Indexed OCR Text
Pages 281-300
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول قال ابن العماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) ٢٨٧/١: وفيها حماد بن أبي حنيفة الإمام، وكان من أهل الخير والصلاح والفقه في مذهب أبيه، انتھی. وقال الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) رقم ٦٩: حماد ابن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي الفقيه أبو إسماعيل، تفقه بوالده، وقيل: كان من العباد الأخيار، حدث عن أبيه وعن ليث بن أبي سليم، وعنه ابن المبارك وقتيبة وسويد بن سعيد، ليّنوه من قبل حفظه، وذكره ابن عدي في ((الكامل)»، قيل: مات في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة، انتهى. وقال ابن عدي في ((الكامل)) ٦٦٩/٢: حماد بن أبي حنيفة حدثنا أحمد ابن حفص قال: ثنا أبو الدرداء المروزي: سألت أبا رجاء قتيبة بن سعيد عن حماد بن أبي حنيفة فقال: تسأل عن حماد، قلت: عبد الله بن المبارك روى عنه، فقال: ليتني لم أسمع هذا منك، قلت: حديث ليث عن مجاهد فقال: حدثنا حماد بن أبي حنيفة عن ليث عن مجاهد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الميت في أول النهار فلا يقيلن إلا في قبره، فإذا مات في آخر النهار فلا يبيتن إلا في قبره))، قال أبو رجاء: فحدثت به جريراً فقال: قل له: كذبت ما أنت والحديث، إنما كان دأبك الجدال والخصومات، إنما حدثنا ليث قال: قال أهل المدينة : - ليس فيه - ٢٨١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول مجاهد ولا النبي صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مات الميت من أول النهار فلا یقیلن إلا في قبره، وإذا مات لیلاً فلا ينتظر به الصباح)). قال ابن عدي: وهذا الحديث الذي ذكر عن حماد بن أبي حنيفة عن لیث عن مجاهد عن النبي صلی الله عليه وسلم، وما ذكره جرير عن ليث عن أهل المدينة، وهذا اختلاف على ليث، وليث ليس ممن يعتمد عليه في الحدیث. ورواه الحكم بن ظُهَير عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره فيمن اسمه الحكم، وحماد بن أبي حنيفة لا أعلم له رواية مستوية فأذكرها. وقال الشيخ الإمام أبو الحسنات عبد الحي اللكنوي رحمه الله في ((الفوائد البهية)) ص٦٩: حماد بن أبي حنيفة تفقّه على أبيه وأفتى في زمانه، وتفقّه عليه ابنه إسماعيل، وهو من طبقة أبي يوسف ومحمد والحسن بن زياد، وكان الغالب عليه الورع والزهد، واستقضي على الكوفة بعد القاسم ابن معن الكوفي تلميذ أبي حنيفة. قال الجامع: نقل الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) عن ابن عدي أنه ضعّفه من قبل حفظه، انتهى. الرد على ما اتهمه به ابن عدي في ((الكامل»: اعلم أني لم أجد في هذه المصادر المتنوعة تضعيف الإمام حماد بن - ٢٨٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول أبي حنيفة إلا من الحافظ ابن عدي في ((كامله))، وتضعيف الحافظ ابن عدي یکون عامة بعد سبر مرويات الراوي، فإن الراوي مع ثقته لو كانت بعض رواياته مخالفة لما عنده من الروايات المعروفة يكون مطعوناً ومجروحاً حسب ما أدى إليه اجتهاد نفسه، وهذه الصنعة الحديثية أي التضعيف لم يسلم منها رواة الصحيح وأئمة الحديث، فإنه لم يشترط في باب الرواية أن تكون جميع المرويات صحيحة فقط، وقد ذكرت هذا البحث في مقدمة ((المسند)) للحارثي وابن خسرو بالتفصيل. وقد أتى الحافظ ابن عدي في ترجمة حماد بن أبي حنيفة حديثاً خالف فيه حماد بعض الثقات، وهو جرير بن عبد الحميد يروي عن ليث عن أهل المدينة: ((إذا مات الميت ... ))، وجرير بن عبد الحميد الضبي من رجال الستة، وهو من الثقات المعروفين، لكن قال البيهقي في ((السنن)): نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، قال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم علیه بهزّ فعرفه، كما في ((التهذيب)). وحماد بن أبي حنيفة أيضاً من الثقات المعروفين، ولم يوجد فيه أي جرح من الجروح المعتبرة عند أئمة الحديث إلا ما ذكر من قبل هذا الإمام، هو جرير بن عبد الحميد الضبي الراوي لهذا الحديث عن ليث، وسبب هذا التضعيف روايته هذا الحديث بالإرسال عن مجاهد وعن - ٢٨٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول ليث، ورواية جرير هذا الحديث وقفاً على أهل المدينة. أما الأول: فقد روى الحارثي في ((كشف الآثار)) ١٥٧١ بأسانيده: من طريق عيسى بن موسى وقتيبة بن سعيد، عن حماد بن أبي حنيفة، عن ليث، عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الميت في أول النهار فلا يقيلن إلا في القبر)). وأخرجه الحارثي ١٥٧٢ أيضاً: من طريق عبد الله بن المبارك، عن حماد بن أبي حنيفة، عن ليث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :... فذكره. فهذه ثلاث طرق عن حماد لهذا الإرسال، وأما وقفه فقد سبق ذكره عن ابن عدي في ترجمته. وقد وصله الحكم بن ظهير عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعاً به، والحكم بن ظهير من رجال الترمذي وهو ضعيف. انظر كيف أنه بسبب هذا الاختلاف الطفيف اتهمه بالكذب، وهو من الجرح الشديد، ثم القادح جرير أيضاً وقع في الاختلاط في سند حديث حتى نبه عليه بهز، كما في ((التهذيب)) فهل تراه يوصف نفسه بهذا اللقب، كما وصف حماداً، لأن العلة مشتركة بینھما. ولو يجرح الإنسان بسبب خطأ في حديث أو حديثين فلا يسلم منه - ٢٨٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول أحد من كبار أئمة الحديث، كما ذكرت هذا البحث في ((المقدمة)) للحارثي وابن خسرو. وأما قوله: ((ما أنت والحديث إنما كان دأبك الجدال والخصومات))، انتھی. قلت: هذا يدل على قلة تتبعه وعلى تعصبه ضد هذا الإمام، فإنه صنف مسنداً مستقلاً في أحاديث الإمام أبي حنيفة، وله رواية عن الإمام وغيره، وهذا كتاب ((كشف الآثار)) فيه باب مستقل لأحاديثه وأخباره. وأما الجدال والخصومات فكانت خاصة لأهل الأهواء من الفرق الضالة كما شهد به الأعلام. قد روى الحارثي في ((كشف الآثار)) ١٥٨٣: من طريق بشر بن الوليد يقول: كان حماد بن أبي حنيفة شديداً على أهل الأهواء، يكسر عليهم أقاويلهم كسراً، ويحتج عليهم بحجج لم يكن يتهيّؤوا ذلك للحذاق من المتكلمين، وانظر ١٥٨٨، ١٥٨٩ من ((كشف الآثار)). والحاصل: أن الإمام حماد بن أبي حنيفة من الثقات المعروفين، وما أورده الحافظ ابن عدي في ((كامله)) فهو صادر عن التعصب فلا يقبل، وجرير بن عبد الحميد الضبي ممن جالس الإمام أبا حنيفة رحمه الله، - ٢٨٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول وروى عنه الأحاديث والأخبار وانتفع بعلومه، وانظر ((كشف الآثار)) ٢١٢، ٦٣٧، ٦٤٦، ٢٣٦٢، ١٣١٢، ١٢٣٨، فكيف وقع له هذا التعصب ضد ابن أستاذه وشيخه الإمام أبي حنيفة، وما أجمل وأوضح ما قاله الحافظ بدر الدين العيني في ((مغاني الأخيار)) ٢٤٢/١: حماد بن الإمام أبي حنيفة، تفقه على أبيه، وروى عنه وأفتى في زمنه، وتفقه عليه ابنه إسماعيل، وهو من طبقة أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد، وكان الغالب عليه الورع .... وقال الخطيب: كان حماد في الخير والصلاح على قدم عظيم، وفي ((الميزان)): ضعفه ابن عدي، قلت: لم يسلم من لسان ابن عدي أبوه الذي هو إمام الدنيا وإمام الأئمة المجمع على جلالة قدره وكثرة علمه وفقهه فضلاً ابنه، ولا يلتفت إلى ذلك، لأن هؤلاء كالأعداء لأبي حنيفة وأصحابه على ما يظهر من كلامهم، وقال الخطيب: توفي حماد في ذي القعدة سنة ست وسبعين ومائة، انتھی. وما وقع في ((الجرح والتعديل)) لأبي محمد الرازي ما بين المعکوفتین، هو حکي أبو محمد الرازي عن أبيه في إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان أبوه يكذب، وهو بخلاف أبيه، أي حماد بن أبي حنيفة كان يكذب، فقال محققه: من (ك) أي من النسخة المرموزة بـ (ك) تقدمت ترجمة إسماعيل وليس فيها هذا، وفي ترجمة حماد من ((لسان - ٢٨٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الميزان)) ذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً رحمه الله. والحاصل: أن هذه الزيادة ليست في عامة النسخ المهمة لهذا الكتاب، ولو ثبت فهو منقول من ((كامل)) ابن عدي وقد سبق الرد علیه. ١٣- محمد بن عبد الباقي قال الذهبي في ((السير)) ٢٣/٢٠: هو الشيخ، الإمام، العالم، المتفنن، الفرضيُّ، العدل، مسند العصر، القاضي، أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب ابن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن شاعر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحد الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك بن عمرو بن القَيْن الخزرجي، السلمي، الأنصاري، البغدادي، النصري من محلة النصرية الحنبلي، البزاز، المعروف: بقاضي المرستان، ويعرف أبوه بصهر هبة. مولده: في عاشر صفر، سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. بکر به أبوه، وسمّعه من أبي إسحاق البرمكي جزء الأنصاري وما معه حضورا في السنة الرابعة، وسمع الكثير بإفادة جارهم المحدّث الرحال عبد المحسن الشيحي السفّار من علي بن عيسى الباقلاني، وأبي محمد الجوهري، والقاضي أبي الطيب الطبري، وعمر بن الحسين الخفاف. - ٢٨٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول وله مشيخة في ثلاثة أجزاء، وأخرى خرّجها السمعاني في جزء. وأجاز له: أبو القاسم التنوخي، وأبو الفتح بن شيطا، والقاضي أبو عبد الله بن سلامة القضاعي، وتفقه قليلا عند القاضي أبي يعلى، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني. وروى الكثير، وشارك في الفضائل، وانتهى إليه علو الإسناد، وحدث وهو ابن عشرين سنة في حياة الخطيب. حدث عنه خلق، منهم: السلفي، والسمعاني، وابن ناصر، وابن عساكر، وابن الجوزي، وأبو موسى المديني، وعبد الله بن مسلم بن جوالق، والمكرم بن هبة الله الصوفي، وأبو أحمد بن سُكينة. وقد تكلم فيه أبو القاسم ابن عساکر بکلام مُردٍ فج، فقال: كان يتهم بمذهب الأوائل، ويذكر عنه رقة دین. قال: وكان يعرف الفقه على مذهب أحمد، والفرائض والحساب والهندسة، ويشهد عند القضاة، وينظر في وقوف البيمارستان العضدي. وقال أبو موسى المديني: كان إماما في فنون، وكان يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع، وما من علم إلا وقد نظرت فيه، وحصَّلت منه الكل أو البعض، إلا هذا النحو، فإني قليل البضاعة فيه، وما أعلم أني ضيَّعت ساعة من عمري في لهو أو لعب. وقال ابن الجوزي: ذكر لنا أبو بكر القاضي أن منجّمين حضرا عند - ٢٨٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول ولادتي، فأجمعا على أن العمر اثنتان وخمسون سنة، فها أنا قد جاوزت التسعین. قلت: هذا يدل على حسن معتقده. وقال ابن الجوزي: وكان حسن الصورة، حلو المنطق، مليح المعاشرة، كان يصلي في جامع المنصور، فيجيء في بعض الأيام، فيقف وراء مجلسي وأنا أعظ، فيسلم علي. استملى عليه شيخنا ابن ناصر، وقرأت عليه الكثير وكان ثقة فهما، ثبتا حجة، متفننا، منفردا في الفرائض. قال لي يوما: صليت الجمعة وجلست أنظر إلى الناس، فما رأيت أحدا أودّ أن أكون مثله، وكان قد سافر، فوقع في أسْر الروم، وبقي سنة ونصفا، وقيدوه وغلوه، وأرادوه على كلمة الكفر، فأبى، وتعلّم منهم الخط الرومي. سمعته يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر، يجب على المعلّم أن لا يعنف، وعلى المتعلم أن لا يأنف. ورأيته بعد ثلاث وتسعين سنة صحيح الحواسٌّ لم يتغير منها شيء، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بُعد، ودخلنا عليه قبل موته بمُديدة، فقال: سالت في أذني مادة، فقرأ علينا من حديثه، وبقي على هذا نحوا من - ٢٨٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول شهرين، ثم زال ذلك، ثم مرض، فأوصى أن يعمق قبره زيادة على العادة، وأن يكتب على قبره: ﴿قُلْ هُوَ نَبَوَأْ عَظِيمُ (١٧ ) أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. [ص: ٦٧ و٦٨] وبقي ثلاثة أيام لا يفتر من قراءة القرآن، إلى أن توفي قبل الظهر، ثاني رجب، سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. ١٤ - أبو أحمد عبد الله بن عدي قال الذهبي في ((السير)) ١٦/ ١٥٤: هو: الإمام، الحافظ، الناقد، الجوال، أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك بن القطان الجرجاني، صاحب كتاب ((الكامل في الجرح والتعديل))، وهو خمسة أسفار کبار. مولده في سنة سبع وسبعين ومائتين، وأول سماعه كان في سنة تسعين، وارتحاله في سنة سبع وتسعین. فسمع: بهلول بن إسحاق التنوخي، ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، ومحمد بن يحيى المروزي، وأنس بن السلم، وعبد الرحمن بن القاسم بن الرواس الدمشقيين، وأبا خليفة الجمحي، وأبا عبد الرحمن النسائي، وعمران بن موسى بن مجاشع، والحسن بن محمد المديني، والحسن بن الفرج الغزي صاحبي يحيى بن بكير، وجعفر بن محمد الفريابي، وأبا يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان النسوي، وعبدان الأهوازي، وأبا بكر بن - ٢٩٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول خزيمة، والبغوي، وأبا عروبة، وخلقا كثيرا في الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، والجبال، وطال عمره وعلا إسناده. وجرَّح وعدَّل وصحَّح وعلّل، وتقدَّم في هذه الصناعة على لحنٍ فيه يظهر في تأليفه. حدث عنه: شيخه أبو العباس بن عقدة، وأبو سعد الماليني، والحسن ابن رامين، ومحمد بن عبد الله بن عبدويه، وحمزة بن يوسف السهمي، وأبو الحسين أحمد بن العالي، وآخرون. قال الحافظ ابن عساكر: كان ثقة على لحن فيه. وقال حمزة بن يوسف: سألت الدارقطني أن يصنف كتابا في الضعفاء، فقال: أليس عندك كتاب ابن عدي؟ قلت: بلى، قال: فيه كفاية، لا يزاد علیه. بلغني أن ابن عدي صنف كتابا سماه الانتصار على أبواب المختصر للمزني. قال حمزة السهمي: كان ابن عدي حافظا متقنا، لم يكن في زمانه أحد مثله، تفرد برواية أحاديث وهب منها لابنيه عدي وأبي زرعة فتفردا بها عنه. وقال أبو يعلى الخليلي: كان أبو أحمد عديم النظير حفظا وجلالة، سألت عبد الله بن محمد الحافظ، فقال: زر قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع. - ٢٩١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول قال الخليلي: وسمعت أحمد بن أبي مسلم الحافظ يقول: لم أر أحدا مثل أبي أحمد بن عدي فكيف فوقه في الحفظ؟! وكان أحمد هذا لقي الطّبراني وأبا أحمد الحاكم، وقال لي: كان حفظُ هؤلاء تكلفا، وحفظ ابن عدي طبعا. زاد معجمه على ألف شيخ، وهو منصف في الرجال بحسب اجتهاده. قال حمزة السهمي: مات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة. - ٢٩٢ - الفصل الثالث عشر في ذكر الأصول الحديثية التي يحتاج إليها طالب الحديث وهِيَ على أقسام: الأول: في الدفاع عن بعض الجروح في الراوي: اعلم أن الجروح التي صدرت عن تعصب أو عداوة أو منافرة ترد على قائلها في ((الرفع والتكميل)): الجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك فهو جرح مردود، ولهذا لم يقبل قول الإمام مالك في محمد بن إسحاق صاحب (المغازي)): إنه دجال من الدجاجلة، لما علم أنه صدر من منافرة باهرة، بل حققوا أنه حسن الحديث، ولم يقبل قدح النسائي في أحمد بن صالح المصري، وقدح الثوري في أبي حنيفة الكوفي، وقدح ابن معين في الشافعي، وقدح أحمد في الحارث المحاسبي، وقدح ابن مندة في أبي نعيم الأصبهاني، ونظائره كثيرة في كتب الفن شهيرة، وقال البخاري في كتابه ((جزء القراءة خلف الإمام)) ص١٤: ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وکلام الشعبي في عكرمة، وفیمن کان قبلهم، وتناول بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة. - ٢٩٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول قال السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٣٩/٢ في ترجمة الحارث بن أسد المحاسبي: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض، إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحاً عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم نبيلاً حتى يخوض فيما جرى بين الماضين، وإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرّاً إلى زمان العز بن عبد السلام، والتقي بن الصلاح، فإنك إذا اشتغلت بذلك خفت عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام ولأقوالهم محامل، وربما لم نفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضّي عنهم والسكوت عما جرى بينهم، كما يُفعل فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم، انتهى. وفيه ١ / ١٩٠ أيضاً: قد عرّفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذامّيه، ومزكّوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي، أو منافسة دنيوية، كما يكون بين النظراء أو غير ذلك ... ، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا - ٢٩٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول أحد من الأئمة؛ إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالکون، انتھی. الثاني: في ذكر بعض الأصول التي تدفع بها الاتهام ضد أئمة الأحناف القدح في الراوي بسبب الرأي: في ((التاريخ)) ١٦/٧ للخطيب في ترجمة أسد بن عمرو البَجَلي الكوفي: قال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سألت أبي عن أسد بن عمرو فقال: كان صدوقاً، وأبو يوسف صدوق، لكن أصحاب أبي حنيفة ينبغي أن لا يروى عنهم شيء. وفي ((هدي الساري)) ١٦١/٢ للحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري: قال أحمد: ما يضعفه عند أهل الحديث إلا النظر في الرأي، وقال أبو حاتم: لم أر من الأئمة إلا ثلاثة: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، والأنصاري. وفي ((مسودة آل تيمية في أصول الفقه)) ص٢٦٥: قال والد شيخنا في قول أحمد: ((لا يروى عن أهل الرأي)»: تكلم عليه ابن عقيل بكلام كثير، قال في رواية عبد الله: أصحاب الرأي لا يروى عنهم الحديث، قال القاضي أبو يعلى: وهذا محمول على أهل الرأي من - ٢٩٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول المتكلمين، كالقدرية ونحوهم، قلت : - القائل الشيخ ابن تيمية - ليس كذلك بل نصوصه في ذلك كثيرة، وهو ما ذكرته في المبتدع، أنه نوع من الهجرة، فإنه قد صرح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه كأبي يوسف ونحوه، ولذلك لم يرو لهم في الأمهات كالصحيحين، انتھی. قال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ١٤٨/٢: قال الليث بن سعد: أحصيتُ على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه، وكلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك، ومن ثمة لما قيل لأحمد بن حنبل: ما الذي نقمتم على أبي حنيفة؟ قال: الرأي، قال: أليس مالك تكلم بالرأي؟ قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثر رأياً منه، قيل: فهلا تكلمتم في هذا بحصته وهذا بحصته؟ فسكت أحمد، قال أبو عمر: ولم نجد أحداً من علماء الأمة أثبت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رده إلا بحجة، كادعاء نسخ بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سند، ولو ردّه أحد من غير حجة لسقطت عدالته فضلاً عن إمامته، ولزمه اسم الفِسق، ولقد عافاهم الله من ذلك، ولقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول ما يطول ذكره، و كذلك التابعون. - ٢٩٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الثالث: في ذكر تعصب جماعة من المحدّثين وقدحهم في إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان وأصحابه تعصب الحافظ ابن عدي: قال الإمام الكوثري رحمه الله في تقدمة ((نصب الراية» ص٥٧ تحت عنوان: كلمة في الجرح والتعديل: نجد في ((الكامل)) لابن عدي كلاماً كثيراً عن هوى في ساداتنا أئمة الفقه لتعصبه المذهبي عن جهل مع سوء المعتقد، انظر قوله في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي شيخ الشافعي: نظرت الكثير من حديثه، فلم أجد له حديثاً منكراً، مع أنك تعلم أقوال أهل النقد فيه، كأحمد وابن حبان، قال العجلي: مدني رافضي جهمي قدري، لا يكتب حديثه، بل كذبه غير واحد من النقاد، ولولا أن كان يكثر منه قدر إكثاره من مالك لما سعى ابن عدي في تقوية أمره استناداً إلى قول مثل ابن عقدة، ولا أدري كيف ينطلق لسان ابن عدي بالاستغناء عن علم محمد - محمد بن الحسن -؟ وإمامه لم يستغن عن علمه، بل به تخرج في الفقه، لكن المتشبع بما لم يعط يستغني عن علم كل عالم، متقمقماً في جهلاته غير ناظر إلى ما وراءه وأمامه، وهكذا يصنع مع سائر أئمتنا كلهم، ألهمهم الله سبحانه مسامحته. ومن معايب ((كامل)) ابن عدي طعنه في الرجل بحديث، مع أن - ٢٩٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول آفته الراوي عن الرجل دون الرجل نفسه، وقد أقر بذلك الذهبي في مواضع من ((الميزان))، ومن هذا القبيل: كلامه في أبي حنيفة في مروياته البالغة عند ابن عدي ثلاثمائة حديث، وإنما تلك الأحاديث من رواية أبّاء بن جعفر النجيرمي، وكل ما في تلك الأحاديث من المؤاخذات كلها بالنظر إلى هذا الراوي الذي هو من مشايخ ابن عدي، ويحاول ابن عدي أن يلصق ما للنجيرمي إلى أبي حنيفة مباشرة، وهذا هو الظلم والعدوان، وهكذا باقي مؤاخذاته، وطريق فضح أمثاله النظر في أسانیدهم. وقال رحمه الله في ((التأنيب)): ص١٦٩: وكان ابن عدي على بعده عن الفقه والنظر والعلوم العربية طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه، ثم لما اتصل بأبي جعفر الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حالته يسيراً حتى ألف مسنداً في أحاديث أبي حنيفة، وقد ألف رحمه الله كتاباً خاصّاً في نقد كتاب ((الكامل)) سماه ((إبداء وجوه التعدّي في كامل ابن عدي)) لا يزال مخطوطاً، انتهى مما علقه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله على ((الرفع والتكميل)) ص١٤٢، ١٤٣. تعصب الإمام ابن حبان: قال الذهبي في ترجمة عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي من ((الميزان)) - ٢٩٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول ٤٥/٣: وأما ابن حبان فإنه يقعقع كعادته - والقعقعة: تتابع صوت الرعد -. وقال الحافظ في ((القول المسدد)) ص٣٣: ابن حبان ربما جرح الثقة حتی کأنه لا يدري ما يخرج من رأسه. وقال الذهبي في ترجمة محمد بن الفضل السدوسي عارم من ((الميزان)) ٤/ ٧: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخساف المتهور. وقد ذكر الشيخ العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله فيما علقه على ((قواعد في علوم الحديث)) ١٨٤، ١٨٥: أربعة أمثلة لهذا الوصف الذي وصف الذهبي به ابن حبان، وقال الإمام الكوثري رحمه الله في ((تأنيب الخطيب)) ٩٠ كلمة جامعة في حال ابن حبان: وهناك غريبة من محمد بن حبان فيلسوف أهل الجرح والتعديل، قال في كتابه في ((الضعفاء)) في ترجمة أبي حنيفة: كان أجل في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلب إسنادها، أو غير متنها. هكذا يقول صاحب ابن خزيمة في حفظ أبي حنيفة الذي دانت الرقاب لعلمه وفقهه وحفظه، وشهر عنه أنه لا يبيح للراوي الرواية بما طرأ عليه نسيانه لحظة، ولم يستمر حفظه عنده من آن التحمل إلى آن الأداء، وكذلك لا يبيح له - ٢٩٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الرواية بما وجده بخط نفسه، ما لم يذكر روايته، كما في ((الإلماع)) للقاضي عياض ص١٣٩ وغيره، ولم يكن أبو حنيفة يجعل المجاهيل الذين لم يدرس أحوالهم في عداد الثقات، كما كان ابن حبان يفعله تبعاً لشيخه في زمن متأخر جدّاً، بل كان يدرس أحوال الرواة الذين هم بينه وبين الصحابة مباشرة، فيقبل رواية من يستأهل القبول، ويرد رواية غيره، ولم يكن بينه وبين الصحابي في الغالب إلا واحد أو اثنان، فمن السهل جدّاً على مثله في اليقظة معرفة أحوالهم، ومن المتواتر ختمه القرآن في ركعة، وهذا من الدليل على قوة حفظه. فابن حبان فيلسوف أهل الجرح والتعديل يجعل هذا الإمام العظيم الذي أصبح ذكاؤه وحفظه مضرب مثل في مشارق الأرض ومغاربها كأحد المغفلين من أصحابه من الرواية الجامدين، وليس في كلامه شمة من الحقيقة، وإنما هو لون آخر من التعصب. والكلام في ابن حبان طويل الذيل، وأقل ما قيل فيه قول ابن الصلاح: غلط الغلط الفاحش في تصرفه، ووصفه الذهبي بالتشغيب والتشنيع، ومما يؤخذ به أنه قد ذكر في ((كتاب الثقات)) خلقاً كثيراً، ثم أعاد ذكرهم في ((المجروحين)) وادعى ضعفهم، وذلك من تناقضه وغفلته، وكثيراً ما تراه يذكر الرجل الواحد في طبقتين متوهماً کونه رجلین. وطريقته في التوثيق من أوهن الطرق، وإن سبقه في ذلك شيخه - ٣٠٠ -