Indexed OCR Text

Pages 181-200

الرُّؤیَا
١٨١
=
النِّسبَةُ في هذا بِقَدرِ مَا قَدَّرَهُ الشَّرعُ بهذا العَدَدِ، على حَسَبِ مَا أطلَعَهُ اللهُ عَلَيه؛
ولِأِنَّهُ يَعلَمُ من حَقَائقِ نُبُوتِهِ مَا لَا نَعلَمُهُ نَحنُ. انتَهَى.
فَإِن قُلتَ: قَد شَارَكَ المَنَامَ في الإخبَارِ عن الغَيبِ الإلقَاءُ في الرُّوعِ، وهُو
من أقسَامِ الوحي في حَقِّ الأنبياءِ، ويَقَعُ مِثْلُهُ لِمَن شَاءَ اللهُ من الأولِيَاءِ، كَمَا قال
عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((قَد كَانَ فيمَا مَضَى قَبلَكُم من الأمَم مُحَدَّثُونَ؛ أي:
مُلْهَمُونَ، من غَيرٍ أن يَكُونُوا أنبياءَ، فَإِن يَكُن فِي هَذِهِ الأَمَةِ أحَدٌ فَعُمَرُ))(١).
فَمَا وجهُ الحَصرِ في المَنَام في قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((لَم يَبقَ من
النُّبوةِ إِلَّ المُبَشِّرَاتُ)). قَالُوا: ومَا المُبَشِّرَاتُ، قال: ((الزُّوْيَا الصَّالِحَةُ)). رَواهُ
البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٢). وفي ((سُنَّنِ ابنِ مَاجَه))(٣) من حَدِيثِ أمِّ كُرزِ الكُعبيةِ:
((ذَهَبَت النُّبوةُ، وبَقِيَتِ المُبَشِّرَاتُ)).
قُلتُ: المَنَامُ يَرجِعُ إلى قَواعِدَ مُقَرَّرَةٍ، ولَهُ تَأْوِيلَاتٌ مَعْرُوفَةٌ، ويَقَعُ لِآَحَادِ
المسلمِينَ بِخِلَافِ الإلقَاءِ في الرُّوعِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلخَواصِّ، ولَا يَرجِعُ إِلى قَاعِدَةٍ
يُمَُّ (٤) بها بَيْنَهُ وبَيْنَ لَمَّةِ (٢١٤/٨م) الشَّيطَانِ، وإِنَّمَا يَعرِفُ ذلك أهلُ الوِلَايَةِ. وقَد
قال بَعضُهُم: إنَّ الخَاطِرَ الذي من(٥) المَلَكِ مُستَقِرٍّ غَيرُ مُضطَرِبٍ، بِخِلَافِ الخَاطِرِ
الشَّيْطَانِيِّ، فَإِنَّهُ مُضطَرِبٌ لَا اسْتِقِرَارَ لَّهُ، واللهُ أعلمُ.
وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٦): أجزَاءُ النُّبوةِ لَا يَعلَمُهَا بَشَرٌ إلَّا
الأنبياءُ، ومَن أوتِيَ ذلك من المَلَائِكَةِ، ثُمَّ حكَى عن بَعضِهم(٧): أنَّهُ يُمكِنُ أن
تُفَسَّمَ النُّبوةُ أجزَاءَ تَبلُغُ إلى سِتَّةٍ وأربَعِينَ، فَتَكُونُ الرُّؤْيَا جُزءًا منهَا، قال: فَقُلتُ
(١) أخرجه البخاري (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة.
(٢) البخاري (٦٩٩٠) من حديث أبي هريرة.
(٣)
ابن ماجه (٣٨٩٦).
(٤)
في الأصل: ((نميز)).
(٥) في (ك٢، ح): (یری)).
عارضة الأحوذي (١٢٥/٩، ١٢٦).
(٦)
(٧) سماه في العارضة: ((دانشمند))، ولعله: ياغي أرسلان دانشمد. ينظر: تاريخ الإسلام
(١٢/ ١٨٣).

=
١٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لَهُ: فمَا تَفْعَلُ بِالخَمسِ والأربَعِينَ، والسَّبعِينَ، ولَا [تنسِبُ السِّنَّةَ والأربعينَ](١) من
السَّبِعِينَ بِنِسَةٍ عَدَدِيَّةٍ، وإن انتَسَبَت الخَمسَةُ والأربَعُونَ منهَا(٢)، والقَدرُ الذي أرَادَهُ
النبيُّ وَّهِ: أن يُبَيِّنَ أنَّ الرُّؤْيَا جُزءٌ من النُّبوةِ في الجُمْلَةِ لَنَا(٣)؛ لِأَنَّهَا اطَّلَاعٌ على
الغَيبِ وتَفْصِيلُ(٤) النِّسَبَةِ تختَصُ به دَرَجَةُ النُبوةِ. انتَهَى.
قُلتُ: ولَا (٥) يُمكِنُ إلغَاءُ النِّسَبَةِ (٦) بَعدَ ذِكرِ النبيِّ وَ لَهَا، وغَايَتُهُ ألّا يَصِلَ
عِلمُنَا إلى حَقِيقَةِ ذلك فَنُؤْمِنُ به ونَكِلُ عِلمَهُ إلى عَالِمِه(٧).
وقَدٍ قال المازري (٨): لَا يَلزَمُ العُلَمَاءُ(٩) أن تَعرِفَ كُلَّ شَيءٍ جُمْلَةٌ
وتَفْصِيلًا، وقَد جَعَلَ اللهُ لِلعُلَمَاءِ (١٠) حَدَّا تَقِفُ (١١) عِندَهُ، فَمِنهَا مَا لَا
نَعَلَمُهُ(١٢) أصلًا، ومنهَا مَا نَعلَمُهُ(١٣) جُملَةً لَا تَفصِيلًا، وهذا منهُ، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: لَا يُتَخَيَّلُ من هذا الحديثِ أنَّ رُؤيَا الصَّالِحِ جُزءٌ من أجزَاءِ
النُّبوةِ؛ فَإِنَّ الرُّؤْيَا إِنَّمَا هيَ من أجزَاءِ النُّبوةِ [في حَقِّ الأنبياءِ لِلِّ، ولَيسَت في
حَقُّ غَيرِهم من أجزَاءِ النُّبوةِ، ولَا يُمكِنُ أن يَحصُلَ لِغَيرِ الأنبياءِ جُزءٌ من (١٤)
النُّبوةِ](١٥).
وإنَّمَا المَعنَى أنَّ الرُّؤْيَا الواقِعَةَ لِلصَّالِحِ تُشبه الرُّؤْيَا الواقِعَةَ لِلأنبياءِ، التي
هيَ في حَقُّهم جُزءٌ من أجزَاءِ النُّبوةِ، فَإطلاقُ (١٦) أنَّهَا من أجزَاءِ النُّبوةِ على طَرِيقِ
التَّشبيه(١٧).
(١) في العارضة: ((ولا تنتسب الستةُ والأربعون)).
في (ك٢، ح، ش): «فیھا)).
(٢)
(٤)
في (ك٢، ح): ((وتفضيل)).
(٦) في (ح): ((السنة)).
(٨) المعلم (٢٩٣/٢).
(١٠) في (ك٢، ح، ش): (للعالم)).
(١٢) في (ك٢، ح، ش): ((یعلمه)).
(١٤) بعده في (ش): ((أجزاء)).
(١٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(١٦) في (م): ((فأطلق)).
(١٧) في (ك٢، ح): ((التشبه)).
(٣) ليست في (ك٢، ح).
(٥) ليست في الأصل.
(٧) في (ك٢، ح): ((عالم)).
(٩) ليست في (ش).
(١١) في (ك٢، ح، ش): ((يقف)).
(١٣) في (ك٢، ح، ش): ((لا يعلمه)).

الرُّؤِيَا
١٨٣
=
قال الخَطَّابي(١): وإِنَّمَا كَانَت من أجزَاءِ النُّبوةِ في الأنبياءِ صَلَواتُ الله
عَلَيهِم دُونَ غَيرِهم، وكان(٢) الأنبياءُ صَلَواتُ الله [٢٧٦/٢ظ] عَلَيهم يُوحَى إِلَيهم في
مَنَامِهِم، كَمَا يُوحَى إِلَيهم في اليَقَظَةِ. ثُمَّ قال: وقال بَعضُ أهلِ العِلمِ: مَعنَاهُ: أنَّ
الرُّؤْيَا تَجِيءُ على مُوافَقَةِ النُّبوةِ، لَا أنَّهَا جُزءٌ بَاقٍ من النُّبوةِ. وقال آخَرُ: مَعنَاهُ
إِنَّهَا جُزءٌ من أجزَاءِ عِلمِ النُّبوةِ، وعِلمُ النُبوةِ بَاقٍ، والنُّبوةُ غَيرُ بَاقِيَةٍ. انتَهَى.
فَإن قُلتَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): قِيلَ لِمَالِكِ رَّتُهُ: أَيَعبُرُ الرُّؤيَا كُلُّ أَحَدٍ؟
فَقال: أبِالنُّبوةٍ(٤) يُلعَبُ؟ قِيلَ لَهُ: فَهَل يَعبُرُهَا على الخَيرِ، وهيَ عِندَهُ على
المَكرُوه، لِقَولِ مَن قال: إنَّهَا على مَا أوَّلَت عَلَيه؟ قال: لَا. ثُمَّ قال: الرُّؤيَا
جُزءٌ من النُّبوةِ، فَلَا يُتَلَاعَبُ(٥) بِالنُّبوةِ. انتَهَى. (٢١٥/٨م) وظَاهرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا
قَرَّرتُم.
قُلتُ: لَا بُدَّ من تَأوِيلِهِ وصَرفِه عن ظَاهِرِهِ كَمَا أولنَا الحديثَ، ومَعنَاهُ: أنَّهَا
لَمَّا أشبَهَت النُّبوةَ(٦) في الإِطَّلَاعِ على الغَيبِ بِخَلقِ إدَرَاكٍ من الله تعالى لَم
يُتَلَاعَب بها، ولَم يُتَكَلَّم فيهَا بِغَيرِ عِلمٍ، كَمَا لَا يُخَاضُ في النُّبوةِ بِغَيرِ عِلمٍ،
واللهُ أعلمُ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٧) بَعدَ نَقلِه عن كَثِيرٍ من العُلَمَاءِ أَنَّ لَلرِّؤْيًّا(٨) مَلَكًا:
وهذا من مَعنَى النُّبوةِ؛ لِنَّ لَفظَ النبي قَد يَكُونُ فَعِيلًا بِمَعنَى: مَفْعُولٍ؛ كَجَرِيحٍ؛
أي: يُعَلِّمُه(٩) اللهُ رسولَهُ، ويُطلِعُهُ من غَيبه في مَنَامِه على مَا لَا يُظهرُ عَلَيه أحَدًا
(١) معالم السنن (١٣٩/٤).
(٢)
في (م): ((ولأن)).
(٣)
التمهيد (٢٨٨/١).
في الأصل: ((أبا النبوة)). وفي (ك٢، ح): ((أفبالنبوة)).
(٤)
في (ح): ((تتلاعب)).
(٥)
ليست في (ك٢، ح).
(٦)
إكمال المعلم (٢١٦/٧).
(٧)
في (ك٢، ح): ((الرؤيا)).
(٨)
في (م): ((يعلم)).
(٩)

=
١٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
إلَّا مَن ارتَضَى من رسولٍ، وقَد يَكُونُ نَبي(١): فَعِيلَا بِمَعنَى: فَاعِلٍ، كَعَلِيمٍ؛ أي:
يُعلِمُ غَيرَهُ بِمَا أُوحِيَ إِلَيهِ، وهذا أيضًا صُورَةٌ صَاحِبِ الرُّؤيَا .
■ السَّابِعَةُ: قَد يُفهَمُ من كَونِ الرُّؤْيَا جُزءًا من أجزَاءِ (٢) النُّبوةِ، ولَم يَذْكُرُ
أنَّهَا جُزْءٌ(٣) من الرِّسَالَةِ: أنَّهُ لَا يُعتَمَدُ عَلَيْهَا فِي إِثْبَاتِ حُكمٍ، وإن أَفَادَتِ الإِطَلَاعَ
على الغيوبٍ (٤) فَشَأنُ النُّبوةِ: الاِطَلَاعُ على الغَيبِ، وشَأنُ الرِّسَالَةِ: تَبلِيغُ الأحكّامِ
لِلمُكَلَّفِينَ، ويَتَرَتَّبُ على ذلك أنَّهُ لَو أخبَرَ صَادِقٌ عن النبيِوَ﴿ في النَّومِ بِحُكمٍ
شَرعِيٍّ مُخَالِفٍ لِمَا تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ، لَم نَعتَمِدُهُ. وذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّ سَبَبَ ذلك
نَقْصُ(٥) الرَّائِي لِعَدَمِ ضَبطِه.
وقَد حُكِيَ عن القَاضِي حُسَينٍ: أنَّ شَخصًا قال لَهُ لَيلَةَ شَكٍّ: رَأيتُ النبيِّ وَّه
وقال لِي (٦): صُم غَدًا أو نَحو ذلك، فَقال لَهُ القَاضِي: قَد قال لَنَا فِي الْيَقَّظَّةِ: لَا
تَصُومُوا غَدًا، فَنَحنُ نَعتَمِدُ ذلك، أو مَا هذا مَعنَاهُ.
وحَكَى القَاضِي عِيَاضُ الإجمَاعَ على عَدَمِ اعتِمَادِ المَنَامِ في ذلك.
وقال شَيخُنَا الإِمَامِ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ: وَرَأيتُ في
مَجْمُوعٍ عَتِيقٍ مَنسُوبٍ لِابنِ الصَّلَاحِ عن كِتَابِ ((آدَابِ الجَدَلِ)) لِلأستَاذِ أبي
إسحَاقَ الإِسفَرَابِينِيّ حِكَايَةَ وجهَينِ في وُجُوبِ امتِثَالِ الأوامِرِ المَحكِيَّةِ عنهُ في
المَنَامِ.
قُلتُ: ولَا شَكَّ في أنَّ مَحَلَّهُمَا مَا لَم يُخَالِفِ شَرعًا مُقَرَّرًا، واللهُ أعلمُ.
(١) في الأصل، (ش): ((هي)). وفي الإكمال: ((معنى نبي)).
(٢) ليست في (ح، ش).
(٣)
في (ك٢، ح): ((جزءً!».
في (م): ((الغيب)).
(٤)
في (ش): ((بعض)).
(٥)
(٦) ليست في (ك٢، ح).

الزُّؤيَا
١٨٥
=
الحديثُ الثَّانِي
جَ رعن هَمَّام، عن أبي هُرَيْرَةَ رَّه، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: («بَينَا
أَنَا نَائِمٌ، أَتِيتُ بِّخَزَائنِ الأرضِ، فَوُضِعَ في يَدَيَّ سِوارَانٍ، فَكَبُرًا عَلَيَّ
وأهَمَّانِي، فَأُوحِي(١) إِلَيَّ أن (٢١٦/٨م) انفُخْهُمَا، فَتَفَخْتُهمَا فَذَهَبَا، فَأُولتُهمَا:
الكَذَّابَينِ اللذَينِ أنَا بَينَهُمَا؛ صَاحِبَ صَنعَاءَ، وصَاحِبَ الَمَامَةِ)).
فيه فَوائدُ(٢):
■ الأولى: أخرَجَهُ من هذا الوجه: البخاريُّ، ومسلمٌ(٣) من طَرِيقٍ
عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، وفي رِوايَةِ البخاريِّ: («سِوارَانٍ من ذَهَبٍ)).
وأخرَجَهُ الشيخانِ، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٤) من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، عن
أبي هُرَيْرَةَ، وفيه: ((من ذَهَبٍ)). وفيه: ((فَأُولتهمَا: كَذَّابَينٍ يَخرُجَانِ بَعدِي، أحَدُهُمَا
العنسِيُّ، والآخَرُ مُسَيلِمَةُ»، لَفظُ البخاريِّ. ولَفظُ مسلم: ((فَكَانَ أحَدُهُمَا العنسِيَّ
صَاحِبَ صَنعَاءَ، والآخَرُ مُسَيَلِمَةُ صَاحِبُ اليَمَامَةِ)). وقال الترمذيُّ: غَرِيبٌ(٥).
وكَأَنَّهُ أَرَادَ استِغرَابَ رِوايَةِ ابنِ عَبَّاسٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ فَإِنَّ رِوايَتَهُ عنهُ قَلِيلَةٌ
ولَيسَ لَهُ(٦) عِندَ الترمذيِّ عنهُ(٧) سِوى هذا الحديثِ، وحَدِيثٍ آخَرَ في التَّعبيرِ أيضًا
في قِصَّةِ الرُّؤْيَا التي عَبَرَهَا الصِّدِّيقُ رَُّه. وقال [٢٧٧/٢و] القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ
العَرَبي(٨): إِنَّهُ من المُدَبَّج(٩) في رِوايَةِ الصَّحَابي عن الصَّحَابي.
(١) بعده في (م): ((الله)).
(٢) بياض في (ش).
(٣) البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (٢٢/٢٢٧٤).
(٤) البخاري (٤٣٧٤)، ومسلم (٢٢٧٤)، والترمذي (٢٢٩٢)، والنسائي في الكبرى
(٧٦٤٩).
(٥) في جامع الترمذي: ((صحيح غريب))، والمثبت موافقٌ كذلك لما في تحفة الأشراف
(١٣٧/١٠ ح (١٣٥٧٤).
(٦)
بعده في (م): ((عنه).
(٨) عارضة الأحوذي (١٥٨/٩).
(٧) ليست في (م).
(٩) في (ك٢، ح): ((المدرج)).

=
١٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
قُلتُ: والاصطِلَاحُ في المُدَبَّج (١): أن يَروِيَ كُلٌّ من القَرِينَينِ من غَيرٍ تَقِيدٍ
بِالصَّحَابَةِ عن الآخَرِ، فَمُجَرَّدُ رِوايَةِ ابنِ عَبَّاسٍ عن أبي هُرَيْرَةَ لَا يُعَدُّ من المُدَبَّجِ(٢)
في اصطِلَاحِ المُحَدِّثِينَ؛ إلَّا أن تكُونَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رِوايَةٌ عن ابنِ عَبَّاسٍ وَلَا نَعلَمُهُ.
وأخرَجَ ابنُ مَاجَه(٣) هذا الحديثَ أيضًا من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ عَمرو (٤)، عن
أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (بَيْنَا(٥) أنَا نَائِمٌ أَتِيت بِخَزَائنِ الأرضِ».
قال الخَطَّابي(٦): يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ(٧) إِشَارَةً إلى مَا فُتِحَ لِأَمَّتِهِ من المَمَالِكِ،
فَغَنِمُوا أموالَهَا، واستَبَاحُوا خَزَائنَ مُلُوكِهَا المُدَّخَرَةَ؛ كَخَزَائنِ كِسرَى وَقَيصَرَ،
وغَيرِهمَا من المُلُوكِ.
ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ به مَعَادِنَ الأرضِ التي فيهَا؛ الذَّهَبُ والفِضَّةُ
وأنواعُ الفِلِزْ(٨)، وهُو بِكَسرِ الفَاءِ واللامِ، وتَشدِيدِ الزَّايِ، مَا يَنفيه الكِيرُ مِمَّا يُذَابُ
من جَواهرِ الأرضِ، قالهُ في ((الصِّحَاح))(٩).
قال الخَطَّابي (١٠): جُعِلَت في يَدِهِ. بِمَعنَى العدةِ أن سَتُفْتَحُ تِلكَ البُلدَانُ التي
فِيهَا هَذِه المَعَادِنُ والخَزَائنُ فَيَكُونُ لِأَمَّتِهِ.
وقال النَّووِيُّ(١١): قال (٨/ ٢١٧م) العُلَمَاءُ: هذا مَحمُولٌ على سُلطَانِهَا،
ومِلكِهَا، وفَتحٍ بِلَادِهَا، وأخذِ خَزَائنِ أموالِهَا. وقَد وقَعَ ذلك كُلُّهُ ولله الحَمدُ،
وهُو من المُعجِزَاتِ.
(١) في (ك٢، ح): ((المدمج)). ينظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (ص ٢٩٥)، وعلوم
الحديث لابن الصلاح (٣٠٩) ت: د. نور الدين عتر.
(٢)
في (ك٢، ح): ((المدمج)».
(٣) ابن ماجه (٣٩٢٢).
(٤) في (ك٢، ح، ش): ((عمر)).
(٥) بیاض في (ح).
(٦) أعلام الحديث (١٤٢٣/٢).
(٧) في (ش): ((تكون)).
(٨) في الأصل، (ش): ((الفلزاي)). وفي (م): ((الفلزات)).
(٩) الصحاح (٨٩٠/٣).
(١٠) أعلام الحديث (١٤٢٣/٢).
(١١) شرح النووي على مسلم (٣٥/١٥).

الرُّؤيَا
١٨٧
■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: ((فَوُضِعَ في يَدَيَّ)) بِتَشْدِيدِ اليَاءِ على التَّنِيَةِ، وقَولُهُ:
((سِوارَانٍ)) هُو بِكَسرِ السِّينِ وضَمِّهَا، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانٍ، وفيه (١) لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، وهيَ:
أسوارٌ بِضَمِّ الهَمزَةِ(٢) .
■ الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: (فَكَبُرَا عَلَيَّ)) بِضَمِّ البَاءِ المُوحَّدَةِ، وقَولُهُ: ((وأهَمَّانِي))
بهمزَةٍ أولَهُ، ويُستَعمَلُ ثُلَاثِيًّا أيضًا، يُقَالُ: هَمَّنِي الأمرُ وأهَمَّنِي بِمَعنَّى واحِدٍ.
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٣): وإِنَّمَا أهَمَّهُ شَأْنُهُمَا؛ لِأنَّهُمَا (٤) من حِليَةِ النِّسَاءِ
ومِمَّا يَحْرُمُ على الرِّجَالِ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((فَأُوحِي (٥) إِلَيَّ: أن أنفُخَهُمَا (٦)). هُو بِالخَاءِ المُعجَمَةِ
ونَفخُهُ وََّ لَهُمَا ((فَذَهَبَا)).
وفي رِوايَةٍ: ((فَطَارَا)) دَلِيلٌ لِاِنمِحَاقِهِمَا واضمِحلَالِ أمرِهمَا، وكَانَ كذلك،
وهُو من المُعجِزَاتِ.
قال القَاضِي أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبي(٧): ولَم يُوحَ إلَيه أن أخرِجُهُمَا بَيَدَيك، أو
ارمِ بهمَا (٨عن يَدَيك٨)؛ فَكَانَ النَّفخُ دَلِيلًا على أنَّهُمَا مَرمِيَّانِ بِبَرَكَتِه؛ أي: أنَّ
غَيْرَهُ يَفعَلُهُمَا بِنِسَتِهِ إلَيه وكَونِه منهُ. قال: ولَا يَصِحُّ أن يَكُونَ النَّفْخُ مَثَلًا(٩) على
ضَعفِ حَالِهِمَا فَإنَّهُ كَانَ شَدِيدًا، لَم يَنزِل بِالمسلمِينَ مِثْلُهُ قَظُ. ولَو قِيلَ: إنَّهُ مَثَلٌ
عن (١٠) ضَعفِهِمَا، لَقُلْنَا: إنَّهُ مَثَلٌ ضَمن الوجهَينِ.
السَّادِسَةُ(١١): قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٢): ظَاهرُهُ: أنَّ هذا وحيٌّ من
جِهَةِ المَلَكِ على غَالِبٍ عَادَتِهِ، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ذلك إلهَامًا .
ليست في (ك٢، ح).
(١)
ينظر: إكمال المعلم (٢٣٤/٧)، والمفهم (٤٣/٦)، والمخصص لابن سيده (١/ ٣٧٠).
(٢)
(٣)
المفهم (٤٣/٦).
بعده في (م): ((الله)).
(٥)
عارضة الأحوذي (١٥٩/٩).
(٧)
(٩) بعده في (م): ((دليلًا)).
(١١) بياض في (ش).
(٤) ليست في (ك٢، ح).
(٦) بعده في (م): ((فنفختهما)).
(٨ - ٨) ليس في: (ك٢، ح).
(١٠) في (م): ((على)).
(١٢) المفهم (٦/ ٤٣، ٤٤).

١٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((فَأُولتهمَا الكَذَّابَينِ)). قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): إنَّمَا تَأولَ
ذلك، واللهُ أعلَمُ، فيهمَا لَمَّا كَانَ السُّوارَانِ في الَيَدَينِ جَمِيعًا من الجِهَتَينِ، وكَانَ
حِينَئِذٍ النبي بَينَهُمَا، وتَأولَ السُّوارَينِ(٢) على الكَذَّابَينِ ومَن يُنَازِعُهُ الأمرَ لِوضعِهمًا
غَيرَ مَوضِعِهمَا؛ إذ هُمَا من حُلِيِّ النِّسَاءِ، ومَوضِعُهُمَا أيدِيهمَا لَا أيدِي الرِّجَالِ.
وكذلك الكَذِبُ (٣) والبَاطِلُ هُو الإخبَارُ بِالشَّيءِ على غيرِ ما هو به، ووضعُ الخبرِ
على غيرِ مَوضِعِه من (٤) كَونِهِمَا من ذَهَبٍ، وهُو حَرَامٌ على الرِّجَالِ، ولِمَا في اسمِ
السُّوارَينِ من لَفِظِ السُّورِ (٥)؛ لِقَبِضِهمَا على يَدَيه وَلَيْسَا من حِليَتِه (٦)؛ ولِأنَّ كَونَهُمَا
من ذَهَبِ إشعَارٌ(٧) بِذَهَابِ أمرِهمَا، وبُطلَانِ بَاطِلِهِمَا.
وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٨): السُّوارُ من آلَاتِ المُلُوكِ؛ قال الله ◌ِ﴾
مُخبِرًا عن الكُفَّارِ: ﴿فَلَوْلَا أَلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣](٩). واليد (١٠)
في العَرَبيةِ (١١ عبارة عن (١) مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، منها: القُوةُ، والسُّلطَانُ، والقَهرُ،
والغَلَبَةُ، تَقُولُ العَرَبُ: مَا لِي بهذا الأمرِ يَدَانٍ، ولِذلك أولَهُ النبيِ نَّهِ: مُنَازِعًا لَهُ
(٢١٨/٨م) يَخرُجُ. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ ضَرَبَ المَثَلَ بِالسُّوارِ كِنَايَةً عن الأسوارِ، وهُو
المِلكُ [٢٧٧/٢ظ] وحَذَفَ الهَمزَةَ، وكَثِيرًا مَا يُضرَبُ المِلكُ الأمثَالَ بِالحَذفِ من
الحُرُوفِ وبِالزِّيَادَةِ(١٢) فِيهَا، وهُو مَعلُومٌ عِندَ أهلِ الصِّنَاعَةِ. انتَهَى.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٣): وجهُ مُنَاسَبَةٍ هذا(١٤) التَّوِيلِ لِهَذِهِ الرُّؤْيَا: أنَّ
(١) إكمال المعلم (٢٣٤/٧).
(٣) في (ش): ((الكذاب)).
(٥)
في (ك٢، ح، ش): ((السؤو)).
(٧)
في (م): ((إشعارًا)).
(٢) ليست في (ش).
(٤) في (م): ((مع)).
(٦) في (ش): ((حلیه)).
(٨) عارضة الأحوذي (١٥٨/٩).
قرأ: حفص، ويعقوب: ((أسورة)) بسكون السين، على وزن: ((أفعلة)) جمع ((سوار)) مثل:
(٩)
((أخمرة وخمار)). وقرأ الباقون: ((أسَاورة)) بفتح السين، على وزن ((أفاعلة)) جمع
((أسورة)). ينظر: شرح طيبة النشر لابن الجزري (ص٣٠٨).
(١٠) في (م): ((ولليد)).
(١٢) في الأصل، (م): ((بالزيادة)).
(١٤) ليست في (ح).
(١١ - ١١) ليس في: (م).
(١٣) المفهم (٤٤/٦).

الزُّؤيَا
١٨٩
أهلَ صَنعَاءَ واليَمَامَةِ كَانُوا قَد أسلَمُوا، وكَانَا كَالسَّاعِدَينِ لِلإِسلَامِ، فَلَمَّا ظَهَرَ فيهمَا
هذانِ الكَذَّابَانِ، وتَبَهِرَجا لهُمَا (١) بِتُرَّهَاتِهِمَا(٢)، وزَخِرَفَا أقوالَهُمَا، فَانخَدَعَ الفَرِيقَانِ
بِتِلكَ البَهِرَجَةِ، فَكَانَ البَلَدَانِ لِلنَّبِيِوَلَهِ بِمَنْزِلَةِ يَدَيه، والسُّوارَانِ فِيهِمَا(٣) هُمَا
مُسَيَلِمَةُ وصَاحِبُ صَنعَاءَ؛ بِمَا (٤) زَخِرَفَا من أقوالِهِمَا.
■ الثَّامنةُ: قَولُهُ(٥): ((اللَّذينَ أَنَا بَينَهُمَا)) يَقتَضِي وُجُودَهُمَا حِينَ هَذِه
الرُّؤْيَا، وهُو كذلك.
وقَولُهُ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((فَأولتهمَا كَذَّابَينٍ يَخرُجَانِ بَعدِي)). قَد يَقْتَضِي
خِلَافَ ذلك.
والجَمِعُ بَينَهُمَا: أنَّ المُرَادَ بِخُرُوجِهما بَعدَهُ: ظُهُورُ شَوكَتِهِمَا ومُحَارَبَتِهِمَا .
قال النَّووِيُّ(٦): قال العُلَمَاءُ: المُرَادُ بِقَولِهِ نَّهِ: ((يَخرُجَانِ بَعدِي))؛ أي:
يُظهرَانِ شَوكَتَهُمَا، ومُحَارَبَتَهُمَا، ودَعواهُمَا النُّبوة،َ وإلَّا فَقَد كَانَا فِي زَمَنِهِ.
■ التَّاسِعَةُ (٧): قَولُهُ: ((صَاحِبُ صَنعَاءَ وصَاحِبُ اليَمَامَةِ)). يَقْتَضِي: أنَّ
التَّنصِيصَ عَلَيهِمَا من كَلَامِ النبي ◌َّهِ، وقَولُهُ فِي الرِّوايَةِ الأخرَى: ((فَكَانَ أحَدُهُمَا
العنسِيَّ صَاحِبَ صَنعَاءَ، والآخَرُ مُسَيِمَةُ صَاحِبُ اليَمَامَةِ))، قَد يُفهَمُ أنَّ ذلك من
كَلَامِ الرَّاوِي، و(٨) في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٩) عن عُبَيدِ الله بنِ عَبدِ الله بنِ عُتبَةَ بنِ
مَسعُودٍ: أحَدُهُمَا: العنسِيُّ الذي فَتَلَهُ فَيرُوزُ بِاليَمَنِ(١٠)، والآخَرُ: مُسَيلِمَةٌ
الكَذَّابُ.
وقَد يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَينَهُمَا، فَقَد قالهُ النبي ◌َّهَ، وقالهُ الرَّاوِي، واللهُ أعلمُ.
(١) في (ك٢، ح): ((وتميز حالهما)). وفي (ش، م): ((وتبهر حالهما)). ولعل الأشبه ما
أثبتناه، وهو الذي في المفهم. والبهرجة: الزيف، والمعنى: تزيفا لهما بباطلهما. ينظر:
تهذيب اللغة (٢٧٣/٦).
(٢)
في (ح): ((ببرهانهما)).
(٤)
ليس في: (ش).
(٦) شرح النووي على مسلم (٣٤/١٥).
(٨) في (م): ((وهو)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((بالهمز)).
(٣) في (ك٢، ح): ((منهما)).
(٥) ليست في (ك٢، ح).
(٧) مكانها بياض في (ش).
(٩) البخاري (٤٣٧٩).

١٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ العَاشِرة(١): صَاحِبُ صَنعَاءَ: هُو العنسِيُّ بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ،
وإسكَانٍ(٢) النُّونِ، وكَسرِ السِّينِ المُهمَلَةِ، واسمُهُ: الأسودُ بنُ كَعبٍ، ويُلَقَّبُ بِذِي
حِمَارٍ، وسَبَبُ تَلقِيبه بِذلك على مَا قالهُ ابنُ إسحَاقَ: أَنَّهُ لَقِيَهُ حِمَارٌ، فَعَثَرَ وسَقَطَ
لوجهه، فَقال: سَجَدَ لِ الحِمَارُ، فَارتَدَّ عن الإسلام، واذَّعَى النُّبوةَ، ومخرقَ(٣)
على الجُمَّالِ، فَاتَّبَعُوهُ وغَلَبَ على صَنعَاءَ، وأخرَجَ منهَا المُهَاجِرَ بنَ أَسَدٍ
المَخزُومِيَّ، وكَانَ عَامِلًا(٤) لِرسولِ الله وَّهُ عَلَيهَا(٥)، وانتَشَرَ أمرُهُ، وغَلَبَ على
امرأةٍ مسلمَةٍ من الأسَاوِرَةِ فَتَزَوجَهَا(٦)، فَدَسَّت إلى قَومِ من الأسَاوِرَةِ: إِنِّي قَد
صَنَعت سِرِبًا يُوصَلُ(٧) منهُ إلى مَرقَدِ الأسودِ، فدَلَّتْهُم(٨) علَى ذلك، فَدَخَلَ منهُ قَومٌ
منهُم (٩): فَيرُوزُ الدَّيلَمِيُّ، وقَيسُ بنُ مَكشُوحٍ(١٠)، فَقَتَلُوهُ، وجَاؤُوا بِرَأْسِه إلى
رسولِ اللهِ وَ﴿ (٢١٩/٨م)، على مَا قالهُ ابنُ إسحَاقَ.
وقال وثِيمَةُ(١١): ومنهُم مَن يَقُولُ: كَانَ ذلك في خِلَافَةِ أبِي بَكرٍ ◌َُه.
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٢): وهذا هُو الأظهَرُ إن شَاءَ الله لِقَولِه عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((يَخرُجَانِ بَعدِي))؛ أي: بَعدَ وفَاتِي، واللهُ أعلمُ.
( الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وصَاحِبُ اليَمَامَةِ: هُو (١٣) مُسَيلِمَةُ بِضَمِّ المِيمِ، وفَتحِ
السِّينِ المُهمَلَةِ، وإسكَانِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحت، وكَسرِ اللام ابنُ ثُمَامَةَ(١٤)،
(١) طمس في (ش).
(٢) في (ك٢، ح): ((وسكون)).
(٣)
في (م): ((وتخرّق)). والمخرق: الكذب، ينظر: شمس العلوم (١٧٥٥/٣).
في (ك٢، ح): ((عالمًا)).
(٤)
(٥) ليست في (ك٢، ح).
(٦) في (ك٢، ح): ((فزوها)).
(٨) في (م): ((ودلتهم)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((مسلوح)).
(١١) وثيمة بن موسى بن الفرات الفارسي الفسوي أبو يزيد، كان أصله من فارس، وخرج
منها إلى البصرة، ثم سافر إلى مصر، وخرج منها إلى الأندلس تاجرًا، وكان يتجر في
الوشى وصنّف كتابًا في أخبار الردة وجوده (ت٢٣٧هـ). ينظر: بغية الملتمس
(ص٤٨٢)، وتاريخ الإسلام (٩٥٩/٥).
(١٢) المفهم (٤٤/٦، ٤٥)، وينظر: البداية والنهاية (٤٢٩/٩).
(١٣) في (ح): ((أبو)).
(١٤) في (ح): ((يمامة)).
(٧) في (ك٢، ح): ((يتوصل)).
(٩) ليست في (ك٢، ح).

الرُّؤْيَا
١٩١
=
يُكَتَّى: أبَا ثُمَامَةَ. وفي ((الصَّحِيحِ)) (١) عن ابنِ عَبَّاسٍ: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الكَذَّابُ على
عَهدِ رسولِ اللهِ بَّهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إن جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأمرَ من بَعدِه تَبِعته،
وقَدِمَهَا في بشر(٢) كَثِيرٍ من قَومِه، فَأَقبَلَ إِلَيه رسولُ اللهِ وَّهِ وَمَعَهُ ثَابِتُ بنُ فَيْسٍ بِنِ
شِمَاسٍ، وفي يَدِ رسولِ اللهِ وَّهِ قِطعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وقَفَ على مُسَيلِمَةَ في
أصحابه، فَقال: (لَو سَألتنِي هَذِهِ القِطعَةَ مَا أعطَيتُكُهَا، (٣ولَن تَعدُو ٣) أمَرَ الله فيك،
ولَئْن(٤) أدبَرتَ لَيَعْقِرِنَّك (٥) اللهُ، وإِنِّي لِرَاكِ الذِي أرِيتُ فيه مَا رَأيتُ، وهذا ثَابِتٌ
يُجِيبُك عَنِّي))، ثُمَّ انصَرَفَ عنْهُ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَسَألتُ عن قَولِ رسولِ اللهِ وَّ:
([الذِي أرِيتُ [٢٧٨/٢و] فيك مَا أرِيتُ))، فَأخبَرَنِي أبو هُرَيْرَةَ أَنَّ رسولَ الله ◌ِّو](٦)
قال: (بَينَا أَنَا نَائِمٌ)) فَذَكَرَ الحديثَ المُتَقَدِّمَ.
قال ابنُ(٧) إسحَاقَ: وكَانَ من شَأنِه أنه (٨) تَنَبَّأ على عَهدِ رسولِ اللهِ وَهُ
سَنَةَ(٩) عَشرٍ، وكَانَ يَشهَدُ ألَّا إِلَهَ إلَّ الله، وأنَّ مُحَمَّدًا (١٠ عَبدُه ورسولُه٠ُ ١)،
ويَزْعُمُ (١١): أنَّهُ شَرِيكٌ مَعَهُ فِي نُبُوتِهِ.
وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ: إِنَّهُ كَانَ قَد تَسَمَّى بِالرَّحمَنِ قَبلَ أن يُولَدَ
عَبدُ الله ابنُ عَبدِ المُطَّلِبِ أبو النبيِ وَّهِ، وأنَّهُ قُتِلَ وهُو ابنُ خَمسِينَ ومِائَةٍ
سَنَةٍ (١٢).
قال سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قال: بِسم الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ،
قالت قُرَيشٌ: إنَّمَا يَعِنِي مُسَيلِمَةَ، وعَظُمَ أمرُ مُسَيلِمَةَ بَعدَ وفَاةِ النبيِنَّه، وأُطبَقَ
عَلَيه أهلُ الْيَمَامَةِ (١٣)، وانضَافَ إلَيه بَشَرٌ كَثِيرٌ من أهلِ الرِّدَّةِ، فَأرسَلَ إلَيهم أبو بَكرٍ
(١) البخاري (٣٦٢٠، ٣٦٢١، ٤٣٧٣، ٤٣٧٤).
(٣ - ٣) في (ك٢، ح): ((وإن بعد)).
(٢) في (م): ((نفر)).
(٥) في (ح): (ليغفرنك)).
(٤)
في (ك٢، ح): ((وإن)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٧) في (ك٢، ح): ((أبو)).
(٩) في (ح): ((ستة)).
(٨) في (م) ((أن)).
(١٠ - ١٠) في (ش): ((رسول الله)). وفي (م): ((عبد الله ورسوله)).
(١١) في (ك٢): ((وزعم)). وفي (ح): ((ونزعم)).
(١٢) ليست في (ش).
(١٣) في (ش): ((الغمامة)).

=
١٩٢
طرح التثريب في شَرحِ التَّقْرِیبِ
الصِّدِّيقُ رَبُ كُتُبًا كَثِيرَةً؛ يَعِظُهُم ويُحَذِّرُهُم، إلى أن بَعَثَ إلَيهم كِتَابًا مَعَ حَبيبٍ بنِ
عَبدِ الله الأنصَارِيِّ، فَقَتَلَهُ مُسَيِمَةُ؛ فَعِندَ ذلك عَزَمَ أبو بَكرٍ على قِتَالِهم
والمسلمُونَ، فَأَمَرَ أبو بَكرٍ خَالِدَ بنَ الولِيدِ، وتَجَهَّزَ النَّاسُ وصَارُوا(١) إلى اليَمَامَةِ،
فَاجْتَمَعَ لِمُسَيِمَةَ (٢) جَيشٌ عَظِيمٌ وخَرَجَ إلى المسلمِينَ، فَالتَّقَوا وكَانَت بَينَهُم
حُرُوبٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، واستُشهدَ فيهَا من قُرَّاءِ القُرآنِ خَلقٌ كَثِيرٌ، حَتَّى خَافَ
أبو بَكرٍ وعُمَرُ أن يَذهَبَ من القُرآنِ شَيءٌ؛ لِكَثرَةِ مَن استشهدَ من القُرَّاءِ، ثُمَّ إنَّ الله
تعالى ثَبَّتَ (٢٢٠/٨م) المسلمِينَ، وقُتِلَ مُسَيلِمَةُ على يَدَي وحشِيٍّ قَاتِلٍ حَمزَةَ،
ورَمَاهُ بِالحَربَةِ التي قَتَلَ بها حَمْزَةَ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْه رَجُلٌ من الأنصَارِ، وهُو
عَبدُ الله بنُ زَيدِ بنِ عَاصِمٍ، فَاحتَزَّ رَأْسَهُ وهَزَمَ اللهُ جَيشَهُ وأهلَكَهُم، وفَتَحَ اللهُ
اليَمَامَةَ، فَدَخَلَهَا خَالِدٌ، واستولى على جَمِيعِ مَا حَوتهُ من النِّسَاءِ والوِلدَانِ
والأموالِ، وأظهَرَ اللهُ الدِّينَ، وجَعَلَ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ(٣).
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قال ابنُ العَرَبي(٤): كَانَ النبي(٥) وَ يَتَوقَّعُ لِمُسَيلِمَةً
والأسودِ، فَأولَ الرُّؤْيَا لَهُمَا؛ لِيَكُونَ ذلك إخرَاجًا لِلمَنَامِ عَلَيهِمَا، ودَفعًا لِحَالِهِمَا،
فَإِنَّ الرُّؤْيَا إذَا عُبِّرَت خَرَجَت. ويَحتَمِلُ أن تَكُونَ بِوحي. والأولُ أقوى(٦). انتَهَى.
(١) في (م): ((فصاروا)).
(٢)
في الأصل: «لمسلمة».
ينظر: السيرة النبوية لابن هشام (٥٧٧/٢)، والمفهم (٣٩/٦ - ٤٢).
(٣)
(٤)
عارضة الأحوذي (١٥٩/٩).
(٥) من (ك٢، ح).
(٦) في (م): ((أقرب)).

الأمثَالُ
١٩٣
الأمثَالُ
الحديثُ الأولُ
عَ و(١) عن هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال أبو القَاسِم ◌َّهِ: ((مَثَلِي
ومَثَلُ الأنبياءِ من قَبِلِّي: كَمَثَلِ رَجُلِ ابْتَنَى بُيُوتًّا فَأَحْسَنَهَا وأكمَّلَهَا وأجمَلَهَا،
إلَّا مَوضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ مِنْ زَوايَّاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بها ويُعجِبُهُم
البُنيَانُ، فَيَقُولُونَ: أَلَا وضَعتَ هَهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمُّ بُنيَانُك. فَقال مُحَمَّدٌ وٍَّ:
فَكُنْتُ أَنَا اللِنَةَ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٢) من هذا الوجه، و(٣) من طَرِيقِ سُفيَانَ بنِ
عُيَيْنَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ (٤)، من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن أبي صَالِحٍ
السَّمَّانِ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ (٢٢١/٨م) العَرَبي(٥): المَثَلُ،
◌ِفَتحِ المِيمِ والنَّاءِ: عِبَارَةٌ عن تَشَابُهُ المَعَانِي المَعقُولَةِ. والمِثلُ بِكَسرِ المِیمِ وإِسكّانِ
الثَّاءِ: عِبَارَةٌ عن تَشَابُه الأشخَاصِ المَحسُوسَةِ، ويَدْخُلُ أحَدُهُمَا على الآخَرِ.
(١) من (ك٢، ح).
(٣)
ليس في: الأصل، (م).
البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦/ ٢٢).
(٤)
(٥) عارضة الأحوذي (٢٩٥/١٠).
(٢) مسلم (٢٠/٢٢٨٦).

=
١٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: فيه ضَربُ الأمثَالِ لِلتَّقْرِيبِ لِلإفهَامِ، ومَقصُودُ هذا المَثَلِ: بَيَانُ
أنَّ اللهَ تعالى خَتَمَ به الأنبياءَ والمُرسَلِينَ، وتَمَّمَ به مَا سَبَقَ في عِلمِه إظهَارُهُ(١) من
مَكَّارِمِ الأخلاقِ وشَرَائعِ الدِّينِ (٢).
فَإِن قُلتَ: مُقْتَضَى (٣) هذا التَّشبيه أنَّ الأمرَ كَانَ بِدُونِهِ نَاقِصًا؟
قُلتُ: هُو كذلك بِالنِّسَبَةِ [٢٧٨/٢ظ] إلى مَجمُوعِ الشَّرَائع، وكَم حِكْمَةٍ (٤)
ولَطِيفَةٍ وذِكرٍ وغَيبٍ لَم يُعلَم إلَّا على لِسَانِ نَبِينَا لَهَ، فَكُلُّ شَرِيعَةٍ على حِدَتِهَا
كَامِلَةٌ بِالنِّسَبَةِ إلى المُكَلَّفينَ بها، فَإِذَا نَظَرتَ إلى مَجمُوعِ مَا كَلَّفَ اللهُ تعالى به(٥)
عِبَادَهُ من أمرِ الدِّينِ، ومَا أظهَرَهُ من عَجَائبِ مَلَكُوتِه على أيدِي المُرسَلِينَ، ومَا
أطلَعَهُم عَلَيه من الغُيُوبِ، ومَا ألهَمَهُم إِيَّاهُ من الذِّكرِ الذي تَطْهُرُ(٦) به القُلُوبُ،
وجَدتَ ذلك لَم يَكمُل إلَّا بِمَا ظَهَرَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ على لِسَانِ هذا النبي الكَرِيمِ،
عَلَيهِ أفضَلُ الصَّلَاةِ والتَّسلِيمِ .
الزَّابِعَةُ: اللِنَةُ(٧): الظُّوبَةُ التي يُبنَى بها، وفِيهَا لُغَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا (٨): فَتحُ اللامِ وكَسرِ البَاءِ، وجَمعُهَا لَبِنٌ؛ بِإِسقَاطِ الهَاءِ كَنَبقَةٍ
ونَبِقٍ .
الثَّانِيَةُ: كَسرُ اللام وسُكُونُ البَاءِ، وجَمِعُهَا لِبَنٌّ بِكَسرِ اللامِ وفَتحِ البَاءِ
كَسِدْرَةٍ وسِدرٍ. ذَكَرَهُ(٩) القَاضِي عِيَاضٌ، وأبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٠).
(٢) المفهم (٨٨/٦).
(١) في (ك٢، ح): ((الطهارة)).
(٣)
في (م): ((يقتضي)).
(٤)
في (ك٢، ح): ((حكم)).
(٥)
ليس في: (ك٢).
(٦)
في (ك٢، ح): ((تطهرت)).
ينظر: العين للخليل (٣٢٧/٨)، إصلاح المنطق (ص١٢٨)، والصحاح (٢١٩٢/٦).
(٧)
(٨) في (ك٢، ح): («أحدهما)).
(٩) في (م): ((ذكرها)).
(١٠) إكمال المعلم (٢٥٤/٧)، والمفهم (٨٧/٦، ٨٨).

الأمثَالُ
١٩٥
=
قُلتُ: وفيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، وهيَ فَتحُ اللامِ وإسكَانُ البَاءِ كَنَظَائِهَا.
وقَد ذَكَرَها (١) النَّوِيُّ(٢).
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((أَلََّ))، بِالتَّشدِيدِ لِلتَّحضِيضِ.
وقَولُهُ: ((وضَعتَ))، بِفَتحِ التَّاءِ على إسنَادِ الفِعلِ لِلمُخَاطَبِ، بِدَلِيلٍ قَولِه:
((فَيَتِمُّ بُنيَانُك)).
[وَيَكُونُ قَولُهُ: ((لَِنَةً)(٣)، مَنصُوبًا على المَفعُولِيَّةِ، وقَولُهُ: ((فَيَتِمُّ)) بِفَتحِ اليَاءِ
المُثَنَّةِ من تَحتٍ. وقَولُهُ: (بُنيَانُك))](٤) مَرفُوعٌ على الفَاعِلِيَّةِ، كَذَا رَوينَاهُ وضَبَطْنَاهُ،
واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: قال أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبي(٥): إذَا تَأْمَّلَ المُتَفَطِّنُ هذا الحديثَ،
رَأى أنَّ قَدَرَ النبيِ نَّهَ في الأنبياءِ أعظَمُ وأكرَمُ من لَبِنَةٍ (٦ في حائطٍ ٦)، والحديثُ
صَحِيحٌ.
ومَعنَاهُ، واللهُ أعلمُ: أنَّ اللبِنَةَ كَانَت من الأُسِّ، ولَولَا هَذِه اللبِنَةُ في هذا
الأُسِّ لَانقَاضَ (٧) المَنزِلُ؛ لِأَنَّهَا القَاعِدَةُ والمَقصُودُ(٨)، والله أعلم.
(١) في (ك٢، ح): ((ذكره).
شرح النووي على مسلم (٥١/١٥، ٥٢).
(٢)
(٣)
لیس في: (ك٢، ح).
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤)
(٥) عارضة الأحوذي (٣٠١/١٠، ٣٠٢).
(٦ - ٦) ليس في: الأصل، (م).
(٧) في (م): ((لا نقض)). وهو موافق لما في العارضة.
(٨) هذا إن كان منقولًا فهو حسن، وإلا فليس بلازم. نعم، ظاهر السياق: أن تكون اللبنةُ
في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية همام عند مسلم
(٢١/٢٢٦٨): ((إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ مِن زَوَايَاهَا))، فيظهر أن المراد أنها مكملة
محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصًا، وليس كذلك؛ فإن شريعة كل
نبي بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا: النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع
ما مضى من الشرائع الكاملة. قاله في الفتح (٥٥٩/٦).

١٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
(٢٢٢/٨م) الحديثُ الثَّانِي
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلِ استَوقَدَ نَارًا،
فَلَمَّا أَضَاءَتِ مَا حَولَهُ: جَعَلَ الفَرَاشُ وهَذِهِ الدَّوابُّ التي يَقَعنَ في النَّارِ
يَقَعنَ فِيهَا، وجَعَلَ يَحِجِزُهُنَّ ويَغْلِينَهُ يَتَقَخَّمنَ. قال: فَذَلِكُم مَثَلِي ومَثَلُكُم،
أَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُم عن النَّارِ: هَلُمَّ عن النَّارِ، هَلُمَّ عن الثَّارِ، (١ هَلُمَّ عن
النَّار١ِ)؛ فَتَغْلِيونِي تَقَخَّمُونَ(٢) فيهَا)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٣)، من هذا الوجه. واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ
والترمذيُ(٤)، من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
، الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((استَوقَدَ نَارًا))؛ أي: أوقَدَهَا، والسِّينُ والتَّاءُ زَائِدَتَانِ.
■ الثَّالِثَةُ: ((الفَرَاشُ))، بِفَتحِ الفَاءِ. قال المَازَرِي(٥): قال الفَرَّاءُ(٦): هُو
غَوِغَاءُ الجَرَادِ الذي يَفتَرِشُ ويَتَرَاكَمُ(٧). وقال غَيرُهُ(٨): الفَرَاشُ(٩) الذي يَتَسَاقَطُ
في النَّارِ والسِّرَاجِ.
(١ - ١) ليس في: (ك٢، ح). وأشار محققو المسند إلى اختلاف النسخ في هذا. ينظر:
المسند (٤٧٦/١٣) ح (٨١١٧) - ط. الرسالة. وسيأتي في الفائدة السابعة من هذا
الحديث بيان أن رواية المصنف: تكرارها ثلاثًا .
(٢) في الأصل، (م): ((تقتحمون)). وأشار صاحب تحفة الأحوذي (١٧٥/٨): أنها من باب
التفعل .
(٣) مسلم (١٨/٢٢٨٤).
البخاري (٣٤٢٦، ٦٤٨٣)، ومسلم (١٧/٢٢٨٤)، والترمذي (٢٨٧٤).
(٤)
المعلم بفوائد مسلم (٣٠٢/٢).
(٥)
معاني القرآن للفراء (٢٨٦/٣).
(٦)
في الإكمال والمفهم: ((ويتراكب)».
(٧)
هو قول قتادة وغيره. وينظر: تفسير الطبري (٥٩٣/٢٤)، والبحر المحيط لأبي حيان
(٨)
(٥٠٤/٨).
(٩) من (ك٢، ح).

الأمثَالُ
١٩٧
=
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(١): قال الخَلِيلُ(٢): هُو الذي يَطِيرُ(٣) كَالْبَعُوضِ. وقال
غَيْرُهُ(٤): مَا نَرَاهُ(٥) (٦ ◌َصِغَارِ البَق٦ِّ) يَتَهَافَتُ في النَّارِ. واقتَصَرَ النَّوِيُّ(٧) على نَقلِ
مَا ذَكَرَهُ القَاضِي.
واقتَصَرَ القُرطُبي على نَقلِ مَا ذَكَرَهُ المَازَرِي، ثُمَّ قال: إنَّ الثَّانِيَ أشبَهُ بِمَا
في الحديثِ.
قُلتُ: وهُو الذي ذَكَرَهُ صَاحِبًا ((الصِّحَاحِ)) و (النِّهَايَةِ)(٨).
و(٩) قال في ((المُحكَم))(١٠): الفَرَاشُ (١١): دَوابُّ مِثلُ البَعُوضِ، واحِدَتُهَا
فَرَاشَةٌ، والفَرَاشَةُ: الخَفيفُ الطََّّاشُ من الرِّجَالِ (١٢). انتَهَى.
الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: (يَتَقَخَّمنَ))، (١٣ بياءٍ مُثَنَّاةٍ من تَحتٍ، ثُمَّ تَاء١٣ٍ) مُثَنَّاةٍ من
فَوقٍ، ثُمَّ قَافٍ مَفتُوحَةٍ، ثُمَّ حَاءٍ مُهمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَذَّدَةٍ.
والتَّقَخُّمُ: الإقدَامُ والوُقُوعُ في الأمُورِ الشَّاقَّةِ، من غَيرِ تَنَبُّتٍ ولَا تَرَوِّ (١٤).
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُم))، قال النَّووِيُّ(١٥): رُوِيَ بِوجهَينِ:
أحَدُهُمَا: اسمُ (٢٢٣/٨م) فَاعِلٍ بِكُسرِ الخَاءِ وَتَنِينِ الذَّالِ.
والثَّانِي: فِعلٌ مُضَارِعٌ بِضَمِّ الخَاءِ بِلَا تَنوِينٍ، والأولُ أشهَرُ، وَهُمَا
صَحِيحَانِ.
(١) إكمال المعلم (٢٥٣/٧).
(٢) ينظر: معجم العين (٢٥٥/٦ - ٢٥٦). (٣) في (ك٢، ح): ((يظهر)).
الزجاج في معاني القرآن وإعرابه (٣٥٥/٥). وينظر: تهذيب اللغة (٢٣٧/١١).
(٤)
(٥)
في (ح): ((يراه)).
(٦ - ٦) في (ح): ((الصغار أليق)).
شرح النووي على مسلم (٥٠/١٥، والمفهم (٨٦/٦).
(٧)
(٨)
الصحاح (١٠١٥/٣)، والنهاية (٤٣٠/٣، ٤٣١).
(٩) ليس في: (ك٢، ح).
(١١) في (ح): فراش)).
(١٣ - ١٣) مكانها في (ك٢، ح): ((بتاء).
(١٤) إكمال المعلم (٢٥٣/٧)، والمفهم (٨٦/٦).
(١٥) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٠).
(١٠) المحكم لابن سيده (٥١/٨).
(١٢) في (ك٢، ح): ((الرجل)).

١٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((بِحُجَزِكُمْ))، بِضَمِّ الحَاءِ المُهمَلَةِ وفَتحِ الچِيمِ، جَمعُ
حُجِزَةٍ: بِضَمِّ الحَاءِ وإسكَانِ الجِيمِ، وهيَ مَعقِدُ الإزَارِ والسَّرَاوِيلِ، يُقَالُ:
(١ تَحَاجَزَ القَوم١ُ): أخَذَ بَعضُهُم بِحُجْزَةِ بَعضٍ (٢)، وإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ إمسَاكَ مَن
يَخَافُ سُقُوطَهُ أَخَذَ(٣) بِذلك المَوضِعِ منهُ.
■ السَّابِعَةُ: [٢٧٩/٢و] قَولُهُ: ((هَلُمَّ))، بِفَتحِ الهَاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتحِ المِيمِ
وتشدیدِهَا .
قال في ((الصِّحَاحِ))(٤): هُو بِمَعنَى تَعَالَ، قال الخَلِيلُ(٥): أصلُهُ: ((لُمَ))، من
قَولِهِم: ((لَمَّ اللهُ شَعَتَهُ))؛ أي: جَمَعَهُ، كَأنَّهُ أَرَادَ: لُمَّ نَفسَك إلَيْنَا؛ أي (٦): اقرُب،
و((هَا)) لِلتَّنبيه، وإنَّمَا حُذِفَت ألِفُهَا لِكَثْرَةِ الاِستِعمَالِ، وجُعِلَاً اسمًا واحِدًا يَستَوِي
فيه الواحِدُ والجمعُ والتَّأنِيثُ في لُغَةِ أهلِ الحِجَازِ (٧)، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَآيِينَ
◌ِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وأهلُ نَجدٍ يَصرِفُونَهَا، فَيَقُولُونَ لِلإِثْنَينِ: هَلُمَّا،
ولِلجَمعِ (٨): هَلُمُّوا، ولِلمَرأةِ(٩): هَلُمِّي، [وللنساء هَلمُمْنَ(١٠)، والأولُ أفصح.
ثم قال: وإذا أدخلت عليه النون الثقيلة قُلتَ: هَلُمَّنَّ يا رجلٌ، وللمرأة
هَلُمِن (١١)](١٢) بِكَسرِ المِيم، وفي التَّنِيَةِ: هَلُمَّانٌ(١٣): لِلمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ جَمِيعًا،
وهَلِمُنَّ(١٤) يَا رِجَالُ، بِضَمِّ المِيمِ. وهَلمُمنَانٌ (١٥) يَا نِسوةُ.
وحُكِيَ في ((المُحكَم)) (١٦) عن سِيبَويه(١٧): أنَّهُ لَا تَدخُلُ الُّونُ الخَفِيفَةُ ولَا
الثَّقِيلَةُ عَلَيهَا؛ لِأَنَّهَا لَيسَت بِفِعلٍ، وإنَّمَا هِيَ اسمُ فِعلٍ.
(١ - ١) في (ك٢، ح): ((التحاجز)).
(٣) في (م): ((أخذه)).
(٥) ينظر: معجم العين (٥٦/٤).
(٧)
ينظر: المقتضب للمبرد (٢٥/٣)، والخصائص (٣٨/٣).
(٨) في الأصل، (ك٢): ((وللجميع)).
(١٠) في الأصل: ((هلمن).
(١٢) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(١٤) في (م): ((وهلممن)).
(١٦) المحكم لابن سيده (٣٢٨/٤).
(٢) ليس في: (ح). ينظر: المفهم (٨٦/٦).
(٤) الصحاح (٢٠٦٠/٥، ٢٠٦١).
(٦) ليس في: (ك٢، ح).
(٩) في (ك٢، ح): ((ذلكم أو)).
(١١) في (ك٢، ح): ((هلممن)).
(١٣) في الأصل، (م): ((هلما)).
(١٥) في (ح): ((هلممان)).
(١٧) الكتاب لسيبويه (٢٥٢/١، ٢٤٨).

الأمثَالُ
١٩٩
=
قال: يُرِيدُ أنَّ النُّونَ إِنَّمَا تَدخُلُ الأَفْعَالَ دُونَ الأسمَاءِ.
وأمَّا في لُغَةِ بَنِي تَمِيم: فَتَدخُلُهَا الخَفِيفَةُ والثَّقِيلَةُ؛ لِأَنَّهُم قَد (١) أجرَوهَا
مَجَرَى الفِعلِ .
وقال في ((المُحكَم))، قَبلَ ذلك: وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَركِيبيّةٌ(٢) من ((هَا)) التي
لِلتَّنبيه(٣) ومن ((لُمَّ))، ولَكِنَّهَا قَد استُعمِلَت استِعمَالَ الكَلِمَةِ المُفْرَدَةِ والبَسِيطَةِ.
انتَھی .
وقَولُهُ في الحديثِ: ((هَلُمَّ عن الثَّارِ)»، مَعمُولٌ لِقَولٍ مَحذُوفٍ تَقدِيرُهُ:
قَائِلٌ(٤): هَلُمَّ عن النَّارِ. وقَد كَرَّرَ هَذِه اللفظَةَ فِي رِوايَتِنَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ(٥)، واقتَصَرَ
في رِوايَةٍ مسلم (٦ من هذا الوجه٦) على مَرَّةٍ واحِدَةٍ.
( الثَّامنةُ: قال النَّووِيُّ(٧): مَقصُودُ الحديثِ: أنَّهُ وَّرْ شَبَّهَ تَسَاقُطَ
الجَاهِلِينَ والمُخَالِفِينَ، بِمَعَاصِيهم وشَهَواتِهم في نَارِ الآخِرَةِ وحِرصِهم على الوُقُوعِ
في ذلك، مَعَ مَنعِه إِيَّاهُم وقَبضِه على مَواضِعِ المَنعِ منهُم، بِتَسَاقُطِ الفَرَاشِ فِي نَارٍ
الدُّنيَا لِهَواهُ وضَعفِ تَميِيزِهِ. فَكِلَاهُمَا حَرِيصٌ على هَلَاكِ نَفسِه سَاعٍ في ذلك
بِجَهلِه .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٨): وهُو مَثَلٌ لِاجتِهَادِ نَبينَا بَّهَ فِي نَجَاتِنَا وحِرصِه
على تَخلِيصِنَا من الهلَكَاتِ(٩) التي بَيْنَ أيدِينَا، و(١٠) لِجَهلِنَا بِقَدرِ ذلك وغَلَبَةِ
شَهَواتِنَا عَلَيْنَا .
وقال القَاضِي أبو بَكرٍ (٢٢٤/٨م) ابنُ العَرَبي (١١): هذا مَثَلٌ غَرِيبٌ، كَثِيرُ
المَعَانِي، المَقصُودُ منهُ: أَنَّ اللهَ ضَرَبَ مَثَلًا لِجَهَنَّمَ وَمَا رُكِّبَ من الشَّهَواتِ
(١) ليس في: (ك٢، ح).
(٣)
في (ح): ((التثنية)).
(٥) في (ك٢، ح): ((تأكيد)).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٠).
(٨) المفهم (٨٧/٦).
(٩) في (م): ((المهلكات)).
(١١) عارضة الأحوذي (٣٢٥/١٠)، بنحوه.
(٢) في (م): ((مركبة)).
(٤) في (م): ((قائلًا)) .
(٦ - ٦) ليس في: (ح).
(١٠) ليس في: (م).

=
٢٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
المُستَدعِيَةِ لَهَا، المُقْتَضِيَةِ لِلدُّخُولِ فِيهَا، ومَا نَهَى عنها، وتَوَّدَ عَلَيهَا وأنذَرَهَا،
وذَكَّرَ بذلك(١) فِيهَا، ثُمَّ(٢) تَغْلِبُ الشَّهَواتُ على النَّقَتُم بِاسمِ أَنَّهَا مَصَالِحُ ومَنَافِعُ،
وهيَ نُكتَةُ الأمثَالِ؛ فَإِنَّ الخَلقَ لَا يَأْتُونَ ذلك على قَصَدِ الْهَلَكَةِ، وإنَّمَا يَأْتُونَهُ(٣)
بِسمِ النَّجَاةِ والمَنفَعَةِ؛ كَالفَرَاشِ يَقْتَحِمُ الضِّيَاءَ لَيْسَ لِتَهِلِكَ فيه، ولَكِنَّهَا تَأْنَسُ به.
وهيَ لَا تُبْصِرُ (٤) بِحَالٍ (٥)، حَتَّى قال بَعضُهُم: إِنَّهَا فِي ظُلمَةٍ، فَتَعتَقِدُ أنَّ الضِّيَاءَ
كُوةٌ (٧ يُستَظهرُ(٦) فيهَا النُّور٧ُ)؛ فَتَقصِدُهَا لِأَجَلِ ذلك، فَتَحتَرِقُ وهيَ لَا تَشْعُرُ،
وذلك هُو الغَالِبُ من أحوالِ الخَلقِ أو كُلُّهُ. انتَهَى، والله أعلم.
(١) في الأصل، (م): ((ذلك)).
(٣) في (م): ((يأتون)).
(٢) ليس في: (ك٢، ح).
(٤) في (م): ((تصبر)).
(٥) بعده في فتح الباري (٤٦٤/٦): ((وهو بعيدٌ)). وينظر: عمدة القاري (١٧/١٦).
(٦) في (م): ((فتستظهر)).
(٧ - ٧) في العارضة: ((يستطير منها النور)). وفي الفتح: ((يظهر منها النور)).