Indexed OCR Text

Pages 241-260

=
كر
٢٤١
القَدَرُ
وقِيلَ: يَحتَمِلُ(١) أنَّ ذلك كَانَ فِي حَيَاةٍ مُوسَى عَّاهُ، وأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أن(٢)
يُرِيه آدَم، فَحَاجَّهُ بِمَا ذُكِرَ.
وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ في القِصَّةِ أثَرًا عن النبيِهِ قال: ((قال مُوسَى: رَبِّ أرِنَا آدَمَ
الذي أخرَجَنَا ونَفسَهُ من الجَنَّةِ؛ فَأْرَاهُ اللهُ إِيَّاهُ فَقال: أنتَ آدَم، (٣فقال: نعم٣))،
وذَكَرَ الحدیثَ.
قُلتُ: رَواهُ أبو دَاوُد في ((سُنَتِهِ))(٤) من حَدِيثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ظُبه قال:
قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ مُوسَى قال: يَا رَبِّ أرِنَا آدَمَ الذي أخرَجَنَا(٥) ونَفسَهُ من
الجَنَّةِ، فَأَرَاهُ اللهُ آدَمَ، فَقال: أنتَ أبونَا آدَم؟ فَقال لَهُ آدَم: نَعَم، قال(٦): أنتَ الذي
نَفَخَ اللهُ فيك من رُوحِهِ، وعَلَّمَك الأسمَاءَ كُلَّهَا، وأمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَك؟ قال:
نَعَم، قال: فَمَا حَمَلَك على أن أخرَجتنَا ونَفسَك من الجَنَّةِ؟ فَقال لَهُ آدَمٍ: ومَن (٧)
أنتَ؟ قال: أَنَا مُوسَى، قال: أنتَ نَبي (٨) بَنِي إسرَائيلَ الذي كَلَّمَك اللهُ من وراءٍ
الحِجَابِ(٩)، لَم يَجعَل بَينَك وبَينَهُ رسولًا من خَلقِه؟ قال: نَعَم، قال: أنَمَا وجَدتَ
أنَّ ذلك كَانَ فِي كِتَابِ الله قَبلَ أن أُخْلَقَ؟ قال: (٢٤٨/٨م) نَعَم، قال: فَيِمَ(١٠)
تَلُومُنِي في شَيءٍ سَبَقَ من الله تعالى فيه القَضَاءُ قَبلِي؟ قال رسولُ اللهِ وَّهُ عِندَ
ذلك: فَحَجَّ آدَم مُوسَى، فَحَجَّ آدَم مُوسَى)).
وبَوّبَ (١١) البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) في كِتَابِ القَدَرِ على هذا الحديثِ: بَابَ
تَحَاجٌّ آدَم ومُوسَى عِندَ الله، وكَأنَّهُ أخَذَ ذلك من (١٢ قوله في١٢) رِوايَةٍ: ((عِندَ
رَبِهِمَا))، وهيَ في ((صَحِيحِ مسلم)) كَمَا تَقَدَّمَ. وكَانَ شَيخُنَا الإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ
البُلقِينِيُّ تَخْفُ يَقُولُ: مُقْتَضَى ذلك: أنَّهُ فَهِمَ أنَّ المُرَادَ تَحَاجُهُمَا يَومَ القِيَامَةِ. وَلَيسَ
(١) ليس في: (ك٢، ح).
(٣ - ٣) ليس في: (م).
(٤) أبو داود (٤٧٠٢).
(٦) في (م): ((فقال)).
(٨) في (ش): ((موسى)).
(١٠) في (م): ((فیم)). كذا عند أبي داود.
(١٢ - ١٢) ليس في: (م).
(٢) في (م): ((أنه)).
(٥) في (ك٢، ح): ((أخرجتنا)).
(٧) في (م): ((من)).
(٩) في (م): ((حجاب)).
(١١) بعده في (ش): ((علیه)).

=
٢٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ الَّقْرِیبِ
كذلك، وإنَّمَا كَانَ هذا التَّحَاجُ في الدُّنيَا، ويُستَدَلُّ على ذلك بِحَدِيثِ عُمَرَ
المذکورِ من عِندِ أبي دَاوُد.
قُلتُ: ولَا يَتَعَيَّنُ في كَلَام البخاريِّ أَنَّهُ فَهِمَ أنَّ ذلك يَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١): هَذِهِ العِندِيَّةُ عِندِيَّةُ اختِصَاصٍ وتَشرِيفٍ، لَا عِندِيَّةُ
مَكَان؛ فإِنَّهُ (٢) تعالى مُنَزَّهٌ عن المَكَانِ والزَّمَانِ، وإِنَّمَا هيَ كَمَا قال تعالى: ﴿إِنَّ
٥٥ [القمر: ٥٤، ٥٥]؛
اْتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَنَهَرٍ ﴾ فِ مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكِ مُقْنَدِرٍ
أي: في مَحَلِّ التَّشرِيفِ والإكرَامِ والاختِصَاصِ، انتَهَى.
وبِتَقَدِيرِ أن يُرَادَ أنَّ ذلك يَقَعُ في(٣) القِيَامَةِ، فَيَكُونُ التَّعبيرُ عنْهُ بِالمَاضِي؛
لِتَحَقُّقِ وُقُوعِه كَقَولِه (٤) تعالى: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] ونَظَائِرُ ذلك، واللهُ
أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: (أغويتَ النَّاسَ))؛ أي: كُنتَ سَبَبًا لِغواءِ مَن غَوى منهُم
بِخُرُوجِهم من الجَنَّةِ [٢٨٦/٢ظ] وتَسَلُّطِ الشَّيطَانِ(٥) عَلَيهم، والغَيُّ: الإِنهمَاءُ
في (٦) الشَّرِّ، وهُو ضِدُّ الرُّشدِ، كَمَا قال تعالى: ﴿قَدَ ثَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ﴾
[البقرة: ٢٥٦]، وقَد يُرَادُ بِالغَيِّ: الخَطَأ، وعَلَيه يُحمَلُ قَوله تعالى: ﴿وَعَصَّ مَادَمُ
رَبَُّ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ أي: أخطَأْ صَوابَ مَا أمِرَ به، وهذا أحسَنُ (٧)مَا قِيل٧َ) في
ذلك (٨)، واللهُ أعلَمُ، وفيه جوازُ(٩) إطلاقٍ نِسِبَةِ الشَّيءٍ إلى مَن لَهُ تَسَبُّبٌ(١٠) فيه.
الزَّابِعَةُ: وقَولُهُ: ((وأخرَجتَهُم من الجَنَّةِ)) المُرَادُ بها: جَنَّهُ الخُلِدِ، وجَنَّةُ
الفِردَوسِ التي هيَ دَارُ الجَزَاءِ في الآخِرَةِ، وهيَ مَوجُودَةٌ من قَبلِ آدَمَ، وهذا
(١) المفهم (٦ /٦٦٥).
في الأصل: ((وكأنه)). وفي (ك٢، ح): ((فإن الله)).
(٢)
(٣) في (م): ((يوم)).
(٤) في (ك٢، ح): ((كما قال)).
(٥) في (ح): ((الشياطين)).
(٦) في (ك٢، ح): ((على)).
(٧ - ٧) ليس في: (ك٢، ح).
(٨) ينظر: المفهم (٦٦٦/٦)، وإكمال المعلم (١٣٧/٨)، وشرح النووي على مسلم
(٢٠٠/١٦).
(٩) ليس في: الأصل.
(١٠) في (ح): ((نسب)).

القَدَرُ
كور
٢٤٣
مَذْهَبُ أهلِ الحَقِّ. وذَهَبَت المُعتَزِلَةُ إلى أنَّهَا جَنَّةٌ أخرَى غَيرُهَا، وقَالُوا: إنَّ جَنَّةَ
الجَزَاءِ لَم تُخلَق إلى الآنَ، ولَكِنَّهَا (١) تُخلَقُ (٢) بَعدَ ذلك، والأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
تُبُطِلُ قَولَهُم في ذلك(٣)، واللهُ أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((أعطَاك اللهُ عِلمَ كُلِّ شَيءٍ)) عَامٌّ مَخصُوصٌ، وقَد قال
الخَضِرُ لِمُوسَى عَنْه: ((إِنِّي على عِلم (٤من عِلم٤) الله عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أنتَ))(٥)
فَقال(٦) القَاضِي عِيَاضٌ(٧): المُرَادُ: مِّمَّا عَلَّمَك،َ وقِيلَ: يَحْتَمِلُ مِمَّا عُلِّمَهُ البَشَرُ.
قُلتُ: لَم يَظْهَر لِي مَعنَى الأولِ، فَإِنَّ كُلَّ أحَدٍ (٨) أعطَاهُ اللهُ عِلمَ كُلِّ(٩) شَيءٍ
عَلَّمَهُ إِيَّاهُ(١٠) وهذا (١١عِيُّ (٢٤٩/٨م) من ١١) القَولِ، وفي الثَّانِي نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الذي
كَانَ عِندَ الخَضِرِ (١٢ من العِلم١٢) قَد عَلَّمَهُ اللهُ تعالى البَشَرَ، ولَم يَكُن مُوسَى
يَعلَمُهُ، والأظهَرُ: أنَّ المُرَادَ بِاللفظِ هُنَا: الأكثَرِيَّةُ والغَلَبَةُ، فَإنَّ الحُكمَ لِلِغَالِبِ،
وهُو كَقَولِه: ﴿وَأُوِيَّتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقَولُهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأحقاف: ٢٥] ونَظَائرُ ذلك، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ(١٣): ((واصطَفَاك على النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ (١٤)) عَامٌّ مَخصُوصٌ
أيضًا، فَإِنَّهُ لَم يَصطَفِه على مَن هُو أفضَلُ منهُ؛ كَإِرَاهِيمَ ومُحَمَّدٍ نَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ
المُرَادَ نَاسُ زَمَانِهِ، وهُو كَقَولِه تعالى: ﴿إِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى﴾
[الأعراف: ١٤٤] (١٥) .
(١) بعده في (ش): ((لم)).
(٣) ينظر: إكمال المعلم (١٣٨/٨)، وشرح النووي على مسلم (٢٠٠/١٦).
(٤ - ٤) ليس في: (ك٢، ح).
(٦) في الأصل: ((قال)).
(٨) ليست في الأصل.
(١٠) مكانها بياض في (ش).
(١٢) ليس في: (ك٢، ح).
(١٤) في (م): ((برسالاته)).
(٢) بعده في (ش): ((إلا)).
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٠١، ٤٧٢٧).
(٧) إكمال المعلم (١٣٨/٨).
(٩) ليست في (ك٢، ح).
(١١ - ١١) في (م): ((غني عن)).
(١٣) بعدها في (ك٢، ح): ((قوله)).
(١٥) في الأصل: ((برسالتي))، وهي قراءة: نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وروح، وينظر:
الهادي شرح طيبة النشر (٢٤٩/٢).

٢٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ا السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((فَتَلُومُنِي على أمرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبَلَ أن أخلَقَ)).
قال ابنُ عَبدِ البَرّ(١): إلى (٢) هُنَا انتَهَى حَدِيثُ مَالِكِ عِندَ جَمِيعِ الرُّواةِ.
وزَادَ فيه ابنُ عُيَينَةَ عن أبي الزِّنَادِ: ((قَبلَ (٣) أن أخلَقَ بِأَرَبَعِينَ سَنَةٍ)). وكذلك
قال طَاؤُسٌ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
وقال المَازَرِي(٤): الأَظهَرُ فيه أنَّ المُرَادَ به أنَّهُ كَتَبَهُ قَبلَ خَلقِهِ بِأربَعِينَ عَامًا
أو أظهَرَهُ، أو فَعَلَ فِعلًا مَا أَضَافَ إلَيه هذا التَّارِيخَ، وإلَّا فَمَشِيئَةُ (٥) الله تعالى
أَزَلِيَّةٌ. والأشبَهُ أَنَّهُ أرَادَ بِقَولِه: ((قَدَّرَهُ اللهُ قَبلَ أن أخلَقَ))؛ أي: كَتَبَهُ في الثَّورَاةِ،
أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ في بَعضٍ ظُرُقِه: ((فَبِكُم وجَدْتَ اللهَ كَتَبَ الثَّورَاةَ قَبلَ أن أخلَقَ؟ قال
مُوسَى: بِأربَعِينَ عَامًا، قال: فَهَل وجَدّتَ فيهَا: وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ(٦)). فَيَصِحُ أن يُرَادَ
به أنَّ فِيهَا مَعنَى هذا اللفظِ مَكْتُوبًا بِلِسَانٍ غَيرِ اللُّسَانِ العَرَبي(٧) .
وقال النَّوِيُّ(٨): المُرَادُ بِالتَّقدِيرِ هُنَا: الكِتَابَةُ في اللوحِ المَحفُوظِ، أو في
صُحُفِ الثَّورَاةِ وألواحِهَا؛ أي: كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبلَ خَلقِي بِأربَعِينَ سَنَةً، وقَد صَرَّحَ بهذا
في الرِّوايَةِ الأخرَى، فَذَكَرَ الرِّوايَةَ المَذكُورَةَ وقال: فَهَذِهِ الرِّوايَةُ مُصَرِّحَةٌ بِبَيَانٍ
المُرَادِ بِالتَّقَدِيرِ، ولَا يَجُوزُ أن يُرَادَ به حَقِيقَةُ القَدَرِ؛ فَإِنَّ عِلمَ الله تعالى ومَا قَدَّرَهُ
على عِبَادِهِ وأرَادَهُ من خَلقِه أزَلِيٍّ لَا أولَ لَّهُ، ولَم يَزَل سُبحَانَهُ مَرِيدًا (٩) لِمَا أرَادَهُ
من خَلقِهِ من طَاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ وخَيرٍ وشَرِّ. انتَهَى.
وكَانَ(١٠) شَيخُنَا الإِمَامُ أبو حَفصٍ (١١) الْبُلقِينِيُّ كَّتُهُ يَقُولُ: إِنَّ المُرَادَ إِظْهَارُ
ذلك عند(١٢) تَصوِيرٍ آدَمَ طِينًا، واستَمَرَّ آدَم مُنجَدًا(١٣) في طِينَتِه أربَعِينَ سَنَةً،
فَكَانَ ظُهُورُ (١٤) هذا قَبَلَ خَلقِ آدَمَ بِأربَعِينَ سَنَةً.
التمهيد (١١/١٨).
(١)
(٣)
ليست في (ك٢، ح).
(٧) في (ك٢): ((المعروف)).
(٥)
في (ش): ((فمشیّة)».
(٩) في (ك٢، ح): ((مرید)).
(١١) بعده في (ش): ((عمر)).
(١٣) في (م): ((متجدلًا))
(٢) ليست في الأصل، (م).
(٤) المعلم (٣٩٢/٢، ٣٩٣).
(٦) بعده في (م): ((فغوى، قال: نعم)).
(٨) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٠١).
(١٠) في (ح): ((وقال)).
(١٢) في (ك٢، ح، م): ((عن)).
(١٤) في (ك٢): ((ظهوره)).

القَدَرُ
٢٤٥
والمُرَادُ بِخَلقِهِ: نَفخُ الرُّوحِ فيه، وقَد ذَكَرَ أهلُ التَّارِيخ (١): أنَّ مُدَّةَ(٢) مُكثٍ
آدَمَ طِينًا بَيْنَ(٣) تَصوِيرِه (٤) ونَفخَ(٥) الرُّوحِ فيه أربَعُونَ عَامًا، وهُو مُوافِقٌ لِهذا،
واللهُ أعلمُ.
فَإِن قُلتَ: مَا مَعنَى حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ عَمرٍو مَرفُوعًا: ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ
الخَلقِ قَبَلَ أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بِخَمسِينَ [٢٨٧/٢و] ألفَ سَنَةٍ»، وهُو في
(الصَّحِيحِ)(٦)؟.
قُلتُ: هُو تَحدِيدٌ لِلكِتَابِ، لَا لِلتَّقدِيرِ؛ فَإِنَّ التَّقدِيرَ قَدِيمٌ لَا أولَ لَهُ، كَمَا
تَقَدَّمَ وهَذِه كِتَابَةٌ قَبلَ الكِتَابَةِ المَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ البَابِ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(٧): وقَد يَكُونُ ذِكرُ (٨الخَمسِينَ ألفًا٨) حَقِيقَةٌ على
ظَاهرِه(٩)، وقَد يَكُونُ تَمْثِيلًاً لِلتكثِيرِ(١٠) كَمَا قِيلَ (١١) في قَوله تعالى: ﴿إِلَى مِائَةٍ
أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
قُلتُ: ولَا يَقُومُ على التَّكثِيرِ دَلِيلٌ، والظّاهرُ: أنَّ المُرَادَ التَّحدِيدُ. وقال
أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٢): إنَّهُ أَظهَرُ وأولى.
قال: وهَذِه(١٣) الخَمسُونَ ألفَ سَنَةٍ سِنُونَ(١٤) تَقدِيرِيَّةٌ؛ إذ قَبلَ خلق(١٥)
السَّمَواتِ (١٦)، لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ الأزمَانِ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ الذي يُعَبَّرُ عنهُ بِالسِّنِينَ
وبِالأيَّامِ والليَالِيٍ، إِنَّمَا هُو رَاجِعٌ إلى أعدَادِ حَرَكَاتِ الأفلاكِ، وسَيرِ الشَّمسِ
(١) في (ك٢، ح، ش): ((التواريخ)).
(٣) في (ك٢، ح، ش): ((بعد)).
(٥) في (ك٢، ح): ((نفخ)).
(٧) إكمال المعلم (١٤١/٨).
(٨ - ٨) في (ك٢، ح): ((الأربعين عامًا)). وبعدها في (م): ((أنها)).
(٩) في (م): ((ظاهرها)).
(١١) ليست في (ش).
(١٣) في (ك٢، ح): ((وهو)).
(١٥) في (م): ((وجود)).
(١٦) بعده في (م): ((والأرض)).
(٢) ليست في (ش).
(٤) في (ك٢، ح): ((تصوره) .
(٦) مسلم (١٦/٢٦٥٣).
(١٠) في (م): ((للكثير)).
(١٢) المفهم (٦ /٦٦٨، ٦٦٩).
(١٤) في (ك٢، ح): ((ستون)).

=
٢٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والقَمَرِ في المَنَازِلِ والبُرُوجِ السَّمَاوِيَّةِ (١)؛ فَقَبَلَ السَّمَواتِ(٢) لَا يُوجَدُ ذلك، وإِنَّمَا
يَرجِعُ ذلك إلى مُدَّةٍ في عِلمِ الله تعالى، لَو كَانَتِ السَّمَواتُ مَوجُودَةً فِيهَا لَعُدَّت
بِذلك العَدَدِ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّامنةُ: قال الخَطَّابي في ((مَعَالِم السُّنَنِ))(٣): قَد يَحسِبُ كَثِيرٌ من
النَّاسِ أَنَّ مَعنَى القَدَرِ من الله، والقَضَاءِ منهُ(٤) مَعنَى الإجبَارِ والقَهرِ لِلعَبدِ على
مَا قَضَاهُ وقَدَّرَهُ، ويَتَوهَّمُ أنَّ فَلجَ(٥) آدَم في الحُبَّةِ (٦) على مُوسَى إِنَّمَا كَانَ من
هذا الوجه، ولَيسَ الأمرُ في ذلك على مَا يَتَوهَّمُونَهُ، وإنَّمَا: مَعنَاهُ الإخبَارُ عن
تَقَدُّمِ عِلمِ الله تَعْلَ بِمَا يَكُونُ من أفعَالِ العِبَادِ وأكسَابهم، وصُدُورِهَا عن تَقدِيرٍ
منهُ وَخَلْقٍ لَهَا خَيْرَهَا وشَرَّهَا، والقَدَرُ: اسمٌ لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عن فِعلِ القَادِرِ،
كَمَا أنَّ الهَدمَ والقَبضَ والنَّشرَ أسمَاءٌ لِمَا صَدَرَ عن فِعلِ الهَادِمِ والقَابِضِ
والنَّاشِرِ، يُقَالُ: قَدَّرتُ الشَّيءَ، وقُدرَتُ(٧)، خَفيفَةٌ، وثَقِيلَةٌ بِمَعنّى واحِدٍ،
والقَضَاءُ في هذا مَعنَاهُ: الخَلقُ كَقَولِهِ رَى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾
[فصلت: ١٢]؛ أي: خَلَقَهُنَّ، وإِذَا كَانَ الأمرُ كذلك، فَقَد بَقِيَ عَلَيهم من ورَاءِ
عِلمِ الله ◌َ فيهم: أفعَالُهُم وأكسَابُهُم، ومُبَاشَرَتُهُم تِلكَ الأمُورَ، ومُلَابَسَتُهُم
إِيَّاهَا عن قَصدٍ، وتَعَمُّدٍ وتَقَدِيمِ (٨) إِرَادَةٍ واختِيَارٍ، فَالحُجَّةُ إِنَّمَا تَلزَمُهُم (٩) بها،
واللائمَةُ إِنَّمَا تَلحَقُهُم عَلَيهَا.
وجِمَاعُ القَولِ في هذا الْبَابِ: أنَّهُمَا أمرَانِ لَا يَنفَكُّ أحَدُهُمَا عن الآخَرِ؛
لِنَّ أحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الأسَاسِ، والآخَرَ بِمَنْزِلَةِ البِنَاءِ، فَمَن رَامَ الفَصلَ بَيْنَهُمَا فَقَد
(١) في (ك٢، ح): ((السمائية)).
(٢) بعده في (م): ((والأرض)).
معالم السنن (٣٢٢/٤، ٣٢٣)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١٥٤/١ - ١٥٥).
(٣)
(٤) في الأصل: (فيه)).
(٥) في الأصل، (ك٢، ش): ((فلح)). والفَلَج: الظفر بمن تخاصمه. وفلجت حجتك،
وفلجت على صاحبك بحقك. ينظر: العين للخليل بن أحمد (١٢٨/٦)
(٦) في (ح): ((الجنة)).
(٧) في (م): ((وقدرته)).
(٨) في (م): ((وتقدم)).
(٩) في (ش): ((يلزمهم)).

القَدَرُ
٢٤٧
رَامَ هَدَ البِنَاءِ ونَقضَهُ، وإِنَّمَا كَانَ مَوضِعُ الحُجَّةِ لِدَمَ (١) صَلَواتُ الله
عَلَيهِ(٢) (٣أنَّ اللهَ سُبحَانَهُ إذَا كَانَ(٣) قَد عَلِمَ من (٢٥١/٨م) آدَم أنَّهُ يَتَنَاولُ الشَّجَرَةَ،
ويَأْكُلُ منهَا، فَكَيفَ يُمكِنُهُ أن يَرُدَّ عِلمَ الله تعالى فيه وأن يُطِلَّهُ بضدٌ(٤) ذلك؟
وبَيَانُ ذلك(٥) في قَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَتِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ
خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] فَأخبَرَ قَبلَ كَونِ آدَمَ أنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِلأرضِ، وأنَّهُ لَا يَترُكُهُ في
الجَنَّةِ حَتَّى يَنْقُلَهُ عنهَا إِلَيْهَا، فَإِنَّمَا كَانَ تَنَاوُلُهُ(٦) الشَّجَرَةَ سَبَبًّا لِؤُقُوعِه إلى الأرضِ
التي خُلِقَ لَهَا؛ ولِلكُونِ (٧) فِيهَا خَلِيفَةً ووالِيًا على مَن فيهَا، وإنَّمَا أدلى آدَمُ وَّل
بِالحُجَّةِ على هذا المَعنَى، ودَفَعَ لَائمَةَ مُوسَى عن نَفسِه على هذا الوجه؛ ولذلك
قال: ((أَتْلُومُنِي على أمرٍ قُدِّرَ (٨) عَلَيَّ قَبَلَ أن يَخلُقَنِي))(٩) .
قِيلَ: واللومُ سَاقِظُ عنهُ من قَبلِ مُوسَى؛ إذ لَيسَ لِأَحَدٍ أن يُعَيِّرَ أَحَدًا بِذَنبٍ
كَانَ منهُ؛ لِأَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم تَحتَ العُبودِيَّةِ أكفَاءٌ(١٠) سَواءٌ، وقَد رُوِيَ: لَا تَنظُرُوا
إلى ذُنُوبِ العِبَادِ كَأَنَّكُم أربَابٌ(١١)، انْظُرُوا إِلَيْهَا كَأنَّكُمْ عَبِيدٌ(١٢).
ولَكِنَّ اللومَ لَازِمٌّ ◌َِدَمَ من قِبَلِ الله وَ إذَا كَانَ قَدْ أَمَرَهُ ونَهَاهُ(١٣)، ويَاشَرَ
المَنهيَّ عنهُ، ولله الحُجَّةُ البَالِغَةُ سُبحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (١٤) [٢٨٧/٢ظ] وقَولُ
مُوسَى وََّ، وإن كَانَ في النُّفُوسِ منهُ شُبهَةٌ، وفي ظَاهِرِهِ مُتَعَلَّقٌ لِاحتِجَاجِه بِالسَّبَبِ
الذي قَد جُعِلَ أمَارَةً لِخُرُوجِه من الجَنَّةِ، فَقَولُ آدَم في تَعَلَّقِه بِالسَّبَبِ الذي هُو
(١) بعده في (م): ((على موسى)). وكذا في معالم السنن.
(٢)
في (م): ((عليهما)).
(٣ - ٣) في الأصل: ((إذا كان الله سبحانه)).
(٤)
في (م): ((بعد)). وكذا في معالم السنن. (٥) في (م): ((هذا).
(٦)
في (ح): ((بتناوله)).
(٧) في (م): ((وليكون)).
في (م): ((قدره الله)). وكذا في المعالم.
(٨)
بعده في (م): ((فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلًا)). وكذا في معالم
(٩)
السنن، ووضعها في (م) بين معكوفين.
(١٠) ليست في (ك٢، ح).
(١١) بعده في (م): ((ولكن)).
(١٢) أخرجه مالك في الموطإ (٩٨٦/٢) بلاغًا: أن عيسى ابن مريملعلّ قاله.
(١٣) بعده في (م): ((فخرج إلى معصيته))، وكذا في المعالم.
(١٤) هنا يبدأ خرم في مخطوطة الأصل ينتهي في أثناء الفائدة الثانية، من باب أشراط الساعة.

٢٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بِمَنْزِلَةِ الأصلِ أرجَحُ وأقوى، والفُلجُ(١) قَد يَقَعُ مَعَ المُعَارِضَةِ بِالتَّرْجِيحِ كَمَا يَقَعُ
بِالْبُرهَانِ (٢) الذي لَا مُعَارِضَ لَهُ، واللهُ أعلمُ. انتهى.
وقال في ((أعلامِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ))(٣): إنَّمَا حَجَّهُ آدَم في دَفعِ اللومِ إذا لَيسَ
لِأَحَدٍ من الآدَمِيِّينَ أَن يَلُومَ أحَدًا. وَقَد جَاءَ في الحديثِ: انظُرُوا إلى النَّاسِ
كَأنَّكُمْ عَبِيدٌ، ولَا تَنظُرُوا إِلَيهم كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ(٤).
فَأْمَّا الحُكمُ الذي تَنَازَعَاهُ، فَهُمَا في ذلك على السَّواءِ، لَا يَقدِرُ أحَدٌ أن
يُسقِطَ الأصلَ الذي هُو القَدَرُ، ولَا أن يُبطِلَ الكَسبَ الذي هُو السَّبَبُ، ومَن فَعَلَ
واحِدًا منهُمَا خَرَجَ عن القَصدِ إلى [أحَدِ الظَّرَفَينِ(٥) من مَذهَبِ القَدَرِ أو الجَبرِ.
وقَولُ آدَمَ: ((أنتَ مُوسَى الذي اصطَفَاك الله(٦)). استِقِصَارٌ لِعِلم مُوسَى، يَقُولُ:
إذ(٧) جَعَلَك اللهُ بِالصِّفَةِ التي أنتَ بها من الاصطِفَاءِ بِالرِّسَالَّاتِ والكَلَام(٨)،
فَكَيفَ يَسَعُك أن تَلُومَنِي على القَدَرِ المَقدُورِ الذي لَا مِدفَعَ لَهُ؟ [فَقال صَلَواتُ الله
عَلَيه: ((فَحَجَّ آدَم مُوسَى)). وحَقِيقَتُهُ: أَنَّهُ دَفَعَ حُجَّةَ مُوسَى الذي](٩) ألزَمَهُ بها
اللومَ، وذلك أنَّ(١٠) الابتِدَاءَ بِالمَسألَةِ والاعتِرَاضِ إنَّمَا كَانَ من مُوسَى، ولَم
(٢٥٢/٨م) يَكُن من آدَمَ إِنكَارٌ لِمَا اقتَرَفَهُ من الذَّنبِ، إِنَّمَا عَارَضَهُ بِأمرٍ كَانَ فيه دَفعُ
اللومِ، فَكَانَ أصوبَ الرَّأْيَينِ (١١) مَا ذَهَبَ إلَيه آدَمُ(١٢)، وقَد كُنَّا تَأولنَا هذا الحديثَ
على غَيرِ هذا المَعنَى فِي كِتَابِ ((مَعَالِمِ السُّنَنِ))، وهذا أولى الوجهَينِ، واللهُ أعلمُ.
(١) في (ك٢، ح، ش): ((والفلح)).
(٢) في (ك٢، ح، ش): ((مع البرهان)).
(٣)
أعلام الحديث (١٥٥٥/٣، ١٥٥٦).
(٤)
سبق تخريجه، وبیان أنه من أقوال عيسى ابن مريم
(٥)
في (ك٢، ح): ((إحدى الطريقين)).
بعده في (م): ((برسالاته، وبكلامه، ثم تلومني على أمرٍ قدر علي قبل أن أخلق)). وكذا
(٦)
في أعلام الحديث.
(٧)
بعدها في (م): ((قد)).
(٨) في (ش): ((وبالكلام)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ش)، وفي (ح): ((وقوله: فحج آدمُ موسى، أي دفع حجته
التي ... )).
(١٠) ليست في (ح).
(١١) في (ح، ش): «الأمرين)).
(١٢) بعده في (م). (بِقَضِيَّة المصطفى صلوات الله عليه)) ..

=
5
٢٤٩
القَدَرُ
وقال النَّووِيُّ(١) تَبَعًا لِمَن قَبَلَهُ: مَعنَى كَلَام آدَمَ: أنَّك يَا مُوسَى تَعلَمُ أنَّ هذا
كُتِبَ عَلَيَّ قَبَلَ أن أخلَقَ، وقُدِّرَ عَلَيَّ فَلا بُدَّ من وُقُوعِه، ولَو حَرَصتُ أنَا والخَلَائِقُ
أجمَعُونَ على رَدِّ مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ منهُ لَم نَقدِر، فَلا(٢) تَلُومُنِي على ذلك؛ لِأَنَّ اللومَ
على الذَّنبِ شَرعِيٍّ لَا عَقلِيٍّ، وإذ(٣) تَابَ اللهُ تعالى على آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ، زَالَ عنهُ
اللومُ، فَمَن لَامَهُ كَانَ مَحجُوجًا بِالشَّرعِ.
فَإن قِيلَ: فَالعَاصِي منا لَو قال: هَذِهِ المَعصِيَةُ قَدَّرَهَا اللهُ عَلَيَّ لَم يَسقُط
عنهُ(٤) اللومُ والعُقُوبَةُ بِذلك، وإن كَانَ صَادِقًا فِيمَا قالهُ.
فَالجَوابُ: أنَّ هذا العَاصِيَ بَاقٍ في دَارِ التَّكلِيفِ، جَارٍ عَلَيه أحكامُ
المُكَلَّفينَ من العُقُوبَةِ واللومِ والتَّوبيخِ وغَيرِهمَا، وفي لَومِه وعُقُوبَتِهِ زَجرِّ(٥) لَهُ
ولِغَيرِه عن مِثلِ هذا الفِعلِ، وهُو مُحتَاجٌ إلى الزَّجرِ [مَا لَم يَمُتِ. فَأَمَّا آدَم، فَمَيِّتِّ
خَارِجُ عن دَارِ التَّكلِيفِ، وعن الحَاجَةِ إلى الزَّجرِ](٦)، فَلَم يَكُن في القَولِ المَذكُورِ
(٧لَهُ فَائِدَةٌ(٧)، بَل فيه إيذَاءٌ وتَخجِيلٌ، انتهى.
وقال المَازَرِي (٨): لَمَّا كَانَ اللهُ تعالى تَابَ على آدَمَ عَلَّهُ، صَارَ ذِكرُ ذلك إنَّمَا
يُفيدُ مُبَاحَتَهُ عن السَّبَبِ الذي دَعَاهُ إلى ذلك، فَأخبَرَ آدَمُ أنَّ السَّبَبَ قَضَاءُ الله وقَدَرُهُ.
وهذا جَوابٌ صَحِيحٌ إِذَا كَانَتِ المُبَاحَثَةُ عن الوُقُوعِ في ذلك، ولَم يَكُنْ عِندَ
آدَمَ سَبَبٌ مُوقِعٌ فيه على الحَقِيقَةِ إلَّا قَضَاءُ الله وقَدَرُهُ، وقَولُ آدَمَ: ((أنتَ مُوسَى
الذي اصطَفَاك اللهُ))، وذَكَرَ فَضَائلَهُ التي أعطَاهُ اللهُ، يُرِيدُ بِذلك: أنَّ اللهَ سُبحَانَهُ
قَدَّرَ ذلك وقَضَى به، فَنَفَذَ (٩) ذلك كَمَا قَدَّرَ عَلَيَّ مَا فَعَلتُ فَنَفَّذَ فيَّ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٠): اختَلَفَ العُلَمَاءُ في تَأْوِيلِ هذا الحديثِ،
شرح النووي على مسلم (٢٠٢/١٦، ٢٠٣).
(١)
(٢)
في (ح، ش): «فلم)) .
(٣) في (ح): ((وإذا)).
(٥) في (ح): ((زجرا)).
(٤) ليست في (ح).
(٦) ما بين المعکوفین ليس في: (ك٢، ح).
(٧ - ٧) ليس في: (ك٢، ح).
(٩) في (ك٢، ح): ((فيقدر)).
(٨) المعلم (٣٩٢/٢).
(١٠) المفهم (٦ / ٦٦٧، ٦٦٨).

٢٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَقِيلَ: إِنَّمَا غَلَبَهُ آدَم بِالحُجَّةِ؛ لِأَنَّ آدَمَ أَبُ ومُوسَى ابنٌ، ولَا يَجُوزُ لَومُ الابنِ أَبَاهُ
ولَا عَتْبُهُ. قال: وهذا نَاءٍ (١) عن مَعنَى الحديثِ، وعَمَّا سِيقَ لَّهُ.
وقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ ذلك؛ لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قَد عَلِمَ من الثَّورَاةِ أَنَّ اللهَ تعالى
جَعَلَ تِلكَ الأكلَةَ سَبَبَ إهبَاطِه من الجَنَّةِ، وسُكنَاهُ في الأرضِ، ونَشرَ نَسلِه فيهَا
ليُكَلِّفَهُم (٢) ويَمْتَحِنُهُم، ويُرَنِّبُ على ذلك ثَوابَهُم وعِقَابَهُم الأخرَوِيَّ.
قال: وهذا إبدَاءُ حِكْمَةِ تِلكَ الأكلَةِ لَا انفصال(٣) عن إلزَامِ تِلكَ الحُجَّةِ،
والسُّؤَالُ بَاقٍ لَم يَنفَصِل عنهُ.
وقِيلَ (٢٥٣/٨م): إنَّمَا تَوجَّهَت حَجَّتُهُ عَلَيه؛ لِأَنَّهُ قَد عَلِمَ من الثَّورَاةِ (*مَا
ذُكِرَ. والله٤) تعالى قَد تَابَ عَلَيه واجتَبَاهُ، وأسقَطَ عنهُ اللومَ [والعَتبَ. فلومُ مُوسَى
وعَتْبُه لَهُ، مَعَ عِلمِه بأنَّ اللهَ تعالى قدَّر المعصيةَ، وقضى بالتوبةِ، وبإسقاطِ
اللوم](٥) والمُعَاتَبَةِ، حَتَّى صَارَت تِلكَ المَعصِيَةُ كَأن لَم تَكُنْ(٦)، وقَعَ في غَيرِ
مَحَلِّه وعلى غَيرٍ مُستَحِقُّه؛ فَكَانَ هذا من مُوسَى نِسِبَةَ جَفَاءٍ فِي حَالِ صَفَاءٍ، كَمَا
قال بَعضُ أربَابِ الإشَارَاتِ (٧): ((ذِكرُ الجَفَاءِ فِي حَالِ الصَّفَاءِ جَفَاءٌ)). وهذا الوجهُ
إن شَاءَ اللهُ أشبَهُ (٨ُمَا ذُكِرَ، وبه ٨) يَتَبَيَّنُ أنَّ ذلك الإلزَامَ (٩) لَا يَلْزَمُ.
■ التَّاسِعَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرّ(١٠): فيه الأصلُ الجَسيمُ(١١) الذي أجمَعَ (١٢)
عَلَيه أهلُ الحَقِّ، وهُو أنَّ اللهَ تَعَالى قَد فَرَغَ من أعمَالِ العِبَادِ، فَكُلٌّ يَجِرِي فيمَا
قُدِّرَ لَهُ وسَبَقَ في عِلمِ الله ◌َ، وهُو من أوضَحِ مَا رُوِيَ عن النبي ◌ِّهِ فِي إِثْبَاتِ
القَدَرِ، ودَفعٍ قَولِ القَدَّرِيَّةِ.
(١) في (ك٢، ح): ((إما)).
(٢) في (م): ((فيكلفهم)».
(٣) في (م): ((انفكاك)).
(٤ - ٤) في (ح): ((ما ذكر وأن الله)). وفي المفهم: ((ما ذكروا: أن الله)).
(٦) بعده في (م): ((فقد)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(٧) ينظر: رسالة القشيري (٢١٢/١) - دار المعارف، ونزهة المجالس للصفوري (٤٥/٢).
(٩) في (ح): ((الإكرام)).
(٨) في (ش): ((ذكروا به)).
(١٠) التمهيد (١٥/١٨ - ١٨).
(١٢) في (م): ((اجتمع)).
(١١) في (م): ((الحتم)).

القَدَرُ
٢٥١
=
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ كَتَبَ إلى الحَسَنِ البَصرِيِّ: إنَّ اللهَ تعالى لَا
يُطَالِبُ خَلقَهُ بِمَا قَضَى عَلَيهم وقَدَّرَهُ(١)، ولَكِن يُطَالِبُهُم بِمَا نَهَاهُم عنهُ وأمَرَ،
فَطَالِب نَفسَك (٢ من حَيثُ يُطَالِبُك٢) رَبُّك، والسَّلَامُ.
ورَوينَا أنَّ النَّاسَ لِمَا خَاضُوا في القَدَرِ بِالبَصرَةِ: اجتَمَعَ مسلمُ بنُ يَسَارٍ
ورُفَيعٌ أبو العَالِيَةِ، فَقال أحَدُهُمَا لِصَاحِبِه: تَعَالَ (٣حتى نَنْظُرُ فِيمَا٣) خَاضَ النَّاسُ
فيه من هذا الأمرِ، فَقَعَدَا وفَكَّرَا، فَاتَّفَقَ رَأيُهُمَا: أنَّهُ يَكفي المُؤمن من هذا الأمرِ
أن يَعلَمَ أنَّهُ لَم يُصِبهُ إلَّا مَا كَتَبَ (٤) اللهُ لَهُ، (° وأنَّهُ مَجزِي٥ٌّ) بِعَمَلِهِ(٦).
■ العَاشِرَةُ: وفيه إثبَاتُ المُنَاظَرَةِ والحِجَاجِ، ولَو بَينَ الأسَنِّ (٧) ومَن هُو
دُونَهُ (٨) (٩ في ذلك٩)؛ إذَا كَانَ القَصدُ بِذلك طَلَبَ الحَقِّ وتَقرِيرَهُ(١٠)، والازدِيَادَ من
العِلمِ (١١)، والله الموفق للصواب.
(١) في (م): (وقدر)).
(٢ - ٢) مكانها في (ح): ((يطالب)).
(٣ - ٣) في (م): ((ننظر ما)).
(٤) في (ش): ((کتبه)).
(٥)
في (ح): ((يجزى)).
في (م):
(٦)
((أو سطره عليه)).
(٧) في (ح): ((الأشق))، وفي (م): ((الأبوين)).
(٨) في (م): ((أعلم منه)).
(٩ - ٩) ليس في: (ش).
(١٠) في (ح): ((وتقديره)).
(١١) ينظر: التمهيد (١٤/١٨، ١٥)، وجامع بيان العلم وفضله (٩٩/٢).

=
٢٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أشرَاطُ السَّاعَةِ
الحديث الأول
حَ عن بُرَيدَةَ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِوَّه يَقُولُ: «خمسٌ لَا يَعلَمُهُنَّ
إِلَّا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّدُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ﴾
(٢٥٤/٨م) وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤])). رَواهُ أحمَدُ.
فيه فَوائدُ:
■ الأولى: لَم يُخَرِّجُهُ أحَدٌ من أصحَابِ الكُتُبِ السَِّّةِ من حَدِيثِ بُرِيدَةً،
فَلِذلك عَزَّاهُ المُصَنِّفُ لِلإِمَامِ أحمَدَ (١) على اصطِلَاحِه.
واتَّفَقَ الشيخانِ(٢) على إخرَاجِ هذا المَتنِ، من حَدِيثٍ أبي زُرعَةَ (٣ بنِ عَمْرٍو
بنٍ(٣) جَرِيرٍ، عن أبي هُرَيرَةَ في حَدِيثٍ جِبِرِيلَ عَل ◌َا، في (٤) السُّؤَالِ عن الإِيمَانِ.
بلَفِظِ (٥): ((أَنَّهُ قال: يا رسولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: مَا المَسؤُولُ عنهَا بِأعلَمَ من
السَّائِلِ، ولَكِن سَأحَدَّثُك عن أشرَاطِهَا، إذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّتَهَا (٦)، فَذاك(٧) من
أشرَاطِهَا، وإِذَا كَانَت العُرَاةُ الحُفَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذاك من أشرَاطِهَا، وإذَا تَطَاولَ
رِعَاءُ الْبُهمِ في البُنَانِ فَذاك من أشرَاطِهَا؛ في خَمسٍ لَا يَعلَمُهُنَّ إلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا وَّ:
(١) أحمد (٣٥٣/٥).
(٢) البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٥/٩).
(٣ - ٣) مكانه في (ح، ك٢): ((وابن)).
(٤) في الأصل، (م): ((عند)).
(٥) في الأصل، (م): ((ولفظه)).
(٦) في (ش): ((ربها)). وهما روايتان.
(٧) في الأصل، (م): ((فذلك)). وكذا ما يليها.

أشرَاطُ السَّاعَةِ
٢٥٣
=
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ اْأَرْحَاِ﴾ إلى قَولِه رَتْ: ﴿إِنَّ
اللَّهَ عَلِمُ خَيْرٌ﴾)). لَفظُ مسلمٍ.
■ الثَّانِيَةُ: أشرَاطُ السَّاعَةِ: عَلَامَاتُهَا. واحِدُهَا: شَرٌَّ بِفَتحِ الشِّينِ والرَّاءِ.
قال أبو جَعفَرِ الطَّبَرِيُّ(١): ومنهُ سُمِّيَ ((الشُّرَطُ))؛ لِجَعلِهِم لِأَنفُسِهِمَ عَلَامَةً يُعرَفُونَ
بها(٢) .
وقِيلَ: أشرَاطُهَا مُقَدِّمَاتُهَا، وأشرَاطُ الأشياءِ أوائلُهَا .
وقِيلَ: الأشرَاطُ جَمِعُ شَرَطِ بِالثَّحرِيكِ أيضًا، وهُو الدُّونُ من كُلِّ شَيءٍ؛
فَأَشِرَاطُ السَّاعَةِ: صِغَارُ أمُورِهَا قَبَلَ قِيَامِهَا، [(٣ ولهذا سُمِّي٣) الشَّرطُ (٤).
وهذا الحديثُ الذي بَدَأ(٥) به المُصَنِّفُ كَثُ: لَيسَ فيه ذِكرُ أشرَاطِ السَّاعَةِ،
وإنَّمَا فيه ذِكرُ أنَّ السَّاعَةَ لَا يَعلَمُ وقتَ مَجِيئِهَا إلَّ اللهُ تعالى، وذلك كَالمُقَدِّمَةِ
لِذَكَرِ أشرَاطِهَا؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا بَحَثَ عن عَلَامَاتِهَا لِتَعَذُّرِ مَعرِفَةٍ وقِتِهَا (٦).
■ الثَّالِثَةُ: لَيسَ في الآيَةِ المُستَشهَدِ بها صَرَاحَةٌ على أنَّ هَذِهِ الأمُورَ لَا
يَعلَمُهَا إلَّا اللهُ تعالى، وأنَّهُ لَم يُطلِع عَلَيهَا أَحَدًا من خَلقِهِ، ولَكِن بَيَّنَتِ السُّنَّةُ
ذلك، كَمَا قَد عَرَفتَه.
وقال الفَرَّاءُ(٧) في الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّ مَعنَاهَا(٨): النَّفيُ(٩)؛ إذ (٢٥٥/٨م) مَا
يَعلَمُهُ أحَدٌ إلَّا اللهُ.
قال أبو جَعفَرِ النَّخَّاسُ (١٠) وإنَّمَا صَارَ فيه مَعنَى النَّفي بِتَوقِيفِ الرسولِ وَل
(١) شرح ابن بطال على البخاري (١١٥/١).
(٢) ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٤١/١)، وكشف المشكل (٢٣٢/٣).
(٣ - ٣) في الأصل، (م): ((وعلى المثل)). وفي الإكمال: ((ولهذا يسمى)).
(٤) إكمال المعلم (٢١٢/١).
(٥) هنا انتهى الخرم في نسخة الأصل، والذي بدأ في أثناء الفائدة الثامنة، من باب القدر.
(٦) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦٣/١)، وإكمال المعلم (٢١٢/١).
(٧)
معاني القرآن (٣٣٠/٢).
(٨) في (م): ((معناه)).
(٩) عبارة الفراء: ((فيه تأويل جحد)).
(١٠) إعراب القرآن (٢٨٩/٣).

=
٢٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
على ذلك؛ لِأِنَّهُ وَّهِ قال في قَولِ الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا
[الأنعام: ٥٩]، إنَّهَا هَذِه.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الخَمسَةُ لَا يَعلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِي مُرسَلٌ؛ فَمَن
اذَّعَى أَنَّهُ يَعلَمُ شَيْئًا من هَذِه فَقَد (١) كَفَرَ بِالقُرآنِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ(٢).
قُلتُ: ومُخَالِفَتُهُ لَهُ بِاعْتِبَارِ تَفْسِيرِ الرسولِ وَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَو لَم يَكُن
مَعنَاهُ النَّفِيَ لَقَلَّتِ فَائِدَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تعالى عِندَهُ عِلمُ كُلِّ شَيءٍ، فَلَا مَعنَى لِتَخْصِيصِ
هَذِه الأمُورِ بِالذِّكرِ إلَّا اختِصَاصُه بِعِلمِهَا .
وحَكَى القُشَيرِيُّ والمَاوردِيُّ وغَيرُهُمَا (٣)، عن مُقَاتِلٍ(٤): أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَت
في رَجُلٍ من أهلِ البَادِيَةِ، اسمُهُ الوارِثُ بنُ(٥) عَمرِو بنِ حَارِثَةَ أَتَّى النبي ◌ِّ
فَقال: ((إنَّ امرَأْتِي حُبلى، فَأخبِرِنِي مَاذَا تَلِدُ، وبِلَادُنَا جَدبَةٌ فَأُخبِرِنِي مَتَى يَنزِلُ
الغَيثُ؟ وقَد عَلِمتُ مَتَى وُلِدت، فَأَخِرِنِي مَتَى أَمُوتُ؟، وقَد عَلِمتُ مَا عَمِلتُ
اليَومَ، فَأَخِرِي مَاذَا أعمَلُ غَدًا؟ وأخبِرِي مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ فَأَنزَلَ اللهُ تعالى هَذِهِ
الآيَةَ)).
■ الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((ويُنَزِّلُ))، يَجُوزُ فيه فَتحُ النُّونِ وتَشْدِيدُ الزَّايِ
وإسكَانُ النُّونِ وتَخفيفُ الزَّاىِ، وقَد قُرِئَ بهمَا في المَشْهُورِ (٦)، والغَيثُ: المَطَرُّ.
■ الخَامِسَةُ: قَد يَعلَمُ (٧) الأنبياءُ كَثِيرًا من الغَيبِ بِتَعرِيفِ الله تعالى إِيَّاهُم،
وقَد يُطلِعُ اللهُ بَعضَ الأولِيَاءِ على بَعضِ الغُيُوبِ بِالإلقَاءِ في الخَواطِرِ(٨)، كَمَا قال
عَلَيْه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((قَد كَانَ فيمَا مَضَى قَبلَكُم من الأمَمِ مُحَدَّثُونَ؛ أي:
ليس في: (ك٢، ح).
(١)
تفسير القرطبي (٨٢/١٤)، وزاد المسير (٣٣٠/٦).
(٢)
تفسير الماوردي (٣٥١/٤)، تفسير القشيري (١٣٧/٣)، وتفسير البغوي (٢٩٤/٦)،
(٣)
والقرطبي (١٤/ ٨٢).
تفسير مقاتل (٢٥/٣)، تفسير مجاهد (٥٤٣/١).
(٤)
(٥)
في (ك٢، ح): ((عن)).
(٧) في الأصل: ((تعلم)).
(٦) ينظر: النشر (٢ /١٦٤).
(٨) في (ش): ((الخاطر)).

٢٥٥
أشرَاطُ السَّاعَةِ
رضوعيه ،
مُلَهَمُونَ، من غَيرٍ أن يَكُونُوا أنبياءَ؛ فَإِن يَكُن فِي هَذِهِ الأَمَةِ أحَدٌ فَعُمَرُ))(١)
وكَمَا قال الصِّدِّيقُ فِي حَملِ زَوجَتِه بِنتِ خَارِجَةَ: ((أظُنُّهَا أنتَى))(٢) .
ولَكِن لَيسَ ذلك عِلمًا بِالغَيبِ، وإنَّمَا هُو لِلأنبياءِ عِلمٌ بِأمرٍ مَخصُوصٍ في
قَضِيَّةٍ(٣) مَخصُوصَةٍ، ولِلأولِيَاءِ ظَنُّ بِفِرَاسَةٍ صَحِيحَةٍ؛ فَمَن حَصَلَ لَّهُ ذلك في جُزْئيَّةٍ
أو جُزئيَّاتٍ، لَا يُقَالُ فيه: إِنَّهُ يَعلَمُ الغَيبَ.
وقَد يَحصُلُ لِغَيرِ الأولِيَاءِ مَعرِفَةُ ذُكُورَةِ الحَملِ وأنُوثَتِهِ بِطُولِ التَّجَارِبِ، وقَد
يُخطِئُ الظَّنُّ وتَنخَرِمُ العَادَةُ، والعِلمُ الحَقِيقِيُّ عِندَ الله تعالى.
وقال بَعضُهُم: المُرَادُ بِالآيَةِ إبطَالُ قَولِ الكَهَنَةِ والمُنَجِّمِينَ ومَن يَستَسِقِي
بِالأنواءِ.
■ السَّادِسَةُ: ظَاهِرُ الآيَةِ: أنَّ الغَيبَ الذي لَا يَعلَمُهُ إِلَّ اللهُ مَكَانُ الوفَاةِ
لَا وقتَهَا .
ويُوافِقُ ذلك مَا رُوِيَ: أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يَحسِبُ حِسَابَ النُّجُومِ، فَقال لِابنِ
عَبَّاسٍ: إن شِئتَ أنبَأْتُك نَجمَ ابنِك، وأنَّهُ يَمُوتُ بَعدَ (٢٥٦/٨م) عَشرَةٍ أَيَّامِ، وأنَّك
لَا تَمُوتُ حَتَّى تَعمَى، وأنَا لَا يَحُولُ عَلَيَّ الحَولُ حَتَّى أَمُوتَ. قال: فَأيَنَ مَوتُك
يَا يَهُودِيُّ؟ قال: لَا أدرِي. فَقال ابنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَ اللهُ ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ
تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، فَرَجَعَ ابنُ عَبَّاسٍ، فَوجَدَ ابنَهُ مَحمُومًا، ومَاتَ بَعدَ عَشرَةٍ
أَيَّامِ، ومَاتَ اليَهُودِيُّ قَبَلَ الحَولِ، ومَاتَ ابنُ عَبَّاسٍ أعمَى.
ولَكِنَّ الظَّاهرَ: أنَّ المُرَادَ عِلمُ الوفَاةِ زَمَانًا ومَكَانًا. ويَدُلُّ لَهُ سَبَبُ الآيَةِ
الذي تَقَدَّمَ ذِكرُهُ عن مُقَاتِلٍ، وعَبَّرَ بِالمَكَانِ تَنبيهًا على مَا عَدَاهُ(٤)، واللهُ أعلَمُ.
[٢٨٨/٢ و]
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مالك في الموطإ (٢/ ٧٥٢).
(٣) في الأصل، (م): ((قصة).
(٤) تفسير القرطبي (٨٢/١٤، ٨٣). والقصة التي ساقها، لم نقف لها على أصل، وأمارات
الوضع عليها بادية، والله أعلم.

=
٢٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثَّانِي
ج عن هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: «لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى يُبغّثَ دَجَّالُونَ كَذَّابونَ قَرِيبٌ مِن ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ
رسولُ الله)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: اتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ، والترمذيُّ(١) من هذا الوجه، من طَرِيقٍ
عَبدِ الرَّزَّاقِ .
وأخرَجَهُ مسلمٌ (٢) أيضًا، من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ،
عن أبي هُرَيْرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((يُبعَثُ))؛ أي: يَخرُجُ ويَظهَرُ. ولَيسَ من مَعنَى الْبَعثِ
الذي هُو الإرسَالُ.
وفي رِوايَةُ مسلم (٣من طَرِيقِ هَمَّام٣): ((يَنْبَعِثُ))، بِزِيَادَةِ نُونٍ، والاِنْبِعَاثُ في
السَّيرِ(٤): الإسرَاعُ(٥).
■ الثَّالِثَةُ: الدَّجَالُ: مَأخُوذٌ من الدَّجَلِ، وهُو التَّموِيهُ والخَلطُ.
[وقَولُهُ: ((قَرِيبٌ من ثَلَاثِينَ))، كَذَا ضَبَطْنَاهُ في أصلِنَا بِالرَّفع؛ على أنَّهُ صِفَةٌ
لِمَا تَقَدَّمَ.
وفي رِوايَةِ الصَّحِيحِ: (قَرِيبًا))، بِالنَّصبِ على الحَالِ، وصَحَّ مَجِيءُ الحَالِ من
النَّكِرَةِ لِوصفِهَا(٦)](٧).
(١) البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (٢٢٤٠/٤) (١٥٧)، والترمذي (٢٢١٨).
(٢)
مسلم (٢٢٣٩/٤، ٢٢٤٠) (٨٤/١٥٧). (٣ - ٣) ليس فى: (ك٢، ح).
(٤)
لیس في: (ك٢، ح).
(٥) شرح النووي على مسلم (٤٥/١٨).
في (ش): ((لوضعها)). وينظر: علل النحو لابن الوراق ص (٣٧١)، وشرح الكافية
(٦)
الشافية لابن الناظم (٧٣٧/٢).
(٧) ما بين المعكوفين نقل في (ك٢، ح) فجعل آخر جملة في الفائدة الرابعة، بعد تمام كلام النووي.

أشرَاطُ السَّاعَةِ
٢٥٧
=
الرَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(١): قَد (٢) وُجِدَ من هَؤُلَاءِ خَلقٌ كَثِيرُونَ في
الأعصَارِ، وأهلَكَهُم اللهُ تعالى وقَلَعَ(٣) آثَارَهُم، وكذلك يَفْعَلُ بِمَن بَقِيَ منهُم.
(٢٥٧/٨م) الحديثُ الثَّالِثُ
حج وعنهُ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ
من مَغرِبها، فَإِذَا طَلَعَت ورَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أجمَعُونَ، وذلك حِينَ ﴿لَا يَنفَعُ
نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨])).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: اتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ(٤) من هذا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ.
واتَّفَقَ عَلَيه الأئمَّةُ السِّنَّةُ(٥) خَلَا الترمذيَّ، من طَرِيقٍ عُمَارَةَ بنِ الفَعقَاعِ، عن
أبي زُرعَةَ.
وأخرَجَهُ مسلمٌ(٦) أيضًا من طَرِيقِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، ومن
طَرِيقٍ زَائِدَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ؛ كُلُّهُم عن أبي هُرَيْرَةَ.
ورَوى مسلمٌ، والترمذيُّ(٧)، من طَرِيقِ فُضَيلٍ بنٍ غَزوانَ، عن أبي حَازِمِ،
عن أبي هُرَيْرَةَ، مَرفُوعًا: ((ثَلاثٌ إِذَا خَرَجنَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُنْ آمَنَت من
قَبلُ، أو كَسَبَت في إيمَانِهَا خَيرًا: طُلُوعُ الشَّمسِ من مَغرِبها، والدَّجَّالُ، ودَابَّةُ
الأرض)».
(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٤٥، ٤٦).
(٢)
في (ح): ((فقد)).
(٣) في (م): ((وقطع)).
(٤)
البخاري (٤٦٣٦)، ومسلم (٢٤٨/١٥٧).
البخاري (٤٦٣٥)، ومسلم (٢٤٨/١٥٧)، وأبو داود (٤٣١٢)، والنسائي في الكبرى
(٥)
(١١١٧٧)، وابن ماجه (٤٠٦٨).
(٦) مسلم (٢٤٨/١٥٧).
(٧) مسلم (٢٤٩/١٥٨)، والترمذي (٣٥٧٢).

٢٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
، الثَّانِيَةُ: تَبَيَّنَ بهذا الحديثِ أنَّ الآيَةَ المَذكُورَةَ في قَوله تعالى: ﴿يَوْمَ بَأَتِى
بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا (١ لَ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيمَنِهَا خَيْرًّا﴾﴾
[الأنعام: ١٥٨]، هيَ طُلُوعُ الشَّمسِ من مَغْرِبها .
وهذا يَتَعَيَّنُ القَولُ به لِصِحَّةِ الحديثِ، وحَكَاهُ عَبدُ الحَقِّ ابنُ عَطِيَّةَ المُفَسِّرُ(٢)
عن جُمُهُورِ أهلِ التَّأْوِيلَ(٣).
ثُمَّ قال: ورُوِيَ عن ابنِ مَسعُودٍ (٤): أنَّهَا إحدَى ثَلَاثٍ: إمَّا طُلُوعُ الشَّمسِ
من مَغرِبها، وإمَّا خُرُوجُ الدَّابَّةِ، وإمَّا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قال: وهذا فيه نَظَرٌ؛ لِأنَّ الأحَادِيثَ تَرُدُّهُ وتُخَصِّصُ الشَّمسَ.
قُلتُ: وقَد عَرَفتَ رِوايَةَ أبي حَازِمُ(٥)، عن أبي (٢٥٨/٨م) هُرَيْرَةَ؛ مَرفُوعًا
وهيَ في ((صَحِيحِ مسلم))، وهيَ مُشبهةٌ لِّهذا المَحكِيِّ(٦) عن ابنِ مَسعُودٍ، إِلَّا أنَّ
فِيهَا بَدَلَ خُرُوجٍ يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ، خُرُوجَ الدَّجَّالِ.
وزَمَنُهُمَا مُتَقَارِبٌ، لَكِن في كَلَامِ ابنِ مَسعُودٍ اسْتِقِلَالُ كُلِّ واحِدٍ من هَذِهِ
الأمُورِ بِذلك(٧)، وظَاهرُ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ تَرَتُّبُ ذلك على مَجمُوعِهَا .
وفي ثُبُوتِ ذلك بِخُرُوج الدَّجَّالِ إشكَالٌ؛ فَإِنَّ نُزُولَ عِيسَى عَلَا بَعدَ ذلك،
وهُو زَمَنُ خَيرٍ كَثِيرٍ دُنِيَوِيٍّ وأخرَوِيٌّ، والّاهرُ: قَبولُ الثَّوبَةِ فِيه.
قال ابنُ عَطِيَّةَ (٨): ويُقَوِّي النَّظَرَ أيضًا: أنَّ الغَرغَرَةَ هيَ الآيَةُ التي تُرفَعُ مَعَهَا
الثَّوبةُ .
قُلتُ: حَالَةُ الغَرغَرَةِ تُشَارِكُ حَالَةَ طُلُوعِ الشَّمسِ من مَغرِبها في عَدَمِ [قَبولِ
(١ - ١) من (م).
(٢) المحرر الوجيز (٤٣١/٢).
(٣) وينظر: تفسير الطبري (١٣/١٠ - ١٦).
(٤) أخرجه الطبري (٢٦/١٠)، والطبراني (١٩٠/٩) ح (٨٩٣٧). وينظر: الدر المنثور
(٢٧٥/٦).
(٥) في الأصل: ((حاتم)).
(٧)
ليس في: الأصل.
المحرر الوجيز (٤٣١/٢).
(٨)
(٦) في (م): ((المحل)).

أشرَاطُ السَّاعَةِ
٢٥٩
=
الثَّوبَةِ، لَكِنَّ الشَّأنَ في المُرَادِ (١ في الآيَة١ِ)، وإذَا فَسَّرَهُ النبيُّ نَّهِ بِطُلُوعِ الشَّمسِ
من مَغرِبها لَم يَجُز العُدُولُ عنهُ، واللهُ أعلمُ.
وبِتَقدِيرِ مُشَارَكَةٍ خُرُوجِ الدَّجَّالِ لِطُلُوعِ الشَّمسِ من مَغرِبها في عَدَم](٢) قَبولِ
الثَّوبَةِ عِندَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ في إيمَانِ النَّاسِ [٢٨٨/٢ظ] أجمَعِينَ، بَل يَستَمِرُّ النَّاسُ
(٣على كُفرِهم ويَشَبِعُونَ الدَّجَّالَ(٣) وتَشتَدُّ غَوايَتُهُم به.
■ الثَّالِثَةُ: بَيَّنَ النبيِ وَّوَ كَيفيةَ طُلُوعِهَا (٤من مَغرِبها٤) في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ،
وهُو في ((الصَّحِيحَينِ))(٥)، فَقال: ((أَتَدُرُونَ أينَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمسُ؟ قَالُوا: اللهُ
ورسولُهُ أعلَمُ، قال: إنَّ هَذِه (٦) تَجرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إلى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ؛ فَتَخِرُّ
سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كذلك، حَتَّى يُقال لَهَا: ارتَفِعِي ارجِعِي(٧) من حَيثُ جِئت، فَتَرجِعُ
فَتُصبحُ طَالِعَةً مِن مَطْلَعِهَا، ثُمَّ تَجِرِي لَا يَستَنكِرُ النَّاسُ منهَا شَيئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلى
مُستَقَرِّهَا ذَاك تَحتَ العَرشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارتَفِعِي اصْبَحِي طَالِعَةً من مَغْرِبِك؛ فَتُصبحُ
طَالِعَةً مِن مَغرِبها. تَدرُونَ مَتَى ذَاكُم؟ ذَالَكَ حِينَ ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ
مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَمَنِهَا خَا﴾)).
وقَد اختَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هذا: فَقال جَمَاعَةٌ بِظَاهِرِ هذا الحديثِ.
قال الواحِدِيُّ(٨): وعلى هذا القَولُ إذَا غَرَبَت كُلَّ يَوم: استَقَرَّت تَحتَ
العَرشِ إلى أن تَطْلُعَ.
وقال قَتَادَةُ(٩) ومُقَاتِلٌ(١٠): مَعنَاهُ: تَجرِي إلى وقتٍ لَهَا وأجَلٍ لَا تَتَعَدَّاهُ.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(١ - ١) في (م): ((بالآية)).
(٣ - ٣) ليس في: (ك٢، ح).
(٤ - ٤) ليس في: (ك٢، ح). وبعده في (م): ((وهو)).
(٥) أخرجه البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (٢٥٠/١٥٩)، وأبو داود (٤٠٠٢)، والترمذي
(٢١٨٦، ٣٢٢٧).
(٦)
ليس في: (ك٢، ح).
(٧) في (م): ((وارجعي)).
(٨) التفسير الوسيط للواحدي (٥١٤/٣)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١٩٦/٢، ١٩٧).
(٩) ابن أبي حاتم (٣١٩٥/١٠)، وينظر: تفسير الطبري (٤٣٥/١٩).
(١٠) تفسير مقاتل (٨٦/٣)، دار الكتب العلمية.

٢٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال الواحِدِيُّ(١): وعلى هذا مُستَقَرُّهَا انتِهَاءُ سَيرِهَا عندَ (٢) انقِضَاءِ الدُّنيا،
وهذا اختِيَارُ الزَّجَّاجِ(٣).
وقال الكَلبي(٤): تَسِيرُ في مَنَازِلِهَا(٥) حَتَّى تَنتَهِيَ إلى آخِرٍ (٦) مُستَقَرِّهَا
الَّذِي(٧) لَا تُجَاوِزُهُ، ثُمَّ تَرجِعُ إلى أولِ مَنَازِلِهَا. واختَارَ ابنُ قُتَبَةً(٨) هذا القَولَ.
ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ (٩)؛ أنَّهُ قَرَأ ((لا مستَقَرَّ لَهَا))؛ أي: أنَّهَا جَارِيَةٌ أَبَدًا، لَا
تَثْبُتُ في مَوضِعٍ واحِدٍ.
قُلتُ: كَيفَ يَجُوزُ العُدُولُ عن صَرِيحِ (٢٥٩/٨م) هذا الحديثِ الذي لَا شَكَّ
في صِحَّتِهِ، ومَا مُستَنَدُ العَادِلِينَ عنهُ، إلَّا كَلَّامُ أهلِ الهَيئَةِ (١٠)؟
ولَا يَجُوزُ اعتِمَادُ قَولِ غَيرِ الأنبياءِ في الإخبَارِ عن المُغيِّبَاتِ، فَكَيفَ؟ وقَد
عَارَضَهُ كَلَامُ أصدَقِ الخَلقِ وأعرَفِهِم بِرَبه وبِأحوالِ الغَيبِ؟
والقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ لَيسَت حُجَّةً على المَشهُورِ (١١)، كَيفَ؟ وهيَ مُخَالِفَةٌ في
المَعنَى لِلِقِرَاءَةِ المُتَواتِرَةِ؟
وفي بَعضِ ظُرُقٍ حَدِيثٍ أبي ذَرٍّ في (١٢((الصَّحِيحَينِ))١٢): ((سَألتُ
رسولَ الله ◌َّه عن قَولِ اللهِ رَتْ: ﴿وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأْ﴾ [يس: ٣٨]؟
(١٣ قال: مُستَقَرُّهَا ١٣) تَحتَ العَرشِ)). فَكَيفَ يَجُوزُ مَعَ هذا التَّفْسِيرِ البَيِّنِ العُدُولُ عنهُ؟
(١) في الأصل: ((الواقدي)). وهو تصحيف. (٢) في (م): ((عن)).
(٣)
معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤ / ٢٨٧).
تفسير يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة (٨٠٨/٢)، وتفسير الماوردي (١٧/٥).
(٤)
(٥)
في (ك٢، ح): («زمانها)).
(٦)
ليس في: الأصل، (م).
(٧) في (م): ((التي)).
(٩) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٥٤٨). وينظر: المحتسب لابن جني (٢١١/٢،
غريب القرآن لابن قتيبة (٣٦٥/١).
(٨)
٢١٢)، ومعاني القرآن للفراء (٣٧٧/٢).
(١٠) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٦/ ٥٩٢ - ٥٩٦).
(١١) ينظر: قواطع الأدلة (٥٩/٣).
(١٣ - ١٣) ليس في: (ك٢، ح).
(١٢ - ١٢) ليس في: (ك٢، ح).