Indexed OCR Text
Pages 41-60
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطیب)) ص٢٨١ : وشواهد الحال تكذب الرواية؛ لأن أحمد يتابع أبا حنيفة في أمهات المسائل الخلافية. ويقول أبو المؤيد الخوارزمي في ((جامع المسانيد)) ١ / ٦٧: إن كتب أبي حنيفة لا يخالفها أحمد إلا في عدة مسائل، أقل مما يخالف فيها الشافعي وغيره، وقد كتبت مئة وخمسا وعشرين مسألة من أصول المسائل التي وافق فيها أحمد أبا حنيفة، وخالفهما الشافعي اهـ. و(مغني)) الموفق بن قدامة، يكفيك دليلا على هذا، بل ((الإفصاح)) لابن هبيرة الوزير الحنبلي على صغره کاف في ذلك. وقد ذكر سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي، في ((شرح مختصر الروضة)) في أصول الحنابلة: وإني والله لا أرى إلا عصمة أبي حنيفة مما قالوه، وتنزيهه عما إليه نسبوه، وجملةُ القول فيه أنه قطعا لم يخالفِ السنةَ عناداً، وإنما خالف فيما خالفَ اجتهاداً، بحجج واضحة ودلائل صالحة لائحة، وحججه بين أيدي الناس موجودة، وقلّ أن ينتصف منه مخالفوه، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حساد أو جاهلون بمواقع الاجتهاد، وآخر ما صح عن الإمام أحمد رضي الله عنه إحسان القول فيه والثناء عليه، ذكره أبو الورد ممن أصحابنا في کتاب «أصول الدين) اهـ. وقد شرحت أسباب اضطراب الروايات عن أحمد في هذا الباب في - ٤١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ((بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني)) وفيما علقناه على ((الاختلاف في اللفظ)) لابن قتيبة، وقانا الله سبحانه من نزعات التعصب. أبو عوانة قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٧/١٥: أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتوثي، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا أحمد بن بشر المرثدي، قال: حدثنا رجاء ابن السندي، قال: سمعت بشر بن السري، قال: أتيت أبا عوانة، فقلت له: بلغني أن عندك كتابا لأبي حنيفة أخرجه، فقال: يا بني، ذكرتني، فقام إلى صندوق له، فاستخرج كتابا فقطعه قطعة قطعة فرمى به، فقلت له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: كنت عند أبي حنيفة جالسا، فأتاه رسول بعجلة من قبل السلطان كأنما قد حموا الحديد، وأرادوا أن يقلدوه الأمر، فقال: يقول الأمير: رجل سرق وديا فما ترى؟ فقال غير متعتع: إن كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه، فذهب الرجل، فقلت: يا أبا حنيفة، ألا تتقي الله؟ حدثني يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رافع بن خديج: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا قطع في ثمر ولا كثر))، أدرك الرجل فإنه يقطع، فقال غير متعتع: ذاك حكم قد مضى فانتهى، وقد قطع الرجل، فهذا ما يكون له عندي کتاب. - ٤٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أبو عوانة من تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله وراوية الأحاديث والفقه عنه كما في ((كشف الآثار)): ١٨٥٤- حدثنا أحید بن جرير بن المسيب الجوهري، قال: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا أبو حنيفة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: من أتی بهيمة فلا حد علیه. ١٨٦٤ - وحدثتُ عن سعد بن معاذ، قال: حدثنا يحيى بن أكثم قراءة عليه، قال: حدثني يحيى بن حماد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي حنيفة رحمة الله عليهم، عن الحكم وحماد قالا: إذا قال الرجل لإمرأته: أنت طالق إن شاء الله، فليس بشيء له ثنیاه. وفي «عقود الجمان» ص١٥٣. فكيف يطعن في شيخه وأستاذه الذي جاء فيه فهو مكذوب عليه، ومعنى السیف والإرجاء سبق البحث عنه. ٢- قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٧١: هذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، وذلك لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا أقطع في ثمر ولا كثر)) وقال: ((فإذا جمعها الجرين فاقطعوا فيما بلغ قيمة المجن)) فأبو حنيفة رحمه الله اعتبر الأصل، وذلك أن - ٤٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث اللص إذا سرق قمحاً أو تمراً أو شيئاً مما يؤكل إلا أنه أصل في نفسه مقصود بالمالية قطع، وإن سرق طعاماً أو شراباً ليس بمقصود بالمالية مثل طعام مطبوخ أو شراب لم يقطع لأنه ليس بمقصود بالمالية مثل طعام مطبوخ أو شراب لم يقطع لأنه ليس بمقصود بالمالية في نفسه، وإنما المقصود منه دفع ضرر الجوع حتى أنه لو سرقه في إناء فضة أو ذهب لا قطع عليه لأن مقصوده دفع الضرر وسد الجوع وذلك مباح بالمحرم فصار فيه شبهة، والحدود عنده تدرأ بالشبهات لما روي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يقولون: ادرأوا الحدود بالشبهات. والنبي صلى الله عليه وسلم تارة أمر بالقطع وتارة منع منه. وقد ذكرت فيما مضى مذهب أبي حنيفة في أنه لا يخالف بين الخبرين ما وجد وجه التوفيق، فلما بين النبي صلى الله عليه وسلم الكثر بقوله: ((جمعه الجرين)) تبين أنه المقصود بنفسه للمالية ولما أبهم كان لسد الجوعة. ويقول العلامة محمد زاهد الکوثري في «تأنیب الخطیب)» ص١٨٣ : ثم الحديث بسند أبي عوانة فيه انقطاع، لأن محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك رافع بن خديج. وقد صح عند أبي حنيفة بسند آخر وأخذ به، وأبو عوانة صبي في رق مولاه بواسط، فكيف يتصور أن يقول أبو حنيفة عن الحديث: ما بلغني هذا؟. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في ((الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة، - ٤٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عن حماد، عن إبراهيم: لا يقطع السارق في أقل من ثمن المجن، وكان ثمنه يومئذ عشرة دراهم، ولا يقطع بأقل من ذلك، والآثار في ذلك كثيرة، وقد ورد أيضا أنه لا قطع بأقل من ربع دینار. قال الإمام محمد في ((الموطأ)): قد اختلف الناس فيما تقطع فيه اليد، فقال أهل المدينة ربع دينار، ورووا أحاديث، وقال أهل العراق: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، وعن عثمان، وعن علي، وعن عبد الله بن مسعود، وعن غير واحد، فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعني أن ربع الدينار نحو ثلاثة دراهم، والحدود مما يدرأ بالشبهات، فالأخذ برواية عشرة دراهم في القطع أحوط، فيؤخذ بها حيث لم يعلم الناسخ من المنسوخ من تلك الأخبار المختلفة. وقال محمد أيضا في ((الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم بن أبي الهيثم، عن الشعبي يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه لا يقطع السارق في ثمر ولا كثر)). قال محمد: وبه نأخذ. والثمر ما كان في رؤوس النخل والشجر، لم يحرز في البيوت، فلا قطع على من سرقه، والكثر جمار النخل، فلا قطع على من سرقه، وهو قول أبي حنيفة اهـ. وقد وصله الحافظ أبو بكر بن المقرئ في ((مسند أبي حنيفة)) بطريق أبي حنيفة عن الشعبي، عن علي كرم الله وجهه. - ٤٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وسرقة الوديّ حادثة في عهد مروان بن الحكم، فهم أن يقطع سارق الودي، فحدثه رافع بن خديج حدیث «لا قطع في ثمر ولا کثر)) فعدل عن القطع فيكون الودي - أي الفسيل - بمعنى الثمر والجمار في القياس عندهم. وقد قال الإمام محمد بن الحسن أيضا في ((الموطأ)) بعد أن ساق حديث رافع بن خديج هذا وقصة مروان في الودي: وبهذا نأخذ، لا قطع في ثمر معلق في شجر، ولا في كثر، والكثر الجمار، ولا في ودي، ولا في شجر، وهو قول أبي حنيفة. وذلك لعدم الحرز فيها. والحرز شرط القطع في السنة، فظهر أن الفتيا المذكورة افتراء على أبي حنيفة، والقصة كذب صرف، والذي نطمئن إليه أن أبا عوانة بريء من الحكايتين لحال السندين، وإنما نسبهما إليه من دونه، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٨/١٥: ٣- أخبرنا ابن دوما، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا الأبار، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا أبو عاصم، عن أبي عوانة، قال: كنت عند أبي حنيفة، فسأله رجل عن رجل سرق ودیا، فقال: علیه القطع، قال: فقلت له حدثني یحیی بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله - ٤٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث صلى الله عليه وسلم: ((لا قطع في ثمر ولا كثر))، قال: أيش تقول؟ قلت: نعم. قال: ما بلغني هذا. قلت: الرجل الذي أفتيته فرده، قال: دعه، فقد جرت به البغال الشهب، قال أبو عاصم: أخاف أن تكون جرت بلحمه ودمه. قلت: فيه ابن دوما النعالي ضعيف وأبو عاصم العباداني في ((الميزان)) ٥٥٦٦ ليس بحجة يأتي بعجائب، وقال العقيلي: منكر الحديث. ٤- قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٧٤: أما مذهب أبي حنيفة رحمه الله في الأشربة فمعروف، ولو لم يشك أبو جعفر لرددت الجواب. وإنما الشاك لا يصدق؛ لأن كذبه من نفسه إذا قال: شككت، فقد عرف أن قوله ليس بحجة، فهو شك فيما نقله عن أبي حنيفة، ولم يشك في علم أبي حنيفة، فكيف استحل الخطيب أن يجعل ما شك فيه ثبتا ينفي به ما جعله يقينا؟ فأما السكر فحرام على مذهب أبي حنيفة، والسكر حلال إذا طبخ أدنى طبخ لقول الله تعالى: ﴿نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًّا حَسَنًا ﴾ وليس قول من قال خلاف أبي حنيفة بحجة؛ لأنه قد نقل عن بعض الناس أنه قال: الکلام محمول على أنك تقول تتخذون منه سكرا وتتخذون رزقا حسنا. - ٤٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وليس هذا حجة لأن الصحابة رضي الله عنهم اتخذوا من السكر ومن التمر ومن الزبيب ومن العسل الأنبذة، والنبي صلى الله عليه وسلم شرب من السقاية بعد ما قال له العباس: يا رسول الله إنه منذ أيام وقد مرسته أيدي الناس، ألا تصبر حتى نأتيك بشراب من البيت؟ يقول ذلك له ثلاثا، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد قوله حتى أتاه بشيء منه فشربه وقطب وجهه ثم [أتي] بماء من زمزم فصبه فيه وشربه. ثم قال: ((إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاكسروا متونها بالماء)» وأضاف علي عليه السلام قوما فأطعمهم وسقاهم، فسكر بعضهم فحده. فقال: تسقينا، ثم تحدنا؟ فقال: إنما أحدكم للسكر لا للشرب. وروى أن رجلا من المسلمين شرب من سطيحة عمر فسكر، فأراد أن يحده فقال إنما شربت من سطيحتك. فقال: إني أحدك للسكر لا للشرب. فمثل هذه الأحاديث قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، فلأن يحمل أحد وجهي الآية على ما يوافق هذه الآثار مع أن هذا الوجه في القرآن أولا خير من أن يحمل على أبعد الوجهين مع مضاد هذه الآثار وأولى. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في «تأنیب الخطیب)) ص١٩١ : وقوله: وسئل عن الأشربة، يعني ما سوى الخمر من الأشربة، التي اختلف العلماء فيما دون السكر منها، والفتوى على قول محمد في المذهب، إلا أن تحريم ما سوى الخمر اجتهادي، وأدلة أبي حنيفة في الأشربة مدونة في الكتب المبسوطة، فلا داعي لبسطها هنا. - ٤٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ولا احتمال لأن يكون السكر بضم السين هنا، وإن ساقَه الخطيب بصيغة الشك؛ لأنه محرم عند أبي حنيفة، کما تواتر ذلك عنه في کتب المذهب وفي كتب الخلاف، فلا يكون هذا الترديد إلا لإيهام أنه يقول بتحليله وحاشاه من ذلك. وأما السَّكَر بفتحتين، وهو النيئ من ماء الرطب، فهو حلال قبلَ اشتداده وقذفِهِ بالزبد اتفاقا، قال الله تعالى: ﴿نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. ٥- فيه حاجب بن أحمد الطوسي، في ((الميزان)) ٢١٩٢، قال الحاكم: لم يسمع حديثاً قط ... ولفظ عبد الرحيم لفظ انقطاع. يقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٣١: على أن أبا عوانة الوضاح بن عبد الله الواسطي، كان من سبي جرجان، فعلى تقدير ولادته سنة اثنتين وعشرين مئة، كما هو المشهور، لا تصح رؤيته للحسن، ولا لابن سيرين، ولا اختلافه إلى أبي حنيفة، لأن أبا عوانة واسطي بقي تحت رق مولاه يزيد بن عطاء مدة كبيرة، وحكاية عتقه معروفة، فلا يتمكن من الرحلة إلى الكوفة والاختلاف إلى أبي حنيفة، وكان سليمان بن حرب يقول عنه: لا يصلح إلا أن يكون راعي غنم، وقال أبو حاتم: إذا حدث من حفظه غلط كثيرا، وكان يقرأ ولا يكتب. - ٤٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وماذا على المجتهد إذا رجع عن رأي إلى رأي ظهر له أنه الصواب؟ وقد سبق أن نقلنا قول ابن عون في ذلك، وقد عقد الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) باباً خاصّاً لرجوع الصحابة عن فتاواهم، فهل في استطاعة الخطيب أو أبي عوانة أن يعيبهم على ذلك؟ وما لمثل أبي عوانة وللفقه؟ فله رجال وللرواية رجال. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٨٨: هذا أبو عوانة لم يعرف من الفقهاء فقد ثبت أن قوله: مهرت في كلامه، ليس بصحيح، وإنما مهر في كلام أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن وبشر بن غياث وابن أبي ليلى وابن شبرمة وزفر وغيرهم ممن هو في طبقاتهم. ثم قوله: فلا حاجة لي فيه. خلاف إجماع الأمة، لأنا نعلم يقينا أن القرآن العزيز فيه الناسخ والمنسوخ، كذلك السنة فإذا قال الفقيه قولا ثم علم أنه منسوخ كيف يحل له الوقوف عنده؟ وهذا لم يفعله أبو حنيفة وحده، وقد فعله جميع الفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم. ومذهب علي رضي الله عنه أنه قال: كنت لا أرى بيع أم الولد في زمن عمر، واليوم فقد رأيته ذلك. فهذا أيضا رجوع عن مذهب وتمسك بآخر. وابن عباس قد نُقِل عنه كذلك أيضا في مسألة العول أنه قال: ما كان المال إن يكون له نصف ونصف وثلث. فقالوا له: إنك كنت تراها في زمن عمر، فقال: هبتُه وكان رجلا مَهيبا. فانظر إلى الخطيب كيف يروي الشيء - ٥٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وضده ويجعله عيبا، والشيء وضده لا يكونان عيبا، لأنه قال في الحكاية التي ذكر فيها أبا حنيفة: وإن مالكا قال: ما ظنكم برجل لو قال: هذه السارية من ذهب لقام بحجته، أي: لجعلها من ذهب وهي من خشب أو حجارة. ثم قال: قال أبو محمد - يعني أنه كان يثبت على الخطإ ويحتج دونه ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له - ففي هذه الحكاية أخبر أنه لا يرجع وجعله عيبا، وفي هذه أخبر أنه يرجع وجعله عيبا، فهذا أيدك الله يُعلم منه أنه إنما أراد التشنيع ولم يرد التثبيت ولم يكن له من المعرفة ما يفرق به بين الجيد والرديء، ولا من العلم ما يعرف به الخطأ من الصواب. يزيد بن زريع قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٢٦/١٥: أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: حدثنا الحسن بن عليل، قال: حدثنا أحمد بن الحسین صاحب القومي، قال: سمعت یزید بن زريع، قال: استتيب أبو حنيفة مرتين. قلت: في سنده عبد الله بن إسحاق البغوي. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٩/ ٤١٤: سئل الدارقطني عنه، فقال فیه لین. انتهى. وهو من أصحاب أبي حنيفة الذين رووا عنه الأحاديث والمناقب كما في ((عقود الجمان)) ١٥٦، و((كشف الآثار)» ١٧٢٦ و١٧٣٤، فكيف يصدر - ٥١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عنه هذا الطعن، ومعنى استتابته قد سبق، وانظر ((تأنيب الخطيب)) ص١٣١ . أبو مطيع البلخي قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٣١: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا محمد بن القاسم البزاز، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أبو عبد الرحمن عبد الخالق بن منصور النيسابوري، قال: سمعت أبا داود المصاحفي، قال: سمعت أبا مطيع يقول: قال أبو حنيفة: إن كانت الجنة والنار مخلوقتين فإنهما تفنیان. ثم ساق الخطيب بسنده نحوه. قلت: هذا منكر ومكذوب على أبي مطيع وشيخه الإمام أبي حنيفة رحمهما الله، والدليل على كذبه واختلاقه ما ثبت تواتراً عن أبي حنيفة وأبي مطيع البلخي في المسألة، وبما رواه أبو مطيع عن أبي حنيفة في الفقه الأوسط. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٦٣ : - ٥٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث والرواية المشهورة عن أبي حنيفة التي عليها جملة أصحابه أنه قال: إن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان أبداً، وكذلك روى عنه أبو جعفر الطحاوي في عقيدته، في باب الرد على من يكفر بالذنب: (فإن قال: إنهما - أي الجنة والنار - تفنيان، فقل له : وصف الله نعيمها بقوله مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾﴾، ومن قال: هما تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما فقد كفر بالله تعالى؛ لأنه أنكر الخلود فيهما)، وهذا نص على أن أبا حنيفة وأبا مطيع لا يريان فناء الجنة والنار بعد دخول أهلهما فيهما. من اعتقد فنائهما بعد دخول أهلهما فيهما، كما هو رأي جهم؟ فهو كفر صريح عند أبي حنيفة وأبي مطيع، بل نقل ابن حزم الإجماع على كفر من يقول بفنائهما بعد دخول أهلهما فيهما. وقد استوفى الكلام على ذلك أبو الحسن السبكي في كتابه ((الاعتبار ببقاء أهل الجنة والنار)) وقد ألفه للرد على ابن تيمية، حيث يقول بفناء النار بعد دخول أهلها فیھا، وتابعه علی ذلك صاحبه ابن القيم، وهو كفر عند جمهور أهل العلم. وحاشا أن يقول أبو حنيفة أو أحد من أصحابه بشيء من ذلك، وفي ((الفقه الأكبر)) رواية علي بن أحمد الفارسي، عن نصر بن يحيى، عن أبي مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه: (والجنة والنار مخلوقتان اليوم لا تفنيان أبدا). - ٥٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث والقول بفنائهما لحظةً عند النفخ، مبني على مذهب جمهور أهل السنة من أنهما مخلوقتان الآن، وأما القول بأنهما ستخلقان بعد النفخ وليستا مخلوقتين الآن، فقول بعض المعتزلة، وعلى هذا القول لا حاجة إلى اعتبار فنائهما عند النفخ تحقيقا لمعنى الآية المذكورة، والقائلون بهذا القول يؤولون الآيات الدالة على أنهما مخلوقتان بأنها مسوقة مساق الواقع، دلالة على تحقيق الوقوع في المستقبل، ويقولون: إن جنة آدم جنة في الأرض. وإليه مال ابن القيم. وعقيدة أبي حنيفة في الجنة والنار: أن من يقول بفنائهما بعد دخول أهلهما فيهما كافر، كما في ((الفقه الأبسط)) وكما في ((عقيدة فقهاء الملة أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن)) لأبي جعفر الطحاوي. وأبو مطيع البلخي براء أيضا من مثل هذا الرأي، وإن عزاه إليه بعض المجازفين بسوء فهم لقوله، فيعلم بهذا البيان مواضع التزايد في الخبرين وسقوط تشنيع المشنعين في الموضعين، نسأل الله السلامة. وأبو مطيع البلخي من أصحاب أبي حنيفة ورواة أحاديثه وأخباره كما ذكره الحارثي في ((كشف الآثار)) فيمن روى عنه من رقم ٣٣١٥ إلى ٣٣٤٠، ويقول المسيب بن إسحاق إثر: ٣٣٣٩: ما جلسنا إلى أحد كان أفقه من أبي مطيع ما كان يُشبه إلا بأبي حنيفة ... وقال إثر ٣٣٤٠: قال علي بن عيسى: يا أبا مطيع، ما تقول في القرآن؟، فقال أبو مطيع: ما أقول: هو كلام الله وذكره. وقال عصام بن - ٥٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث يوسف إثر ٣٣٣١: لم أر أحدا أفقه من أبي مطيع، كان الجواب بين عينيه ما خلا أبا يوسف رحمة الله عليهم. وقال القرشي في ((الجواهر)) ١٩٦٦: أبو مطيع البلخي صاحب الإمام الحكم بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن القاضي الفقيه راوي كتاب الفقه الأكبر عن الإمام أبي حنيفة، تفقه به أهل تلك الديار، وكان بصيراً علامة كبيرا، كان ابن المبارك يعظمه ويبجله لدينِهِ وعلمه. انتهى. قلت: مع هذا كله قدح فيه أئمة الحشوية تعصبا وحقدا كما فعلوا مع جميع أئمة أهل الرأي. يوسف بن أسباط قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٣٢: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا محبوب بن موسى، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركته لأخذ بکثیر من قولي. أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: أخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي، قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب، قال: حدثنا المسيب بن واضح قال: حدثنا يوسف بن أسباط، قال: قال أبو حنيفة: لو أدركني - ٥٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أدركته لأخذ بكثير من قولي. قال: وسمعت أبا إسحاق يقول: كان أبو حنيفة يجيئه الشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخالفه إلى غيره. قلت: يوسف بن أسباط من أصحاب أبي حنيفة وهو ممن روى عنه أحاديثه ومناقبه كما في (عقود الجمان)) ١٥٧، و(كشف الآثار)) ٢٠٨٢ - ٢٠٨٤ . فكيف يصدر هذا الخبر المكذوب عليه الذي لا يقوله مسلم فضلا عن إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٦٤ : المروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه وعليه فتاوى كل أصحابه أنه قال في المروى عن العباس رضي الله عنه لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((ألا إن مكة حرام من حرمات الله ... )) الخبر بطوله. فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إلا الإذخر)). قال أبو حنيفة في هذا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستثني هذا فسبقه العباس إليه، فأبو حنيفة لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم آخذاً برأي العباس، فكيف يجعله آخذاً برأي نفسه. وقد روي عن عمر رضي الله عنه مثل هذا أنه قال: وافقني ربي في - ٥٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ثلاث. ولم يرد بالموافقة أنه كان على الخلاف ثم وافق، إنما كانت شهوته تقتضي هذا، وأنزل الله ذلك على وفاق ما أراده فسماه موافقة، ومذهب أبي حنيفة خلاف ما نقل الناقل؛ لأنه يرى الأخذ بالكتاب والسنة ما وجد، فإن لم يجد أخذ بقول الصحابي، فإن اختلفوا أخذ بقول أقربهم إلى الكتاب والسنة لا یعدل عن ذلك. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص١٤٩ : أقول: قد اجتمعت في هذه الأقصوصة عصبة العصبية والتخليط، وقد ذكرنا ابن رزق وابن سلم والأبار مرات. وإبراهيم بن سعيد الجوهري كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج بن الشاعر، وحجاج بن الشاعر يكثر عنه مسلم في صحيحه، فتهور الذهبي في حقه تهور من له حاجة في النفس، وإلا فحجاج هذا ممن جرحه لا يندمل. ومحبوب بن موسى هو أبو صالح الفراء، وقد قال عنه أبو داود: لا یلتفت إلی حکایاته إلا من كتاب. ويوسف بن أسباط الزاهد، قال عنه أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري: كان قد دفن كتبه فكان لا يجيء بحديثه كما ينبغي. وفي الطبعة الهندية والمخطوطة بدار الكتب المصرية زيادة سوق الخبر بسند آخر وهو: - ٥٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث (أخبرني علي بن أحمد الرزاز، عن علي بن محمد بن سعيد الموصلي، عن الحسن بن الوضاح المؤدب، عن المسيب بن واضح، عن يوسف بن أسباط إلى آخره). والرزاز هو ذلك الراوي عن أصول زاد فيها ابنه تسميعات طرية كما ذکر الخطیب. والموصلي هو المذكور في ((الميزان)) المطبوع منسوبا إلى جده بسقوط محمد سهوا، وقال عنه أبو نعيم: كذاب، وقال ابن الفرات: مخلط غير محمود انتهى. وقد ذكره الخطيب في ترجمة عيسى بن فيروز بأنه ليس بثقة. ويقول أبو حاتم عن المسيب بن واضح: صدوق يخطئ كثيرا، فإذا قيل له لم يقبل. اهـ. ومثله يكون مردود الرواية، وقد ضعفه الدار قطني وابن الجوزي. ویوسف حقه أن يدفن کما دفن كتبه. هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب. وفي هامش الأصل المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم ٦٠، بخط العلامة الفقيه محمد بن محمود الجزائري مفتي الإسكندرية في أواسط القرن المنصرم: (يوسف بن أسباط ضعيف سيئ الحفظ، وأصل الرواية: لو أدركني البتي لأخذ بكثير من قولي، فصحفه إلى النبي، ورواه بالمعنى فأساء. كتبه محمد بن محمود الجزائري) يعني صحف البتي إلى النبي، ثم استبدل به (رسول الله) رواية بالمعنى، ثم زاد (صلى الله عليه وسلم). - ٥٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث والمراد بالبتي هو عالم البصرة الإمام عثمان بن مسلم البتي المتوفى سنة ١٤٣ هـ وقد سبق أن صحف بعض الرواة مثل هذا التصحيف، في حديث ذكره الخطيب في ٢/ ٨٠ بل من الحدثين من يقع فيما هو أطم من ذلك، حيث يقول في سند خبر: (عن الله عن رجل) فيتساءلون من هذا الرجل الذي يروي الله عنه؟ تعالى الله أن يكون له شيخ، فإذا المحدث صحف (عز وجل) إلى (عن رجل). ثم اللفظ المروي هنا عن أبي حنيفة لو حمل على معنى (الأخذني بكثير من قولي) بحذف المفعول كما هو سائغ، لاستقام المعنى وذهبت الشناعة، فيكون أبو حنيفة بهذا القول اعترف بأنه ليس بمصيب في جميع آرائه، بل يرى أنه ربما توجد بين آرائه آراء كثيرة يعاتبه النبي صلى الله علیه وسلم عليها لو أدركه. وهذا القول على هذا التقدير يدل على مبلغ ورعه وعلى أنه لم يكن من المصوبة، لكن حيث لم يتعين عنده تلك الآراء التي قد لا يرضاها الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهو مضطر إلى متابعة ما لاح له من الدلائل في أحكام تلك المسائل. وسيأتي الكلام في رواية أخرى بلفظ (لو أدركني البتي أو أدركته) فانتظره. ومخالفة المجتهد لحديث صحيح إنما يظهر لمجتهد مثله في معرفة مراتب الأخبار ووجوه دلالتها لا لراو متساهل في تصحيح الأخبار غير غواص على المعاني مثل أبي إسحاق الفزاري. - ٥٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٦/١٥: أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عثمان البجلي، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عمر بن الفياض، قال: حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الکریم الوساوسي، قال: حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: حدثنا أبو صالح الفراء، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر، قلت له: يا أبا محمد، تعرفها؟ قال: نعم، قلت: أخبرني بشيء منها، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للفرس سهمان، وللراجل سهم)). قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن. وأَشعَر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه البدن، وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة، وقال صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وقال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ((يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر))، وأقرع أصحابه، وقال أبو حنيفة: القرعة قمار، وقال أبو حنيفة: لو أدركني النبي صلى الله عليه وسلم وأدركته لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟. - ٦٠ -