Indexed OCR Text
Pages 141-160
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: وافقه الإمام مالك وكبار أصحابه مثل الليث بن سعد والأوزاعي وأصحاب أبي حنيفة. وفي ((التمهيد)) لابن عبد البر: قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والليث: لا يكون القرآن ولا تعليمه مهراً وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمَّوَلِكُمْ﴾. ولذكره تعالى في النكاح: الطّول وهو المال، والقرآن ليس بمال. وذكر القرآن في الحديث لتعظيم شأنه والإرشاد إلى تعليمه كتزوج أبي طلحة أم سليم على الإسلام. وقد روى ابن أبي حاتم عن جابر مرفوعاً: ((لا مهر أقل من عشرة)). وقال البغوي: سنده حسن، وهذا الحديث المرفوع يغني عما ورد بطرق ضعيفة عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما. وأما أحاديث الباب، ففي الحديث الأول: عاصم بن عبد الله، وهو ضعيف لا يحتج به عند ابن معين وغيره . والحديث الثاني: مخرج في الصحاح والسنن لكن اختلفت ألفاظه جداً. والحديث الثالث: في سنده ابن أبي لبيبة. ضعفه الدار قطني وغيره. وأما الحديث الرابع: ففي سنده حجاج بن أرطأة. وهو ضعيف. وأما بعد تلك الأحاديث من الأقوال، فأقوال بعض العلماء غير مرفوعة، فلا تقوم بها حجة. وأما الخبر الأخير: ففي سنده ابن البيلماني، وهو ضعيف ومع ذلك هو مرسل. - ١٤١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الثامنة والثلاثون: هل يكون العتق صداقا قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن أنس بن مالك وعلي وسعيد بن المسيب. ولفظ حديث أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفِيَّة وتزوَّجَها، قال: فقيل له: ما أَصْدَقَها؟ قال: أصدقها نَفْسَها، جعل عتقها صَدَاقَها. ثم قال: وذکر أن أبا حنيفة قال: لا يجوز إلا بمهر. قلت: وافقه الليث ومالك وابن شبرمة ومحمد وجابر بن زيد وزفر. وأجابوا عن هذا الحديث: أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم من جهة أن من خصائصه تزوج من وهبت نفسها بغير صداق. وهذا أيضاً من غير صداق. فلا يجوز لأحد بعده مثل ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم له أن يصدق وأن لا يصدق بعد العتق. ومعنى: أعتقها وتزوجها، أعتقها ثم تزوجها. وما قاله أنس: أصدقها نفسها، ظنا من قبل نفسه ولم يرفعه. وممن نص على كون ذلك خاصّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم يحيى بن أكثم والشافعي رضي الله عنهم في روايتي أحمد بن محمد البرتي والمزني عند البيهقي. المسألة التاسعة والثلاثون: اقتداء المتنفل بالإمام في الفجر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن الأسود ومحجن. - ١٤٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ولفظ جابر بن الأسود عن أبيه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته قال: فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: ((علي بهما))، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ((ما منعكما أن تصليا معنا؟)) قالا: يا رسول الله كنا قد صلينا في رحالنا، قال: ((فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)). وقال: وذُكِر أن أبا حنيفة قال: لا تعاد الفجر. قلت: وافقه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من أصحابه، والقول بعدم الإعادة يشمل الفجر والعصر والمغرب. فقصر الأمر على الفجر يكون تقصيراً، وقد عارض حديث الباب بأحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر المخرجة في الصحاح والسنن على التواتر في نظر كثير من النقاد، كما قاله العيني في ((العمدة)»، فيؤخذ بحديث النهي لكونه أقوى الدليلين. وقد استدل بما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة بحديث عمر أنه كان يضرب على ركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة. وكذلك كان يفعل ابن عباس. وبما روى مالك في ((الموطأ» عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما. وبما أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) عن ناعم بن أجيل مولى أم سلمة، قال: كنت أدخل المسجد لصلاة المغرب، فأرى رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوساً في آخر المسجد والناس يصلون فيه قد صلوا في بيوتهم. - ١٤٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الأربعون: تكرار الجماعة قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب حديث أبي سعيد بلفظ: جاء رجل وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أيكم يتجر على هذا؟ قال: فقام رجل من القوم فصلى معه. وقال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا تَجْمَعُوا فِيه. قلت: يعني مرتين. ووافقه مالك والليث وابن المبارك والأوزاعي وأبو قلابة والثوري والقاسم ومسلم والشافعي: أن لا يجمع مرتين في مسجد جمع فيه حذراً من تقليل الجماعة الكبرى وخوفاً من تفريق كلمة المسلمين. وذلك في غير الحرمين والمسجد المطروق، فإن تعددت الجماعة فيها لا يكره عندهم. وقال التهانوي في ((إعلاء السن)) ٢٦٠/٤ عند كلامه في إحراق المتخلفين عن الجماعة: أن الجماعة الأولى هي التي ندب الشارع إلى إتيانها كما يفيده قوله صلى الله عليه وسلم : ((هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيحرقوا ... )) فلو كانت الجماعة الثانية مشروعة لم يهم بإحراق من تخلف عن الأولى لاحتمال إدراكه الثانية، إذا ثبت هذا فنقول: إن وجوب الإتيان إلى الجماعة الأولى يستلزم كراهية الثانية في المسجد الواحد حتماً، فإنهم لا يجتمعون إذا علموا أنهم لا تفوتهم الجماعة الثانية. وفي ((الجامع الصغير)): لأن في تكرار الجماعة تقليلها حيث لا يخاف كل واحد فواتها، وخصت - ١٤٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الكراهة بمسجد المحلة لانعدام علتها في مسجد الشارع والسوق ونحوهما، انتهى. وحمل على ذلك حديث النسائي: ((لا تصلوا صلاة في يوم مرتين)). المسألة الحادية والأربعون: قتل الحر بالعبد قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قَتَل عبده قَتَلنَاه وَمَن جَدَعَ عبده جَدَعْنَاه)). وقال : وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يُقْتَلُ به. قلت: وافقه على هذا مالك والشافعي وأحمد والثوري وابن أبي ليلى وداود وهو قول علي وابن مسعود وابن المسيب والنخعي. بل اتفقوا على أن السيد إذا قتل عبده فإنه لا يقتل به، ولو كان متعمداً، كما في (الإشراف على مذاهب الأئمة)) لابن هبيرة. وحديث الباب من مرسلات الحسن والكلام في مرسلاته معروف، فلا ينهض هذا الخبر حجة في سفك دم مسلم حر قتل عبده. ولذا لم يأخذ الأئمة الأربعة بهذا الحديث. ودليل ﴾ ليس من الدلالات المعتبرة في الخطيب في قوله تعالى: ﴿ وَاُلْعَبْدُ الأدلة عندهم على أن حديث: ((المسلمون تتكافأ دمائهم)) يكاد أن يكون متواتراً. فلا يهدر دم العبد المسلم إذا كان قاتله غير مالك رقبته. المسألة الثانية والأربعون: طلوع الشمس أثناء الصلاة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من أدرك - ١٤٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك من صلاة الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة)). ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا صلى ركعة من الفجر ثم طلعت الشمس لم تجزئه. قلت: ليس في هذا الحديث تعرض لإتمام الصلاة أثناء الطلوع أو الغروب، فيبقى محتملاً لمعان، فلا يناقض الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عن الصلاة عند الطلوع والاستواء والغروب من رواية عقبة بن عامر عند مسلم. وحديث ليلة التعريس فيه ألفاظ تدل على أنه عليه السلام لم يبادر بالقضاء، بل انتظر إلى ارتفاع الشمس ثم توضأ وتوضؤوا وصلوا، ولم يكن ذلك لمجرد الانتقال من موضع النوم. المسألة الثالثة والأربعون: كفارة الصوم قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت، قال: ((وما أهلكك؟)) قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: ((عتق رقبة)»، قال: لا أجد، قال: ((صم شهرين))، قال: لا أستطيع، قال: ((أطعم ستين مسكينا))، قال: لا أجد. قال: ((اجلس))، فبينما هو كذلك إذا أتي بعَرَق فيه تمر، قال له صلى الله عليه وسلم: ((اذهب فتصدق به))، قال: والذي بعثك بالحق ما بين لابَتَي المدينةِ أهلُ بَيْتٍ أفقَرُ إليه منا، فضحك حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((انطلق فأطعمه عيالك)). - ١٤٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجوز أن يطعمه عيالَه. قلت: اتفق الأئمة الأربعة على أن حكم الحديث خاص بذلك الأعرابي من جهة قصر جواز إطعام عياله عليه، وأخذوا ذلك بما زاد الزهري في حديث أبي داود وإنما كان هذا رخصة له خاصة، ولو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير. المسألة الرابعة والأربعون: صلاة العيد في اليوم الثاني قد ذكر ابن أبي شيبة عن طريق أبي عمير بن أنس عن عمومتي من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أُغْمِي علينا هلالُ شَوَّال فأصبحنا صياماً، فجاء رَكْبٌ من آخِر النهار فشهدوا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهم رَأَوا الهلالَ بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُفْطِروا، وأن يَخْرُجُوا إلى عيدهم من الغد. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يَخْرُجُون من الغد. قلت: هذا الحديث فيه أبو عمير جَهَّله ابن عبد البر وابن القطان الفاسي، وقد صحح هذا الحديث جماعة لكن لم يأخذ به أبو حنيفة ولا الشافعي ولا مالك ولا أبو ثور، فقالوا: إذا فاتت الصلاةُ يوم العيدِ حتى زالت الشمسُ من یومه لم یصل بعد ذلك في ذلك اليوم ولا بعده. ویری أبو يوسف أنه إذا فات الناس صلاة العيد في صدر يوم العيد صلوها من غد ذلك اليوم في الوقت الذي يصلونها فيه، فظهر أن هذا الحديث مما يتسع فيه - ١٤٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث النظر تضعيفاً وتصحيحاً، فلا يعد من يخالفه مخالفاً للأثر الصحيح، ولا سيما أن هذه المسألة ليست مما انفرد به أبو حنيفة بل معه هؤلاء. المسألة الخامسة والأربعون: بيع المصَرَّاة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثين عن أبي هريرة ورجل من أصحاب النبي صلی الله علیه وسلم. ولفظ حديث أبي هريرة : ((من اشترى مصَرَّاةً فهو فيها بالخِيَار إن شاءَ ردَّهَا وردَّ معها صَاعاً من تَمْرٍ)). ثم قال: وذکِر أن أبا حنيفة قال: بخلافه. قلت: وافقه الإمام مالك وأشهب ومحمد وأبو يوسف وطائفة من فقهاء العراق. وحديث الباب معلول لمخالفته عموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا مَا عُوقِبْتُم بِهِ، ﴾ الآيتان عَلَيْكُمْ﴾. وقوله ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ تُحَتِّمان الضمان بالمثل وصاع من تمر ليس بمثل ولا قيمة للبن المحلوب المستهلك عند المشتري مدة بقائها عنده بل تدر المصراة أيام بقائها عند المشتري من اللبن ما يساوي أضعاف صاع من تمر في القيمة، وهو ظاهر. وحديث الخراج بالضمان الذي صححه الترمذي وأخذ به جمهور الفقهاء وبه أخذ الإمام أبو حنيفة. وأما ذكر فقه الراوي هنا وعَدُّ أبي هريرة غير فقيه، فيبرأ منه - ١٤٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أبو حنيفة وأصحابه، بل لا يثبت هذا عن عيسى بن أبان، وللحافظ عبد القادر القرشي جزء خاص في تحقيق ما يتعلق بحديث المصراة في آخر طبقاته. المسألة السادسة والأربعون: حكم انتباذ الخليطين قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن جابر وابن عباس وأبي قتادة وأبي سعيد الخدري. ولفظ حديث ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلط التمر والزبيب جميعاً، وأن يخلط البسر والزبيب جميعاً، وكتب بذلك إلی أهل جُرَشَ. ثم قال: وذکر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به. قلت: اتفق العلماء في تحريم جميع ما يسكر بالفعل، وإنما خلافهم فيما سوى الخمر مما يشرب للتقوى لا للتَّلَهي، دون أن يبلغ حد السكر. فمن يرى حرمة القليل مما يُسْكِر كثيره يحرم الجميع، ومن يرى حرمة السُّكر بالفعل دون القليل الذي لا يسكر مما سوى الخمر يرخص في القليل، ومنهم أبو حنيفة وشريك ووكيع وغيرهم من فقهاء العراق قديماً وحديثاً، واستدلوا عليه بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها ذكره العيني في ((العمدة))، وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: لو أعطيت جميع ما في الدنيا لأُحَرِّمَ النبيذ لا أحرمه، لأنه مختلف فيه، ولو أعطيت جميع ما في الدنيا - ١٤٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ومثلها لأشرب قطرة نبيذ لا أشربه. وفي رواية: لا أحرمه لأنه فيه تفسيق بعض الصحابة، لأن بعض الصحابة كان يشرب نوعاً منه للتقوى، وفي بعض الأحوال قد يؤدي إلى السكر. هكذا يكون المجتهد معذوراً مع كون الصواب مع الجمهور. المسألة السابعة والأربعون: نكاح المحلّل قد ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن عبد الله وعمر وابن عمر وعلي وابن سيرين. ولفظ حديث عبد الله قال: لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. ولفظ حديث عمر: قال عمر: لا أُوتِيَ بِمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّلٍ له إلا رجمتُهُما. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا تزوجها ليحلّها فرغب فيها، فلا بأس أن یمسکھا. قلت: لم ينفرد به أبو حنيفة بل معه الشافعي في الجديد، وهذا الزوج لم يحللها للأول وإنما اصطفاها لنفسه بعد إيجاب وقبول في محضر شهود، فمن أين اللوم على أبي حنيفة. والحديث الأول أخرجه الترمذي والنسائي. والثاني في سنده مجالد، والثالث في سنده مجهول، والرابع في سنده مجالد، والخامس في سنده عائذ وهو من قول ابن سيرين نفسه، وإن - ١٥٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أراد ابن أبي شيبة أن النكاح الثاني لا ينعقد فتلك الأدلة لا تدل على ذلك بل تدل على أن العاقد لأجل التحليل آثم، بل إنها نصوص على التحليل مع الإثم، لأنها تسمي الطرفين محلّلاً ومحلّلا له، والدليل محتمل غير حاسم في أحد الطرفين. المسألة الثامنة والأربعون: تعريف اللقطة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثين عن زيد بن خالد وأبي بن كعب. ولفظ زيد بن خالد قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللُّقطة فقال: ((عَرِّفْها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فاسْتَنْفِقْهَا)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن جاء صَاحِبُها غَرِمَ له. قلت: ولفظ البخاري بعد تعريف اللقطة سنة، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه، والأداء بعد الاستنفاق هو الغرم. ويرى الإمام أبو حنيفة أن لا يتصرف الغني في اللقطة بالاستمتاع بها إلا بإذن ولي الأمر، ولأموال اللقطة بيت خاص ومصارف خاصة في فقهه، ومع أبي حنيفة باقي الأئمة في إيجاب ضمان الملتقط اللقطة لربها عينا أو قيمة في أي وقت حضر بعد التعريف المعروف، وأبو حنيفة على كل حال ليس بمنفرد في المسألة، بل الجمهور على أن رب اللقطة في أي وقت حضر، والعين قائمة ترد إليه، وإن كانت مستهلكة يرد إليه بدلها ولم يخالفهم في ذلك غير داود والكرابيسي، وسار سيرهما البخاري من غیر دلیل ناهض. - ١٥١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة التاسعة والأربعون: بيع التمر قبل بدوٍّ صلاحه ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وأنس وأبي أمامة. ولفظ حديث أبي سعيد قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثَّمَرَةِ حتى يبدو صلاحُها، قالوا: وما بُدّوُّ صلاحِها؟ قال: (تَذْهَب عاهاتُها ويخلُص طَيِّبُهَا)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس ببيعه بلحاً، وهو خلاف الأثر. قلت: وافقه الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد ومالك في رواية وأحمد في قول، ويرى الإمام أبو حنيفة جواز بيع الثمار على الأشجار بعد ظهورها من غير حاجة إلى الانتظار إلى النضج، وحجته ما أخرجه البخاري عن ابن عمر: ((من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع)». لأن المبتاع بأشراطه يكون ابتاع تلك الثمار، فدل ذلك على جواز بيع الثمار قبل النضج، لأن كل مالا يدخل في بيع غيره من غير اشتراط هو الذي يكون مبيعاً وحده، فتكون الأحاديث السابقة بمعنى النهي عن بيع ما ليس بموجود حين لم تَتَكَوَّن الثمار، وصلاحها تكوّنُها لا تناهي نضجها؛ لئلا تتضاد الأحاديث، وربما تكون تلك الأحاديث من باب إعطاء المشورة لا من باب التحریم. - ١٥٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الخمسون: سن البلوغ قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر قال: عُرِضْتُ على النبي يوم أُحُدٍ وأنا ابن أربع عشرة، فاستصغرني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فحدثت به عمر بن عبد العزيز قال، فقال: هذا حَدٍّ بين الصغير والكبير، فكتب إلى عُمَّالِه أن يَفْرضوا لابن خمس عشرة في المقاتلة ولابن أربع عشرة في الدُّرِّيَّة. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس على الجارية شيء حتى تبلغ ثماني عشرة أو سبع عشرة. قلت: وافقه الإمام مالك وداود، وحديث ابن عمر فيمن هو صالح للجهاد وهذا مما يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف نمو أجسامهم وقوامهم. وأما البلوغ فقد نص القرآن الكريم على أن ذلك ببلوغ الأطفال الحلم، فالذكور يحتلمون فيما بين اثنتي عشرة سنة وخمس عشرة سنة في الأغلب. والإناث احتلامهن في الأغلب فيما بين تسع سنين واثنتي عشرة سنة، فإذا لم يحتلم الغلام أو الجارية في تلك السنين يزيد أبو حنيفة ثلاث سنوات على الحد الأغلب في الغلام والجارية احتياطا. وقال القرطبي في ((الجامع لأحكام القرآن)): وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة، وعن أبي حنيفة رواية أخرى: تسع عشرة سنة وهي الأشهر، وقال في الجارية: بلوغها لسبع عشرة سنة ... - ١٥٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وروى اللؤلؤي عنه: ثمان عشرة سنة. المسألة الحادية والخمسون: حكم الخرص في التمر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن سعيد بن المسيب والشعبي وسهل بن أبي حثمة وجابر وبشیر بن يسار. ولفظ حديث سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتَّابَ بن ◌ُسید أن یخْرُص العنب کما یخرص النخل، فتؤدّی زكاته زبیباً، کما تؤدَّی زَكَاةُ النخل تمراً، فتلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم في النخل والعنب. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كان لا يرى الخَرْص. قلت: وافقه الشعبي والثوري وأبو يوسف ومحمد، ويرى الإمام رحمه الله أن يكون الخرص لمجرد الاعتبار والاستذكار ولحمل أصحاب النخل على عدم الخيانة، ولو أطلقنا عنان الكلام وقلنا بإفادة حديث الخرص للإلزام يكون في ذلك بيع التمر في رؤس النخل بالتمر كيلاً وبيع الرطب نسيئة بالتمر، وكلاهما من أصول الربا المحرمة، فيحمل حديث الخرص على التخمين ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار على أن أهل خيبر كانوا من اليهود، فلا يكونون من أهل الزكاة حتى يتخذ هذا قاعدة لأخذ الزكاة من المسلمین، ولو ثبت تحكيمه فيما يجب أخذه من زكاة الثمار على الوجه الذي يذكره المخالفون لكان هذا منسوخاً بآية الربا، وبالأحاديث المبينة لأنواع الربا وتحريم - ١٥٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الربا فيكون الخرص لمجرد التوثق والاطمئنان فقط، لا للتحكيم. وحديث جابر في النهي عن الخرص عند الطحاوي صريح في عدم جواز تحكيمه. وأما أحاديث الباب، فالحديث الأول من مرسلات ابن المسيب لأنه لم يدرك عتاب بن أسيد. والحديث الثاني من مرسلات الشعبي. والحديث الثالث في سنده عبد الرحمن بن مسعود وهو مجهول. قال الذهبي: لا يعرف. والحديث الرابع: في سنده عنعنة أبي الزبير. المسألة الثانية والخمسون: إنفاق الأب على نفسه من مال ولده قد ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن السيدة عائشة والشعبي ومحمد بن المنكدر وعبد الله بن عمرو. ولفظ عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي اجتاح مالي، قال: أنت ومالك لأبيك. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا یأخذ من ماله إلا أن يكون محتاجاً فينفق عليه. قلت: وافقه من أصحابه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، ورأوا في الحديث أن ذلك ليس على جهة تمليك الأب مال ابنه وإزالة ملك الابن عن ماله، وإلا كان الابن مملوكاً للأب أيضاً يبيعه متى شاء، وهذا مالم يقله أحد، وإنما معنى تلك الأحاديث عند أصحابنا نفاذ أمر الوالد في مال ولده إذا احتاج الوالد إلى النفقة، كما في قول أبي بكر - ١٥٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الصديق رضي الله عنه: إنما أنا ومالي لك يا رسول الله. كما ساقه الطحاوي في ((شرح المعاني)) وهو بمعنى: نفاذ أمره عليه السلام في ماله ونفسه. ومن الدليل على حرمة مال الابن على الأب قوله صلى الله عليه وسلم : ((ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا)). وهو مخرج في الصحاح والسنن حيث لم يستثن للآباء أموال الأبناء، وكذا آية المواريث التي تجعل للأب السدس. وحديث عبد الله بن عمرو عند الطحاوي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ((أُمِرْتُ بيوم الأضحى عيدٍ جَعَلَهُ الله لهذه الأمة))، فقال الرجل: أفرأيت إن لم أجد إلا مَنِيحَة ابني أفأضحي بها؟ قال: ((لا)). قال الطحاوي: دل قوله: لا، وأمره أن يضحي من ماله وحضه عليه على أن حكم مال ابنه خلاف حكم ماله إلى آخر ما ذكره في ((معاني الآثار)). وحديث الباب فيه حديث الشعبي، هو مرسل وفي سنده ابن أبي ليلى. وحديث المنكدر مرسل، ورفعه بطريق عمرو بن شعيب عند ابن أبي شيبة وابن ماجه وفي سنده حجاج بن أرطأة. المسألة الثالثة والخمسون: شرب أبوال الإبل قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثين عن أنس بن مالك. ولفظ حديث أنس الأول قال: قدم ناس من عُرَيْنَةَ المدينةَ فَاجْتَوَوْهَا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شئتم أن تَخْرُجوا إلى إِيل الصدقة، فتشربوا من أبوالها وألبانها فَافْعَلوا)). - ١٥٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كَرِهَ شُرْبَ أبوالِ الإبل. قلت: وافقه الشافعي وأبو یوسف وأبو ثور وآخرون. وحديث الباب فیه هُشَيم وأبو قلابة مدلسان، وقد عنعنا، ولم يرد ذكر الأبوال إلا عند بعض الرواة عن أنس في حديث العُرَنِيين الذي انفرد به أنس، وزيادة الثقة مقبولة عند الجمهور فقبلوا رواية ((وأبوالها)) فأجازوا شربها للتداوي مختلفين في نجاستها، فمنهم من قال: إنها نجسة إلا أنها أبيح شربها للتداوي، ومنهم من قال: إنها طاهرة ولذا أبوال سائر الحيوانات التي يجوز أكل لحمها عندهم، وأما أبو حنيفة فقد جرى على أصله في ردّ الزائد إلى الناقص سنداً ومتناً، كما في ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب، واقتصر على لفظ الألبان الموجود في جميع الروايات، فرأى أن أبوال الإبل نجسة وشربها حرام. وقال شمس الأئمة السرخسي: حديث أنس قد رواه قتادة عنه أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكر الأبوال في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة سقط الاحتجاج به، وتابعه الأتقاني وصاحب العناية في هذا البيان. المسألة الرابعة والخمسون: حَرَمُ المدينة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن سعد وعلي بن أبي طالب وسهل بن حنيف وأبي هريرة وشرحبيل وأبي سعيد وأنس بن مالك وابن عباس. ولفظ حديث أنس بن مالك: أَحَرَّم النبي صلى الله عليه وسلم - ١٥٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المدينة؟ قال: نعم، هي حرام، حرمها الله ورسوله، لا يختلى خلاها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس عليه شيء. قلت: وافقه الثوري وابن المبارك وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ويقول: ليس حَرَمُ المدينة كحَرَم مكة بحيث لا يؤخذ صيدها ولا يقطع شجرها بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع الأشجار عند بناء مسجده المبارك بنفسه، وإنما نهى عن قطع الأشجار التي بهاء الحرم وخضرته وزهرته. وقد ورد بطرق قول النبي صلى الله عليه: ((يا أبا عمير ما فعل النُّغَير)). ونغير طائر كان يلعب به أبو عمير في المدينة، ولو كان أخذ الطير محرماً في المدينة لما أقره على هذا. ومن أدلته حديث السيدة عائشة: كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش، فإذا خرج لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل رَبَضَ، فلم يَتَرَمْرَم كراهة أن يؤذيه. قال البدر العيني: هذا في المدينة في موضع قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يؤوا فيه الوحوش ويتخذونها، ويغلقون دونها الأبواب، فدل أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حکم مكة، أخرجه أحمد وإسناده صحيح. المسألة الخامسة والخمسون: ثمن الكلب قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر وأبي جحيفة وابن عباس. - ١٥٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ولفظ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغيِّ وثمن الكلب. وذكر أن أبا حنيفة رخص في ثمن الكلب. قلت: هو رأي عثمان وجابر وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبي يوسف ومحمد وابن كنانة وسحنون ومالك في رواية. ثم استعرض الإمام أبو حنيفة جميع ما ورد في الكلاب من مرفوع وموقوف، وقول تابعي، فوجد طائفة من الأحاديث تأمر بقتل الكلاب وطائفة منها تقول: أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، وقسم منها يفيد أن من اقتنى كلباً ليس بكلب ماشية نقص كل يوم من عمله قيراطان، وقسم منها ينهى عن ثمن الكلب مطلقاً كما هنا، وقسم يستثني من النهي كلب الصيد ونحوه، وجماعة من الصحابة والتابعين يغرمون قاتل الكلب، فحمل أبو حنيفة قتلها في وقت على مصلحة خاصة، والنهي عن ثمنها على كلاب لم يرخص اقتناءها، وحمل الترخيص على كلب يكون في اقتناءه فائدة، كالصيد وحراسة المواشي أو الزرع أو البيت، فأباح ثمن الكلب المعلم كهذا وضع من ثمن الكلب الذي لم يكن اقتناءه مفيداً، وجمع بين الأدلة هكذا من غير إغفال شيء منها. وقد استدل عليه بحديث ابن عباس بلفظ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن الكلب للصيد، وبحديث أبي هريرة بلفظ: ((من اقتنى كلباً فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط، إلا كلب غنم أو حرث أو صيد»، فأباح اقتناء ما استثنى منها، وإذا أباح - ١٥٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث اتخاذه جاز بيعه كسائر الحيوان. وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه أمر بقتل الكلاب، وروي عنه أنه أغرم رجلاً ثمن كلب قتله عشرين بعيراً. وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعین درهماً، وقضى في كلب ماشية بکبش. المسألة السادسة والخمسون: نصاب قطع اليد في السرقة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر والسيدة عائشة وعبد الله. ولفظ حديث ابن عمر قال: قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مِجَنْ قُوِّمَ ثلاثةَ دراهم. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يُقْطَع في أقَلَّ من عشرة دراهم. قلت: هذا القول هو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود، وقد روى الإمام محمد في آثاره من طريق الإمام أبي حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: لا تُقْطَع يد السارق في أقل من عشرة دراهم. وروى من طريق عن حماد عن إبراهيم قال: لا تقطع يد السارق في أقل من ثمن الحجفة، وكان ثمنها عشرة دراهم، وفي الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: لم تقطع يد سارق في عهد رسول الله صلی الله عليه وسلم في أقل من ثمن المجن. حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن، ثم اختلفوا في ثمن المجن من ربع دينار إلى دينار، ومن ثلاثة دراهم الى عشرة دراهم، وقومت الحجفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - ١٦٠ -