Indexed OCR Text

Pages 341-360

=
كر
٣٤١
بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
ولِهذا قال بَعضُ الصَّحَابَةِ ◌َّه: ((رَضِيَه رسولُ اللهِ وَّهِ لِدِينِنَا، أَفَلَا نَرضَاه
لِدُنيَانَا)). ومنها قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لِتِلكَ المَرأةِ، لَما قالت لَه: ((أرأيتَ، إن
لَم أجِدك)). تَعنِي المَوتَ: «ائت أبا بكر(١)».
■ السَّادِسَةُ: قَولُه: ((فَعَلِمتُ أنَّه غَيرُ مُستَخِلِفٍ))؛ أي: عَلى النَّعيِينِ. لَكِنَّه
لَم يُهمِل الأمرَ، ولَم يُبطِلِ الاِستِخلَافَ، بَل جَعَلَه شُورَى في قَومِ مَعدُودِينَ لَا
يَعدُوهم، فَكُلُّ مَن قَامَ بِها منهم كَانَ رِضَى ولَها أهلًا، فَاختَارُوا عُثمانَ هُ
وعَقَدُوا لَه البَيعَةَ كَما هو مَعْرُوفٌ. والله أعلمُ.
الحديثُ الثَّانِي
في و(٢) عن هَمام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: ((قال رسولُ اللهِ: ((بَيْنَا أَنَا
نَائِمٌ، رَأيتُ أنِّي أُنزَّعُ عَلى حَوضِ أسقِي النَّاسَ، فَأَتَانِي أبو بَكرٍ، فَأَخَذَ
الدَّلو منِ يَدََّ لَيُرَوِّحَنِّي، فَزَعَ ذَنوَّبِينٍ(٣) وفي نَزِعِهِ ضَعفٌ. قال: فََّتَانِي(٤)
ابنُ الخَطَّابِ، واللهُ يَغْفِرُ لَه، فَأَخَذَها، فَلَم يَنزِعِ رَجُلٌ(٥)، حَتَّى تَوِلى النَّاسُ
والحَوضُ يَتَفَجَّرُ(٦)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه ((البخاريُّ))(٧) من هذا (٧٧/٨م) الوجه، من طَرِيقٍ
عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَامٍ.
واتَّفَقَ عليه الشيخانِ(٨) من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ بِنِ المُسَيِّبِ. وأخرجه
البخاري (٧٣٦٠)، ومسلم (٢٣٨٦)، والترمذي (٣٦٧٦).
(١)
(٢)
ليس في: (ش).
(٣) في (م): ((دلوين)).
في الأصل: ((فأتى))
(٤)
(٥) بعده في (م): ((نزعه)).
في (ش): «ینفجر)).
(٦)
(٧) البخاري (٧٠٢٢).
البخاري (٣٦٦٤، ٧١٢١، ٧٤٧٥)، ومسلم (١٧/٢٣٩٢).
(٨)

=
٣٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(مسلمٌ) (١) من طَرِيقِ الأعرَجِ، وأبي يُونُسَ، كُلُّهم عن أبي هريرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((أُنزِعُ)) بِكَسرِ الزَّايِ؛ أي: أستقِي (٢). وأصلُ النَّزع
الجَذبُ، وقَولُه: ((عَلى حَوضٍ)). كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ.
وفي رِوايَةٍ أخرَى: ((عَلى قَلِيبٍ))، وهيَ البِئرُ غَيرُ المَطوِيَّةِ، ولَا مُنَافَاةَ
بَيْنَهما، فَقَد يُسَمَّى القَلِيبُ حَوضًا، فَإِنَّ الحَوضَ مُجْتَمَعُ الماءِ.
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((فَأَخَذَ الدَّلو من يَدَتَّ لَيُرَوِّحَنِّي)). قال العُلَماءُ: فيه إشَارَةٌ
إلى نِيَابَةِ أبي بَكرٍ ◌َُه عنه وخِلَافَتُه بَعدَه ورَاحَتُه ◌َّهِ بِوفَاتِه من نَصَبِ الدُّنيَا
ومَشَاقُّها [٢/ ٢٣٤ظ]، كَما قال ◌َ: ((مُستَرِيحُ ومُستَرَاحٌ منه)(٣)، و((الدُّنيَا سِجنُ
المُؤمن)) (٤). ((ولَا كَرِبَ عَلى أبيك بَعدَ اليَومَ)) (٥). والدَّلوُ فيه لُغَتَانِ: التَّذكِيرُ
والتَّأْنِيثُ(٦).
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((فَنَزَعَ ذَنُوبَينٍ)) الذَّنُوبُ، بِفَتحِ الذَّالِ المُعجَمَةِ، وضَمِّ
النُّونِ، وآخِرُه باءٌ مُوحَّدَةٌ: الدَّلوُ المَملُوءَةُ.
وفي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إلى مِقَدَارِ خِلَافَةِ الصُّدِّيقِ رَبِهِ، وكَانَت سَنَتَينٍ وأشهرًا،
قَولُه: (وفي نَزِعِه ضَعفٌ)) هو بِضَمِّ الضَّادِ وفَتحِها، لُغَتَانِ مَشهورَتَانٍ، ولَيسَ في
ذَلِكَ حَّ (٧) مِن فَضِيلَةِ أبي بَكرٍ، ولَا إثباتُ فَضِيلَةٍ لِعُمَرَ عليهِ، وإنَّما هو إخبارٌ عن
مُدَّةٍ وِلَايَتِهما، وكَثَرَةِ انْتِفَاعِ النَّاسِ فِي وِلَايَةِ عُمَرَ لِطُولِها، ولِاِتُّسَاعِ الإسلامِ وبِلَادِه
والأموالِ وغيرِها، وكَثْرَةِ الغَنَائمِ والفُتُوحَاتِ، وعُمَرُ رَبُه هو الذي مَصَّرَ الأمصَارَ
ودَونَ الدَّواوِينَ(٨) .
مسلم (٠٠٠/٢٣٩٢، ١٨).
(١)
(٢)
في (م): ((أسقي)).
في (ك٢، ح، ش): ((الحديث)). وأخرجه البخاري (٦٥١٢)، ومسلم (٩٥٠)، والنسائي
(٣)
(١٩٢٩) عن أبي قتادة څله.
مسلم (٢٩٥٦)، والترمذي (٢٣٢٤)، وابن ماجه (٤١١٣) عن أبي هريرة
(٤)
(٥)
البخاري (٤٤٦٢)، وابن ماجه (١٦٢٩) عن أنس
(٦)
شرح مسلم للنووي (١٦١/١٥ - ١٦٢).
في (ش): ((حظ)).
(٧)
(٨) شرح مسلم للنووي (١٦١/١٥).

بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
كم
٣٤٣
=
الخَامِسَةُ: قَولُه: ((فَأَتَانِي ابنُ الخَطَّابِ، والله يَغْفِرُ لَه)). كَذَا في هَذِه
الرِّوايَةِ، والمَشهورُ في الصَّحِيحِ: أنَّ هذا الكَلَامَ إنَّما هو مَقُولٌ في الصِّدِّيقِ بَظُبته.
وعَلى كِلتا الرِّوايَتَينِ(١)، فَلَيسَ في ذَلِكَ تَنْقِيصٌ لِمَن قِيلَ فيه ذَلِكَ ولَا إِشَارَةٌ إلى
ذَنبٍ (٢)، وإنَّما هيَ(٣) كَلِمَةٌ كَانَ(٤) المسلمُونَ يُدَعِّمُونَ بِها كَلَامَهم، ونِعمَت
الدِّعَامَةُ. وفي الحديثِ الصَّحِيح(٥): أنَّها كَلِمَةٌ كَانَ المسلمُونَ يَقُولُونَها: افعَل
كَذَا، والله يَغْفِرُ لَك. وهذا كَعَادَةٍ (٦) العَرَبِ في قَولِهم: تَرِبَت يَمِينُه. وقَاتَلَه الله.
ونَحوُ ذَلِكَ.
وقال بَعضُهم: هذا إخبارٌ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِأنَّ اللهَ قَد غَفَرَ لَه،
وجَازَاه(٧) عَلَى القِيَامِ بِأمرِ الأَمَةِ عَلى أَتَمِّ الوُجُوه(٨).
وقال القَاضِي ابنُ العَرَبي (٩): لَمّا رَأى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مُدَّةَ الصِّدِّيقِ
قَصِيرَةً، قال: ((والله يَغْفِرُ لَه))؛ أي: يَرضَى عنه، فَيُعِطِيه ثَوابَ أَطُولٍ (١٠) مُدَّةٍ وأكثَرٍ
عَمَلٍ، وكَيفَ تَكُونُ مُدَّتُه قَصِيرَةً ومُدَّةُ عُمَرَ وعُثمانَ من جِهَتِهِ، وكَذَلِكَ الؤُلَاةُ
العُدُولُ بَعدَه.
(٧٨/٨م) السَّادِسَةُ: قَولُه: ((فَلَم يَنزِعِ رَجُلٌ)) كَذَا في رِوايَتِنَا، وفيه
حَذْفٌ (١١)، تَقدِيرُهُ: فَلَم يَنزِعِ رَجُلٌ (١٢) نَزْعَه. وكَذَا هو مُصَرَّحْ بِهِ فِي رِوايَةٍ أخرَى
(١٣)
في الصَّحِيحِ (١٣).
ليس في: الأصل.
(١)
(٣)
في الأصل: ((هو)).
(٢) في (ك٢، ح): ((بذنب)).
(٤) في (ك٢، ح): ((كانوا)).
أخرجه مسلم (٥٨، ٧١٥)، والنسائي (٤٦٥٥) من حديث جابر، وقال أبو نضرة: وكانت
(٥)
كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا، والله يغفر لك.
(٦)
في (ك٢، ح): («كفارة)».
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٦١/١٥).
(٨)
(٩)
عارضة الأحوذي (١٥٦/٩).
(١١) في (ك٢، ح، ش): ((خلاف)).
(١٢) في (ش): ((رجل من الناس)).
(١٣) في البخاري (٣٦٦٤): ((فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر)).
(٧) في (ك٢، ح): ((وحملو)).
(١٠) في (م): ((طول)).

٣٤٤
بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
■ السَّابِعَةُ: قَولُه: ((حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ))؛ أي: أعرَضُوا عن أخذِ الماءِ،
لِفَرَاغْ حَوائجِهم واستِغِنَائهم عنه. وقَولُه: ((والحَوضُ يَتَفَجَّرُ)) بِالتَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقُ
شُدِّدَ(١) لِلِكَثرَةِ.
■ الثَّامنةُ: قال النَّووِيُّ (٢): قال العُلَماءُ: هذا المَنامُ(٣) مِثَالٌ واضِحٌ لِما
جَرَى لِأبي بَكرٍ وَعُمَرَ، ﴿هَا، في خِلَافَتِهما، وحُسنِ سِيرَتَهما، وظُهورِ آثَارِهما،
وانتِفَاعِ النَّاسِ بِهما، وكُلُّ ذَلِكَ مأخوذٌ من النبيّ وَّهِ ومن بَرَكَتِهِ(٤)، وآثَارِ صُحبَتِه،
فَكَانَ النبيّ وَّرَ هو صَاحِبُ الأمرِ، فَقَامَ بِهِ أكمَلَ قِيَامِ، وقَرَّرَ قَواعِدَ الإسلام،
ومَهَّدَ أمُورَه، وأوضَحَ أصُولَه وفُرُوعَه، ودَخَلَ النَّاسُ في دَينِ الله أفواجًا (٥)،
وأنزَلَ الله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَغْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]، ثُمَّ
تُوُفِي ◌َِّ، فَخَلَفَه أبو بَكْرٍ ◌َُهُ سَنَتَينٍ وأشهرًا، وحَصَلَ في خِلَافَتِهِ قِتَالُ أهلٍ
الرِّدَّةِ، وقَطْعُ دَابِرِهم، واتِّسَاعُ الإسلامِ، ثُمَّ تُوُفي فَخَلَفَه عُمَرٌ ◌َُه، فَاتَّسَعَ الإسلامُ
في زَمَنِهِ، وتَقَرَّرَ لَهم من أحكامِه ما لَمْ يَقَع مِثْلُه، فَعَبَّرَ بِالقَلِيبِ عن أمرِ المسلمِينَ،
لِما فيها من الماءِ الذي فيه حَيَاتُهم وصَلَاحُهم، وشَبَّهَ أمِيرَهم بِالمُستَقِي لَهم،
وسَقيُه هو (٦) قِيَامُه بِمَصَالِحِهم، وتَدبيرُ أمُورِهم. وفي هذا إعلَامٌ بِخِلَافَةِ أبي بَكرٍ
وعُمَرَ ضِ﴿هَا، وصِحَّةٍ وِلَايَتِهما، وبَيَانِ صِفَتِهما (٧)، وانتِفَاعِ المسلمِينَ بِها(٨).
وقال القَاضِي أبو بَكرٍ(٩) العَرَبي(١٠): الماءُ خَيرٌ عَلى الإطلاقِ، إلَّا أن
يَنْضَافَ إِلَيه ما يُخرِجُه عن غَالِبٍ أمرِهِ، أو عن وضعِه في أصلِه. والدَّلوُ آلَةٌ من
آلَّاتِه، ضُرِبَ في المَنَام مَثَلًا لِلحَظِّ الذي أعطاه [٢٣٥/٢ و] الله لَنَا، ولَيسَ تَقدِيرُه
بِالدَّلوِ دَلِيلًا عَلى صِغَرِ الْحَظّ، وإنَّما قَدَّرَ بِهِ عِبَارَةً عن التَّمَكُّنِ منه، وإنَّما يَتَمَكَّنُ(١١)
ليس في: الأصل.
(١)
(٣)
في (م): ((المقام)».
في (ش): ((أفواجًا أفواجًا)).
(٥)
(٧)
في الأصل: ((صفتها)).
(٩) ليس في: (م).
(١١) في (ك٢، ح): ((لم يتمكن)).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٦١).
(٤) في (م): ((وبركته)).
(٦) في (ش): ((لهم)).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((بهما)).
(١٠) عارضة الأحوذي (١٥٥/٩).

كر
٣٤٥
بابٌ الإمامَةِ والإمارَةِ
منه في الدَّلوٍ، وإلَّا فَحَظُّنَا في الخَيرِ يَملَأَ السَّمَواتِ والأرضَ، وأعظَمُ من ذَلِكَ
وأكبرُ.
■ التَّاسِعَةُ: الظّاهرُ أنَّ قَولَه: ((حَتَّى تَولى (١) النَّاسُ والحَوضُ يَتَفَجَّرُ)).
عَائِدٌ إلى خِلَافَةً عُمَرَ بَظُهُ خَاصَّةٌ. وقِيلَ: يَعُودُ(٢) إلى خِلَافَةِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ
جَمِيعًا، وَذَلِكَ أنَّه بِنَظَرِهما وتَدبيرِهما وقِيَامِهما بِمَصَالِحِ المسلمِينَ تَمَّ هذا الأمرُ؛
لِأَنَّ أبا بَكرٍ رَُّ فَمَعَ أهلَ الرِّذَّةِ، وجَمَعَ شَملَ المسلمِينَ وألَّفَهم، وابتَدَأ الفُتُوحَ
ومَهَّدَ الأمُورَ، وتَمَّت(٣) ثَمَرَاتُ ذَلِكَ وتَكَامَلَت في زَمانِ عُمَرَ،
(٧٩/٨م) العَاشِرَةُ: وفي قَولِه: ((يَتَفَجَّرُ(٤))) إشَارَةٌ إلى استِمِرَارٍ بَقَاءٍ
النَّصرِ والفَتح، وزِيَادَةِ الخَيرَاتِ والبَرَكَاتِ مُتَّصِلَةً بَعدَ وفَاةٍ عُمَرَ ◌َ﴿له، وكَذَلِكَ
كَانَ.
الحديثُ الثَّالِثُ
رعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيش في هذا
الشَّانِ، مسلمُھم تَبَعْ لِمسلمھم، وگافِرُهم تبثّ لِگافِرِهم)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه ((مسلمٌ))(٥) من هذا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعمَرٍ، عن هَمامِ.
واتَّفَقَ عليه الشيخانِ (٦) من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَج. كِلَاهما عن أبي
هَرَيرَةَ.
(١)
في (ش): ((يولي)).
(٢) في الأصل: ((تعود)).
في (ك٢، ح): ((ونجب))، وفي (ش): ((نمت)).
(٣)
(٤)
في (ك٢، ح): ((تنفجر)).
البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١/١٨١٨).
(٦)
(٥) مسلم (١٨١٨/ ٢).

٣٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّانِيَةُ: فيه دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخِلَافَةَ مُختَصَّةٌ بِقُرَيشٍ، لَا يَجُوزُ عَقدُها
لِأحَدٍ من(١) غَيرِهم، وعَلى هذا انعَقَدَ الإجماعُ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ ﴿ه، وَكَذَلِكَ
بَعدَهم، ومَن خَالَفَ فيه من أهلِ البِدَعِ، أو عَرَضَ بِخِلَافٍ من غَيرِهم، فَهو
مَحْجُوجٌ بِإجماعِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ فَمَن بَعدَهم بِالأحَادِيثِ(٢) الصَّحِيحَةِ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): اشتِرَاطُ كَونِه قُرَشِيًّا هو مَذهَبُ العُلَماءِ كَافَّةً. قال:
وقَد احتَجَّ بِهِ(٤) أبو بَكرٍ وعُمَرُ ﴿ُّ عَلى الأنصَارِ يَومَ السَّقِيفَةِ، فَلَم يُنكِرِه أحَدٌ.
قال القَاضِي: وقَد عَدَّها العُلَماءُ في مَسَائلِ الإجماع(٥)، ولَم يُنقَل عن أحَدٍ
من السَّلَفِ فيها قَولٌ ولَا فِعلٌ يُخَالِفُ ما ذَكَرِنَا، وكَذَلِكَ مَن بَعدَهم في جَمِيعِ
الأعصَارِ. قال: ولا اعتِدَادَ بِقَولِ النَّظَّامِ ومَن وافَقَه من الخَوارِجِ وأهلِ البِدَعِ: إنَّه
يَجُوزُ كَونُه من غَيرِ قُرَيشٍ، ولَا بِسَخَافَةٍ ضِرَارِ بنِ عَمْرو (٦) في قَولِه: إنَّ غَيرَ
القُرَشِيِّ، من النََّطِ وغَيرِهم يُقَدَّمُ عَلى القُرَشِيِّ، لِهَوانِ خَلِعِه(٧) إن عُرِضَ منه أمرٌ.
وهذا الذي قاله (٨) من باطِلِ القَولِ وزُخرُفِه، مَعَ ما هو عليه من مُخَالَفَةٍ
إجماعِ المسلمِينَ(٩) .
قال أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ (١٠): فَإِن لَم يُوجَد قُرَشِيٌّ مُستَجمِعُ الشُّرُوطِ، فَكِنَانِيٌّ،
فَإِن لَم يُوجَد فَرَجُلٌ من ولَدِ إسماعِيلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَإِن لَم يُوجَد (١١) فيهم مُستَجمِعُ الشَّرَائِطِ: فقال البَغَوِيّ في ((التَّهَذِيبِ)): إنَّه
ليس في: (ك٢، ح، ش).
(١)
(٢) في (ش): ((وبالأحاديث)).
(٤) ليس في: (ش).
(٣)
إكمال المعلم (٢١٤/٦).
ينظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص١٢٥).
(٥)
في النسخ: ((عمر)). ولعله من باب كتابتها على المنطوق بفتح العين، وهو جائز في
(٦)
الرسم. وضرار بن عمرو الغطفاني، من رؤوس المعتزلة، كان ينكر الجنة والنار،
وعذاب القبر، كفّره المعتزلة أنفسهم، له نحو ثلاثين مصنفًا (ت١٩٠ هـ). سير أعلام
النبلاء (٥٤٤/١٠).
في (ك٢، ح): «جهله)).
(٧)
شرح مسلم للنووي (٢٠٠/١٢).
(٩)
(١١) في (ك٢، ح): ((يكن)).
(٨) في (م): ((قال)).
(١٠) روضة الطالبين (٢٦٣/٧).

=
كمـ
٣٤٧
بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
يُولى رَجُلٌ من العَجَم. وقال المُتَولِّي في ((التَِّمَّةِ)): أنَّه يُولى جُرهمِيٌّ (٨٠/٨م)،
وُجُرهمٌ أصلُ العَرَبِ، فَإِن لَم يُوجَد جُرهمِيٍّ، فَرَجُلٌ من ولَدِ إسحَاقَ وَّهِ.
قُلتُ: وهذا ذَكَرَه الفُقَهاءُ عَلى سَبيلِ الفَرضِ؛ كعَادَتِهِم، ولَكِنَّ هذا لَا يَقَعُ،
فَقَد قال النبي ◌َِّ: ((لَا يَزَالُ هذا الأمرُ في قُرَيشٍ ما بَقِيَ من النَّاسِ اثْنَانِ)). وفي
رِوايَةٍ: ((ما بَقِيَ منهم اثنَانٍ))، وهذا الحديثُ ثَابِتٌ في ((الصَّحِيح)) (١) من حديثٍ
عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ ﴿﴿ه.
قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢): بَيَّنَ النبي ◌َّ أنَّ هذا الحُكمَ مُستَمِرٌّ
إلى (٣)، آخِرَ الدُّنيَا، ما بَقِيَ من النَّاسَِّ اثنَانِ، وقَد ظَهَرَ ما قاله ◌ََّ، فَمَن زَمَنِه إلى
الآنَ الخِلَافَةُ فِي قُرَيشٍ من غَيرِ مُزَاحَمَةٍ لَهم فيها، وتَبقَى كَذَلِكَ ما بَقِيَ اثنَانٍ كَما
قاله ښالنوم .
قُلتُ: والمُتَغَلِّونَ عَلى النَّظَرِ في أمُورِ الرَّعِيَّةِ (٤) بِطَرِيقِ الشَّوكَةِ لَا يُنكِرُونَ
[٢/ ٢٣٥ظ] أنَّ الخِلَافَةَ في قُرَيشٍ، وإنَّما يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عنهم(٥).
ولَمَا تَغَلَّبَ العُبَيَدِيُّونَ(٦) عَلى البِلَادِ المِصرِيَّةِ والمَغرِبيةِ وغيرِها واذَّعُوا الخِلَافَةَ،
زَعَمُوا أَنَّهم(٧) من قُرَيشٍ من ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ ◌َه، وإن طَعن غَيْرُهم في نَسَبِهِم ومَعَ
ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ(٨) الجَماعَةِ، إنما(٩) كَانَت خِلَافَةُ الجَماعَةِ المُتَّفَقِ عليها
بِبَغْدَادَ فِي بَنِي العَباسِ. والله أعلمُ.
وقال أبو العَباسِ القُرطُبي (١٠) في هذا الحديثِ: هذا خَبَرٌ عن المَشْرُوعِيَّةِ؛
أي: لَا تَنْعَقِدُ الوِلَايَةُ الكُبرَى إلَّا لَهم، مَهما وُجِدَ منهم أحَدٌ. انتَهَى.
وهذا صَرفُ اللفظِ عن ظَاهرِهِ بِغَيرِ دَلِيلٍ.
أخرجه مسلم (٤/١٨٢٠).
(١)
بعها في (م): ((يوم القيامة)).
(٣)
(٤) في (م): ((الرغبة)).
(٥)
ليس في: (ك٢، ح).
في (ك٢، ح): ((تغلبت العبيد))، وفي (ش): ((تغلبت العبيديون)).
(٦)
في (ك٢، ح): ((أنه)).
(٧)
(٨) في (ك٢، ح): ((حلف)).
(١٠) المفهم (٦/٤).
في (م): «فما)).
(٩)
(٢) شرح مسلم للنووي (٢٠٠/١٢ - ٢٠١).

٣٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((مسلمُهم تَبَعْ لِمسلمِهم، وكَافِرُهم تَبَعٌ لِگافِرِهم)). هو
بِمَعنَى قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((في الخَيرِ والشَّرِّ)). وذَلِكَ أنَّهم كَانُوا في
الجَاهِلِيَّةِ رُؤَسَاءَ العَرَبِ، وأصحَابَ حَرَمِ الله تعالى(١)، وأهلَ حَجِّ بَيتِ الله،
وكَانَت العَرَبُ تُسَمِّيهم أهلَ الله، وانتَظَرُوا إسلَامَهم، فَلَما أسلَمُوا وفُتِحَت مَكَّةُ،
تَبِعَهم النَّاسُ، وجَاءَت وُفُودُ العَرَبِ من كُلِّ جِهَةٍ، ودَخَلَ النَّاسُ في دَينِ الله
أفواجًا، وكَذَلِكَ في الإسلامِ هم أصحَابُ الخِلَافَةِ، والنَّاسُ تَبَعٌ لَهم.
وقال بَعضُهم: لَعَلَّ(٢) هذا في أمرِ الجَورِ والأئمَّةِ(٣) المُضلِّينَ (٤). ولَا
يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أولَئِكَ لَا يُطلَقُ عليهم اسمُ الكُفرِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرَادَ الإخبارُ عن
حَالَتِهِم في زَمَنِ الجَاهِيَّةِ، وأنَّهم لَم يَزَالُوا أَشَرَافَ النَّاسِ وقَادَتَهم(٥).
■ الرَّابِعَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ: استَدَلَّت الشَّافِعِيَّةُ بِهذا الحديثِ، وما في
مَعِنَاه مِثْلُ قَولِه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((الأئمَّةُ من قُرَيشٍ))(٦)، وقَولِه: ((قَدِّمُوا
قُرَيشًا، ولَا تُقَدِّمُوها، وتَعلَّمُوا من قُرَيشٍ، وَلَا تُعَلِّمُوها))(٧) عَلى إِمامَةِ الشَّافِعِيِّ،
وتَقَدِيمِه عَلى غَيرِهِ. ولَا حُجَّةَ لَهم فيه، إذ المُرَادُ بِالأئمَّةِ هنَا الخُلَفَاءُ(٨)، وكَذَلِكَ
بِالتَّقدِيمِ (٢٨١/٨)، ولِتَقدِيم النبيّ ◌ََّ سَالِمًا مَولى أبي(٩) حُذَيفَةَ يُؤَمُّ فِي مَسجِدٍ
قَباءَ(١٠) وفيهم أبو بَكرٍ وعُمَرُ وتَقدِيمُه زَيدًا وابنَه أسَامَةَ ومُعَاذًا وغَيرَ واحِدٍ،
وقُرَيشٌ مَوجُودُونَ.
في (ش): ((الحرم الشريف)).
(١)
(٢) في (ك٢، ح): (لعلي الظُ﴾)).
(٣)
في (ك٢، ح): ((الإثم)).
(٤)
في (ك٢، ح): ((المصلين)).
ينظر: إكمال المعلم (٢١٥/٦)، والمفهم (٥/٤ - ٦).
(٥)
(٦)
أخرجه أحمد (١٢٩/٣)، والنسائي في الكبرى (٥٩٤٢).
أخرجه عبد الرزاق (١٩٨٩٣)، وابن أبي شيبة (١٦٨/١٢)، وابن أبي عاصم (٦٣٧/٢).
(٧)
(٨)
في الأصل: ((الخلافة)).
(٩) في (م): ((بن)).
(١٠) أخرجه البخاري (٦٩٢)، وابن خزيمة (١٥١١)، وابن أبي شيبة (٣٤٣/١)، والطبراني
في الكبير (٥٩/٧ (٦٣٧١).

=
بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
٣٤٩
وأما الحديثُ الآخَرُ في التَّعلِيمِ، فَلَيسَ بِصَحِيحِ لَفظًا، ولَا مَعنّ لِإجماع
العُلَماءِ عَلَى التَّعلِيمِ(١) (٢ من غَيرِ قُرَشِي٢ٍّ) ومن المَوالِي، وتَعَلُّمُ قُرَيشٍ منهم، وتَعَلُّمُّ
الشَّافِعِيِّ من مالِكٍ وابنٍ عُيَينَةَ ومُحَمَّدِ بنُ الحَسَنِ وابنِ أبي يَحيَى ومسلمٍ بِنِ خَالِدِ
الزِّنجِيِّ وغَيرِهم مِمَّن لَيْسَ بِقُرَشِيٍّ(٣).
قال النَّووِيُّ(٤): هو حُجَّةٌ في مَزِيَّةَ قُرَيشٍ عَلَى غَيرِهم، والشَّافِعِيُّ قُرَشِيٍّ.
قُلتُ: قَد احتَجَّ بِهِ البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) عَلى فَضلِ قُرَيشٍ. وهو استِدلَالٌ
ظَاهرٌ لَا يُنكَرُ، وَلَيسَ مُرَادُ المُستَدِلُّ بِهَذِه الأحَادِيثِ: أنَّه لَا يَكُونُ الفَضلُ والتَّقَدُّمُ
إلّا بِذَلِكَ، وإنَّما هو من أسبابِ الفَضلِ والتَّقَدُّمِ، ومن أسبابِ ذَلِكَ أيضًا الفِقه
والقِرَاءَةُ والورَعُ والسُّنَنُ(٥) وغَيرُها، فَالمُستَوِيانِ في هَذِهِ الخِصَالِ، إذَا تَمَيَّزَ
أحَدُهما بِكَونِه قُرَشِيًّا كَانَ ذَلِكَ مُقَدِّمًا لَه عَلى الآخَرِ، فَمَقصُودُهم دَلَالَةُ هَذِه (٦)
الأحَادِيثِ عَلى تَقدِيمِ الشَّافِعِيِّ عَلى مَن سَاواه في العِلمِ والدِّينِ، بِكُونِه من
قُرَيشٍ، وهذا أمرٌ لَا يُنكَرُ.
وقَد(٧) قال أبو العَباسِ القُرطُبي (٨)، بَعدَ أن ذَكَرَ نَحو ما ذَكَرَه القَاضِي
عِيَاضٌ: إنَّ المُستَدِلَّ بِهِذا صَحِبَته غَفْلَةٌ، قَارَنَها (٩) من تَصمِيمِ التَّقَلِيدِ طَيِشَةٌ.
وقَد عَرَفتَ أنَّ الغَفْلَةَ إنَّما هيَ من مُنكِرِ هذا الاستِدلَالِ، غَفَلَ عن مُرَادِ
المُستَنبِطِ ولَم يَفْهَم مَغزَاه، وظَنَّ أنَّ ذَلِكَ مانِعٌ لَه من تَقلِيدِ مَن صَمَّمَ عَلى تَقْلِيدِه.
واللهُ أعلمُ.
في (ك٢، ح، ش): ((التعلم)).
(١)
(٣)
إكمال المعلم (٢١٥/٦).
(٤) شرح مسلم للنووي (١٢/ ٢٠١).
(٥)
في (ك٢، ح، ش): ((السن)).
ليس في: (ش).
(٧)
(٦) في (ش): ((أحد هذه)).
(٨) المفهم (٤ / ٧).
في (ك٢، ح): ((قاربها)).
(٩)
(٢ - ٢) في (ش): ((من قريش)).

=
٣٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحديثُ الرَّابِعُ
جَ وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((من أطَاعني فَقَد أَطَاعَ اللهَ، ومن
يَعصِنِي فَقَد عَصَى اللهَ، ومن يُطِعِ الأمِيرَ فَقَد أَطَاعني، ومن [٢٣٦/٢و] يَعصٍٍ
الأمِيرَ فَقَد عَصَانِي)».
(٨٢/٨م) فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه ((مسلمٌ)) (١) من هذا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعَمَرٍ، عن هَمَامٍ.
ومن طَرِيقِ الأَعَرَجِ(٢)، وأبي عَلقَمَةَ، وأبي يُونُسَ. كُلُّهم عن أبي هُرَيْرَةَ.
واتَّفَقَ عليه ((الشيخانِ))(٣) من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرَةَ،
بِلَفِظِ ((أمِيرِي)»، بَدَل ((الأمِیرً).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((مَن أَطَاعني فَقَد أَطَاعَ الله))، مُنْتَزَعٌ من قَوله تعالى: ﴿مَّن
يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وذَلِكَ أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَما كَانَ
مُبَلِّغًا أمرَ الله وحُكمَه، و(٤) أمَرَ الله بِطَاعَتِهِ، فَمَن أَطَاعَه فَقَد أَطَاعَ أمرَ(٥) الله ونَفَّذَ
حُكمه.
وقَولُه: ((ومَن يَعضِنِي (٦فقد عصى الله٦))). في مَعنَاه أيضًا، وقَد قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((ومَن يُطِعِ الأمِيرَ فَقَد أطَاعني، ومَن يَعصِ الأمِيرَ فَقَد
عَصَانِي)). فيه وُجُوبُ طَاعَةٍ وُلَاةِ الأمُورِ، وهذا مُجمَعٌ عليه. وإنَّما تَجِبُ الطَّاعَةُ
مسلم (٠٠٠/١٨٣٥).
(١)
مسلم (٣٢/١٨٣٥)، (٠٠٠/١٨٣٥)، (٣٤/١٨٣٥).
(٢)
(٣)
البخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥/ ٣٣).
(٤) ليس في: (م).
(٦ - ٦) ليس في: (م).
(٥) ليس في: (ك٢، ح).

بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
٣٥١٠
=
حَيثُ لَم يَأْمُرُوا بِمَعصِيَةٍ، كَما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحديثِ الصَّحِيحِ:
((إلّا أن يَأْمُرَ(١) بِمَعصِيَةٍ، فَإن أمَرَ بِمَعصِيَةٍ، فَلَا سَمِعَ ولَا طَاعَةَ))(٢)، وهذا الحديثُ
وما في مَعنَاه، مُقَيِّدٌ لِوُجُوبٍ طَاعَةِ الأمَرَاءِ، والسَّبَبُ في الأمرِ بِطَاعَتِهِم اجتماعُ
كَلِمَةِ المسلمِينَ، فَإِنَّ الِخِلَافَ سَبَبٌ لِفَسَادِ أحوالِهم في دِينِهِم ودُنيَاهم، ويُستَنَتَجُ(٣)
من ذَلِكَ أنَّ مَن أطَاعَ الأمِيرَ فَقَد أَطَاعَ اللهَ؛ لِأَنَّه أطَاعَ الرسولَ، ومَن أَطَاعَ
الرسولَ فَقَد أَطَاعَ اللهَ، وقَد قال الله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وفي ((الصَّحِيحِ)) (٤) عن ابنِ عَباسٍ رَضِّ: ((أنَّ
هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَت في عَبدِ الله بنِ حُذَافَةَ السَّهِمِيِّ، بَعَثَه النبيّ وَِّ فِي سَرِيَّةٍ. ومَعنَاه:
أنَّ عَبدَ الله بنَ حُذَافَةَ أمَرَهم(٥) بِأمرٍ، فَخَالَفَه (٦) بَعضُهم، وأنِفَ عَلى عَادَةِ العَرَبِ،
فَإِنَّهِم كَانُوا يَأْنَفُونَ من الطَّاعَةِ، فَزَلَتِ الْآيَةُ بِسَبَبٍ ذَلِكَ)).
قال الشَّافِعِيُّ(٧): كَانَت العَرَبُ تَأْنَفُ من الطَّاعَةِ لِلأَمَرَاءِ، فَلَما أَطَاعُوا
رسولَ الله ◌َ﴿ أَمَرَهم بِطَاعَةِ الأمَرَاءِ، وهذا صَرِيحٌ في أنَّ المُرَادَ بِأولِي الأمرِ
الأمَرَاءُ.
وفي ذَلِكَ أقوالٌ، أشهرُها قَولَانِ:
أحَدُهما: هذا، وبِهِ قال الجُمهورُ.
والثَّانِي: أنَّهم العُلَماءُ. ولَه وجهٌ، وهو أنَّ شَرطَ طَاعَةِ الأمَرَاءِ أن يَأْمُرُوا
بِما يَقْتَضِيه (٨) العِلمُ، وَكَذَلِكَ كَانَ(٩) أمَرَاءُ رسولِ اللهِ وَّهِ، وَحِينَئِذٍ تَجِبُ طَاعَتُهم،
فَلَو أمَرُوا بِمَا لَا يَقْتَضِيه العِلمُ حَرُمَتْ طَاعَتُهم، فَإِذَا الحُكمُ لِلعُلَماءِ، والأمرُ لَهم
(١)
في (ش): ((يؤمر)).
إكمال المعلم (٢٤٠/٦)، والحديث في مسلم (٣٨/١٨٣٩).
(٢)
(٣)
في (ش): ((نستفتح)).
(٤)
البخاري (٤٥٨٤)، ومسلم (٣١/١٨٣٤).
(٥)
في الأصل: ((أمر)).
(٧)
المفهم (٤ /٣٤ - ٣٥).
لیس في: (ك٢، ح).
(٩)
(٦) في (ك٢، ح): ((فخالف)).
(٨) في (ك٢، ح): ((يقضيه)).

=
٣٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بِالأصَالَةِ، غَيرَ أنَّهم (١) لَهم الفُتْيَا (٢) من غَيرِ جَبٍ، ولِلأمِيرِ الفُتْيَا إذَا كَانَ من أهلِها
والجبرُ.
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه في (٨٣/٨م) الرِّوايَةُ الأخرَى: ((أمِيرِي). يُحتَمَلُ أن يُرَادَ
بِهِ مَن باشَرَ رسولُ اللهِ وَّهُ وِلَايَتَه، مَعَ أنَّ الحُكمَ لَا يَختَصُ بِهِ، فَكُلُّ أمِيرٍ
لِلمسلمِينَ عَدلٌ حُكمُهُ(٣) كَذَلِكَ، وهو دَاخِلٌ في عُمُومٍ قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى:
((الأمِير))، وتَخصِيصُ أمِيرِهِ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِالذِّكرِ؛ لِأِنَّه المُرَادُ وقتَ
الخِطَابِ، ولِأَنَّ سَبَبُ وُرُودِ الحديثِ.
ويُحتَمَلُ أن لَا يُرَادَ بِذَلِكَ تَخصِيصُ مَن باشَرَه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ
بِالتَّوْلِيَةِ، بَل كُلُّ أمِيرٍ عَدلٍ وُلِّيَ بِحَقِّ فَهو أمِيرُه؛ لِأَنَّه بِأمرِهِ تَولى وبِشَرِيعَتِهِ قَامَ.
وقَد ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ رِوايَتَي: ((أَمِيرِي))، و((الأمِيرُ))، وإن تَفَاوتتَا(٤) لَفِظًا، فَهما
مُتَّحِدَانِ فِي المَعنَى(٥). واللهُ أعلمُ.
في (ش): ((أن)).
(١)
(٢)
في الأصل: ((الفتوى)».
(٣)
في (م): «حکمه)).
في (م): ((تفاوتا)).
(٤)
ينظر: المفهم (٣٦/٤).
(٥)

كِتَابُ القَضَاءِ والدَّعَاوى
٣٥٣
كِتَابُ القَضَاءِ وَالدَّعَاوى
بَابُ تَسجِيلِ الحَاكِمِ عَلى نَفسِه
عنْ هَمام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((لَما قَضَى الله
الخَلقَ؛ كتَبَ فَّ كِتَابِهِ فَهو عِندَه فَوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتِي غَلَبَت ◌َغَضَبِي)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: [٢٣٦/٢ظ] اتَّفَقَ عليه الشيخانِ(١) من طَرِيقِ أبِي الزِّنَادِ، عن
الأعرَجِ. وأخرجه مسلمٌ(٢) من طَرِيقِ عَطَاءِ بنِ مِينَا(٣)؛ كِلَاهما، عن أبِي هَرَيرَةَ.
وفي لَفِظِ لِمسلم(٤) من طَرِيقِ الأعْرَجِ: ((سَبَقَت غَضَبِي)).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((لَما قَضَى اللهُ الخَلقَ)). قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٥):
أي(٦): لَما أظهَرَ قَضَاءَه وأبرَزَه لمن(٧) شَاءَ.
قُلتُ: وإنَّما أحوجَه(٨) إلى تَأوِيلِ ((قَضَى)) بِ(أظهَرَ)) و((أبرَزَ)): ظَنُّه أنَّ القَضَاءَ
هنَا بِمَعنَى التَّقدِيرِ، وهو أعنِي: التَّقدِيرَ قَدِيمٌ، فَاحْتَاجَ إلى تَأْوِيلِه بِظُهورِهِ.
ويُحتَمَلُ: أنَّ المُرَادَ بِالقَضَاءِ هنَا الخَلقُ، [أي: لَما فَرَغَ من خَلقِ المَخلُوقَاتِ
البخاري (٣١٩٤، ٧٤٢٢، ٧٤٥٣)، ومسلم (١٤/٢٧٥١، ١٥).
(١)
(٢)
مسلم (١٦/٢٧٥١).
(٣) في (ك٢): ((منيا)).
مسلم (١٥/٢٧٥١).
(٤)
(٥) المفهم (٧/ ٨٢).
(٦)
ليس في: الأصل.
في (ك٢، ش): ((أخرجه)).
(٨)
(٧) في (م): ((كيف)).

=
٣٥٤ كم
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ويَدُلُّ لَه قَولُهُ(١) في رِوايَةٍ أخرَى في ((الصَّحِيحِ))(٢): ((لَمَا خَلَقَ الله الخَلقَ))](٣)
(٨٤/٨م). والرِّوايَاتُ يُفَسِوُ(٤) بَعضُها بَعضًا والخَلقُ من صِفَاتِ الفِعلِ فَلَا يُحتَاجُ
إلى تَأوِيلِهِ بِما ذُكِرَ، والله أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((في كِتَابِه)): يُحتَمَلُ أن يُرَادَ بِهِ اللوحُ المَحفُوظُ،
ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ بِهِ غَيرُه، وقَولُه: (فَهو عِندَه فَوقَ العَرشِ)). لَا بُدَّ من تَأْوِيلِ ظَاهرٍ
لَفظة: ((عِندَه))؛ لِأَنَّ مَعنَاها: حَضرَةُ الشَّيءِ، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن الاستِقْرَارِ
والتَّحَيُّزِ والجِهَةِ، فَالعِندِيَّةُ لَيسَت من حَضرَةِ المَكَانِ، بَل من حَضرَةِ الشَّرَفِ؛ أي:
وضَعَ ذَلِكَ الكِتَابَ في مَحَلِّ مُعَظّمٍ عِندَه(٥) .
■ الرَّابِعَةُ: قال المازَرِيُّ(٦): غَضَبُ اللهِ ورِضَاه يَرجِعَانِ إلى إرَادَتِه ◌ِإِثَابَةِ
المُطِيعِ، ومَنفَعَةِ العَبدِ، وعِقَابِ العَاصِي، وضَرَرِ العَبدِ. فَالأولُ منهما يُسَمَّى:
رَحْمَةً. والثَّانِي يُسَمَّى(٧): غَضَبًا. وإِرَادَةُ الله سُبحَانَه وتعالى قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ بِها يُرِيدُ
سَائرَ المُرَادَاتِ، فَيَستَحِيلُ فيها الغَلَبَةُ (٨) والسَّبقُ، وإنَّما المُرَادُ هنَا: مُتَعَلَّقُ الإِرَادَةِ
من النَّفْع والضُّرِّ، فَكَانَ رِفُه (٩) بِالخَلقِ ونِعَمُه عِندَهم أغلَبَ من نِقَمِه وسَابِقَةٌ لَها.
وإلى هَذَا يَرجِعُ مَعنَى الحديثِ، وقَد اختَلَفَ شُيُوخُنَا في مَعنَى الرَّحمَةِ، هَل ذَلِكَ
رَاجِعٌ إلى نَفسِ الإِرَادَةِ لِلتَّنْعِيمِ أو إلى التَّنْعِيمِ نَفسِه؟ وإنَّما يَحتَاجُ إلى هَذَا الاعتِذَارِ
عَلى القَولِ: بِأنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلى نَفْسِ الإِرَادَةِ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ (١٠): الغَلَبَةُ(١١) هنَا والسَّبقُ بِمَعنّى والمُرَادُ بِها الكَثْرَةُ
(١) ليس في: (ش).
(٢) البخاري (٧٤٠٤).
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٣)
(٤) في (ش): ((تفسر)).
ينظر في بيان خطأ هذا التأويل: بيان تلبيس الجهمية (١٠/٣ - ١٥)، ودرء التعارض
(٥)
(٢٥٣/١)، ومنهاج السنة النبوية (٥٥٨/٢)، والجواب الصحيح (٣١٧/٤، ٣١٨).
المعلم بفوائد مسلم (١٨٩/٣) دار الغرب الإسلامي. وقد تقدم مراراً التنبيه على فساد
(٦)
هذا التأيل، فليتأمل، والله أعلم.
(٧)
ليست في (ش).
(٩) في (ك٢): ((رفعه)).
(١١) في (ش): ((العلية)).
(٨) في (ش): ((العلية)).
(١٠) إكمال المعلم (١٢٣/٨).

٣٥٥
والشُّمُولُ، كَما يُقَالُ: غَلَبَ عَلى فُلَانٍ حُبُّ المالِ أو الكَرَمُ أو الشَّجَاعَةُ إِذَا كَانَ
أكثَرَ(١) خِصَالِه. وحَكَى النَّوِيُّ(٢) الكَلَامَ الذي نَقَلْنَاه عن المازَرِيِّ مُختَصَرًا عن
العُلَماءِ. وعَبَّرَ عن الكَلَامِ المَنْقُولِ عن القَاضِي بِقَولِه: قَالُوا: وذَكَرَ أَبُو العَبَّاسِ
القُرطُبِيُّ نَحو هَذَا الكَلَامِ، وزَادَه إيضَاحًا بِقَولِه(٣): كَيفَ لَا؟ وابتِدَاؤُه الخَلقَ
وتَكمِيلُه وإتقَانُه وتَرتِيبُه، وخَلقُ أولِ نَوعِ الإنسَانِ في الجَنَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ بِرَحمَتِه
السَّابِقَةِ، وكَذَلِكَ ما رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ من النِّعَم والألطَافِ في الدُّنيَا والآخِرَةِ، وكُلُّ
ذَلِكَ رَحَماتٌ مُتَلَاحِقَةٌ، وَلَو بَدَأْ بِالاِنِقَامِ، لَمَا كَمُلَ لِهَذَا العَالَمِ نِظَامٌ، ثُمَّ العَجَبُ
أنَّ الِنتِقَامَ بِهِ كَمُلَتِ الرَّحمَةُ والإنعَامُ.
وذَلِكَ أنَّ انِتِقَامه(٤) من الكَافِرِينَ كَمُلَتِ رَحمَتُه عَلى المُؤمنينَ؛ إذْ بِذَلِكَ
حَصَلَ صلاحهم(٥) وإصلاحُهم، وتَمَّ(٦) لَهم دِينُهم وفَلَاحُهم، وظَهَر(٧) لَهم قَدرُ
نعمة (٨) الله عليهم في صَرفِ ذَلِكَ الاِنتِقَامِ عنهم، فَقَد ظَهَرَ أنَّ رَحمَتَه سَبَقَت
غَضَبَه، وإنعَامَه غَلَبَ انْتِقَامَه.
قُلتُ: ولا بُدَّ من حَملِ ذَلِكَ عَلى المُؤمنينَ؛ فَإِنَّ الكُفَّارَ أكثَرُ منهم ولَيسَ
لَهم في الآخِرَةِ إلَّ الغَضَبُ المَحضُ، (٨٥/٨م) فَبِاعتِبَارِهم: يَكُونُ الغَضَبُ أَغْلَبَ
من الرَّحمَةِ، فَإِذَا حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلى المُؤمنينَ لَم يَكُن عليه(٩) إشكَالٌ. وقَد يُقَالُ:
إِذَا ضَمَّ إلى رَحمَةِ الله لِلمُؤمنينَ رَحمَتَه الدُّنيَوِيَّةَ لِلكُفَّارِ، صَارَت الرَّحمَةُ أغلَبَ من
الغَضَبِ، والأولُ أظهَرُ.
ويَدُلُّ لَه أنَّ الحديثَ إِنَّما سِيقَ(١٠) لِلمُؤمنينَ، في مَعرِضِ الرجاءِ والتَّرغِيبِ
فيما عِندَ الله والوعدِ بِرَحمَتِهِ. وأيضًا: فَإِنَّمَا تَقَعُ المُقَايَسَةُ بَيْنَ الرَّحمَةِ [والغَضَبِ
في (ك٢): ((أكبر)).
(١)
بعده في (م): ((هذا)). وينظر: شرح مسلم (٦٨/١٧).
(٢)
(٣)
المفهم (٨٢/٧).
(٤) في (م): ((بانتقامه)).
(٦) في (ش): ((وثمَّ)).
(٥)
في الأصل، (م): ((خلاصهم)).
(٧)
في (ك٢، ح): ((فظهر)).
(٨) في (م): ((رحمة)).
في الأصل: ((عليهم)).
(٩)
(١٠) في (ك٢، ش): ((سبق)).
كِتَابُ القَضَاءِ والدَّعَاوى

٣٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في حَقِّ مَن يَحتَمِلُها، وهو المُؤمن. أما الكَافِرُ فَلَا حَظّ لَه في دَارِ الْبَقَاءِ الأبَدِيِّ
في الرَّحمَةِ] (١)، فَلَا يَدْخُلُ في المُقَايَسَةِ، لِعَدَمِ إمكانِها في حَقِّه واللهُ أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: استَأنَسَ بِهِ المُصَنِّفُ تَخْلَقُ لِما يَفعَلُه الحُكّامُ من تَسجِيلٍ
الأمُورِ التي يَحكُمُونَ بِها، وجَعْلٍ نُسخَةٍ في دِيوانِ الحُكمِ، وأخرَى مَعَ الخَصمِ؛
لِأَنَّ اللهَ تعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، غَنِيٌّ عن التَّذكِيرِ (٢) غَيرُ، مُحتَاجٍ إلى الكِتَابَةِ
تَقْدِيرَاتِهِ](٣)، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ خَلقُه(٤) من حُكَّام(٥) الدُّنيَاً في(٦) ضَبِطِ
حُقُوقِ النَّاسِ بِكِتَابَتِها وتَسجِيلِها؛ لِأنَّه أعونُ عَلى تَذَكُّرِها، وأقرَبُ إلى حِفِظِها،
كَما قِيلَ في خَلقِهِ السَّمُواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيَّامٍ: إنَّ ذَلِكَ تَعلِيمٌ لِخَلقِه(٧) التَّنِّي
في الأمُورِ، والتُّؤَدَةَ [٢٣٧/٢ ] فيها؛ فَإِنَّه ◌َلَ قَادِرٌ عَلى خَلقِها وخَلقِ أمثَالِها في
أَقَلَّ من طَرَفَةِ عَينٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ، كُنْ فَيَكُونُ
[النحل: ٤٠].
(١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
في الأصل: ((التذكر)).
(٢)
(٣)
في (ك٢): ((الكتابة بعد مراده)).
(٤)
في (م، ش): «خلفه)).
في (ش): ((أحكام)).
(٥)
(٦)
في (ش): ((وضبط)).
في (ك٢): ((الخلقة)).
(٧)

بَابٌ مَن قال: لَا يَقضِي بِعِلمِه
٣٥٧
بَابُ مَن قال: لَا يَقضِي بِعِلمِه
عن هَمام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َيِ: ((رَأَى عِيسَى
ابنُّ مَرِيَمَ رَجُلًا يُسرِقُ، فقال لَه عِيسَى: سَرَقتَ؟ قال: كَلّا، والذي لَا إلَّهَ
إلَّا هو، قال عِيسَى: آمَنتُ بِالله، وكَذَّبتُ بَصَرِي)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: اتَّفَقَ عليه الشيخانِ (١) من هَذَا الوجه، ولَفظُ مسلم: ((وكَذَّبتُ
نَفسِي».
■ الثَّانِيَةُ: قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٢): ظَاهرُ قَولِه: (٨٦/٨م) ((سَرَقْتَ)):
أنَّه خَبَرٌّ، وكَأنَّه حَقَّقَ السَّرِقَةَ عليه؛ لِنَّه رَآه قَد أَخَذَ مالًا لِغَيرِهِ من حِرٍ فِي خُفِيَةٍ،
ويُحْتَمَلُ أن يَكُونَ مُستَفهمًا لَه عن تَحْقِيقِ ذَلِكَ، فَحَذَفَ هَمزَةَ الاسْتِفهامِ، وحَذفُها
قَلِيلٌ .
وقَولُ الرَّجُلِ: ((كَلّ)). نَفِيٌّ لِذَلِكَ ثُمَّ أَّدَه بِاليَمِينِ.
قُلتُ: احتِمالُ الاستِفِهامِ(٣) بَعِيدٌ لِقَولِه أولًا: ((رَأَى عِيسَى رَجُلًا يَسرِقُ:))
فَجَزَمَ بِتَحْقِيقِ سَرِقَتِهِ.
■ الثَّالِثَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): ظَاهرُه: صَدَّقتُ مَن حَلَفَ بِالله،
وكَذَّبتُ ما ظَهَرَ لِي من ظَاهِرِ سَرِقَتِه.
البخاري (٣٤٤٤)، ومسلم (١٤٩/٢٣٦٨).
(١)
(٢)
المفهم (١٧٩/٦).
إكمال المعلم (١٦٩/٧).
(٤)
(٣) في (م): ((الاستهام)) .

=
٣٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فَلَعَلَّهِ أَخَذَ ما لَه فيه حَقُّ أو بِإِذنِ صَاحِبِهِ، أو لَم يَقصِد الأخذَ إلَّا لِلتَّقِلِيبِ
والنَّظَرِ وصَرفِه إلى مَوضِعِه، أو ظَهَرَ لِعِيسَى أولًا بِظَاهِرِ مَدِّ يَدِه وإدخَالِها في مَتَاعِ
غَيرِهِ: أنَّه أخَذَ منه شَيْئًا، فَلَمَا حَلَفَ لَه أسقَطَ ظَنَّه وتَرَكَه، والله أعلمُ.
الزَّابِعَةُ: قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ (١): يُستَفَادُ من هَذَا دَرءُ الحد
بِالشُّبُهَاتِ.
■ الخَامِسَةُ: استَدَلَّ بِه المُصَنِّفُ تَخْتُ عَلى مَنعِ الفَضَاءِ بِالعِلمِ. وفي
المَسأَلَةِ خِلَافٌ مَشهورٌ، والرَّاجِحُ عِندَ المالِكِيَّةِ والحَنَابِلَّةِ: مَنعُه مُطلَقًا. وعِندَ
الشَّافِعِيَّةِ: جَوازُه إلَّا في حُدُودِ الله تعالى خَاصَّةً، فَيَمْتَنِعُ الحُكُمُ فيها بِالعِلمِ. وهَذِه
الصُّورَةُ من حُدُودِ الله تعالى، فَامْتِنَاعُ عِيسَى عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ من الحُكم فيها
بِقَامَةِ الحد عليه: [يحتملُ أن يكون؛ لأن](٢) شَرِيعَتَه مَنعُ الحُكمِ بِالعِلمِ [مُطلَقًا،
ولَأَن (٣) شَرِيعَتَه مَنعُ الحُكم بِالعِلم] (٤) في حُدُودِ الله تعالى، وهَذَا منها؛ ولِأنَّه لَم
تَتَحَقَّق السَّرِقَةَ عَلى ما تَقَدَّمَ احتِمَالًا. ثُمَّ هَذَا الاستِدلَال من أصلِهِ مَبنِيٌّ عَلى أنَّ:
شَرِعَ مَن قَبَلَنَا شَرِعٌ لَنَا، وفي المَسألَةِ خِلَافٌ مَشهورٌ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الأصُولِ(٥)،
واللهُ أعلمُ.
المفهم (١٨٠/٦).
(١)
في (م): «محتمل لأن تكون)».
(٢)
بعده في (م): ((تكون)) وضعها بين معكوفتين.
(٣)
ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٤)
(٥) ينظر: الأحكام للآمدي (١٤٥/٤)، والبحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (٣٤٦/٤)،
وإرشاد الفحول للشوكاني (١٧٧/٢).

بَابُ الاستِهامِ عَلى اليَمِينِ
٣٥٩
بَابُ الاستِهامِ عَلى اليَمِينِ
عن(١) هَمام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((إذَا أُكرِهَ
الإِثْنَانِ عَلى اليَمِينَّ واستَحَبَّاها فَليَستَهما عليها)). رَواه أبُو دَاوُد، وهو عِندَ
البخاريِّ بِلَفظٍ آخَرَ.
(٨٧/٨م) فيه فوائدُ:
■ الأولى: رَواه أبُو دَاوُد، عن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وسَلَمَةَ بنِ شَبيبٍ(٢)
كِلَاهما، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، بِلَفِظِ: ((أو استَحَبَّاهَا))(٣).
وأخرجه البخاريُّ(٤) عن إسحَاقَ بنِ نَصرٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، بِلَفِظِ: أنَّ
النبيّ ◌َّهِ عَرَضَ عَلى قَومِ اليَمِينَ، فَأسرَعُوا، فَأَمَرَ(٥) أن يُسهمَ بينهم(٦) في اليَمِينِ
أيُّهم يَحلِفُ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((إِذَا أُكرِهَ الإِثْنَانِ عَلى اليَمِينِ واستَحَبَّاها)). كَذَا وقَعَ
في أصلِنَا بِالواوِ. والظَّاهرُ، إن صَحَّ ذَلِكَ، أنَّها بِمَعنَى أو، كَما في رِوايَةِ أبِي
دَاوُد، ولَيسَ المُرَادُ بِذَلِكَ الإِكرَاهَ الحَقِيقِيَّ؛ فَإِنَّ الإنسَانَ لَا يُكرَه عَلَى الْيَمِينِ،
وإنَّما مَعنَاه: إذَا تَوجَّهَتِ اليَمِينُ عَلى اثنَينِ وأرَادَا الحَلِفَ؛ سَواءٌ أَكَانَا(٧) غَيرَ
مُختَارَينٍ لِذَلِكَ(٨) بِقَلبِهما، وهو مَعنَى الإكراه، أو غَيرَ(٩) مُختَارَينٍ لِذَلِكَ
(٢) في (م): ((شعيب)).
في (م): ((وعن)).
(١)
(٣)
أبو داود (٣٦١٧).
البخاري (٢٦٧٤)، ومعلقًا قبل حديث (٢٦٨٦) باب القرعة في المشكلات.
(٤)
(٥)
في (ش): «فأمرهم».
(٦) في الأصل، (م): ((عنهم)).
(٧)
في الأصل، (م): ((كانا)).
ليست في (ك٢، ش).
(٩)
(٨) في الأصل، (م): ((كذلك)).

٣٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بِقَلبِهما، وهو مَعنَى اسْتِحِبَابِ ذَلِكَ، وتَنَازَعَا في الابتِدَاءِ، فَلَا يُقَدَّمُ أحَدُهما
عَلى الآخَرِ بِالتَّشَهِي بَل بِالقُرعَةِ، وهو المُرَادُ بِالاِستِهام يُقَالُ: اسْتَهَمُوا؛ أي:
اقتَرَعُوا(١).
■ الثَّالِثَةُ: حَمَلَ بَعضُهم هَذَا الحديثَ عَلى ما إذَا تَنَازَعَ اثْنَانٍ عَيْنًا لَيسَت
في يَدٍ واحِدٍ منهما، [فَيُقِرُّ ولَا بَيِّنَةَ](٢) لَهما. فَيُقْرَعُ بَينَهما فَمَن خَرجت قُرعَتُه
حَلَفَ وأخَذَها .
ورَوى ((أَبُو دَاوُد))، و((النسائيُّ))، و((ابنُ ماجَه)) في سُنَنِهم(٣) من طَرِيقِ أبِي
رَافِعٍ، عن أبِي هَرَيرَةً: أنَّ رَجُلَيْنِ اختَصَما في مَتَاعٍ [٢٣٧/٢ظ] إلى النبيّ ◌َِِّ لَيْسَ
لِواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ. فقال النبيّ وَّهِ: ((استَهما عَلى اليَمِينِ ما كَانَ، أَحَبَّا ذَلِكَ أو
گرِها».
قال الخَطَّابِيُّ(٤): مَعنَى الاستِهامِ هَا: الاقتِرَاعُ(٥)، يُرِيدُ: أَنَّهما
يَقتَرِعَانٍ(٦)، فَأيُّهما خَرجت لَه القُرْعَةُ حَلَفَ وأخَذَ ما ادَّعَاه، ورُوِيَ ما يُشبِهِ
هَذَا عن عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ، قال حَتَشُ بنُ المُعتَمِرِ: أتِيَ (٧) عَلِيٍّ بِبَغلٍ وُجِدَ
في السُّوقِ يُبَاعُ(٨)، فقال رَجُلٌ: هَذَا بَغِي لَم أبع(٩) ولَم أهَب(١٠)، قال:
ونَزَعَ على ما قال بِخَمسَةٍ يَشْهَدُونَ، قال: وجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيه، فَزَعَمَ أنَّه بَغْلُه
وَجَاءَ بِشَاهدَينٍ، قال: فقال عَلِيٍّ: إنَّ فيه قَضَاءً وصُلحًا وسَوفَ أبَيْنُ لَكُم ذَلِكَ
كُلَّه: أما صُلحُه: أن يُبَاعَ البَغلُ، فَيُقْسَمُ عَلى سَبعَةٍ أسهم لِهَذَا خَمسَةٌ وَلِهَذَا
اثنَانٍ، وإن لَم يَصطَلِحُوا إِلَّ الفَضَاءَ، فَإِنَّه يَحلِفُ (٢٨٨/٨) أحَدُ الخَصمَينِ أنَّه
بَغْلُه ما بَاعَه ولا وهَبَه، فَإِن تَشَاحَحتُما أيُّكُم يَحْلِفُ، أقرَعتُ بَينَكُما عَلى
في (٢٥): ((أقرعوا)).
(١)
أبو داود (٣٦١٦)، والنسائي في الكبرى (٥٩٩٩، ٦٠٠٠)، وابن ماجه (٢٣٢٩، ٢٣٤٦).
(٣)
(٤)
معالم السنن (٤ / ١٧٧).
في (ش): ((يقرعان)).
(٦)
(٨) في (ك٢): ((تباع)).
(١٠) في (م): «أهب)».
(٢) في (ك٢): ((ولا يته)).
(٥) في (٢٥): ((الإقراع)).
(٧) في الأصل، (م): ((أوتي).
(٩) في (م): ((أبعه)).