوا علی الرکب ثم قولوا: يارب يا رب)). وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه خرج - ٢٠٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث مع المغيرة ليستسقي، فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروي عن عطاء الأسلمي عن أبيه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب ليستسقي، فما زاد على الاستغفار. فهذه الأخبار والآثار تدل على جواز الاقتصار على الاستغفار لكنها لا تنفي أن الصلاة والخطبة مسنونتان في الاستسقاء كما ورد في حديث عبد الله بن زيد عند الستة وأحاديث أخرى صحيحة، لذا خالفه صاحباه في المسألة. المسألة الثانية بعد المائة: وقت العشاء قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عباس وأبي موسى وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي. ولفظ حديث ابن عباس مرفوعاً: ((أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي من الغد العشاء ثلث الليل الأول، وقال: هذا الوقت وقت النبيين قبلك، الوقت بين هذين الوقتين)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: وقت العشاء إلى نصف الليل. قلت: ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله من قول نصف الليل هو خطأ من ابن أبي شيبة، فإن الإمام أبا حنيفة لم يحدد منتهى وقت العشاء بنصف الليل بل يمده إلى طلوع الفجر. وساق الطحاوي بسنده عن نافع بن جبير قال: كتب عمر - ٢١٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث إلى أبي موسى: وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها. وعن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس في النوم تفريط، إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى)) أخرجه مسلم. فدل على بقاء وقت الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى. المسألة الثالثة بعد المائة: القسامة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديث سعيد وعمر بن عبد العزيز وبشیر بن يسار وعبد الله بن عمرو وسلیمان بن يسار. ولفظ عبد الله بن عمرو: أن حويصة ومحيصة ابني مسعود وعبد الله وعبد الرحمن ابني فلان: خرجوا يَمْتَارون بخيبر، فعدى على عبد الله فقتل، قال: فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تقسمون بخمسين وتستحقون))، فقالوا: يا رسول الله! كيف نقسم ولم نشهد، قال: ((فتبرئكم يهود))، قالوا: يا رسول الله إذاً تقتلنا اليهود، قال: فواده رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا تقبل أيمان الذين يدَّعون الدم. قلت: قال ابن عبد البر: ما نعلم في شيء من الأحكام المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاضطراب والتضاد مثل ما في هذه القضية، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة، وهي قضية واحدة. انتهى. وقال - ٢١١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عثمان البتي والحسن بن صالح، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله: يبدأ في القسامة بأيمان المدَّعَى عليهم، فيحلفون ثم يغرمون الدية، وحلفهم يدفع عنهم القَصَاص دون الدية عند مسلم. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وحجتهم حديث سعيد بن عبيد عند البخاري وفيه قوله عليه السلام للمدعين: ((تأتون بالبينة على من قتله))، قالوا: مالنا بينة، قال: ((فيحلفون))، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فواده بمائة من إبل الصدقة. ولم يكلف المدعين الحلف كما ترى بل طالبهم بالبينة، وهذا الحديث مؤيد بالحديث المشهور: ((البينة على المدعي واليمين)) على من أنكر، وبحديث أشعث: ((شاهداك أو یمینه)). المسألة الرابعة بعد المائة: ركعتي الطواف بعد صلاة الفجر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته: عن جبير بن مطعم وابن عمر وابن عباس والحسن والحسين وأبي الطفيل وابن الزبير. ولفظ حديث جبير بن مطعم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أي ساعة من ليل أو نهار)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يُصلي حتى تغيب أو تطلع وتُمْكِنَ الصلاة. - ٢١٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: في الحديث الأول: أبو الزبير وهو مدلس وقد عنعن، والثاني: إسناده فيه اضطراب. وفي الخبر الثالث والرابع: ليث بن أبي سليم. وفي الخبر الخامس: الوليد بن جميع. قال ابن حبان: فحش تفرده فبطل الاحتجاج به. وقال الحاكم: لو لم يذكره مسلم في صحيحه لكان أولى. وفي الخبر الأخير: الأجلح ضعفه النسائي. وقد يروي الإمام أبو حنيفة كراهة ركعتي الطواف بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر، واحتج بما أخرجه ابن راهوية عن معاذ بن عفراء أنه طاف بعد العصر أو بعد الصبح ولم يصل، فسئل عن ذلك، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. وأما حديث النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب، فمخرج من حديث ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، فلا يعارضه مثل تلك الآثار المعلولة، فتبقى كراهة ركعتي الطواف في الوقتين داخلة في ذلك الحكم العام كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. المسألة الخامسة بعد المائة: شراء السيف المحلى بنوع حليته قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن فضالة بن عبيد وأنس بن مالك وشریح ومحمد بن سیرین والزهري. ولفظ حديث فضالة بن عبيد قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بقلادة فيها خرز، مُعَلَّقَةٌ بذهب ابتاعها رجل بسبعة دنانير أو - ٢١٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بتسعة دنانير، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: ((لا، حتى تميز ما بينهما))، قال: إنما أردت الحجارة، قال: ((لا، حتى تميز ما بینهما»، قال: فرده حتی میز. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس أن يشتريه بالدراهم. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة جواز الشراء بالدراهم واحتج بما روى ابن أبي شيبة عن طارق بن شهاب: كنا نبيع السيف المحلى بالفضة ونشتريه. وروي عن ابن عباس: لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم. وروى بنحوه ابن حزم في ((المحلى)) عن عمر وعلي وابن مسعود وأنس وطارق وخباب، وساق ابن حزم تجويز ذلك عن الحكم بن عتيبة والحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي وحماد بن أبي سليمان وسليمان بن مولى وشيخه مكحول وسفيان الثوري، وقد أخرج الطحاوي عن طریق سعید بن جبير عن ابن عباس به وقد حدث محمد ابن الحسن عن إبراهيم النخعي وعامر الشعبي، وأما حديث الباب، فتكلم على حديث فضالة وغيره الطحاوي في ((شرح المعاني)). المسألة السادسة بعد المائة: قضاء الأربع قبل الظهر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم وعمرو بن میمون. ولفظ عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم - ٢١٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث إذا فاتته أربع قبل الظهر صلاها بعدها. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يصليها ولا يقضيها. قلت: الأول مرسل. والثاني: قول عمرو بن ميمون التابعي، وفي سنده مجهول. وقد روى ابن ماجه في ((سننه)) عن السيدة عائشة بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر. ورجاله ثقات، غیر قیس بن الربيع، وقد وثق. ورواه الترمذي عنها نحوه. وقضاء الأربع قبل الظهر عند فواتها بعد الظهر موضع اتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه كما نص عليه ابن الهمام وقاضي خان وغيرهما، فظهر من ذلك أن ابن أبي شيبة غلط فيما عزاه إلى أبي حنيفة. المسألة السابعة بعد المائة: الصلاة على الشهيد قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن جابر وأنس. ولفظ حديث جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يُصلّى على الشهيد. قلت: اختلفت الروايات في الصلاة على الشهيد، فأخذ أبو حنيفة بالأحوط، فقال: بوجوب الصلاة على الشهيد، واحتج على ذلك بحديث - ٢١٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عقبة بن عامر عند البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على شهداء أحد صلاته على الميت، وتأويل ابن حبان والبيهقي للحديث بالدعاء تأويل بارد يرده لفظ صلاته على الميت في الحديث، وأخرج الحاكم عن جابر أنه صلى على حمزة وهو عند أحمد، وروى عبد الرزاق عن الشعبي مرسلاً. وقال محمد بن الحسن في الحجج: سبحان الله العظيم كيف تترك الصلاة على الشهيد وقد جاءت الآثار المعروفة المشهورة التي لا خلاف فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد وحمزة. المسألة الثامنة بعد المائة: تخليل اللحية قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عمار بن ياسر وعثمان وابن عمر وابن عباس وأنس وأبي أمامة. ولفظ حسان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته، فقلت له، فقال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعله. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كان لا يرى تخليل اللحية. قلت: قال الزيلعي: الروايات في تخليل اللحية عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها مدخولة، وأمثلها حديث عثمان، أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عامر بن شقيق وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وحديث أبي أمامة فيه عمر بن سليم الباهلي غير مشهور، يحدث بالمناكير، وحديث أنس فيه رجل مجهول، وفي الآخر منه الهيثم متروك. - ٢١٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وتخليل اللحية عند غسل الوجه في الوضوء مستحب عند أبي حنيفة كما هو المنصوص في کتب المذهب ولیس بحتم عنده ولا سنة مؤكدة كما في الآثار الواردة في ذلك من العلل، فلا يصح أن يعد أبو حنيفة مخالفاً للحديث الصحيح الصريح في مثل هذه المسألة التي لم يصح فيها حديث. المسألة التاسعة بعد المائة: القراءة في الوتر قد ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزى، وأبي بن كعب، وابن عباس وعمران بن حصین. ولفظ حديث أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بـ ﴿سَبِجِ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ} وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كره أن يخص سورة يقرأ بها في الوتر. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة في تلاوة القرآن في الصلوات كلها ما تيسر للمصلي كما دل على ذلك القرآن الكريم، وهذه الأحاديث لا تفيد البت والإلزام بقراءة تلك السور في الوتر، فللمصلي أن يقرأها ويقرأ غيرها على ما تيسر، واحتج بما جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في وتره في ثلاث ركعات ﴿ قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ والمعوذتين. وأما دعوى أن الإمام أبا حنيفة يكره تخصيص سورة يقرأ بها المصلي في الوتر مطلقاً، فليس في كتب المذهب - ٢١٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أثر يستند عليه في تلك الدعوى. وفي ((المنتقى)) للباجي: قال ابن نافع في المجموعة إن الناس ليلتزمون في الوتر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ١ والمعوذتين مع أم القرآن وما هو بلازم، وهذا ينفي الوجوب. انتهى. بل يفيد التخيير في قراءة أي سورة شاء المصلي وعليه العمل. المسألة العاشرة بعد المائة: القراءة في الجمعة والعيدين قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي هريرة وأبي جعفر والنعمان بن بشير وسمرة وأبي واقد. ولفظ حديث النعمان بن بشير: أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَيِّجٍ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿ قُلْ يَكَأَيُّهَا اُلْكَفِرُونَ﴾ أنها سنة وإذا اجتمع العيدان في يوم قرأ بهما فيهما. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كره أن تخص سورة ليوم الجمعة والعيدين. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله كراهة تخصيص الجمعة أو غيرها بسورة أو سورة خاصة بل الأمر في ذلك مبني على التيسير، واستدل لذلك بقوله: ﴿فَأَقْرَهُ وَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾. ويستحب قراءة سورة الجمعة في أولى ركعتي الجمعة عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هي وغيرها من السور سواء. قاله الباجي، والتخيير هو الأصوب بالنظر إلى الأدلة. - ٢١٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الحادية عشرة بعد المائة: المذي وأثر الاحتلام في الثوب قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن سهل بن حنيف وابن عباس وأبي إسحاق وإبراهيم وسالم وعمر وسعيد بن المسيب. ولفظ حديث سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدة، فكنت أكثر الغسل منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما یکفیك من ذلك الوضوء، قال: قلت: يا رسول الله! فكيف بما يصيب ثوبي؟ قال: «إنما یکفیك کف من ماءٍ تنضح به من ثوبك حیث ترى أنه أصاب)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا ينضحه ولا يزيده الماء إلا شراً. قلت: أحاديث الباب الأول : فیه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. والثاني: موقوف على ابن عباس وفي سنده سماك بن حرب عن عكرمة. والثالث: رأي أبي ميسرة. ورواية أبي إسحاق قد يذكر بالتدليس والاختلاط. والخامس فيه محبوب القواريري، ضعفه أبو حاتم الرازي وغيره، وشيخه مالك لا يعرف. ثم ساق ابن أبي شيبة المذي والاحتلام في مساق - ٢١٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث واحد مع أن المذي نجس اتفاقاً، فلا يزول إلا بالغسل عند جمهور الفقهاء، منهم أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وإسحاق، وهم حملوا النضح في الحديث على معنى الغسل، ولو حمل على معنى الرش، فلا يزيد الثوب إلا تلطخاً وفساداً. وأما الاحتلام فليس حكمه كحكم المذي لأن حديث عائشة في فرك اليابس وغسل الرطب على أن المني يغسل للاستقذار لا لكونه نجساً، فسوقهما في مساق واحد لا يكون متزناً. المسألة الثانية عشرة بعد المائة: الصلاة أثناء الخُطبة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديث جابر وأبي مجلز والحسن. ولفظ حديث جابر قال: جاء سُليك الغَطَفَاني والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال له: ((صليت؟)) قال: لا، قال: ((صل رکعتین تجوز فیهما)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يصلي. قلت: سبق الكلام تحت المسألة (١٠٠) كلام الإمام أثناء الخطبة وذكر هناك أن صلاته وحديث النبي صلى الله عليه وسلم معه ما كان أثناء الاستمرار على الخطبة، وأن العمل المتوارث بين جمهور الصحابة والتابعين هو الامتناع من الحديث والصلاة أثناء الخطبة، وقد صح أحاديث في النهي عن الكلام أثناء الخطبة، فإذا فرضنا أن حديث سليك - ٢٢٠ -