Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
ابن عبد المطلب، ولا لعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ولا عن غيرهما، حتى يؤدى إلى كل واحد منهم حقه ،
وَمَا احتاج الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة أن يصدق عنهما شيئاً قد جعله الله لهما بالآية التى ذكرهم فيها .
ففى انتفاء ما ذكرنا، دليل صحيح وحجة قائمة، أن ما كان رسول الله عَّ جعله فى ذوى قرباء الذين جعله
فيهم ، وما قد كان له صرفه عنهمٍ إلى ذوى قرباء مثلهم، وأن بعضهم لم يكن أولى به من بعض، إلا من رأى
رسول الله عزَّ وضعه فيه منهم ، فيكون بذلك أولى ممن رأى يحظيه به منهم .
٥٤٢٠ - وفى ذلك أيضاً حجة أخرى وهي: أن فهد بن سليمان بن يحيى فقد حدّثْا قال ثنا الحجاج بن المنهال، قال:
ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: أتيت النبي ◌ِّل وهو
بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله، لمن المغنم؟ فقال (لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم)).
قلت: فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال ((لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به
من أخیه.)).
٥٤٢١ - حرّشْا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدى، قال: ثنا ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد الله
ابن شقيق، عن رجل من بلقين، عن رسول الله مُ الت ، مثله .
٥٤٢٢ - حدّثْا الربيع بن سليمان المرادى، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن أبى جمرة، قال: كنت
أقعد مع ابن عباس رضى الله عنهما فقال ( إن وفد عبد القيس لما أتوا النبى ◌َّ قال ((من القوم؟ أو من الوفد ؟)»
قالوا: ربيعة، قال ((مرحباً بالقوم، أو بالوفد، غير خزايا ولا نادمين).
قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن تأتيك إلا فى الشهر الحرام، ثمرنا بأصل فعل نخبر به من وراءنا
وندخل به الجنة.
قال ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً
رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تغطوا من المغم الخمس)).
٥٤٢٣ - حدّثْا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبى جمرة، عن ابن عباس رضى الله عنهما
قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله رَّ﴾ [مثله]، فعلم أنه قد أضاف الخمس من الغنيمة إلى الله عز وجل، ولم يضف
إليه أربعة أخماسها، وأن ما سواه منها لقوم بغير أعيانهم، يضعه رسول الله عَ لل فيهم على ما يرى، ولو كان
لذى القربى المعلوم عددهم، لم يكن كذلك .
أفلا يرى أن رسول الله ◌َ، كان يأخذ الخمس ، ليضعه فيما يرى وضعه، ويقسم ما بقي بعده على السهمان.
فدل أن ما كان يقسمه على المهمان أنه لقوم بأعيانهم، لا يجوز لأحد منعهم منه، وأن الذى يأخذه ، لا يقسمه
حتى يدخل فيه رأيه هو الذى ليس لقوم بأعيانهم، وأنه مردود إلى رسول الله وم فه حتى يضعه فيما يرى.
ثم تكلم الناس فى حكم ما كان رسول الله ◌َّه يضعه فى ذوى قرباء فى حياته، كيف حكمه بعد وفاته لل؟
فقال قائلون : هو راجع من قرابته إلى قرابة الخليفة من بعده .
............
-------- --------

٣٠٢
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
وقال آخرون: هو لبنى هاشم، ولبنى المطلب خاصة .
وقال آخرون: وهم الذين ذهبوا إلى أن ما كان فى حياة النبى ◌َّم لمن رأى النبي ◌َّ وضعه فيه من قرابته
هو منقطع عنهم بوفاة رسول الله مزق .
فنظرنا فى هذه الأقوال، للستخرج منها قولا صحيحاً، فرأينا رسول الله يص له كان فى حياته فى الغنم، ٠٠هم
الصفى لا اختلاف بين أهل العلم فى ذلك .
٥٤٢٤ - وقد روى عنه فيه، ما حّشْا الربيع بن سليمان المرادى، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا أبو هلال
الراسبى، عن أبى جمرة، عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله عَ لّم فقالوا: إن
بيننا وبينك هذا الحى من مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام ، فمرنا بأمر نأخذ به ، وتحدث به
مَنْ بعدنا .
قال (( آمركم بأربع، وأنها كم عن أربع ، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة،
وتعطوا سهم الله من الغنائم والصفى، وأنها كم عن الحنتم، والدُّبَّاء، والنقير ، والمزفت)).
٥٤٢٥ - حدّشْا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسى، قال: ثنا ابن أبى الزناد ، عن أبيه ، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله عَ ليه تنقل سيفه ذا الفقار يوم بدر.
٥٤٢٦ - حدّشْا مالك بن يحيى الهمدانى، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا الأشجعى ، عن سفيان، عن مطرف،
قال: سألت الشعبى عن سهم النبى يَّه كسهم رجل من المسلمين ، وكان الصفى يصفى به إن شاء عبداً، وإن شاء
أمة ، وإن شاء فرساً .
٥٤٢٧ - حّشْا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدى، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن
عبيد الله بن عبد اللّه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تنفل رسول الله صل﴾ سيفه ذا الفقار يوم، وهو
الذى رأی میه الرؤبا ، يوم أُحُد .
٥٤٢٨ - مّشْا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنى عبد العزيز بن محمد، عن أسامة بن زيد الليثى ، عن
ابن شهاب ، عن مالك بن أوس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال فيما يحتج به ، كانت لرسول الله
ثلاث صفايا ، بنى النضير ، وخيبر ، وفدك .
فأما بنو النضير، فكانت [حبساً لنوائبه وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل وأما خيبر]، فجزأها ثلاثة أجزاء،
فقسم منها جزءًابين المسلمين، وحبس جزءًا للنفقة، فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المهاجرين، رضوان الله
عليهم.
٥٤٢٩ - حدّها مالك بن يحيى الحمدانى، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا الجريرى، عن أبى العلاء،
قال: بينا أنا مع مطرف بأعلى المربد، فى سوق الإبل إذ أتى عليها أعرابى معه قطعة أديم، أو قيامة جراب،
شك الجريرى .
فقال: هل فيكم من يقرأ؟ فقلت: أنا أقرأ، قال: ها، فاقرأه، فإن رسول الله من فضله كتبه لنا.
٠٠ ١.٠ ..........

٣٠٣
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
فإذا فيه ((من محمد النبي، لبني زهير بن أُقيّش، حي من عكل، إنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
رسول الله، وفارقوا المشركين، وأفروا بالخمس فى غنائمهم، وسهم النبى يَّ وصفيه، فإنهم آمنون بأمان الله )).
فقال له بعضهم: هل سمعت من رسول الله فى شيئاً تحدثنا؟
قال: نعم، قال رسول الله عَنه (من سره أن يذهب عنه وخر الصدر، فليصم شهر الصبر، وثلاثة أيام
من كل شهر » .
فقال رجل من القوم: أنت سمعت هذا من رسول الله مؤلف ؟ فقال: ألا أراكم تروننا، أنى أكذب
على رسول الله عَ لجم؟ لا حدثتكم اليوم حديثاً ، فأخذها، ثم انطلق.
قال أبو جعفر: وأجمعوا جميعاً أن هذا السهم ليس للخليفة بعد النبى رفيع، وأنه ليس فيه كالني ترات.
فلما كان الخليفة لا يخلف التى يَّم فيما كان له، مما خصه الله به دون سائر المقاتلين معه، كانت قرابته
أحرى أن لا تخلف قرابة النبىِ مَّه، فيما كان لهم فى حياته من الفيء والغنيمة .
فبطل بهذا، فول من قال: إن سهم ذوى القربى بعد موت النبي ◌َّ اقرابة الخليفة من بعده.
ثم رجعنا إلى ما قال الناس، سوى هذا القول من هذه الأقوال التي ذكرناها فى هذا الفصل .
وأما من خص بنى هاشم وبى المطلب، دون من سواهم من ذوى قربى رسول الله ◌َ، وجعل سهم ذوى
القربى لهم خاصة ، فقد ذكرنا فساد قوله فيما تقدم ، فى كتابنا هذا ، فأغنانا ذلك عن إعادته ها هنا .
وكذلك من جعله لفقراء قرابة النبي ◌َّم دون أغنياتهم، وجعلهم كغيرهم من سائر فقراء المسلمين .
فقد ذكرنا أيضاً فيما تقدم من هذا الكتاب ، فساد قوله ، فأغنانا عن إعادته ها هنا
وبقى قول الذين يقولون : إن رسول الله مؤلّ} كان له أن يضعه فيمن رأى وضعه فيه، من ذوى قرابته وأن
أحداً منهم لا يستحق منه شيئاً حتى يعطيه إياه رسول الله وَّ ، قد كان له أن يصطفى من المغتم لنفسه ما رأى .
فكان ذلك منقطعاً بوفاته ، غير واجب لأحد من بعد وفاته .
فالنظر على ذلك أن یکون کذلك ، ماله أن يخص به من رأى من ذوی قریاه ، دون من سواه من ذوى قرباء
فى حياته ، إلا أن يكون ذلك إلى أحد من بعد وفاته .
ولما بطل أن يكون ذلك إلى أحد بعد وفاته، بطل أن يكون ذلك السهم لأحد من ذوى قرابته ، بعد وفاته .
فإن قال قائل: فقد أبى ذلك عليكم، عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما ، ثم ذكر.
٥٤٣٠ - حرّمًا إبراهيم بن أبى داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثنى من، جويرية بن أسماء،
عن مالك، عن ابن شهاب ، عن يزيد بن هى عن حدثه أن تجدة ، صاحب اليمامة، كتب إلى ابن عباس رضى الله
عنهما، يسأله عن سهم ذوى القربى،
فكتب إليه ابن عباس رضى الله عنهما ( إنه لنا ، وقد كان عمر بن الخطاب دعانا لينكح منه أيمنا ، ويقضى
منه غارمنا، فأبيّنا إلا أن يسلمه لنا كله، ورأينا أنه لنا).

٣٠٤
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
٥٤٣١ - حدّثْا إبراهيم بن مر زوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي ، قال: سمعت قياً يحدث عن يزيد
ابن هر من، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس رضى الله عنهما، يسأله عن سهم ذوى القربى الذى ذكرهم الله
عز وجل ، وفرض لهم .
فكتب إليه وأنا شاهد (كنا نرى إنهم قرابة رسول الله وَّار، فأبى ذلك علينا قومنا).
قيل له : إذا لم ندفع أن يكون قد خولفنا فيما ذهبنا إليه مما ذكرنا، ولكن عبد الله بن عباس ، رأى فى ذلك
أن سهم ذوى القربى ثابت، وأنهم بنو هاشم، فى حياة النبى يَ الل وبعد وفاته، وقد أخبر أن قومه أبوا ذلك عليه،
وفيهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ومن تابعه منهم ، رضوان الله عليهم .
وعلى ذلك فمثل من ذكرنا ، يكون قوله معارضاً لقول عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما .
٥٤٣٢ - ولقد حرّشْا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن بشر الختعمى، عن ابن حَمَة،
قال: وقعت على جرة فيها ورقٍ من دير حرب فأتيت بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال (اقسمها على خمسة
أخماس فخذ أربعة، وهات خمساً).
فلما أدبرت قال: (أفى ناحيتك مساكين فقراء؟) فقلت: نعم، قال (فخذه، فاقسمه بينهم) .
أفلا يرى أن علياً رضى الله تعالى عنه قد أمره أن يقسم الخمس من الركاز فى فقراء ناحيته ، فلم يوجب عليه
دفع شیء منه إلى أحد من ذوی قربی رسول الله {ێ .
فهذا خلاف ما كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، رآء فى ذلك.
٥٤٣٣ - وقد حّشا يزيد بن سنان، قال: ثنا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، قال: حّدشن عمير بن إسحاق
قال: حّشى عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية اللهم، أو حدَّث القومَ وأنافيهم، قال: حّشى عبد الرحمن بن عوف
قال: أرسل إليّ عمر ظهراً، فأتيته، فلما انتهيت إلى الباب سمعت محيباً شديداً، فقلت ( إنا لله وإنا إليه راجعون )
اعترى عمر أمير المؤمنين ، فدخلت حتى جئت فوقعت يدى عليه فقلت : لا بأس بك يا أمير المؤمنين ، فقال: أعجبك
ما رأيت؟ قلت: نعم، قال: هان آل الخطاب على اللّه لوكرمنا عليه، لكان حذا إلى صاحبي قبلي.
قال: ثم قال: اجلس بنا نتفكر، فكتبنا المحقين فى سبيل الله، وكتبنا أزواج النبي ◌َ ◌ّه ومن دون ذلك،
فأصاب المحقين فى سبيل الله أربعة آلاف، وأساب أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن ومن دون ذلك، ألفاً
حتى وزعن المال .
أفلا ترى أن عمر ، وعبد الرحمن بن عوف ، قد سويا بين المحقين، وبين أهل الدرجة التى بعدهم، ولم يدخل
فى ذلك، ذوي قربى رسول الله مَ الله لقرابتهم، كما أدخلا الاستحقاق باستحقاقهم.
٥٤٣٤ - وقد حدثاً أيضاً يزيد بن سنان، قال: ثنا محمد بن أبى رجاء الهاشمى، قال: ثنا أبو معشر ، عن زيد
ابن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن عبد الله، مولى غفرة، قال: لما توفى رسول الله عَل، ووليَ أبو بكر رضى الله
عنه، قدم علبه مال من البحرين ، فقال ( من كان له على رسول الله مز القله عدة فليأتى ، وليأخذ)
-------- -------

٣٠٥
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
فأتى جابر بن عبد الله فقال: وعدنى رسول الله وَّ إذا أتاه مال من البحرين، أعطانى هكذا وهكذا، وهكذا
ثلاث مرات، مِلء كفيه قال: خذ بيدك، فأخذ بيده، فوجدها خمسمائة فقال: أُعدد إليها ألفا .
ثم أععلى من كان وعده رسول الله ريق شيئً، ثم قسم بين الناس ما بقى ، فأساب كل إنسان منهم عشرة درام.
فلما كان العام المقبل ، جاء مال كثير أكثر من ذلك، فقسمه بين الناس، فأصاب كل إنسان عشرون درما،
وفضل من المال فضل .
فقال : يا أيها الناس، قد فضل فضل، ولكم قدم يعالجون لكم ، ويعملون فكم ، فإن شئتم رضخنا لهم ،
فرضخ لهم خمسة دراهم ، خمسة دراهم .
فقيل: يا خليفة رسول الله وَّع لو فضات المهاجرين والأنصار بفضلهم .
قال: إنما أجورهم على الله، إنما هذا مغانم، والأسوة فى المغانم أفضل من الأثرة.
فلما توفى أبو بكر رضى الله عنه، واستخلف عمر، فتحت عليه الفتوح، وجاءهم مال أكثر من ذلك فقال
كان لأبى بكر رضى الله عنه فى هذا المال رَأْىٌ وَلِيَ رَأْىٌ آخر، رأى أبو بكر أن يقسم بالسوية، ورأيت أن
أفضل المهاجرين والأنصار ، ولا أجعل من قاتل رسول الله يُؤتقع كمن قاتل معه .
ففضل المهاجرين والأنصار، فجعل لمن شهد بدراً منهم خمسة آلاف، ومن كان له إسلام مع إسلامهم ، إلا أنه
لم يشهد بدراً، أربعة آلاف أربعة آلاف ، وللناس على قدر إسلامهم ومنازلهم .
وفرض لأزواج التى نَّ إثنى عشر ألفاً، لكل امرأة منهن، إلا سفية وجويرية ، فرض لهما ستة آلاف،
ستة آلاف، فأبتا أن تأخذا.
فقال: إنما فرضت لكن بالهجرة، فقالتا: إنما فرضت لهن لمكانهن من رسول الله عَه ولنا مثل مكانهن،
فأبصر ذلك عمر رضى الله عنه نجعلهن سواء .
وفرض العباس بن عبد المطلب إثنى عشر ألفا، لقرابته من رسول الله يرفع وفرض لنفسه خمسة آلاف ،
وفرض اعلي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه خمسة آلاف، وربما زاد الشىء، وفرض الحسن والحسين رضى الله
عنهما، خمسة آلاف خمسة آلاف، ألحقهما بأبيهما لقرابتهما من رسول الله عزّ وفرض لأسامة بن زيد رضى الله
تعالى عنه، أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما، ثلاثة آلاف ، فقال له عبد الله بن عمر
رضى الله عنهما: بأى شىء زدته علي؟ قال: فما، فما كان لأبيه من الفضل، ما لم يكن لك ولم يكن له من الفضل
ما لم يكن لي فقال: إن أباء كان أحب إلى رسول الله عَّه من أبيك، وكان هو أحب إلى رسول الله تَ ◌ّ منك.
وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار، ممن شهد بدراً ، ألفين ألفين فر به عمر بن أبي سلمة فقال: زدم ألفاً يا غلام.
وقال محمد بن عبد الله بن جحش: لأى شىء زدته علي؟ والله ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لآبائنا.
قال: فرضت لأبى سلمة ألفين ، وزدته لأم سلمة ألفا، فلو كانت لك أم مثل أم سلمة ، زدتك ألفا .
( م ٢٩ = ٣ معاني الآثار )

٣٠٦
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
وفرض لأهل مكة ثماني مائة في الشرف منهم، ثم الناس على قدر منازلهم، وفرض لعثمان بن عبيد الله بن عثمان
ابن عمرو ، ثمانى مائة ، وفرض للنضر بن أنس فى ألفی درهم .
فقال له طلحة بن عبيد الله: جاءك ابن عثمان بن عمرو، ونسبه إلى جده، ففرضت له ثمانى مائة، وجاءك هنبة
من الأنصار ، ففرضت له فى ألفين .
فقال: إنى لقيت أبا هذا، يوم أُحُد، فسألنى عن رسول الله عَّم فقلت: ما أراه إلا قد قتل ، فسل سيفه ،
وكسر غمده، وقال: إن كان رسول الله عَّم قتل، فإن الله حي لا يموت، وقاتل حتى قتل، وهذا يرعى الغنم بمكة
أفترانى أجعلهما سواء ؟ ! .
قال: فعمل عمر، عمره كله بهذا، حتى إذا كان فى آخر السنة التى قتل فيها سنة ثلاث وعشرين، حج
فقال أناس من الناس: ( لو مات أمير المؤمنين ، قمنا إلى فلان ابن فلان، فبايعناه).
قال أبو معشر : يعنون طلحة بن عبيد الله .
فلما قدم عمر المدينة ، خطب ، فقال فى خطبته رأى أبو بكر فى هذا المال رأيا ، رأى أن يقسم بينهم بالسوية
ورأيت أن أفضل المهاجرين والأنصار بفضلهم، فإن عشتُ هذه السنة أرجع إلى رأى أبى بكر، فهو خير
من رأيى .
أفلا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه، لما قسم، سوّى بين الناس جميعا، فلم يقدم ذوى قربى رسول اللهمَ ائ على
من سواهم ، ولم يجعل لهم سهما فى ذلك المال أبانهم به عن الناس .
فذلك دليل على أنه كان لا يرى لهم بعد موت رسول الله عَ ف حقا فى مال الفى، سوى ما يأخذونه كما يأخذ
من ليس بدوى القربى .
ثم هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما أُفضى إليه الأمر ورأى التفضيل بين الناس على المنازل، لم يجعل
لذوى القربى سهما يدينون أى يمتازون به على الناس، ولكنه جعلهم وسائر الناس سواء، وفضل بينهم بالمنازل ، غير
ما يستحقونه بالقرابة ، لو كان لأهلها سهم قائم .
فدل ذلك على ما ذهبنا إليه من ارتفاع سهم ذوى القربى بعد وفاة رسول الله ژیے بحديث روى عن عمر رضى
الله تعالی عنه .
٥٤٣٥ - حّشْأ يزيد بن سنان قال: ثنا ابن هلال، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك
ابن أوس ، قال: كنت جالساً إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فجاءه علىّ والعباس، رضى الله عنهما يختصمان.
قال العباس ( يا أمير المؤمنين ، اقض بينى وبين هذا الكذا الكذا).
قال حاد : أنا أكثى عن الكلام .
فقال: والله لأقضين بينكما، إن رسول الله وَبَّ لما توفى وولي أبو بكر صدقته فتوى عليها، وأدى فيها الأمانة،
فزعم هذا أنه خان وفجر، وكلمة قالها أيوب ، قال : والله يعلم أنه ما خان ولا فجر، ولا كذا).

٣٠١
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
٥٤٣٦ - قال حماد: وحّشْا عمرو بن دينار عن مالك، وغير واحد، عن الزهرى أنه قال ( لقد كان فيها راشداً تابعاً
للحق) ثم رجع إلى حديث أيوب .
فلما توفى أبو بكر رضى الله عنه، وليتها بعده، فقويت عليها فأديت فيها الأمانة ، وزعم هذا أتى خنت ،
ولا فجرت ، ولا تيك الكلمة .
وفى حديث عمرو عن الزهرى ( ولقد كنت فيها راشداً تابعاً للحق ).
ثم رجع إلى حديث عكرمة، ثم أتيانى فقالا: ادفع إلينا صدقة رسول الله عم ◌ّ فدفعتها إليهما، فقال: هذا
لهذا: أعطنى نسيى من ابن أخى، وقال هذا لهذا، أعطنى نصيبي من امرأتى من أبيها، وقد علم أن فى الله عَة
لا يورث ما ترك صدقة .
وفى حديث عمرو، عن الزهرى، إنى سمعت رسول الله مَ الله يقول: ((إنا لا نورث ما تركنا صدقة)).
ثم رجع إلى حديث عكرمة، ثم تلاعمر رضى الله عنه ﴿إِنَّ الصَّدَقَتُ للْفُقَراءُ وَالمسَاكينِ والْعَامِلِينَ
عَلَيْهاَ) الآية .
فهذه لهؤلاء، ثم تلا ( واعْلَمُوا أَمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَأَنْ لِهِ خُمُسَهُ ولِرَّسُولٍ وَلَذِى القُرْبَ))
إلى آخر الآية .
ثم قال : وهذه لهؤلاء .
وفى حديث عمرو عن الزهرى قال: مَا أَفَاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَ أَوْجَفْتُمُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
ولاَ رٍكابٍ )) إلى آخر الآية .
فكانت هذه خاصة لرسول الله عَّ ما لم يوجف المسلمون فيه خيلا ولا ركابا، فكان يأخذ من ذلك قوته
وفوت أهله، ويجعل بقية المال لأهله ثم رجع إلى حديث أيوب، ثم تلا(( مَا أَفَاء اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ
القُرَى فَقْرِ وللرَّسُولِ ولِذِى الْقُرْبِى)) إلى آخر الآية، ثم ((لْفُقَرَاءِ المهَاِرِينَ أَّذِينَ أُخْسِجُوا مِنْ
دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِم » حتى بلغ (( أُولَئِكَ هم السَّادِقُونَ)) فهؤلاء المهاجرون، ثم قرأ (( والَّذِينَ تَبَوَّوُ
الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِم » حتى بلغ حماء ((فَأُولَئِكَ مُم الفْلِحُونَ)) قال: فهؤلاء الأنصار.
قال: ثم قرأ (( والَّذِينَ جَاءًا مِنْ بَعْدِهِم)) حتى بلغ ((رَؤُوفٌ رَحِيم)).
فهذه الآية استوعبت المسلمين إلاله حق، إلا ما يملكون من رفيقكم، فإن أعش - إن شاء الله - لم يبق أحد
من المسلمين إلا سآتيه حقه ، حتى راعى الثلة بأنيه حفظه ، أو قال حقه .
قالَ: فهذا عمر رضى الله عنه قد تلا فى هذا الحديث ((واعْلَمُوا أَّا غَيِمْتُمْ مِنْ شَىْءٌ فَأَنَّ تِهِ خُمُسَهُ
وللرَّسُولٍ وَكَذِى الْقُرْبِى)) إلى آخر الآية.
ثم قال : وهذه لهؤلاء .
فدل ذلك أن سهم ذوى القربي قد كان ثابتا عنده لهم بعد وفاة النبى ◌َيته كما كان لهم فى حياته .
........

٣٠٨
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
قيل له: ليس فيما ذكرت ، على ما ذهبت إليه ، وكيف يكون لك فيه دلالة على ما ذهبت إليه ، وقد كتب
عبد الله بن عباس رضى الله عنهما إلى بجدة حين كتب ، يسأله عن سهم ذوى القربى (قد كان عمربن الخطاب دعانا
إلى أن ينكح منه أجّنَا ويكسو منه عارينا، فأبينا عليه إلا أن يسلمه لنا كله ، فأبى ذلك علينا).
فهذا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما يخبر أن عمر أبى عليهم دفع السهم إليهم، لأنهم لم يكن عنده لهم ،
فکیف یتوم عليه فيما روى عنه مالك بن أوس غير ذلك ؟
ولكن معنى ما روى عنه مالك بن أوس فى هذا الحديث من قوله ( فهذه لهؤلاء) أى: فعى لهم على معنى
ما جعلها الله لهم فى وقت إنزاله الآية على رسول الله مَ ◌ّ فيهم، وعلى مثل ما عنى به عز وجل، ما جعل الرسول
الله رَبّ فيها من السهم الذى أضافه إليه .
فلم يكن ذلك السهم جارياً له عَ يّ فى حياته وبعد وفاته غير منقطع إلى يوم القيامة ، بل كان جارياً له فى حياته
منقطعاً عنه بموته .
وكذلك ما أضافه فيها إلى ذوى قرباء كذلك أيضاً واجباً لهم فى حياته، يضعه عليه السلام فيمن شاء منهم،
مرتفعا بوفاته، كما لم يكن قول عمر فهذه لهؤلاء، لا يجب به بقاء سهم رسول الله عَ الله إلى الوقت الذى قال فيه ما قال
كان ذلك قوله، فهى لهؤلاء لا يجب به بقاء سهم ذوى القربى إلى الوقت الذى قال فيه ما قال ، معارضة صحيحة
باقية ، أن يكون حديث مالك بن أوس هذا عن عمر مخالفا لحديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما عن عمر رضى
الله عنه فى سهم ذوی القربى .
٥٤٣٧ بـ ولقد حرّثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الكلبى، عن أبي صالح
عن أم هانىء أن فاطمة رضى الله عنها قالت ( يا أبا بكر من يرتك إذا مت؟) قال: ولدى وأهلى.
قالت: (فمالك ترت النبى عَ لَ﴾ دونى؟).
قال: يا ابنة رسول الله مري ما ورت أبوك داراً ولا ذهبا، ولا غلاما.
قالت: ( ولا سهم الله عز وجل ، الذى جعله لنا وصافيتنا التى بيدك).
فقال: سمعت رسول الله مَ ◌ّ يقول: ( إنما هى طعمة أطعمنيها الله عز وجل، فإذا مت، كانت بين المسلمين).
٥٤٣٨ - حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن السائب، عن
أبى صالح، عن أم هانىء أن فاطمة رضي الله عنها قالت لأبى بكر: ( من يرتك إذا مت؟) قال: ولدى وأهلي.
قالت: (فالك ترت رسول اللهحملت دوننا).
قال : يا ابنة رسول الله، ما ورث أبوك داراً، ولا مالا ، ولا غلاما، ولا ذهبا، ولا فضة.
قالت : ( فدك ، التى جعلها الله لنا ، وصافيتنا التى بيدك لنا).
قال: سمعت رسول الله مَّه يقول ((إنما طعمة أطعمنيها الله عز وجل، فإذا مت، فهى بين المسلمين.
أفلا يرى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قد أخبر فى هذا الحديث عن النبى ◌َ ◌ّ أن ما كان يعطيه ذوى قراه،
فإنما كان من طعمة أطعمها الله إياه وملكه إياها حياته ، وقطعها عن ذوى قرابته بموته .

......................
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
٣٠٩
وقد ذكرنا فى صدر هذا الكتاب، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبى طالب رضى الله عنهم أنه قال : اختلف
الناس بعد وفاة رسول الله ◌َ، فقال قائل: سهم ذوى القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل: سهم التى عَ لَه
للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم على أن جعلوا هذين السبعين فى الخيل والعدة فى سبيل الله، فكان ذلك فى إمارة
أبى بكر رضى الله عنه .
فلما أجمعوا بعد ما كانوا اختلفوا ، كان إجماعهم حجة .
وفيما أجمعوا عليه من ذلك، بطلان سهم ذوى القربى من المغانم والفى، بعد وفاة رسول الله عَ لَّه.
فإن قال قائل: فأما ما رويتموه عن على رضى الله عنه، فإنما كان فيما ذهب إليه من ذلك ، متابعاً لأبى بكر
وعمر رضى الله عنهما ، كراهة أن يدعى عليه خلافهما .
٥٤٣٩ - وذكر فى ذلك ما حدّثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدى، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد
ابن إسحاق ، قال: سألت أبا جعفر، قلت: أرأيت علي بن أبى طالب رضى الله عنه حيث ولى العراق وما ولى من
أمر الناس ، كيف صنع فى سهم ذوى القربى ؟
قال : سلك به - والله - سبيل أبى بكر وعمر رضى الله عنهما.
قلت : وكيف ، وأنتم تقولون [ما تقولون]؟ قال: أما والله، ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه.
قلت : فما منعه؟ قال: كره - والله - أن يُدَّعَى عليه خلاف أبى بكر رضى الله عنه.
قيل له : هذا تأوله محمد بن علي على علي بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه فی ترکه خلاف أبى بكر وعمر رضى الله
عنهما ، وهو یری فى الحقيقة ، خلاف ما رأيا .
لا يجوز ذلك - عندنا - على على بن أبى طالب رضى الله عنه، ولا يتوهم على مثله، فكيف يتوعم عليه وقد
خالف أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فى أشياء، وخالف عمر وحده فى أشياء أخر؟
منها : ما رأى من جواز بيع أمهات الأولاد بعد نهى عمر عن بيعهن، ومن ذلك ما رأى من التسويه بين
الناس فى العطاء ، وقد كان عمر رضى الله عنه يفضل بينهم على قدر سوابقهم.
وَلَعَلِىٌّ بن أبى طالب رضى الله عنه كان أعرف بالله من أن يجرى شيئاً على ما الحق عنده فى خلافه، ولكنه
أجرى الأمر بسهم ذوى القربى على ما رآه حقاً وعدلا، فلم يخالف أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فيه ، ولقد كان
على بن أبى طالب رضى الله عنه يخالف أبا بكر وعمر رضى الله عنهما فى حياتهما فى أشياء قد رأيا فى ذلك
خلاف ما رأى ، فلا يرى الأمر عليه فى ذلك دنفا ، ولا يمنعانه من ذلك ، ولا يؤاخذانه عليه ، فكيف يسعه هذا
فى حالٍ ، الإمام فيها غيره، ثم بصق عليه فى حالٍ هو الإمام فيها نفسه، هذا - عندنا - محال.
٥٤٤٠ _ ولقد حقها سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم،
عن زاذان، قال: كنا عند عليّ فتذاكرنا الخيار ، فقال: أما أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه، قد سألنى عنه
فقلت : إن اختارت زوجها فعى واحدة وهى أحق بها ، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة .

٣١٠
١٤ - كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم
فقال عمر ( ليس كذلك، ولكنها إن اختارت نفسها فهى واحدة وهو أحق بها ، وإن اختارت زوجها ،
فلا شيء) فلم أستطع إلا متابعة أمير المؤمنين .
فلما آل الأمر إلىّ، عرفت أنى مسئول عن الفروج، فأخذت بما كنت أرى .
فقال بعض أصحابه: رَأْىٌّ رأيته، تابعك عليه أمير المؤمنين، أحبُّ إلىّ من:رَ أْىٍ انفردت به.
فقال: أما والله ، لقد أرسل إلى زيد بن ثابت نفالفنى وإياه فقال (إذا اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها
وإن اختارت نفسها فثلاث ، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره) .
أفلا يرى أن علياً رضى الله عنه قد أخبر فى هذا الحديث أنه لما خلص إليه الأمر وعرف أنه مسئول عن الفرج
أخذ بما كان يرى، وأنه لم ير تقليد عمر فيما يرى خلافه ، رضى الله عنهما.
وكذلك أيضاً لما خلص إليه الأمر استحال - مع معرفته بالله، ومع علمه أنه مسئول عن الأموال - أن يكون
يبيحها من يراه من غير أهلها ، ويمنع منها أهلها .
ولكنه كان القول عنده، فى سهم ذوى القربى، كالقول فيما كان عند أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، فأجرى
الأمر على ذلك ، لا على ما سواه .
فأما أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، رحمة الله عليهم، فإن المشهور عنهم فى سهم ذوى القربى .
أنه قد ارتفع بوفاة التى يُبيع، وأن الخمس من الغنائم، وجميع الفىء، يقسمان فى ثلاثة أسهم، اليتامى، والمساكين
وابن السبيل .
٥٤٤١ - وكذلك حّشى محمد بن العباس بن الربيع اللؤلؤي، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا محمد بن الحسن،
قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، عن أبى حنيفة .
وهكذا يعرف عن محمد بن الحسن ، فى جميع ما روى عنه فى ذلك من رأيه ، ومما حكاه عن أبى حنيفة ،
وأبى يوسف رحمة الله عليهما .
٥٤٤٢ - فأما أصحاب الإملاء فإن جعفر بن أحمد صدّشْا قال: ثنا بشر بن الوليد قال: أملى علينا أبو يوسف فى رمضان
فى سنة إحدى وثمانين ومائة، قال فى قوله تعالى ﴿وَاعَْمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىْءٌ فَأَنَّ ◌ِرُخُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولٍ وَلِى الْغُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيِ) فهذا، فيما بلغنا - والله أعلم - فيما أساب
من عساكر أهل الشرك من الغنائم ، والخمس منها ، على ما سمى الله عز وجل فى كتابه أربعة أخماسها بين الجند
الذى أصابوا ذلك، الفرس سهماً، وللرجل سهم، على ما جاء من الأحاديث والآثار .
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: للرجل سهم، وللفرس سهم، والخمس يقسم على خسمة أسهم، خمس الله
والرسول واحد، وخمس ذوي القربى، لكل صنف سماه الله عز وجل فى هذه الآية خمس الخمس.
فتى هذه الرواية ثبوت سهم ذوى القربى .
قالوا: وأملى علينا أبو يوسف فى مسألة ( قال أبو حنيفة: إذا ظهر الإمام على بلد من بلاد أهل الشرك فهو

١٥ - كتاب الحجة
٣١١
في فتح رسول الله # مكة عنوة
بالخيار ، يفعل فيه الذى يرى أنه أفضل وحير للمسلمين، إن رأى أن يحمس الأرض والمتاع ، ويقسم أربعة أخماسه
بين الجند الذى افتتحوا معه، فعل، ويقسم الخمس على ثلاثة أسهم، للفقراء، والمساكين، وابن السبيل.
وإن رأى أن يترك الأرضين ويترك أهلها فيها ، ويجعلها ذمة ، ويضع عليهم وعلى أرضهم الخراج، وكما فعل
عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالسواد ، كان ذلك كله .
قال أبو جعفر : ففى هذه الرواية ، سقوط سهم ذوى القربى ، وهذا القول هو المشهور عنهم .
والذى اتفقت عليه هاتان الروايتان فى الفى، وفى خمس الغنيمة أنهما إذا خلصا (١) جميعاً، وضع خمس
الغنائم فيما يجب وضعه فيه، مما ذكرنا.
وأما الفىء ، فيبدأ منه بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، وأرزاق الجدد ، وجوائز الوقود ،
ثم يوضع ما بقى منه بعد ذلك فى مثل ما يوضع فيه خمس الغنائم سواء .
فهذه وجوه الفى وأخماس الغنائم التى كانت تجرى عليها فى عهد رسول الله تَب إلى أن توفى .
وما يجب أن يمتثل فيها بعد وفاته عَّه يوم القيامة ، فقد بينا ذلك وشرحناه بغاية ما ملكنا، والله
نسأل التوفيق .
٥٤٤٣ - وأما سفيان الثورى، فإنه ثنا مالك بن يحيى، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا الأشجعى، قال: ثنا سفيان
سهم النبي ◌َّ من الخمس ، هو خمس الخمس، وما بقى فلهذه الطبقات التى سمى الله ، والأربعة الأخماس
لمن قاتل عليه .
١٥ - كتاب الحجة
١ - في فتح رسول الله آلآل مكة عنوة
قال أبو جعفر: اجتمعت الأمة أن رسول الله عَلّ، صالح أهل مكة قبل افتتاحه إياها، ثم افتتحها بعد ذلك .
فقال قوم: كان افتتاحه إياها بعد أن نقض أهل مكة العهد ، وخرجوا من الصلح ، فافتتحها يوم افتتحها
وهی دار حرب ، لا سلح بينه وبين أهلها ، ولا عقد ولا عهد .
وممن قال هذا القول: أبو حنيفة، والأوزاعى، ومالك بن أنس، وسفيان بن سعيد الثوري، وأبو يوسف،
ومحمد بن الحسن ، رحمهم الله .
وقال قوم : بل افتتحها صلحاً .
(١) وفى نسخة ((حصلا)».

١٥ - كتاب الحجة
٣١٢
في فتح رسول الله وير مكة عنوة
ثم احتج كل فريق من هذين الفريقين لقوله، من الآثار بما سنبيته فى كتابي هذا، ونذكر مع ذلك، مسحة
ما احتج به أو فساده ، إن شاء الله تعالى.
وكان حجة من ذهب إلى أن رسول الله ومنثم افتحها صلحاً، أن قال (أما الصلح فقد كان بين رسول الله ضية
وبين أهل مكة، فأمن كل فريق منه ومن أهل مكة، من الفريق الآخر، ثم لم يكن من أهل مكة فى ذلك،
ما يوجب نقض الصلح .
وإنما كانت بنو نفاثة(١)، وهم غير من أهل مكة، قاتلوا خزاعة، وأعانهم على ذلك رجال من قريش ، وثبت
بقية أهل مكة على صلحهم ، وتمسكوا بعهدهم الذى عاهدوا رسول الله مؤ لم تخرجت بنو تنائة ، ومن تابعهم ،
على ما فعلوا من ذلك من الصلح، وثبت بقية أهل مكة على الصلح الذى كانوا سالحوا رسول الله وتزري.
قالوا: والدليل على ذلك، أن رسول الله عزَ ◌ّ لما افتتحها، لم يقسم فيها فيئاً، ولم يستعبد فيها أحداً.
وكان من الحجة عليهم فى ذلك لمخالفهم ، أن عكرمة ، مولى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، ومحمد بن مهم
ابن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى، وعليهما يدور أكثر اخبار المغازى، قد رُوِىَ عنهما
ما يدل على خروج أهل مكة من الصلح الذى كانوا صالحوا عليه رسول الله عَ بأحداث أحدثوها ..
٥٤٤٤ - حدّشْا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سلمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة،
قال: لما وادع رسول الله ◌َي أهل مكة، وكانت خزاعة حلفاء رسول الله وَّةٍ فى الجاهلية، وكانت بنو بكر
حلفاء قريش .
فدخلت خزاعة فى صلح رسول الله عَل، ودخلت بنو بكر فى سَلح قريش، فكان بين خزاعة وبين
بهى بكر بعدُ قتال، فأمدهم قريش بسلاح وطعام، وظلوا عليهم، وظهرت بنو بكر على خزاعة ، فقَتَّلوا فيهم .
تفافت قريش أن يكونوا على قوم قد نقضوا، فقالوا لأبى سفيان: اذهب إلى محمد فاجد الحلف ، وأسلح بين
الناس وأن ليس فى قوم ظلوا على قوم وأمدوهم بسلاح وطعام ما إن يكونوا نقضوا .
فانطلق أبو سفيان وسار، حتى قدم المدينة، فقال رسول الله عربية (( قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضياً
بغير حاجة)) .
فأتى أبا بكر رضى الله عنه، فقال: يا أبا بكر أجد الحلف وأصلح بين الناس أو بين قومك، قال: فقال أبو بكر
رضى الله عنه الأمر إلى الله تعالى وإلى رسوله ، وقد قال فيما قال له بأن ليس فى قوم ظلوا على قوه وأمدوهم بسلاح
وطعام، ما إن يكونوا نقضوا .
قال فقال أبو بكر رضي الله عنه: الأمر إلى الله عز وجل، وإلى رسوله .
قال : ثم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر له نحواً مما ذكر لأبى بكر رضى الله عنه .
(١) قوله ((بنو نفائة)) ثم ((بنو بكر)) كما يفهم ذلك من سيرة ابن مهام.
.......... .
.........

١٥ - كتاب الحجة
٣١٣
في فتح رسول الله خير مكة عنوة
فقال عمر رضى الله عنه: أنقضى؟ فما كان منه جديداً، فأبلاه الله تعالى، وما كان منه شديداً ، أو قال متيناً،
فقطعه الله تعالى .
فقال أبو سفيان: وما رأيت كاليوم شاهد عشرة .
ثم أتى فاطمة رضى الله عنها ، فقال لها: يا فاطمة، هل لك فى أحى تسودين فيه نساء قومك، ثم ذكر لها نحواً
مما قال لأبى بكر رضي الله عنه ، ثم قال لها : فتجددين الحلف ، وتصلحين بين الناس .
فقالت رضى الله عنها : ليس إلا إلى الله وإلى رسوله .
قال: ثم أتى علياً رضى الله عنه ، فقال له نحواً مما قال لأبى بكر رضى الله عنه.
فقال علي رضي الله عنه: ما رأيت كاليوم رجلا أصل ، أنت سيد الناس فأجد الحلف وأصلح بين الناس .
فضرب أبو سفيان إحدى رجليه على الأخرى وقال ( قد أخذت بين الناس بعضهم من بعض).
قال : ثم انطلق حتى قدم ، والله ما أتيتنا بحرب فيحذر، ولا أتيتنا بصلح فيأمن ، ارجع أرجع .
قال: وقدم وفد خزاعة على رسول الله تَج فأخبره بما صنع القوم، ودعاء بالنصرة وأنشد فى ذلك(١):
حِلْفَ أبيناً وَأَبِيهِ الأَنْلَدَ!
لاَ ثُمَّ إِى نَشِدٌ مُحمَّدَاً
وَالِداً كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا
وَنَقَضُوا مِيثَفَكَ الُْمُؤْكَّدَا
وَزَعَموا أَنْ لَسْتَ تَدْعُوا أَحدَا
إِنَّ فُرَيْشاً أَخْلَفْوكَ الْمَوْعِدَا
وَجَمَلُوا لِ يِكَدَاءَ رَصَدَا
وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدّدَا
تَثْلُوا القُرآنَ رُكَّاً وَسجِّدًا
وَكُمْ أَنَوْنَا بِالْوَقِيرِ مُمَّدَا
فَانصرْ رَسُولَ اللهِ نَصراً أَعْتَدَا
فِى فَيَلَيْنِ كالبَحْرِ يأْتِى مُزْ بَدَا
إِنْ سِيمَ خَسْفاً وَجْهُه تَرَبَّدَا
ثُكَّتَ أَسْلمْنَا وَلَمْ نَْرِعْ يدَا
وَابِعتْ جُنُودَ اللهِ تَأْرِى مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجرَّدَا
قال حماد: هذا الشعر بعضه عن أيوب، وبعضه عن يزيد بن حازم، وأكثره، عن محمد بن إسحاق .
ثم رجع إلى حديث أيوب ، عن عكرمة قال : ما قال حسان بن ثابت رضى الله عنه :
رِجَلَ بَنِىِ كَعْبٍ مُحَزُّ دِقَابُهاَ
أَثَارِ وَلَمْ أَشْهَْهُ بِبَطْحَاءِ مَكَّةِ
فَذَاكَ أَوَانُ الْحَرْبِ حَنَ ◌ِضَابُهَاَ
وَسَفوَانُ خَوٍْ خَرَّ مِنْ دَدْقٍ إِسِْهِ
(١) سبق أن علقنا على هذه القصيدة وأثبتنا رواية ابن هشام فى سيرته، فارجع إليها فى صفحتى ٢٩١ ٢٩٢
(م ٤٠ - ٣ ممالي الآ ظر )

..............................
١٥ - كتاب الحجة
٣١٤
في فتح رسول الله ولو مكة عنوة
سُهَيْلَ بْنَ عَمْرِو ◌َحَوْلَا وَعِقَبُها (١)
فَيَلَيْتَ شِعْسِرِى هَلْ لَنَا مَرَّ.
قال: فأمر رسول اللهمَع بالرحيل فار تحلوا فساروا، حتى نزلوا بمر الظهران.
قال: وجاء أبو سفيان حتى نزل ليلا ، فرأى العسكر والنيران، فقال: ما هذا ؟ قيل: هذه تميم، أمحلت بلادها
فانتجعت بلادكم.
قال : هؤلاء والله اكثر من أهل منا ، أو مثل أهل منا .
فلما علم أنه النبى معَّه تشكر وقال: دلونى على العباس بن عبد المطلب، وأتى العباس فأخبره الخير وانطلق به
إلى رسول الله عزَُّ، فأتى به إلى رسول الله عَّم فى قبة له فقال (( يا أبا سفيان، أسلم تسلم)) قال: وكيف أصنع
باللات والعزى ؟
٥٤٤٥ - قال أيوب: حّدشن أبو الخليل عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: قال عمر رضى الله عنه وهو خارج من التيه
ما قلتها أبداً .
قال أبو سفيان : من هذا ؟ قالوا : عمر رضى الله عنه ، فأسلم أبو سفيان فانطلق به العباس ، فلما أصبحوا ،
ثار الناس لظهورهم .
قال : فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، ما للناس أمروا فى شىء ؟ قال: فقال: لا ، ولكنهم قاموا إلى الصلاة
فأمره فتوضأ، وانطلق به إلى رسول الله حَ اتٍ .
(١) الرواية الصحيحة لهذه الأبيات مى رواية ابن مهام فى السيرة وهى هكذا :
رِجَالُ بَنِى كَعْبٍ نُحَزُّ رِقَابُها (١)
◌َنَنِى وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءِ مَكَّةٍ
وَفَتْلَى كَثِيرٌ لَمْ تَجُنَّ ◌ِيَبُها (٢)
بِأَبْدِى رِجَلٍ كَمْ يَسُلُوا ◌ُوفَهُمْ
سُهَيْلَ بْنَ عَمْرو وَخْزُهَا وَعِقَبهاَ
أَاَ لَيْتَ شِعْرِى هَلْ تَنَلَنَّ نُصْرَتِى
فَهُذَا أَوَانُ الْحَرْبِ نُبِدَّ عِصَبُها (٣)
وَحَتَفْوَانُ عَوْدٌ حَنَّ مِنْ ◌ُفْسٍ إِسْتَهٍ
إِذَا احْتُلِبَتْ صِرْفًاً وَأَعْصَلَ نْأَبُها(٤)
فَلاَ تَأْمَثَمَّا يَا ابْنَ أُمَّ ◌َُلِ
كَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَأَبُهاَ
وَلاَ تَجْزَعُوا مِنْهَا فَإِنَّ سُيُؤْفَنَاَ
معانى المفردات
(١) عنانى: أهمنى، وفى الديوان ((غبنا فلم نشهد بيطهاء مكة رعاة ... الخ)).
(٢) لم تجن ثيابها: لم تستر. يريد أنهم قتلوا ولم يدفنوا.
(٣) العود: المن من الإبل، قوله ( من شفر استه) وفى نسخة ( من شعر أسته).
(٤) الصرف: البن الخالص هنا، و ( أعصل) أعوج، والعصل: اعوجاج الأسنان. ورواية الديوان للشطر الثانى:
(( إذا لفحت حرب وأعصل نابها)) وابن أم مجاله: هو عكرمة بن أبي جهل، وكتبه مصححه: محمد زهرى النجار.

١٥ - كتاب الحجة
٣١٥
في فتح رسول الله وَالر مكة عنوة
فلما دخل رسول الله عَ الَّ الصلاة، كبر، فكبر الناس ، ثم ركع فركعوا، ثم رفع فرفعوا.
فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم، طاعة قوم ، جمعهم من ها هنا وها هنا ، ولا فارس الأكارم ، ولا الروم
ذات القرون بالطوع منهم .
قال حماد : وزعم يزيد بن حازم عن عكرمة قال: قال أبو سفيان: يا أبا الفضل أصبح، والله، ابن أخيك عظيم
الملك، قال : ليس بملك ولكنها نبوة ، قال : أو ذاك أو ذاك؟
قال : ثم رجع إلى حديث أبوب عن عكرمة قال: فقال أبو سفيان: وَاسَبَاح قريش .
قال: فقال العباس رضى الله عنه: يا رسول الله، لو أذنت لى فأتيت أهل مكة فدعوتهم وأمتهم ، وجعلت
لأبى سفيان شيئاً يذكر به.
قال: فانطلق فركب بغلة رسول اللهومَّ الشهباء، وانطلاق.
قال: فقال رسول اللهوَِّ ((ردوا علىَّ أبى، ردوا علىَّ أبى، إن عم الرجل صِنْوُ أبيه، إنى أخاف
أن تفعل بك قريش ، كما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود ، دعاهم إلى الله فقتلوه، أما والله لئن ركبوها منه ،
لأضرمنّها عليهم فاراً ».
قال : فانطلق العباس رضى الله عنه فقال: يا أهل مكة، أسلموا تسلموا، فقد استبطنتم بأشهب بازل ..
قال: وقد كان رسول الله عَّه بعث الزبير من قِبَل أعلى مكة، وبعث خالد بن الوليد من قبل أسفل مكة .
قال : فقال لهم: هذا الزبير من قبل أعلى مكة ، وهذا خالد من قبل أسفل مكة ، وخالد وما خالد ، وخزاعة
مجدعة الأنوف .
ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن .
ثم قدم النبي ◌َّ، فتراموا بشىء من النبل، ثم إن رسول الله عَ لّ ظهر عليهم فأمن الناس إلا خزاعة عن
بني بكر، وذكر أربعة، مقيس بن ضبابة ، وعبد الله بن أبى سرح، وابن خطل، ومارة مولاة بنى هاشم ،
قال حماد : سبارة فى حديث أيوب ، أو فى حديث غيره :.
قال: فقاتلهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله عز وجل ((أَلاَ تُقَاتِلُونٌ مَّوْماً نَكُوا أَيْمَانَهُمْ
وَكَمُوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ)) إلى قوله عز وجل (( وَيَشْرِفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)) قال خزاعة
( وَيُذْهِبْ غَيْظ ◌ُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَسْلَهِ)).
٥٤٤٦ - حدّشْ فهد بن سليمان، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن ادريس، قال: سمعت ابن إسحاق
يقول: حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري وغيره، قال: كان رسول الله عَنه قد صالح قريشاً عام الحديبية
على أنه من أحب أن يدخل فى عقد رسول الله عَل وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش
وعهدم دخل فيه .
فتواثبت خزاعة وبنو كعب وغيرهم معهم، فقالوا: نحن فى عقد رسول الله عز ◌ّ وعهده.
٠' . ....
.----

١٥ - كتاب الحجة
٣١٦
في فتح رسول الله ( مكة عنوة
وتواثبت بنو بكر ، فقالوا : نحن فى عقد فريش وعهدهم .
وقامت قريش على الوفاء بذلك سنة وبعض سنة ، ثم إن بنى بكر ◌َدَوْا على خزاعة ، على ما لهم بأسفل مكة .
فقال له الزبير : بيتوهم فيه ، فأصابوا منهم رجلا وتجاوز القوم فاقتتلوا، ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح
وقاتل معهم من قائل من قريش بالنبل مستخفياً، حتى جاوزوا خزاعة إلى الحرم، وقائد بني بكر يومئذ، نوفل
ابن معاوية ، فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل إلهكَ إلهكَ، إنا قد دخلنا الحرم.
فقال كلمة عظيمة : لا إله له اليوم، يا بنى بكر، أصيبوا ثأركم، قد كانت خزاعة أصابت قبل الإسلام نقراً
ثلاثة، وهم متحرفون ، دويباً ، وكلثوماً ، وسليمان بن الأسود بن زريق بن يعمر، فلعمرى يا بنى بكر، إنكم
تسرقون فى الحرم ، أفلا تصيبون تأركم فيه ؟
قال: وقد كانوا أصابوا منهم رجلا ليلة بيتوم بالوتير ، ومعه رجل من قومه يقال له ◌ُمُنبِّه رجلا مفردا نخرج
هو وتميم .
فقال منبه: يا تميم ، أُبج بنفسك، فأما أنا، فوالله، إنى لميت، قتلونى أو لم يقتاونى.
فانطلق تميم فأُدركَ منبه فقتلوه وأفلت تميم، فلما دخل مكة، لحق إلى دار بديل بن ورقاء، ودار رافع
مولى لهم .
وخرج عمرو بن سالم، حتى قدم على رسول الله عَّ فوقف ورسول الله عَ بى جالس فى المسجد، فقال عمرو (١):
حلفَ أَبِيناً وأبيه الأنْلدَا
لاَ هُمَّ إِنِى نَاشِدٌ مُمَّدَاً
◌َُّ أسلمناَ فَمِ نَنْزَعْ يَدَا
والدّا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا
وَادْعُ عِبَادَ اللّهِ يأتوا مَدَدًا
فانصرْ رَسونَ اللهِ نصرًاً أَعْتَدَا
إِنْ ◌ِمَ خَسْفاً وَجْهُهُ ترَبِّدًا
فِيهِمْ رَسولُ اللهِ قَدْ نَجرَّدَا
إِنَّ ◌ُرَيْشًا أخلفوكَ الموْعِدَا
فى فيلقٍ كالبَحْرِ يَأْتِى مُزيِدًا
ونَقَضوا مِيثَاقَكَ المؤكَّدَا
وَجَعلى ◌ِي فِي كَدَاءَ رُصِّدَا
وَهُمْ أَذَلُّ وأقلُّ عَدَدًا
وَزَعَموا أنْ لستُ أدْعو أحَدَا.
فَقَتَلونَ ركَّمَا وسجَّدَا
هُمْ بَيِّتُونَ بالوتيرِ مُجَّدَا
قال رسول الله (حَ تّم (( قد نصرت بنى كمب)).
ثم خرج بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله مَ بالمدينة فأخبروه بما أصيب منهم
وقد رجموا .
هـ
(١) هذه الرواية هنا موافقة لرواية ابن هشام التى أثبتناها - تعليقاً - فى صفحتى ٢٩١، ٢٩٢

١٥ - كتاب الحجة
٣١٧
في فتح رسول الله رَل مكة عنوة
وقد قال رسول الله څ « کانکم بابی سفیان قد قدم ليزيد فى العهد، ويزيد فى المدة».
ثم ذكر نحوا مما فى حديث أيوب عن عكرمة فى طلب أبى سفيان الجواب من أبى بكر ، ومن عمر، ومن على،
ومن فاطمة رضوان الله عليهم أجمعين ، وجواب كل واحد منهم له بما أجابه فى ذلك، على ما فی حدیث أيوب ، عن
عكرمة، ولم يذكر خبر أبى سفيان مع العباس رضي الله عنه، ولا أمان العباس إياه ولا إسلامه، ولا بقية الحديث.
قال أبو جعفر: فى هذين الحديثين، أن الصلح الذى كان بين رسول الله عَ ليه وبين أهل مكة، دخلت خزاعة
فى صلح رسول الله عربة الحلف الذى كان بينهم وبينه، ودخلت بنو بكر فى صلح قريش، للحلف الذى كان
بيهم ويله .
فصار حكم حلفاء كل فريق من رسول الله عَل ومن قريش فى الصلح، كحكم رسول الله رؤيته وحكم قريش.
وكان بين حلفاء رسول الله عَّ وبين حلفاء قريش من القتال، ما كان، فكان ذلك نقضا من حلفاء قريش
للصلح الذى كانوا دخلوا فيه ، وخروجاً منهم بذلك منه .
فصاروا بذلك، حربا لرسول الله تَّ وأسمابه رضى الله عنهم.
ثم أمدت قريش حلفاءها هؤلاء بما فووهم به على قتال خزاعة ، حتى قتل منهم من قتل وقد كان الصلح منعهم
من ذلك .
فكان فيما فعلوا من ذلك، نقضا للعهد، وخروجا من الصلح ، فصارت قريش بذلك، حربا لرسول الله على
ولأصحابه .
فقال الآخرون: وكيف يكون بما ذكرتم كما وصفتم، وقد رويتم أن أبا سفيان وفد على رسول اللهعز له المدينة
بعد أن كان بين بنى بكر وبين خزاعة من القتال ما كان ، وبعد أن كان من قريش لبني بكر من المعونة لهم ما كان
على رسول الله تَّ بموضعه، فلم يصله ولم يعرض له .
فدل ذلك على أنه كان عنده فى أمانه على حاله ، غير خارج منه مما كان من بني بكر فى قتال خزاعة ، وما كان
من قريش فى معونة بنى بكر بما أعانوهم به من الطعام والسلاح والتظليل ( غير ناقض لأمانه بصلحه الذى كان بينه
وبین رسول الله ګ وغير مخرج له منه .
فكان من الحجة عليهم للآخرين أن ترك رسول الله يمر بال التعرض لأبى سفيان، لم يكن لأن الصلح الذى كان
بین رسول الله وبين أهل مكة قائم، ولكنه تركه، لأنه كان وافدًا إليه من أهل مكة ، طالباً الصلح الثانى ، سوى
الصلح الأول، لانتقاض الملح الأول، فلم يعرض له رسول الله { لل بقتل ولا غيره، لأن من سنة الرسل أن
لا يقتلوا .
٥٤٤٧ = ثم قد روى عنه في ذلك، ماحدثاً [فهد قال ثنا] أبو غسان مالك بن إسماعيل قال: ثنا أبو بكر بن عياش،
قال: ثنا عاصم بن بهدلة، قال: حّشى أبو وائل قال: ثنا ابن مُعَيْر السعدي، قال: خرجت أستبق فرساً لي
بالشجر، فمررت على مسجد من مساجد بني حنيفة، فسمعتهم يشهدون أن مسيلمة رسول الله، فرجعت إلى
......-
١٢٠٠ ٠١
...........
...........
..........

١٥ - كتاب الحجة
٣١٨
في فتح رسول الله صلفي مكة عنوة
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فذكرت له أمرهم، فبعث الشرط فأخذوهم، وجيء بهم إليه، فتابوا
ورجعوا عما قالوا، وقالوا لا نعود، فخلّى سبيلهم.
وقدم رجلا منهم يقال له عبد الله بن النواحة، فضرب عنقه فقال الناس: أخذت قوما فى أمر واحد ، فخليت
سبيل بعضهم ، وقتلت بعضهم .
فقال: كنت عند رسول الله حَ له جالسا فجاءه ابن النواحة ورجل معه يقال له ابن حجربن أثال ، وافدین
من عند مسيلمة .
فقال لهما رسول الله رَبقى « أتشهدان أنى رسول الله؟)» فقالا: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟
فقال (( آمنت بالله وبرسوله، لو كنت قاتلا وفداً، لقتلتكما)) فلذلك قتلت هذا.
٥٤٤٨ - حرّشا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبر نى عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج أن الحسن بن علي
ابن أبی رافع حدثه ، أن أبا رافع أخبره أنه أقبل بکتاب من قریش إلى رسول الله زلتے .
قال: فلما رأيت النبي ◌ُّهُ، أَفْسِىَ فى قلبى الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله، لا أرجع إليهم أبداً.
فقال رسول الله عَ لِّ (( أما إنى لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان فى قلبك الذى
في قلبك الآن فارجع)) .
قال: فرجعت، ثم أقبلت إلى رسول الله مَ اتَّل، وأسلمت .
قال بكير : وأخبرنى ، أن أبا رافع كان قبطياً .
٥٤٤٩ - حدّثْا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّشن
سعد بن طارق ، عن سلمة بن نعيم ، عن أبيه قال: كنت عند اللى ◌َّ حين جاءه رسول مسيلمة بكتابه،
ورسول الله يَّه يقول لها (وأنما تقولان مثل ما يقول؟)) فقالا: نعم.
فقال رسول الله عَ الله (( أما لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكم)).
والدليل على خروج أهل مكة من الصلح ، بما كان بين بنى بكر وبين خزاعة ، وبما ان من معونة فريش
لبنى بكر فى ذلك، طلب أبى سفيان تجديد الحلف، وتوكيد الصلح عند سؤال أهل مكة إياه ذلك.
ولو كان الصلح لم يفتقض، إذاً كَبًا كان بهم إلى ذلك حاجة، ولاكان أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب،
وعلي، وفاطمة بنت رسول الله حَديثه، لما سألهم أبو سفيان، ما سألهم من ذلك يقولون: ما حاجتك وحاجة أهل
مكة إلى ذلك، إنهم جميعاً فى صلح وفى أمان، لا تحتاجون معهما إلى غيرها .
ثم هذا عمرو بن سالم، واحد خزاعة، يناشد رسول الله عَ بما قد ذكرنا من مناشدته إياه، فى حديث
عكرمة، والزهرى، وسأله فى ذلك النصر ، ويقول فيما يناشده من ذلك :
وَنقَضُوا مِيثَفَكَ الْمُؤَكِّدَا
إنَّ فُرَيشاً أُخْلِفُوْكَ الْمَوْ عِدَا
ورسول الله عَلَ﴾ لا يفكر ذلك عليه.
..........

١٥٠ - كتاب الحجة
٣١٩
في فتح رسول الله مخر مكة عنوة
ثم كشف له عمرو بن سالم المعنى الذى به كان نقض قريش ، ما كانوا عاهدوه عليه، ووافقوه بأن قال :
فَقَتَلُونَ رُكَّمَاً وَسُجَّدَا
وُثُمْ أَنَوْنَا بِالْوَتِيرِ مُجَّدَاً
ولم يذكر فى ذلك أحداً غير قريش من بنى نفاثة ، ولا من غيرهم .
ثم أنشد حسان بن ثابت فى الشعر الذى ذكرناه عنه، فى حديث عكرمة، المعنى الذى ذكره عمرو بن سالم
فى الشعر الذی ناشد به رسول الله
ففى ذلك دليل أن رجال بنى كعب ، أصابهم من نقض قريش الذى به خرجوا من عهدهم ببطن مكة ،
ألاتراه يقول :
رِجَالُ بَنِى كَعْبٍ مُحَزُّ رِقَابِهَ
أَثَفِى وَلَمْ أَشْهَدْ بِبِطْحَاءِ مَكَّةٍ
ثم ذكر ما بيناه لمن كان سبباً من ذلك قريش ورجالها فقال :
فَيَلَيْتَ شِعْرِى هَلْ لَنَاَ لِزُمُرَةٍ
◌ُبِيْلُ بنُ عَمْرِو ◌َحَوْلُها وعِدَاً ◌ُهَا
وسهيل بن عمرو، هو كان أحد من عاقده رسول الله لم جه الصالح.
فأما ما ذكر لك رسول الله ◌ِ لق لما افتتحها، لم يقسم مالاً، ولم يستعبد أحداً، ولم يغنم أرضاً، فكيف يستعبد
من قد منَّ عليه فى دمه وماله .
فأما أرض مكة ، فإن الناس قد اختلفوا فى ترك النبى محمد يتم التعرض لها.
فمن يذهب إلى أنه افتتحها عنوة فقال: تركها مِنَّةً عليهم، كمَنَّتِهِ عليهم فى دمائهم، وفى سائر أموالهم .
وثمَّن ذهب إلى ذلك أبو يوسف، لأنه كان يذهب إلى أن أرض مكة، تجرى عليها الإملاك، كما تجرى
على سائر الأرضين .
وقال بعضهم: لم تسكن أرض مكة مما وقعت عليه الغنائم ، لأن أرض مكة عندهم ، لا تجرى عليها الإملاك.
وممن ذهب إلى ذلك ، أبو حنيفة ، وسفيان الثورى ، رحمهما الله .
وقد ذكرنا فى هذا الباب الآثار التى رواها كل فريق ، ممن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة ، وأبو يوسف
رحمهما الله، فى كتاب البيوع، من شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله برؤيته فى الأحكام ، فأغنانا ذلك
عن إعادته ها هنا .
ثم رجع الكلام إلى ما يثبت أن مكة فتحت عنوة .
فإن قلتم إن حديثي الزهري وعكرمة اللذين ذكرنا ، منقطعان .
قيل لكم. وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، حديث يدل على ما رويناه.
٥٤٥٠ - حدّثْا فهد بن سليمان بن يحيى، قال: ثنا يوسف بن بهاول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدشى
محمد بن إسحاق، قال: قال الزهرى صّشى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضى الله عنهما
.....................
.....- ..............***

١٥ - كتاب الحجة
٣٢٠
في فتح رسول الله ظافر مكة عنوة
أن رسو الله ◌ُ مفى لسفرة وخرج لعشر مضين من رمضان، فعام وسام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد
أفطر، ثم مضى رسول الله مَ ثّل، حتى نزل من الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، فسمعت سليم ومزينة .
فلما نزل رسول الله وَّ منَ الظهران، وقد ميت الأخبار على قريش، فلا يأتيهم خبر رسول الله عليه،
ولا يدرون ما هو فاعل، وخرج فى تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء، ينظرون
هل يجدون خيراً ، أو يسمعونه .
فلما نزل رسول الله وَطبقة من الظهران، قال العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، قلت: واصباح قريش، لأن
دخل رسول الله وَ يقل مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر .
قال: فجلست على بغلة رسول الله رب البيضاء، تخرجت عليها حتى دخلت الأراك، فلقى بعض الحطابة،
أو صاحب لبن، أو ذا حاجة بأتيهم، يخبرهم بمكان رسول الله مَّه ليخرجوا إليه .
قال : فإنى لأشير عليه ، والتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل، وهما يتراجعان، وأبو سفيان
يقول : ما رأيت كالليلة غيراناً قط ولا عسكراً.
قال بديل: هذه، والله ، خزاعة حمشتها الحرب.
فقال أبو سفيان : خزاعة ، والله ، أذل من أن يكون هذه نيرانهم .
فعرفت سوت أبى سفيان، فقلت : يا أبا حنظلة ، قال : فعرف صوتى فقال: أبو الفضل؟ قال : قلت : نعم ،
قال : مالك ، فداك أبى وأمى؟
قال قلت: ويلك، هذا، والله، رسول الله فى الناس، وأصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله عَ لَه مكة
عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر .
قال: فا الحيلة، فداك أبى، وأمى؟ قال قلت: لا والله، إلا أن تركب فى معجز هذه الدابة، فآتى بك
رسول الله ◌َّ، فإنه والله، لئن ظفر بك، ليضربن عنقك.
قال : فركب فى عجز البغلة ، ورجع صاحباه .
قال: وكلما مررت بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا نظروا، قالوا: عم رسول الله مثال على بغلته
حتى مرت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: من هذا؟ وقام إلىّ، فلما رآ، على مجز الدابة، عرفه
وقال: أبو سفيان ، عدو الله؟ الحمد لله الذى أمكن منك.
وخرج يشتد نحو رسول الله ◌َ، وركضت البغلة فسبقته، كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطىء، ثم
اقتحمت عن البغلة، ودخلت على رسو اله زائم .
وجاء عمر رضى الله عنه ، فدخل فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان، قد أمكن الله منه بلا عقد ولا عهد،
فدعى فأضرب عنقه .
قال قلت : يا رسول الله ، إنى قد أجرته.