Indexed OCR Text

Pages 121-140

العُجبُ والكِبرُ والتَّواضُع
١٢١
=
وخِدمَةِ نَفسِه. أما خِدمَةُ أهلِه في الحَاجَاتِ المُختَصَّةِ بِهِنَّ فَهو غَيرُ مُرَادٍ من(١)
الحديثِ فيما يَظهَرُ، ولا يُمكِنُ أَمَّهاتُ(٢) المُؤمنينَ رَضِيَ الله عنهنَّ السُّكُوتُ
عن(٣) ذلك والمُوافَقَةُ عليه.
وقَد رجحَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ (٤) في الزَّوجَةِ التي يَجِبُ إخدَامُها أنَّ الَّوجَ لَو
قال: أنَا أخذُمُها لِتَسقُطَ مُؤنَةُ الخَادِمِ عني لَيْسَ لَه ذلك.
وعَلَّلُوه: بِأَنَّها تَستَحِي منه وتُعَيِّرُ بِهِ.
وقال بَعضُ أصحَابِنَا: لَه ذلك، وبِه قال أبو إسحاقَ المَروزِيُّ، واختَارَه
الشَّيخُ أبو حَامِدٍ. وقال القَقَّالُ وغَيرُه: لَه ذلك فيما لَا يُستَحَى(٥) منه؛ كغَسلِ
الثَّوبِ(٦)، واستِقَاءٍ (٧) الماءِ، وكَنسِ البَيتِ، والطّبخِ دُونَ ما يَرجِعُ إلى خِدمَتِها؛
كصَبِّ الماءِ على يَدِها (٨) وحَملِه إلى المُستَحَمِّ. انتَهَى.
فَإِذَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا(٩) في الآحَادِ، فَكَيفَ في حَقِّ وََّ؟
وفي ((الشَّمائلِ))(١٠) لِأبي الحَسَنِ ابن (١١) الضَّحَّاكِ(١٢) عن أبي سَعِيدٍ
الخُدرِيِّ رَّهِ فِي صِفَتِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: مُتَواضِحٌ في غَيرِ مَذَلَّةٍ(١٣).
(١) في (م): ((في)).
(٣)
في (٢٥، ح، ش): ((على)).
(٥)
في (ش): ((تستحي)).
(٦)
لیس في: (ك٢، ح).
في (ك٢، ح): ((استقائه)).
(٧)
في (ش): ((يديها)).
(٨)
(٩) في (ك٢، ح، ش): ((ذلك)).
(١٠) اسمه: الشمائل بالنور الساطع الكامل. ينظر: معجم المؤلفين (٧/ ١٧٧).
(١١) ليس في: (م).
(٢) في (م): ((لأمهات)).
(٤) ينظر: روضة الطالبين (٤٥٤/٦).
(١٢) علي بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الضحاك الفزاري (ت٥٧٥هـ) قال
ابن فرحون: له شمائل النبي ◌َ ل* سفران كبيران. ينظر: التكملة لكتاب الصلة (١٩٥/٣)،
وتاريخ الإسلام (٥١/١٢)، والديباج المذهب (١١٥/٢ - ١١٦).
(١٣) عزاه العراقي لأبي الحسن بن الضحاك في الشمائل، وضعف إسناده. ينظر: تخريج
أحاديث إحياء علوم الدين (١٣٩٧/٣) ط.دار العاصمة.

=
١٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال ابنُ بَطَّالٍ (١): وفيه أنَّ الأئمّةَ والعُلَماءَ يَتَنَاولُونَ خِدمَةَ أمُورِهم بِأَنفُسِهم،
وأنَّ(٢) ذلك من فِعلِ الصَّالِحِينَ.
■ الخَامِسَةُ: بَوّبَ عليه البخاريُّ في ((صَحِيحِه)): مَن كَانَ في حَاجَةِ أهلِه
فَأَقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرج.
قال ابنُ بَطَّالٍ (٣): لَمَا لَم يَذكُر في هَذَا الحديثِ أَنَّه أَزَاحَ عن نَفسِه هَيئَةَ
مِهِنَته(٤)، دَلَّ على أنَّ المَرءَ لَه أن يُصَلِّيَ (° مُشَمِّرًا، وكَيف٥َ) كَانَ من حَالَاتِه؛ لِأَنَّه
إنَّما يُكرَه لَه التَّشمِيرُ (٦)، وكَفُّ (٧) الشَّعرِ، والغِّيَابِ إِذَا كَانَ يَقصِدُ بذلك (٨)
الصَّلَاة(٩). وكذلك(١٠) قال مالِكٌ تَقُ: إنَّه لَا بَأسَ أن يَقُومَ إلى (١٨٢/٨م)
الصَّلَاةِ على هَيئَةٍ جُلُوسِه وبِذَلَتِهِ.
قُلتُ: لَيسَ في الحديثِ أَنَّه كَانَ يَخرُجُ إلى الصَّلَاةِ بِهَيئَتِهِ التي كَانَ عليها،
وإنَّما مَقصُودُها: أنَّه لَا يَقطَعُه عن عَمَلِه، ويُخرِجُه من (١١ بَيتِهِ إلَّا ١١) الصَّلَاةُ التي
هيَ أهَمُّ الأمُورِ، والله أعلمُ.
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٩٧/٢).
(١)
(٢) في الأصل: ((فإن)).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٩٦/٢، ٢٩٧).
(٣)
(٤) في (م): ((مهنة)).
(٥ - ٥) في (ك٢، ح): ((مستمرًا ولقد)).
(٦) في (ك٢، ح): ((التسمين)).
(٧) في (ك٢، ح): ((وكشف)).
(٨) في (م): ((ذلك)).
(٩) في (م): ((للصلاة)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((ولذلك)).
(١١ - ١١) في (ك٢، ح): ((الأول إلى)).

الطِّبُّ والرُّقَى
كجم
١٢٣
الطِّبُّ والرُّقَى
الحديثُ الأولُ
جَ عن بُرَيدَةَ، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((عَلَيْكُم بهذِهِ الحَبَّةِ
السَّوْدَاءِ، وهيَ الشُّونِزُ؛ فَإِنَّ فيهَا شِفَاءً)). رَواهُ أحمَدُ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: لَم يُخَرِّج أحَدٌ من أصحَابِ الكُتُبِ السَِّّةِ حَدِيثَ بُرَيدَةَ، فَلِذلك
اقتَصَرَ المصنف(١) تَخْتُ على عَزوِهِ لِرِوايَةِ الإمَامِ أحمَدَ كَذُّهُ(٢).
وقَد اتَّفَقَ الشيخانِ، وابنُ مَاجَه(٣): على إخرَاجِ هذا المَتنِ من حَدِيثٍ
الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ كِلَاهُمَا عن
أبي هُرَيرَةَ، بِلَفِظِ: ((إنَّ في الحَبَّةِ السَّودَاءِ شِفَاءً من كُلِّ دَاءٍ إِلَّ السَّامَ، والسَّامُ
المَوتُ، والحَبَّةُ السَّودَاءُ الشُّونِيزُ))، لَفِظُ مسلم. وفي رِوايَةِ البخاريِّ(٤) بَيَانُ أنَّ
قَولَهُ: ((والسَّامُ المَوتُ)) إلى آخِرِه، من كَلَامِ الزُّهَرِيِّ(٥).
وأخرَجَهُ مسلمٌ، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ وحدَهُ.
ومسلمٌ، والترمذيُّ، والنسائيُّ (٧) من طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ وحدَهُ.
(١) ليس في: الأصل، (م).
(٢) أحمد (٣٤٦/٥).
(٣)
البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٨٨/٢٢١٥)، وابن ماجه (٣٤٤٧).
(٤)
في (ش): ((البخاري)).
ينظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (٥٥/٣).
(٥)
(٦)
مسلم (٨٨/٢٢١٥م)، والنسائي في الكبرى (٧٥٧٩).
(٧) مسلم (٨٨/٢٢١٥م)، والترمذي (٢٠٤١)، والنسائي في الكبرى (٧٥٧٨).

==
١٢٤
M
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ومسلمٌ(١) أيضًا من طَرِيقِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ.
ورَواهُ مسلمٌ [٢٦٦/٢و]، وابنُ مَاجَه (٢) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ أبي عَتِيقٍ، عن
عَائِشَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: فيه أنَّ الحَبَّةَ السَّودَاءَ هيَ الشُّونِيزُ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ: وهُو الأشھَرُ.
وقال النَّوِيُّ: هُو الصَّوابُ المَشهُورُ، الذي ذَكَرَهُ الجُمهُورُ(٣).
قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): وذَكَرَ الحَربي، عن (١٨٣/٨م) الحَسَنُ: أنَّهَا
الخَردَلُ.
وحَكَى الهَرَوِيُّ عن غَيرِهِ: أنَّهَا الحَبَّةُ الخَضرَاءُ.
قال: والعَرَبُ تُسَمِّي الأخضَرَ أسودَ، والأسودَ أخضَرَ، والحَبَّةُ الخَضرَاءُ
ثَمَرَةُ الْبُطم؛ أي: بِضَمِّ البَاءِ المُوخَّدَةِ، وإسكَانِ الطَّاءِ المُهمَلَةِ.
قال: وهُو شَجَرُ الضّروُ(٥).
قُلت: هُو بِكَسرِ الضَّادِ المُعجَمَةِ وإسكَانِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ وآخِرُهُ واوٌ.
قال في ((الصِّحَاحِ))(٦): هُو صَمِغُ شَجَرَةٍ، تُدعَى الكِمكَامُ تُجلَبُ من الْيَمَنِ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٧): أولى مَا قِيلَ فِيهَا: إنَّهَا الشُّونِيزُ، لِوجهَينِ:
أحَدُهُمَا: أنَّهُ المَذكُورُ في الحدیثِ.
وثَانِيهمَا: أنَّهُ أكثَرُ مَنَافِعَ من الخَردَلِ وحَبِّ الضِّروِ، فَتَعَيَّنَ (٨) أن يَكُونَ هُو
المُرَادُ بِالحديثِ، إذ مَقصُودُهُ الإخبَارُ بِأكثَرِيَّةِ فَوائِدِهِ ومَنَافِعِه.
(١) مسلم (٨٩/٢٢١٥).
ابن ماجه (٣٤٤٩)، والحديث ليس في مسلم من هذا الطريق، إنما هو في البخاري
(٢)
(٥٦٨٧)، وينظر: تحفة الأشراف (٤٦٣/١١ (١٦٢٦٨).
إكمال المعلم (١١١/٧، ١٢٠)، وشرح النووي على مسلم (٢٠١/١٤).
(٣)
(٤)
إكمال المعلم (١٢٠/٧)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٢٠١/١٤، ٢٠٢).
(٥)
ينظر: غريب ابن الجوزي (٥٠٦/١)، والنهاية (٤١٩/٢)، ومشارق الأنوار (٢٣٠/٢).
(٦)
الصحاح للجوهري (٢٤٠٨/٦).
في (م): ((متعين)).
(٨)
(٧) المفهم (٦٠٥/٥).

الطِّبُّ والرُّقَى
١٢٥
-
■ الثَّالِثَةُ: ((الشُّونِيزُ))، بِضَمِّ الشِّينِ المُعجَمَةِ، وإسكانِ الواوِ، وکَسرِ
الُّونِ، وإسكَانِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ، وآخِرُهُ زَايٌ مُعجَمَةٌ، كَذَا ضَبَطْنَاهُ ورَويِنَاهُ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١): قَيَّدَهُ بَعضُ مَشَابِخِنَا بِفَتحِ الشِّينِ. وقال غَيرُهُ:
بِالضَّمِّ.
وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٢)، عن ابنِ الأعرابي، أنَّهُ قال(٣): هُو الشَّينِيزُ؛
أي: بياءٍ بَعدَ الشِّينِ بَدَلَ الواوٍ. وقال: كَذَا تَقُولُهُ العَرَبُ.
قال القَاضِي (٤): ورَأيت غَيْرَهُ قالهُ الشُّونِيزُ.
قُلتُ: هيَ كَلِمَةٌ أعجَمِيَّةٌ، (° وشَأنُ العَرَبِ عِند٥َ) النُّطْقِ بِمِثْلِهَا التَّلَاعُبُ بها،
وإِيرَادُهَا كَيفَ اتَّفَقَ.
■ الزَّابِعَةُ: فيه الحَضُّ على استِعمَالِ الحَبَّةِ السَّودَاءِ، وأنَّ فيهَا شِفَاءً.
قال القَاضِي عِيَاضٌ (٦): ذَكَرَ الأطِبَّاءُ(٧) في مَنفَعَةِ الحَبَّةِ السَّودَاءِ التي هيَ
الشُّونِيزُ أشياءَ كَثِيرَةً وخَواصَّ عَجِيبَةً، يُصَدِّقُهَا قَولُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ فيهَا .
فَذَكَرَ جَالِينُوسُ: أنَّهَا تَحُلُّ النَّفْخَ، وتَقْتُلُ دِيدَانَ البَطنِ إِذَا أُكِلَت، أو وُضِعَت على
البَطنِ، وتَنْفي الزُّكَامَ إِذَا قُلِيَت وصُرَّت في خِرقَةٍ وشُمَّت، وتُزِيلُ العِلَّةَ التي يَنْقَشِرُ
منهَا الجِلدُ، وتَقلَعُ الثآليل المُتَعَلِّقَةَ، والمُنَكَّسَةَ، والخِيلَانَ(٨)، وتُدِرُّ الظَّمثَ(٩)
المُنحَبِسَ؛ إذَا كَانَ انحِبَاسُهُ من أخلاطٍ غَلِيظَةٍ لَزِجَةٍ، وتَنفَعُ الصُّدَاعَ إذَا طُلِيَ بها
(١) المفهم (٦٠٦/٥).
(٢) إكمال المعلم (٧/ ١٢٠، ١٢١).
(٣) تهذيب اللغة (٢٥/١٣)، واللسان (٢٢٧/٣). ونسبه ابن منظور أيضًا في موضع آخر
(٣٦٢/٥) لأبي حنيفة الدينوري، وينظر: تاج العروس (١٨١/١٥).
(٤) إكمال المعلم (٧/ ١٢٠، ١٢١).
(٥) ليس في: (ك٢، ح).
(٦) إكمال المعلم (١١٨/٧، ١١٩).
(٧) ينظر: القانون لابن سينا (٦٧٧/١)، والجامع لمفردات الأدوية لابن البيطار (٤٣٣/١ -
٤٣٤)، والطب النبوي لابن القيم ص(٢٤٧).
(٨) في (م): ((والحبلان)). والخيلان جمع خال، وهي بثرة في الوجه تضرب إلى السواد.
ينظر: تهذيب اللغة (٢٢٨/٧).
(٩) في (م): ((الطمس)).

=
١٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الجَبينُ، وتَقلَعُ البُغُورَ والجَرَبَ، وتُحَلِّلُ الأورَامَ البَلغَمِيَّةَ، إذَا تُضُمِّدَ بها مَعَ
الخَلِّ، وتَنفَعُ من المَاءِ العَارِضِ في العَينِ، إِذَا استَعَطَ(١) بها مَسحُوقَهُ بِدُهنٍ
الإبِرِشَاءِ(٢)، وتَنفَعُ من انصبابٍ(٣) النَّفَسِ، ويُتَمَضمَضُ بها (٤) من وجَعِ الأسنَانِ،
وتُدِرُّ الْبَولَ واللبَنَ، وتَنفَعُ من نَهِشَةِ الرُّتِيلَا(٥)، وإذَا بُخِّرَ بها طَرَدَتِ الهَواءَّ.
قال القَاضِي (٦): وقال غَيْرُ جَالِينُوسَ: خَاصِّيَّتُهَا إذهَابُ حُمَّى الْبَلَغَم والسَّودَاءِ،
وتَقتُلُ حَبَّ القَرَعِ، وإِذَا عُلِّقَت في عُنُقِ المَزْكُومِ نَفَعَتْهُ وتَنفَعُ من حُمَّى الرِّبْعِ(٧).
(١٨٤/٨م) ■ الخَامِسَةُ(٨): أطلَقَ في حَدِيثِ بُرَيدَةَ: ((أنَّ فيهَا شِفَاءً)). وقال
فِي حَدِيثٍ أبي هُرَيْرَةَ: ((من كُلِّ(٩) دَاءٍ إِلَّ السَّامَ)).
واختَلَفَ العُلَمَاءُ في ذلك؛ فَقال أكثرُهُم: هذا من العَامِّ المَخصُوصِ.
قال الخَطَّابي(١٠): هذا من عُمُوم اللفظِ الذي يُرَادُ به الخُصُوصُ، إذا لَيسَ
يَجْتَمِعُ في طَبعِ شَيءٍ من النباتِ والشَّجَرِ جَمِيعُ القُوى التي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا،
في مُعَالَجَةِ الأدواءِ على اختِلَافِهَا، وتَبَايُنِ طَبَائعِهَا، وإِنَّمَا أَرَادَ به شِفَاءً من كُلِّ دَاءٍ
يَحدُثُ من الرُّطُوبَةِ والْبَلَغَمِ، وذلك أنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ، فَهُو شِفَاءٌ بإذنِ الله تعالى لِلدَّاءِ
المُقَابِلِ لَهُ في الرُّطُوبَةِ والبُرُودَةِ، وذلك أنَّ الدَّواءَ أبَدًا بِالمُضَادِّ، والغِذَاءَ
بِالمُشَاكِلِ .
(١) في (٢٤): ((استعيط)).
(٢) في الأصل، (ح): ((الابرساء)). وفي إكمال المعلم: ((الأريا)). وفي المفهم: ((الأريسا)).
وفي شرح النووي: ((الأرليا)). ولم أقف على ماهيته.
(٣)
في (م): ((إيضاب)).
(٤) ليس في: (ك٢، ح).
(٥) في (م): ((الروتيلا)). وهو نوعٌ من العناكب، يقال له: عقربُ الحيّات. وينظر: الحيوان
للجاحظ (٢٣٧/٢)، (٢٢٦/٤)، وحياة الحيوان الكبرى للدميري (٥٢٣/١). لكن
الأخير ضبطها بالثاء المثلثة.
(٦) إكمال المعلم (١١٨/٧، ١١٩).
(٧) هي الحُمّى التي تأتي صاحبها ثم تذهب فترجع له في اليوم الرابع. معجم العين للخليل
(١٣٤/٢)، والمحكم لابن سيده (١٣٥/٢).
(٨) طمس في (ش).
(١٠) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢١١٢/٣).
(٩) ليس في: (ك٢، ح).

الطِّبُّ والرُّقَى
على
١٢٧
وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(١): العَسَلُ عِندَ الأطِبَّاءِ إلى أن يَكُونَ دَواءً
لِكُلِّ دَاءٍ أقرَبُ من الحَبَّةِ [٢٦٦/٢ظ] السَّودَاءِ، ولَا يَخْفَى أنَّ من الأمرَاضِ مَا إذَا
شَرِبَ صَاحِبُهُ العَسَلَ خَلَقَ اللهُ الألَمَ بَعدَهُ، وأنَّ (٢) قَولَهُ في العَسَلِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ
لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، إنَّمَا هُو في الأغلَبِ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّوِيُّ(٣): هُو مَحمُولٌ على العِلَلِ البَارِدَةِ على نَحوِ
مَا سَبَقَ في القُسطِ، وهُو ◌ََّ قَدْ يَصِفُ (٤) بِحَسَبٍ مَا شَاهَدَهُ من غَالِبٍ حَالٍ
الصَّحَابَةِ في الزَّمَنِ الذي يُخَالِطُهُم فيه.
ثُمَّ نَقَلَا عن بَعضِهم: أنَّهُ لَا يُبعِدُ(٥) مَنفَعَةَ الحَارِّ من أدواءٍ حَارَّةٍ لِخَواصَّ
فيهَا، فَقَد نَجِدُ ذلك في أدوِيَةٍ كَثِيرَةٍ، فَيَكُونُ الُّونِيزُ منهَا لِعُمُومِ الحديثِ، ويَكُونُ
استِعِمَالُهُ أحيانًا مُنفَرِدًا وأحيَانًا مُرَكَّبًا .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٦): وعلى هذا القَولِ الآخَرِ: تُحمَلُ كُلِيَّةُ الحديثِ
على عُمُومِهَا وإِحَاطَتِهَا، ولَا يُستَثنَى من الأدواءِ شَيءٌ إلَّا الدَّاءُ الذي يَكُونُ عِندَ
المَوتِ في عِلمِ الله تعالى.
وعلى القَولِ الأولِ: يَكُونُ ذلك العُمُومُ مَحمُولًا على الأكثرِ والأغَبِ، واللهُ
أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: فيه استِحبَابُ التَّدَاوِي، وهُو مَذهَبُ أصحَابِنَا وجُمهُورِ
السَّلَفِ وعَامَّةِ الخَلَفِ، وفيه رَدُّ على مَن أنكَرَ التَّدَاوِيَ من غُلَاةِ الصُّوفيةِ (٧)،
وقال: كُلُّ شَيءٍ بِقَضَاءٍ وقَدَرٍ؛ فَلَا حَاجَةَ إلى التَّدَاوِي.
وحُجَّةُ العُلَمَاءِ: هذا الحديثُ ومَا في مَعنَاهُ.
(١) عارضة الأحوذي (٢٣٥/٨).
(٢) في (ك٢، ح): ((وكان)).
إكمال المعلم (١١٩/٧)، وشرح النووي على مسلم (١٩٦/١٤، ١٩٧).
(٣)
(٤)
ليس في: (ك٢، ح).
المفهم (٦٠٦/٥، ٦٠٧).
(٥) في (ك٢، ح): ((ينعقد)).
(٦)
(٧) ينظر: تلبيس إبليس (٣٥١ - ٣٥٢)، دار الكتاب العربي.

=
١٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفي ((صَحِيحِ مسلم) (١)، عن جَابِرٍ، عن رسولِ اللهِوَّهِ أَنَّهُ قال: ((لِكُلِّ دَاءٍ
دَوالٌ، فَإِذَا أُصِيبَ(٢) دَواء الذَّاءِ: برَا(٣) بِإِذنِ الله رَك)).
ورَوى الترمذيُّ وغَيرُهُ(٤)، عن أسَامَةَ بنِ شَرِيكِ قال: ((قالت الأعرَابُ: يَا
رسولَ الله أَلَّا نَتَدَاوى؟ قال: نَعَم، يَا عِبَادَ الله تَدَاووا؛ فَإنَّ اللهَ لَم يَضَع دَاءَ إلَّا
وضَعَ لَهُ شِفَاءً إِلَّ دَاءَ واحِدًا، وهُو الهَرَمُ».
قَالُوا: ويَجِبُ أن يَعتَقِدَ أنَّ اللهَ تعالى هُو الفَاعِلُ، وأنَّ الَّدَاوِيَ أيضًا من
قَدَرِ الله تعالى، وهذا كَالأمرٍ بِالدُّعَاءِ (١٨٥/٨م) وكَالأمرٍ بِقِتَالِ الكُفَّارِ وبِالنَّحَصُّنِ(٥)
ومُجَانَبَةِ الإِلِقَاءِ بِاليَدِ إلى الثَّهِلُكَةِ، مَعَ أنَّ الأَجَلَ لَا يَتَغَيِّرُ، والمَقَادِيرَ لَا تَتَقَدَّمُ ولَّا
تَتَأخَّرُ عن أوقَاتِهَا، ولا بُدَّ من وُقُوعِ المُقَدَّرَاتِ، واللهُ أعلَمُ.
■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((إِلَّ السَّامَ))، يَقتَضِي أنَّ السَّامَ وهُو المَوتُ دَاءٌ،
والمَعْرُوفُ: أَنَّهُ لَيسَ دَاءً، وإنَّمَا هُو عَدَمٌ وفَنَاءٌ فَيَحْتَمِلُ أوجُهَا(٦):
أحَدُهَا: أنَّهُ سَمَّاهُ دَاءً على طَرِيقِ المُبَالَغَةِ؛ فَإِنَّهُ أشَدُّ من المَرَضِ؛ لِأنَّ
المَرَضَ دَاءٌ يُضعِفُ والمَوتُ يُعدِمُ.
ثَانِيهَا: أنَّهُ استِثنَاءٌ مُنقَطِعٌ؛ أي: (٧لَكِنَّ السَّام٧َ) دَاءٌ(٨) لَا دَواءَ لَهُ، كَمَا قال(٩):
ودَاءُ المَوتِ لَيسَ لَهُ دَواءٌ
وإطلاقُ الإِسِنَاءِ على المُنقَطِعِ مَجَازٌ لِعَدَمِ دُخُولِه فيمَا قَبَلَهُ، واللهُ أعلَمُ.
(٢) في (ك٢، ح): ((أصبت)).
(١)
مسلم (٦٩/٢٢٠٤).
(٣)
في (م): («أبراه)».
الترمذي (٢٠٣٨)، وأبو داود (٣٨٥٥)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، والنسائي في الكبرى
(٤)
(٧٥٥٣).
(٥) في (م): ((التحصين)).
(٦) ينظر: عارضة الأحوذي (٢٤٤/١).
(٧ - ٧) في (ش): ((يكن الدواء)).
(٨) من (ك٢، ح).
(٩) هذا عجز بيت من الوافر النابغة الذبياني، وهو في ديوانه (ص٣٩)، صدره:
يؤثر في القلوب له كلوم
وينظر: معاهد التنصيص على شواهد التلخيص لأبي الفتح العباسي (١٩٣/١)، فقد نسبه
لقيس بن الخطيم الأوسي.

الطِّبُّ والرُّقَى
١٢٩
=
ثَالِثُهَا: أنَّ (١) المُرَادَ: المَرَضُ(٢) الذي عِندَ المَوتِ وَفَرَاغِ الأجَلِ، فَلَا يَنفَعُ
فيه الدَّواءُ، والله أعلم.
الحديثُ الثَّانِي
وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إنَّ الحُمَّى
مِن فَبِحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَطفِتُوهَا بِالمَاءِ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: اتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ والنسائيُّ في ((سُنَتِهِ الكُبرَى)) (٣) من طَرِيقٍ
مَالِكٍ.
وزَادَ في رِوايَةِ البخاريِّ: قال نَافِعٌ: وكَانَ عَبدُ الله يَقُولُ: ((اكشِف عَنَّا الرِّجَزَ)).
واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ (٤) من طَرِيقِ يَحيَى القَطَّانِ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ،
بِلَفِظِ: ((فَابِرُدُوهَا بِالمَاءِ (٥)).
وأخرَجَهُ مسلمٌ وابنُ مَاجَه(٦) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ نُمَيرٍ، عن عُبَيدِ الله بنِ
عُمَرَ. [ومسلمٌ أيضًا والنسائيُّ في ((الكُبرَى))(٧) من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ بِشرٍ، عن
عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ](٨)، كِلَاهُمَا بِلَفِظِ: ((إنَّ شِدَّةَ الحُمَّى)). ومسلمٌ (٩) أيضًا من طَرِيقٍ
الضَّحَّاكِ بنِ(١٠) عُثمَانَ؛ كُلُّهُم، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ. وأخرَجَهُ مسلمٌ (١١) أيضًا
من طَرِيقِ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ زَيدِ، عن أبيه، عن ابنِ عُمَرَ حُّ.
(١)
في (م): ((أنه)).
(٢) في الأصل، (م): ((بالمرض)).
(٣) البخاري (٥٧٢٣)، ومسلم (٧٩/٢٢٠٩)، والنسائي في الكبرى (٧٦٠٨، ٧٦٠٩).
البخاري (٣٢٦٤)، ومسلم (٧٨/٢٢٠٩).
(٤)
(٥)
من (م).
مسلم (٠٠٠/٢٢٠٩)، وابن ماجه (٣٤٧٢).
(٦)
(٧) مسلم (٠٠٠/٢٢٠٩)، والنسائي في الكبرى (٧٦٠٩).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٩) مسلم (٧٩/٢٢٠٩).
(١٠) في (ك٢، ح): ((عن)).
(١١) مسلم (٨٠/٢٢٠٩).

١٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((من فَيِحِ جَهَنَّمَ))، بِفَتح [٢٦٧/٢و] الفَاءِ، وإِسكَانِ اليَاءِ
المُثَنَّةِ من تَحتُ، وآخِرُهُ حَاءٌ مُهَمَلَةٌ: هُو شِدَّةُ حَرِّهَا وَلَهَبها وانتِشَارِهَا، وهُو
بِمَعنَى(١) قَولِه في رِوايَةٍ أخرَى: ((من فَورِ جَهَنَّمَ)) (١٨٦/٨م). والظّاهرُ: أنَّهُ على
حَقِيقَتِهِ، ولِهذا كَانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أذهب عَنَّا الرِّجَزَ)).
ويُحتَمَلُ: أنَّهُ مَجَازٌ على طَرِيقِ الَّشبيه(٢) بِحَرِّ جَهَنَّمَ، وقَد تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذلك
فِي قَولِهِ بَّهِ: ((إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيِحِ جَهَنَّمَ)).
■ الثَّالِثَةُ: فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ إثبَاتُ ذلك لِلحُمَّى، وفي الرِّوايَةِ الأخرَى: ((إنَّ
شِدَّةَ الحُمَّى)).
فَيُحْتَمَلُ(٣): أنَّ هذا من بَابِ الإطلَاقِ والتَّقِيدِ، فَيُحمَلُ المُطلَقُ على
المُقَيَّدِ، ويَكُونُ المُرَادُ بِالحُمَّى فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ: شِدَّةُ الحُمَّى لَا مُطلَقُ الحُمَّى.
ويُحتَمَلُ: أن لَا يَكُونَ بَينَ الرِّوايَتَينِ تَفَاوُتٌ، ويَكُونُ المُرَادُ أنَّ الشِّدَّةَ
الحَاصِلَةَ من الحُمَّى هيَ من فَيحِ جَهَنَّمَ، وهذا وصفٌ لَازِمٌ لِلحُمَّى؛ إذ لَا تَخلُو
عن شِدَّةٍ وإن قَلَّت، واللهُ أعلمُ.
الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((فَأَطِفِئُوهَا بِالمَاءِ))، هُو بهمزَةِ قطع (٤) بِلَا خِلافٍ.
وأمَّا قَولُهُ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((فَابِرُدُوهَا)): فَالمَشهُورُ أنَّهُ بهمزَةٍ وصلٍ
وبِضَمِّ الرَّاءِ، يُقَالُ: بَرَدت الحُمَّى أبرُدهَا بَردًا، على وزنِ (٥ قَتَلتَهَا أقتُلُهَا قَتْلًا٥)؛
أي: أسكَنت حَرَارَتَهَا وأطفَأْت لَهَبَهَا، هذا هُو (٦) الصَّحِيحُ الفَصِيحُ المَشْهُورُ في
الرّوايةِ(٧) وكُتُبِ اللُّغَةِ وغَيرِهَا، وحَكَى صَاحِبُ ((المَشَارِقِ)): أنَّهُ يُقَالُ: بهمزَةٍ قَطعِ
وكَسرِ الرَّاءِ فِي لُغَةٍ. وقَد حَكَاهَا الجَوهَرِيُّ. وقال: هيَ لُغَةٌ رَدِيثَةٌ(٨).
(١) في (ح): ((معنى)).
(٣) في (ك٢، ح): ((فيحمل)).
(٢) في (ح): ((التشبه)).
(٤) ليس في: الأصل، (م).
(٥ - ٥) في (ح): ((قبلتها أقبلها قبلًا)).
(٦) ليس في: (ك٢).
(٧) في الأصل، (م): ((الروايات)).
(٨) شرح النووي على مسلم (١٩٨/١٤)، ومشارق الأنوار (٨٣/١)، والصحاح (٤٤٥/٢).

=
١٣١
الطِّبُّ والزُّقَى
■ الخَامِسَةُ(١): فيه مُدَاواةُ الحُمَّى بِاسْتِعْمَالِ المَاءِ. وحَكَى المَازَرِيُّ (٢)
عن بَعضٍ مَن في قَلبه مَرَضٌ أنَّهُ اعتَرَضَ ذلك. وقال: الأطِبَّاءُ مُجمِعُونَ على أنَّ
استِعمَالَ المَحمُومِ المَاءَ البَارِدَ مُخَاطَرَةٌ وقَرِيبٌ من الهَلَاكِ؛ لِأنَّهُ يَجمَعُ(٣) المَسَامَّ
ويَحْقِنُ الْبُخَارَ المُتَحَلِّلَ، ويَعِكِسُ الحَرَارَةَ إلى دَاخِلِ الجِسمِ فَيَكُونُ سَبَبًّا لِتََّفِ؟.
قال المَازَرِيُّ(٤): ونَقُولُ(٥) في إبطَالِ اعْتِرَاضِه: إنَّ عِلمَ الطِّبِّ من أكثَرِ
العُلُومِ احْتِيَاجًا إلى التَّفصِيلِ، حَتَّى إِنَّ المَرِيضَ يَكُونُ الشَّيءُ دَواؤُهُ فِي سَاعَةٍ،
ثُمَّ يَصِيرُ دَاءَ لَهُ فِي السَّاعَةِ التي تَلِيهَا بِعَارِضٍ (٦) يَعرِضُ، من غَضَبٍ يُحمِي
مِزَاجَهُ فَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ أو هَواءٍ يَتَغَيَّرُ أو غَيرِ ذلك مِمَّا لَا تُحصَى كَثْرَتُهُ، فَإِذَا وُجِدَ
الشِّفَاءُ بِشَيءٍ فِي حَالَةٍ مَا لِشَخصِ لَم يَلزَم منهُ الشِّفَاءُ به في سَائِرِ الأحوالِ،
وجَمِيعُ الأشخَاصِ والأطِبَّاءِ مُجمِعُونَ على أنَّ المَرَضَ الواحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ
بِاختِلَافِ السِّنِّ والزَّمَانِ والعَادَةِ والغِذَاءِ المُتَقَدِّمِ والتَّأَثِيرِ المَأْلُوفِ وقُوةٍ
الطِّبَاعِ(٧).
فَإِذَا عَرَفت ذلك فَتَقُولُ: إنَّ المُعتَرِضَ تَقَوَّلَ على النبيِ نَّهِ مَا لَم يَقُل، فَإِنَّهُ
لَم يَقُل أكثَرَ من قَولِه: ((أبرِدُوهَا بِالمَاءِ))، ولَم يُبَيِّن صِفَتَهُ وحَالَتَهُ، والأطِبَّاءُ(٨)
(١٨٧/٨م) يُسَلِّمُونَ أنَّ الحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُدَبَّرُ صَاحِبُهَا بِسَقيِ المَاءِ البَارِدِ الشَّدِيدِ
البُرُودَةِ، ويَسقُونَهُ الثَّلجَ ويَغْسِلُونَ أطرَافَهُ بِالمَاءِ البَارِدِ، فَلَا يَبْعُدُ أنَّهُ وَلّهِ أَرَادَ هذا
النَّوعَ من الحُمَّى.
(١) طمس في (ش).
(٢) في (ك٢، ح): ((الماوردي)). وهو تصحيف. وكلام المازري في المعلم (٢٦٣/٢،
٢٦٤، ٢٦٥ - ٢٦٧).
في الأصل: ((مجمع)).
(٣)
المعلم (٢٦٣/٢، ٢٦٤، ٢٦٥ - ٢٦٧).
(٤)
في (ش، ح): ((يقول)).
(٥)
(٦)
في (ش): ((لعارض)).
(٧)
في (ك٢، ح): ((الطباق)).
ينظر: القانون لابن سينا (٤٧/٣ - ٥٠).
(٨)

١٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقَد ذَكَرَ مسلمٌ هُنَا في ((صَحِيحِه)) عن أسمَاءَ: ((أنَّهَا كَانَت تَوْمُ (١) المَرأةَ
المَوْعُوكَةَ؛ فَتَصُبُّ المَاءَ في جَيبها. وتَقُولُ: إنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: أبرِدُوهَا
بِالمَاءِ».
فَهَذِه أسمَاءُ رَاوِيَةُ الحديثِ، وقُربُهَا من النبي ◌َِّ مَعلُومٌ، تَأْوَلَت الحديثَ
على نَحوِ مَا قُلْنَاهُ؛ فَلَم يَبْقَ لِلمُلحِدِ (٢) المُعتَرِضِ إِلَّ اختِرَاعُهُ الكَذِبَ واعتِرَاضُهُ به
فَلَا يُلتَفَتُ إلَيه. انتَھَى.
وأخَذَ كَلَامَهُ هذا من الخَطَّابِي (٣)، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، فَقال: غَلِطَ بَعضُ مَن
يَنْتَسِبُ (٤) إلى العِلمِ، فَانغَمَسَ في المَاءِ لَمَّا أَصَابَتُهُ الحُمَّى، فَاحتَقَنَتِ الحَرَارَةُ في
بَاطِنِ بَدَنِهِ فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعبَةٌ كَادَ أن يَهلِكَ مِنهَا، فَلَمَّا خَرَجَ من عِلَّتِهِ قال قَولًا
فَاحِشًا لَا يَحسُنُ ذِكرُهُ، وذلك لِجَهلِه(٥) بِمَعنَى الحديثِ. وتَبِرِيدُ الحُمَّيَاتِ
الصَّفْرَاوِيَّةِ(٦): أن يَسْقِيَ المَاءَ الصَّادِقَ البَردَ، وتُوضَعُ [٢٦٧/٢ظ] أطرَافُ المَحْمُومِ
فيه، وأنفَعُ العِلَاجِ وأسرَعُهُ إلى إطفَاءِ نَارِهَا وكَسرٍ لَهيبها(٧)، فَإِنَّمَا أمرَ (٨) بِإِطِفَاءِ
الحُمَّى وتَبرِيدِهَا على هذا الوجه دُونَ الاِنغِمَاسِ في المَاءِ وغَطّ الرَّأسِ فيه. ثُمَّ
ذَكَرَ حَدِيثَ أسمَاءَ المُتَقَدِّمَ.
وقال القَاضِي عياض(٩)، بَعدَ ذِكرِهِ حَدِيثَ أسمَاءَ: هذا يَرُدُّ قَولَ الأطِبَّاءِ
ويُصَحِّحُ حُصُولَ الْبُرءِ بِاستِعمَالِ المَحْمُومِ(١٠) المَاءَ، وأنَّهُ على ظَاهِرِهِ، لَا عَلى مَا
سَبَقَ من تَأْوِيلِ المَازَرِيِّ(١١).
(١) في (م): ((تأتي)).
(٢) في الأصل، (ك٢، ح): ((الملتحد)).
(٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢١٢٤/٣).
(٤)
في (ش): ((ینسب)).
(٥) في (ك٢، ح): ((بجهله)).
(٦) بعده في (ح): ((إلى)).
(٨) في (م): ((أمرنا)).
(٩) إكمال المعلم (١٢٢/٧).
(١٠) في (ش): ((العموم)).
(١١) في (ك٢، ح): ((الما وردي)). وهو تصحيف.
(٧) في (ك٢، ح): (لهبها)).

الطِّبُّ والرُّقَى
١٣٣
قال: ولَولَا تَجرِبَةُ أسمَاءَ والمسلمِينَ لِمَنفَعَتِهِ لمَا(١) استَعمَلُوهُ.
وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٢): ومنهُم مَن قال(٣): إنَّ(٤) الحُمَّيَاتِ على
قِسمَینِ :
منها: مَا يَكُونُ عن خِلْطِ بَارِدٍ، ومنها: مَا يَكُونُ عن حَارِّ، وفيه يَنفَعُ المَاءُ
وهيَ حُمَّيَاتُ (٥) الحِجَازِ، وعَلَيهَا خُرِّجَ كَلَامُ النبيِ نَّهَ وفِعلُهُ حَتَّى قال: ((صُبوا
عَلَيَّ من سَبِعِ قِرَبٍ لَمْ تُحَلَل أوكِيَتُهُنَّ))؛ فَتَبَرَّدَ وخَفَّ حَالُهُ، وذلك في أطرَافٍ
البَدَنِ وهُو أَنفَعُ لَهُ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٦): لَا يَبعُدُ أن يَكُونَ مَقصُودُهُ: أن يُرَشَّ بَعضُ
جَسَدِ المَحمُومِ، أو يُفعَلَ به كَمَا كَانَت أسمَاءُ تَفعَلُ، فَإِنَّهَا كانت(٧) تَأْخُذُ مَاءً
يَسِيرًا تَرُشُّ به في جَيبِ المَحمُومِ، أو يُنضَحُ به وجهُهُ ويَدَاهُ ورِجلَاهُ، ويُذكَرُ
اسمُ الله تعالى؛ فَيَكُونُ ذلك من بَابِ النُّشْرَةِ الجَائِزَةِ(٨).
ويَجُوزُ أن يَكُونَ ذلك من بَابِ الطِّبِّ؛ فَقَد يَنفَعُ ذلك في بَعضِ الحُمَّيَاتِ،
فَإِنَّ الأَطِبَّاءَ قَد سَلَّمُوا أنَّ الحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُدَبَّرُ (١٨٨/٨م) صَاحِبُهَا بِسَفيِ المَاءِ
الشَّدِيدِ البُرُودَةِ، حَتَّى يَسقُوهُ(٩) الثَّلجَ، وتُغسَلُ أطرَافُهُ بِالمَاءِ البَارِدِ. وعلى هذا
(١٠ فَلَا بُعدَ ١٠) في أن يَكُونَ هذا المَقصُودُ بِالحديثِ، ولَئن سَلَّمنَا أنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ
جَسَدِ المَحْمُومِ.
(١) في (م): ((ما)).
(٢) عارضة الأحوذي (٢٣١/٨).
(٣) ينظر: الحاوي في الطب لأبي بكر الرازي - أسباب الحميات وعللها (١٥٦/٥) وما
بعدها، والطب النبوي لابن القيم ص(٤٩ - ٥١).
(٤)
في (م): ((بأن)).
(٥)
في (ش): ((جهات)).
(٦)
المفهم (٦٠٠/٥، ٦٠١).
(٧)
ليس في: الأصل، (م).
(٨) ينظر: النهاية (٥٤/٥)، واللسان (٢٠٩/٥)، والقاموس المحيط (٤٨٢/١).
(٩) في (م): ((يسقى)).
(١٠ - ١٠) في الأصل: ((فلا يبعد))، وفي (ك٢، ح): ((فلا بد)).

=
١٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَجَوابُهُ: أَنَّهُ يُحتَمَلُ أن يُرِيدَ بِذلك استِعمَالَهُ بَعدَ أن تُقْلَعَ الحُمَّى وتَسكُنَ
حَرَارَتُهَا، ويَكُونُ ذلك في وقتٍ مَخصُوصٍ وبِعَدَدٍ مَخصُوصٍ، فَيَكُونُ ذلك من
بَابِ الخَواصِّ التي قَد أطلَعَ اللهُ عَلَيْهَا النبيِ وَّ؛ كَمَا قَد (١) رَوى قَاسِمُ بنُ
ثَابِتٍ(٢): ((أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلى رسولِ اللهِوَّرِ الحُمَّى؟ فَقَال لَهُ: اغتَسِل ثَلَاثًا قَبَلَ
طُلُوعِ الشَّمسِ، وقُل: بِسمٍ(٣) الله، اذهَبِي يَا أَمَّ مِلدَمِ، فَإِن لَم تَذْهَب فَاغتَسِل
سَبعًا)).
قُلتُ: وَرَوى البَزَّارُ والطَّبَرَانِيُّ (٤) عن سَمُرَةَ قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَلّهِ إِذَا
حُمَّ دَعَا بِقِرِبَةٍ من مَاءٍ، فَأَفرَغَهَا على قَرِنِهِ فَاغتَسَلَ)).
فيه إسمَاعِيلُ بنُ مسلمٍ، وهُو ضَعِيفٌ جِدًّا.
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((الأوسَطِ)) (٥)؛ بِإِسنَادٍ جَيِّدٍ، عن أنَسِ أنَّ رسولَ اللهِ وَهـ
قال: ((إِذَا حُمَّ أحَدُكُمْ فَلَيَسُنَّ (٦) عَلَيه من المَاءِ الْبَارِدِ في (٧) السَّحَرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ)).
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ (٨)، بِإِسنَادٍ فيه جَهَالَةٌ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ المُرَفَّعِ(٩)، عن
رسولِ اللهِ وَ﴿ أَنَّهُ قال: ((إنَّ الحُمَّى رَائدُ المَوتِ، وهيَ سِجنُ الله في الأرضِ،
(١٠ فَبَرِّدُوا لَهَا ١٠) المَاءَ في الشِّنَانِ، وصُبوهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا بَينَ الأَذَانَينِ أَذَانِ المَغرِبِ
وأذَانِ العِشَاءِ؛ فَفَعَلُوا فَذَهَبَت عنهُم)). وذَكَرَ حَدِيثًا .
(١) ليس في: (ك٢، ح).
(٢) في كتابه الدلائل في غريب الحديث (١٢١) عن منصور بن وهب المعافري. وقد أخرجه
أيضًا ابن وهب في جامعه - كما في الاستذكار (٤٨/٢٧)، وسعيد بن منصور في سننه -
كما في الطب النبوي لابن طولون (ص ٢٨٠).
(٣)
في (ح): (بسر)).
البزار (٤٥٩٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٦٩٤٧).
(٤)
(٥)
الطبراني في الأوسط (٥١٧٤).
(٧)
في (ح): ((من)).
(٦) في (ش): ((فليشن)).
الطبراني - كما في مجمع الزوائد (١١٤/٥، ١١٥). وقال الهيثمي: وفيه المحبر بن
(٨)
هارون، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٩) في (ش): ((المرفع)). وينظر: التاريخ الكبير (٢٤٨/٥).
(١٠ - ١٠) في (ك٢، ح): ((فتزودوا إليها)).

الطِّبُّ والزُّقَى
١٣٥
=
ورَوى الترمذيُ(١) من رِوايَةِ سَعِيدٍ (٢) رَجُلٍ من أهلِ الشَّام قال: حَدَّثَنَا
ثَوبَانُ، عن النبيِّر قال: ((إِذَا أَصَابَ أحَدَكُم الحُمَّى؛ فَإِنَّ الحُمَّى قِطعَةٌ من
النَّارِ، فَلَيُطْفِئْهَا عنهُ بِالمَاءِ فَليَستَنِقِعِ (٣) في نَهَرِ (٤) جَارٍ ، ويَستَقِبِل (٥) جِرِيَتَهُ فَيَقُولُ:
بِسمِ الله، اللَّهُمَّ اشِفِ عَبدَك وصَدِّق رسولَك، بَعدَ صَلَاةِ الصُّبحِ قَبَلَ طُلُوعِ الشَّمسِ،
وليَنْفَمِس فيه ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِن لَم يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمسٌ، فَإِن لَم يَبْرَأ
في خَمسٍ فَسَبِعٌ، فَإِن لَم يَبْرَأْ في سَبَعْ فَتِسٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسعًا بِإِذْنِ الله
تعالى)). قال الترمذيُّ: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
قُلتُ: وسَعِيدٌ هذا: هُو ابنُ زُرعَةَ الشَّامِيُّ الحِمصِيُّ الجَرَّارُ(٦).
قال أبو حَاتِم (٧): مَجهُولٌ، لَكِن رَوى عنهُ مَرِزُوقُ الشَّامِيُّ والحَسَنُ بنُ
هَمَّامٍ.
وذَكَرَهُ ابنُ حِبَّنَ في ((الثِّقَاتِ))(٨).
وسَمِعت والِدِي رَّتُهُ غَيرَ [٢٦٨/٢ و] مَرَّةٍ: يَحكِي أَنَّهُ في شَبَابِه أصَابَتْهُ
حُمَّى، وأَنَّهُ ذَهَبَ إلى النِّيلِ، فَاستَقبَلَ جِرِيَةَ المَاءِ وانغَمَسَ فيه؛ فَأَقلَعَت عنهُ
الحُمَّى، ولَم تَعُد لَهُ بَعدَ ذلك.
وقَد تُوُفي والِدِي ◌َُّ ولِي من العُمرِ أكثَرُ (١٨٩/٨م) من ثَلَاثٍ وأربَعِينَ
سَنَةً(٩)، ولَم أفَارِقهُ إِلَّا مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، وهيَ ثَلاثُ سِنِينَ، ومُدَّةَ
(١) الترمذي (٢٠٨٤).
(٢) في (م): ((سعد)). وينظر: التاريخ الكبير (٤٦٦/٣ - ٤٦٧).
(٣)
في (ك٢، ح): ((فلينتقع)».
(٥)
في (م): ((وليستقبل».
(٤) في (م): ((ماء)).
في (م): ((الجزار)). وهو تصحيف. نسبة إلى صناعة الجرار، وينظر: تهذيب الكمال
(٦)
(١٠/ ٤٣٢).
الجرح والتعديل (٢٤/٤).
(٧)
(٨) الثقات (٢٨٣/٤).
(٩) توفي زين الدين عبد الرحيم العراقي عام (٨٠٦هـ)، وولد ابنه ولي الدين عام (٧٦٢هـ)،
وتوفي (٨٢٦هـ). وينظر: شذرات الذهب (٢٥١/٩)، والنجوم الزاهرة لابن تغري
(١١٨/١٥).

١٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
رِحِلَتِي إِلى الشَّام، وهيَ دُونَ ثَلَاثَةٍ أشهُرٍ؛ فَلَم أرَهُ حُمَّ قَظُ حَتَّى ولَا فِي مَرَضٍ
مَوتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَشْكُو انحِطَاطَ قُواهُ، وكَانَ قَد جَاوزَ إحدَى وثَمَانِينَ سَنَةً، وذلك
لِحُسنٍ(١) مَقصِدِه وامتِثَالِه أمرَ النبي ◌ِّهِ بِجِدٍّ وتَصدِيقٍ وحُسنٍ نِيَّةٍ، رَحِمَهُ اللهُ
ورِضي عنهُ.
■ السَّادِسَةُ: رَوى البخاريُّ (٢) في ((صَحِيحِه))، من رِوايَةٍ هَمَّامٍ، وهُو
ابنُ يَحيَى، عن أبي حَمزَةَ الضُّبَعِيِّ، قال: كُنت أجَالِسُ ابنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ وَأَخَذَتِنِي
الحُمَّةُ، فَقال: ابرُدَهَا عنك بِمَاءِ زَمزَمَ؛ ((فَإِنَّ رسولَ الله بِّه قال: إنَّهَا من فَيح
جَهََّمَ، فَابِرُدُوهَا بِالمَاءِ، أو قال(٣): بِمَاءِ زَمَزَمَ)). شَكَّ هَمَّمٌ.
قال الخَطَّابي(٤): وقَد رُويَ من غَيرِ هذا الطَّرِيقِ: ((فَابِرُدُوهَا بِمَاءِ زَمزَمَ»،
وهذا إنَّمَا هُو من نَاحِيَةِ التَُّّكِ به.
وقَدْ قالَ بََّ فِي مَاءِ(٥) زَمَزَمَ: ((إنَّهَا طَعَامُ طُعم، وشِفَاءُ سُقْم)).
■ السَّابِعَةُ: حَكَى الْخَطَّابِي (٦) أنَّهُ بَلَغَهُ، عن ابنِ الأنْبَارِيُّ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
مَعنَى قَولِه: ((فَأْبِرِدُوهَا بِالمَاءِ))؛ أي: تَصَدَّقُوا بِالمَاءِ عن المَرِيضِ يَشْفِه اللهُ؛ لِمَا
رُوِيَ: ((إِنَّ أفضَلَ الصَّدَقَةِ سَقِيُ المَاءِ». انتَهَى.
وهُو شُذُوذٌ ومُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ هذا الحديثِ ولِصَرِيحِ بَقِيَّةِ الأحَادِيثِ، ولِمَا
فَهِمَتْهُ رَاوِيَةُ (٧) الحديثِ أسمَاءُ بِنتُ الصِّدِّيقِ، وَرَاوِيه (٨) عَبدُ الله بنُ عَبَّاسٍ
وغَيْرُهُمَا، واللهُ أعلمُ.
في الأصل، (ش): ((بحسن)).
(١)
(٢)
البخاري (٣٢٦١).
(٣)
ليس في: (م).
أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢١٢٥/٣، ٢١٢٦).
(٤)
(٥)
من (م).
أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢١٢٦/٣).
(٦)
(٧)
في (ح): ((رواية)).
في (ك٢، ح): ((ورواية)).
(٨)

الطِّبُ وِالزُّقَى
١٣٧
الحديثُ الثَّالِثُ
: وعن عُروةَ أو عَمْرَةَ، عن عَائشَةَ قالت: ((قال رسولُ اللهِ وَّهِ فِي مَرَضِه
الذي مَاتَ فيه: صُبوا عَلَيَّ من سَبع قِرَبٍ لَم تُحَلَّل أو كِيَتُهُنَّ، لِعَلِيٍّ أُستَرِيحُ
فَأْعَهَدَ إلى النَّاسِ، قالت عَائِشَةُ: فَأْجلَسَنَاهُ في مِخضَبٍ لِحَفْصَةَ من نُحَاسٍ
وسَكَبْنَا عَلَيْهِ المَاءَ حَتَّى طَفِقَ (١٩٠/٨م)؛ يُشِيرُ إلَيْنَا أن قَدْ فَعَلتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ)).
رَواهُ البخاريُّ، من رِوايَةِ عُبيدِ الله(١) بنِ عَبدِ الله بنِ عُتِبَةَ، عن عَائشَةَ.
وهُو عِندَ النسائيّ في ((الكُبرَى))، من رِوايَةٍ عُروةَ؛ من غَيرٍ شَكَ.
(٢ فيه فَوائدُ:
■ الأولى٢): أخرَجَهُ النسائيُّ في ((سُنَتِهِ الكُبرَى))(٣)، من هذا الوجه، من
رِوايَةٍ عُروةً؛ من غَيرِ شَكٌّ.
وذلك يُرَجِّحُ الجَزمَ به، فَإِنَّ مَن ضَبَطَ حُجَّةً على مَن لَم يَضبِطِ، ويُفهَمُ أنَّ
الشَّكَّ من الإمَام أحمَدَ (٤)؛ فَإِنَّهُ(٥) رَواهُ عن مُحَمَّدٍ بنِ يَحيَى بنِ عَبدِ الله، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ.
ورَواهُ أيضًا عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ، عن يَحيَى بنِ مَعِينٍ، عن هِشَامٍ بِنِ
يُوسُفَ، عن مَعمَرٍ، قال: قال الزُّهرِيُّ: فُذَكَرَهُ(٦).
والمَتنُ في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٧) في عِدَّةِ مَواضِعَ، من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن
عُبَيدِ الله بنِ عَبدِ الله بنِ عُتِبَةَ.
وفي بَعضِهَا بَعدَ قَولِه: (ثُمَّ خَرَجَ إلى النَّاسِ، فَصَلَى لَهُم (٨) وخَطَبَهُم)).
(١) في (م): ((عبد الله)).
النسائي في الكبرى (٧٠٨٢).
(٣)
(٥)
يعني: الإمام النسائي.
في الأصل، (ك٢): ((فذكر)).
(٦)
(٨) في (ح): ((بهم)).
(٢ - ٢) طمس في (ش).
(٤) أحمد (١٥١/٦، ٢٢٨).
(٧) البخاري (١٩٨، ٤٤٤٢، ٥٧١٤).

١٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّانِيَةُ: قال المُهَلَّبُ ((شَارِعُ البخاريِّ))(١): إِنَّمَا(٢) أمَرَ(٣)، واللهُ أعلَمُ،
أن يُهِرَاقَ عَلَيه من سَبِعِ قِرَبٍ على وجه التَّدَاوِي، كَمَا صَبَّلَّ وُضُوءَهُ على
المُغمَى عَلَيه، وكَمَا أَمَرَ المُعْيَنَ أن يَغْتَسِلَ به (٤)؛ ولَيسَ كَمَا ظَنَّ(٥) مَن غَلِطَ،
فَزَعَمَ أنَّ النبي ◌َِّ اغتَسَلَ من إغمَائه. وذَكَرَ عَبدُ الوهَّابِ بنُ نَصرٍ عن الحَسَنِ
البَصرِيِّ أنَّهُ قال: على المُغمَى عَلَيه الغُسلُ.
وقال ابنُ حَبيبٍ: عَلَيه الغُسلُ إذَا طَالَ ذلك به، والعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ غَيرُ هَؤُلَاءِ
أنَّ مَن أغمِيَ عَلَيهِ فَلَا غُسلَ عَلَيه إلَّا أن يَجُنُبَ. انتَهَى.
وذَكَرَ أصحَابُنَا(٦): أنَّهُ يُستَحَبُّ لِلمُغمَى عَلَيه إذَا أفَاقَ الاغتِسَالُ، ولَكِن
هذا (٧) الاغتِسَالُ لَم يَكُن سَبَبُهُ إغمَاءً، وإنَّمَا كَانَ مَقصُودُهُ به(٨) النَّشَاطَ والقُوةَ،
وقَد صَرَّحَ بِذلك في قَولِه: ((لَعَلِّي أستَرِيحُ)).
■ الثَّالِثَةُ: [٢٦٨/٢ظ] قال الخَطَّابي(٩): يُشبه أن يَكُونَ خَصَّ السَّبعَ من
العَدَدِ تَبَرُّكًا؛ لِأَنَّ لَهُ (١٩١/٨م) شَأْنًا في كَثِيرٍ من أعدَادٍ(١٠) مَعَاظِم (١١) الخَلِيقَةِ(١٢)
وبَعضٍ أمُورِ (١٣) الشَّرِيعَةِ.
وكَذَا قال ابنُ بَطَّالٍ (١٤): قَصدُهُ إلى سَبع قِرَبٍ تَبَرُّكًا بهذا العَدَدِ؛ لِأِنَّ اللهَ
تعالى خَلَقَ كَثِيرًا من مَخلُوقَاتِهِ سَبعًا سَبعًا(١٥) .
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٠٠/١).
(١)
(٢)
بياض في (ح).
في (ش): ((يظن)). وبعده في (م): (بعض)).
(٥)
في (ك٢، ح): ((منه)).
(٤)
(٦)
ينظر: الحاوي للماوردي (١٨٣/١)، والمجموع (٢٢/٢ -٢٤)، (٢٠٢/٢) - دار الفكر.
(٨) ليس في: (ك٢، ح).
(٧) في الأصل، (م): ((إذا)).
(٩) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ٢٦٣
(١٠) في الأصل، (م): ((الأعداد في)).
(١٢) في (ك٢، ش): ((الخلقة)).
(١٣) في (ك٢، ح): ((أمر)).
(١٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٠٠/١).
(١٥) ينظر: مصنف عبد الرزاق (٧٦٧٩)، وسنن البيهقي الكبرى (٣١٣/٤).
(٣) في (ح، ش): ((أمروا)).
(١١) في (م): ((معظم)).

الطِّبُّ والرُّقَى
١٣٩
=
قُلتُ: والظّاهرُ: أنَّ لِذلك مَدخَلًا في الطِّبِّ، ومنهُ قَولُهُ عَلَيه الصَّلَاةُ
والسَّلامُ: ((مَن تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ من عَجوةِ المَدِينَةِ: لَم يَضُرَّهُ في ذلك اليَومِ سُمُّ
ولَا سِحٌ)) (١).
ومنهُ تَكرِيرُ عَائِدِ المَرِيضِ الدُّعَاءَ لَهُ بِالشِّفَاءِ سَبِعَ مَرَّاتٍ، ومنهُ الحديثُ
المُتَقَدِّمُ من طَرِيقٍ قَاسِمِ بنِ ثَابِتٍ: ((فَإِن لَم تَذْهَب فَاغتَسِل سَبعًا))، واللهُ أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ(٢): قال الخَطَّابي(٣) (٤وإِنَّمَا اشتَرَط٤َ" أن لَا تَكُونَ حُلَّت
أو كِيَتُهُنَّ لِطَهَارَةِ المَاءِ، وهُو أن لَا تَكُونَ الأيدِي خَالَطَتْهُ ومَرَسَتْهُ(٥)، وأولُ المَاءِ
أطهَرُهُ وأصفَاهُ.
قُلتُ: ويُحتَمَلُ أن يُرِيدَ بِذلك تَكثِيرَ المَاءِ، وأن تَكُونَ القِرَبُ السَّبعُ مَلأى،
لَم يُؤخَذ منهُنَّ شَيءٌ ولَم يَنقُصنَ(٦)، واللهُ أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: الأُوكِيَةُ: جَمعُ وِکَاءٍ بِكَسرِ الواوٍ، وَهُو مَا يُربَطُ بِه رَأْسُ
السِّقَاءِ .
■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((فَأْعَهَدَ إلى النَّاسِ)). أي(٧): أوصِيهم، ومن مَعَانِي
العَهدِ الوصِيَّةُ.
ويَجُوزُ في هذا الفِعلِ الرَّفِعُ والنَّصبُ، كَمَا قُرِئَ بِذلك في (٨) قَوله تعالى:
﴿ ... لَعَلِىّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ® أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]: قَرَأْ
الجُمُهُورُ بِالرَّفعِ، وحَفصٌ عن عَاصِمٍ بِالنَّصبِ (٩).
ولِهذا قال الفَرَّاءُ(١٠): يَجُوزُ النَّصبُ بِأن مُضمَرَةٍ بَعدَ الفَاءِ في جَوابٍ
(١) البخاري (٥٤٤٥، ٥٧٦٩) من حديث سعد بن أبي وقاص
(٢) ليس في: الأصل، (ك٢).
(٣) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ٢٦٣).
(٤ - ٤) طمس في (ش).
(٥) في (ك٢، ح): ((ومسته). ينظر: معجم العين (٢٥٣/٧)، وجمهرة اللغة (٧٢١/٢).
(٦) في الأصل: ((ينقص))، وفي (ك٢، ح): ((ينتقصن)).
(٧) ليس في: (ك٢، ح).
(٨) من (ح، م).
(٩) النشر (٢٧٣/٢).
(١٠) معاني القرآن للفراء (٤٩٥/١).

=
١٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
التَّرَجِّي كَجَوابِ الثَّمَنِّي، كَمَا في قَوله تعالى: ﴿يَلَيَّتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾
[النساء: ٧٣].
السَّابِعَةُ: ((المِخضَبُ))، بِكَسرِ المِيم وإسكّانِ الخَاءِ المُعجَمَةِ وفَتحِ
الضَّادِ المُعجَمَةِ وآخِرُهُ بَاءٌ مُوحَّدَةٌ.
قال في (الصِّحَاحِ)): المِركَن(١).
وقال في ((المُحكَم والنِّهَايَةِ)): شَبَهُ المِركَن(٢)، وهُو(٣) الإجَّانَةُ التي تُغسَلُ
فيهَا الثِّابُ، ويُقَالُ لَهَا: القَصرِيَّةُ (٤).
وقال الخَطَّابِي، والقَاضِي عِيَاضٌ(٥): شَبَهُ الإِجَانَةِ يَغْسِلُ فيهَا الثِيَّابَ.
■ الثَّامنةُ: المِخضَبُ: قَد يَكُونُ من حِجَارَةٍ ومن صُفرٍ، ولَيسَ في رِوايَةِ
البخاريِّ التَّصْرِيحُ بِذِكرِ جِنسِه، وفي رِوايَةِ المُصَنِّفِ: أنَّهُ من نُحَاسٍ؛ فَفيه جَوازٌ
اسْتِعْمَالِ آنِيَةٍ (٦) النُّحَاسِ من غَيرِ كَرَاهَةٍ.
قال ابنُ المُنذِرِ: رُوِيَ عن عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ أنَّهُ تَوضَّأ في طَستٍ، وعن
أَنَسِ مِثْلُهُ(٧) .
وقال الحَسَنُ البَصرِيُّ(٨): رَأيت عُثمَانَ يَصُبُّ عَلَيه من إِبرِيقٍ، وهُو يَتَوضَّأ.
قال: ومَا عَلِمت أحَدًا كَرِهَ النُّحَاسَ والرَّصَاصَ وشَبَهَهُ، إلَّ ابنَ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُ
كَرِهَ الوُضُوءَ في الصُّفرِ، وكَانَ يَتَوضَّأ في حَجَرٍ أو خَشَبٍ أو أَدَمِ(٩) .
(١) في (م): ((الركوة)).
(٢) في (م): ((الركوة)).
(٣) في الأصل، (م): ((وهي)).
الصحاح (١٢١/١)، والنهاية في غريب الحديث (٣٩/٢)، والمحكم (٤٧/٥).
(٤)
أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢٦٢/١)، وإكمال المعلم (٣١٩/٢)،
(٥)
والمشارق (٢٤٣/١).
(٦)
لیس في: (ش).
الطهور لأبي عبيد (١٩٤/١ - ٢٠٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٧/١).
(٧)
(٨)
أبو عبيد في الطهور (١٢٩)، وابن أبي شيبة (٣٧/١).
(٩) الأوسط (٣١٥/١ - ٣١٧) (٢٣٩ - ٢٤٤)، وينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال
(٢٩٩/١).