Indexed OCR Text
Pages 161-180
بابُ المُسَابَقَةِ بِالخَيلِ S ١٦١ بابُ المُسَابَقَةِ بِالخَيلِ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ ◌َ﴿هَا، ((أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ سَابَقَ بين(١) الخَيلِ التي قَدّ أَضمِرَت من الحَفيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الودَاعِ؛ وكَانَ أَمَدُها ثَنِيَّةَ الودَاعِ، وسَابَقَ بَينَ (٢) الخَيلِ التي لَم تُضمَر من الثَّنِيَّةِ إلى مَسجِدِ بَنِي زُرَيقٍ، وكَانَ عَبدُ الله بنُ عُمَرَ فيمَنِ سَابَقَ بها». فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه الشيخانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٣) من هذا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ. والشيخانِ، والنسائيُّ (٤) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ. والشيخانِ(٥) من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ. ومُسلِمٌ (٦) من طَرِيق أيُّوبَ السَّختيانِيُّ، وأسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وإسمَاعِيلَ بنَ أمَيَّةَ. والنسائيُّ من طَرِيقِ ابنِ أبي ذِئبٍ(٧). والشيخانِ، وأبو دَاوُد، والتِّرمِذي، وابنُ مَاجَه (٨) من طَرِيق عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، إلا أنَّ لَفظَ أبي دَاوُد مُختَصَرٌ: ((كَانَ يُضمِرُ الخَيلَ لِيُسَابِقَ بها)»(٩). ثَمَانِيَتُهم، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ. (١) في (م): ((على)). (٢) ليس في (ش). (٣) البخاري (٤٢٠)، ومسلم (٩٥/١٨٧٠)، وأبو داود (٢٥٧٥)، والنسائي (٣٥٨٦) وفي الكبرى (٤٤٢٤). (٤) البخاري (٢٨٦٩)، ومسلم (١٨٧٠/ ... )، والنسائي (٣٥٨٥). (٥) البخاري (٢٨٧٠)، ومسلم (١٨٧٠/ ... ). (٦) مسلم (٢٠٠٠/١٨٧٠. النسائي (٣٥٨٣). وينظر: تحفة الأشراف (١٩٩/٦) (٨٢٨٠). (٧) البخاري (٢٨٦٨)، ومسلم (١٨٧٠/ ... )، وأبو داود (٢٥٧٦)، والترمذي (١٦٩٩)، (٨) وابن ماجه (٢٨٧٧). (٩) بعده في (م): ((ومسلم من طريق أيوب السختياني وأسامة بن زيد وإسماعيل بن أمية)) . = = = ١٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي (صَحِيحِ البخارِيِّ))؛ من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ: ((فَقُلتُ لِمُوسَى: كَم (١) بَيْنَ ذلك؟ يَعْنِي: الحَفْيَاءَ وثَنِيَّةَ الودَاعِ؟ قال: سِنَّةُ أميَالٍ أو سَبعَةٌ)). وفيه ((قُلتُ: فَكُم بَينَ ذلك؛ يَعنِي(٢): الثَّنِيَّةَ، ومَسجِدَ بَنِي زُرَيقٍ؟ قال: مِيلٌ أو نَحوُه)). وفي التِّرمِذي، في نَفسِ الحديثِ: ((وبَينَهمَا سِنَّةُ أميَالٍ، وبَينَهمَا مِيلٌ))، وهو في (صَحِيحِ البخارِيِّ))، من كُلَامٍ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ، بلفظِ: ((خَمسَةُ أَمْيَالٍ أو سِنَّةٌ)). وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ)(٣): أنَّ ابنَ بُكَير (٧/ ٢٣٨م) كَانَ يَقُولُ عن مَالِكِ ((إلى عِندِ مَسجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ)). وخَالَفَه جُمهورُ الرُّواةِ فقالُوا: ((إِلى مَسجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ)). قُلتُ: ولَا تَفاوُتَ بَيْنَ اللفظَينِ؛ فَهِمَا بِمَعنّى واحِدٍ، ولا يُعَدُّ ذلك اختِلَافًا . قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): ورَواه ابنُ أبي ذِئبٍ، بلفظ: ((كَانَ يُضمِرُ، ثُمَّ يُسْبِقُ)). فاختَصَرَه، ولَم يَذكُر الأمَدَ والغَايَةَ(٥) . قُلتُ: هو عِندَ النسائيّ(٦) من طَرِيقِ ابنِ أبي ذِئبٍ: ((بِذِكرِ الأَمَدِ، والغَايَةِ)) فيهمَا(٧)؛ كَرِوايَةٍ غَيرِه. ثُمَّ رَوى ابنُ عَبدِ البَرّ(٨) رِوايَةَ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ من طَرِيقِ الثَّورِيِّ عنه، وفيه: (( ... مَا(٩) لَم يُضمَر من الحَفيَاءِ إلى مَسجِدٍ بَنِي زُرَيقٍ)). وقال: هَكَذَا قال: ((من الحَفيَاءِ إلى مَسجِدٍ بَنِي زُرَيقٍ)). ومَالِكٌ يَقُولُ: ((من الثَّنِيَّةِ إلى مَسجِدٍ بَنِي زُرَيَقٍ)). وهو الصَّوابُ إن شَاءَ الله تعالى؛ لِأَنَّه تَابَعَه عَلَيه: الليثُ، ومُوسَى بنُ عُقبَةَ. قُلتُ: ورِوايَةُ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ؛ من طَرِيقِ الثَّورِيِّ عنه، في ((صَحِيحٍ البخارِيِّ)) و((سُنَنِ التِّرمِذي)) بِاللفظِ المَشهورِ . وهي تكرار لجملة سبقت. ولذا لم تذكرها (ح، ش). = (١) ليس في (م). التمهيد (٧٩/١٤). (٣) (٥) ليس في (ش). في (م): ((فهما)). (٧) في (ح، م): ((فيما)). (٩) (٢) بياض في (ش). (٤) التمهيد (٨٠/١٤). (٦) النسائي (٣٥٨٣). (٨) التمهيد (٨٠/١٤). بابُ المُسَابَقَةِ بِالخَيلِ ١٦٣ = والإِختِلَالُ(١) إنَّمَا هو في رِوايَةِ ابنِ عَبدِ البَرِّ خَاصَّةً. ورَوى أبو دَاوُد؛ عن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، عن عُقْبَةَ بنِ خَالِدٍ، عن عُبَيدِ الله، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ النَّبِيِ وَِّ سَبَّقَ بَيْنَ الخَيلِ، وفَضَّلَ القُرَّحَ (٢) في الغَايَةِ))(٣). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): ولَم يَقُل في (٥) هذا الحديثَ(٦) أحَدٌ غَيرُ عُقْبَةَ بنِ خَالِدٍ هذا، وقَد وجَدت لَه أصلًا، فيمَا رَواه أبو سَلَمَةَ التَّبوذَكِيُّ، حدثنَا عَبدُ المَلِكِ بنُ حَربٍ بن(٧) عَبدِ المَلِكِ بنِ مُجَاشِعِ بنِ مَسعُودِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنِي أبي وعَمِّي، عن جَدِّي: ((أنَّ نَاسًا من أهلِ البَصرَةِ ضَمَرُوا خُيُولَهم، فَنَهاهم الأمِيرُ عُقْبَةُ بنُ غَزْوانَ أن يُجرُوها حَتَّى كَتَبَ إلى عُمَرَ؛ فَكَتَبَ إلَيه عُمَرُ: أن أرسِل القُرَّحَ من رَأسِ مِائَةِ عُلوةٍ، ولَا يَركَبها إلا أربابُها)). ورَواه أحمَدُ(٨) في ((مُسنَدِه))؛ من رِوايَةٍ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رسولَ الله وَّرِ سَبَّقَ(٩) بَينَ الخَيلِ وَرَاهَنَ)). ورَواه البَيهَقِيُّ(١٠)؛ من رِوايَةِ حَمَّادِ بنِ سُلَيمَانَ، عن العُمَرِيِّ، عن نَافِعِ، عن ابنٍ عُمَرَ: ((أنَّ الخَيلَ كَانَت تُجرَى من سِتَّةِ أمْيَالٍ فَتُسَبّقَ(١١)، فأعطَى رسولُ الله ◌َّ﴿ِ السَّابِقَ)). قال البَيْهَقِيُّ: حَمَّدُ بنُ سُلَيمَانَ هذا مَجهولٌ. ورَوى الطَّبَرَانِيُّ (١٢) في ((مُعجَمِه الأوسَطِ))؛ من رِوايَةٍ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ، عن (١) في (م): ((والاختلاف)). في (ح، ش): ((الفرح)). والصواب المثبت. جمع قارح، وهو من الخيل ما دخل في الخامسة. وقيل غير ذلك. ينظر: العين للخليل (٤٣/٣)، والصحاح (٣٩٥/١)، ولسان العرب (٥٥٧/٢). (٣) أبو داود (٢٥٧٧). (٥) لیس في (م). (٤) التمهيد (٧٩/١٤، ٨٠) (٦) ليس في (ش). في (م) والمطبوع من التمهيد: ((بن)). والصواب المثبت. وأشار في حاشية التمهيد إلى (٧) أنها في نسخة كالمثبت. وينظر: التاريخ الكبير (٤١٢/٥، ٤٣٢)، والجرح والتعديل (٢٥٠/٣)، (٣٤٨/٥). (٨) أحمد (٦٧/٢). (١٠) البيهقي (٢٠/١٠). (٩) في (م): ((سابق)). (١١) في (م): ((للسبق)). (١٢) الطبراني في الأوسط (٧٩٣٦)، وابن حبان (٤٦٨٩). (٢) = ١٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّ النَّبِي وَِّهِ سَابَقَ بَيْنَ الخَيلِ، وجَعَلَ بَيْنَهما (١) سَبَقًا، وجَعَلَ (٢ فيها مُحَلَّلًا٢)، وقال: لَا سَبقَ إلا في حَافِرٍ أو نَصِلٍ)). وأورَدَه ابنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ))(٣) في تَرجَمَةِ: عَاصِمٍ بنِ عُمَرَ (٤)، وضَعَّفَه. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه ((أُضْمِرَت))، بِضَمِّ الهَمِزَةِ، وإسكَانِ الضَّادِ المُعجَمَةِ، وكَسرِ المِيمِ، وتَخفيفِها، ويَجُوزُ أن يُقال فيه(٥): (٢٣٩/٧م) ضُمِّرَت، بِتَشدِيدِ المِيمِ بِدُونِ هَمزَةٍ، والأولُ هو الرِّوايَةُ، ويَجُوزُ في قَولِهِ: ((لَم تُضمَر))، الوجهانِ: إِسكَانُ الضَّادِ، وتَخفيفُ المِيمِ، وفَتْحُ الضَّادِ، وتَشدِيدُ المِيمِ. والمُوافِقُ لِقَولِهِ: ((أضمِرَت)) الأولُ، والمُرَادُ به: أن تُعلَفَ الخَيلُ حَتَّى تَسمَنَ وتَقوى، ثُمَّ يُقَلَّلَ عَلَفُها فَلَا تُعلَفَ إلا قُوتًا وتُدخَلَ بَيْتًا كَنِينًا، وتُغشَى بِالجِلَالِ حَتَّى تَحمَى لتَعرَقَ (٦) ويَجِفَّ عَرَفُها؛ فَيَخِفَّ لَحمُها وتَقوى على الجَريِ. قال الخَطَّبي(٧): ومن العَرَبِ مَن يُطْعِمُها اللحمَ واللبَنَ في أيَّامِ التَّضمِيرِ. و((الحَفيَاءُ))، بِفَتح الحَاءِ المُهمَلَةِ، وإسكَانِ الفاءِ، بَعدَها يَاءٌ مُثَنَّةٌ من تَحتُ، يَجُوزُ فيه المَدُّ والقَصرُ، وجهانِ مَشهورَانِ أشهَرُهمَا وأفصِحُهمَا المَدُّ، والحَاءُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلافٍ. قاله النَّووِيُّ(٨). وقال القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ))(٩): وضَبَطَه بَعضُهم: بِضَمِّ الحَاءِ. وهو خَطَأْ. وقال الحَازِمِيُّ في ((المُؤْتَلِفِ))(١٠): ويُقَالُ فيها أيضًا: ((الحَيفاءُ))، بِتَقدِيمِ (١) في (م): ((بينها)) .. في الكامل: ((بينهما مجالًا)). وينظر: ميزان الاعتدال (٣٥٦/٢)، ومجمع الزوائد (٢) (٤٧٩/٥). الكامل (١٨٦٩/٥، ١٨٧٠). (٣) في (ح، ش): ((عمير)). وهو عاصم بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب. وينظر: (٤) تهذيب الكمال (٥١٧/١٣). (٥) في (ش): «منه)). في (ح، ش): ((فتعرق)). والمثبت موافق لما في إكمال المعلم، وشرح النووي. (٦) (٧) معالم السنن (٢٥٤/٢). (٨) شرح النووي (١٤/١٣). مشارق الأنوار (٢٢٠/١)، وشرح النووي (١٤/١٣). (٩) (١٠) المؤتلف والمختلف من أسماء الأماكن (ص٢٥٩) - دار اليمامة. ١٦٥ بابُ المُسَابَقَةِ بِالخَيلِ الياء(١) على الفاءِ، والمَشهورُ المَعرُوفُ في كُتُبِ الحديثِ وغَيرِها: ((الحَفْيَاءُ)). و(ثَنِيَّةُ الودَاعِ))، بِفَتح الثَّاءِ المُثَلَّئَةِ، وكَسرِ النُّونِ، وتَشدِيدِ اليَاءِ المُثَنَّاةِ من تَحتُ. والثَِّيَّةُ: الطَّرِيقُ في الجَبَلِ كَالنَّقْبِ(٢). وحَكَى صَاحِبُ ((المُحكَم))(٣)، مع ذلك ثَلَاثَةَ أقوالٍ أيضًا: قِيلَ: الطَّرِيقَةُ (٤) إلى الجَبَلِ. وقِيلَ: العَقَبَةُ. وقِيلَ: الجَبَلُ نَفْسُه. انتَهَى. وأضِيفَت هذه الثَّنِيَّةُ إلى الودَاعِ؛ لِأنَّ الخَارِجِ من المَدِينَةِ يَمشِي معه المُودِّعُونَ إِلَيها. قال ابنُ (٥ عَبدِ البر٥): وزَعَمُوا أنَّها إنَّمَا (٦) سُمِّيَت بِذلك؛ لِأنَّ رسولَ الله ◌َّهِ، وذَّعَه بها بَعضُ المُقِيمِينَ بِالمَدِينَةِ في بَعضِ أسفارِهِ. وقِيلَ: لِأَنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ شَيَّعَ إلَيها بَعضَ سَرَايَاه فَودَّعَه عِندَها. وقِيلَ: إنَّ المُسَافِرَ من المَدِينَةِ كَانَ يُشَيَّعُ إِلَيها ويُوذَّعُ عِندَها قَدِيمًا . وصَحَّحَ القَاضِي عِيَاضٌ هذا الأخِيرَ، واستَدَلَّ عَلَيه: بِقَولِ نِسَاءِ الأنصَارِ، حِينَ مَقْدَمِ النَّبِي ◌ِهِ: طَلَعَ البَدرُ عَلَينَا مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ فَدَلَّ على أنَّه اسمٌ قَدِیمٌ. قال ابنُ عَبدِ البَرّ(٧): وأظُنُّها على طَرِيقٍ مَكَّةَ. ومنها بَدَا (٨) رسولُ اللهِ وَّةِ، وظَهَرَ إلى المَدِينَةِ في حِينِ إقبالِه من مَكَّةَ؛ فَقال شَاعِرُهم: طَلَعَ البَدرُ عَلَيْنَا مِن ثَنِيَّاتِ الودَاعِ وجَبَ الشُّكِرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلَّه دَاع انتَھَی. وهذا الذي ذَكَرَه من إنشَادِهم هذا الشَّعرَ عِندَ قُدُومِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ في (م): ((المثناة من تحت)). (١) (٢) في (م): ((كالثقب)). (٣) المحكم لابن سيده (١٩٩/١٠). (٤) في (م): ((الطريق)). والمثبت موافق للمحكم. وينظر: القاموس المحيط (١٦٣٦/١). (٥ - ٥) في (م): ((عبد الله)). التمهيد (٨٢/١٤). (٦) ليس في (ش). التمهيد (٨٢/١٤)، وإكمال المعلم (٢٨٥/٦). (٧) في (ش): ((بداءة)). (٨) = ١٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ (٧/ ٢٤٠°م) المَدِينَةَ: رَواه البَيْهَقِيُّ في ((دَلَائِلِ النُّبوةِ))(١)، وأبو الحَسَنِ ابن(٢) المُقْرِي في ((كِتَابِ الشَّمَائِلِ))(٣) لَه، عن ابنِ عَائِشَةَ (٤). وقال (٥ابنُ بطَّال٥ٍ): إنَّمَا سُمِّيَت بِثَنِيَّةِ الودَاعِ؛ لِأنَّهم كَانُوا يُشَيِّعُونَ الحُجَّاجَ والغُزَاةَ إِلَيها ويُودِّعُونَهم عِندَها، وإلَيها(٦) كَانُوا يَخْرُجُونَ عِندَ التَّلَقِّي. انتَهَى. وهذا كُلُّه مَرُدُودٌ؛ فَفي (صَحِيحِ البخارِيِّ))، و(سُنَنِ أبِي دَاوُد، والثِّرمِذي))(٧)؛ عن السَّائبِ بنِ يَزِيدَ قال: ((لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله ◌َّهِ من تَبوكَ، خَرَجَ النَّاسُ يَتَلَّقُّونَه إلى (٨) ثَنَّةِ الودَاع)). وهذا صَرِيحٌ في أنَّها من جِهَةِ الشَّامِ. ولِهِذا لَمَّا نَقَلَ والِدِي كَْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذي)) كَلَامَ ابنِ بَطَّالٍ، قال: إِنَّه وهمٌ. قال: وكَلَامُ ابنِ عَائشَةَ مُعضَلٌ، لَا تَقُومُ به حُجَّةٌ. ثُمَّ قال: ويَحتَمِلُ أن تَكُونَ الثَّنِيَّةُ التي من كُلِّ جِهَةٍ يَصِلُ إلَيها المُشَيُّعُونَ يُسَمُّونَهَا ثَنِيَّةَ الودَاعِ. وقَولُه: ((وكَانَ أَمَدُها ثَنِيَّةَ الودَاعِ»، يَجُوزُ فيه رَفعُ الأولِ ونَصَبُ الثَّانِي، وعَكسُه على تَقْدِيمِ الخَبَرِ، وقَد ضَبَطْنَاه بِالوجهَينِ . والأمَدُ: الغَايَةُ(٩)، قال النَّابِغَةُ (١٠): سَبَقَ الجَوادُ إذَا استَولى على الأمَدِ (١) دلائل النبوة (٥٠٦/٢ - ٥٠٧)، (٢٦٦/٥). (٢) ليس في (م). هو: الشمائل بالنور الساطع الكامل، لأبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الغرناطي، (٣) المشهور بابن المقري، المتوفى سنة (٥٥٢هـ). كشف الظنون (١٠٥٩/٢). (٤) هو: العلامة الأخباري أبو عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن حفص، يعرف بالعيشي وبابن عائشة؛ لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله. مات سنة (٢٢٨هـ). التاريخ الكبير (٤٠٠/٥)، والسير (٥٦٤/١٠). (٥ - ٥) في (م): ((ابن القطان)). والصواب المثبت. شرح ابن بطال على البخاري (٢٤١/٥). (٦) في (م): ((وإليهم)). (٧) البخاري (٣٠٨٣)، وأبو داود (٢٧٧٩)، والترمذي (١٧١٨). (٨) في (ح): ((من). (٩) معالم السنن (٢٥٤/٢). (١٠) ديوان النابغة (٢٠/١). وهو عجز بيت من البسيط، وصدره: إلا لمثلك أو من أنت سابقه بابُّ المُسَابَقَةِ بِالخَيلِ ١٦٧ = وتَقَدَّمَ في الفائدَةِ الأولى عن مُوسَى بنِ عُقبَةَ: أَنَّ بَيْنَ الحَفيَاءِ وَثَنِيَّةِ الودَاعِ سِتَّةُ أميَالٍ أو سَبعَةٌ. وعن سُفيَانَ الثَّورِيِّ: سِنَّةُ أمَيَالٍ أو خَمسَةٌ. وأطلَقَ القَاضِي عِيَاضٌ(١) هذا الثَّانِي عن سُفيَانَ. فَظَنَّ النَّووِيُّ أَنَّه ابنُ عُيَينَةَ؛ فَصَرَّحَ به (٢). وهو وهمِّ، وإنَّمَا هو الثَّورِيُّ كَمَا عَرَفتَ، وتَقَدَّمَ أنَّ في التِّرمِذي: الجَزِمَ بِتَّةِ أَمْيَالٍ. وقَولُهُ: ((من الثَّنِيَّةِ))؛ أي: المَذْكُورَةُ، وهيَ ثَنِيَّةُ الودَاعِ. (ومَسجِدُ بَنِي زُرَيقٍ))، بِتَقدِيمِ الزَّايِ على الرَّاءِ؛ أَضِيفَ إلَيهم لِصَلَاتِهم به، وهيَ إضَافَةُ تَعرِيفٍ لَا مِلكِ. ■ الثالثة: فيه المُسَابِقَةُ بَيْنَ الخَيلِ، وأنَّ ذلك لَيسَ من العَبَثِ المَذمُومِ، بَل من الرِّيَاضَةِ المَحمُودَةِ؛ التي (٣) يُتَوصَّلُ بها إلى تَحصِيلِ المَقَاصِدِ في الغَزوِ، والانتفاعِ بها عِندَ الحَاجَةِ إلى القِتَالِ كَرًّا وفَرًّا، وهذا مُجمَعٌ عَلَيه. وإنَّمَا اخْتَلَفُوا في أنَّها مُبَاحَةٌ أو مُستَحَبَّةٌ، ومَذهَبُ أصحَابِنَا: أنَّها مُستَحَبٌَّ(٤). ( الزَّابِعَةُ: وفيه إضمَارُ الخَيلِ لِمَا فيه من المَصلَحَةِ، وهيَ القُوةُ على الجَري، ويَنبَغِي أَن يَجْرِيَ في استِحبابه الخِلَافُ المُتَقَدِّمُ، ولَا يَخْفَى اختِصَاصُ استِحبابِ الأمرَينِ بِالخَيلِ المُعَدَّةِ لِقِتَالِ الكُفارِ، ومَن سَاواهم في جَوازِ قِتَالِهِ. أمَّا المُعَدَّةُ لِقِتَالِ مَن لَا يَحِلُّ قِتَالُه(٥): فَلَا يُستَحَبُّ فيها ذلك، بَل لَا يَجُوزُ هذا (٦) القَصدُ، والله أعلمُ. ] الخَامِسَةُ: وفيه أنَّه لَا بُدَّ في المُسَابَقَةِ من إعلَامِ ابتِدَاءِ الغَايَةِ وانتهائها، وهو كَذلك بِالإجمَاعِ، وإلا أدَّى إلى (٧/ ٢٤١م) النِّزَاعِ الذي لا يَنْقَطِعُ. ■ السَّادِسَةُ: وفيه أنَّه لَا تَسَابُقَ إلا بَينَ فَرَسَينٍ يُمكِنُ أن يَسْبِقَ أحَدُهمَا الآخَرَ؛ لِإِنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يُسَابِقِ بَينَ المُضمَرَاتِ(٧) وغَيرِها، بَل جَعَلَ إكمال المعلم (٢٨٥/٦)، وشرح النووي (١٤/١٣). (١) (٢) في (م): ((بذلك)». (٣) ليس في (ح). (٤) شرح النووي على مسلم (١٤/١٣). (٥) في (ش): ((قتالهم)). في (م): ((بهذا)). (٦) (٧) في (ش): ((الضمرات)). = ١٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ كُلَّ صِنْفٍ منها مع مُلَائمِه(١)؛ لِأِنَّ غَيرَ المُضمَرَةِ لَا تُسَاوِقُ المُضمَرَةَ. كَيفَ، وقَد جَعَلَ مَيدَانَ المُضمَرَاتِ سِنَّةَ أميَالٍ، ومَيدَانَ غَيرِها مِيلاً واحِدًا. وهذا تَفاوتٌ کَبِيرٌ(٢). وفيه أنَّه لَو عُيِّنَت غَايَةٌ لَا تَقدِرُ تِلكَ الخَيلُ على قَطْعِها، لَم يَصِحَّ. وتَقَدَّمَ من ((سُنَنِ أبي دَاوُد)): ((أَنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ فَضَّلَ القُرَّحَ في الغَايَةِ))، وهو بِضَمِّ القَافِ وتَشدِيدِ الرَّاءِ، وآخِرُه حَاءٌ مُهمَلَةٌ؛ جَمعُ فَارِحِ، وهو من الخَيلِ مَا كَانَ ابنَ خَمسٍ سِنِينَ فأكثَرَ، وهو أشَدُّ قُوةً مِمَّن هو أصغَرُ منه سِنَّا، ويُقَالُ في نَظِيرِهِ من الإِلِ: بازِلٌ(٣)، وعلى هذا جَاءَ قَولُ الشَّاعِرِ: وابنُ اللَّبونِ إِذَا مَا لَذَّ فِي قَرٍَ (٤َلَم يَستطع ٤) صَولَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ(٥) وقال (٦) ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧) بَعدَ نَقلِه هذا الحديثَ: إن(٨) صَحَّ، فَفيه دَلِيلٌ على أنَّ التي كَانَت قَد ضمِرَت(٩) من(١٠) الخَيلِ كَانَت قُرَّحًا. انتهى(١١). وذلك غَيرُ لَازِم، إِنَّمَا اللازِمُ [: أن لا يسابق بين القُرَّح وغيرها. بَل](١٢) (١٣ يُمكِنُ أن١٣) يُسَابِقَ بَيْنَ بَعضِ الفُرَّحِ وبَعضٍ (١٤)، ويفضِّلُها (١٥) في الغَايَةِ على غَيرِها. لَكِن(١٦) قال الخَطَّابي (١٧): لَا (١٨يُضمَرُ من١٨) الخَيلِ إلا القُرَّحُ دون(١٩) الأفتَاءِ والمِهارَةِ. (١) في (ش): ((ثلاثة)). (٢) في (ش): ((كثير)). (٣) المحكم (٥٧٩/٢)، والمخصص لابن سيده (٨٢/٢)، وتهذيب اللغة (٢٧/٤). (٤ - ٤) في (م): ((ولم ينفع)). (٥) في (م): ((القنا عدس)). ديوان جرير (٣٢١/١)، والبيت من البسيط. (٦) في (م): ((وذكر)). (٨) في (م): ((أنه إن)). (١٠) في (م): ((من تلك)). (١٢) ما بين المعكوفين ليس في (م). (١٤) في (م): ((وغيرها)). (١٦) ليس في (ش). (١٨ - ١٨) في (م): ((ضمر بين)). (٧) التمهيد (٨٤/١٤). (٩) في (م): ((أضمرت)). (١١) ليس في (م). (١٣ - ١٣) من (م). (١٥) في (م): ((وتفضيلها)). (١٧) أعلام الحديث (٣٨٨/١). (١٩) ليس في (م). ١٦٩ بابُ المُسَابَقَةِ بِالخَيلِ ■ السَّابِعَةُ: وفيه إطلاقُ الفِعلِ على الأمرِ به والمُسَوِّغُ لَه(١). (٢) فإن معنى قَولِه: (سَابَقَ)): أمَرَ بذلك وسَوَّه٢). ■ الثَّامنةُ: يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ هذه المُسَابِقَةُ بِعِوضٍ وبِغَيرِ عِوضٍ، وَلَيسَ في (٣الكتب الستة٣) ذِكرُ عِوضٍ، (٤ ففي تبويب التِّرمِذي٤) وغَيرِهِ عَلَيهِ بِالرِّهانِ(٥)، نَظَرٌ. نَعَم، تَقَدَّمَ أنَّ ذِكرَ العِوضِ(٢) في ذلك؛ رُوِيَ من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ في (مُسنَدٍ أحمَدَ))، و((سنن(٧) البَيْهَقِيّ))، و((مُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ))، وغَيرِها. وأجمع العُلَمَاءُ على جَوازِ المُسَابِقَةِ بِغَيرِ عِوضٍ، وأجمَعُوا على جَوازِها أيضًا بِعِوضٍ، لَكِن يُشترَطُ (٨) أن يَكُونَ العِوضُ من غَيرِ المُتَسَابِقِينَ؛ إمَّا الإمَامُ أو أحَدُ الرَّعِيَّةِ. قال الجُمهورُ: (٩ وكذا لو كان٩) من أحَدِهمَا خَاصَّةً. (١٠ وعن طائفة ١٠) مَنْعُ هذه الصُّورَةِ، وهو (١١) رِوايَةٌ عن (٧/ ٢٤٢م) مَالِكِ ويَجُوزُ أن يَكُونَ منهمَا لَكِن يَكُونُ معهمَا مُحَلِّلٌ وهو ثَالِثٌ، على فَرَسٍ مُكَافِئٍ لِفَرَسَيهِمَا، ولَا(١٢) يُخرِجَ المُحَلِّلُ من عِندِهِ شَيْئًا؛ لِيَخرُجَ هذا العَقدُ عن صُورَةِ القِمَارِ. هذا مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ وأحمَدَ والجُمهورِ، ومَنَعَ مَالِكٌ إخرَاجَ السَّبقِ منهمَا، ولَو بِمُحَلِّلٍ، ولَم يَعرِف مَالِكٌ المُحَلِّلَ. والأصلُ لِلجُمهورِ في اعتِبارِهِ: مَا رَواه أبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه؛ من رِوايَةٍ (١) إحكام الأحكام (ص٤٩٨). (٢ - ٢) مكانها في (م): ((أنه مسبب عنه، فقوله سابق؛ أي: أمر لوجود مسوغه)). وبعده في (ش): ((انتهى)). (٣ - ٣) في (م): ((الحديث)). (٤ - ٤) مكانها في (م): ((وما ذكر من الترجمة للترمذي)). الترمذي: باب ما جاء في الرهان والسبق. وابن ماجه: باب السبق والرهان. (٥) (٦) في (م): ((الرهن)). (٧) في (م): ((وعند)). (٨) في (م): ((بشرط)). (٩ - ٩) مكانها في (م): ((وبذل الرهان)). (١٠ - ١٠) مكانها في (م): ((صحيح. وبعضهم)). (١١) في (ح): ((وهي)). (١٢) في (م): ((بشرط أن لا)). = ١٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ سُفْيَانَ بنِ حُسَينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِ بَّه قال: ((مَن أدخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَينٍ؛ يَعنِي: وهو لَا يُؤْمَنُ أن يَسْبِقَ فَلَيسَ بِقِمَارٍ، ومَن أدخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ، وقَد أمن أن يَسْبِقَ فَهو قِمَارٌ)) (١). ولَم يَنْفَرِد به سُفِيَانُ بنُ حُسَينٍ، كَمَا زَعَمَ بَعضُهم؛ فقد رَواه أبو دَاوُد أيضًا؛ من طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ بَشِيرٍ، عن الزُّهرِيِّ(٢). ] التَّاسِعَة: وفي قَولِه: ((وكَانَ عَبدُ الله بنُ عُمَرَ فيمَن سَابَقَ بها)) دَلِيلٌ على أنَّ المُرَادَ المُسَابَقَةُ بَيْنَ الخَيلِ مَركُوبَةً. ولَيسَ المُرَادُ: إرسَالَ الفَرَسَينِ لِيَجرِيَا بِأَنفُسِهمَا، وقَد صَرَّحَ الفُقَهاءُ: بِأَنَّه لَو شَرَطُ ذلك في عَقدِ المُسَابَقَةِ لَم يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الدَّوابَّ لَا تَهتَدِي لِقَصدِ الغَايَةِ بِغَيرِ رَاكِبٍ ورُبَّمَا نَفَرَت، بِخِلَافِ الظُيُورِ إِذَا جُوِّزَتِ المُسَابَقَةُ عَلَيها؛ فإنَّها تَهتَدِي لِلمَقصِدِ. العَاشِرَةُ: وفيه دَلِيلٌ لِجَوازٍ أن يُقال: مَسجِدُ بَنِي فُلَانٍ، وقَد تَرجَمَ لَه البخارِيُّ بهذه التَّرجَمَةِ. قال ابنُ بَطَّالٍ (٣): وفيه جوازُ إضَافَةِ أعمَالِ البِرُّ إلى أربابها ونِسَبَتِها إِلَيهم، ولَيسَ في ذلك تَزْكِيَةٌ لَهم. قال: ورُوِيَ عن النَّخَعِيّ أنَّه كَانَ يَكرَه أن يُقال: مَسجِدُ بَنِي فُلَانٍ، وَلَا يَرَى بأسًا أن يُقال: مُصَلى بَنِي قُلَانٍ. قال: وهذا الحديثُ يَرُدُّ قَولَه. ولَا فَرقَ بَينَ قَولِنَا مُصَلَّى ومَسجِدٌ، والله المُوفِّقُ للصواب. (١) أبو داود (٢٥٧٩، ٢٥٨٠)، وابن ماجه (٢٨٧٦). وينظر: التمهيد (٨٤/١٤ -٨٨)، والمفهم (١٠٧/٣، ١٠٨) ينظر: البدر المنير (١٧٢/٢٤ - ١٧٨). (٢) شرح صحيح البخاري (٢/ ٧٢). (٣) بابُ رُكُوبِ اثنَينٍ على الدَّابَّةِ ١٧١ بابُ رُكُوبِ اثْنَينٍ على الدَّاتَّةِ عن بُرَيدَةَ، قال: ((بَيْنَا رسولُ اللهِ وَلِ يَمْشِي، إذ جَاءَ رَجُلٌ معه حِمَارٌ، فَقال (٧/ ٢٤٣م): يا رسولَ الله اركَب؛ فَتَأْخَّرَ الرَّجُلُ. فَقال رسولُ اللهِ وَلِت : لَأَنتَ أحَقُّ بِصَدرِ دَابَّتِك مني، إلا أن تَجعَلَه لِي. قال: فانِّي قَد جَعَلتُه لَك. قال: فَرَكِبَ)). رَواه أبو دَاوُد والتِّرمِذي، وقال: حَسَنٌ (١) غَرِيبٌ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: رواه أبو دَاوُد والترمذي(٢)؛ من طَرِيقٍ عَلِيٍّ بنِ الحُسَينِ بنِ واقِدٍ. وَرَواه ابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه))؛ من طَرِيقِ زَيدِ بنِ الحُبابِ، كِلَاهمَا عن حُسَينِ بنِ واقِدٍ عن عَبدِ الله بنِ بُرَيدَةُ(٣)، عن أبيه (٤) . ■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ رُكُوبِ اثنَينٍ على دَابَّةٍ واحِدَةٍ، وهو كذلك إذَا أَطَاقَتِه، وورَدَ رُكُوبُ ثَلَاثَةِ أيضًا(٥)؛ رَواه مُسلِمٌ(٦) في ((صَحِيحِه))، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ قال: (لَقَد قُدتُ بِنَبِي اللهِ وَّهِ، والحَسَنِ، والحُسَينِ بَغْلَتَه الشَّهباءَ، حَتَّى أدخَلتهم حُجرَةَ النَّبِي ◌َِّ: هذا قُدَّامَه، وهذا خَلفَه)). ■ الثالثة: قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي (٧): الحِكمَةُ في أن يَكُونَ الرَّجُلُ أحَقَّ بِصَدرِ دَابَّتِهِ، وجهانٍ : في (ح): ((حديث)) .. ينظر: تحفة الأشراف (٨١/٢). (١) (٣) في (م): ((يزيد)). (٢) ليس في (م). (٤) أبو داود (٢٥٧٢)، والترمذي (٢٧٧٣)، وابن حبان (٤٧٣٥). (٥) في (م): ((أنفار)). عارضة الأحوذي (٢١٣/١٠). (٧) (٦) مسلم (٦٠/٢٤٢٣). كم ١٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أحدهما(١): أنَّه شَرَفٌ، والشَّرَفُ حَقُّ المَالِكِ. والثَّانِي: أنَّه يَصرِفُها في المَشي على الوجه الذي يَرَاه ويَخْتَارُه من زِيَادَةٍ أو نَقْصٍ أو إسرَاعِ أو بُطءٍ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ معه؛ فإنَّه لَا يَعلَمُ مَقصِدَه في ذلك. الزَّابِعَةُ: فيه تَواضُعُه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ بِرُكُوبِه الحِمَارَ وإردَافِهِ ورَاءَه على الحِمَارِ، وهَمُّه أن يَكُونَ رَدِيفًا لِغَيرِهِ؛ فَيَنبَغِي التأسي(٢) بِأَخَلَاقِهِ الكَرِيمَةِ في ذلك وغَيرِهِ، والله أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: يُمكِنُ أن يَكُونَ مَعنَى قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إلا أن تَجْعَلَه لِي))؛ أي: التَّصَرُّفَ في المَشيِ كَيفَ أَرَدتَ، وهو المَعنَى الذي لِأَجلِه كَانَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أحَقَّ بِصَدرِها. فإنَّه يَستَشكِّلُ قَولُه: ((إلا أن تَجعَلَه لِي)) مع كَونِه تَأْخَّرَ، وأذِنَ لَه في الرُّكُوبِ على مُقَدَّمِه، وهذا هو جَعلُه(٣) لَه. ويَنحَلُّ الإشكَالُ: بِمَا ذَكَرتُه؛ من (٤أنَّه ليس٤) المُرَادُ أن يَجعَلَ لَه [الركوبَ متقدمًا. بل التصرفَ في تسييرها](٥) كَيفَ يُرِيدُ، واللهُ أعلمُ. (١) ليس في (م). (٢) في (م): ((للناس الأخذ)). (٣) في (م): ((محله)). (٤ - ٤) في (م): ((أن)). (٥) مكانها في (م): ((أمر قيادها بأن يتصرف في سيرها)). بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ ١٧٣ = (٢٤٤/٧م) بابُ الغَنِيمَةِ والنّفَل الحديثُ الأولُ جَ عنْ هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «لَم تَحِلَّ الغَنَائمُ لِمَن قَبَلَنَا؛ ذلك بِأَنَّ اللهَ وَ رَأْى ضَعفَنَا وعَجِزَنَا فَطَيََّها لَنَا)». وعنه قال: قال رسولُ اللهِ بَلِّ: ((غَزَا نَبي من الأنبياءِ، فَقال لِقَومِه: لَا يَتْبَعنِي رَجُلٌ قَد مَلَكَ بُضعَ امرأةٍ، وهو يُرِيدُ أن يَبنِيَ بها، ولَمَّا يَبْنٍ. ولَا آخَرُ قَد بَنَى بُنيَانًا، ولَمَّا يَرفَع سَقفَها، ولَا آخَرُ قَد اشتَرَى غَنَمًّا أو خَلِفاتٍ، وهو يَنتَظِرُ أولَادَها. فَغَزَا فَدَنَا من القَريَةِ حِينَ صَلى العَصرَ أو قَرِيبًا من ذلك، فَقال لِلشَّمسِ: أنتِ مَأمُورَةٌ وأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احبِسها عَلَيَّ شَيئًا. فَحُبِسَت عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيهِ، فَجَمَعُوا (١مَا غَنِمُوا١)؛ فأقبَلَت النَّارُ لِتَأْكُلَه فأبَت أن تَطْعَمَه. قال: فيكُم غُلُولٌ، فَليُبابِعنِي من كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَبَايَعُوهِ، فَلَصِقَتِ يَدُ رَجُلِ بيدِهِ، فَقال(٢): فيكُم الغُلُولُ، فَلتُبابِعِي قَبِيلَتُك؛ فَبَايَعَته قَبِيلَتُه. قال: فَلَصِقَ يَدُ رَجُلَينٍ أو ثَلَاثَةٍ بيدِهِ(٣). فَقال: فيكُم الغُلُولُ، أنْتُم غَلَلتُم، فأخرَجُوا لَه مِثلَ رَأْسٍ بَقَرَةٍ من ذَهَبٍ. قال: فَوضَعُوه في المَالِ وهو بِالصَّعِيدِ؛ فأقبَلَت النَّارُ فَأْكَلَته. فَلَم تَحِلَّ (٢٤٥/٧م) الغَنَائمُ لِأحَدٍ من قَبلِنا؛ ذلك بِأنَّ اللهَ رَأَى عَجِزَنَا وضَعِفَنَا، فَطَيَّيَها لَنَا». (١ - ١) في (م): ((وغنموا)). (٢) ليس في (ح). (٣) ليس في (ح، ش). ١٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فيه فوائدُ: ■ الأولى: الحديثُ الأولُ: قِطعَةٌ من الثَّانِي. وقَد أخرَجَ الثَّانِيَ بِطُولِه الشيخان(١) من طَرِيق عَبدِ الله بنِ المُبارَكِ. ومُسلِمٌ من طَرِيق (٢ عبد الرزاق٢). كِلَاهِمَا عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرةَ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((غَزَا نَبِي من الأنبياء))، قِيلَ: إنَّه يُوشَعُ بنُ نُونٍ؛ حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ(٣) تَّتُهُ . ■ الثَّالِثَةُ: (الْبُضعُ))، بِضَمِّ الباءِ، وإسكّانِ الضَّادِ المُعجَمَةِ؛ (٤ وهو هنا٤): كِنَايَةٌ عن الفَرِجِ، ذَكَرَه القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ(٥). ويُطلَقُ على معانٍ أَخَرَ: أحَدُها: الجِمَاعُ. الثَّانِي: مِلكُ الولِيِّ لِلمَرأةِ. الثَّالِثُ: مَهرُ المَرأةِ. الرَّابِعُ: الطَّلَاقُ. الخَامِسُ: النِّكَاحُ. ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الأُولَ: صَاحِبُ ((المَشَارِقِ)). وذَكَرَها مع الرَّابِعِ: صَاحِبُ ((المُحكَم). وذَكَرَ الخَامِسَ: صَاحِبا ((الصِّحَاح))، و((النِّهايَةِ)). (٦ وقال في٦) النِّهايَةِ: الْبُضع يُطلَقُ على عَقدِ النِّكَاحِ والجِمَاعِ مَعًا، وعلى الفَرجِ(٧). انتَهَى. ولَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَه القَاضِي والنووي (٨)؛ من أنَّ المُرَادَ هنَا الفَرِجُ. فقد يُرَادُ النِّكَاحُ أو الجِمَاعُ. (١) في (م): ((البخاري)). البخاري (٣١٢٤، ٥١٥٧)، ومسلم (٣٢/١٧٤٧). (٢ - ٢) في (م): ((ابن المبارك أيضًا)) .. (٣) إكمال المعلم (٦/ ٥٣). (٤ - ٤) ليس في (م). (٥) إكمال المعلم (٥٣/٦)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٥١). (٦ - ٦) في (م): ((وفي)). (٧) مشارق الأنوار (٩٦/١)، والمحكم (٤١٨/١)، والصحاح (١١٨٧/٣)، والنهاية (١٣٣/١). ليس في (م). (٨) = ١٧٥ بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ وكَلَامُ الجَوهَرِيِّ يَقْتَضِي (٢٤٦/٧م) إِرَادَةَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّه بَعدَ ذِكرِه عن ابنِ السِّكِّيتِ(١): أنَّ البُضعَ النِّكَاحُ. قال: يُقَالُ: مَلَكَ فُلَانٌ بُضعَ فُلَانَةَ. قال المُهَلَّبُ (شَارِعُ البخارِيِّ))(٢): فيه دَلِيلٌ على أنَّ فِتَنَ الدُّنيَا تَدعُو النَّفْسَ إلى الهَلَعِ وتخيبها(٣)؛ لِنَّ مَن مَلَكَ بُضعَ امرَأَةٍ، ولَم يَينِ بها أو بَنَى بها، فَكَانَ على طَرَاوٍ منها، فإنَّ قَلبَه مُتَعَلِّقٌ بِالرُّجُوعِ إلَيها، ويَشغَلُه الشَّيْطَانُ عَمَّا هو فيه (٤) من الطَّاعَةِ؛ فَيَرِمِي في قَلبه الجَزَعَ، وكَذلك (°مَا في(٥) الذُّنَا من مَتَاعِها وفِتَنِها (٦). انتھَی . وبَوّبَ عَلَيه البخارِيُّ في النِّكَاحِ من صَحِيحِه: بابُ مَن أحَبَّ البِنَاءَ قَبلَ الغَزْوِ. انتَهَى. وفي تَعبيرِه بـ(لَمَّا)) في قَولِه: ((وَلَمَّا يَبنِ بها))، دُونَ ((لَم)، إشَارَةٌ إلى أنَّ البِنَاءَ(٧) بها مُتَوقَّعٌ. وقَد قال الزَّمَخشَرِيّ (٨) في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]: مَا في ((لَمَّا)) من (٩) مَعنَى التَّوقّع، دَالٌّ على أنَّ هَؤُلَاءِ قَد (١٠) آمَنُوا فيمَا بَعدُ. انتَهَى. ■ الرَّابِعَةُ: قَولُه ((بَنَى بُنيَانًا، ولَمّا (١١) يَرفَع سُقُفَها))، كَذَا ضَبطُنَا في هذا الكِتَابِ وفي ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)). [وأعاد الضمير في](١٢) قَولِه: ((سُقُفَها))، مُؤَنَّثًا، مع أنَّ المُتَقَدِّمَ بُنيَانٌ لَا تَأْنِيثَ فيه ولا جَمعَ، وذلك بِتَقدِيرِ تَأوِيلِه بِجَمعِ كَأَبِنِيَةٍ أو دُورٍ [أو نحو ذلك] (١٣)، إصلاح المنطق (ص ١٠٠). (١) شرح ابن بطال (٢٧٧/٥)، وفتح الباري (٢٣٣/٦). (٢) في (م): ((والجبن)). والمثبت موافق لما عند ابن بطال. وفي الفتح: ((وحب البقاء)). (٣) (٤) في (م): (علیه)). عند ابن بطال: ((وقنيتها)). (٦) (٧) في (ح): ((بنائه)). (٨) تفسير الكشاف (٤/ ٣٧٧). (٩) في (م): (في)). (١٠) ليس في (ش). (١٢) مكانها في (م): ((قوله سقفها. ومسند أحمد)). (١١) في (م): ((ولم)). (١٣) مكانها في (م): ((وعوده عليها)). (٥ - ٥) في (ح، ش): ((باقي)). 1 ١٧٦ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهو بِضَمِّ السِّينِ والقَافِ جَمِعُ سَقفٍ كَذَا رَوِنَاه، [وإنما لَم يقل](١) سَقفَها بِفَتحِ السِّينِ وإسكَانِ القَافِ لِمَا بَيَّنَّاه(٢) من عَودِ الضَّمِيرِ على جَمع (٣في التَّقْدِير٣ِ)، ولَفِظُ البخارِيِّ: ((بَنَى بُيُوتًا، ولَم يَرفَع سُقُوفَها)»، وهو شَاهدٌ لِمَّا قَرَّرَنَا من تَقدِيرٍ البُنَيَانِ بِجَمعٍ، ومن أنَّ السُّقُّفَ بِضَمَّتَيْنِ (٤)، بلفظِ الجَمعِ، والله أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: (الخَلِفاتُ))، بِفَتحِ الخَاءِ المُعجَمَةِ وكَسرِ اللامِ، جَمِعُ خَلِفَةٍ، وهيَ الحَامِلُ من النُّوقِ. وإطلَاقُ النَّووِيِّ تَبَعًا لِلإِكمَالِ: (٥) أنَّها الحَوامِلُ. معترض(٦) . وقَد صَرَّحَ بِتَقِيدِها بِالنُّوقِ: أصحَابُ ((الصِّحَاحِ))، و((المُحكَمٍ))، و((المَشَارِقٍ))، و((النُّهَايَةِ»(٧) . فقولُه: ((اشتَرَى غَنَمًّا))؛ أي: حَوامِلَ(٨)؛ بِدَلِيلِ الوصفِ المَذكُورِ بَعدَه في قَولِهِ: ((أو خَلِفاتٍ))؛ فَحَذَفَ الوصفَ من الأولِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيه. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ قَولُه: ((غَنَمًّا))(٩) على إطلَاقِه، ولَا يَتَقَيَّدُ بِأن تَكُونَ [حَوامِلَ؛ لِأنَّها قَلِيلَةُ الصَّبرِ فَيُخشَى ضَيَاعُها، بِخِلَافِ النُّوقِ تَتَقَيَّدُ بِأن تَكُونَ حَوامِلَ)(١٠). وقَولُه: ((يَنتَظِرُ أولَادَها))، كَذَا هو (١١) في رِوايَتِنَا، وهو في ((الصَّحِيحَينِ))، بلفظ: ((وِلَادَها))(١٢)، بِكَسرِ الواوِ. والمُرَادُ به المَصدَرُ، يُقَالُ: ولَدَت وِلَادًا ووِلَادَةً، والذي في رِوايَتِنَا صَحِيحٌ من حَيثُ المَعنَى أيضًا؛ لِأَنَّ الذي يَنْتَظِرُ الوِلَادَةَ(١٣) يَنتَظِرُ الأولَادَ أيضًا. مكانها في (م): ((وإن لم يمكن)). (١) (٢) في (م): ((بينا)). (٤) في (ح): ((تضمين)). (٥) إكمال المعلم (٥٣/٦)، وشرح النووي (١٢/ ٥١). (٦) في (م): ((بغير قيد)). الصحاح (١١٠٥/٣)، والمحكم (٢٠٤/٥)، والمشارق (٢٣٧/١)، والنهاية (٦٨/٢). (٧) بعده في (م): ((أيضًا)). (٨) (٩) بعده في (م): (أو)). (١١) ليس في (ح، ش). (١٢) في (ح): ((أولادها)). (٣ - ٣) في (م): ((بالتقدير)). (١٠) ليس في (ش). (١٣) في (م): ((الولاد)». بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ ١٧٧ السَّادِسَةُ: فيه أنَّ الأمُورَ المُهمَّةَ يَنْبَغِي أن لَا تُفَوضَ إلا إلى أولي الحُزَمِ وفَرَاغْ (٧/ ٢٤٧م) البالِ لَها، ولا تُفَوضُ إلى مُتَعَلْقِ القَلبِ بِغَيرِها؛ لِأنَّ ذلك يُضعِفُ عَزْمَه، ويُفَوِّتُ كَمَالَ بَذلِ وُسعِه فيه (١) . ■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ(٢): (فَدَنَا من القَرِيَةِ))، كَذَا في رِوايَتِنَا، ورِوايَةِ البخارِيِّ. وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ: ((فأدْنَى لِلقَرِيَةِ)) بهمزَةٍ قَطع؛ حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّووِيُّ عن جَمِيعِ النُّسَخِ قالا: فأمَّا أن يَكُونَ تَعدِيَةً لِدَّنَا؛ أي: قَرُبَ. فَمَعنَاه أدنَى جُيُوشَه وجُمُوعَه لِلقَرِيَةِ، وإمَّا أن يَكُونَ أَدنَى بِمَعنَى حَانَ؛ أي: قَرُبَ فَتَحُها من قَولِهم: أدَنَتِ النَّاقَةُ، إِذَا حَانَ نِتَاجُها، ولَم يَقُولُوه في غَيرِ النَّاقَةِ(٣). ■ الثَّامنةُ: قَولُه لِلشَّمسِ: ((أنتِ مَأمُورَةٌ))، يَحتَمِلُ: أن يَكُونَ خَلَقَ الله تعالى فيها (٤) من الثَّميِيزِ والإدرَاكِ مَا تَصلُحُ معه لِلمُخَاطَبَةِ بِذلك. ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ هذا على سَبيلِ اسْتِحِضَارِ ذلك في النَّفسِ، لِتَقَرُّرِ أنَّه لَا يُمكِنُ تَحُولُها عن عَادَتِها إلا بِخَرقِ عَادَةٍ من الله تعالى بِدَعوةِ نَبيه، لَا أنَّ ذلك على سَبيلِ الخِطَّابِ لَها، ولذلك قال عَقِبَه: ((اللَّهُمَّ احبِسھا عَلَيَّ»(٥)، ويَكُونُ المُرَادُ بِذلك حِكَايَةَ مَا يَقْتَضِيهِ الحَالُ، كَمَا فِي قَولُه: شَكًا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبتَلى وقَولُه: ((شَيئًّا)»، مَنصُوبٌ نَصبَ المَصدَرِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): اختُلِفَ في حَبسِ الشَّمسِ المَذكُورِ هنَا؛ فَقِيلَ: رُدَّت على أدرَاجِها. وقِيلَ: وقَفَت وَلَم تُرَدَّ. وقِيلَ: بَطُؤَ(٧) حَرَكَتُها. قال: وكُلُّ ذلك من مُعجِزَاتِ النُّبوةِ. شرح النووي على مسلم (١٢/ ٥١). (١) (٢) لیس في (ش). (٣) إكمال المعلم (٥٣/٦، ٥٤)، وشرح النووي (١٢/ ٥٢). (٤) لیس في (ح). (٥) ليس في (ش). إكمال المعلم (٥٣/٦). وينظر: شرح ابن بطال (٢٧٨/٥)، وشرح النووي (٥٢/١٢). (٦) في (م): ((بطئت)). (٧) = ١٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال ابنُ بَطَّالٍ(١) بَعدَ نَقلِهِ الأقوالَ الثَّلَاثَةَ: والثَّالِثُ أولى الأقوالِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): وقَدْ رُوِيَ: ((أنَّ نَبينَا مُحَمَّدًا وَّهِ حُبِسَت لَه الشَّمسُ مَرَّتَینِ : إحدَاهمَا: يَومَ الخَندَقِ حِينَ شُغِلُوا عن صَلَاةِ العَصرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ(٣) فَرَدَّها الله تعالى عَلَيه حَتَّى صَلى العَصرَ)). ذَكَرَ ذلك الطَّحاوِيُّ(٤)، وقال: رُواتُه ثِقَاتٌ. والثَّانِيَةُ: ((صَبِيحَةَ الإِسرَاءِ حِينَ انتَظَرَ العِيرَ التي أخبِرَ بِوُصُولِها مع شُرُوقٍ الشَّمسِ)»، ذَكَرَه يُونُسُ بنُ بُكَير، في زِيَادَتِهِ على سِيرَةِ ابنِ إسحَاقَ(٥). قُلتُ: وَرَوى الطَّبَرَانِيُّ(٦) في ((مُعجَمِهِ الأوسَطِ))؛ بِإسنَادٍ حَسَنٍ، عن جَابِرٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ أَمَرَ الشَّمسَ فَتَأَخَّرَت سَاعَةً من نَهارٍ)). ورَوى الطَّبَرَانِيُّ(٧) في ((مُعَجَمِهِ الكَبِيرِ)؛ بِإسنَادٍ حَسَنِ أيضًا، عن أسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ: ((أنَّ رسولَ الله وَله صَلى الظُّهرَ بِالصَّهباءِ، ثُمَّ أرسَلَ عَلِيًّا في حَاجَةٍ فَرَجَعَ، وقَد صَلى النَّبِيُّ ◌ِلَه العَصرَ، فَوضَعَ النَّبِي وَهَ رَأْسَه في حِجرٍ عَلِيٍّ فَنَامَ، فَلَم يُحَرِّكِهِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمسُ. فَقال النَّبِيِ نَّهِ: اللَّهُمَّ إِنَّ عَبدَك (٧/ ٢٤٨م) عَلِيًّا احتَبَسَ بِنَفسِه على نَبِيه فَرُدَّ عَلَيهِ الشَّمسَ. قالت أسمَاءُ: فَطَلَعَت عَلَيه الشَّمسُ حَتَّى وقَفَت على الجِبالِ وعلى الأرضِ، وقَامَ عَلِيٍّ فَتَوضَّأ، وصَلى العَصرَ ثُمَّ غَابَت، وذلك بِالصَّهباءِ». وفي لَفِظٍ آخَرَ: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَلّهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ الوحيُّ يَكَادُ يُغشَى عَلَيه؛ شرح صحيح البخاري (٢٧٨/٥). (١) (٣) ليس في (ش). (٢) إكمال المعلم (٥٣/٦). لم نهتد إليه، والذي عند الطحاوي في المشكل (٩٢/٣ - ٩٤): قصة رد الشمس (٤) العلي رَّه حين فاتته العصر. وينظر لزامًا: فتح الباري (٢٢٢/٦). وهو منقطع؛ كما في شرح النووي (٥٢/١٢)، وفتح الباري (٢٢١/٦). (٥) (٦) الطبراني في الأوسط (٤٠٣٩). الطبراني (١٤٤/٢٤) (٣٨٢). (٧) بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ ١٧٩ = فأنزَلَ الله عَلَيه يَومًا، وهو في حِجرٍ عَلِيٍّ. فَقال لَه رسولُ اللهِوَّهِ: صَلَّيتَ العَصرَ؟ قال: لَا يَا رسولَ اللهِ وَِّ، فَدَعَا اللهَ فَرَدَّ عَلَيه الشَّمسَ حَتَّى صَلَى العَصرَ. قالت: فَرَأيْتُ الشَّمسَ طَلَعَتِ بَعدَ مَا غَابَت حِينَ رَدَّت حَتَّى صَلى العَصرَ))(١). ■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا؛ فأقبَلَت النَّارُ لِتَأْكُلَه، فأبت أن تَطْعَمَه))، بِفَتحِ التَّاءِ والعَينِ. وهذه كَانَت عَادَةَ الأنبياءِ صَلَواتُ الله وسَلَامُه عَلَيهم في الغَنَائِمِ؛ أن يَجمَعُوها فَتَجِيءَ نَارٌ من السَّمَاءِ فَتَأْكُلَها، فَيَكُونَ ذلك عَلَامَةٌ لِقَبولِها وعَدَمِ الغُلُولِ فيها؛ فَلَمَّا أَبَت في هذه المَرَّةِ أن تَأْكُلَها، عَرَفَ أنَّ فيهم غُلُولًا، فَلَمَّا رَدُّوه جَاءَت فأكَلَتها، وكَذلك كَانَ أمرُ قُربانِهم، إذَا تُقُبِّلَ جَاءَتِ نَارٌ من السَّمَاءِ فأكَلَته(٢) . العَاشِرَةُ: ((الغُلُولُ))، سَرِقَةُ المَغْنَم خَاصَّةً. وأمرُه بِأن يُبابِعَه من كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ لِيَظهَرَ الغَالِ بِلُصُوقِ يَدِهِ. وهذه مُعجِزَةٌ، ولَا يَكُونُ ذلك إلا بِوحِيٍ. وفيه مُعَاقَبَةُ الجَمَاعَةِ بِفِعلٍ سِفهائها(٣)؛ لِلْصُوقِ يَدِ ذلك الرَّجُلِ الذي كَانَ الغُلُولُ من بَعضٍ قَبِيلَتِهِ ولِعَدَمٍ قَبولِ الغَنِيمَةِ، مع أنَّ الغُلُولَ إِنَّمَا وقَعَ من بَعضٍ الغَانِمِينَ. وفيه أنَّ أحكامَ الأنبياءِ (٤قد تكون ٤) بِوحي ومُعجِزَةٍ بِحَسَبٍ باطِنِ الأمرِ كَمَا في هذا المَوضِعِ، وقَد يَكُونُ بِحَسَبٍ ظَاهرِ الأمرِ كَغَيرِهم من الحُكَّامِ، وعَلَيْهِ جَاءَ الحديثُ(٥): ((فَمَن قَضَيتُ لَه من حَقِّ أخِيه بِشَيءٍ: فإنَّمَا أقطَعُ لَه قِطعَةً من النَّارِ)). ا الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُه: ((وهو بِالصَّعِيدِ))؛ أي: وجه الأرضِ، وقَولُه: ((فأقبَلَت النَّارُ فَأُكَلَته))؛ أي: جَمِيعَ المَوضُوعِ بِالصَّعِيدِ ذلك المَغْلُوْلَ وغَيَرَه. قال ابنُ بَطَّالٍ (٦): وفيه جوازُ إحرَاقِ أموالِ المُشرِكِينَ، ومَا غُنِمَ منها. انتَهَى. (١) الطبراني (١٤٧/٢٤، ١٥٢) (٣٩٠، ٣٩١). (٢) في (ش): ((فتأكله)). وينظر: شرح النووي على مسلم (١٢/ ٥٢). في (م): ((سفلتها)). وينظر: إكمال المعلم (٥٥/٦)، وفتح الباري (٢٢٤/٦). (٣) (٤ - ٤) ليس في (م). (٥) البخاري من حديث أم سلمة. وينظر: فتح الباري (٢٢٤/٦). (٦) شرح صحيح البخاري (٢٧٩/٥). ١٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهو عَجِيبٌ؛ لِأنَّ(١) تِلكَ شَرِيعَةٌ مَنسُوخَةٌ لَا عَمَلَ عَلَيها عِندَنَا، ولِأنَّ ذلك الإِحرَاقُ لَيْسَ بِفِعلِهِم، وإنَّمَا هو ◌ِفِعلِ الله تعالى الذي لَا سَبَبَ(٢) لَهم فيه(٣). ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قال ابنُ بَطَّالٍ (٤) أيضًا: فيه دَلِيلٌ على تَجدِيدِ البِيعَةِ إِذَا أحتيجَ إلى ذلك (° لِأمرٍ يَقَعُ(٥)، وقَد فَعَلَ ذلك النَّبِ نَّهِ تَحتَ الشَّجَرَةِ. قُلتُ: لَيسَت هذه مُبايَعَةً حَقِيقَةً كَمَا وقَعَ لِلنَّبِيِ وَ تَحتَ الشَّجَرَةِ، وإِنَّمَا (٢٤٩/٧م) صُورَتُها صُورَةُ المُبايَعَةِ؛ بِوضعِ الكَفِّ في الكَفِّ لِلمُعجِزَةِ (٦ المترتبة عليه٦)، وهيَ لُصُوقُ كَفِّ الغَال أو مَن كَانَّ من قَبِيلَتِهِ، والله أعلمُ. ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: فيه إباحَةُ الغَنَائم لِهذه الأمَةِ، وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذلك، وكَانَ ابْتِدَاءُ تَحْلِيلِ الغَنَائِمِ لِهذه الأمَّةِ في وقعَةِ بَدٍ؛ كَمَا ثَبَتَ في ((الصَّحِيحَينِ))(٧) من حَدِيثِ ابنِ عَباسٍ ﴿ّ، في ((قِصَّةِ أخذِهم فِدَاءَ الأسَارَى)). وفي آخِرِهِ: ((وأنزَلَ الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ تَكُونَ(٨) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُؤْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ إلى قَولِه: ﴿فَكُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا ◌ِبَأْ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٩] فأحَلَّ الله الغَنِيمَةَ لَهم))، فَهذا ظَاهرٌ فِي أَنَّ حِينَئِذٍ أحِلَّت لَه (٩) الغَنَائمُ. لَكِن ذَكَرَ ابنُ إسحَاقَ (١٠): ((أنَّ عَبدَ الله بنَ جَحشِ حِينَ بَعَثَه رسولُ الله وَلّـ (١) في (ش): ((فإن)). (٢) في (ح): ((تسبب)). (٣) وأجيب عنه: بأنه لا يخفى عليه ذلك، ولكنه استنبط من إحراق الغنيمة بأكل النار جواز إحراق أموال الكفار إذا لم يوجد السبيل إلى أخذها غنيمة. وهو ظاهر؛ لأن هذا القدر لم يرد التصريح بنسخه فهو محتمل، على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخه. أفاده ابن حجر في الفتح (٢٢٤/٦). (٤) شرح صحيح البخاري (٢٧٨/٥). (٦ - ٦) في (ش): ((فإن)). (٥ - ٥) في (م): ((النبي ◌َّ)). (٧) مسلم (٥٨/١٧٦٣). وينظر: تحفة الأشراف (٤٣/٨) (١٠٤٩٦)، والمسند الجامع (٢٩١/٣٢ - ٢٩٤). (٨) في (م): ((يكون)). والمثبت قراءة أبي عمرو ويعقوب. ينظر: إتحاف الفضلاء للدمياطي (ص٣٠٠)، والحجة لابن زنجلة (٣١٣). (٩) ليس في (ح). (١٠) السيرة النبوية لابن هشام (٦٠١/١ - ٦٠٤).