Indexed OCR Text

Pages 41-60

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
خمسمائة ألف حديث ... ، ولا يستغرب من هذا العدد الضخم بالنسبة إلى
أحاديث الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فقد نقل الخوارزمي في ((جامع
المسانيد)» ١/ ٣٥، والموفق المكي في مناقبه ص٣٩٥ قد قيل: بلغت مسائل
أبي حنيفة بخمسمائة ألف مسألة، و کتبه و کتب أصحابه تدل على ذلك،
انتھی.
قلت: فلو يكون لكل مسألة من مسائل الفقه نظير في الحديث فيبلغ
عدد أحاديث الإمام أبي حنيفة هذا العدد المذكور في الوصية، وقد كان
الإمام أبو حنيفة رحمه الله حريصا بالأخذ عن كلّ من ورد من المحدّثين في
الكوفة، مع أن في طبقة تلاميذ الإمام أبي حنيفة جمّاً غفيراً من كبار أئمة
الحديث، مثل عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد
القطان وعبد الرزاق وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وغيرهم كثيرون
ذكرهم الحارثي في ((كشف الآثار الشريفة))، ومرويات تلاميذه لو كانت
عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله بالإجازة من قبيل رواية الأكابر عن
الأصاغر ليزيد عدد مرويات الإمام أبي حنيفة رحمه الله على ذلك العدد
المذکور في الوصية.
ويدل على كثرة أحاديثه أيضاً ما ذكره الإمام الحافظ أبو يحيى زكريا بن
يحيى النيسابوري في كتاب ((مناقب أبي حنيفة)) له بإسناده إلى يحيى بن
نصر بن حاجب: سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول: عندي صناديق من
الحديث ما أخرجت منها إلا اليسير الذي ينتفع به.
- ٤١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
وقد أخرج الحارثي في ((مسنده)) ١٥١٥: من طريق خالد بن نزار عن
يحيى بن نصر بن حاجب قال: دخلت على أبي حنيفة في بيت مملوء كتبا،
فقلت: ما هذه؟ قال: هذه أحاديث كلها، وما حدّثت به إلا اليسير الذي
ينتفع به، فقلت: حدثني ببعضها؛ فأملى عليّ ... انتهى.
وقد ذكر محمد بن شجاع في تصانيفه نيّقا وسبعين ألف حديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم، مما فيها نظيرها من الصحابة، وانتخب
أبو حنيفة رحمه الله الآثار من أربعين ألف حديث كما في ((المناقب))
ق١ / ٦٠ب للموفق المكي.
ويشهد على كثرة أحاديثه أيضا كثرة مسانيده التي صنفت من قبل
عدد من أجلة العلماء الأحناف والشافعية والحنابلة، وهذا لم يحصل لغيره
من الأئمة الأربعة.
وذكر الإمام عبد الحي اللكنوي في ((عمدة الرعاية مقدمة شرح
الوقاية)) ص ٣٥ ناقلا عن ((شرح الزرقاني على الموطإ)) حكاية خمسة أقوال
في عدد أحاديث الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أولها خمسمائة، ثانيها
سبعمائة، ثالثها ألف ونيف، رابعها ألف وسبعمائة وعشرون، خامسها
ستمائة وستة وستون، وليس فيه قول بما في هذه النسخة. قاله نصر
الهوريني انتهى، قلت: لم أجد هذا في شرح الموطإ إلا أن أحاديث الإمام
أبي حنيفة رحمه الله أكثر من هذا كما سبق.
- ٤٢ -

الفصل الخامس
في الردّ على من اتّهمه بقليل الحديث
قال عبد الرحمن بن خلدون المغربي في مقدمته ص ٣٥٢: اعلم أن
الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال، فأبو حنيفة
رضي الله عنه يقال: بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها، ومالك
رحمه الله إنما صح عنده ما في کتاب الموطإ وغايتها ثلاثمائة حديث أو
نحوها، وأحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده خمسون ألف حدیث، ولکل ما
أداه إليه اجتهاده في ذلك، انتھی.
وأنا لا أطعن ابن خلدون في صنيعه هذا لأنه رجل أخباري لا علاقة له
بالحدیث وفنونه؛ لأنه ذکر ثلاثة من أئمة الفقه مع عدد أحاديثهم، وفي کل
منها أخطأ الصواب وجانب الحق بالمبالغة في إقلال أحاديثهم وإكثارها.
أما الثاني فقد ذكر في عدد أحاديث مسند أحمد بن حنبل أن فيه
خمسين ألفا، وقد وقع في مسنده أحاديث مكررة كثيرة بلغ عدد الأحاديث
التي في المسند أكثر من سبعة وعشرين ألفا، وهذا مع التكرار، فيها
أحاديث مكررة كثيرة يمكن أنها قد تكون النصف أو الثلثين؛ لذا قيل:
إن الأحاديث التي ليست مكررة عشرة آلاف فإن هذا شيء كثير،
انتھی.
- ٤٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
وقد نشرت النسخة المحققة المخرجة بجهود جماعة من العلماء
بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط وعبد الله بن عبد المحسن التركي،
وعدد أحاديثها حسب ترقيمهم (٢٧٦٤٧).
وأما الأول فبالإضافة إلى أحاديث الموطإ يدعي فيه أن غايتها ثلاثمائة
حديث أو نحوها، وانظر ما يقول الزرقاني في شرح الموطأ في عدد
أحاديث ((الموطإٍ)) ١/ ٦١: عن أبي بكر الأبهري قال: جملة ما في الموطأ من
الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف
وسبعمائة وعشرون حديثا، المسند منها ستمائة حديث والمرسل مئتان
واثنان وعشرون حديثا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين
مئتان و خمسة و ثمانون.
وقال الغافقي: مسند الموطإ ستمائة حديث وستة وستون
حدیثا.
وذكر ابن الهياب أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطإ
عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار
والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة.
وقال الكيا الهراسي: موطأ مالك كان تسعة آلاف حديث ثم لم يزل
ینتقى حتى رجع إلى سبعمائة، انتهى.
- ٤٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
وأما بالنسبة إلى أحاديث الإمام أبي حنيفة فمال الإمام اللكنوي في
((تذكرة الراشد)) ص ٢١٧: أن هذه زلة قلمية من نفسه أو نسّاخ كتابه أو
مهتمي طبعه أو من دسائس المفتون فإنه لو كان عنده أنه لم تبلغه إلا سبعة
عشر من روايات صاحب الشرع المتين لما عدّه من كبار المجتهدين ولما
شهد بمهارته وعلوّه في الحديث ولما ذكر العذر في قلة رواياته الحديث،
انتھی.
ولو ثبتت هذه الزيادة فقيل: لعل الذي أوقعه في هذا هو أن محمد بن
الحسن روى الموطأ عن مالك، وزاد فيه ثلاثة عشر حديثا من روايته عن
أبي حنيفة، وأربعة أحاديث من روايته عن أبي يوسف، فظن البعض أن
زيادات محمد بن الحسن على الموطإ هي مرويات عن أبي حنيفة كما في
((الضوء اللامع)) عن مناهج المحدّثين ص ٢٥١.
ويذكر أيضا من أسباب الوهم فيه أن الصالحي ذكر في ((عقود
الجمان)) وابن طولون سبعة عشر مسندا من مسانيده، فوهم البعض
بسبب هذا وظنه حديثا مكان مسند، والحاصل أن ابن خلدون لم يعتمد في
ذكر هذه النقول في عدد أحاديث الأئمة (لم تثبت أنها من المصنف) على
مصادر موثوقة بل أخذ هذا من أفواه عامة المغالين الجاهلين من الحشوية
المتعصبة، حيث بالغوا في عدد أحاديث إمامهم، ونقصوا في عدد أحاديث
غیر إمامهم.
- ٤٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
• تنبيه:
قد نقل هذا القول السيد صديق حسن القنوجي في الحطة دون
استدراك عليه، فنقل أتباعه إلى عامة الناس وأشاعوها فردّ عليه الإمام
عبد الحي اللكنوي في ((مقدمة عمدة الرعاية على شرح الوقاية)) ص ٣٤
و((تذكرة الراشد)» ٢١٦ - ٢١٩ وأنا أنقلهما لنفاستهما في الباب، يقول
رحمه الله في ((عمدة الرعاية)): قال المؤرّخ ابن خلدون في تاريخه: قد تقول
بعض المتعصّبین إلی أن منهم من کان قلیل البضاعة في الحدیث، ولا سبيل
إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة؛ لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة،
ومن كان قليل الحديث فيتعيّن عليه طلبه وروايته والجد والتشمير في ذلك
ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ويتلقّى الأحكام عن صاحبها المبلّغ لها
وإنما قلل منهم من قلل الرواية لأجل المطاعن التي تعتريه فيها والعلل
التي تعرض في طرقها، والجرح مقدم عند الأكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك
الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد، مع أن
أهل الحجاز أكثر رواية للأحاديث من أهل العراق؛ لأن المدينة دار الهجرة
ومأوى الصحابة، ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر،
والإمام أبو حنيفة إنما قلّت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل
وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي، وقلّت من
أجل ذلك روايته فقلّ حديثه، لا أنه ترك رواية الحدیث عمدا، فحاشاه
من ذلك، ويدل على أنه من كبار المجتهدين في الحدیث اعتماد مذهبه فيما
- ٤٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
بينهم، والتعويل عليه واعتباره ردّاً وقبولا، وأما غيره من المحدّثين، وهم
جمهور، فتوسعوا في الشروط فكثر حديثهم، والكل عن اجتهاد وقد توسع
أصحابه من بعده في الشروط وكثرت روايتهم، وروى الطحاوي فأكثر
و کتب مسندا انتهى.
وهذا القول قد اغتر به كثير من عوامّ الزمان، وفتحوا لسان الطعن
على الإمام العظيم الشان، وقالوا: لم يكن له بالحديث عرفان، ولم يرو إلا
سبعة عشر حديثا، كما صرح به ابن خلدون المؤرّخ الكبير الشان، ولا
عجب منهم، فلم يزل من شان الجهلاء الطعن على العلماء، وهذا أمر
ناله العلماء بوراثتهم عن الأنبياء، فكما طعن معاصرو الأنبياء ومن
بعدهم ممن لم يعرف قدرهم، ولم يدرك رتبتهم الرسل والأنبياء، كذلك
يطعن جهلاء كل عصر على من يعاصرهم ومن سلفهم من العلماء
المتدينين والأئمة المجتهدين، إنما العجب من العلماء حيث ينقلون هذا
القول المردود القبيح ويقرّونه، ويسكتون عليه ولا يتعرضون بالتغليظ
والتقبيح.
وقد نقله بعض أفاضل عصرنا في كتابه ((الحطة بذكر الصّحاح السّة))
وسكت عليه، ومنه أخذ بعض أتباعه ومقلديه هذه الكلمة، وأشاعها،
وظن صدقها، وروجها، مع أنه يحرم على العالم لا سيما من كان نظره
وسيعا وعلمه رفيعا أن ينقل هذه الكلمة إلا للرد عليها وتغليطها، ونحن
نقول: أولا: إن هذا القول إن لم يكن غلطا وزلة من ابن خلدون، أو من
- ٤٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
كتاب تاريخه أو من مهتمي طبعه، فهو قول مخالف للثقات الذاكرين
تعداد الروايات للإمام الأعظم ذي الکرامات، فیکون شاذا مردودا.
وثانيا: إن ابن خلدون وإن كان ماهرا في العلوم التاريخية إلا أنه لم
يكن ماهرا بالعلوم الشرعية، كما نص عليه شمس الدين السخاوي في
ترجمته في ((الضوء اللامع)) في أعيان القرن التاسع، فكيف يكون قوله
مقبولا في هذا المرام، فإنه لا مهارة له في العلوم الشرعية، لا يقف على
مراتب الأئمة الأعلام فيما يتعلق بالأمور النقلية، فلا يقبل قوله، لا سيما
إذا كان مخالفا لغيره.
وثالثا: أنه ذكر ابن خلدون بلفظ ((يقال)) الدالّ على ضعفه، وعدم
حصول إذعانه به، ولم يجزم به، فكيف يحتجّ به؟ !.
ورابعا: إن الأمور التاريخية والحكايات المنقولة في الكتب التاريخية
لا بد أن توزن بميزان العقول، فما خالف البراهين القطعية العقلية أو
النقلية يُرَدّ عند أرباب العقول، يدل على ذلك قول ابن خلدون في مفتتح
تاريخه: الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة
وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا
قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من
العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين
والمفسرين وأئمة النقل المغاليط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها
- ٤٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
على مجرد النقل غثّاً أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها
بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات،
وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلّوا عن الحق وتاهوا في
بيداء الوهم والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر
إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنة الكذب ومطية الحذر
ولا بد من عرضها على الأصول، وعرضها على القواعد، انتهى
کلامه.
إذا عرفت هذا فاعرف أن هذه الكلمة أن روايات أبي حنيفة بلغت
إلى سبع عشرة؛ مخالفة للدلائل القطعية المؤيدة بالأمور النقلية اليقينية
وللمشاهد البينة، وذلك لأن من نظر تصانيف تلامذة الإمام الذين
أسندوا الروايات فيها إلى أستاذهم، وأسندوها إلى الرسول صلى الله عليه
وسلم بإسنادهم، كموطإ الإمام محمد، وكتاب الحجج له، وكتاب الآثار
له، والسير الكبير له، وكتاب الخراج للإمام أبي يوسف، وغير ذلك وجد
فيها روايات الإمام أزيد من مائة بل مائتين فما معنى كون رواياته سبع
عشرة فقط؟ !.
وأيضاً من نظر مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق،
وتصانيف الدارقطني، وتصانيف الحاكم، وتصانيف البيهقي، أو تصانيف
الطحاوي؛ كشرح معاني الآثار، ومشكل الآثار، وغير ذلك، وجد فيها
- ٤٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
روايات كثيرة لأبي حنيفة، مروية من طرق مرضية، فكيف يسلم كونها
سبعة عشر فقط؟ !.
وأيضاً كل أحد يعلم أن زمان الإمام كان آخر زمان الصحابة، وأول
زمان التابعين، وكان ذلك العصر عصر شيوع العلم وإشاعة الأخبار
النبوية، وكان أصاغر ذلك الزمان أيضاً تبلغهم الأحاديث الكثيرة، فمع
ذلك كيف يجوز للعقل أن لا تبلغ أبا حنيفة إلا سبعة عشر؟ !.
وأيضاً قد اتفقت كلمات الفقهاء والمحدّثين والمؤرخين، بل جميع
العلماء المعتبرين، على أن أبا حنيفة كان مجتهدا، وإجماعهم دالٌّ على أنه
بلغته أحاديث كثيرة، فمن الظاهر أن من لم تبلغه من الأخبار النبوية إلا
سبعة عشر كيف يجتهد وكيف يستنبط؟ !.
فإن قلت: نحن نلتزم أنه لم يكن مجتهدا، قلت: فحينئذ يكون قول
المحدّثين والمؤرخين وسائر العلماء المعتبرين: إنه من المجتهدين، وذكرهم له
في أثناء ذكرهم، وذكر قوله ومذهبه عند ذكر أقوالهم ومذاهبهم، وإشاعة
قوله فيما بينهم ردّاً وقبولا وكاذبا وباطلا، ومن التزم ذلك فهو أجهل
الجاهلين باليقين.
وأيضاً قد اجتمعت كلماتهم على أن أبا حنيفة كان من الفقهاء، حتى
قال محمد بن إدريس الإمام الشافعي: إن الناس في الفقه عيال على أبي
- ٥٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
حنيفة، ولم يذكره أحد من المؤرّخين والمحدّثين إلا وصفه بفقيه أهل
العراق، ومن المعلوم أن هذه الصفة لا توجد بدون قوة الاجتهاد، فإنه
يشترط في حصول الفقه ملكة الاستنباط والاجتهاد، كما هو مصرح في
كتب أصول الفقه، ولذلك صرحوا أن المقلد الذي ليست له ملكة
الاستنباط ليس بفقيه، بل هو حاك وناقل، فلو لم يكن تبلغه إلا سبعة
عشر حديثاً کیف یصح حكمهم ذلك؟ وكيف يصح حكم الشافعي فيما
هنالك؟ !.
وأيضا المسائل الفرعية في العبادات والمعاملات التي نقلت عن الإمام
في كتب تلامذته، كالكتب الستة للإمام محمد، والجامع الصغير، والجامع
الكبير، والسير الكبير، والسير الصغير، والمبسوط، والزيادات، وكتاب
الآثار له، وكتاب الحجج له، وكتاب الخراج لأبي يوسف، والأمالي له،
والمجرد لابن زياد، ونحو ذلك أكثر من أن تحصى، وكلها ليست منصوصة
في القرآن ولا ثبتت بإجماع، وأكثرها مما لا تدرك بمجرد القياس والرأي،
فإن كان لم تبلغه أحاديث فكيف أفتى بها؟ ومن أين استخرجها وحكم
بها؟ ومن لا تبلغه من الأحاديث إلا سبعة عشر کیف یفتي بهذه الأحکام
المتكثرة؟ !.
فإن قلت: يمكن أن يكون مسموعاته سبعة عشر فقط، واطلع على
أحاديث كثيرة من غير رواياته فاستخرج منها الأحكام، قلت: لم تكن
- ٥١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
کتب الحديث في زمانه مدوّنة ولم یکن للاطلاع على الأحاديث فيه سبیل
إلا لسماع عن أفواه حملة الشريعة.
وأيضاً مشائخه في العلم على ما ذكره ابن حجر وغيره أربعة آلاف،
وعد منهم في تهذيب الكمال وغيره من كتب نقاد الرجال نحو سبعين
شيخا، فإن كان سمع من كل واحداً من شيوخه حديثا واحداً فقد تبلغ
مروياته سبعين أو أربعة آلاف فما معنى كونها سبعة عشر؟ !.
وأيضاً من لا تبلغه من الأحاديث إلا سبعة عشر لا يعد من المحدّثين،
فضلا عن أن يدرج في عداد الحفاظ المتقنين، مع أنهم عدّوه في الحفاظ،
كما لا يخفى على من طالع («تذكرة الحفاظ))، فإن قلت: إدراجه في الحفاظ
لا يثبت منه أنه حافظ في نفس الأمر أيضا، قلت: فحينئذ يرتفع الأمان
عن أقوال نقاد الرجال، كالذهبي وابن حجر والمزي وغيرهم من أرباب
الكمال، لاحتمال مثل ذلك في كل من عدّوه من حفاظ الحديث، وكشفوا
عن أحوالهم بالكشف الحثيث.
وأيضاً كلام ابن خلدون بعد ذكر عبارة وقعت فيه هذه الكلمة، وهو
ما نقلناه سابقا في بحث قلة الرواية شاهد على أنها ليست منه، أو هي
وقعت زلة منه، فإنه قد شهد فيه بأن أبا حنيفة من كبار المجتهدين في
الحديث، فلو كان عنده أنه لم تبلغه من الأحاديث إلا سبعة عشر لم تصح
منه هذه الشهادة.
- ٥٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
وبالجملة، فتلك الكلمة - يعني: بلغت رواياته إلى سبعة عشر - قد
کڈبتها عبارة ابن خلدون نفسه، و کبتها عبارات غيره، وشهدت بطلانها
دلالة إجماع المحدّثين والمؤرّخين، ونادت بكونها غلطاً مطالعة كتب أبي حنيفة
رحمه الله وتلامذته المتقنين، وحكمت بعدم قبولها معاينة كلام غيرهم من
المجتهدين، ومع هذا كله فلا يؤمن بها إلا المعتدي المهين لا العاقل الفطين،
وما مثلها إلا كما لو قيل في حق البخاري رئيس المحدّثين: إنه بلغته من
الأحاديث ثلاثة أو عشرون فقط، وأنه لم يكن من الفقهاء، ولا كان من
المجتهدين قط، ولا ريب في أن مثل هذه الكلمات التي تشهد ببطلانها شهادة
الوجود، ودلالة الإجماع، ويحكم بكونها غلطا العقل والنقل بلا دفاع لا
يقبل عند أحد بلا نزاع، فاحفظ هذا كله، فإنه ينفعك في دنياك وآخرتك.
وقال رحمه الله في ((تذكرة الراشد)) ص٢١٦ - ٢١٩ ملخّصاً من
عباراته المكتوبة في عمدة الرعاية: اعلم أن الأمور التاريخية المندرجة في
الكتب التاريخية لا بد أن توزن بميزان العقول، ولا يسرع في الرد والقبول،
فلا يؤمن بكل ما في دفاتر المؤرخين، وزبر الناقلين من غير تأمّل وتفكر،
وتذكّر وتبصّر، إلا الجهول الغفول المشبه بمن ليس من ذوي العقول،
ومن ليس له تعلق بالمعقول والمنقول، ومن ليس له إدراك الحاصل
والمحصول.
وقد نبّه على ذلك ابن خلدون صاحب تلك الهفوة بنفسه في مواضع
من المقدمة. إذا انتقش هذا على صحيفة خاطرك، فاعرف أن لنا أدلة
- ٥٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
قطعية عقلية ونقلية، على أن تلك الجملة - وهي أن أبا حنيفة بلغت
رواياته إلى سبعة عشر - من الجمل الرديئة، والكلم الشقية، فهي كشجرة
خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، أو كبنيان أسس على شفا
جرف هار، وأنه لا شك في كونها زلة فاحشة وذلة فاضحة لا يصدق بها
أرباب الأفهام العالية، ولا يتردد في بطلانها إلا أصحاب الأوهام الواهية:
وهل يستوي ود المقلد والذي له حجة في حبه ودلائل
الدليل الأول: قول ابن خلدون نفسه في موضع آخر من مقدمته: قد
تقوّل بعض المتعصبين أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولا
سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة؛ لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب
والسنة، ومن كان قليل الحديث فيتعيّن عليه طلبه وروايته، والجد
والتشمير في ذلك ليأخذ عن أصول صحيحة، ويتلقى الأحكام عن
صاحبها المبلغ لها، وإنما قلل منهم من قلل الرواية لأجل المطاعن التي
تعتريه، والعلل التي تعرض في طرقها، انتهى.
وقوله: الإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدّد في شروط الرواية
والتحمّل، وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي، وقلّت
من أجل ذلك روايته، فقلّ حديثه، لا أنه ترك رواية الحديث عمداً، انتهى.
وقوله: يدل على أنه يعني أن أبا حنيفة من كبار المجتهدين في الحديث،
- ٥٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
واعتمد مذهبه فيما بينهم والتعويل عليه واعتباره ردّاً وقبولاً، وأما غيره
من المحدّثين وهم الجمهور فتوسعوا في الشروط، فکثر حديثهم، والکل
عن اجتهاد، وقد توسع أصحابه من بعده في الشروط، فكثرت رواياتهم،
وروى الطحاوي فأكثر وكتب مسنداً، انتهى.
فانظر هذه الكلمات لابن خلدون بالنظر المقرون بحسن الظنون،
يظهر لك أن تلك الكلمة الواقعة في مقدمة ابن خلدون زلّة قلمية من
نفسه، أو نسَّاخ کتابه، أو مهتمي طبعه، أو من دسائس المفتون، فإنه لو
كان عنده أنه لم تبلغه إلا سبعة عشر من روايات صاحب الشرع المتين لما
عده من كبار المجتهدين، ولما شهد بمهارته وعلوّه في الحديث، ولما ذكر
العذر في قلّة رواياته الحديث.
الثاني: أن من طالع تصانيف تلامذة الإمام أبي حنيفة التي أسندوا
الروايات فيها، وخرجوها بأسانيدها، ورووا فيها عن أبي حنيفة، كموطإ
الإمام محمد، وكتاب الحجج له، وكتاب الآثار له، والسیر له، وکتاب
الخراج للقاضي أبي يوسف، والأمالي له، وغير ذلك مما لا يعدّ، وجد
فيها الروايات عن الإمام عن أساتذته بسندهم إلى النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه أزيد من مائة، بل مائتين، لا بل تزيد على ألف وألفين،
فمع ذلك يقول بأن رواياته بلغت سبعة عشر، ليس إلا كالقول بأن
روايات البخاري لم تصل إلى ستة عشر.
- ٥٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
الثالث: أن من طالع تآليف ابن أبي شيبة، والدارقطني، والحاكم،
والبيهقي، وعبد الرزاق، والطحاوي؛ کشرح معاني الآثار له، ومشكل
الآثار له، وغير ذلك من كتب النّقّاد، وجد فيها من روايات أبي حنيفة ما
لا یعد بالأعداد، فمع ذلك التكلم بتلك الكلمة الکلیلة ليس إلا کالتكلم
بأن مسلماً النيسابوري لم تبلغه إلا جملة قليلة.
الرابع: أن عهد الإمام أبي حنيفة كان آخر زمان الصحابة وأول زمان
التابعين، بل هو معدود في التابعين عند العلماء الناقدين، كما حققته في
رسالتي ((إقامة الحجة على أن الإكثار في العبادة ليس ببدعة))، وفي مقدمة
((عمدة الرعاية))، وفي ((إبراز الغي الواقع في شفاء العي))، وبسط فيه
الكلام مع تنقيح المرام بعض أفاضل عصري في رسالته ((نصرة المجتهدين
بردّ هفوات غير المقّدين)) جزاه الله عن سائر المسلمين، ومن المعلوم أن
ذلك الزمان كان فيه جمّ غفير، وجمع كثير من علماء الشأن، وكان فيه
العالم شابّاً، ويشتغل برواية الأحاديث كل من فيه، شيخاً كان أو شابّاً،
حتى إن أطفال ذلك العصر كانوا أعلم وأوعى من فضلاء العصر، فمع
ذلك القول بأنه لم تبلغه إلا سبعة عشر، لا يؤمن به إلا من عجن طينه
بالشر.
الخامس: أن المسائل الفرعية في المعاملات والعبادات الشرعية التي
نقلت عن أبي حنيفة، تزيد على آلاف بلا شبهة، كما لا يخفى على من
تيسّر له نظر كتب تلامذته، كالصحاح الستة، وهي: الجامع الصغير،
- ٥٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير، والزيادات، والمبسوط،
وهي المسماة بـ ظاهر الرواية، وكتاب الحجج، وكتاب الآثار، والموطأ
كلها لمحمد الشيباني، وكتصانيف أبي يوسف، وحسن بن زياد اللؤلؤي
وغيرهم، ومن المعلوم أن كلها ليست بمنصوصة في القرآن، ولا تثبت بإجماع
أرباب الشأن، وأكثرها مما لا مدخل فيه لاجتهاد المجتهدين، فلا بد أن تبلغه
الأحاديث الكثيرة والآثار الغفيرة ليصح منه نظم مسائل الدين، فلو
لم تكن تبلغه من الأحاديث إلا جملة قليلة لما صح إفتاؤه بهذه الفتاوى
الجليلة.
السادس: أن المجتهدين والمحدّثين، وسائر العلماء المعتمدين اتفقت
كلماتهم على أن أبا حنيفة كان من المجتهدين، وأطبقت عباراتهم على أنه
معدود في المنتقدين، ولذلك ترى العلماء یذکرون قوله في معرض
أقوالهم، ويدرجون حاله في أثناء أحوالهم، ويهتمّون بآثاره رفعاً وقدحاً،
ويعتنون بشأنه دفعاً وجرحاً، فمع ذلك القول بأنه لم تبلغه إلا سبعة عشر
لا يتفوّه به إلا من بدماغه الضرر، فإن من لا يبلغه إلا هذا المقدار، لا
يكون له اعتبار، ولا يعدّ من زمرة أرباب الاجتهاد، ولا يلتفت إلى قوله
عند ذكر أقوال أرباب الاعتماد.
السابع: أنهم قد وقع منهم على أنه من الفقهاء الاتفاق، ووصفوه
بأجمعهم بفقيه أهل العراق، وعدّوه من سادات أهل زمانه في الفقه
الشرعي، وأثبتوا له التبحّر في الاستنباط المرعي، ومن المعلوم أن رجلا لا
- ٥٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
يكون فقيهاً ما لم يكن مجتهداً، ولا يكون مجتهداً من لم تبلغه إلا سبعة
عشر، فإذا التفوّه به ليس إلا من خرافات البشر.
الثامن: أنه قد ذكره أبو عبد الله الذهبي، وهو من أهل النقد التام
باتفاق الأعلام في كتاب ((تذكرة الحفاظ)) وعدّه من الحفاظ، وهكذا فعله
غيره ممن رزق التبحّر الشرعي، ولا يكون حافظ الحديث قط من لم تبلغه
إلا سبعة عشر فقط.
التاسع: أنه ذكر جمع من المعتبرين أن شيوخ أبي حنيفة في الحديث
تبلغ إلى أربعة آلاف، وعدّ منهم المزي في ((تهذيب الكمال)) وغيره نحو
سبعين شيخاً بلا خلاف، فلو فرض أنه لم يرو عن كل شيخ منهم إلا
الحديث الواحد لبلغ العدد إلى سبعين أو أربعة آلاف، وإن زاد فمع عدد
زائد، فما معنى قوله: لم تبلغه إلا سبعة عشر، بل ليس التفوّه به إلا موجباً
للتلف بأيدي تسعة عشر.
العاشر: أنه لو لم تبلغه إلا سبعة عشر، لكان مهجوراً عند الأصغر
والأكبر، ولما حصلت له الشهرة كشهرة الأئمة.
فخذ هذه العشرة الكاملة الوافية الكافلة، وآمن بأن تلك الكلمة
الخبيثة، قد كذبتها عبارات ابن خلدون بنفسه في المقامات العديدة،
وأنكرتها شهادة الوجود، وأبطلتها دلالة العقل الغير الحسود، ونادت
بكذبها دلالة الإجماع من النقاد، وأخبرت ببطلانها عبارات من به
- ٥٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الأول
الاستناد، فمع هذا كله لا يشك في بطلانها إلا العنود الحسود، ولا يتأمل
في كذبها إلا الكنود، حامل رايات الجهل والرقود، ويأبى الله والمؤمنون
إلا أبا حنيفة، والله متمّ نوره ولو كرهت الفئة الكثيفة.
ولعلّك تتفطّن من ههنا أن تلك الكلمة البشعة في شأن مثل هذا
الإمام سيد الكملة لا يحل نقلها إلا للردّ عليها، ولا يجوّز السكوت عليها
إلا المنجرّ إلى فساد اعتقاد الأنام، وسوء الظن بمثل هذا الإمام، فمن انتحلها
ساكتا، وذكرها خافتا، فعليه إثمه مع إثم الأريسيين ممن يقلّده ويشهرها،
ويؤذي روح الإمام ومقّديه الأحياء، ويفسد في العالمين، ﴿ وَإِذَا لَهُمْلَ نُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾.
[البقرة: ١١، ١٢]، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]،
﴿ وَنَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
- ٥٩ -

الفصل السادس
في سبب انتشار المذهب الحنفي في أقطار العالم
قال ابن حزم في ((رسائله)) ٢٢٩/٢: مذهبان انتشرا في بدء أمرهما
بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي قضاء القضاة
أبو يوسف كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى
المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه، والمنتمين إلى مذهبه ...
والناس سراع إلى الدنيا والرياسة فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم
به ... ثم نشأ الناس على ما انتشر، انتهى ملخّصاً.
وقال الكفوي في ((كتاب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان
المختار)) ١/ ٢ لوحة: اعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل إليه
إلينا وعلّم الدين وأقام الحدود وقضى وحكم وبيّن الشرع وفرع بيان
الحكم وجاهد حق الجهاد في إقامة أمر الدين وأمضى وألزم، ثم الخلفاء
الراشدون ووجوه الصحابة بذلوا جهدهم في إقامة الدين وإجراء الشرع
المبين، وتعيين قواعد الموحدين وتوهين كيد أعداء الله المبتدعين، فأقاموا
الإسلام عن أوده وأسندوا الأمر إلى مستنده معتصمين بنصر الله
صادعين بأمر الله، وكانوا بشرف صحبته سالمين عن الطعن وببركة خدمته
خالصين عن شوب الشين، فكانت آثارهم عن بعدهم شرعة ومنهاجا
ولرفع غياهب الضلال سراجاً وهّاجاً، وكذا علم التابعين الذين هم
- ٦٠ -