Indexed OCR Text
Pages 141-160
= ١٤١ بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ بلفظِ: ((المِلَّةِ))، وفي لَفِظِ (١) لَه: ((هذه المِلَّةِ، حَتَّى يُبينَ عنه لِسَانُه)). ورَواه مُسلِمٌ أيضًا من طَرِيقِ الدَّرَاوردِيِّ، عن العَلَاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وفيه: ((فإن كَانَا مُسلِمَینِ فَمُسلِمٌ)). ■ الثَّانِيَةُ: اختُلِفَ في المُرَادِ بِالفِطرَةِ هَا على أقوالٍ : أحَدُها: أنَّ المُرَادَ بها (٢) الخِلقَةُ؛ فإنَّ الفَطْرَ بِمَعنَى الخَلقِ، والمُرَادُ: الخِلقَةُ المَعرُوفَةُ للآدَمي(٣) المُخَالِفَةُ لِخِلقةِ (٤) البَهائم؛ أي: على خِلقَةٍ يَعرِفُ بها رَبَّه إذَا بَلَغَ مَبَلَغَ المَعرِفَةِ؛ ذَكَرَه(٥) ابنُ عَبدِ البَرِّ عن جَمَاعَةٍ من أهلِ الفِقْهِ والنَّظَرِ. قال: وأنكَرُوا أن يُفطَرَ المَولُودُ على كُفرٍ أو إيمَانٍ، وإنَّمَا يَعتَقِدُ(٦) ذلك بَعدَ البُلُوغ إِذَا مَيَّزَ. ولَو فُطِرَ في أولِ أمرِه على شَيءٍ مَا انتَقَلَ عنه (٢٢٦/٧م) وقَد نَجِدُهم يُؤمنونَ ثُمَّ يَكْفُرُونَ، ومُحَالٌ أن يَعقِلَ الطّفلُ حَالَ وِلَادَتِهِ كُفرًا أو إِيمَانًا ، والله تعالى يَقُولُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَئِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. [النحل: ٧٨]، فَمَن لَا يَعلَمُ شَيْئًا اسْتَحَالَ منه الكُفرُ والإيمَانُ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هذا القَولُ أصَحُّ مَا قِيلَ في ذلك(٧). القَولُ الثَّانِي: أنَّ المُرَادَ بها (٨) الإسلامُ؛ حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ، عن أبي هريرةَ، والزُّهرِيِّ، وغَيرِهمَا. وقال هَؤُلَاءِ: هذا هو المَعرُوفُ عِندَ عَامَّةِ السَّلَفِ من أهلِ العِلمِ بِالتَّأوِيلِ، وقَد أجمَعُوا في قَولِ الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. [الروم: ٣٠]، على(٩) [أنَّها دَينُ الإسلامِ(١٠). واحتَجُوا بِقَولِ أبي هريرةً في هذا الحديثِ: ((اقرَؤُوا إن شِئْتُم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَهًا﴾ [الروم: ٣٠]](١١)، في (ح، ش): ((رواية)). (١) (٣) في (م): ((الأولى)). في (ح، ش): ((حکاہ). (٥) التمهيد (٦٨/١٨، ٦٩، ٨٨). (٧) (٩) من (ش). (١١) ليس في (ح). (٢) ليس في (م). (٤) في (م): ((لخلق)). (٦) في (ح، ش): ((يعتقدون)). (٨) في (م): ((هنا). (١٠) ينظر: تفسير الطبري (٤٩٣/١٨). = ١٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ واحتَجُوا بِقَولِه في حَدِيثِ عِيَاضٍ بنِ حِمَارٍ (١): ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ وبَنِيه حُنَفاءَ مُسلِمِينَ))(٢). ثُمَّ رَدَّه ابنُ عَبدِ البَرِّ: بِأَنَّ الإسلَامَ مُستَحِيلٌ من الطّفلِ(٣). وقَرَّرَ المَازَرِيُّ(٤) ذلك: بِأنَّ المُرَادَ بِالفِطرَةِ مَا أخِذَ عَلَيهم في صُلبٍ آدَمَ يَومَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وأنَّ الوِلَادَةَ تَقَعُ عَلَيها حَتَّى يَقَعَ الشَّغييرُ(٥) بِالأَبَوِينِ. وقَرَّرَه أبو العَباسِ القُرطُبي (٦): بِأَنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُؤَهَّلَةً لِقَبولِ الحَقِّ، كَمَا خَلَقَ أعيُنَهم وأسمَاعَهم قَابِلَةً لِلمَرئيَّاتِ والمَسمُوعَاتِ، فَمَا دَامَت باقية(٧) على ذلك القَبولِ وعلى تِلكَ الأهلِيَّةِ، أدرَكَت [الحَقَّ ودِينَ الإسلامِ. وصَحَّحَ هذا أبو العَباسِ القُرطُبي] (٨) بِقَولِه في الرِّوايَةِ التي قَدَّمَاها من عِندِ مُسلِمٍ: ((على هذه المِلَّةِ))، وهيَ إشَارَةٌ إِلى مِلَّةِ الإسلامِ. قال: وقَد جَاءَ ذلك (٩ مُصَرَّحًا به٩) في ((الصَّحِيح)): ((جَبَلَ الله الخَلقَ على مَعرِفَتِهِ فاجتَالَتهم الشَّيَاطِينُ)). وفي مَعنَى ذلك: قَولُ النَّووِيٌّ(١٠): الأصَحُّ أنَّ مَعنَاه: أنَّ كُلَّ مَولُودٍ يُولَدُ مُتَهَيََّ لِلإِسلَام فَمَن كَانَ أبَواه أو أحَدُهمَا مُسلِمًا استَمَرَّ على الإسلامِ في أحكامِ الآخِرَةِ والدُّنِيًا، وإن كَانَ أبَواه كَافِرَينِ جَرَى عَلَيه حُكمُهمَا؛ فَيَتَبَعُهمَا(١١) في أحكَامِ الدُّنيَا، وهذا مَعنَى: ((يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه))؛ أي: يُحكَمُ لَه بِحُكمِهمَا في في (م): ((حماد)). وهو تصحيف. (١) الطبراني (٣٦٣/١٧) (٩٩٧)، وابن عساكر (٤٥١/٣٤) بلفظه. وأصله في مسلم (٢) (٢٨٦٥/٦٣). (٣) التمهيد (١٨ /٦٧، ٧٧). في (ح، ش): ((الماوردي)). وهو تصحيف. والكلام للمازري في المعلم بفوائد مسلم (٤) (٣٩٦/٢). في (م): ((التعبير)). (٥) (٦) المفهم (٦٧٦/٦)، والحديث عند مسلم (٢٨٦٥). (٧) ليس في (م). (٩ - ٩) في (ح، ش): ((صريحًا)). (١١) في (ش): ((فتبعهما)). (٨) لیس في (ح). (١٠) شرح النووي على مسلم (٢٠٨/١٦). بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ ١٤٣ = الدُّنيَا، فإن بَلَغَ استَمَرَّ عَلَيه حُكمُ الكُفرِ؛ فان سَبَقَتِ لَه سَعَادَةٌ أسلَمَ، وإلا مَاتَ علی گُفرِه. انتَھَى. القَولُ الثَّالِثُ: أنَّ المُرَادَ: البُدَاءَةُ التي ابتَدَأهم عَلَيها؛ أي: على مَا فَطَرَ الله عَلَيْه خَلقَه من أنَّه ابتَدَأهم لِلحَيَاةِ والمَوتِ والشَّقَاءِ والسَّعَادَةِ. قال مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المَروزِيُّ(١): وهذا المَذهَبُ (٢ شَبيةٌ بمَا٢) حَكَاه أبو عُبَيدٍ(٣)، عن عَبدِ الله بنِ المُبارَكِ، أنَّه سُئلَ عن قَولِ النَّبِيِ نَِّ: («كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ»؟ فَقال: تَفسِيرُه(٤) الحديثُ الآخَرُ حِينَ (٢٢٧/٧م) سُئلَ عن أطفالِ المُشرِكِينَ فَقال: ((الله أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). قال: وقَد كَانَ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ يَذهَبُ إلى هذا القَولِ ثُمَّ تَرَكَه. وقال (٥ابنُ عَبدُ البر٥): مَا رَسَمَه مَالِكٌ في ((المُوطَّ)(٦)، وذَكَرَه في أبوابٍ القَدَرِ، فيه من الآثَارِ مَا (٧) يَدُلُّ على أنَّ مَذْهَبَه في ذلك نَحوُ هذا القَولِ. القَولُ الرَّابِعُ: أنَّ مَعنَاهِ: أنَّ اللهَ تعالى قَد فَظَرَهم على الإنكَارِ والمَعرِفَةِ، وعلى الكُفرِ والإِيمَانِ؛ فأخَذَ من ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَّ المِيثَاقَ حِينَ خَلَقَهم فَقال: ((أَلَستُ بِرَبِّكُم))؟ قَالُوا جَمِيعًا: (([بَلى)). فأمَّا أهلُ السَّعَادَةِ فقالُوا: بَلى، على مَعرِفَةٍ لَه طوعًا من قُلُوبهم، وأمَّا أهلُ الشَّقَارةِ فقالُوا: ](٨) بَلى، كُرهًا لَا طَوعًا. قال مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المَروزِيُّ(٩): وسَمِعتُ إسحَاقَ بنَ رَاهويه يَذْهَبُ إلى هذا المَعنَى، واحتَجَّ بِقَولِ أبي هريرةَ: اقرَؤُوا إن شِئتُم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ التمهيد (٦٦/١٨، ٧٨، ٧٩). (١) (٢ - ٢) في (م): ((سببه ما)). (٣) غريب الحديث (٢١/٢ - ٢٢). في (م): ((يفسره)). والمثبت أقرب لعبارة أبي عبيد في الغريب؛ حيث نقلها عن ابن (٤) المبارك: ((تأويله ... )). (٥ - ٥) في (م): ((ابنه عبد الله)). وهو تحريف. ينظر: الموطأ - كتاب القدر (٨٩٨/٢ - ٩٠١). (٦) لیس في (ح، ش). (٧) (٨) لیس في (ح، ش). التمهيد (١٨ /٨٣، ٩٠). (٩) = ١٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. قال إسحاقُ: يَقُولُ: لَا تَبدِيلَ لِخِلقَتِهِ التي جَبَلَ عَلَيها ولَدَ آدَمَ كُلَّهم؛ يَعنِي: من الكُفرِ والإِيمَانِ والمَعرِفَةِ والإنكَارِ . قال: واحتَجَّ أيضًا (١) بِقَولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ◌َظُهُورِهِرِ ذُرِيََّهُمْ﴾(٢) [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ. قال إسحاقُ: أجمع أهلُ العِلمِ أنَّها الأرواحُ قَبلَ الأجسَادِ. واحتَجَّ إسحاق(٣) أيضًا بِحَدِيثٍ أَبَيِّ بنِ كَعبٍ في قِصَّةِ الغُلَامِ الذي قَتَلَه الخَضِرُ، وأنَّه ◌ُبِعَ كَافِرًا(٤)، وبِحَدِيثِ عَائِشَةَ رِّ، وقَولِه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَها: ((ومَا يُدرِيِكِ؟ إنَّ اللهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهلًا، وخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَها أهلًا))(٥). قال إسحاقُ: فَهذا الأصلُ الذي يَعتَمِدُ عَلَيه أهلُ العِلمِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: إن أرَادَ هَؤُلَاءِ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأطفالَ وأخرَجَهم من بُطُونِ أَمَّهاتِهم؛ لِيَعرِفَ منهم العَارِفُ ويَعتَرِفَ فَيُؤْمن، ويُنكِرَ منهم المُنكِرُ فَيَكفُرَ كَمَا سَبَقَ به (٦) القَضَاءُ، وذلك في حِينٍ يَصِحُ منهم فيه الإيمَانُ والكُفرُ: فَذلك مَا قُلْنَا. وإن أرَادُوا أنَّ الطّفلَ يُولَدُ عَارِفًا مُقِرًّا مُؤمنًا وعَارِفًا جَاحِدًا كَافِرًا في حِينٍ وِلَادَتِه، فَهذا يُكَذِّبُه العِيَانُ والعَقلُ. قال(٧): وقَولُ إسحَاقَ في هذا البابِ لَا يَرضَاه الحُذَّاقُ الفُهَمَاءُ(٨) من أهلِ السُّنَّةِ. وإِنَّمَا هو قَولُ المُجبِرَةِ(٩). (١) في (م): ((له)). بالجمع وكسر التاء، وهي قراءة أبي جعفر وابن عامر ويعقوب. ينظر: التحبير (٢) لابن الجزري (ص٥٢٤). في (م): ((لهذا)». والمثبت موافق للتمهيد (٨٦/١٨). (٣) (٤) البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (١٧٢ /٢٣٨٠). (٥) مسلم (٢٦٦٢/٣٠). (٦) في (م): ((له)). (٧) ليس في (ح). في التمهيد: ((الفقهة)). وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة: ((الفقهاء))، وفي نسخة (٨) أخری کالمثبت هنا . (٩) ينظر: الفصل لابن حزم (١١٤/٣) وما بعده. بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ ١٤٥ = القَولُ الخَامِسُ: أنَّ مَعنَاه: مَا أَخَذَ الله من ذُرِّيَّةِ آدَمَ من المِيثَاقِ قَبلَ أن يَخرُجُوا إلى الدُّنيَا، يَومَ استَخرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ من ظَهرِهِ فَخَاطَبَهم: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىٌ﴾ فَأَقَرُّوا جَمِيعًا لَه بِالرُّبوبيةِ عن مَعرِفَةٍ منهم به، ثُمَّ أخرَجَهم من أصلَابٍ آبائهم مَخلُوقِينَ مَطْبوعِينَ على تِلكَ المَعرِفَةِ وذلك الإقرَارِ. قَالُوا: ولَيسَت تِلكَ المَعرِفَةُ بِإِيمَانٍ (٢٢٨/٧م) ولا ذلك الإقرَارُ بِإِيمَانٍ، ولَكِنَّه إقرَارٌ من الطَّبيعَةِ لِلرَّبِّ فِطرَةً ألزَمَها قُلُوبَهم، ثُمَّ أرسَلَ إلَيهم الرُّسُلَ فَدَعَوهم إلى الاعتِرَافِ لَه بِالرُّبوبيةِ؛ فَمنهم مَن أنكَرَ بَعدَ المَعرِفَةِ؛ لِأَنَّ لَم يَكُن الله لِيَدْعُو خَلقَه إلى الإيمَانِ به، وهو لَم يُعَرِّفهم نَفْسَه(١). رَواه أبو دَاوُدُ(٢) في ((سُنَتِه)) عن حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ(٣): أنَّه سُئلَ عن هذا الحديثِ؟ فَقال: هذا عِندَنَا حَيثُ(٤) أخَذَ العَهدَ عَلَيهم في أصلَابٍ آبائهم، حَيثُ(٥) قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بٌَّ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. القَولُ السَّادِسُ: أنَّ المُرَادَ بِالفِطرَةِ: مَا يُقَلِّبُ الله قُلُوبَ الخَلقِ إلَيه بِمَا (٦) يُرِيدُ؛ فقد يَكفُرُ العَبدُ ثُمَّ يُؤمن فَيَمُوتُ مُؤمنًا، وقَد يُؤمن ثُمَّ يَكفُرُ فَيَمُوتُ كَافِرًا، وقَد يَكفُرُ ثُمَّ لَا يُزَالُ على كُفرِهِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَيهِ، وقَد يَكُونُ مُؤمِنًا حَتَّى يَمُوتَ على الإيمَانِ. فالفِطْرَةُ عِندَ هَؤُلَاءِ: مَا قَدَّرَه الله على عِبادِه من أولِ أحوالِهم إلى آخِرِها، سَواءً كَانَت حَالَةٌ واحِدَةٌ لَا تَنَتَقِلُ أو حَالًا بَعدَ حَالٍ . قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وهذا وإن كَانَ صَحِيحًا في الأصلِ؛ فإنَّه أضعَفُ الأقَاوِيلِ من جِهَةِ اللُّغَةِ فِي مَعنَى الفِطْرَةِ. حَكَاها كُلَّها ابنُ عَبدِ البَرِّ، وغَيرُه(٧) . القَولُ السَّابِعُ: أنَّ المُرَادَ بِالفِطرَةِ: مِلَّةُ أبيه؛ أي: دِينُه؛ بِمَعنَى أَنَّ لَه حُكمَه. حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ(٨). التمهيد (٩٠/١٨، ٩١). (١) (٢) أبو داود (٤٧١٦). (٣) في (م): ((سليم)) .. (٤) في (ح، ش): ((حديث)). والمثبت موافق لأبي داود (٤٧١٦). (٥) في (م): ((حین)). (٦) في (ش): ((مما)). التمهيد (٩٣/١٨، ٩٤). (٧) (٨) إكمال المعلم (١٤٧/٨). = ١٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال أبو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلَامِ(١): سَألتُ مُحَمَّدَ بنَ الحَسَنِ عن هذا الحديثِ؟ فَقال: كَانَ هذا في أولِ الإسلامِ قَبلَ أن تَنزِلَ الفَرَائضُ وقَبلَ الأمرِ بِالجِهادِ. قال أبو عُبَيدٍ: كَأنَّه يَعنِي: أنَّه لَو كَانَ يُولَدُ على الفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبلَ أن يُهَوِّدَه أبَواه أو يُنَصِّرَانِهِ لَم يَرِثهمَا ولَم يَرِثَاه؛ لِأَنَّه مُسلِمٌ وهمَا كَافِرَانٍ، ولَمَا جَازَ أن يُسبَى. فَلَمَّا فُرِضَتِ الفَرَائضُ، وتَقَرَّرَت السُّنَنُ على خِلَافِ ذلك، عُلِمَ أنَّه يُولَدُ على دِينِهِمَا. انتَهَى. وهذا (٢) مُوافِقُ للقَول٢ِ) الثَّانِي: أنَّ المُرَادَ بِالفِطرَةِ: الإسلامُ، لكنه(٣) جَعَلَه مَنسُوخًا لِمَا ذَكَرَه. والحَقُّ: أنَّه لَا يُحتَاجُ فيه إلى دَعوى النَّسخ؛ لِأنَّه وإن كَانَ مَعنَاه الوِلَادَةُ على الإسلامِ فقد أخبَرَ في بَقِيَّتِه: أنَّ(٤) أَبَويه يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه؛ أي: يَثْبُتُ (٥لَه حُكمُهمَا٥) بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، فالحُكمُ بِإِسلَامِه هو الباطِنُ، ويَهودِيَّتُه و(٦) نَصرَائِيَتُه هو في الّاهِرِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: أظُنُّ مُحَمَّدَ بنَ الحَسَنِ حَادَ عن الجَوابِ فيه؛ لإشكَالِهِ عَلَيه، أو لِجَهلِه به، أو لِكَرَاهَةِ الخَوضِ في ذلك. قال: وقَولُه: إنَّ ذلك كَانَ قَبلَ الأمرِ بِالجِهادِ. فَلَيْسَ كَمَا قال؛ لِأَنَّ في(٧) حَدِيثِ [الأسودِ بنِ سَرِيع، مَا يُبَيِّنُ أنَّ ذلك كَانَ بَعدَ الأمرِ بِالجِهادِ، وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ رُوِيَ عن](٨) الأسودِ بنِ سَرِيعٍ قال: (٢٢٩/٧م) قال رسولُ الله ◌َّرَ: ((مَا بالُ قَومِ بَلَغُوا فِي القَتْلِ، حَتَّى قَتَلُوا الوِلْدَانَ؟ فَقال رَجُلٌ: (٩ أو لَيسَ إنما همٌ) أولَادُ [المُشْرِكِينَ؟ فَقال رسولُ اللهِ وَلَّه: أو لَيسَ خِيَارُكُم أولَاهَ](١٠) المُشرِكِينَ، إِنَّه لَيسَ من مَولُودٍ إلا وهو يُولَدُ على الفِطْرَةِ؛ فَيُعَبِّرُ عنه لِسَانُه، ويُهَوِّدُه أَبَواه أو بُنَصِّرَانِه))(١١). (١) غريب الحديث (٢١/٢). (٢ - ٢) في (م): ((يوافق القول)). (٤) في (ح، ش): ((بأن)). (٦) في (م): ((أو)). (٣) في (م): (لله و)). (٥ - ٥) في (ح، ش): ((لهما حكمه)). (٧) ليس في (ح). (٨) ما بين المعکوفین ليس في (ح). (٩ - ٩) في (م): ((أوليس أبناؤهم)). والمثبت موافق للتمهيد. (١٠) ما بين المعكوفين ليس في (ش). (١١) التمهيد (٦٧،٦٦/١٨)، وشرح النووي (٢٠٨/١٦). والحديث عند أحمد (٤٣٥/٣). = ١٤٧ بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ ■ الثَّالِثَةُ: حَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ (١) عن طَائفَةٍ: أَنَّه لَيسَ في هذا الحديثِ مَا يَقْتَضِي العُمُومَ. وأنَّ مَعنَاه: أنَّ كُلَّ مَن وُلِدَ على الفِطْرَةِ، وكَانَ (٢له أبَوان٢) على غَيرِ الإسلامِ هَوَّدَاه أو نَصَّرَاه أو مَجَّسَاه. قَالُوا: ولَيسَ مَعنَاه: أنَّ جَمِيعَ المَولُودِينَ يُولَدُونَ على الفِطرَةِ، بَلِ المَعنَى: أنَّ المَوُلُودَ على الفِطرَةِ بَيْنَ الأبَوينِ الكَافِرَينِ يُكَفِّرَانِهِ، وكَذَا من لم(٣) يُولَدُ على الفِطرَةِ، وكَانَ أبَواه كافرين(٤)؛ حُكِمَ لَه بِحُكمِهِمَا فِي صِغَرِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ فَيَكُونَ لَه حُكُمُ نَفْسِه حِينَئذٍ لَا حُكمُ أَبَويه. واحتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ الغُلَامِ الذي قَتَلَه الخَضِرُ؛ فإنَّه لَم يُولَد على الفِطرَةِ، بَل طُبعَ كَافِرًا، وحَدِيثِ أبي سَعِيدٍ مَرُفُوعًا (٥): ((أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ(٦) شَتَّى؛ فَمنهم مَن يُولَدُ مُؤمنا ويَحيَا مُؤمنًا ويَمُوتُ مُؤمنًا، ومنهم مَن يُولَدُ كَافِرًا ويَحَيَا كَافِرًا ويَمُوتُ كَافِرًا، ومنهم من يُولَدُ مُؤمنًا ويَحيَا مُؤمنًا ويَمُوتُ كَافِرًا، ومنهم من يُولَدُ كَافِرًا ويَحيَا كَافِرًا ويَمُوتُ مُؤمِنًا)). ويَرُدُّ هذا التَّأْوِيلَ لَفِظُ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((مَا من مَولُودٍ يُولَدُ إلا على هذه الفِطْرَةِ). الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((فأبَواه يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه))، يَحتَمِلُ: أن يَكُونَ بِطَرِيقٍ الفِعلِ(٧) والتَّعلِيم والتَّسَبُّبِ(٨). ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ حُكمًا، وإن لَم يَقَع ذلك فِعلًا. وفيه على الثَّانِي: تَبَعِيَّةُ الصَّغِيرِ لِأَبَويه الكَافِرَينِ في حُكمِ الكُفرِ، وهو گَذلك بالإجماعِ. والواوُ في قَولِه: ((ويُنَصِّرَانِه))، بِمَعنَى: ((أو))؛ لِأَنَّ الأبَوينِ لَا يَفعَلَانِ الأمرَينِ مَعًا، وإنَّمَا يَفعَلَانِ أَحَدَهمَا . التمهيد (٥٩/١٨، ٦٠). (١) (٢ - ٢) في (م): ((أبواه). من (ح، ش). وهي لازمة لصحة المعنى المراد، وموافقة لما في التمهيد. (٣) كذا في النسخ، وهو خطأ. والصواب: ((وكان أبواه مؤمنين))، كما في التمهيد (٤) (٦٠/١٨)، والاستذكار (٩٨/٣). أخرجه الحميدي في مسنده (٧٨٧)، والحاكم (٥٠٥/٤). (٥) (٦) في (ح): ((من طبقات)). في (م): ((التسبيب)). (٨) (٧) في (م): ((العقل)). ١٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ] الخَامِسَةُ: قَولُهُ(١): ((كَمَا تَنَاتَجُ الإِبِلُ))؛ (٢أي: تَتَنَاتَجُ(٢)، فَحَذَفَ إحدَى التَّاءَينِ تَخفيفًا . وقَولُه: (جَمعَاءَ))، بِفَتحِ الجِيمِ وإسكَانِ المِيمِ وبِالمَدِّ؛ أي: مُجتَمعةٌ الأعضَاءِ سَلِيمَةً من النَّقْصِ. وقَولُه: ((هَل تُحِسُّ))، بِضَمِّ أولِه وكَسرِ ثَانِيه وتَشدِيدِ ثَالِثِه؛ من الإحسَاسِ، وهو الإدرَاكُ بِأحَدِ الحَواسِ. وقَولُه: (جَدعَاءَ)) بِفَتح الجِيمِ وإسكَانِ الدَّالِ المُهمَلَةِ وبِالمَدِّ؛ أي: مَقطُوعَةَ الأُذُنِ أو (٣) غَيرِها من الأعضَاءِ، وَمَعنَاه: أنَّ البَهِيمَةَ تَلِدُ البَهِيمَةَ كَامِلَةَ الأعضَاءِ لَا نَقْصَ فيها، وإنَّمَا يَحصُلُ فيها النَّقْصُ والجَدعُ بَعدَ وِلَادَتِها؛ فَكَذلك يَخرُجُ المَولُودُ (٧/ ٢٣٠م) سَلِيمًا من الكُفرِ، وإِنَّمَا يَطْرَأْ لَه ذلك بَعدُ. وقَولُه في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((تُنْتَجُونَ))، بِضَمِّ أولِهِ وإسكَانٍ ثَانِيه وفَتَحِ ثَالِيِه. وقَولُه: ((الإِلَ))، مَنصُوبٌ على المَفْعُولِيَّةِ، وهذا الفِعلُ مَبنِيٌّ لِلفاعِلِ، وإن كَانَت صِيغَتُه صِيغَةَ المَبِيِّ لِلمَفْعُولِ (٤). وقَولُ أبي العَباسِ القُرطُبي(٥): إنَّه مَبنِيٌّ لِمَا لَم يُسَمَّ فاعِلُه. إن أرَادَ في الصُّورَةِ، وإلا فَهو وهمّ؛ فقد ذُكِرَ فاعِلُه معه. ■ السَّادِسَةُ: قَولُه: ((قالوا(٦): يَا رسولَ الله أَفَرَأيت مَن يَمُوتُ وهو صَغِیرٌ؟)). هذا السُّؤَالُ إِنَّمَا هو عن أولَادِ المُشرِكِينَ، وقَد صُرِّحَ بِذلك في حَدِيثٍ أبي هريرةَ، وفي حَدِيثِ ابنِ عَباسٍ، وكِلَاهِمَا في ((صَحِيحِ البخارِيِّ))، و((مُسلِمٍ)(٧). وقَولُه: ((الله أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). استَدَلَّ به مَن ذَهَبَ إلى التَّوقُّفِ في لیس في (ش). (١) (٣) في (ح، ش): (و)). المفهم (٦٧٦/٦). (٥) البخاري (١٣٨٣)، ومسلم (٢٨/٢٦٦٠). (٧) (٢ - ٢) ليس في (ش). (٤) ينظر: الصحاح (٣٤٣/١). (٦) من (ح). بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ ١٤٩ == أولَادِ المُشرِكِينَ، وأنَّا لَا نَدرِي هَل هم في الجَنَّةِ أم في النَّارِ. ومَعنَى الحديثِ: أنَّه مَن عَلِمَ الله أنَّه إن بَلَغَ كَانَ مُسلِمًا فَهو في الجَنَّةِ، ومَن عَلِمَ أنَّه إن بَلَغَ كَانَ كَافِرًا فهو (١) في النَّارِ. وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في أولَادِ المُسلِمِينَ: فالأكثَرُونَ على الجَزمِ بِأَنَّهم في الجَنَّةِ. وقِيلَ فيهم: بالتوقُّفِ(٢). واحتَجَّ قَائلُه بِمَا في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))(٣) عن عَائِشَةَ ﴿ّا قالت: ((تُؤُفي صَبي من الأنصَارِ. فَقُلت: طُوبَى لَه عُصفُورٌ منَ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ، لَم يَعمَلِ السُّوءَ ولَم يُدرِكِه، فَقال النَّبِي ◌َّهِ: أو غَيرَ ذلك يَا عَائِشَةُ، إنَّ اللهَ خَلَقَ لِلجَنَّةِ أهلًا خَلَقَهم لَها، وهم في أصلَابٍ آبائهم، [وخَلَقَ لِلنَّارِ أهلًا خَلَقَهم لَها، وهم في أصلَابٍ آبائهم))] (٤) . وحَكَى النَّووِيُّ(٥) الأولَ عن إجمَاع مَن يُعتَدُّ به من عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ، والتَّوقُّفِ عن بَعضٍ مَن لَا يُعتَدُّ به. قال: وأجَابَ العُلَمَاءُ عن حَدِيثِ عَائشَةَ: بِأَنَّه لَعَلَّه نَهاها عن المسارعة(٦) إلى القَطعِ من غَيرِ أن يَكُونَ عِندَها دَلِيلٌ قَاطِعٌ، كَمَا أنكَرَ على سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ في (٧) قَولَه: ((أعطه (٨) إِّي لَأُرَاه مُؤمِنًا. قال: أو مُسلِمًا؟.)) الحديثَ. قال: ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيِ بَّهِ قال هذا قَبلَ أن يَعلَمَ أنَّ أطفالَ المُسلِمِينَ في الجَنَّةِ؛ فَلَمَّا عَلِمَ قال(٩) ذلك في قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مَا من مُسلِم يَمُوتُ لَه ثَلاثَةٌ من الولَدِ لَم يَبلُغُوا الحِنثَ: إلا أدخَلَه الله الجَنَّةَ بِفَضلِ رَحمَتِهِ أَيَّاهم)»، وغَيَرَ ذلك من الأحَادِيثِ. انتَهَى. في (م): ((کان)). (١) مسلم (٣١/٢٦٦٢، ٣٢). (٣) شرح النووي على مسلم (٢٠٧/١٦). وحديث سعد: عند البخاري (٢٧)، ومسلم (٥) (٢٣٧/١٥٠)، وحديث: ((ما من مسلم ... )) عند البخاري (١٠٢)، ومسلم (٢٦٣٤) من حديث أبي هريرة. وعند البخاري (١٢٤٨) من حديث أنس. (٦) في (م): ((التسرع». ليس في (م). (٨) (٢) في (م): ((يتوقف)). (٤) ليس في (ح). (٧) ليس في (م). (٩) في (ح): ((قدر)). 1 ١٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وذَكَرَ المَازَرِيُّ(١): أنَّ بَعضَهم يُنكِرُ الخِلَافَ في ذلك لِقَولِه تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرَِّّاتِهِم (٢) بِإِيمَانٍ أُلحَقْنَا بهم ذُرْيَّاتِهِم﴾ [الطور: ٢١]. قال: وبَعضُ المُتَكَلِّمِينَ: يَقِفُ فيهم، ولَا يَرَى نَصَّا قَاطِعًا بِكَونِهِم في الجَنَّةِ، ولَم يَثْبُت عِندَه الإجمَاعُ فَيَقُولَ به. واستَثْنَى قَبَلَ ذلك من الخِلَافِ أولَادَ الأنبياءِ عَلَيهم (٢٣١/٧م) السَّلَامُ، وقال: قَد تَقَرَّرَ الإجمَاعُ على أنَّهم في الجَنَّةِ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٣): التَّوقُّفَ في أولَادِ المُسلِمِينَ عن جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ من أهلِ الفِقه والحديثِ، منهم حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحَاقُ بنُ رَاهويه، وغَيرُهم. قال: وهو يشبه (٤) مَا رَسَمَه مَالِكٌ في أبوابِ القَدَرِ من ((مُوطّإِ)(٥). ومَا أورَدَه في ذلك من الأحَادِيثِ. وعلى ذلك أكثَرُ أصحابه، ولَيسَ عن مَالِكِ فيه شَيءٌ مَنصُوصٌ، إلا أنَّ المُتَأخِّرِينَ من أصحابه (٦) ذَهَبوا إلى أنَّ أطفالَ المُسلِمِينَ في الجَنَّةِ. انتَهَى. ورَوى أبو دَاوُدُ(٧) في (سُنَّتِه))؛ عن ابنِ وهبٍ قال: سَمِعت مَالِكًا، قِيلَ لَه: إنَّ أهل الأهواءِ يَحتَجُونَ عَلَيْنَا بهذا الحديثِ؟ قال مَالِكٌ: احتَجَّ عَلَيهم بِآخِرِهِ. قَالُوا: أرأيتَ من يَمُوتُ وهو صَغِيرٌ؟ قال: ((اللهُ أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). وأمَّا أطفالُ المُشرِكِينَ فَفيهم مَذَاهبُ: أحَدُها: أنَّهم في النَّارِ تَبَعًا لِآبائهم. والثَّانِي: أنَّهم في الجَنَّةِ. والثَّالِثُ: التَّوَقُّفُ فيهم. المعلم (٣٩٧/٢). (١) على قراءة أبي عمروٍ. وينظر: التيسير لأبي عمرو الداني (ص١٣٠)، والنشر (ص٣٧٧). (٢) (٣) التمهيد (٨٩/١٨ - ١١٢). (٤) في (م): ((نسبة)). في (م): ((موطآته)). ينظر: الموطإ - كتاب القدر (٨٩٨/٢ - ٩٠١). (٥) (٦) ينظر: الذخيرة (٣٣٠/١٣، ٣٣١). (٧) أبو داود (٤٧١٥). ١٥١ بابُ أولَادِ المُشْرِكِينَ = والرَّابِعُ: أنَّهم يُمتَحَنُونَ في الآخِرَةِ. وقَد ورَدَ هذا في حَدِيثٍ رُوِيَ من طَرِيقٍ أَبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ ◌َبه قال: قال رسولُ اللهِ وََّ، فِي (١) الهالِكِ في الفَتْرَةِ والمَعتُوه والمَولُودِ ... الحديثَ. وفيه: (( ... يَقُولُ المَولُودِ: رَبِّ لَم أدِرِك العَقْلَ. قال: فَتَرتَفِعُ لَهم نَارٌ. فَيُقَالُ: رِدُوها وادخُلُوها. قال: فَيَرِدُها أو يَدخُلُها مَن كَانَ فِي عِلم الله سَعِيدًا لَو أدرَكَ العَمَلَ، ويُمسِلُكُ عنها مَن كَانَ فِي عِلم الله شَقِيًّا لَو أدرَكَ العَمَلَ. قال: فَيَقُولُ الله تعالى: إِنَّايَ عَصَيْتُم! فَكَيفَ رُسُلِي لَو أَتَكُمْ؟))(٢). ورُوِيَ مَوقُوفًا على أبي سَعِيدٍ، ورُوِيَ أيضًا من حَدِيثِ أنَسٍٍ، ومُعَاذٍ بنٍ جَبَلٍ، والأسودِ بنِ سَرِيعٍ، وأبي هريرةَ، وثَوبانَ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: والأحَادِيثُ في ذلك من أحَادِيثِ الشُّيُوخ، وفيها عِلَلٌ(٣) لَيسَت من أحَادِيثِ الأئمَّةِ الفُقَهاءِ، وهو أصلٌ عَظِيمٌ، والقَطعُ فيه بِمِثلِ هذه الأحَادِيثِ ضَعِيفٌ في العِلمِ(٤) والنَّظَرِ، مع أنَّه قَد عَارَضَها مَا هو أقوى منها(٥). انتھی. القَولُ الخَامِسُ: أنَّهم في بَرزَخ. حَكَاه أبو العَباسِ القُرطُبي عن قَومِ، قال(٦): وأحسَبُهم من غَيرِ أهلِ السُّنَّةَ(٧). وحَكَى النَّووِيُّ الأولَ: وهو أنَّهم في النَّارِ، عن الأكثَرِينَ. والثَّانِي: (٢٣٢/٧م) وهو أنَّهم في الجَنَّةِ، عن المُحَقِّقِينَ. قال: وهو الصَّحِيحُ. ويُستَدَلُّ عَلَيه بِأشياءَ منها حَدِيثُ ((إبرَاهِيمَ الخَلِيلِ صَلَواتُ الله وسلامه عَلَيه حِينَ رَآهَ النَّبِي ◌َِّ في الجَنَّةِ، وحَولَه أولَادٌ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رسولَ الله، وأولَادُ المُشرِكِينَ؟ قال: وأولَادُ المُشرِكِينَ)). رواه البخارِيُّ في ((صَحِیچِه)). (١) ليس في (ش). أخرجه البغوي في الجعديات (٢٠٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٧). (٢) (٣) في (م): ((علاوات)). (٤) في (م): ((العلة)). التمهيد (١٣٠/١٨)، والأحاديث عنده في (١٢٧/١٨ - ١٣٠). وتفصيل المسألة في (٥) (١١٦/١٨ - ١٣٠). (٦) بعده في (م): ((قيل)). (٧) في (م): ((النار)). = ١٥٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ومنها: قَوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولَا يَتَوجَّه على المَولُودِ التَّكلِيفُ، ويَلزَمُه قَولُ الرسولِ حَتَّى يَبلُغَ، وهذا مُتَّفَقٌ عَلَيه. قال: والجَوابُ عن حَدِيثِ: (( ... الله أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)): أنَّه لَيسَ فيه تَصرِيحٌ بِأنَّهم في النَّارِ. وحَقِيقَةُ لَفِظِه: الله أعلَمُ بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ لَو بَلَغُوا، والتّكلِيفُ لَا يَكُونُ إلا بِالْبُلُوغِ. وأمَّا غُلَامُ الخَضِرِ: فَيَجِبُ تَأْوِيلُه قَطْعًا؛ لِأَنَّ أَبَويه كَانَا مُؤمنينٍ فَيَكُونُ هو مُسلِمَا، فَيُتَأولُ على أنَّ مَعنَاهِ: أنَّ اللهَ أعلَمُ(١) أنَّه لَو بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا، لَا أَنَّه كَافِرٌ في الحَالِ، ولَا تَجرِي عَلَيه في الحَالِ أحكَامُ الْكُفَارِ (٢). انتھی. وسَفكُ دَمِه في الحَالِ غَيرُ سَائغٍ في شَرِيعَتِنَا، ولا أظُنُّه كَانَ فِي شَرِيعَةٍ مُوسَى عَهُ، ولِهذا أنكَرَه، وإِنَّمَا هو شَرِيعَةُ الخَضِرِ عْلَا؛ فَهِيَ شَرِيعَةٌ مَنسُوخَةٌ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بها . على أنَّ بَعضَهم ذَكَرَ أنَّ هذا (٣) الغُلَامَ كَانَ قَد بَلَغَ، وكَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ، ووصفُه بِأنَّه غُلَامٌ لَيسَ صَرِيحًا في أنَّه لَم يَبلُغْ؛ فَفي الحديثِ عن عَبدِ المَطلب (٤) بنِ رَبِيعَةَ قال: ((اجتَمَعتُ أنَا والفَضلُ بنُ عَباسٍ، ونَحنُ غُلَامَانِ شَابانٍ قَد بَلَغْنَا))(٥). ولَكِنَّه قَولٌ بَعِيدٌ مُنكَرٌ. ورَوى ابنُ عَبدِ الْبَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٦) عن عَائِشَةَ رِّنَا، قالت: ((سَأَلَت خَدِيجَةُ النَّبِيِ وََّ عن أولَادِ المُشرِكِينَ؟ فَقال: هم مع آبائهم. ثُمَّ سَألَتَهُ بَعدَ ذلك؟ فَقال: اللهُ أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعدَمَا استَحكَمَ الإِسلَامُ؟ فَنَزَلَت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىْ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فَقال: هم على الفِطرَةِ، أو قال: في الجَنَّةِ». (١) في (م): ((علم)). المفهم (٦٧٧/٦، ٦٧٨)، وشرح النووي (٢٠٧/١٦، ٢٠٨). والحديث في البخاري (٢) (٧٠٤٧). (٣) في (ش): ((ذلك)). (٥) التمهيد (١٠٩/١٨). (٤) في (م): ((عبد الملك)). (٦) التمهيد (١١٧/١٨). = ١٥٣ بابُ أولَادِ المُشرِكِينَ وعن أنَسِ بنِ مَالِكِ رَبِهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهُ: (سَأَلتُ رَبي اللاهينَ من ذُرِّيَّةِ البَشَرِ أن لَا يُعَذِّبَهم؟ فأعطَانِيهم)). وعن أنَسٍ مَرفُوعًا أيضًا: ((أولَادُ المُشرِكِينَ خَدَمُ أهلِ الجَنَّةِ))(١). وعن سَلمَانَ مَوقُوفًا: ((أطفالُ المُشرِكِينَ خَدَمُ أهلِ الجَنَّةِ))(٢). ورَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣) أيضًا عن ابنِ عَباسٍ ﴿ّ، قال: ((لَا يَزَالُ أمرُ هذه الأمَّةِ مُواتيًا(٤) أو مُتَقَارِبًا، أو كَلِمَةً (٥ تُشِبه هاتينٍ(٥)؛ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا أو يَنظُرُوا في الأطفالِ والقَدَرِ)). قال يَحيَى بِنُ آدَمَ: فَذَكَرَته لِابنِ المُبارَكِ. فَقال: أَفَيَسكُتُ الإنسَانُ على الجَهلِ؟ قُلتُ: فَتَأمُرُ(٦) بِالكَلَامِ؟ فَسَكَتَ(٧). وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٨) (٧/ ٢٣٣م) أيضًا؛ عن ابنِ عَونٍ قال: كُنت عِندَ القَّاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ؛ إذ جَاءَه رَجُلٌ، فَقال: مَاذَا كَانَ بَيْنَ قتادةُ(٩) وبَينَ حَفصٍ بنِ عُمَرَ في أولَادِ المُشرِكِينَ؟ قال: وتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ الرَّأيَ في ذلك، فَقال القَاسِمُ: إذَا الله انتَهَى عن شَيءٍ، فانتَهَوا وقِفُوا عِندَه. قال: فَكَأَنَّمَا كَانَت نَارًا فَأُطفِأت(١٠). والله أعلم. السَّابِعَةُ: استُدِلَّ به على أنَّ الولَدَ الصَّغِيرَ يَتَبَعُ أبَويه في الإسلامِ والكُفرِ. وقَد عَرَفتَ أنَّ في رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ: ((فإن كَانَا مُسلِمَينِ فَمُسلِمٌ))، وقَد أجمع المُسلِمُونَ على ذلك. إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أسلَمَ أحَدُ أَبَويه: فَقال الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةً وأحمَدُ والجُمهورُ: يَتْبَعُ أيَّهمَا أسلَمَ سَواءً كَانَ هو الأبَ أو الأمّ. وقال مَالِكٌ: يَتَبَعُ أباه (١) التمهيد (١١٧/١٨). البيهقي في القضاء والقدر (٩١/٢) (٥٦٧). (٢) (٣) التمهيد (١٣١/١٨). (٤) في (ح): ((متوانيًا)). (٥ - ٥) مكانها في (ح): ((شبه هاتين))، وفي (م): ((تشير إلى هذين)). وفي التمهيد: ((تشبهها)). (٦) في (ح): ((فيأمر)). وهو موافق للتمهيد. (٨) التمهيد (١٣٢/١٨). (٧) الاستذكار (٩٩/٣). في (م): ((فلان)). (٩) (١٠) في (م): ((فانطفأت)). = ١٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ خَاصَّةٌ دُونَ أمِّه، حَتَّى لَو أسلَمَت أمُّه وأبوه كَافِرٌ استَمَرَّ على الحُكمِ لَه بِالكُفرِ . واختَلَفُوا أيضًا فيمَا إذَا سُبي، ولَيسَ معه أحَدُ أَبَويه: فَقال الجُمهورُ أيضًا: يَتْبَعُ السَّابي(١)؛ فإذَا (٢كَانَ مُسلِمًا٢) فَهو مُسلِمٌ، ولَو كَانَ أبَواه كَافِرَينِ حَيَّينِ. وقال مَالِكٌ: هو على حَالِه من الحُكمِ عَلَيهِ(٣) بِالكُفرِ، ولَو انفَرَدَ عنهمَا حَتَّى يُسلِمَ استِقِلَالًا بَعدَ البُلُوغ (٤). واللهُ أعلمُ. (١) في (ح): ((الثاني)). (٢ - ٢) في (ش): ((أسلم)). (٣) في (ش): (له)). (٤) روضة الطالبين (٤٣١/٥، ٤٣٢)، (٢٨١/٨)، والهداية (٢١٩/١)، والذخيرة (١٣٤/٩). بابُ اتَّخَاذِ الخَيلِ ١٥٥ 3 بابُ اتَّخَاذِ الخَيلِ حجَ عنْ نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ ﴿ّه، أنَّ رسولَ اللهِوَلَه قال: (((١ الخَيلُ في نَواصِيها الَّخَير١ُ) إلى يَومِ القِيَامَةِ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: اتَّفق عَلَيْه الشيخانِ(٢) من هذا الوجه، ولَه طُرُقٌ أخرَى، وهو في ((الصَّحِيحَينِ))(٣) أيضًا من حَدِيثِ عُروةَ البارِقِيِّ، وفي آخِرِهِ: ((الأجرُ والمَغنَمُ)). ورَواه بهذه الزِّيَادَةِ مُسلِمٌ(٤) أيضًا من حَدِيثٍ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ، وفي (٧/ ٢٣٤م) (الصَّحِيحَينِ))(٥) من حَدِيثِ أَنَسِ رَُّه: ((البَرَكَةُ فِي نَواصِي الخَيلِ)). ■ الثَّانِيَةُ: المُرَادُ بِالنَّاصِيَةِ هنَا: الشَّعرُ المُستَرسِلُ(٦) على الجَبهَةِ؛ قاله الخَطَّابِي وغَيرُه. قَالُوا: وكَتَّى بِالنَّاصِيَةِ عن جَمِيعِ ذَاتِ الفَرَسِ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُبَارَكُ النَّاصِيَةِ، ومُبارَكُ الغُرَّةِ؛ أي: الذَّاتِ(٧). قُلتُ: ويُمكِنُ أنَّه أُشِيرَ بِذِكرِ النَّاصِيَةِ إلى أنَّ الخَيرَ إنَّمَا هو في مُقَدَّمِها لِلإِقدَامِ به على العَدُوِّ دُونَ مُؤَخِّرِها (٨لِلإِدبارِ بها٨) عن العَدُوِّ، والله أعلَمُ، (١ - ١) في (ش): ((الخير في نواصي الخيل)). (٢) البخاري (٢٨٤٩)، ومسلم (١٨٧١ / ٩٦). البخاري (٢٨٥٠)، (٣١١٩)، ومسلم (٩٨/١٨٧٣). (٣) (٤) مسلم (١٨٧١ / ٩٧). البخاري (٢٨٥١، ٣٦٤٥)، ومسلم (٠٠٠/١٨٧٤). (٥) (٦) في (ش): ((المترسل)). (٧) إكمال المعلم (٢٨٨/٦)، وشرح النووي (١٦/١٣). (٨ - ٨) في (ش): «للإدبار لها)). = ١٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ولَا يَخْفَى مَا في الخَيلِ والخَيرِ من الجِنَاسِ، وهذا من بَلِيغِ الكَلَامِ. ■ الثَّالِثَةُ: فيه استِحبابُ اِّخَاذِ الخَيلِ، والمُرَادُ به: ارتباطُها لِلِغَزوِ وقِتَالٍ العَدُوِّ، بِدَلِيلٍ قَولِه في حَدِيثٍ عُروةَ: ((الأجرُ والمَغَمُ))، ويَدُلُّ لِذلك حَدِيثُ أبي هريرةَ في الصَّحِيحِ: ((الخَيلُ ثَلَاثَةٌ: هيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وهيَ لِرَجُلٍ سِترٌ، وهيَ لِرَجُلٍ أجرٌ)). وقَد تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلَيْه فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وأمَّا الحديثُ الآخَرُ: ((إنَّ الشُّؤْمَ يَكُونُ في الفَرَسِ))، وهو في ((الصَّحِيحِ))(١) فالمُرَادُ به: غَيرُ الخَيلِ المُعَدَّةِ لِلغَزوِ ونَحوِهِ، أو أنَّ الخَيرَ والشُّؤْمَ يَجْتَمِعَانِ فيها؛ فإنَّه(٢) فَسّرَ(٣) الخَيرُ بِالأجرِ والمَغَمِ، ولَا يَمتَنِعُ مع هذا أن يَكُونَ الفَرس مِمَّا يُتَشَاءَمُ به، فقد يَحصُلُ في الشَّيءِ النَّفْعُ والضَّرَرُ بِاعتبارَينِ. والجَوابُ الأولُ: أحسَنُ، ويَرُدُّ الثَّانِيَ قَولُه في حَدِيثِ أَنَسٍ: ((البَرَكَةُ في نَواصِي الخَيلِ))؛ فإنَّ الْبَرَكَةَ والشُّؤْمَ ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ (٤). الرَّابِعَةُ: استَدَلَّ به أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ والبخارِيُّ وغَيرُهمَا، على أنَّ الجِهادَ مَاضٍ(٥) مع البَرِّ والفاجِرِ؛ لِأَنَّ ذَكَرَ بَقَاءَ الخَيرِ في نَواصِيها إلى يَومِ القِيَامَةِ، وفَسَّرَه بِالأجرِ والمَغنَمِ، ولَم يُقَيِّد ذلك بِمَا إذَا كَانَ الإمَامُ (٦ المُجَاهَدُ معه٦) عَادِلًا؛ فَدَلَّ على أنَّه لَا فَرَقَ في حُصُولِ هذا الفَضلِ بَيْنَ أن يَكُونَ الغَزوُ مع أئمَّةِ العَدلِ أو أئمَّةِ الجَورِ . وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِذلك: فيمَا رَواه أبو دَاوُد في ((سُنَتِهِ)) من حَدِيثِ أنَس قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ( ثَلَاثَةٌ من أصلِ الإِيمَانِ: الكَفُّ عَمَّن قال لَا إِلَهَ الا الله، ولَا تُكَفِّرُه بِذَنبٍ، ولا تُخرِجُه من الإِسلَامِ بِعَمَلٍ، والجِهادُ مَاضٍ مُنذُ بَعَثَنِي الله إلى أن يُقَائِلَ آخِرُ أَمَّتِي الدَّجَّالَ؛ لَا يُبطِلُهُ جَورُ جَائِرٍ، وَلَا عَدِلُ عَادِلٍ، والإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ))(٧). صحیح مسلم (١١٥/٢٢٢٥) من حديث ابن عمر. (١) (٣) في (م): ((يحصل)). (٢) في (ش): «کأنه)). شرح النووي على مسلم (١٦،١٧/١٣). (٤) (٥) في (م): ((واجب)). أبو داود (٢٥٣٢). (٧) (٦ - ٦) ليس في (م) بابُ اتَّخَاذِ الخَيلِ ١٥٧ = وعن أبي هريرةَ رَظُبه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الجِهادُ واجِبٌ عَلَيكُم مع كُلِّ أمِيرٍ بَرَّا كَانَ أو فاجِرًا(١)، والصَّلَاةُ واجِبَةٌ (٢عَلَيْكُمْ خَلف٢َ) كُلِّ مُسلِمٍ بَرًّا كَانَ أو فاجِرًا، وإِن عَمِلَ الكَبائرَ، [والصَّلَأَّةُ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مُسلِم برًّا كَانَ أَوْ فاجِرًا، وإن عَمِلَ الكَبائِرَ](٣))(٤) سَكَتَ أبو دَاوُد عَلَيهما(٥). ■ الخَامِسَةُ: وفيه بُشرَى بِبَقَاءِ الجِهادِ إلى (٢٣٥/٧م) يَومِ القِيَامَةِ، والمُرَادُ: قُربُها وأشرَاطُها القَوية (٦) كَيَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ، فإنَّه لَا يَبقَى بَعدَ وفاةٍ عِيسَى عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِهادٌ، والله أعلمُ. السَّادِسَةُ: قال الخَطَّابي: وفيه إثباتُ السَّهمِ لِلفَرَسِ يَستَحِقُّه الفارِسُ من (٧) أجلِه(٧) . ■ السَّابِعَةُ: قال الخَطَّابي(٨): وفيه إعلَامٌ بِأنَّ المَالَ الذي يُكتَسَبُ بِتِّخَاذِ(٩) الخَيلِ من خَيرِ وُجُوه الأموالِ وأطيَبها(١٠). والعَرَبُ تُسَمِّي المَالَ خَيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ إِن تَرَّكَ خَيْرَا﴾. [البقرة: ١٨٠]؛ أي: مَالًا . وقال المُفَسِّرُونَ في قَولِه تعالى: ﴿إِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّ﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: الخَيلِ (١١) . ■ الثَّامنةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٢): فيه تَفضِيلُ الخَيلِ على سَائِرِ الدَّوابِّ؛ لِأَنَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يَأتِ عنه في غَيرِها مِثْلُ هذا القَولِ. ورَوى النسائيّ، عن أنَسٍِ بنِ مَالِكٍ ◌َُبه، قال: (لَم يَكُن شَيءٌ أحَبَّ إلى رسولِ الله وَّهِ بَعد النِّسَاءِ من الخَيلِ)). (١) بعده في (ح): ((وإن عمل الكبائر)). (٢ - ٢) في (ح): ((على)). (٣) من (ش)، والتخريج. (٥) في (م): ((عليها)). ينظر: شرح التبصرة للعراقي (٥٣، ٥٤). (٦) في (م): ((القريبة)). (٨) أعلام الحديث (١٣٧٤/٢). (١٠) في (م): ((وأنفسها)). (١١) ينظر: تفسير الطبري (١٣٤/٣)، (٨٣/٢٠). (١٢) التمهيد (١٤ /٩٦). (٤) أبو داود (٢٥٣٣). (٧) أعلام الحديث (١٣٧٤/٢). (٩) في المطبوع من الإعلام: ((بإيجاف)). 1 5 ١٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بابُ ذَمِّ(١) اتِّخَاذِها لِلِفَخْرِ والخُيَلَاءِ عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قال: «رَأْسُ الكُفرِ نَحو المَشرِقِ، والفَخرُ والخُيَلَاءُ في أهلِ الخَيلِ والإِبِلِ؛ الفَدَّادِينَ أهلٍ الوبَرِ، والسَّكِينَةُ في أهلِ الغَنَّمِ)». فيه فوائدُ: ■ الأولى: اتَّفق على إخرَاجِه الشيخانِ(٢) من هذا الوجه، ولَه عِندَهمَا طُرُقٌ أخرَى(٣) . ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((رَأْسُ الكُفرِ نَحو المَشرِقِ))، كَانَ ذلك في عَهدِه ◌ِ وَّهِ حِينَ قال ذلك؛ فإنَّه(٤) كَانَ مَملَكَةُ الفُرسِ، وهم أهلُ تَجَبٍُّ، وغَيرُ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِعٍ ولا كِتَابِ، ويَكُونُ حِينَ يَخرُجُ الدَّجَّالُ من المَشرِقِ، وكَذلك يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وهو (٥) (٦ فيما بين ذلك٦) مَنشَأ (٧) الفِتَنِ العَظِيمَةِ في الدَّينِ بِالبِدَعِ وفي الدُّنيَا (٢٣٦/٧م) بِالقَتلِ وسَفكِ الدَّمِ، ولَو لَم يَجِئ من فِتْنَةِ المَشرِقِ إلا خُرُوجُ التُّركِ على المُسلِمِينَ وسَفكُهم دِمَاءَهم وإذهابُهم عُلُومَهم، وتَخْرِيبُهم مَدَائنَهم لَكَفَى في ذلك(٨). ■ الثالثة: ((الفَخرُ)): هو الافتِخَارُ وعَدُّ المَآئِرِ القَدِيمَةِ تَعَظُّمًا. ((والخُيَلَاء)، بِضَمِّ الخَاءِ المُعجَمَةِ وفَتحِ الْيَاءِ مَمْدُودًا: الكِبرُ، واحتِقَارُ النَّاسِ. ليس في (ش). (١) (٢) البخاري (٣٣٠١)، ومسلم (٨٥/٥٢). (٣) البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٨٩/٥٢ - ٩١). (٤) في (م): «لأنه)). في (ح، ش): ((وهما)). (٥) (٦ - ٦) في (م): ((كذلك)). (٧) في (ح): ((ينشأ)). (٨) شرح النووي على مسلم (٣٤/٢) مع تصرف. = ١٥٩ بابُ ذَمِّ اتِّخَاذِها لِلِفَخرِ والخُيَلَاءِ وقَولُه: ((الفَدَّادِينَ))، كَذَا هو في رِوايَتِنَا هنا (١) بِغَيرٍ واوٍ، وكَذَا هو في ((صَحِيحِ مُسلِم)). وهو في (صَحِيحِ البخارِيِّ)): ((والفَدَّادِينَ)) بِإثباتِ الواوِ. وقَد ذَكَرَ أبو عَمرِو الشَّيبانِيُّ: أنَّ الفَدَادِين بِتَخفيفِ الدَّالِ، وهو جَمِعُ فَدَّانٍ بِتَشدِيدِ الدَّالِ، وهو عِبَارَةٌ عن البَقَرِ التي(٢) يحرث(٣) عَلَيها؛ حَكَاه عنه أبو عُبَيْدٍ (٤). وأنكَرَه عَلَيه. وعلى هذا، فالمُرَادُ بِذلك أصحَابُها؛ فَحَذَفَ المُضَافَ. وذَهَبَ جُمهورُ أهلِ اللُّغَةِ، ومنهم الأصمَعِيُّ وجَمِيعُ المُحَدِّثِينَ: إلى أنَّه: ((الفَدَّادِينَ))، بِتَشدِيدِ الدَّالِ، جَمِعُ فَدَّادٍ بِدَالَيْنِ أولاهمَا مُشَدَّدَةٌ. وقال النَّووِيُّ: إنَّه الصَّوابُ، وهم الذينَ (*تَعلُو أصواتُهم٥) في إِلِهم وخَيلِهم وحُرُوثهم (٦)، ونَحوِ ذلك، وهو من الفَدِيدِ، وهو الصَّوتُ الشَّدِيدُ(٧). وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٨) قَولًا: أنَّهم سُمُّوا الفَدَّادِينَ من أجلِ الفَدَافِدِ، وهيَ الصَّحَارِي والبَرَارِي الخَالِيَةِ، وأحَدُها فَدَفَدٌ، وأنَّ الأخفَشَ حَكَاه مع الذي قَبلَه. قال: والأولُ أجودُ. وقال أبو عُبَيدَةَ مَعمَرُ بنُ المُثَنَّى: هم المُكثِرُونَ من الإِبِلِ الذينَ يَملِكُ أحَدُهم المِائَتَينِ منها إلى الألفِ، ويُتَجَه أن يَكُونَ إثباتُ الواوِ في قَولِه: (والفَدَادِينَ)) مُوافِقًا لِلنَّخفيفِ، وحَذفُها مُوافِقًا لِلتَّشْدِيدِ. وقَولُه: ((أهلِ الوَبَرِ))، بَعدَ قَولِه: ((أهلِ الخَيلِ والإِبِلِ))؛ قَد يُستَشكَلُ، لِأَنَّ الوبَرَ من الإِبِلِ دُونَ الخَيلِ . (١) لیس في (م). (٢) في (ح): ((الذي)). في (م): ((تخور)). والمثبت موافق لعبارة النووي. وفي غريب أبي عبيد: ((يحرث بها)). (٣) (٤) غريب الحديث (٢٠٢/١ - ٢٠٣). وينظر: الفائق للزمخشري (٩٣/٣ - ٩٤). (٥ - ٥) في (ح): ((نقلوا أصوابهم)). (٦) في (م): ((وحروبهم)). وينظر: مشكلات الموطإ للبطليوسي (ص ١٧٧). (٧) شرح النووي على مسلم (٣٤/٢). (٨) التمهيد (١٤٣/١٨ - ١٤٤). = ١٦٠ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وجَوابُه: أنَّه وصَفَهم بِكُونِهِم جَامِعِينَ بَيْنَ الخَيلِ والإِبِلِ والوبَرِ(١). والظَاهرُ: أنَّ المُرَادَ بِذلك أنَّهم مع كَونِهم أهلَ خَيلٍ وإِلٍ، أهلُ وبَر لَيسُوا أهلَ مَدَرٍ. يُشِيرُ بِذلك إلى أنَّهم أهلُ بادِيَةٍ؛ فإنَّه يُعَبّرُ(٢) عن أهلِ الحَضَرِ بِأهلِ المَدَرِ، وعن البَدو بِأهلِ الوبَرِ، والبادِيَةُ مَوضِعُ الجَفاءِ وقَسوةِ القُلُوبِ(٣) والبُعدِ عن الاِنقِيَادِ لِلحَقِّ، وفي الحديثِ: ((مَن بَدَا جَفا))؛ رَواه أبو دَاوُد في ((سُنَتِه))(٤). وفيه إِشَارَةٌ إلى ذَمِّ رَفعِ الصَّوتِ، وأنَّ ذلك مُنَافٍ لِلتَّواضُع، وذلك إذَا كَانَ على سَبيلِ الغِلظَةِ والأَذَى وإظهارِ التَّرَقُّع، دُونَ مَا إذَا كَانَ على سَبيلِ السَّجِيَّةِ، لَكِن يَنْبَغِي لِمَن سَجِيَّتُه ذلك أن يَحتَرِزَ عنها بِحَسَبِ الإمكانِ. والله أعلم. ■ الرَّابِعَةُ: هذا يُبَيِّنُ(٥) أنَّ الخَيلَ إِنَّمَا يَكُونُ في نَواصِيها الخَيرُ إذَا لَم يَكُن اتِّخَاذُها لِلفَخرِ والخُيَلَاءِ. فَاذَا كَانَ كذلك فَهِيَ مَذمُومَةٌ (٢٣٧/٧م) غَيرُ مَحمُودَةٍ. وَد سَبَقَ إِيضَاحُ ذلك في الزَّكَاةِ. ■ الخَامِسَةُ: ((السَّكِينَةُ)): الظُّمَأْنِينَةُ والسُّكُونُ، على (٦) خِلَافَ مَا ذُكِرَ من صِفَةِ الفَدَّادِينَ. والله أعلم. (١) هذا جواب ابن الصلاح، نقله النووي عنه في شرح مسلم (٣٤/٢). (٢) في (م): ((يعني)). وينظر: فتح الباري (٣٥٢/٦). (٣) في (ح): ((القلب)). (٤) أبو داود (٢٨٥٩). (٥) في (ح): ((مبین)). ليس في (م). (٦)