Indexed OCR Text
Pages 301-320
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني والتلبيس على الخلق، لا ينبغي أن يُقبل جرحه وتعديله، لأن قوله وفعله ينبئ عن قلّة دين، ولقد نقلتُ من خطه أشعاراً قالها، اهـ. ثم ذكر أشياء منها ضربنا عن ذكرها صفحاً، وهي مذكورة في رد الملك المعظم على الخطيب، نقلاً عنه، وهو مطبوع بالهند وبمصر. وقال ابن الجوزي أيضاً في المنتظم كان أبو بكر الخطيب على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا لما رأوا من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي وتعصّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمهم، وصرّح بقدر ما أمكنه اهـ. وقال فيه أيضاً: وكان في الخطيب شيئان: أحدهما: الجريُ على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل فإنهم يجرحون بما ليس بجرح وذلك لقلة فهمهم. والثاني التعصب! وقد ذكر في كتاب ((الجهر بالبسملة)) أحاديث يعلم أنها لا تصح، وهكذا فعل أيضاً في كتاب القنوت، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثاً يدري أنه موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئا اهـ. قاله الإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري في تقدمة تأنيبه. وقال الشيخ محمد أحمد عاموه في ((الكلمات الشريفة)) ص ١٨٠ : وأعظم ما في ((تاريخ بغداد)) للخطيب من البلاء المثالب التي أوردها في ترجمة الإمام الأعظم من كتابه المذكور، وترجمة أبي حنيفة تقع في المجلد ١٣ من ((تاريخ بغداد)) من ص ٣٢٥ إلى ص٤٢٦ وهي أطول ترجمة في تاريخ بغداد إطلاقاً ابتدأ الخطيب ترجمة الإمام بكلام طيب وثناء جميل - ٣٠١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني على أبي حنيفة، وذكر فصولاً في مناقبه وفجأة يقلب لأبي حنيفة ظهر المجن ويطمس تلك المحاسن بما حشده من المثالب التي برأ الله ساحة الإمام الأعظم منها. ولا شك عندنا أن الخطيب مؤرخ في كتابه الذي ترجم فيه لأبي حنيفة وغيره ولا لوم عليه أن يذكر كل ما قيل في المترجم له من مناقب ومثالب ولكن المؤخذات على الخطيب تكمن في: ١- ترجيحه لصحة المثالب على المناقب على غير عادته في باقي التراجم. ٢- لم يلتزم بإيراد كل ما قيل في المترجم له عند ما ترجم للشافعي وأحمد فإنه لم يذكر إلا المناقب وأعرض عن المثالب، وهذا هو اللائق بهما وبأمثالهما فكان ينبغي أن يلتزم ذلك مع أبي حنيفة الذي أقر بفضله الشافعي وأحمد أدباً. ٣- بيان الخطيب ضعف الحديث وعلته إن كان فيه منقبة لأبي حنيفة على غير عادته في بقية التراجم وسكوته عن الواهيات الموضوعات المذكورة في المثالب. ٤- ختمه ترجمة أبي حنيفة برؤيا سيئة ليوهم القاري أن هذه حقيقة الإمام عنده، فالله حسيبه فیما فعل. ولقد تصدى للرد على الخطيب أئمة كثيرون شافعية وحنابلة وحنفية من متقدمين ومتأخرين ومن أجمع وأحسن ما وقفت عليه في ذلك ما كتبه - ٣٠٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الشيخ العلامة محمود الطحان في كتابه: الخطيب البغدادي وأثره في علم الحديث وللإمام الكوثري رحمه الله تأنيب الخطيب وهو كتاب نافع، انتھی. هذه تتمة للقسم الثاني، وهي تذكر فيها الأعلام الذين نقل عنهم الخطيب في تاريخه مثالب الإمام أبي حنيفة رحمه الله مع أنه نقل عنهم الثناء في هذا الكتاب فيستدرك على الخطيب فيها بالإيجاز والاختصار: يحيى بن معين قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٦: أخبرني الخلال، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، قال: أخبرنا علي بن محمد بن مهران السواق، قال: حدثنا محمد بن حماد المقرئ، قال: وسألت يحيى بن معين عن أبي حنيفة، فقال: وأیش کان عند أبي حنيفة من الحديث حتى تسأل عنه؟. قلتُ: تفرد به الخطيب عن الخلال، وهذا الخبر مخالف لما صح عن ابن معین بما روى عنه في کتبه عباس الدوري وابن محرز وغيرهما من رواة کتابه. فهو من الأخبار المنكرة المكذوبة على ابن معين، والعهدة على الخطيب في اختلاقه إن صح سنده فكم من خبر صحيح الإسناد إذا لا - ٣٠٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني يوافق الواقع فهو كذب وباطل ومنكر من المناكير. ويشاهد هذا بالوضوح ما كتبه الخطيب نفسه وابن حزم رسالة في الأوهام التي وقعت في الصحيحين وموطأ مالك ص١٣ - ١٧ وموضوع الرسالة جمع بعض الأحاديث التي وقع الخطأ والنكارة في أحاديث الصحيحين وموطأ مالك. ولخصتها في تقدمتي على مسند ابن خسرو ص٦٤، ٦٥، ٦٦. فلو يراجع الخطيب نكارة هذه الأخبار التي أوردها في المثالب متجنباً عن التعصب وهي مصادمة لجميع الأخبار الثابتة في مناقب إمام الأئمة وفضائله لرجع عن إيرادها واختلاقها. والدليل على نكارة هذا الخبر المكذوب، أولاً: أن الإمام أبا حنيفة كان من المكثرين في الحديث يدل عليه كثرة مسانيده التي جمعت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وقد ذكرت في أول تقدمتي في فصل علماء المحدثين في عدد أحاديث الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وثانياً: يقول العلماء المحدثون أن الإمام أبا حنيفة كان من الحفاظ المکثرین. يقول الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي الشافعي في ((عقود الجمان)) ص٣١٩، الباب الثالث والعشرون: في بيان كثرة حديثه وكونه من أعيان الحفاظ من المحدثين، والرد على من زعم قلة اعتنائه بالحديث، - ٣٠٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وبیان المسانيد التي خرجها له الحفاظ من حديثه. ولولا کثرة اعتنائه بالحدیث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه. وذكره الذهبي في طبقات الحفاظ: ولقد أصاب وأجاد ... وقد ذكرت نصوص العلماء في الجامع لنقول العلماء. وثالثاً: أن يحيى بن معين كان حنفياً في الفروع مائلاً إلى أبي حنيفة رحمه الله، فمن المستبعد جداً قدحه في إمامه بعدما ثبت عنه مدحه و ثناءه. يقول الذهبي في ((السير)) ٨٨/١١: قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد ... فقلت ليحيى: ترى أن ينظر الرجل في رأي الشافعي وأبي حنيفة؟ قال: ما أرى لأحد أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إلي. قلت : - القائل هو الذهبي - قد كان أبو زكريا رحمه الله حنفياً في الفروع، فلهذا قال هذا. وأسند الصيمري ص١٢٥: عن عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن كلها تدل على نكارة هذا الخبر واختلاقه من قبل بعض الحشوية المتعصبة من رواة الخبر أو جامعه. والتعصب لا يسلم منه إلا من عصمه الله. - ٣٠٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٨٠/١٥: أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، قال: حدثنا علي بن إبراهيم البيضاوي، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن ابن الجارود الرقي، قال: حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: سمعت یحیی بن معین، يقول: وقال له رجل: أبو حنيفة كذاب، قال: کان أبو حنيفة أنبل من أن یکذب، کان صدوقا إلا أن في حديثه ما في حديث الشيوخ. قلت: فيه أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي. قال الخطيب: كان كذاباً، وقال ابن طاهر: كان يضع الحديث ويركبه على الأسانيد المعروفة، ترجم له ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٧١/ ٢٧٠، والذهبي في ((الميزان)) ١/ ١١٦، وابن حجر في ((اللسان)) ٦٠٦. والخطيب إن يقصد بهذا الخبر التالف القدح في إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت بأن أحاديثه أحاديث الشيوخ فغالب المحدثين وصلوا إلى سن الشيخوخة فأحاديثهم أيضاً من هذا القبيل، وإن لم يقصد به الطعن فمن عادته إيراد الخبر للمناقب بسند فيه متهم مع وجوده بطرق صحيحة ليوهم القاري أنها كاذبة. وقال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٨٠/١٥: أخبرنا العتيقي، قال: حدثنا تمام بن محمد بن عبد الله الرازي - ٣٠٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بدمشق، قال: أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي، قال: سمعت نصر بن محمد البغدادي، يقول: سمعت يحيى بن معين، یقول: کان محمد بن الحسن کذابا وکان جھمیا، وکان أبو حنيفة جھمیا ولم یکن کذابا. قلت: قد أجمع الطبقات من علماء المسلمين على إمامتهما في العقيدة والفقه والحديث وغيرها من العلوم والفنون ولم يثبت عن أحد منهما الكذب في الرواية إلا في المقال ولا التهجم في العقيدة والأعمال. أما الأول فقد ثبت من یحیی بن معین خلافه. يروي الصيمري في «أخباره)» ص١٢٥ من طريق عبد الله بن العباس، وابن العوام ٨٣٧ من طريق أبي بشر محمد بن أحمد بن حماد كلاهما عن عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: كتبت الجامع عن محمد بن الحسن. وروى ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٨٨٧ من طريق أحمد ابن علي بن مصعب قال: لما مات محمد بن سماعة قال يحيى بن معين: اليوم مات ريحانة أهل الرأي ولوددت أن أصحاب الحديث يصدقون في الحديث كصدق محمد بن سماعة في الرأي. قلت: هو من تلاميذ الإمام محمد بن الحسن الشيباني. ونقل الصالحي في ((عقود الجمان)) ص٣٨٩ عن ابن عبد البر قال: - ٣٠٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال يحيى بن معين: أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له: أکان یکذب؟قال: أنبل من ذلك. انتهى. وقد ترجم له الذهبي في ((السير)) ١٣٤/٩، و((تاريخ الإسلام)) ٩٥٤/٤، و((الميزان)) ٥١٣/٣، قال في ((السير)): قد سقت أخباره في جزء مفرد، وقال في ((تاريخ الإسلام)): قد أفردت له ترجمة حسنة في جزء ولم يذكر هذا الكلام في هذه الكتب الثلاثة مظاهر بطلانه بل دافع في التاريخ عما نسب إليه فإنه لو كان هذا الكلام ... لذكره، وقد مضى حقده ابن عدي في ((كامله)) ٧/ ٣٧٧، وابن حجر في (لسانه)) ٦٦٤١ كعادتهما في أئمة أهل الرأي. وقال الذهبي في ((التاريخ))، قلت: قد احتج بمحمد أبو عبد الله الشافعي. وقال الدارقطني: لا يستحق محمد عندي الترك. وقال ابن الجوزي في ((المنتظم)) ٩/ ١٧٥ قال علي بن المديني: محمد ابن الحسن: صدوق. وهذا جرح شديد غير مفسر، كيف يصدر عنه مع أنه أخذ عنه العلم، وروى عنه الجامع ومع ذكره القاعدة في الدفاع عنهم بقوله وأصحابنا يفرطون .. إلخ. فهذه كلها قول على بطلان النقل عن ابن معين في تكذيبه وتضعيفه. وقال التاج السبكي في ((طبقاته)) ١٨٦/١: الحذر كل الحذر أن تفهم - ٣٠٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أن قاعدتهم أن الجرح مقدم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لم يلتفت إلى جرحه، انتھی. وأما التجهم فقد ثبت عنهم الرد والإنكار عليه وهم مجمعون على أن الصلاة خلف الجهمي لا تجوز، أسند اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) ٨٠٩/٤ عن أبي يوسف قال: لا أصلي خلف جهمي ولا رافضي ولا قدري. وأسند الحارثي في ((كشف الآثار)) ٣٧٨٦ في قصة الرد على جهم ابن صفوان بالتفصيل، يقول: حدثني قيس بن محمد الجوزجاني، قال: حدثنا موسى بن نصر، قال: حدثني أبو إسحاق الخوارزمي قاضي خوارزم، قال: إن جهم بن صفوان قصد أبا حنيفة للكلام، فلما لقيه قال له: يا أبا حنيفة أتيتك لأكلمك في أشياء قد تهيأتها لك، فقال أبو حنيفة: الكلام معك عارٌ والخوض فيما أنت فيه نار تتلظى، فقال: كيف حكمتَ علي بما حكمت ولم تسمع كلامي ولم تلقني؟ قال: بُلْغتُ عنك أقاويل، لا يقولها أهل الصلاة، قال: أفتحكم عليّ بالغيب، قال: اشتهر ذلك عنك، وظهر عند العامة والخاصة، فجاز لي أن أحقق ذلك عليك، فقال: يا أبا حنيفة لا أسألك عن شيء إلا عن الإيمان، فلا تجبني [عن شيء إلا] عن الإيمان؟ فقال له: - ٣٠٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أو لم تعرف الإيمان إلى الساعة حتى تسألني عنه، قال: بلى ولكن شككت في نوع منه، قال: الشك في الإيمان كفرٌ، فقال: لا يحل لك أن لا تبين لي من أي وجه يلحقني الكفر، فقال: سلْ، فقال: أخبرني عن من عرف الله بقلبه، وعرف أنه واحدٌ لا شريك له ولا ندّ، وعرفه بصفاته أنه لیس كمثله شيء، ثم مات قبل أن يتكلم بلسانه أمؤمناً مات أم كافراً، قال: كافراً من أهل النار حتى يتكلم بلسانه مع ما عرفه بقلبه، قال: وكيف لا یکون مؤمناً وقد عرف الله بصفاته، فقال له أبو حنيفة: إن كنت تؤمن بالقرآن وتجعله حجة کلمتك به، وإن كنت لا تؤمن به ولا تجعله حجة كلمتك بما تكلم به من خالف ملة الإسلام، فقال: أؤمن بالقرآن وأجعله حجةً، فقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: وجدنا الله تبارك وتعالى جعل الإيمان في كتابه بجارحتين: بالقلب واللسان، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ (١) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ رَبََّاَءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَالشَِّهِدِينَ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴿ فَأَثَبَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا﴾ [المائدة، الآيات: ٨٣ - ٨٥]، فأوجب لهم الجنة بالمعرفة والقول، وجعلهم (١) المؤمنين بالجارحتين بالقلب واللسان، وقال: ﴿قُولُواْ (١) في الأصل: ((فجعلهم)) والمثبت من المناقب. - ٣١٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ءَامَنَّا بِالَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾. [البقرة، الآيتان ١٣٦، ١٣٧]، وقال: ﴿ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح، آية: ٢٦]، وقال: ﴿ وَهُذُوَأْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُ وَاْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج، آية: ٢٤]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر، آية: ١٠]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)) فلم يجعل لهم الفلاح بالمعرفة دون القول، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه كذا)) [ولم(١) يقل] يخرج من النار من عرف الله وكان في قلبه كذا، ولو كان القول لا يحتاج إليه ويُكتفى بالمعرفة، لكان من رد الله باللسان وأنكر الله بلسانه إذا عرفه بقلبه مؤمناً، ولكان إبليس مؤمناً، لأنه عرف بربّه، فعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومغويه قال: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِ﴾ [الحجر، آية: ٣٩]، وقال: ﴿أَنِظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف، آية: ١٤]، وقال: ﴿خَلَقْتَنِى مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. [الأعراف، آية: ١٢]، ولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم ربهم وإن أنكروا بلسانهم، قال الله تعالى: ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل، آية ١٤]، فلم يجعلهم مع استيقانهم بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم، وقال تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ (١) في الأصل طمس، والمثبت من ((المناقب)) ١٢٥ للموفق المكي. - ٣١١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني [النحل، آية: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَاُلْأَرْضِ} إلى قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ نَتَّقُونَ ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَىُ﴾ [يونس، الآيتان: ٣٢،٣١]، فلم ينفعهم معرفتهم مع إنكارهم، وقال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾. [البقرة، آية: ١٤٦]، يعني النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنفعهم المعرفة مع کتمانهم أمره وجحودهم به، فقال له جهم: قد أوقعت في خلدي شيئاً فسأرجع إليك، فقام من عنده ولم يعُد إليه (١). وأسند الحارثي في الكشف في الرد على الفرق المنحرفة والجهمية. قال الحارثي في ((كشف الآثار)) ٢٣٢٩: حدثنا ياسين بن النضر، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن بنت مطر، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، قال: حدثنا مهران بن أبي عمر الرازي، قال: قال أبو حنيفة رحمة الله عليه لرجل من أهل خراسان: جاءنا من قبلكم ثلاثة أصناف من شر الأصناف: الجهمية والمقاتلية والبنجية. وقال الحارثي في ((كشف الآثار)) ٢٥٨٢: سمعت أبا زيد يقول: قال المسيب: قال أبو جعفر: قال النضر بن محمد: قيل لأبي حنيفة: إن أهل خراسان أخذوا في كلام جهم، وهذه الأهواء، فقال: إن (١) انظره في ((المناقب)) للموفق المكي ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦. - ٣١٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أهل خراسان أخذوا في أمر، العِلمُ به جهلٌ. وأسند ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٢٠١: عن محمد بن أحمد بن حماد، قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي، ثنا أبو حفص المروزي، ثنا بشر بن يحيى، عن النضر بن محمد قال: قال أبو حنيفة: كان جهم ومقاتل فاسقين، أفرط هذا في التشبيه، وهذا في النفي. وأسند ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٧٢١: عن أحمد بن محمد بن سلامة، قال: حدثني یحیی بن عثمان، قال: كنا عند علي بن معبد بن شداد فذكرت الجهمية، فقال أخوه أبو إبراهيم - وكان حاضرا - كان أبو يوسف يقول: لبشر المريسي: أي رجل أنت؟ لولا رأيك السوء، قال: وسمعت أبا إبراهيم يومئذ يقول: ضرب أبو يوسف رجلا من الأبناء كان يرى رأي الجهمية خمسة وثلاثين سوطا، وقال: لولا أنه كان من الأبناء لزاده. والحاصل أن هذا الخبر أيضاً من الأخبار المنكرة المكذوبة على ابن معين، فإن الثابت عنهما التجنب عن الكذب والرد والإنكار على جهم بن صفوان وعلى عقيدته طول حياتهما. وقد أثبت لهما الخطيب هذا الخبر المكذوب المرذول باختلاقه تعصباً وزوراً. - ٣١٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٨١/١٥: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا هبة الله بن محمد بن حبش الفراء، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: سمعت يحيى بن معين وسئل عن أبي حنيفة، فقال: كان يضعف في الحديث. قلت: فيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ترجم له الخطيب في ((تاريخه)) ٤٥/٣ وذكر عقب توثيقه: أنه كذاب، حكاه عن عبد الله بن أسامة الكلبي، وإبراهيم بن إسحاق الصواف، وداود بن يحيى، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وجعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي، ومحمد بن أحمد العدوي، وجعفر بن هذيل، وقدح فيه غير واحد من أهل العلم. وقد ترجم له الذهبي في ((الميزان)) ٦٤٢/٣، و((اللسان)) ٧١٥٨، انظر كيف يكتب تكذيبه عن جماعة من المحدثين ثم يثبت بمثل هذا السند تضعيف الإمام أبي حنيفة ساكتاً عليه مع أنه قدح في أحمد بن الصلت في الرواية السابقة، لأنه وقع في إثبات المناقب هكذا الهوى يعمي ويصم. وقال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٨١/١٥: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأنماطي، قال: أخبرنا محمد بن المظفر، - ٣١٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال: أخبرنا علي بن أحمد بن سليمان المصري، قال: حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، قال: وسألته، يعني: يحيى بن معين عن أبي حنيفة، فقال لا یکتب حديثه. قلت: هذا يخالف ما صح عن ابن معين في توثيقه، فهو من الأخبار المنكرة المكذوبة عليه، لذا لم يمل إليه الناس، وقد كتب حديثه وآراءه وسار في الآفاق وأجمع الناس على إمامته ولم يأخذ أحد بهذا القول ولا بروایته. قلت: وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة والعقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل عن يحيى بن معين نحوه، والجواب عنها أن هذه المصادر معروف حال أربابها وتعصبهم على أبي حنيفة ويحيى بن معين شيخ المحدثين وإمام الجرح والتعديل ثبت عنه توثيقه لأبي حنيفة رضي الله عنه كما سبق في باب التوثيق. وقال الحافظ ابن عبد البر في (الانتفاء)): قال عبد الله بن أحمد الدورقي: سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن أبي حنيفة فقال ابن معين: هو ثقة ما سمعت أحداً ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث ويأمره وشعبة شعبة، قال الكشميري رحمه الله معلقاً على عبارة ابن عبد البر المذكورة: فَعُلم - أي من كلام ابن معين هذا أن الإمام الهمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يكن مجروحاً إلى زمن ابن معين رحمه الله. - ٣١٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ويحيى بن معين لم يدرك الإمام ولكنه أخذ عن خاصة أصحاب أبي حنيفة وخالطهم وصاحبهم وروى عن محمد الجامع الصغير فهو يعرف الإمام حق المعرفة من خلال الصحبة الطويلة لأصحابه وابن معين هو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي حاتم ... فابن معين وابن المديني هما أعرف بأبي حنيفة، وإذا تكلم مثل يحيى بن معين ويحيى القطان وشعبة وابن المديني سكت مثل البخاري ومسلم وابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن أبي حاتم ومن دونهم. يحيى بن سعيد القطان وقال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٥: أخبرنا البرقاني، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حیویه، قال: أخبرنا محمد بن مخلد، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا علي، يعني: ابن المديني، قال: سمعت يحيى، هو ابن سعيد القطان، وذكر عنده أبو حنيفة، قالوا: كيف كان حديثه؟ قال: لم يكن صاحب حدیث. قلت: هذا يعارض ما روى الخطيب نفسه في ((تاريخه)) ٣٤٥/١٣ - ٣٤٦ عن يحيى بن سعيد القطان يقول: كم من شيء حسن قد قاله أبو حنيفة وقال: لا نكذب الله، ربما أخذ الشيء من رأي أبي حنيفة، وقال: ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، ولقد أخذ بأكثر أقواله. - ٣١٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد القطان: يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين ويختار قوله من أقوالهم ويتبع رأيه من بين أصحابه. وقال ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص٢٠٤: قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد القطان يذهب في الفتوى مذهب الكوفيين. وفي ((الجواهر المضيئة)) ٢١٣/٢: يحيى بن سعيد القطان: قال يحيى ابن معین: کان یفتي بقول أبي حنيفة. وقال الذهبي في ((السير)) ٩/ ١٧٦: وكان في الفروع على مذهب أبي حنيفة فيما بلغنا إذا لم يجد النص. وقال الخطيب في ((تاريخ بغداد)) عن ابن معين: قال: سمعت يحيى القطان يقول: والله جالسنا أبا حنيفة وسمعنا منه وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت أنه يتقي الله عز وجل، انتهى. فثبت من هذه كلها أنه كان على مذهب أبي حنيفة في الفروع وكان يحترم أقوال أبي حنيفة ويحبها ويختار قوله ويسمع منه، فهي دالة على نكارة هذا الخبر المكذوب على يحيى بن سعيد القطان. قلت: وقد نقل ابن أبي حاتم في ((الجرح))، وابن عدي في ((الكامل))، والعقيلي في ((الضعفاء))، عن يحيى بن سعيد القطان نحوه، والمصادر المنقولة عنها معروف أصحابها بالتعصب والحقد على أبي حنيفة رحمه الله ويحيى بن سعيد القطان إمام جليل رفيع القدر عظيم المنزلة وهو مع - ٣١٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني جلالته وعظمة شأنه وإمامته في الحديث أخذ عن أبي حنيفة وجالسه وسمع منه وکان يفتي بقوله کما سبق. وكيع بن الجراح قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٠٦: أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن أخو الخلال، قال: أخبرنا جبريل بن محمد العدل بهمذان، قال: حدثنا محمد بن جبويه النخاس، قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: سمعت الثوري، يقول: نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون؛ في المناكحة، والمواريث، والصلاة، والإقرار، ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقا، قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبي حنيفة عندنا جرأة. قلت: الفقرة الأخيرة من كلام وكيع بن الجراح وهو قول أبي حنيفة عندنا جرأة منكر ومكذوب عليه، ويدل على نكارته ما رواه ابن أبي العوام السعدي في «فضائل أبي حنيفة)) ٢٢٣: محمد بن أحمد بن حماد، قال: ثنا إبراهيم بن الجنيد، قال: ثنا عبيد ابن يعيش، قال: ثنا وكيع، قال: كان سفيان الثوري إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: نعم، فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو، قال: وكان أبو حنيفة يقول: - ٣١٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أنا مؤمن هاهنا وعند الله، قال وكيع: قول سفيان أحب إلينا. ورواه الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٥٥: عن القاسم (١) بن عباد الترمذي، قال: سمعت الجارود بن معاذ، يقول: سمعت وكيعا، يقول: سفيان يطلب مسائل أبي حنيفة وينظر فيه، ووکیع یشتغل بغيره، ما أحمقه. وروى الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٥٢: عن سعيد بن ذاكر، قال: سمعت سعيد بن جناح، يقول: سمعت من يحكي عن وكيع، أنه مرّ يوماً في حديث فيه غموضة واشتبه عليه منه شيء، فوقف وتنفس الصعداء، وقال: واتفريطاه ولا تنفع الندامة، أين الشيخ أبو حنيفة، فیفرج عنا. وروى الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٥٣: عن جيهان بن خيب الفرغاني، قال: حدثنا محمد بن جعفر الكوفي، قال: سمعت وكيعاً، يقول كلما روى حديثاً عن أبي حنيفة رحمة الله عليه، أو ذكره لا جزى الله من ثبطني (٢) عن أبي حنيفة إلا جزاءه، لوددت أني لزمته، فما فارقته قال وكيع: وكان أبو حنيفة رحمة الله عليه إذا رآني يقول لي: يا وكيع لو لزمت الحلقة سنةً لیحدث بك في آفاق الدنیا. (١) في الأصل: (القسام) وانظر ٨٥٩. (٢) أي: عوّقني. - ٣١٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وروى الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٥٤: عن جيهان، قال: سمعت محمد بن مقاتل، يقول: حدثنا محمد بن أعين، قال: رأيت وكيع بن الجراح عند زفر، فقلت: يا أبا سفيان أتختلف إلى زفر، قال: غررتمونا عن أبي حنيفة رحمة الله عليه، فتريدون أن تغرونا عن زفر أيضاً، حتى نحتاج إلى أبي أسيد، وأبو أسيد كان صباغاً بباب زفر. وروی الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٦١: عن أبي مسعود الربيع بن حسان، قال: حدثنا محمد بن طريف البجلي، قال: كنا عند وكيع يقرأ علينا، فأقبل علينا وقال: يا أيها الناس لا ینفعکم سماع هذا الحدیث حتى تتفقهوا فیه، ولا تتفقهوا فیه حتى تجالسوا أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليهم فيفسروا لكم أقاويل أبي حنيفة رحمة الله عليه فيه. قال: سمعت سفيان بن وكيع يقول: ندم أبي بأخرة على ما فاته من مجالسة أبي حنيفة، وكان يتمنى أن يكون أكثر الاختلاف إليه والتعلم(١) منه، وكان يختلف بعد موته إلى أصحابه. وروى الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٦٣: عن محمد بن داود البخاري، قال: حدثنا عذافر بن الحكم، قال: (١) في الأصل: (تعلم). - ٣٢٠ -