Indexed OCR Text
Pages 321-340
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول وقال الذهبي في ((الميزان)) ١١٨/١ في ترجمة أحمد بن عتاب المروزي: قال أحمد بن سعيد بن معدان: شيخ صالح روى الفضائل والمناكير، قلت: ما كل من روى المناكير يضعف. العاشر: في رواية المناكير والموضوعات، وصدور الأخطاء في الأحاديث من قبل رجال أحد الصحيحين أو كليهما لا تؤثر في توثيقها كما لا تؤثر في غيرهما على الإطلاق: أورد الذهبي في ((السير)) ١٢ / ٩٧: ترجمة أبي عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني - وهو من رواة مسلم والترمذي والنسائي - وفيه قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: كان رجلاً صالحاً، وكانت به غفلة، رأيت عنده حديثاً موضوعاً، حدث به عن ابن عيينة، وكان صدوقاً. وأورد الذهبي في ((السير)» ٣٢٣/١٢: ترجمة أبي عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المعروف ببحشل - وهو من رجال مسلم - قلت: - القائل الذهبي- كان من أبناء التسعين رحمه الله، وقد روى ألوفاً من الحديث على الصحة، فخمسة أحاديث منكرة في جنب ذلك، ليست بموجبة لتر که. وأورد الذهبي في ((السير)) ٢١٨/١٠: ترجمة خالد بن مخلد القطواني - ٣٢١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول - وهو من رجال البخاري ومسلم- قال أحمد بن حنبل: له أحاديث مناکیر، وذكره ابن عدي في كامله، فأورد له عدة أحاديث منكرة، وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ٣٩٨: أما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في کامله، وليس فيها شيء مما أخرج له البخاري، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد وهو حديث أبي هريرة: ((من عادی لی ولیّا))، وروی له الباقون سوی أبي داود. وأورد الذهبي في ((السير)) ١٠/ ٣٩٣: ترجمة إسماعيل بن أبي أويس - وهو من رجال البخاري ومسلم- قال أبو أحمد بن عدي: روى عن خاله غرائب لا يتابعه عليها أحد، قلت : - القائل الذهبي - الرجل قد وثب إلى ذاك البر، واعتمده صاحبا الصحيحين، ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناکیر تنغمر في سعة ما روى. وأورد الذهبي في ((السير)) ١٠/ ١١٧: ترجمة محمد بن يوسف بن واقد الفريابي - وهو من رواة الستة - قال العجلي: الفريابي ثقة كانت سنته كوفية، ثم قال: وقال بعض البغداديين: أخطأ محمد بن يوسف في خمسين حديثاً، ومائة من حديث سفيان، وقال ابن عدي: له عن الثوري أفرادات. وأورد الذهبي في ((السير)) ٢٤٦/١٠: ترجمة عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار - وهو من رجال الستة - قال ابن الغلابي: ذكر لابن معين - ٣٢٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول عفان وثبته، فقال: قد أخذت علیه خطأه في غیر حديث. وفي ((السير)) ١٠/ ١٤٧ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: أخطأ وکیع في خمسمائة حديث. وأورد الذهبي في ((السير)) ١١/ ١٣٧، ١٣٨: ترجمة سليمان بن بنت شرحبيل - وهو من رجال البخاري - قال أبو حاتم: سليمان صدوق مستقيم الحديث، ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان عندي في حد لو أن رجلاً وضع له حديثاً لم يفهم، وكان لا يميز، وقال الحاكم: قلت للدار قطني: سليمان بن عبد الرحمن؟ قال: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: حدث بها عن ضعفاء، فأما هو فثقة. وأورد الذهبي في (السير)) ٢٦٧/١٠: ترجمة عارم محمد بن الفضل - وهو من رواة الستة - قال الدارقطني: تغير بآخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة، [قال الذهبي]: فانظر قول أمير المؤمنين في الحديث أبي الحسن: فأين هذا من قول ذاك الخسّاف المتفاضح أبي حاتم بن حبان في عارم فقال: اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فیجب التنکب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعلم هذا من هذا ترك الكل، ولا يحتج بشيء منها. - ٣٢٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول وفي ((السير)) ١٠/ ٤٥٣: في ترجمة الربيع بن يحيى - وهو من رجال البخاري - قال الحاكم: سألت الدارقطني عنه، فقال: روى عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عن جابر في الجمع بين الصلاتين، قال: هذا يسقط مائة ألف حديث، يعني: من أتى بهذا ممن هو صاحب مائة ألف حديث أثر فيه ليناً بحيث تنحط رتبة المائة ألف عن درجة الاحتجاج، وإنما هذا على سبيل المبالغة، فكم ممن قد روى مائتي حديث، ووهم منها في حديثين وثلاثة وهو ثقة. الحادي عشر: في قبول المرسل: قال أبو الوليد الباجي المالكي في ((أحكام الفصول في أصول الأحكام)) (٣٥٥ - ٣٦٣): فصل: في ذكر المرسل ووجوب العمل به. والضرب الثاني من أخبار الآحاد المرسل، وهو ما انقطع إسناده فأخل فيه بذكر بعض رواته؛ ولا خلاف أنه لا يجوز العمل بمقتضاه إذا كان المرسل له غير متحرز يرسل عن الثقات وغيرهم. فأما إذا علم من حال أنه لا يرسل إلا عن الثقات فإن جمهور الفقهاء على العمل بموجبه كإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والحسن البصري، والصدر الأول كلهم؛ وبه قال مالك رحمه الله، وأبو حنيفة وسائر أصحاب الحديث من المتقدمين، وقال القاضي أبو محمد: هو مذهب متقدمي أصحابنا؛ وهو - ٣٢٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الذي نصره القاضي أبو الفرج؛ وبه قال أبو تمام، وذهبت طائفة من المتأخرين إلى أنه لا يجب العمل به ولا حجة فيه؛ وعليه أكثر المتكلمين؛ وبه قال من أصحابنا القاضي أبو بكر؛ وهو ظاهر مذهب القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق والشيخ أبي بكر بن الجهم والشيخ أبي بكر الأبهري؛ وبه قال القاضي أبو جعفر. والدليل على ما نقوله إجماع الصدر الأول على ذلك ومن بعدهم من التابعين، قال محمد بن جرير الطبري: إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المائتين، ومما يؤيد ما قاله كثرة رواية عبد الله بن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إن مسنده من أكبر مسانيد الصحابة؛ وقد ثبت بخبره أنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحواً من سبعة أحادیث، وسائر حديثه كله لا يذكر فيه اسم المخبر له عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ربا إلا في النسیئة))؛ فلما روجع فيه قال: حدثني به أسامة؛ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة؛ ثم قال في حديث آخر: حدثني به أخي الفضل بن عباس، وروي عن ابن عمر أخبار تارة يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يرويها عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة روى عن النبي صلى الله علیه وسلم: ((من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له))؛ فلما ذكر له رواية - ٣٢٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول عائشة وأم سلمة قال: حدثني به الفضل بن عباس. وروي عن البراء بن عازب أنه قال: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه؛ إلا أننا لا نكذب. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتناوب هو وجار له النبي صلى الله عليه وسلم فإذا غاب عمر نزل جاره وأخبره بأحكام النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم، ولم يرو عمر عن جاره ذلك كلمة واحدة، بل أخباره كلها يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ظهور ذلك على التابعين فمن ذلك ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو حدثني؛ وإذا قلت: قال عبد الله، فقد سمعته من غير واحد عنه، وروى عنه الأعمش قال: كنت إذا اجتمع عندي على الحديث أربعة تركتهم وأسندته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل له: لم لا تسند الحديث؟ فقال: قد حدثني به جماعة؛ فعن أيهم أسنده؟. وروي عن عطاء أنه سئل عن صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين: أيفرق بينهن؟ فقال: نعم، فقال له مجاهد: كان يقرأ عبد الله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، فقال: فهي إذا متتابعات؛ فقبل إرسال مجاهد ورجع إليه. وروى هشام بن عروة عن أبيه: أن أباه عروة كان عند عمر بن عبد العزيز فاختصم إليه رجلان فقال أحدهما: أخذت أرضا ميتة فحزتها، فجاء هذا فزرع فيها؛ فقضى عمر للذي عمّرها؛ قال - ٣٢٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول عروة: فقلت: ليس الأمر كذلك، بل هي للذي حازها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له))؛ فقال لعروة: أتشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى له؟؛ فقضى عمر بها للذي حازها وترك رأيه لأجل مرسل عروة. ولو تتبعت أخبار الفقهاء السبعة وسائر أهل المدينة والشاميين والكوفیین والبصریین لوجدت أئمتهم كلهم قد أرسلوا الحديث ورووه مرسلاً وأخذوا به. دليل ثان: ومما يدل على ذلك إجماع الناس على نقل المرسل إلى اليوم؛ ولا فائدة في نقله وروايته والاشتغال به إلا العمل بموجبه، وبهذه الطريقة أثبتنا العمل بخبر الآحاد المسندة. فإن قال قائل: فهذا يبطل بأخبار الضعفاء والمتروكين، فإنها تروى وتنقل وتكتب في الكتب، ومع ذلك فلا يجب العمل متضمنها. فالجواب: أن هذا باطل، لأن أكثر المتورعين والفضلاء لا يروي عن الضعفاء؛ وقد روي عن مالك رحمه الله أنه سأله عبد الرزاق أن يحدثه بحديث، فقال: رويته ولا أحدثك به؛ فسأله مسلم بن خالد الزنجي أن يحدثه به، فقال: لو كنت محدثا به لحدثته، ولكني لا أحدّث به لأن راويه لم يكن عندنا بذاك. وقال شعبة: لأن أزني أحب إلي من أن أحدّث بحديث - ٣٢٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول أبان بن أبي عياش، وكذلك سائر الأئمة إذا ثبت عندهم تضعيف رجل رموا بحديثه إلا آحادا من المحدّثين لا تثبت بهم حجة. وجواب ثان: وهو أن خبر الضعيف إذا روي فأكثر العلماء يبين ضعفه ويقرن به رده فيحذر لذلك؛ وليس كذلك الخبر المرسل، فلم أر أحدا من العلماء روی حدیثا مرسلا وذكر أنه لا يؤخذ به لأنه مرسل؛ فبطل ما قالوه. ومما يدل عى ذلك أيضا أننا قد اتفقنا على أن التعديل يقع بخبر الواحد، ومن عدله إمام من الأئمة فهو عدل ولا يحتاج المعدل إلى كشف معنى العدالة؛ فإذا علم من حاله أنه لا يحدّث إلا عن ثقة ولا يرسل إلا عن عدل كان إرساله عنه بمنزلة أن يقول: إن هذا زيد قد رويت عنه هذا الحديث، وهو ثقة مأمون، فلا خلاف أنه لو قال ذلك كان تعديلا للراوي؛ فكذلك إذا ترك ذكره وعلم أنه لا يترك ذكر راويه إلا لتوثيقه. فإن قالوا: هذا ليس بصحيح لأنه يجوز أن يكون عنده ثقة، وعلم غيره من حاله ما لم يعلمه هو، فيجب أن يذكره ليعرف حاله من جهة غيره. والجواب أن هذا باطل به إذا ذكره، وقال: هو عدل رضي، فإنه تعديل له عندكم، وإن كان يجوز أن يعتقد التعديل بما لا يقع به التعديل - ٣٢٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول عند غيره؛ ومع ذلك فإنه لا يجب عليه إظهار معنى التعديل عنده اكتفاء بظاهر عدالة المزكي وحمل أمره على الصواب. وكذلك الشهود بصحة العقود يقبل قولهم في ذلك من غير استفصال، وإن جاز أن يعتقدوا الصحة في ما لا يصح عند غيرهم. وجواب ثالث: وهو أنه إذا كان المعروف من حاله أنه لا يرسل إلا عن الأئمة كمالك والثوري وشعبة وجب قبول خبره لأنه لا سبيل إلى تعديل هؤلاء ولا إلى تجريحهم. دليل رابع: يختص به الشافعي، وهو أنه إذا علم من حال الراوي أنه لا يرسل إلا عن الثقات وجب قبول خبره كما قبلنا جميعا خبر سعيد بن المسیب إذا أرسله لما علمناه من حاله. فإن قال: إن مراسل سعيد اعتبرتها فوجدتها كلها مسندة. قيل له: هذا غلط لوجوه: أحدها: أن من مراسيل سعيد بن المسيب ما لا يوجد مسندا بوجه، منها النهي عن بيع اللحم بالحیوان. وجواب ثان: وهو أنه إن كان وجد مرسل سعيد في معنى من المعاني مسندا عند غيره، وعمل بمتضمن الخبر لكونه مسندا فلم يعمل بمرسل سعيد وإنما عمل بالمسند الذي وافقه؛ فلا فائدة في استثناء مراسيل - ٣٢٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول سعيد بن المسيب لأنها وغيرها سواء، لأنه إنما التزم المسند لا المرسل، وإن کان وجد لسعید حدیثا أرسله مسندا عند غيره، ووجد له حدیثا آخر مرسلا فأخذ به لأجل أنه قد وجد من مراسيله مسندا، فهذا غلط، لأن هذا يوجب عليه الأخذ بمراسيل جميع الأئمة لأنه ليس في الرواة من لا يوجد له شيء من مراسيله مسندا. وهذا من ضعف ما يتعلق به من أنكر القول بالمراسيل لأنه لا فرق بين سعيد وغيره إذا علم منه التحرز والتحفظ. وأيضاً: فإنه لو وجب علينا الحكم بأن جميع مراسيل سعيد مسندة لأننا قد وجدنا منها مسندا، لوجب علينا إذا صدقنا زيدا في خبر الدليل دل عليه من غير العدالة لوجب أن نصدقه في سائر أخباره ولو لم يدل الدليل على صحتها، وهذا باطل باتفاق. أما هم فاحتج من نصر قولهم بأن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ومحال العلم بعدالته مع الجهل بعينه؛ وقد أجمعنا أنه لا يجوز قبول الخبر إلا عمن عرفت عدالته؛ فوجب لذلك كونه غير مقبول. والجواب: أن هذا يبطل بإجمال معنى التعديل، فإنه يؤدي إلى الجهل بنفس التعديل؛ وقد أجمعنا على صحة التعديل به إذا قال: هو عدل رضي، ولم يبين معنى العدالة عنده. وجواب ثان: وهو أنه ليس من شرط معرفة العدالة المعرفة بالعين؛ ألا ترى أنه لما أخبرنا الصادق أنه حدّثه عدل لعلمنا عدالته وإن لم نعلم عینه؟ !. - ٣٣٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول وجواب ثالث: وهو أن هذا يبطل بالإجماع؛ فإنا نعلم أنه لم يصدر إلا عن دليل صحيح، فنعلم صحة الدليل وإن كنا لا نعلم عينه، وكذلك إذا قال الشهود: عقد فلان مع فلان عقد نكاح صحيح، وعقد بيع صحيح، حكمنا بصحة العقد، وإن لم نعلم عينه؛ فكذلك في مسألتنا مثله. احتجّوا بأن العدل لو سئل عمن أرسل عنه فلم يعدله لم يجب العمل بخبره إذا لم يكن معروف العدالة؛ فكذلك حاله إذا أمسك عن ذكره وتعديله لأنه مع الإمساك عن ذكره غيره معدل؛ فوجب أن لا يقبل الخبر عنه. والجواب: أن هذا غير مسلم؛ لأنه إذا علم من حاله أنه لا يرسل إلا عن الثقات عنده کان ترکه لذكره تعدیلا له وتوثيقا لروايته؛ ولذلك لما علم من الحاكم أنه لا يحكم إلا بشهادة الثقات عنده، فإذا حكم بشهادة شاهدين علمنا توثيقه لهما ورضاه بهما، ولذلك لو قال: لا أرسل إلا عن ثقة، ثم عمن علم منه خلاف ذلك لكان المرسل فاسقا كاذبا. احتجوا بأن إرسال الراوي الخبر وترك ذکر من حدثه به، إذا علم من حاله ألا يرسل إلا عن ثقة أكثر ما فيه أنه ثقة عنده، وبمثابة أن يقول: حدثني العدل الثقة، ولا يجب علينا تقليده فيه، لأنه يجوز أن نعرفه بالفسق ونطلع من حاله على ما لو اطلع عليه المحدث لأسقط خبره. والجواب: أن هذا يبطل به إذا قال: حدثني زيد العدل الثقة، فإنه يجب - ٣٣١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول علينا تقليده في ذلك ولا يستفصل معنى العدالة والثقة عنده، وإن جاز أن نعلم من حال ما هو عدالة عنده أنها ليست بعدالة ونبين للمعدل بالأدلة أنها ليست بعدالة، ولا معنى يوجب التزكية. وجواب ثان: وهو أن باب الأخبار مبني على صحة التقليد في الرواية، ولذلك نقلد الراوي في قوله: حدثنا فلان، ونقلده في توثيقه إذا قال: هو ثقة، ونقلده في تفسيقه إذا قال: هو فاسق، فبطل ما تعلقوا به، انتھی. الثاني عشر: في زيادة راوي الصحيح والحسن: هي مقبولة ما لم يقع مخالفة لرواية من هو أوثق منه. وإطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة محمول على تقييدهم الخبر المقبول بأن لا يكون شاذاً. وليس نص إمامهم حيث قال: ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه فوجد حديثه أنقص، كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه. منافيا لإطلاقهم کما ظن. زعماً أنه اقتضى أنه إذا خالف العدل أحدا من الحفاظ، فوجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقا، وإنما يلزم قبولها من العدل الحافظ، لأن العدل غير الثقة الذي هو - ٣٣٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول العدل الضابط معا، وكلامه إنما هو في عدل لم يعرف ضبطه، وعلى قياس ما سبق: لا تقبل زيادة الضعيف إذا خالفت رواية الثقة. هذا، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى رد الزيادة مطلقا، ونقل عن معظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه. والمختار عند ابن الساعاتي وغيره من الحنفية: أنه إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف، كما لو نقل أنه صلى الله عليه وسلم دخل البيت، فزاد: وصلى. فإن اختلف المجلس قبلت باتفاق. وإن اتحد وكان غيره قد انتهى في العدد إلى حد لا يتصور غفلتهم عن مثل ما زاد، لم تقبل. وإن لم ينته فالجمهور على القبول، خلافا لبعض المحدّثين وأحمد في روایة. وإن جهل حال المجلس، فهو بالقبول أولى مما إذا اتحد بذلك الشرط. وأما إذا كانت الزيادة مخالفة فالظاهر التعارض. وقال الجصاص الرازي في ((الأصول)) (٢/ ٥٥ - ٥٨): كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يذهب إلى أن راوي الحديث إذا كان واحدا، ثم اختلف الرواة عنه في زيادة ألفاظه ونقصانها: أن الأصل هو ما رواه الذي ساقه - ٣٣٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول بزيادة، وأن النقصان إنما هو إغفال من بعض الرواة، وذلك نحو ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها، فالقول ما قال البائع، أو يترادان)) ومن الناس من يروي هذا الخبر فلا يذكر فيه حال قيام السلعة بعينها، فالأصل فيه هو الأول، وحذف قيام السلعة إغفال من بعض رواته، وإنما كان ذلك من قبل أنه لما كان راوي الخبر واحدا لم يثبت عندنا أن النبي عليه السلام قال ذلك مرتين، ذكر في إحداهما حال قيام السلعة، ولم يذكرها في الأخرى؛ فلم يجز لنا إثبات ذلك؛ لأن فيه إثبات خبر الشك من غير رواية. وأما إذا روي الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين، أو ثلاثة، أو أكثر، فكان في ظاهر الحال دلالة: على أن النبي عليه السلام قد قال ذلك في أوقات مختلفة، وفي بعض ألفاظ الرواة زيادة، فالزيادة مقبولة، والخبر المطلق أيضا محمول على إطلاقه، وذلك نحو ما روى عمر رضي الله عنه، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاع تمر، أو صاع شعير، على كلّ حرّ وعبد من المسلمين، فزاد في لفظ الحدیث ذکر المسلمین. وروى جماعة غيره عن النبي عليه السلام أنه قال: ((أدّوا صدقة الفطر على كلّ حرّ وعبد، صغير وكبير)). ولم يذكر فيه المسلمين، فهذان الخبران كل واحد منهما غير الآخر، فهما مستعملان جميعا، ولا يجوز لنا حمل - ٣٣٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الخبر المطلق على الخبر المقيد بشرط الإسلام، لأن ظاهر ما وصفنا أن النبي عليه السلام قد قال هذا مرة وهذا مرة. ونظيره أيضا: ما روى ابن عباس أن النبي عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يقبض. وروي في أخبار أخر من غير جهة ابن عباس: أن النبي عليه السلام نهى عن بيع ما لم يقبض، فاستعمل الخبرين، ولم يحمل الأمر على أنهما خبر واحد حذف منه بعض الرواة ذكر الزيادة. ألا ترى: أن النبي عليه السلام قد أمر عتاب بن أسيد مبتدأ القول مطلقا حين بعثه إلى مكة، فقال: انههم عن أربع: بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن، وعن بيع وسلف، وعن شرطين في بيع، فدل على أنهما خبران قد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم في وقتين. فإن قيل: قد روي عن النبي عليه السلام: مسح ببعض رأسه، وفي خبر آخر: أنه مسح بجميع رأسه، فهلا أثبت الزيادة. قيل له: هذه الزيادة ثابتة عندنا، إلا أنه على وجه الندب، لأن النبي عليه السلام لا يترك المفروض بحال. ويجوز أن يفعل المندوب في حال، ويتركه في آخر، فيقتصر على المقدار المفروض على وجه التعليم، وإذا روى بعض الصحابة حديثا رفعه إلى النبي عليه السلام، ثم روي ذلك الحديث عن ذلك الصحابي موقوفا عليه؛ فإن ذلك عندنا غير مفسد لرواية من رواه مرفوعا، بل هو مما يؤكد روايته التي رواها عن النبي عليه - ٣٣٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول السلام، ويوجب تأکید روايته، ويكون دليلا على أنه رآه ثابت الحكم غير منسوخ. وقوم من أصحاب الحديث يصنفون الرواة، فيجعلونهم طبقات، فإذا روى رجل من أهل الطبقة العليا حديثا قبلوا عليه زيادة من هو في طبقته، ولم يقبلوا عليه زيادة من هو دون طبقته. وكذلك إذا أسند رجل من أهل الطبقة العليا حديثا إلى النبي عليه السلام، ووقفه رجل ممن هو دون طبقته كان عندهم مسندا، وإن وقفه من كان من أهل الطبقة العليا على الصحابي، ورفعه من هو في طبقة دونها، كان ذلك عندهم موقوفاً، ولم يكن مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك يقولون فيما يرسله واحد، ويسنده آخر، على هذا الاعتبار، ولا يعتبرون معارضتها للأصول ودلائلها، وإنما يصحّحون الروايات بالرجال فحسب، ولم نعلم أحدا من الفقهاء يعتبر في قبول أخبار الآحاد اعتبارهم. وقال ابن الساعاتي في ((نهاية الأصول)) (ص ١٧٤، ١٧٥): إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف، كما إذا نقل أنه عليه السلام دخل البيت، فزاد: وصلى، فإن اختلف بالمجلس قبلت باتفاق، وإن اتحد وكان غيره قد انتهى - ٣٣٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول في العدد إلى حدّ لا يتصور غفلتهم عن مثل ما زاد لم تقبل، وإن لم ينته فالجمهور على القبول خلافا لبعض المحدثين وأحمد في رواية. لنا: عدل جازم فوجب العمل بروايته، وعدم نقل الغير يجوز أن یکون لعروض شاغل أو اشتغال أو سھو أو نسیان فلم يقدح. قالوا: لو عمل به لعمل مع الشك، فإن احتمال الغلط والسهو والوهم قائم في نقلها بل وتطلق الغلط على الواحد أكثر فكان أولى بالترك. قلنا: تلك الاحتمالات أرجح؛ ولأن السهو فیما سمعه أكثر منه فيما لم يسمعه أنه سمعه وما رجح به زيادة عدد التاركين غير مطرود، ولو تساويا وهو من صور النزاع، وإن جهل حال المجلس فالقبول أولى، وإن كانت الزيادة مخالفة فالظاهر التعارض خلافا لبعض المعتزلة، ولو رواها العدل مرة وأهملها أخرى كتعدد الرواة، ولو أسند واحد وأرسل الباقون أو رفع وأوقفوه أو وصل وقطعوه، فالخلاف كالزيادة. الثالث عشر: في قول التابعي الكبير، هل هو حجة: اعلم أن قول التابعي الكبير حجة عندنا ما لم يعارض المرفوع إذا كان من تابعي ظهر فتواه في زمن الصحابة، وإبراهيم النخعي كذلك، فإنه وُلد في زمن الصحابة ومات في زمانهم. قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٢٠/٤: هو الإمام الحافظ، فقيه العراق، أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن - ٣٣٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي، اليماني ثم الكوفي، أحد الأعلام، وهو ابن ملیکة أخت الأسود بن يزيد. وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلاً صالحاً فقيهاً متوقياً، قليل التكلف وهو مختفٍ من الحجاج. قال يحيى بن معين: مراسيل إبراهيم أحب إليّ من مراسيل الشعبي، قاله عباس عنه. وقال أبو قطن: حدثنا شعبة، عن الأعمش: قلتُ لإبراهيم: إذا حدّثتني عن عبد الله فأسند، قال: إذا قلتُ: قال عبد الله، فقد سمعتُه من غير واحد من الصحابة، وإذا قلتُ:حدثني فلان، فحدّثني فلان. وقال سعيد بن جبير: أتستفتوني وفیکم إبراهيم؟ روى أسامة عن الأعمش، قال: كان إبراهيم صيرفي الحديث. وعن شعيب بن الحبحاب، قال: كنتُ فيمن دفن إبراهيم النخعي ليلاً سابعَ سبعةٍ أو تاسع تسعة، فقال: الشعبي: أدفنتم صاحبكم؟ قلت: نعم. قال: أما إنه ما ترك أحداً أعلم منه، أو أفقه منه، قلت: ولا الحسن ولا ابن سيرين؟ قال: نعم، ولا من أهل البصرة ولا من أهل الكوفة، ولا من أهل الحجاز، وفي رواية: ولا من أهل الشام. قال مغيرة: كنا نهابُ إبراهيم هيبة الأمير. توفي وله تسع وأربعون سنة. مات سنة ست وتسعين. - ٣٣٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول وقال الشيخ النعماني في ((الإعلاء)) ٢٥٩/٤: وإنما كان أبو حنيفة ألزم الناس بمذهب إبراهيم لكون إبراهيم ألزم الناس بمذهب ابن مسعود وأصحابه، حتى كان رحمه الله لسانهم في عصره، فقول إبراهيم كأنه قول ابن مسعود وإن لم ينتبه إليه، لا سيما إذا كان فيما لا يدرك بالقياس، انتھی. وقال محدّث الهند الشيخ ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) ١١٥/١: وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر ولحديث أبي هريرة، وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة، عبد الله بن مسعود وعلي وأصحابهما وشريح رضي الله عنهم، فإذا تكلما بشيء ولم ينسباه إلى أحد فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحاً أو إيماء ونحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما وأخذوا عنهما، وعقلوه، وخرجوا عليه، والله أعلم. وقال في موضع آخر ١١٦/١: وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه، دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلاً على الفروع أتم إقبال وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد، وجامع عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وفي تلك اليسيرة أيضاً لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة، انتھی. - ٣٣٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول قلت: فيه نظر: فإن المذهب الحنفي ليس اسماً لأقاويل إبراهيم النخعي ونظرائه فقط، بل هو اسم للأصول والقواعد المعروفة، ثم التفريع والتخريج على هذه الأصول والقواعد المقررة في المذهب، وهذا القول يقوله من لم يمارس نصوص الإمام أبي حنيفة في مصادر الفقه المذهب الحنفي، مثل الكتب الستة: الأصل، والجامع الصغير، والكبير، والسير الكبير، والصغير، والزيادات، فلو جمعت من هذه الكتب باب واحد ليزيد على أقوال إبراهيم النخعي بكثير. وقال الشيخ العلامة عبد الرشيد النعماني في كتابه ((الإمام ابن ماجه وكتابه السنن)) ص٦٨: فهذا الكلام لا يليق برفيع جناب الإمام، كيف وفيه الحكم عليه بأنّ مكانه في الفقه مكان المتّبع، لم يأت بجديد، إلا في التخريج، وسرعة التفريغ، وهو متبع كل الأتباع، ناقل كل النقل لإبراهيم وأقرانه، لا يخرج عن آرائهم إلا فيما لا يكون لهم اجتهادٌ فيه، وإن خَرَج فإلى أقوال علماء الكوفة، أو ليفرّع أو يُخرّج على أقوال إبراهيم وأقرانه. فهذا الكلام يجعل الإمام الأعظم مقلّداً أو في حكم المقلّد المتّبع، ولا شك أن في هذا الحكم هضماً لمكان أبي حنيفة الذي هو إمام الأئمة، ومقتدى أكثر الأمة، والخلق كلهم عيالٌ عليه في الفقه، كما صرح به الإمام الشافعي رضي الله عنه. وأما ما قال رحمه الله: وإن شئت حقيقة ما قلنا، فلخّص أقوال - ٣٤٠ -