Indexed OCR Text

Pages 1-20

يُحَقَّقُ لأَوَلِ مَزَّةٍ عَلَى سِتِ نُسَخٍ خَطِيَّةٍ
طْخُ اللَّهِ
في
،٧٧
٧،٧
شْرِح التَّقرين
تَأليفُ
الْحَافِظِ أبِيُ الفَضْلِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَبْدِالرَّحِيْدِ يْنِلحُسَيْنِ الْعِرَاقِيِّ
٨٠٦ هـ
وَتَتِيِمُ وَلَدِهِ الْحَافِظِ أَبِيْ زُرْعَة وَلِيِّ الدِّيْنِ أَحْمَدَ أَبْنِ العِراقِيّ
٨٢٦ هـ
تَحَقِيْق
مُحَمَّد سَيِّدُبْن عَبْدالفَتَّاحِ دَرْوِيْشُ
الجُزْءُ السَّابِعُ
دارابن الجوزي

بشـ

طَرْحُ النَّغْرِ
في
◌َشَرحَ النَّقْرُ

جَميّعْ لَالحقُّوُ مَحْفَقَةَلِّارْ ابْخُ الجَوَرَءُ
الطّبْعَة الأولىى
١٤٣٨هـ
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ـن
ورد ابن
جـ
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِنّشرٌ والتّوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧
الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨
جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٤٥١٩ - بيروت
هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨
تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

أبوابُ الأدَبِ
(أبوابُ الأدَب)
الحديثُ الأولُ
عن سَالِم، عن أبيه، رِوايَةً. قال مَرَّةً: يَبْلُغُ بِهِ النبيّ ◌َلّهِ: ((لَا تَتْرُكُوا
النَّارَ فِي بُيُوتِكُمَّ حِينَ (٢) تَنَامُونَ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه الأئمَّةُ السِّنَّةُ خَلَا النسائيّ(٣)، من هَذَا الوجه، من
طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه.
■ الثَّانِيَةُ(٤): هَذَا النَّهِيُّ لَيسَ لِلنَّحْرِيمِ، بَل(٥) ولَا لِلكَرَاهَةِ، وإنَّما هو
لِلإِرشَادِ، فَهو كَالأمرٍ في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والفَرقُ بَيْنَه وبَينَ (٦ ما كَانَ لِلنَّدب٦ِ) (٧في الفِعلِ ٧) ولِلكَرَاهَةِ(٨) في الثَّركِ:
أنَّ ذلك(٩) لِمَصلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، والإرشَادُ يَرجِعُ لِمَصلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ. وقَد بَيَّنَ عليه الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ المَعنَى في ذلك بِقَولِه في حَدِيث جَابِرٍ في ((الصَّحِيحَينِ))(١٠): ((وأنَّ
الفُويسِقَةَ تُضرِمُ على أهلِ البَيتِ بَيْتَهم)».
(١ - ١) طمس في (ش).
(٢) في (ح): ((حتى)).
(٣) البخاري (٦٢٩٣)، ومسلم (١٠٠/٢٠١٥)، وأبو داود (٥٢٤٦)، وابن ماجه (٣٧٦٩)،
والترمذي (١٨١٣).
(٤) طمس في (ش).
(٥) ليس في: (ك٢، ح).
(٦ - ٦) في (ك٢، ح): ((الندب)).
(٧ - ٧) ليس في: (ش).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((والكراهة)).
(١٠) البخاري (٦٢٩٥)، ومسلم (٩٦/٢٠١٢).
(٩) في الأصل، (ش): ((ذاك)).

=
٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأرَادَ بِالفُويسِقَةِ: الفَأْرَةَ، لِخُرُوجِها على النَّاسِ من جُحرِها بِالْفَسَادِ.
وقَولُه: (تُضرِمُ))، بِضَمِّ التَّاءِ وإسكَانِ الضَّادِ؛ أي: تُحرِقُ سَرِيعًا .
ومَعنَاه: أنَّها تَجُرُّ الفَتِيلَةَ لِما فيها من الدُّهنِ، فَتَمُرُّ بِالشَّيءِ فَتُحرِقُه، والنَّاسُ
(١١٨/٨م) نِيَامٌ لَا يُبَادِرُونَ لَطَفئها (١)، فَتَنَتَشِرُ النَّارُ وتُحرِقُ أهلَ البَيتِ.
وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُ))(٢)، عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: جَاءَت فَأْرَةٌ فَأَخَذَت تَجُرُّ
الفَتِيلَةَ، فَجَاءَت بِها، فَأَلقَتها بَيْنَ يَدَي رسولِ اللهِوَّهِ على الخُمرَةِ(٣) التي كَانَ
قَاعِدًا عليها؛ فَأَحرَقَت منها مِثلَ مَوضِع الدِّرهَم. فقال: ((إِذَا نِمتُم فَأْطِفِئُوا
سُرُجَكُم، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثلَ هَذِهِ على هَذَّا فَتُحرِقُكُم)).
وفي الصَّحِيحَينِ(٤)، عن أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ قال: ((احتَرَقَ بَيتٌ على أهلِه
بِالمَدِينَةِ من الليلِ، فَلَما حُدِّثَ(٥) رسولُ الله ◌َّهِ بِشَأْنِهِم (٦)، قال: إنَّ هَذِهِ النَّارَ إنَّما
هِيَ عَدُوٌّ لَكُم، فَإِذَا نِمتُم فَاطِفِتُوها عنكُم)).
ومَعنَى كَونِها عَدُوًّا لَنَا: أنَّها تُنَافي أبدَانَنَا [٢/ ٢٤٦ظ] وأموالَنَا على الإطلَاقِ
مُنَافَاةَ العَدُوِّ، ولَكِن تَتَّصِلُ مَنفَعَتُها بِنَا بِوسَائطَ، فَذَكَرَ العَدَاوَةَ مَجَازًا لِوُجُودِ مَعنَاها
فيها، قاله أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٧) .
■ الثَّالِثَةُ: قال النَّوِيُّ(٨): هَذَا عَامٌّ يَدخُلُ فيه نَارُ السِّرَاجِ وغَيْرُها .
وأما القَنَادِيلُ المُعَلَّقَةُ في المَسَاجِدِ وغيرِها: فَإن خِيفَ حَرِيقٌ (٩) بِسَبَيِها
دَخَلَت في الأمرِ بِالإطفَاءِ، وإن أمن ذلك كَما هو الغَالِبُ، فَالظّاهرُ: أَنَّه لَا بَأسَ
بِها لِنتِفَاءِ العِلَّةِ؛ لِأِنَّ النبيّ وَّهَ عَلَّلَ الأمرَ بِالإطفَاءِ في الحديثِ السَّابِقِ بِأنَّ(١٠)
الفُويسِقَةَ تُضرِمُ على أهلِ البَيتِ بَيْتَهم، فَإِذَا انتَفَت العِلَّةُ زَالَ المَنعُ.
(١) في (م): ((إلى طفئها)).
(٢) أبو داود (٥٢٤٧).
(٣)
في (ك٢، ح): ((الخميصة)).
(٤)
البخاري (٦٢٩٤)، ومسلم (١٠١/٢٠١٦).
(٥)
في (ش): ((جَدبَ)).
(٧)
عارضة الأحوذي (٤/٨).
في (ش): ((حرق)).
(٩)
(٦) في (ح): ((نساءهم)).
(٨) شرح النووي على مسلم (١٨٧/١٣).
(١٠) في (ح): ((فإن)).

٧
أبوابُ الأدَبِ
الحديثُ الثَّانِي
وعنه، أنَّ النبيّ نَّهِ قال: ((الشُّومُ في ثَلَاثٍ: الفَرس، والمَرأةُ،
والدَّارُ)».
قال سُفيَانُ: إِنَّما نَحفَظُه عن سَالِم؛ يَعنِي: الشُّومَ. وفي رِوايَةٍ لَهما: ((إن
كَانَ الشُّومُ فِي شَيءٍ فَفي ... )). وزَادَ فيَّ رِوايَةٍ في أولِه: ((لَا عَدوى وَلَا طِيَرَةَ)).
وفي رِوايَةٍ لِمسلم، من حَدِيثٍ جَابِرٍ: ((والخَادِمِ))، بَدَلَ المَرأةِ.
وفي رِوايَةٍ مُرسَلَّةٍ لِلنسائيّ في ((سُنَّتِهِ الكُبرَى)): ((والسَّيفِ))، فَجَعَلَها أربَعًا.
ولِابنِ ماجَه: أنَّ أَمَّ سَلَمَةَ كَانَت تَزِيدَ مَعَهنَّ: ((السَّفَ)).
ولَه من حَدِيثٍ مِخمَرٍ بنِ مُعَاوِيَةَ: ((لَا شُومَ وقَدْ يَكُونُ اليُمِنُ فِي ثَلَاثَةٍ))،
الحديثَ. ورواه الترمذيُّ، إلَّا أنَّه قال: حَكِيمُ بنُ مُعَاوِيَةً.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه من هَذَا الوجه: مسلمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ(١)، من طَرِيقٍ
سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن (٢ الزهري عن٢) سَالِم [عن أبيه.
وأخرجه مسلم والترمذي أيضًا، من طريق ابن عيينة، (٣عن الزهري(٣)، عن
سالم](٤) وحَمزَةَ ابنَي عَبدِ الله بنِ(٥) عُمَرَ، عن أبيهما.
وقال الترمذيُّ، بَعدَ ذِكرِ الرِّوايَةِ الأولى: هَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ابنَ المَدِينِيِّ
والحُمَيدِيَّ (١١٩/٨م) رَويًا عن سُفْيَانَ قال: لَم يَروِ لَنَا الزُّهرِيُّ هَذَا الحديثَ إلَّا
عن سَالِمٍ.
لَكِن أخرجه الشيخانِ وأبو دَاوُد والنسائيُّ(٦)، من طَرِيقِ مالِكِ.
(١) مسلم (٢٢٢٥)، والترمذي (٢٨٢٤)، والنسائي (٣٥٧١) وعنده: ((سفيان، عن الزهري،
عن سالم۔۔ وحده - به)).
(٢ - ٢) ليس في: (م).
(٣ - ٣) ليس في: الأصل.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(٥) في (ك٢، ح): ((عن)).
(٦) البخاري (٥٠٩٣)، ومسلم (١١٥/٢٢٢٥)، وأبو داود (٣٩٢٢)، والنسائي (٣٥٧١).

22
٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والشيخانِ والنسائيُّ(١)، من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، وفي أولِه: ((لَا عَدوى ولَا
طِيَرَةَ)). ومسلمٌ من طَرِيقٍ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ أبي
عَتِيقٍ ومُوسَى بنِ عُقْبَةَ، كُلَّهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم وحَمزَةَ، عن أبيهما.
وهَذَا يُخَالِفُ ما صَحَّحَه الترمذيُّ ورَواه النسائيّ(٣) أيضًا، من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ
يَزِيدَ وإسحَاقَ بنِ رَاشِدٍ؛ كلاهما عن الزُّهرِيِّ، عن حَمْزَةَ وحدَه، عن أبيه. ورَواه
أيضًا، من طَرِيقِ ابنِ أبي ذِئبٍ(٤)، عن الزُّهرِيِّ، عن مُحَمَّدٍ بنِ زَيدِ بنِ قُنفُذٍ، عن
سَالِمِ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّر قال: ((إن كَانَ فِي شَيءٍ، فَفي المَسكَنِ والمَرأةِ والفَرَسِ
والسّیف)).
فَأَدْخَلَ بَيْنَه وبَيْنَ سَالِم: مُحَمَّدَ بنَ زَيدٍ، وأرسَلَ الحديثَ، وزَادَ فيه: ((السَّيفَ)).
ورَواه مسلمٌ(٥) أيضًا، من طَرِيقِ عُتبَةَ بنِ مسلمٍ، عن حَمزَةَ وحدَه، عن أبيه
بِلَفِظِ: ((إن كَانَ الشُّومُ فِي شَيٍ)).
[وأخرجه الشيخانِ والنسائيُّ(٦)، من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ(٧) أبي حَمزَةَ. ومسلمٌ
وابنُ ماجَه (٨)، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ إِسحَاقَ. ومسلمٌ(٩)، من طَرِيقٍ عُقَيلِ بنِ
خَالِدٍ. والنسائيُّ(١٠)، من طَرِيقِ مَعمَرٍ؛ كلُّهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ وحدَه، عن
أبيه. وأخرجه الشيخانِ (١١)، من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ زَيدٍ، عن (١٢) عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ،
عن جَدِّه. لَفظُ البخاريِّ: ((إن كَانَ الشُّومُ فِي شَيٍ))](١٣). ولَفظُ مسلم: ((إن يَكُن من
الشُّومِ شَيءٌ حَقٌّ).
البخاري (٥٧٧٢)، ومسلم (١١٦/٢٢٢٥)، والنسائي في الكبرى (٩٢٧٨).
(١)
مسلم (٢٢٢٥)، والنسائي في الكبرى (٩٢٨٤).
(٢)
النسائي في الكبرى (٩٢٧٥، ٩٢٧٦). (٤) النسائي في الكبرى (٩٢٨٠).
(٣)
(٥)
مسلم (١١٨/٢٢٢٥).
البخاري (٢٨٥٨)، ومسلم (٢٢٢٥)، والنسائي في الكبرى (٩٢٨١).
(٦)
(٧)
في (ك٢): ((عن)).
(٨) مسلم (٢٢٢٥)، وابن ماجه (١٩٩٥).
(٩) مسلم (٢٢٢٥).
(١٠) النسائي في الكبرى (٩٢٨٢).
(١١) البخاري (٥٠٩٤)، ومسلم (١١٧/٢٢٢٥).
(١٢) في (ك٢): ((بن)).
(١٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

أبوابُ الأدَبِ
٩
==
وذَكَرَ الدَّارَ قُطِنِيُّ(١) في ((العِلَلِ)) الاختِلَافَ فيه على الزُّهرِيِّ. وذَكَرَ أنَّ رِوايَةَ
حَمِزَةَ عن أبيه لِهَذَا الحديثِ صَحِيحَةٌ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): هَذَا حَدِيثٌ(٣) صَحِيحُ الإسنَادِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن
سَالِمٍ وحَمزَةَ.
وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٤): وماذَا في(٥) أن يَروِيَه عن رَجُلَيْنِ عن رَجُلٍ،
فَيَجْمَعَهما(٦) تَارَةً، ويُفرِدَ كُلَّ (١٢٠/٨م) واحِدٍ منهما أخرَى؟!
■ الثَّانِيَةُ: ((الشُّومُ))، بِضَمِّ الشِّينِ المُعجَمَةِ وبِالواوِ وأصلُها الهَمِزُ(٧)،
ولَكِنَّها خُفِّفَتِ فَصَارَت واوًا .
وغَلَبَ عليها الثَّخفيفُ حَتَّى لَم يُنطَقِ بِها مَهمُوزَةً، وكذلك(٨) ذَكَرَها في
((النِّهايَةِ)) في الشِّينِ مَعَ الواو(٩). وذَكَرَها غَيرُه في الشِّينِ مَعَ الهَمزَةِ على أصلِها.
والشُّومُ: ضِدُّ اليُمنِ، ذَكَرَه في ((الصِّحَاحِ، والمُحكَمِ، والنِّهايَةِ)(١٠).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١١): الشُّومُ في كَلَامِ العَرَبِ النَّحسُ. وكَذَا قال
المُفَسِّرُونَ في قَوله تعالى: ﴿فِىّ أَيَّامٍ لَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، قَالُوا: مَشَائِيمَ. قال
أبو عُبَيْدَةَ: نَحِسَاتٍ ذَاتُ نُحُوسٍ مَشَائِيمَ (١٢) .
■ الثَّالِثَةُ: اختَلَفَ النَّاسُ في هَذَا الحديثِ على أقوالٍ :
أحَدُها: إنكَارُه، وأنَّه عليه [٢/ ٢٤٧و] الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما حَكَاه عن مُعتَقَدٍ
أهلِ الجَاهِلِيَّةِ. رواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(١٣) عن عَائشَةَ: ((أنَّها أُخبِرَت أنَّ
(١) علل الدارقطني (١٣١/١٣، ١٣٢).
(٣) في (ك٢، ح): ((الحديث)).
(٤)
عارضة الأحوذي (١٠/ ٢٦٣).
(٦) في (ش): ((فيجمعها)).
(٨) في (ك٢، ح): ((ولذلك)).
(١٠) الصحاح للجوهري (١٩٥٧/٥)، والمحكم لابن سيده (٩٥/٨)، والنهاية في غريب
الحديث (٢/ ٤٣٧).
(١١) التمهيد (٢٧٨/٩).
(١٢) ينظر: تفسير الطبري (٤٤٦/٢١) الرسالة. (١٣) التمهيد (٢٨٣/٩، ٢٨٨ - ٢٩٠).
(٢) التمهيد (٢٧٩/٩).
(٥) ليس في: الأصل.
(٧) في الأصل، (م): ((الهمزة)).
(٩) ليس في: (ح).

=
١٠
حمـ
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أبَا هرَيرَةَ يُحَدِّثُ (١) بِذلك عن النبيّ وَّةَ، فَطَارَت شُقَّةٌ منها في السَّماءِ وشُقَّةٌ في
الأرضِ، ثُمَّ قالت: كَذَبَ والذي أَنزَلَ الفُرقَانَ(٢) على أبي القَاسِم، مَن حَدَّثَ عنه
بِهَذَا؟! ولَكِنَّ رسولَ اللهِوَّهَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ أهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: الطِّيْرَةُ في المَرأةِ
والدَّارِ والدَّابَّةِ)). ثُمَّ قَرَأْت عَائِشَةُ رِّ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ
إِلَّ فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَْهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِرُ
[الحديد: ٢٢].
٣٣
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ((وكَذَبَ)) في كَلَامِها بِمَعنَى غَلِطَ. ثُمَّ قال: ويَحْتَمِلُ أن
يَكُونَ هَذَا الكَلَامُ كَانَ(٣) في أولِ الإسلامِ، خَبَرًا عَما كَانَت تَعتَقِدُهُ العَرَبُ في
جَاهِلِيَتِها على ما قالت عَائشَةُ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلَك وأبطَلَه القُرآنُ والسُّنَنُ.
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِ أيضًا عن ابنِ مَسعُودٍ (٤) أنَّه (٥ كَانَ يَقُول٥ُ): ((إن (٦كَانَ
الشُّوم٦ُ) في شَيءٍ فَهو فيما بَينَ اللحيَينِ؛ يَعنِي: اللِّسَانَ، وما شَيءٌ أحوجُ إلى
طُولٍ سَجنٍ من لِسَانٍ(٧)).
وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٨) - لَما حُكِيَ هَذَا القَولُ عن بَعضِهم -: هو
سَاقِطٌ؛ لِنَّه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لَم يُبعَث لِيُخبِرَ عن(٩) النَّاسِ بِما كَانُوا
يَعْتَقِّدُونَه، وإنَّمَا بُعِثَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ(١٠) بِما يَلزَمُهم أن يَعلَمُوه ويَعتَقِدُوه.
وحَكَى أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١١): عن بَعضِهم: أنَّ هَذَا خَبَرٌ عن غالب(١٢)
عَادَةٍ ما(١٣) يُتَشَاءَمُ بِهِ، لَا(١٤) أنَّ خَبَرٌ عن الشَّرعِ.
قال: وهَذَا لَيسَ بِشَيءٍ؛ لِأَنَّه تَعطِيلٌ لِكَلَامِ الشَّارِعِ عن الفوائدِ الشَّرعِيَّةِ؛
التي لِبَيَانِها (١٥) أرسَلَه الله تعالى.
(١) في (ك٢، ح): ((تحدث)).
(٣) ليس في: الأصل.
(٥ - ٥) في (ش): ((قال)).
(٧) في (ح): (لسانه)).
(٩) ليس في: (ك٢، ح، ش).
(١١) المفهم (١٠٥/١٨).
(١٣) في الأصل: ((من)).
(١٥) في (ح): ((الشأنها)).
(٢) في (ك٢، ح): ((القرآن)).
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٩٥٢٨).
(٦ - ٦) ليس في: (ك٢، ح).
(٨) عارضة الأحوذي (٢٦٤/١٠، ٢٦٥).
(١٠) ليس في: الأصل.
(١٢) ليس في: الأصل، (م).
(١٤) في (ك٢، ح): ((إلا)).

١١
أبوابُ الأدَبِ
القَولُ الثَّانِي: أنَّه على ظَاهِرِهِ، وأنَّ هَذِهِ الأمُورَ قَد تَكُونُ سَبَبًا في الشُّومِ
فَيُجرِي الله تعالى الثُّومَ عِندَ وُجُودِها بِقَدَرِهِ.
قال أبو دَاوُدُ(١) في سُنَتِهِ: قُرِئَ على الحَارِثِ بنِ مِسكِينٍ وأنَا شَاهدٌ: أخبَرَك
ابنُ القَاسِمِ، (١٢١/٨م) قال: سُئلَ مالِكٌ(٢) عن الثُّوم في الفَرَسِ والدَّارِ؟ قال:
كم من دَارٍ سَكَنَها نَاسٌ فَهَلَكُوا، ثُمَّ سَكَنَها آخَرُونَ فَهَلَّكُوا. فَهَذَا تَفسِيرُه(٣) فيما
نَرَى، والله أعلمُ.
ثُمَّ رَوى أبو دَاوُد(٤) من حَدِيثٍ (فَروةَ بن٥ِ) مُسَيٍ قال: ((قُلت:
يا رسولَ الله، أرضٌ عِندَنَا يُقَالُ لَها: أرضُ أَبَينَ(٦)، هيَ أرضُ رِيفِنَا ومِيرَتِنَا،
وإِنَّها وبئَةٌ(٧). أو قال: وبَاؤُها شَدِيدٌ. فقال النبيّ ◌ََّ: دَعها عنك، فَإنَّ من
القَرَفِ (٨) التَّلَفَ)).
ثُمَّ رَوى أيضًا عن أنَسٍ(٩) قال: «قال رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، إنَّا كُنَّا في دَارٍ:
كَثِيرٌ فيها عَدَدُنَا، وكَثِيرٌ فيها أموالُنَا، فَتَحَولِنَا إلى دَارٍ أخرَى: فَقَلَّ فيها عَدَدْنَا،
وقَلَّت فيها أموالُنَا. فقال رسولُ اللهِ وَّ: ذَرُوها(١٠) ذَمِيمَةً)).
وقال الخَطَّابي(١١)، لَمَا ذَكَرَ حَدِيثَ فَروةَ: لَيسَ هَذَا من بَابِ العَدوى،
وإنَّما هو من بَابِ الطِّبِّ، فَإِنَّ استِصلَاحَ الأهوِيَةِ من أعونِ الأشياءِ على صِحَّةٍ
الأبَدَانِ، وفَسَادَ الهَواءِ من أسرَعِها إلى إسقَامِها، وكُلُّ ذلك بإذنِ الله ومَشِيئَتِهِ.
وقال في حَدِيثِ أَنَسٍ: يَحتَمِلُ أنَّه إنَّما أمَرَهم بِالتَّحَوُّلِ عنها، إبطَالًا لِما
وقَعَ منها في نُفُوسِهم من أنَّ المَكرُوهَ إنَّما أصَابَهم بِسَبَبٍ سُكنَاها، فَإِذَا تَحَولُوا
(١) أبو داود (٣٩٢٢).
(٢) وينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢٧٥/١٧).
(٤) أبو داود (٣٩٢٣).
(٣) في (ك٢، ح): ((تفسيري)).
(٥ - ٥) ليس في: (ش).
(٦) في (ش): ((أنين)).
(٧) في (م): ((وبيئة)).
(٨) في الأصل، (ك٢، ح): ((الفرق)). وهو تحريف.
(٩) أبو داود (٣٩٣٤).
(١١) معالم السنن (٢٣٦/٤، ٢٣٧).
(١٠) في (ك٢، ح): ((ردوها)).

١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عنها انقَطَعَت مادَّةُ ذلك الوهم(١)، وزَالَ عنهم ما خَامَرَهم من الشُّبهَةِ.
وقال ابنُ العَرَبي(٢) بَعدَ حِكَايَتِه كَلَامَ مالِكٍ كَلَّقُ: ولَيسَ هذا(٣) منه إضَافَةُ
الشُّومِ إلى الدَّارِ ولَا تَعلِيقُه بِها، وإنَّما هو (٤) عِبَارَةٌ عن جَرِيِ العَادَةِ فيها، فَيَخرُجُ
المَرءُ عنها صِيَانَةً لِاعْتِقَادِه عن تَعليقِهِ(٥) بِها الثَّعلِيقَ (٦) الْبَاطِلَ والاهتِمامَ بِغَيرِهم.
قال: وعن هَذَا وقَعَ الخَبَرُ، في حَدِيثٍ حَكِيمٍ بنِ مُعَاوِيَةً، عن النبيّ ◌َّ:
((لَا شُومَ. وَقَدْ يَكُونُ اليُمِنُ فِي الدَّارِ والمَرأةِ والفَرَسِ)».
والحديثُ المَذكُورُ، رَواه الترمذيُّ هَكَذَا، ورواه ابنُ ماجَه، من حَدِيثٍ
مِخْمَرِ بنِ مُعَاوِيَةَ(٧) .
قال ابنُ العَرَبي(٨): نَفَى نِسَةَ [٢٤٧/٢ظ] هَذِهِ القَضِيَّةِ(٩) إلى الدُّورِ والنِّسَاءِ
والبَهائم، وأجَازَ نِسبَةَ اليُمنِ إلَيها، لِما في ذلك من صَلَاحِ الأديانِ (١٠) وفَرَاغٍ
القُلُوبِ عن الاهتمام. قال: وقَولُه: ((دَعُوها ذَمِيمَةً))، إخبَارٌ بِأنَّ وصفَها بِذلك
جَائزٌ، وذِكرَها بِقَبِيحِ ما جَرَى فيها سَائٌ، من غَيرِ أن يَعتَقِدَ ذلك كائنًا منها،
(١١ ولَيسَ يَمْتَنِعُ (١) ذَمُّ المَحَلِّ المَكَرُوه، وإن كَانَ لَيسَ منه شَرعًا .
أَلَا تَرَى أَنَّا نَذُمُّ العَاصِيَ على مَعصِيَتِه، وإن كَانَ ذلك بِقَضَاءِ الله فيه؛ لِأَنَّ
قَضَاءَ الله عليه بِالمَعصِيَةِ حُكُمْ عَقلِيٍّ، وجَوازُ ذَمِّه حُكمٌ شَرعِيٍّ فَاجْتَمَعَا واتَّفَقًا .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٢): تَخَيَّلَ بَعضُ أهلِ العِلم أنَّ التَّطَيُّرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ
مُستَثَنَّى من قَولِه: ((لَا طِيَرَةَ»، وأنَّه مَخصُوصٌ بِها، فَكَأَنَّه (١٢٢/٨م) قال: لَا طِيَرَةَ
إلَّا في هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَمَن تَشَاءَمَ بِشَيءٍ منها نَزَلَ بِهِ ما كَرِهَ من ذلك، ومِمَّن صَارَ
(١) ليس في: (ح).
(٣)
ليس في: (م).
(٥)
في (م): ((تعلقه)).
الترمذي عقب (٢٨٢٤)، وابن ماجه (١٩٩٣).
(٧)
(٨) عارضة الأحوذي (٢٦٦/١٠، ٢٦٧). (٩) في (ك٢، ح): ((الأقضية)).
(١٠) في (م): ((الأبدان)).
(١٢) المفهم (٦٢٩/٥).
(٢) عارض الأحوذي (٢٦٦/١٠).
(٤) ليس في: الأصل.
(٦) في (م): ((التعلق)).
(١١ - ١١) في (ش): ((ولكن يمنع)).

=
١٣
أبوابُ الأدَبِ
إلى هَذَا ابْنُ قُتَيبَةَ(١)، وعَضَّدَه بِما يُروى من حَدِيثٍ أبي هرَيرَةَ مَرفُوعًا (٢):
((الطِّيَرَةُ(٣) على مَن تَطَيَّ)) .
ثُمَّ حَکَی القُرطبي(٤) كَلَامَ مالِكِ. ثُمَّ قال: ولا يُظَنُّ بِمَن قال هَذَا القَولَ،
أنَّ الذي رَأَخَّصَ فيه من الطَّرَةِ بِهَذِه الأشياءِ هو على نَحوِ ما كَانَت الجَاهِلِيَّةُ تَعتَقِدُ
فيها وتَفعَلُ عِندَها، فَإِنَّها كَانَت لَا تَقدَمُ على ما تَطَيَّرَت بِهِ ولَا تَفْعَلُه بِوجهٍ، بِنَاءً
على أنَّ الطَّيَرَةَ تَضُرُّ قَطعًا، فَإنَّ هَذَا تَنَّ خَطَأٌ .
وإنَّما يَعنِي بِذلك: أنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أكثَرُ ما يَتَشَاءَمُ النَّاسُ بِها، لِمُلَازَمَتِهم
إِيَّاها، فَمَن وقَعَ فِي نَفسِه شَيءٌ من ذلك: فَقَد أَبَاحَ الشَّرِعُ لَه أن يَتْرُكَه ويَستَبدِلَ بِهِ
غَيْرَه مِما(٥) تَطِيبُ بِهِ نَفسُه ويَسكُنُ إلَيه خَاطِرُه، ولَم يُلزِمِهِ الشَّرِعُ أن يُقِيمَ في
مَوضِعِ يَكرَهه أو مَعَ امْرَأَةٍ يَكرَهها، بَل قَد فَسَّحَ لَه في تَركِ (٦) ذلك كُلِّه، لَكِن مَعَ
اعتِقَادِ أنَّ اللهَ تعالى هو الفَعَّالُ لِما يُرِيدُ، ولَيسَ لِشَيءٍ من هَذِهِ الأشْيَاءِ أثَرٌ في
الوُجُودِ. انتَهَى.
وقال ابنُ عَبدِ البَرّ(٧): مَعنَى قَولِه: ((الطِّيَرَةُ على مَن تَطَيَّرَ))، أنَّ إثمَها على
مَنْ تَطَيَّرَ بَعدَ عِلمِه بِنَهي رسولِ اللهَِلِّ عنها (٨). قال: وقَولُه: ((ذَرُوها (٩) ذَمِيمَةً))،
قاله لَهم لِما رَسَخَ في قُلُوبِهِم من الطَّيَرَةِ، فَلَما استَحكَمَ الإسلامُ بَيَّنَ لَهم ولِغَيرِهم
أن لَا طِيَرَةَ، والله أعلمُ.
القَولُ الثَّالِثُ: ذَكَرَ الخَطَّابي (١٠): أنَّ مَعنَاه، بَعدَ إبطَالِ الطَّيَرَةِ: إِن كَانَت
لِأحَدِكُمْ دَارٌ يَكرَه سُكنَاها أو امرأةٌ يَكرَه صُحبَتَها أو فَرَسٌ لَا يُعجِبُه ارتِبَاطَه،
فَليُفَارِقِها بِأن يَنتَقِلَ عن الدَّارِ (١١) ويَبيعَ الفَرَسَ.
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص(١٠٢ - ١٠٤).
الطحاوي (٣١٤/٤)، وابن حبان (٦١٢٣)، لكن عن أنس.
(٢)
(٣)
في (ك٢، ح): ((التطير)).
في (ك٢): ((لما)). وفي (ح): ((فما)).
(٥)
(٧) التمهيد (٢٨٤/٩، ٢٩٠).
(٩) في (ك٢، ح): ((ردوها)).
(١١) بعده في (م): ((ويطلق المرأة)).
(٤) المفهم (٦٢٩/٥ - ٦٣٠).
(٦) ليس في: (ك٢، ح).
(٨) ليس في: (ك٢، ح).
(١٠) معالم السنن (٢٣٦/٤).

١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ومَحَلُّ هَذَا الكَلَامِ مَحَلُّ استِنَاءِ الشَّيءٍ من غَيرِ جِنسِه، وسَبِيلُه سَبيلُ الخُرُوجِ
من كُلَامِ إلى غَيرِهِ.
وذَكَرَ النَّورِيُّ(١) أنَّ الخَطَّابي نَقَلَ هَذَا عن كَثِيرِينَ. وهَذَا هو مَعنَى كَلَامِ
القُرطُبي المُتَقَدِّم، ويَشهَدُ لَه قَولُه في الرِّوايَةِ الأخرى التي تَقَدَّمَ ذِكرُها عن
((الصَّحِيحَينِ)): ((إنَ كَان (٢) الشُّومُ في شَيءٍ ففي)).
فَدَلَّ(٣) على أنَّ هَذَا الكَلَامَ لَم يُذكَر على سَبيلِ الجَزمِ بِهِ(٤)، بَل على سَبيلٍ
التَّشبيه والتَّقْرِيبِ.
القَولُ الرَّابعُ: أَنَّه لَيسَ (°المراد بشُؤمِها٥) ما يُتَوقَّعُ بِسَبَبِ اقتِنَائها من
الهَلَاكِ، بَل شُؤمُ الدَّارِ ضِيقُها وسُوءُ جِيرَانِها وأَذَاهم. وقِيلَ: بُعدُها من المَسَاجِدِ
وعَدَمُ سَماعِ الأَذَانِ منها. وُشُومُ المَرأةِ عَدَمُ وِلَادَتِها وسَلَاطَةُ لِسَانِها وتَعَرُّضُها
لِلرَّيبِ. وشُومُ الفَرَسِ أن لَا يُغزَى عليها .
وقِيلَ: حِرَانُها وغَلَاءُ ثَمَنِها. وشُومُ الخَادِمِ سُوءُ خُلُقِه وقِلَّةُ تَعَهدِهِ لِما فُوِّضَ
(١٢٣/٨م) إليه.
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦) عن مَعمَرٍ (٧) أنَّه قال: سَمِعت مَن يُفَسِّرُ هَذَا الحديثَ
يَقُولُ: شُومُ المَرأةِ إذَا كَانَت غَيرَ ولُودٍ، وشُومُ الفَرَسِ إِذَا لَم يُغزَ عليه في سَبيلِ الله
تعالى، وُشُومُ الدَّارِ جَارُ السُّوءِ، واستَحسَنَه ابنُ عَبدِ البَرِّ.
وقِيلَ: المُرَادُ بِالشُّومِ هِنَا عَدَمُ المُوافَقَةِ، كَما جَاءَ في الحديثِ: ((سَعَادَةُ
ابنِ آدَمَ في ثَلاثَةٍ، وشِقوةُ ابنِ آدَمَ في ثَلَاثَةٍ، فَمِن سَعَادَتِهِ: المَرأةُ الصَّالِحَةُ،
والمَسكَنُ الواسِعُ [٢٤٨/٢و]، والمَركَبُ الصَّالِحُ، ومن شِقوتِهِ: المَرأةُ السُّوءُ،
(١) شرح النووي على مسلم (٢٢١/١٤).
(٢)
ليس في: (ك٢).
(٣) في (م): ((قول)).
(٤) ليس في: (ش).
(٥ - ٥) في الأصل: ((يشومها)). وفي (م): (لشومها)).
(٦) التمهيد (٢٧٩/٩).
(٧) جامع معمر بن راشد (١١٩)، وعبد الرزاق (١٩٥٢٧).

أبوابُ الأدَبِ
5
١٥
والمَسكَنُ السُّوءُ، والمَركَبُ السُّوءُ))(١).
وقَد أَشَارَ البخاريُّ إلى هَذَا التَّأْوِيلِ الرَّابِعِ، بِأن قَرَنَ بِالاِستِدلَالِ بِهَذَا
الحديثِ قَوله تعالى: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]،
وذَكَرَ في الْبَابِ حَدِيثَ أسَامَةَ بنِ زَيدٍ: ((ما تَرَكت بَعدِي فِتْنَةً أضرَّ على الرِّجَالِ من
النِّسَاءِ))(٢).
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): هَذَا المَعنَى لَا يَلِيقُ بِالحديثِ(٤)، ونِسبَتُه إلى
أنَّه مُرَادُ الشَّرعِ فَاسِدَةٌ.
■ الرَّابِعَةُ: حَكَى المازَرِي(٥) عن بَعضِ أهلِ العِلم أنَّه قال: نَهَى النبيّ ◌َّل
عن الفِرَارِ من بَلَدِ الطَّاعُونِ، وأبَاحَ الفِرَارَ من هَذِهِ الدَّارِ، فَما الفَرقُ؟
ثُمَّ حَكَى عن بَعضِ أهلِ العِلمِ ما مَعنَاه: أنَّ الجَامِعَ لِهَذِه الفُصُولِ ثَلَاثَةُ
أقسام:
أحَدُها: ما لَم يَقَعِ الضَّرَرُ بِهِ، ولَا اظَّرَدَت بِه عَادَةٌ خَاصَّةٌ ولَا عَامَّةٌ،
فَهَذَا(٦) لَا يُلْتَفَتُ إلَيه، وأنكَرَ الشَّرعُ الإِلِتِفَاتَ إِلَيه(٧). وهو الطَّيَرَةُ.
والثَّانِي: ما يَقَعُ الضَّرَرُ عِندَه عُمُومًا لَا يَخُصُّه، ونَادِرًا لَا مُتَكَرِّرًا (٨) كَالوبَاءِ
فَلَا يَقدَمُ علیه ولا يَخرُجُ منه.
والثَّالِثُ: ما يَخُصُ ولَا يَعُمُّ كَالدَّارِ والفَرَسِ والمَرأةِ، فَهَذَا يُبَاحُ الفِرَارُ منه.
■ الخَامِسَةُ(٩): ظَاهرُ قَولِه: ((الشُّومُ في ثَلَاثٍ))، حَصْرُ الشُّومِ فيها
(١٠ على اختِلَافِ ١٠) التَّأْوِيلَاتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولَا سِيَّما إذَا قُلنَا: إنَّ مَفهومَ العَدَدِ
(١) أخرجه أحمد (١٦٨/١).
(٣)
المفهم (٦٣١/٥).
(٢) البخاري (٥٠٩٦).
(٤) في (م): ((بهذا الحديث)).
(٥) في (م): ((الماوردي)). وهو تصحيف. والكلام في المُعلم (٢٧٤/٢ - ٢٧٥)، وينظر:
المفهم (٦٣٠/٥)، وشرح النووي على مسلم (٢٢٢/١٤).
(٦)
في (ك٢، ح): ((فلهذا)).
(٧)
ليس في: (ك٢، ح).
(٩) بياض في (ش).
(٨) في (ك٢، ح): ((یتکرر)).
(١٠ - ١٠) في (م): ((باختلاف)).

=
١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
حُجَّةٌ. وهو مَحكِيٍّ عن الشَّافِعِيِّ(١)، وقَد تَقَدَّمَ من ((سُنَنِ النسائيّ) مُرسَلًا: ذِكَرُ
السَّيفِ أيضًا. وفي ((سُنَنِ ابنِ ماجَه))(٢) عن الزُّهرِيِّ أنَّه قال: فَحَدَّثَنِي أبو عُبَيْدَةَ بنُ
عَبدِ الله بنِ زَمعَةَ، أنَّ جَدَّتَه زَيْنَبَ حَدَّثَته، عن أمِّ سَلَمَةَ: أنَّها كَانَت تَعُد هَؤُلَاءِ
الثَّلَاثَةَ، وتَزِيدَ مَعَهِنَّ السَّيفَ. وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٣)، من حَدِيثِ أبي الزُّبَيرِ، عن
جَابِرِ مَرفُوعًا: ((إن كَانَ في شَيءٍ فَفي الرَّبعِ والخَّادِمِ والفَرَسِ)). فَلَم يَذْكُر المَرأةَ،
وذَكَرَ الخَادِمَ بَدَلَها .
وقَد حَصَلَ من مَجمُوعِ الرِّوايَاتِ مَعَ الثَّلاثِ شَيئَانِ آخَرَانٍ: الفَرس،
والخَادِمُ. وهَذَا يَدُلُّ على عَدَمِ الحَصرِ في الثَّلاثِ.
وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٤): هو حَصرُ عَادَةٍ (١٢٤/٨م) لَا خِلَقَةٍ، فَإنَّ
الشُّومَ قَد يَكُونُ من الإِثْنَينِ في الصُّحَبَةِ، وقَد يَكُونُ في السَّفَرِ، وقَد يَكُونُ في القَّوبِ
يَستَجِدُّه العَبدُ. ولِهَذَا قال النبيّ وَّهِ: ((إِذَا لَبِسَ أحَدُكُمْ ثَوبًا جَدِيدًا فَلَيَقُل: اللَّهُمَّ
(" إِنِّي أسألُك(٥) من خَيرِهِ وخَيرِ ما صُنِعَ لَه، وأعُوذُ بِك من شَرِّه وشَرِّ ما صُنِعَ لَه))(٦).
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٧)، بَعدَ أن سَألَ: ما وجه خُصُوصِيَّةٍ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ
بِالذِّكرِ: هَذِهِ ضَرُورِيَّةٌ في الوُجُودِ لَا بُدَّ لِلإنسَانِ من مُلَازَمَتِها غَالِبًا، فَأكثَرُ ما يَقَعُ
التَّشَاؤُمُ بِها، فَخَصَّها بِالذِّكرِ لِذلك.
(١) ينظر: التمهيد للأسنوي (ص٢٥٢)، والإبهاج للسبكي (٨/٢)، والبحر المحيط للزركشي
(١٢٣/٣).
(٢) ابن ماجه (١٩٩٥).
(٣) مسلم (١٢٠/٢٢٢٧).
(٤)
عارضة الأحوذي (٢٦٥/١٠).
(٥ - ٥) في (ك٢): ((إنا نسألك)).
(٦) هكذا ذكره ابن العربي ◌َّتُهُ، ولم نهتد إليه بهذا اللفظ. لكن الظاهر، والله أعلم، أنه
مرگّب من حدیثین :
أحدهما: حديث ابن أبي ليلى مرسلًا: ((إذا لبس أحدكم ثوبًا جديدًا، فليقل: الحمد لله
الذي كساني ... )). رواه ابن أبي شيبة (٢٦٤/٨) وغيره.
والثاني: حديث أبي سعيد: كان رسول الله إذا لبس ثوبًا جديدًا قال: (( ... وأسألك من
خيره، وخير ... )). رواه ابن أبي شيبة (٤٠٣/١٠). وهما أقرب للفظ المذكور هنا. وينظر:
مسند أحمد (٣٠/٣)، وسنن أبي داود (٤٠٢٢)، وسنن النسائي الكبرى (٨٥/٦).
(٧) المفهم (٦٣٢/٥).

١٧
أبوابُ الأدَبِ
=
■ السَّادِسَةُ: قَولُه: ((الفَرس))، كَذَا في (١أكثَرِ الكُتُب١ِ). وفي ((صَحِيحٍ
البخاريِّ))، من طَرِيقٍ يُونُسَ. (وجَامِعِ الترمذيِّ))(٢)، من طَرِيقِ سُفْيَانَ؛ كِلَاهما
عن الزُّهرِيِّ: ((الدَّابَّةُ))، بَدَلَ ((الفَرَسِ)». فَيَحتَمِلُ: أن يَكُونَ أطلَقَ الدَّابَّةَ(٣)
وأرَادَ بِها الفَرَسَ. ويَحْتَمِلُ: أن يَكُونَ نَبَّهَ بِالفَرَسِ على ما عَدَاها من الذَّوابُ،
والله أعلمُ.
■ النَّابِعَةُ: قَولُه: ((والمَرأةُ))، ذَكَرَ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٤): أنَّها تَتَنَاولُ
الزَّوجَةَ والمَملُوكَةَ.
قال: وقَولُه في حَدِيثٍ جَابِرٍ: ((والخَادِمِ)) يَتَنَاولُ الذَّكَرَ والأنثَى؛ لِأَنَّه اسمُ
جِنْسٍ، والله أعلم.
■ الثَّامنةُ: ((الرَّبعُ)) المَذكُورُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هو (٥) بِمَعنَى الدَّارِ المَذْكُورَةِ
في خبر (٦) غَيرِهِ. وقَد قال في الصِّحَاحِ)) (٧): الرَّبعُ الدَّارُ بِعَينِها حَيثُ كَانَت. ثُمَّ
قال: والرَّبِعُ المَحِلَّةُ، يُقَالُ: ما أوسَعَ رَبِعِ بَنِي فُلَانٍ. انتَهَى.
فَإِنَّ حَملَ الحديثَ على الثَّانِي كَانَ أَعَمَّ من الرِّوايَةِ المَشهورَةِ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٨): المُرَادُ بِالرَّبعِ الدَّارُ، كَما في الرِّوايَةِ
الأخرَى. ثُمَّ قال: ويَصِحُ حَملُه على أعَمٍّ من ذلك، فَيَدخُلُ فيه الدُّكَّانُ والفُندُقُ
وغَيرُهما مِما يَصلُحُ الرَّبِعُ لَه، والله أعلم.
(١ - ١) في (ك٢، ح): ((التركيب)).
(٢) البخاري (٥٧٥٣)، والترمذي (٢٨٢٤).
(٣) في (ك٢، ح): ((الرواية)).
(٤)
المفهم (٦٣٢/٥).
(٥)
ليس في: (ك٢، ح).
(٦)
من (ش).
الصحاح للجوهري (١٢١١/٣).
(٧)
المفهم (٦٣٢/٥).
(٨)

=
١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثَّالِثُ
وعنْ سَالِم، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِّهِ: ((اقْتُلُوا [٢٤٨/٢ظ]
الحَيَّاتِ وَذَا الطَّيَّتَينِ والأبتَرَ، فَإِنَّهما يَلْتَمِسَانِ البَصَرَ ويَستَسقِطَانِ الحَبَلَ)).
فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَقتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وجدها(١)، فَرَآه أبو لُبَابَةَ أو زَيدُ بنُ الخَطَّابِ
وهو يُطَارِدُ حَيَّةً. فقال: إنَّه قد (٢) نُهِيَ عن ذَواتِ الْبُيُوتِ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه من هَذَا الوجه: مسلمٌ(٣)، عن (١٢٥/٨م) عَمرِو بنِ
مُحَمَّدِ النَّاقِدِ. وأبو دَاوُد عن مُسَدَّدٍ (٤)، كِلَاهما عن سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ. وأخرجه
مسلمٌ(٥) أيضًا، من طَرِيقِ الزُّبَيَدِيِّ(٦) ويُونُسَ بِنِ يَزِيدَ(٧) ومَعمَرٍ وصَالِحٍ بِنِ كَيْسَانَ،
كُلُّهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه. إلَّا أنَّ فِي رِوايَةٍ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ: ((حَتَّى
رَآنِي أبو لُبَابَةَ ابنُ عَبدِ المُنذِرِ وَزَيدُ بنُ الخَطَّابِ فقالا: إنَّهَ قَد نُهِيَ عن ذَواتِ
البُيُوتِ)). وأخرجه البخاريُ(٨)، من طَرِيقِ هشَامِ بنِ يُوسُفَ، عن مَعمَرٍ، عن
الزُّهرِيِّ. وفيه: ((فَنَادَانِي أبو لُبَابَةَ: [لَا تَقتُلها)). ثُمَّ (٩) قال البخاريُّ: وقال
عَبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعَمَرٍ: ((فَرَآنِي أبو لُبَابَةَ](١٠) أو زَيْدُ بنُ الخَطَّابِ)).
وتَابَعَه يُونُسُ وابنُ عُيَيْنَةَ وإسحَاقُ الكَلبي والزُّبَيديُّ.
(١) في الأصل، (م): ((يجدها)).
(٢) ليس في: الأصل، (م).
(٣) مسلم (٢٢٣٣)، وأبو داود (٥٢٥٢).
(٤)
في (ك٢، ح): ((مسعود)). وهو تحريف.
(٥)
مسلم (١٢٩/٢٢٣٣، ١٣٠).
في (م): ((الزبيري)). وهو تصحيف، ومحمد بن الوليد الزبيدي، نسبة إلى زُبيد، قبيلة من
(٦)
مذحج أصلهم من اليمن. وينظر: الأنساب لابن السمعاني (٦/ ٢٦٣).
(٧)
في (ك٢، ح): ((زيد)).
(٨) البخاري (٣٢٩٧ - ٣٢٩٩).
(٩) ليس في: (ش).
(١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح).

١٩
أبوابُ الأدَبِ
=
وقال صَالِحُ وابنُ أبي حَفْصَةَ وابنُ مُجَمِّعٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن
ابنِ عُمَرَ: ((رَآنِي أبو لُبَابَةً وزَيدُ بنُ الخَطَّابِ)). وَاتَّفَقَ عليه الشيخانِ (١) من طَرِيقٍ
جَرِيرٍ بِنِ حَازِمٍ.
وأخرجه مسلمٌ (٢) من طَرِيقٍ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وجُويرِيَةَ بنِ أسماءَ، كُلُّهم،
عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن أبي لُبَابَةَ. وأخرجه مسلمٌ(٣) أيضًا من طَرِيقٍ
عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ [٢٥٣/٢ظ]، والليثِ بنِ سَعدٍ، ويَحَيَى بِنِ سَعِيدٍ، وعُمَرَ بِنِ نَافِعٍ،
وأسَامَةَ بنِ زَيدٍ. وأبو دَاوُد(٤) من طَرِيقِ مالِكِ، كُلُّهم عن نَافِعٍ، عن أبي لُبَابَةَ.
وأخرجه أبو دَاوُد(٥) أيضًا، من طَرِيقِ أيُّوبَ، عن نَافِعِ: أنَّ ابنَ عُمَرَ وجَدَ
بَعدَ ذلك - يَعنِي: بَعدَ ما حَدَّثَه أبو لُبَابَةَ - حَيَّةً فِي دَارِهِ، فَأْمَرَ بِها فَأْخِرِ جَت؛
يَعنِي: إلى البَقِيعِ. وأخرجه أبو دَاوُد(٦) أيضًا، من طَرِيقِ أسَامَةَ، عن نَافِعٍ في هَذَا
الحديثِ. قال نَافِعٌ: ثُمَّ رَأيتها بَعدُ في بَيْتِهِ. وأخرجه البخاريُّ(٧) أيضًا، من طَرِيقٍ
ابنِ أبِي مُلَيكَةَ: أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يَقتُلُ الحَيَّاتِ. قال: فَلَقِيتُ أَبَا لُبَابَةَ، فَأَخَبَرَنِي
أنَّ النبيّ وَِّ قال: ((لَا تَقْتُلُوا الحَيَّاتِ (٨)، إلَّا كُلَّ أبتَرَ ذِي طُفْيَتَينٍ)) .
وذَكَرَ الدَّارَ قُطِنِيُّ (٩) في «العِلَلِ)»: أنَّ النَّهيَ عن قَتلِ ذَواتِ الْبُيُوتِ، رُوِيَ عن
ابنِ عُمَرَ، عن النبيّ وَِّ، وصَوّبَ(١٠) قَولَ مَن قال: عن ابنِ عُمَرَ، عن أبي لُبَابَةَ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١١): قال أكثَرُ الرُّواةِ عن مالِكِ، عن نَافِع، عن أبي لُبَابَةً.
وقال ابنُ وهبٍ، (١٢ عن مالِك١٢ِ)، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن أبي لُبَابَةَ.
(١) البخاري (٣٣١٢، ٣٣١٣)، ومسلم (١٣٢/٢٢٣٣).
(٢)
مسلم (١٣٤/٢٢٣٣).
(٣)
مسلم (١٣١/٢٢٣٣، ١٣٣، ١٣٥، ١٣٦م).
(٤)
أبو داود (٥٢٥٣).
(٦)
أبو داود (٥٢٥٥).
(٥) أبو داود (٥٢٥٤).
(٧) البخاري (٣٣١٠، ٣٣١١).
(٨) في (م): ((من الحيات)). وهي في البخاري: ((الجنَّان)).
(٩) علل الدارقطني (٢٩٨/١٢، ٢٩٩).
(١٠) في (م): ((قال وصوب)).
(١١) التمهيد (١٩/١٦، ٢٠).
(١٢ - ١٢) ليس في: (ح).

٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والصَّحِيحُ الأولُ؛ لِأَنَّ نَافِعًا سَمِعَ هَذَا الحديثَ مَعَ(١) ابنِ عُمَرَ من أبي لُبَابَةَ.
قال: وكُلُّ مَن رَواه عن مالِكِ عن نَافِعٍ عن أبي(٢) لُبَابَةَ: لَم يَزِد عِلى النَّهي عن
قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ، إلَّا القَعنَبِي فَإِنَّهِ زَادَ فيه: («إلَّا أن يَكُونَ ذَا الطُّفَقَينِ والأبتَرَ،
فَإِنَّهما يَخْطَفَانِ البَصَرَ، ويَطْرَحَانِ ما فِي بُطُونِ النِّسَاءِ». ولَم يَروِ (١٢٦/٨م) ذلك في
حَدِيثِ أبِي لُبَابَةَ إلَّ القَعنَبي. وهو وهمٍّ، وإنَّما هو مَحفُوظٌ من حَدِيثِ ابن(٣) عُمَرَ
وعَائِشَةَ.
قُلتُ: لَعَلَّه أرَادَ من طَرِيقِ مالِكٍ، فَقَد تَقَدَّمَ أنَّ الإِسْتِثنَاءَ في ((صَحِيحٍ
البخاريِّ)) من حَدِيثِ أبي لُبَابَةً.
■ الثَّانِيَةُ (٤): أبو لُبَابَةَ، بِضَمِّ اللامِ بَعدَها بَاءٌ مُوخَّدَةٌ ثُمَّ ألفٌ ثُمَّ بَاءٌ
مُوخَّدَةٌ أيضًا، هو ابنُ عَبدِ المُنذِرِ الأنصَارِيُّ.
واختُلِفَ في اسمِه: فَقِيلَ: بَشِيرٌ، وقِيلَ: رِفَاعَةُ. وقِيلَ: غَيرُ ذلك. وهو
أحَدُ النُّقَبَاءِ لَيلَةَ العَقَبَةِ. ومنهم (°مَن أطلَقَ أنَّه بَدرِيٌّ. ومنهم٥) مَن قال: خَرج
إلَيها، فَرَدَّه رسولُ اللهِ وََّ، قِيلَ(٦): من الرَّوحَاءِ وأمَّرَه على المَدِينَةِ وضَرَبَ لَه
بِسَهمِه وأجرِهِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٧): ماتَ في خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضُه. وقال غَيْرُه:
ماتَ بَعدَ الخَمسِينَ.
وزَيدُ بنُ الخَطَّابِ (٨): هو أخُو عُمَرَ أمِيرِ المُؤمنينَ لِأبيه (٩)، وكَانَ أَسَنَّ منه،
وأسلَمَ قَبلَه، وشَهدَ المَشَاهدَ كُلَّها(١٠)، واستُشهدَ بِاليَمامَةِ في خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ،
وحَزِنَ عليه عُمَرُ حُزْنَا شَدِيدًا.
■ الثَّالِثَةُ: (١١) الحَيَّاتُ جَمعُ حَيَّةٍ، وهو الحَنَشُ (١٢) المَعرُوفُ؛ لَا يَخْتَصُّ
(١) في (م): ((من)).
(٣) ليس في: (م).
(٥ - ٥) ليس في: (ك٢، ح).
(٧) الاستيعاب (١٧٤٠/٤)، وينظر: الإصابة (٣٤٩/٧).
(٨) ينظر: الاستيعاب (٥٥٠/٢).
(١٠) ليس في: (ك٢، ح).
(١٢) في (م): ((الجنس)).
(٢) في (ك٢، ح): ((ابن)).
(٤) بياض في (ش).
(٦) ليس في: (ك٢، ح).
(٩) في الأصل: ((من أبيه)).
(١١) بياض في (ش).