Indexed OCR Text
Pages 101-120
كِتَابُ الجهادِ ١٠١ من فَوقُ، وجَاءَ على التَّأْنِيثِ فيه، وفي قَولِه ((كَهَيئَتِها))، وفي قَولِه: ((إِذَا طُعِنَت))، وفي قَولِه: (تَفَجَّرُ)) مع تَقَدُّمِ(١) التَّذكِيرِ في قَولِه: ((كُلُّ كَلِمٍ يُكلَمُه المُسلِمُ))، على التَّأْوِيلِ بِالچِرَاحَةِ. قال النَّوِيُّ في (شَرحِ مُسلِمٍ))(٢): ((وإذا طُعِنَت))، بِالألِفِ بَعدَ الذَّالِ، كَذَا هو في جَمِيعِ النُّسَخِ. قُلتُ: وإنَّمَا نَبَّهَ على ذلك؛ لِأَنَّه كَانَ (٣)مُقتَضَى الظّاهرِ(٣) أن يُقال: ((إذ)) بِدُونِ ألِفٍ؛ لِأَنَّه إخبارٌ عن حَالَةٍ مَاضِيَةٍ، وكَأنَّ التَّعبيرَ بـ((إِذَا)) لِتَصوِيرِ تِلكَ الحَالَةِ، وأنَّها في القِيَامَةِ كَحَالَةِ الچِرَاحَةِ. ■ السَّادِسَةُ: إن قُلتَ: أينَ خَبَرُ قَولِه: ((كُلُّ كَلِم(٤) يُكلَّمُه المُسلِمُ))؟ قُلتُ: يَحتَمِلُ أن يَكُونَ قَولَه: ((في سَبيلِ الله))، بِنَاءً على أنَّ المُرَادَ كَامِلُ الإسلام، فأخبَرَ بِأنَّ جَمِيعَ كُلُومِ المُسلِمِ الكَامِلِ الإسلامِ في سَبيلِ الله. ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ قَولُه: (يَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ ... )) إلى آخِرِهِ، و(ثُمَّ)) زَائدَةٌ. ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ الخَبَرُ قَولَه: ((اللونُ لَونُ دَم))، ويَكُونُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ذلك من تَتِمَّةِ أوْصَافٍ المُبتَدَإِ، فَمَحَظُ الفائدَةِ: الإخبَرُ بِأنَّ جِرَاحَاتِ(٥) سَبيلِ الله تَكُونُ في القِيَامَةِ رَائحَتُها كَالِمِسكِ. السَّابِعَةُ: ((العَرفُ))، بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ، الرِّيحُ كَمَا في الرِّوايَةِ الأخرَى. وقَد فَسَّرَه بِذلك الإمَامُ أحمَدُ بنُ حنبلَ، والقَائلُ: قال أبي، هو ابنُه عَبدُ الله. ولَو [٢/ ١٩٣ و] قال: يَعنِي: بِالعَرفِ الرِّيحَ، لَكَانَ أولى. وكَأنَّه حَذَفَ حَرفَ الجَرِّ من قَولِه: ((العَرفَ)) على طَرِيقِ التَّوسُّعِ؛ فانتَصَبَ. ■ الثَّامنةُ: فيه أنَّ المَجرُوحَ في سَبيلِ اللهِ يَحَيَا يَومَ القِيَامَةِ على هَيئَتِهِ حَالَةً الجِرَاحَةِ. وظَاهرُه: أنَّه لَا فَرِقَ في ذلك بَيْنَ أن يُستَشهَدَ أو تَبَرَأْ جِرَاحَتُه؛ لِقَولِه: (١) في الأصل، (م): ((تقديم)). (٣ - ٣) في (ح): ((يقتضي)). (٥) بعده في (ش): ((المسلم)). (٢) شرح النووي (٢٢/١٣). (٤) ليس في (ش). = ١٠٢ 22 محمد طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ((كُلُّ كَلم)) (١). والحِكمَةُ في ذلك: أن يَكُونَ معه شَاهِدُ فَضِيلَتِهِ، وبَذلِه نَفسَه في طَاعَةِ الله تعالى. ■ التَّاسِعَةُ: قال النَّورِيُّ (٢): قَالُوا: وهذا الفَضلُ وإِن كَانَ ظَاهرُه: أنَّه في قِتَالِ الكُفارِ؛ فَيَدْخُلُ فيه مَن خَرَجَ (٣) في سَبيلِ الله في قِتَالِ(٤) البُغَاةِ وقُّاعِ الطّرِيقِ، وفي إِقَامَةِ الأمرِ بِالمَعُرُوفِ والنَّهى عن المُنكَرِ، ونَحوِ ذلك أيضًا. وكَذَا قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): إنَّ مَخرَجَ الحديثِ في قِتَالِ الكُفارِ، ويَدخُلُ فيه بِالمَعنَى هذه الأمُورُ. واستَشهَدَ على ذلك بِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهو شَهِيدٌ))(٦) . قُلتُ: وقَد يُتَوقَّفُ في دُخُولِ المُقَاتِلِ دُونَ مَالِه في هذا الفَضلِ؛ لِإِشَارَةِ النَّبِيَِّه إلى اعتِبارِ الإخلاصِ في ذلك (٧في قَولِه٧): ((والله أعلَمُ بِمَن يُكلَمُ في سَبيلِه))، والمُقَاتِلُ دُونَ مَالِه: لَا يَقصِدُ بِذلك وجهَ الله، وإنَّمَا يَقصِدُ صَونَ مَالِه وحِفِظَه، فَهو يَفْعَلُ ذلك بِدَاعِيَةِ الطَّبعِ لَا بِدَاعِيَةِ الشَّرعِ(٨). ولَا يَلزَمُ من كَونِهِ شَهِيدًا أن يَكُونَ دَمُه يَومَ القِيَامَةِ کَرِيح المِسكِ، وأيُّ بَذلٍ بَذَلَ نَفسَه فيه لِلَّه تعالى حَتَّى يَسْتَحِقَّ هذا الفَضلَ؟ والله أعلمُ. العَاشِرَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): ويَحتَمِلُ أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُبعَثُ على حَالِهِ بعده في (ح): ((یکلمه)). (١) شرح النووي على مسلم (٢٢/١٣). (٢) في (ش): ((جرح)). وهكذا نقله الزرقاني في شرح الموطإ (٤٧/٣) عن النووي. (٣) (٤) في (م): ((قتل)). (٦) البخاري (٢٤٨٠)، مسلم (١٤١/٢٢٦). (٥) التمهيد (١٤/١٩). (٧ - ٧) ليس في (ح). (٨) قاله النووي (٢٢/١٣). وقال ابن حجر في الفتح (٦٦١/٩): والجواب: أنه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال؛ كأن يقصد بقتال من أراد أخذه منه: صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية، وامتثال أمر الشارع بالدفع، ولا يمحض القصد لصون المال؛ فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، مع تشوقه إلى الغنيمة .. (٩) التمهيد (١٤،١٥/١٩)، الاستذكار (٩٧/٥). كِتَابُ الجِهادِ ١٠٣ 2 = التي مَاتَ فيها (١)، إلا أنَّ فَضلَ الشَّهيدِ أنَّ رِيحَ دَمِه كَرِيح المِسكِ، ولَيسَ ذلك لِغَيرِهِ. قال: ومَن قال: إنَّ المَوتَى جُمْلَةً يُبعَثُونَ على هَيْئَاتِهِم(٢)، احتَجَّ بِحَدِيثٍ يَحْيَى بنِ أُيُّوبَ، عن ابنِ الهادِي، عن مُحَمَّدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ: ((أنَّه لَمَّا حَضَرَته الوفاةُ، دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَها، ثُمَّ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَّه يَقُولُ: إِنَّ المَيِّتَ يُبعَثُ في ثِيَابِه التي يَمُوتُ فيها)). قال: ويَحْتَمِلُ: أن يَكُونَ (٣أبو سَعِيد٣ٍ) سَمِعَ الحديثَ في الشَّهيدِ؛ فَتَأْوَلَه على العُمُومِ، ويَكُونُ المَيِّتُ المَذكُورُ في حَدِيثِه هو الشَّهيدَ الذي أمَرَ أن يُزَمَّلَ بِشِيَابِه ويُدفَنَ فيها، ولا يُغسَلَ عنه دَمُه، ولا يُغَيَّرَ شَيءٌ من حَالِه؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابنِ عَباسٍ وغَيرِهِ، عن النَّبِي ◌ِّهِ، أنَّه قال: ((إنَّكُم تُحشَرُونَ يَومَ القِيَامَةِ حُفاةً عُرَاةً غُولًا. ثُمَّ قَرَأْ ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأولُ مَن يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إبرَاهیمُ)). قال: وتَأولَه بَعضُهم(٤) على أنَّه (٧/ ٢٠١م) يُبعَثُ على العَمَلِ الذي يُختَمُ لَه به، وظَاهرُه على غَيرِ ذلك. انتَھَی. قُلتُ: والحديثُ المَذكُورُ: رَواه أبو دَاوُد في ((سُنَنِه))(٥)، ويَحتَمِلُ: أنَّ أبا سَعِيدٍ رَؤُهُ إِنَّمَا نَزَعَ الِّيَابَ التي كَانَت عَلَيه لِنَجَاسَةٍ فيها؛ إمَّا مُحَقَّقَةٌ، وإمَّا مَشْكُوكَةٌ، فأرَادَ أن يَكُونَ بِثِيَابٍ مُحَقَّقَةِ الطَّهارَةِ، وهذا من جُمْلَةِ الأعمَالِ المَأمُورِ بِالمُحَافَظّةِ عَلَيها، ولَا سِيَّمَا عِندَ انخِتَامِ الآجَالِ؛ فانَّ الإنسَانَ مَحثُوثٌ(٦) على أن يَخْتِمَ أعمَالَه بِالصَّالِحَاتِ في جَمِيعِ الأمُورِ، فإنَّ الأعمَالَ بالخَواتيمِ(٧)، والله أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: استُدِلَّ به على أنَّ الشَّهيدَ لَا يُزَالُ عنه الدَّمُ بِغَسلٍ ولا غَيرِهِ. (١) في الأصل، (م): ((عليها)). (٣ - ٣) ليس في (ش). (٤) ينظر: معالم السنن (٣٠١/١)، وغريب الحديث للخطابي (٦١٣/١). (٥) أبو داود (٣١١٤)، وابن حبان (٧٣١٦). في (ح): ((محبوب)). (٦) (٢) في (م): ((هيئتهم)). (٧) ليس في الأصل، (م). = = ١٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ولَو لَم يَكُن إلا هذا لَكَانَ الاِستِدلَال به على ذلك ضَعِيفًا؛ فإنَّه لَا يَلَزَمُ من غَسلِنَا الدَّمَ إِقَامَةً لِواجِبِ التَّطهيرِ والغَسلِ: ذَهابُ الفَضلِ الحَاصِلِ بِالشَّهَادَةِ(١). أَلَا تَرَى أَنَّه لَو كَانَ حَيَّ لألزِمَ بِغُسلِه لِبَقَاءِ التَّكلِيفِ عَلَيه، ومع ذلك يَجِيءُ دَمُه على هذه الصُّورَةِ البَدِيعَةِ، كَمَا اقتَضَاه قَولُه: ((كُلُّ كَلم)). على مَا قَدَّمنَاه، لَكِن قَد وَرَدَ الأمرُ بِتَركِ غَسلٍ دَمِ الشَّهيدِ؛ فَوجَبَ اتِّاعُه(٢). والله أعلمُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أوَرَدَ البخارِيُّ تَخْلَقُ هذا الحديثَ في ((صَحِيحِه))، في كِتَابِ الطّهَارَةِ، في بابٍ مَا يَقَعُ من النَّجَاسَاتِ فِي السَّمنِ والمَاءِ. قال ابنُ بَطَّالٍ (٣): وإِنَّمَا فَعَلَ ذلك؛ لِأِنَّه لَم يَجِد حَدِيثًا صَحِيحَ السَّنَدِ في المَاءِ [١٩٣/٢ ظ]؛ فاستَدَلَّ على حُكمِ المَاءِ المَائعِ بِحُكمِ الدَّمِ المَائعِ، وذلك هو المَعنَى الجَامِعُ بَيْنَهمَا. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): هذاَ لَا يُفهَمُ منهَ مَعنّى تَسكُنُ النَّفْسُ إِلَيه(٥)، ولا في الدَّم مَعنَى المَاءِ فَيُقَاسُ عَلَيهِ، ولَا يَشتَغِلُ الفُقَهاءُ بِمِثْلٍ هذا، ولَيسَ من شأنِ أهلِ العِلم اللُّغزُ به وإشكَالُه، وإنَّمَا شَأْنُهم إِيضَاحُه وبَيَانُه، وبهذا أخِذَ المِيثَاقُ عَلَيهِم لَيُبَيْتَنَّه لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَه. انتَهَى. ثُمَّ اختَلَفَ مَن ذَهَبَ إلى هذه الطَّرِيقَةِ في کَیفیةِ الاستِدلَالِ من هذا الحديثِ: فَحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦) عن طَائفَةٍ: أنَّ فيه دَلِيلًا على أنَّ المَاءَ إذَا (١) فى تعقبه هذا نظرٌ؛ لأن أحدًا ما ادعى الملازمة، بل المراد: ألا تتغير هيئته التي مات عليها. أفاده العيني في عمدة القاري (١٠٠/٤). (٢) التمهيد (١٥/١٩)، وإكمال المعلم (٢٩٤/٦)، وشرح النووي (٢١/١٣). (٣) شرح صحيح البخاري (٣٤٩/١). (٤) التمهيد (١٥،١٦/١٩). يمكن أن يقال: وجه المناسبة في هذا: أنه لما كان مبنى الأمر في الماء بالتغير بوقوع (٥) النجاسة، وأنه يخرج عن كونه صالحًا للاستعمال لتغير صفته التي خلق عليها، أورد له نظيرًا بتغير دم الشهيد؛ فإن مطلق الدم نجس، ولكنه تغير بواسطة الشهادة في سبيل الله، ولهذا لا يغسل عنه دمه؛ ليظهر شرفه يوم القيامة لأهل الموقف بانتقال صفته المذمومة إلى الصفة المحمودة، حيث صار انتشاره كرائحة المسك فافهم؛ فإن هذا المقدار كافٍ. أفاده العيني في عمدة القاري (١٦٤/٣، ١٦٥). (٦) التمهيد (١٥/١٩، ١٦). وهو منقول بالمعنى. - كِتَابُ الجِهادِ ISS ١٠٥ تَغَيَّرَتِ رَائحَتُه بِنَجَاسَةٍ دُونَ لَونِهِ أَنَّ الحُكمَ لِرَائحَتِهِ؛ فَيَكُونُ نَجِسًا، ولَو تَغَيَّرَ لَونُه (١ دون رَائحَتِه١) لَم يَتَنَجَّس(٢)؛ لِأَنَّ دَمَ الشَّهيدِ لَمَّا اختَلَفَ لَونُه وَرَائحَتُه كَانَ الحُكمُ لِرَائحَتِهِ. وعَكَسَ القَاضِي عِيَاضٌ(٣) هذا الاستِدلَالَ، فَقال: يُحتَجُّ به على أنَّ المُرَاعَى في المَاءِ تَغَيُّرُ لَونِه دُونَ رَائحَتِه(٤)؛ لِأَنَّ النَّبِيِوَ سَمَّى هذا الخَارِجَ من جُرحِ الشَّهيدِ دَمًا، وإن كَانَ رِيحُه رِيحَ المِسكِ، ولَم يُسَمِّه مِسكًا؛ فَغَلَّبَ(٥) (٧/ ٢٠٢م) الإِسمَ لِلَونِه (٦) على رَائحَتِهِ، فَكَذلك المَاءُ مَا لَم يَتَغَيَّر لَونُه لَم يُلتَفَت إلى تَغَيُّرِ رَائحَتِه. قال: وهذا قَولُنَا فيمَا تَغَيَّرَتِ رَائحَتُه بِالمُجَاورَةِ، فأمَّا بِمَا خَالَطَه: فَعَبدُ المَلِكِ(٧) يَقُولُ: لَا يُعتَدُّ بِالرَّائحَةِ، وإِنَّمَا الاعتِبارُ بِاللونِ والطّعمِ. ومَالِكٌ وجُمهورُ أصحابه: يَعتَبِرُونَ الرَّائحَةَ كَاعتِبارِ اللونِ والطَّعمِ. انتھی. ومَا ذَكَرَه القَاضِي أظهَرُ، ثُمَّ إنَّ فَرضَ ابنِ عَبدِ البَرِّ المَسألَةَ في التَّغَيُّرِ(٨) بِالنَّجَاسَةِ غَيرُ مُستَقِيم؛ لِأَنَّ الإجمَاعَ مُنعَقِدٌ على أنَّ تَغَيُّرَ أَحَدِ الأوصَافِ بِالنَّجَاسَةِ كَافٍ فِي تَنْجِيسِه(٩)، وقَد نَقَلَ هو بَعدَ ذلك هذا الإجمَاعَ (١٠). وإنَّمَا الخِلَافُ في التَّغَيُّرِ بِالطَّاهرِ: فَقال جُمهورُ أصحَابِنَا: هو كَالتَّغَيُّرِ (١١) بِالنَّجَاسَةِ، يَكفي فيه أحَدُ الأوصَافِ الثَّلَاثَةِ، وفي قَولٍ: يُشتَرَطُ اجتِمَاعُهمَا، وفي قَولٍ: يَكفي اللونُ وحدَه. وأمَّا الطَّعمُ والرَّائحَةُ: فَلا بُدَّ من اجتِمَاعِهِمَا. فَكَانَ يَنبَغِي لِابنِ عَبدِ البَرِّ أن يَفرِضَ ذلك في التَّغَيُّرِ بِالطَّاهرِ الذي هو مَوضِعُ الخِلَافِ (١ - ١) في (م): ((ورائحته)). (٢) في (ح، ش): ((ینجس)). (٤) في (ح): ((تغير رائحته)). (٣) إكمال المعلم (٢٩٥/٦). في المطبوع من الإكمال: ((بقلب)). وما هنا أليق. (٥) (٦) في (ح، ش): ((لكونه)). هو ابن الماجشون المالكي. ينظر: الذخيرة (١٧٢/١). (٧) في (ش): ((التغيير)). (٨) (١٠) ينظر: الإجماع لابن المنذر (ص٣٥). (٩) في (ش): ((تنجسه)). (١١) في (ح): ((كالتغيير)). = ١٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثُمَّ ذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ (١): أنَّ إِيرَادَ البخارِيِّ ◌َثُ هذا الحديثَ في هذا البابِ يَحتَمِلُ أن يَكُونَ لِلرُّخصَةِ في الرَّائحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ لِلتَّغِيظِ. بِعَكَسِ الاِسْتِدلَالِ بِأنَّ (٢) الدَّمَ لَمَّا انتَقَلَ بِطِيبٍ رَائحَتِه من حُكمِ النَّجَاسَةِ إلى الطَّهَارَةِ، ومن القَذَارَةِ إلى الطِّيبِ بِتَغَيُّرِ رَائحَتِهِ، وحُكِمَ لَه بِحُكمِ المِسكِ، فَكَذلك المَاءُ يَنْتَقِلُ إلى (٣) العَكسِ بِخُبثِ (٤) الرَّائحَةِ أو تَغَيُّرِ أحَدِ أوصَافِهِ من الطَّهارَةِ إلى النَّجَاسَةِ. انتَهَى. وجَزَمَ ابنُ بَظَّالٍ (٥) بِالاحتِمَالِ الثَّانِي. واستَنبَطَ هذا الحُكمَ من هذا الحديثِ. ثُمَّ قال: فإن قال قائلٌ: لَمَّا حُكِمَ لِلدَّم بِالطَّهَارَةِ بِتَغَيُّرِ رِيحِه إلى الطَّيبِ وبَقِيَ فيه اللونُ والطَّعمُ ولَم يَذْكُر تَغَيُّرَهمَا إلى الطّيبِ، وجَبَ أن يَكُونَ المَاءُ إِذَا تَغَيَّرَ منه وصفانِ بِالنَّجَاسَةِ وبَقِيَ وصفٌ واحِدٌ أن يَكُونَ طَاهرًا يَجُوزُ الوُضُوءُ به. قِيلَ: لَيسَ كَمَا تَوهَّمت؛ لِأنَّ رِيحَ المِسكِ حُكمٌ لِلدَّمِ بِالطَّهَارَةِ، فَكَانَ اللونُ والطّعمُ تَبَعًا لِلطَّاهرِ، وهو الرِّيحُ الذي انقَلَبَ رِيحَ مِسكٍ؛ فَكَذلك المَاءُ إِذَا تَغَيَّرَ منه وصفٌ واحِدٌ بِنَجَاسَةٍ حَلَّت فيه كَانَ الوصفانِ الباقِيَانِ تَبَعًا لِلنَّجَاسَةِ، وكَانَ المَاءُ بِذلك خَارِجًا عن حَدِّ الطَّهَارَةِ لِخُرُوجِهِ (٦) عن صِفَةِ المَاءِ الذي جَعَلَه الله طَهورًا. انتَهَى. ■ الثَّالِثَةَ (٧) عَشرَ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٨): ويَحتَجُّ به أيضًا أبو حَنِيفَةَ في جَوازٍ استِعمَالِ المَاءِ المُضَافِ المُتَغَيِّرَةِ أوصَافُه إلى الطّيبِ. وحُجَّتُه بِذلك تَضعُفُ. والله أعلم. (١) إكمال المعلم (٢٩٥/٦). (٣) في الأصل، (م): ((على)). شرح صحيح البخاري (٣٥٠/١). (٥) (٦) في (ش): (کخروجه)). (٧) في الأصل: ((الرابعة)). إكمال المعلم (٢٩٥/٦). (٨) (٢) في (ح): ((فإن)). (٤) في (ش): ((بحكم)). كِتَابُ الجِهادِ ١٠٧ (٢٠٣/٧م) الحديثُ الخَامِسُ وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، لَولا أن أشُقَّ على أمَّتي مَا فَعَدت خَلفَ سَرِيَّةٍ تَغزُو في سَبيلِ الله، ولَكِن لَا أجِدُ سَعَةً فأحمِلَهم، ولا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، [٢/ ١٩٣ و] ولَا تَطِيبُ أنفُسُهم أن يَقعُدُوا بعدي)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه مُسلِمٌ(١) من هذا الوجه؛ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. ومن طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ. وأخرَجَه البخارِيُّ(٢)؛ من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ. واتَّفقا عَلَيه من طَرِيقِ يَحيّى بنِ سَعِيدِ الأنصَارِيِّ، عن أبي صَالِحٍ، ومن طَرِيقٍ عُمَارَةَ بنِ القَعقَاعِ، عن أبي زُرعَةَ؛ خَمسَتِهم، عن أبي هريرةَ(٣). ■ الثَّانِيَةُ: السَّرِيَّةُ: قِطعَةٌ من الجَيشِ تَنفَرِدُ(٤) بِالغَزوِ، وقال في ((النِّهَايَةِ)): يَبْلُغُ أقصَاها أربَعَمِائَةٍ(٥). وقال في ((المُحكَم): مَا بَيْنَ خَمسَةِ أنْفُسٍ إلى ثَلاثِمِائَّةٍ، وقِيلَ: هَيَ من الخَيلِ نَحوُ أربَعِمِائَةٍ. قال في ((النِّهايَةِ)): سُمُّوا بِذلك لِأنَّهم يَكُونُونَ خُلَاصَةَ العَسكَرِ (٦) وخِيَارَهم، من الشَّيءِ السِّرِّيِّ النَّفيسِ. وقِيلَ: سُمُّوا بِذلك لِأنَّهم يَنْفُذُونَ سِرًّا وخُفيَةً. ولَيسَ بِالوجه؛ لِأَنَّ لَامَ السِّرِّ رَاءٌ وهذه يَاءٍ(٧). مسلم (١٠٦/١٨٧٩)، (٠٠٠/١٨٧٦). (١) (٢) البخاري (٧٢٩٧). البخاري (٣٦،٢٩٧٢)، ومسلم (١٨٧٦/ ... ) (١٠٣/١٨٧٦). (٣) (٤) في (ح): ((منفرد)). في (ح، ش): ((مائة)) .. وينظر: لسان العرب (١٤/ ٣٧٧). (٥) في (م): ((للعسكر)). (٦) النهاية (٣٦٣/٢)، والمحكم (٥٧٠/٨). (٧) = ١٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((خَلفَ سَرِيَّةٍ))؛ أي: بَعدَها، ومَعنَى الحديثِ واضِحٌ، وفيه تَعِظِيمُ أمرِ الجِهادِ، وقَد أوضَحَ في الحديثِ صُورَةَ المَشَقَّةِ، وهيَ أنَّه لَا تَطِيبُ أنْفُسُ (١) الصَّحَابَةِ بِالتَّخَلُّفِ عن الغَزْوِ، ولَا يَقْدِرُونَ على ذلك لاحتياجِه إلى نَفْقةٍ وكُلفَةٍ مع ضِيقِ الحَالِ، وقَولُه: ((فأحمِلَهم))، بِالنَّصبِ في جَوابِ النَّفي (٢). و((السَّعَةُ): بِفَتحِ السِّينِ. الزَّابِعَةُ: وفيه: رِفِقُهُ بَّه بِأَمَّتِهِ ورَأقَتُه بهم، وأنَّه يَتْرُكُ بَعضَ أعمَالِ البِرِّ خَشِيَةَ أن يَتَكَلَّفُوهُ فَيَشُقَّ عَلَيهم، وهو أصلٌ في الرِّفقِ بِالمُسلِمِينَ، (٧/ ٢٠٤م) والسَّعي في زَوالِ المَكرُوه والمَشَقَّةِ عنهم. وفيه: أنَّه إذَا تعارَضَت المَصَالِحُ بُدِىَ بِأهَمِّها (٣). الخَامِسَةُ: وفيه: أنَّ الجِهادَ فَرضُ كِفايَةٍ لَا فَرضُ عَينٍ، وأنّه (٤) كَانَ في زَمَنِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ كذلك(٥). وهو الأصَحُّ. وقِيلَ: كَانَ فِي زَمَنِهِ فَرضَ عَينٍ. وعلى القَولِ بِأنَّه فَرِضُ كِفَايَةٍ قَد يَتَعَيَّنُ لِعَارِضٍ (٦)، والله أعلمُ. الحديثُ السَّادِسُ وعنه قال: قال: رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يَضحَكُ اللهُ إلى رَجُلَينٍ؛ يَقتُلُ أحَدُهمَا الآخَرَ، كِلَاهِمَا يَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالُوا: كَيفَ بَا رسولَ الله؟ قال: يُقتَلُ هذا فَيَلِجُ الجَنَّةَ، ثُمَّ يَتُوبُ الله على الآخَرِ؛ فَيَهدِيه إلى الإسلام، ثُمَّ يُجَاهدُ في سَبيلِ الله فَيُستَشهَدُ)). في (ح): ((نفس)). (١) ينظر: شرح التوضيح على التصريح (٣٧٥/٢). (٢) (٣) شرح النووي على مسلم (٢٢/١٣). (٤) في (م): ((وإن)). (٥) في (م): ((لذلك)). (٦) إكمال المعلم (٢٩٦/٦)، وشرح النووي (٢٢/١٣). ١٠٩ 3 كِتَابُ الجهادِ وعن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((يَضحَكُ اللهُ لِرَجُلَيْنِ؛ يَقتُلُ أحَدُهمَا الآخَرَ، كِلَاهمَا يَدخُلُ الجَنَّةَ؟ يُقَاتِلُ هذا في سَبيلِ الله فَيُقتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ الله على القَاتِلِ فَيُقَاتِلُ فَيُستَشهَدُ)). فيه فوائد: ■ الأولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأولى: مُسلِمٌ(١) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرةَ. وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: البخارِيُّ(٢) من طَرِيقِ مَالِكٍ. ومُسلِمٌ من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ. كِلَاهمَا عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. وَرَواه النسائيّ (٣)؛ من الطَّرِيقِ (٧/ ٢٠٥م) الثَّانِيَةِ، بلفظِ: ((إنَّ اللهَ لَيَعجَبُ)). ■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): الضَّحِكُ هنَا استِعَارَةٌ في حَقِّ الله تعالى؛ لِأِنَّه لَا يَجُوزُ عَلَيه سُبحَانَه وتعالى الضَّحِكُ المَعرُوفُ في حَقِّنَا (٥)؛ لِأنَّه إِنَّمَا يَصِحُ من الأجسَامِ ومِمَّن يَجُوزُ عَلَيه تَغَيُّرُ الحَالَاتِ، والله تعالى مُنَزَّهُ عن ذلك. والمُرَادُ به: الرِّضَى بِفِعلِهِمَا، والثَّوابُ عَلَيه، وحَمدُ فِعلِهِمَا، ومَحَبَّتُه، وتَلَقِّي رُسُلِ الله لَهمَا بِذلك؛ لِأَنَّ الضَّحِكَ من أحَدِنَا(٦) إنَّمَا يَكُونُ عِندَ (٧) مُوافقةٍ مسلم (١٢٩/١٨٩٠). (١) البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٢٨/١٨٩٠). (٢) (٣) النسائي (٣١٦٥). (٥) (٤) إكمال المعلم (٣١٢/٦). في (م): ((صفتنا)). قد جنح القاضي هنا على عادته إلى التأويل الذي يعرف الصفات الثابتة لله من عن ظاهرها، مع التنبيه على أن الصفات هي في حق الله تعالى كمال محض، وفي حق الخلق نقص، فالواجب التفريق بين ما يليق به سبحانه من الواجب الثابت على حقيقته الظاهرة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كسائر أسماءه وصفاته، وهنا القول هو قول السلف قاطبة، لا نعلم بينهم فيه خلافًا. ينظر: الرد على بشر المريسي للإمام عثمان بن سعيد الدارمي، باب إثبات الضحك (٧٦٩/٢)، وبيان تلبيس الجهمية (٣٢٣/٦ - ٣٣١). (٦) في (م): ((أحدهما)). (٧) في (ح): ((عن)). 5 ١١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مَا يَرضَاهُ(١)، وسُرُورِهِ به، وبِرِّه لِمَن يَلقَاه. قال: ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ هنَا ضَحِكَ مَلَائِكَةِ الله تعالى الذينَ يُوجِّههم لِقَبضِ رُوحِه وإدخَالِهِ الجَنَّةَ، كَمَا يُقَالُ: قَتَلَ السُّلطَانُ فُلَانًا؛ أي: أمَرَ بِقَتِلِهِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): مَعنَاه: يَرحَمُ الله عَبدَه عِندَ ذلك، ويَتَلَقَّى بِالرُّوحِ والرَّاحَةِ والرَّحمَةِ والرَّأْفَةِ، وهذا مَجَازٌ مَفهومٌ. قال: وأهلُ العِلمِ يَكرَهونَ الخَوضَ في مِثلِ هذا. ■ الثَّالِثَةُ: [١٩٣/٢ظ] قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣): مَعنَاه عِندَ جَمَاعَةِ أهلِ العِلمِ: أنَّ القَاتِلَ الأولَ كَانَ كَافِرًا، وتَوبَتُه إسلَامُه؛ قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. قال: وفي هذا الحديثِ دَلِيلٌ على أنَّ كُلَّ مَن قُتِلَ في سَبيلِ الله فَهو في الجَنَّةِ. ■ الرَّابِعَةُ: اختُلِفَ فِي سَبَبٍ تَسمِيَةِ الشَّهيدِ شَهيدًا : فَقال النَّضرُ بنُ شُمَيلٍ: لِأنَّه حَيٌّ؛ فإنَّ أرواحَهم شَهدَت وحَضَرَت دَارَ السَّلَامِ، وأرواحُ غَيرِهم إِنَّمَا تَشْهَدُها يَومَ القِيَامَةِ. وقال ابنُ الأنبارِيِّ: لِأَنَّ اللهَ تعالى ومَلَائِكَتَه لَوْلُ يَشْهَدُونَ لَه بِالجَنَّةِ. وقِيلَ: لِنَّه يَشهَدُ عِندَ خُرُوج رُوحِه مَا (٤) أعِدَّ لَه من الثَّوابِ والكَرَامَةِ. وقِيلَ: لِأَنَّ مَلَائكَةَ الرَّحمَةِ يَشْهَدُونَه فَيَأْخُذُونَ رُوحَه. وقِيلَ: لِأنَّه(٥) شُهدَ لَه بِالإِيمَانِ وخَاتِمَةِ الخَيرِ بِظَاهرٍ (٦) حَالِه. وقِيلَ: لِأَنَّ عَلَيه شَاهدًا بِكَونِه شَهيدًا وهو الدَّمُ. وقِيلَ: لِأَنَّه مِمَّن يَشْهَدُ يَومَ القِيَامَةِ بِإبلاغٍ الرُّسُلِ الرِّسَالَةَ إِلَيهم. وعلى هذا القَولِ يُشَارِكُه غَيرُه في ذلك(٧). والله أعلم. (١) في (ح): «نرضاه)). (٣) التمهيد (٣٤٥/١٨). (٥) ليس في الأصل. ينظر: شرح النووي (١٦٣/٢، ٢٤/١٣). (٧) (٢) التمهيد (٣٤٥/١٨). (٤) في الأصل: ((بما)). (٦) في (م): ((ظاهر)). ١ كِتَابُ الجِهادِ الحديثُ السَّابِعُ : وعن جَابِرٍ، قال: ((قال رَجُلٌ يَومَ أحُدٍ لِرسولِ الله ◌َّهِ: إِن قُتِلتُ، فأينَ أنَا؟ قال: في (٧/ ٢٠٦م) الجَنَّةِ. فألقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ؛ فقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وقال غَيرُ عَمرِو: تَخَلَّى من طَعَامِ الدُّنيَا)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: اتَّفق عَلَيه الشيخانِ، والنسائيُّ(١)؛ من هذا الوجه، من طَرِيقٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابِرٍ. ولَيسَ في رِوايَتِهم: قَولُه: ((قال غَيرُ عَمرٍو)). ومَعنَاهِ: أنَّ غَيرَ عَمرِو بنِ دِينَارٍ قال في رِوايَتِه لِهذا الحديثِ هذا الكَلَامَ. ثُمَّ يَحتَمِلُ أنَّه قاله عن جَابِرٍ، وأنَّه قاله من عِندِ نَفسِه؛ فَيَكُونُ مُرسَلًا. ■ الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الحَافِظُ أبو بَكرِ الخَطِيبُ، وأبو القَاسِمِ ابنِ بَشكُوالَ، وأبو الفَضلِ مُحَمَّدُ بنُ طَاهرٍ المَقدِسِيَّ في ((مُبهَمَاتِهم))(٢): أنَّ هذا الرَّجُلَ هو عُمَيرُ بنُ الحُمَامِ. ومُستَنَدُهم في ذلك(٣): حَدِيثُ أنَسِ بنِ مَالِكٍ، وهو في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) وَغَيرِهِ، في قِصَّةِ بَدرٍ. وفيه: ((فَقال رسولُ الله ◌ََّ: ((قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرَضُها السَّمَواتُ والأرضُ. فَقال عُمَيرُ(٤) بنُ الحُمَامِ: بَخِ بَخٍ! فَقال رسولُ الله ◌َّهِ: مَا يَحمِلُك على قَولِك: بَخ بَخ؟ قال: لا والله يا رسولَ الله، إلا رَجَاءَ أن أكُونَ من أهلِها. قال: فإنَّك مِنَّ أَهَّلِها. قال: فاختَرَجَ(٥) تَمَرَاتٍ من قَرَنِه(٦)؛ فَجَعَلَ يَأْكُلُ منهنَّ. ثُمَّ قال: لَئن أنَا حَبِيت حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتي هذه إنَّها لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. قال: فَرَمَى بِمَا كَانَ معه من الثَّمرِ ثُمَّ قَاتَلَهم حَتَّى قُتِلَ)). البخاري (٤٠٤٦)، ومسلم (١٤٣/١٨٩٩)، والنسائي (٣١٥٤). (١) غوامض الأسماء المبهمة (١٨٥/١، ١٨٦)، والأسماء المبهمة (٢٠٤/٣)، والحديث (٢) عند مسلم (١٤٥/١٩٠١)، وأحمد (١٢٦/٣). (٣) في (ح، ش): ((أن)). (٤) في (م): ((عمرو)). في (ش): ((فأخرج))، وهي رواية مسلم. والمثبت من النسخ، موافق لرواية البيهقي (٥) (٩٩/٩). وينظر: النهاية (٢٠/٢). (٦) في (م): ((قرابه)). = ١١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وفيمَا(١) ذَكَرُوهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ المُبهَم كَانَت في أحُدٍ، وهذه في بَدٍ، فلا يَصِحُ تَفسِيرُها بها، وقَد قال الخَطِيبُ: كَانَتَ قِصَّتُهُ (٢) يَومَ بَدَرٍ لَا يَومَ أُحُدٍ. فَأَشَارَ إلى تَضعِيفِ رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)) التي فيها أنَّه يَومَ أحَدٍ، ولَا تَوجِيهَ لِذلك، بَل الضَّعِيفُ تَفسِيرُ هذه بهذه(٣)، وكُلٌّ منهما(٤) صَحِيحَةٌ، وهمَا قِصَّتَانِ لِشَخْصَينِ. وقال ابنُ طَاهرٍ في حَدِيثِ جَابِرٍ: إنَّه كَانَ يَومَ أحُدٍ، وفي حَدِيثٍ أَنَسٍ : يَومَ بَدرٍ فَجَعَلَ ذلك اختِلَافًا. وقَد عَرَفتَ أنَّ ذلك إنَّمَا جَاءَ من(٥) تَفسِيرِهم إحدَى القِصَّتَيْنِ بِالأخرَى، والصَّوابُ خِلَافُه، والله أعلمُ. وهو عُمَيرُ(٦) بنُ الحُمَامِ، بِضَمِّ الحَاءِ المُهمَلَةِ وتَخفيفِ المِيم، ابنِ الجَمُوحِ بنِ زَيدِ(٧) بنِ حَرَامِ(٨) الأنصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، وقِيلَ: إِنَّه أولُ مَن قُتِلَ من الأنصَارِ في الإسلامِ، والقَاتِلُ لَه: خَالِدُ بنُ الأعلَمِ العُقَيلِيُّ(٩). وقِيلَ (١٠): بَل أولُ قَتيلٍ من الأنصَارِ حَارِثَةُ بنُ سُرَاقَةَ(١١) . ■ الثَّالِثَةُ: وفيه ثُبُوتُ الجَنَّةِ لِلشَّهيدِ، وفيه المُبادَرَةُ بِالخَيرِ، وأَنَّه لَا يُشتَغَلُ عنه بِحُظُوظِ النُّفُوسِ، وفيه جوازُ الانغِمَاسِ في الكُفارِ والتَّعَرُّضِ لِلشَّهادَةِ، وهو جَائِزٌ لَا كَرَاهَةً فيه عِندَ جُمهورِ العُلَمَاءِ(١٢). الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((تَخَلى من طَعَامِ الدُّنيَا))، بِالخَاءِ المُعجَمَةِ وتَشْدِيدِ اللام؛ أي: فَرَّغَ فُؤَادَه [١٩٤/٢و] منه. والتَّخَلِّي التَّفَرُّغُ، ومنه التَّخَلِّي لِلعِبادَةِ. والله أعلم. في (ح): ((وقيل وفيما)). (١) (٣) لیس في (ش). (٥) في (ش): ((في)). في (ح، ش): ((بدر)). وينظر: طبقات ابن سعد (٥٦٥/٣)، (٣٩٦/٨). (٧) في (ش): ((حزام)). (٨) ينظر: أنساب الأشراف (١٢٨/١، ١٣١). (٩) (١٠) في (م): ((وقتيل)). (١٢) شرح النووي على مسلم (٤٣/١٣ - ٤٦). (٢) في (م): ((قصة)). (٤) في الأصل، (م): ((منها)). (٦) في (م): ((عمرو)). (١١) ينظر: طبقات ابن سعد (٥١٠/٣). كِتَابُ الجهادِ ١١٣ الحديثُ الثَّامن وعنه قال: «كُنَّا يَوَ الحُدَيبيةِ ألفًا وأربَعَمِائَةٍ، فَقال لَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ: أَنْتُم اليَومَ خَيرُ(١) أهلِ الأرضِ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: اثَّفق عَلَيه الشيخانِ(٢)؛ من هذا الوجه من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابِرٍ، ولَه عنه طُرُقٌ. ■ الثَّانِيَةُ: الحُدَيبيةُ، بِضَمِّ الحَاءِ وفَتحِ الدَّالِ المُهمَلَتَينِ وإسكّانِ الْيَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ وكَسرِ الباءِ المُوحَّدَةِ وفَتح اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ وتَخفيفِها، وكَثِيرٌ من المُحَدِّثِينَ يُشَدِّدُونَها، والصَّوابُ تَخفيفُهَا(٣). وهيَ قَرِيَةٌ قَرِيبَةٌ من مَكَّةَ سُمِّيَت بِئرٍ فيها. والمُرَادُ بيوم الحُدَيبيةِ: عُمرَةٌ النَّبِيِ بََّ، وأصحابه ◌َّه في ذي القَعدَةِ سَنَةَ سِتُّ من الهجرَةِ؛ فَصُدَّ عن البَيتِ، وصَالَحَ قُرَيْشًا على الاعتِمَارِ (٤) فاعتَمَرَ من قَابِلٍ(٥)، وهيَ المُسَمَّةُ بِعُمَرَةِ القَضِيَّةِ، وهيَ في ذي القَعدَةِ سَنَةَ سَبِعٍ. ■ الثَّالِثَةُ: فيه أنَّ أهلَ الحُدَيبيةِ كَانُوا ألفًا وأربَعَمِائَةٍ، وفي رِوايَةٍ (٦): (أَنَّهم ألفٌ وخَمسُمِائَةٍ))، وفي أخرَى: [((أَنَّهم ألفٌ وثَلَثُمِائَةٍ))، والرِّوايَاتُ الثَّلَاثُ في ((الصَّحِيحَينِ)). وذَكَرَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عن جَابِرٍ] (٧): ((أَنَّهم كَانُوا ألفًا وسِتِّمِائَةٍ)). وأكثَرُ رِوايَةِ الصَّحِيحَينِ: ((أَنَّهم ألفٌ وأربَعُمِائَةٍ)). وكَذَا ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أنَّ أكثَرَ الرِّوايَاتِ: ((ألفٌّ وأربَعُمِائَةٍ)). بعده في (ح): ((من)). (١) البخاري (٤١٥٤)، ومسلم (٧١/١٨٥٦). (٢) (٣) ينظر: شرح النووي (٦٠/٢). (٥) بعده في (ح): ((فاعتبر من قابل)). ما بين المعكوفین ليس في (ح، ش). (٧) (٤) بعده في (ش): ((من قابل)). (٦) بعده في (م): (لهما)). = ١١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم)): ويُمكِنُ أن يَجمع بينَهما(١): بِأنَّهم كَانُوا أربَعَمِائَةٍ وكَسرًا؛ فَمَن قَال: ((أَرْبَعَمِائَةٍ)). لَم يَعتَبِرِ الكَسرَ، ومَن قال: ((وخَمْسَمِائَةٍ)). اعتَبَرَه، ومَن قال: ((وَثَلَثَمِائَةٍ)). تَرَكَ بَعضَهم؛ لِأِنَّه لَم يَتَيَّقَّن العَدَّ، أو لِغَيرِ ذلك(٢). انتَهَى. ولَيسَ في هذا الجَمع تَعَرُّضٌ لِرِوايَةٍ: ((وسِتِّمِائَةٍ))، ويُنَافي هذا الجَمعَ (٢٠٨/٧م) أيضًا: مَا حَكَاه مُحَمَّدُ بنُ سَعدٍ عن بَعضِهم: ((أنَّهم كَانُوا ألفًا وخَمْسَمِائَةٍ، وخَمسَةٌ وعِشرِينَ رَجُلًا، وأحرَمَ معه زَوجَتُه أمُّ سَلَمَةَ ◌ِ﴿َ))(٣). وأمَّا مَا رَواه ابنُ إسحَاقَ في ((السِّيرَةِ)؛ عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن المِسورِ بنِ مَخرَمَةَ، ومَروانَ بنِ الحَكَمِ: ((أنَّهم كَانُوا سَبعَمِائَةِ رَجُلٌ)). فَكَأَنَّ كَانَ في مَبدَإِ خُرُوجِهِم من (٤) المَدِينَةِ قَبلَ أن يَلَحَقَهم مَن لَحِقَهم من غَيرِها(٥)، والله أعلمُ. الزَّابِعَةُ: وفيه فَضِيلَةٌ ظَاهرَةٌ لِأهلِ الحُدَيبيةِ، وهم أهلُ بَيْعَةِ الرِّضوانِ الذينَ نَزَلَ فيهم قَوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] الآيَةَ، وفي الحديثِ: ((لَا يَلِجُ النَّارَ أحَدٌ شَهِدَ بَدرًا والحُدَيبيةَ))(٦)، وهم المُرَادُونَ في قَوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَُّونَ مِنَ اَلْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] في قَولِ بَعضِهم، وقال آخَرُونَ: هم أهلُ بَدرٍ (٧). ■ الخَامِسَةُ: أوَرَدَه المُصَنِّفُ كَذَتُهُ فِي كِتَابِ الجِهادِ، وإِن كَانَ هذا السَّفَرُ إِنَّمَا كَانَ سَفَرَ اعِتِمَارٍ، لَكِن وقَعَت فيه البيعَةُ على الجِهادِ. والله أعلم. (٢) في (م): ((بينها)). والمثبت موافق لما في شرح النووي. وهو يتكلم عن رواية الصحيحين. (١) شرح النووي على مسلم (٢/١٣). ورواية: ((ألف وثلاثمائة)) عند البخاري (٤١٥٥)، ومسلم (٧٥/١٨٥٧) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. ورواية: ((ألف وخمسمائة)) عند البخاري (٤١٥٣)، ومسلم (١٨٥٦/ ٧٢). وينظر: سنن البيهقي (٢٣٥/٥)، فتح الباري (٧/ ٤٤١). طبقات ابن سعد (٩٥/٢)، وينظر: فتح الباري (٧/ ٤٤١). (٣) من الأصل، (م). (٤) (٦) مسلم (١٦٢/٢٤٩٥) من حديث جابر. ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٦٣٧) وما بعده. (٧) (٥) السيرة لابن هشام (٣٠٨/٢، ٣٠٩). كِتَابُ الجهادِ ١١٥ الحديثُ التَّاسِعُ وعن عُروةَ، عن عَائِشَةَ رُّ، قالَت: ((مَا ضَرَبَ رسولُ اللهِوَّهِ بِيدِهِ [خَادِمًا لَه قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ رسولُ اللهِ بيدِه](١) شَيئًا قَطَّ، إلا أن يُجَاهدَ في سَبِيلِ الله ◌َ، ولَا خُيِّرَ بَيْنَ أمرَينٍ قَطُّ إلا كَانَ أحَبُّهمَا إِلَيه أيسَرَهمَا حَتَّى يَكُونَ إثمًّا، فإذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ من الإثم، ولا انتَقَمَ لِنَفْسِه من شَيءٍ يُؤْنَى إِلَيه حَتَّى تُنْتَهَكَ (٧/ ٢٠٩م) حُرُمَاتُ(٢) الله؛ فَيَكُونَ هو يَنْتَقِمُ لِلَّه رَت)). فيه فوائد: ■ الأولى: أخرَجَ أبو دَاوُد(٣) منه(٤) من هذا الوجه: الجُملَةَ الأولى مُختَصَرًا، بلفظ: ((مَا ضَرَبَ خَادِمًا ولا امرأةً قَظُ))؛ من طَرِيقِ مَعمَرٍ. وأخرَجَه الشيخانِ، وأبو دَاوُد(٥) من طَرِيقِ مَالِكٍ من قَولِه: (ولَا خُيِّرَ بَيْنَ أمَرَينٍ)) إلى آخِرِهِ. وأخرَجَ الشيخانِ (٦) أيضًا؛ من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ الجُمْلَةَ الأخِيرَةَ؛ سَاقَ البخارِيُّ لَفظَه، ولَم يَسُقِ مُسلِمٌ لَفظَه، بَل قال: إنَّه نَحو حَدِيثٍ مَالِكٍ. وأخرَجَه مُسلِمٌ(٧) من طَرِيقِ مَنصُورِ بنِ المُعتَمِرِ، وأحَالَ به أيضًا على رِوايَةِ مَالِكٍ؛ أربَعَتُهم عن الزُّهرِيِّ [١٩٤/٢ ظ]، عن عُروةَ، عن عَائشَةً. وأخرَجَه مُسلِمٌ(٨) وغَيْرُه، بِكَمَالِه من طَرِيقِ هِشَامٍ بِنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائشَةَ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه أنَّ ضَربَ الخَادِمِ ونَحوه وإن كَانَ مُباحًا لِلأَدَبِ فَتَركُه أفضَلُ. وَقَد أخبَرَ أَنَسٌ ◌َُه عن النَّبِيِ وََّ بِمَا هو أبلَغُ من هذا، وهو أنَّه: (لَم يُعَاتِبه(٩) قَظُ)) (١٠). (١) لیس في (ش). (٣) أبو داود (٤٧٨٦). في (ح): ((حرمة)). (٢) (٤) من الأصل، (م). (٥) البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٧٧/٢٣٢٧)، وأبو داود (٤٧٨٥). (٦) البخاري (٦٨٥٣)، ومسلم (٦٨٥٣/ ... ). (٧) مسلم (٠٠٠/٢٣٢٧). في (ش): ((یعاقبه)). (٩) (٨) مسلم (٧٨/١٣٢٧). (١٠) مسلم (٢٣٠٩). ١١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ الثَّالِثَةُ: قَولُها: ((وَلَا ضَرَبَ بِيدِهِ شَيئًا قَطُّ))، من ذِكرِ العَامِّ بَعدَ الخَاصِّ، وأفرَدَ ذلك لِيُستَئِنَى منه الضَّربُ في الجِهادِ في سَبيلِ الله، وخَصَّ الخَادِمَ بِالذِّكرِ أولًا لِوُجُودٍ سَبَبٍ ضَربِه لِلإِبتِلَاءِ بِمُخَالَطَتِهِ ومُخَالَفَتِهِ غَالِبًا (١). وفيه فَضلُ الجِهادِ، والمُقَاتَلَةِ في سَبيلِ الله. وفيه أنَّ الأولى لِلإِمَامِ التَّنَزُّه عن إِقَامَةِ الحُدُودِ والتعازِيرِ بِنَفْسِهِ، بَل يُقِيمُ لَها مَن يَتعاطَاها، وعلى ذلك عَمَلُ الخُلَفاءِ (٢)، رَحِمَهمُ الله. ■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((إلا كَانَ (٣أحَبَّهمَا إلَيه أيسَرُهمَا٣)))، كَذَا رَوِينَاه بِنَصْبٍ الأولِ على أنَّه خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ورَفع الثَّانِي على نِيَّةِ التَّقْدِيمِ في الاسمِيَّةِ. وفيه استِحبابُ الأخذِ بِالأيسَرِ والأرفَقِ مَا لَم يَكُن حَرَامًا. وقال النَّووِيُّ(٤): مَا لَم يَكُن حَرَامًا أو مَكرُوهَا. وفي أخذِ المَكُرُوه من الحديثِ نَظَرٌ، وإن كَانَ قَد ذَكَرَ جَمَاعَةٌ من الأصُولِيِّينَ: أنَّه لَا يَصدُرُ منه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ فِعلُ المَكْرُوه(٥). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦): فيه أنَّه يَنبَغِي تَركُ مَا عَسُرَ من أمُورِ الدُّنيَا والآخِرَةِ، وتَركُ الإلحَاحِ فيه إذَا لَم يُضطَرَّ إلَيه، والمَيلُ إلى اليُسرِ(٧) (٧/ ٢١٠م) أَبَدًا، وفي مَعنَاه: الأخذُ بِرُخَصِ الله رَكُ ورُخَصِ رسولِه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، ورُخَصٍ العُلَمَاءِ مَا لَم يَكُن القَولُ خَطَأَ بَيِّنًا. قال: ورُوِّينَا (٨) عن مُحَمَّدِ(٩) بنِ يَحيَى بِنِ سَلَّام، عن أبيه (١٠)، قال: يَنبَغِي لِلعَالِمِ أن يَحمِلَ النَّاسَ على الرُّخصَةِ والسَّعَةِ مَا لَم يَخَف المَأْثَمَ (١١). ثُمَّ رَوى عن مَعمَرٍ أنَّه قال: إنَّمَا العِلمُ أن تَسمع بِالرُّخصَةِ من ثِقَةٍ؛ فأمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ. انتَهَى. (١) من الأصل، (م). (٢) في (ش): ((الخلف)). (٣ - ٣) فى الأصل: ((أحبها إليه أيسرها)). (٤) شرح النووي على مسلم (٨٣/١٥). (٥) ينظر: البحر المحيط (٢٤٧/٣)، والمسودة لآل تيمية (ص١٨٩). (٦) التمهيد (١٤٦/٨، ١٤٧). (٧) في (م): ((الأيسر)). (٨) في (م): ((ورويناه)). (٩) ليس في الأصل. (١٠) هو: أبو زكريا يحيى بن سلّام بن أبي ثعلبة البصري؛ كان عالمًا بالكتاب والسُّنَّة، حجةً في اللغة، له تفسير ليس لأحد مثله، وروى الناس عنه كتابه الجامع (ت٢٠٠هـ). سير أعلام النبلاء (٣٩٦/٩). (١١) في (ح): ((الإثم)). = كِتَابُ الجِهادِ ١١٧ قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ تَخيِيرُه(٢) وَِّ هنَا من الله تعالى فيخيره(٣) فيمَا فيه عُقُوبَتَانٍ، أو فيمَا بَيْنَه وبَينَ الكُفارِ من القِتَالِ وأخذِ (٤) الجِزِيَةِ، أو فِي حَقِّ أمَّتِهِ في المُجَاهَدَةِ في العِبادَةِ أو الاقتِصَادِ؛ فَكَانَ يَخْتَارُ الأيسَرَ في كُلِّ هذا. قال: وأمَّا قَولُها: ((مَا لَم يَكُن إثمًا))، فَيُتَصَورُ: إذَا خَيَّرَه الكُفارُ والمُنَافِقُونَ، فإمَّا إن(٥) كَانَ الثَّخِيرُ من الله تعالى أو من المُسلِمِينَ؛ فَيَكُونُ الإِسِنَاءُ مُنقَطِعًا. ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ من شَيءٍ يُؤْتَى إِلَيه)). فيه الحَثُّ على العَفرِ والصَّفحِ والحِلم، واحتِمَالِ الأَذَى، وفيه أنَّه يُستَحَبُّ لِلأئمَّةِ والقُضَاةِ وسَائرٍ وُلَاةِ الأمُورِ التَّخَلُّقُ بهذا الخُلُقِ الكَرِيمِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ: وقَد أجمع العُلَمَاءُ على أنَّ القَاضِيَ لَا يَقضِي لِنَفْسِهِ، ولَا لِمَن لَا تَجُوزُ شَهادَتُه لَه (٦). السَّادِسَةُ: قَولُه: ((حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ الله))؛ أي: يُرتَكَبَ مَا حَرَّمَه الله(٧)، ولَيسَ هذا دَاخِلًا فيمَا قَبَلَه حَتَّى يَحتَاجَ إلى استِدرَاكِهِ؛ لِأَنَّ انِتِقَامَه لِلَّه تعالى عِندَ انِتِهاكِ حُرُمَاتِهِ لَيْسَ انِتِقَامًا لِنَفسِه فَهو كَالِاسْتِثْنَاءِ المُنقَطِعِ؛ لِأَنَّ فيه انِتِقَّامًا في الجُملَةِ، فَهو دَاخِلٌ فيمَا قَبَلَه لَا حَقِيقَةً لَكِن بِتَأْوِيلٍ. قال القَاضِي عِيَاضٌ: ويَحْتَمِلُ قَولُه: (((٨إلا أن٨) تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ الله))؛ أي: بِإِيذَائه عَلَيه [الصَّلاةُ السَّلَامُ بِمَا فيه غَضَاضَةٌ في(٩) الدِّينِ؛ فَذلك من انتِهاكِ حُرُمَاتِ الله. قال بَعضُ عُلَمَائنَا: لَا يَجُوزُ أَذَى النَّبِي وَلِِّ بِفِعلٍ مُباحٍ ولَا غَيرِهِ، ويَجُوزُ أَذَى غَيرِهِ بِمَا يُباحُ لِلإِنسَانِ فِعلُه، واحتُجَّ بِقَولِه عَلَيْه] (١٠) الصَّلَاةُ والسَّلامُ في إرَادَةِ عَلِيٍّ تَزوِيجَ بِنتِ أبي جَهلٍ: ((إِنِّي لَا أحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله، وإنَّ فاطِمَةَ يُؤذينِي مَا آَذَاها، ولَا تَجتَمِعُ بِنتُ رسولِ الله وبِنتُ عَدُوِّ الله أَبَدًا))، إكمال المعلم (٧/ ٢٩١). (١) (٢) في (الأصل، م): («تخيير النبي)). (٣) في الأصل: ((فتخيره))، وليس في (م). (٥) في (ح): ((إذا)). (٤) في (م): ((أو)). (٦) النووي على مسلم (٨٤/١٥)، وإكمال المعلم (٢٩٤/٧). (٧) من (ش). (٨ - ٨) في (م): ((حتى)). ليس في (ش). وفي الإكمال: ((عن)). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٩) ١١٨ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وبِقَولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَّهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٧]؛ فأطلَقَ وعَمَّمَ(١)، وقال: ﴿وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٨]؛ (٢ فقيّدَ وشَرَط٢َ) ﴿بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾. قال مَالِكٌ: كَانَ النَّبِيِنَّهِ يَعفُو عن شَتمِه، وقَد عَفا عن الذي قال (٢١١/٧م) لَه: ((إنَّ هذه لَقِسمَةٌ مَا أرِيدَ بها [١٩٥/٢و] وجه الله)). وهذا وإِن كَانَ فيه غَضَاضَةٌ على الدِّينِ؛ فقد يَكُونُ عَفُه عنه؛ لِأنَّه لَم يَقصِد الطَّعنَ عَلَيه في المَيلِ عن الحَقِّ، بَل اعتَقَدَ أنَّه من مَصَالِحِ الدُّنيَا الذي(٣) يَصِحُ الخَطَأ منه فيها والصَّوابُ، أو كَانَ هذا استِئِلَافًا لِمِثلِه، كَمَا استَأَلَفَهم بِمَالِه ومَالِ الله رَغبةً في إسلامٍ مِثلِهِ(٤). والله أعلم. الحديثُ العَاشِرُ وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ رَظ ◌ُبه، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اشتَدَّ غَضَبُ اللهِ رَتْ علَّ قَوم فَعَلُوا بِرسولِ الله ◌َ، وهو حِينَئِذٍ يُشِيرُ إلَى رَباعِيَتِهِ، وقال: اشتَدَّ غَضَبُ اللهَّ ◌َنَ على رَجُلِ يَقْتُلُه رسولُ اللهِ وَّ فِي سَبِيلِ الله)). فيه فوائد: ■ الأولى: اتَّفق عَلَيه الشيخانِ(٥) من هذا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعَمَرٍ، عن هَمَّامٍ. والإشَارَةُ بِذلك إلى مَا اتَّفقا عَلَيه أيضًا من حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ أنَّه: ((سُئلَ عن جُرح(٦) رسولِ اللهِ وَلَ (٧ يَومَ أُحُد٧)؟ فَقال: جُرِحَ وجه رسولِ الله وَل في الأصل، (ش): ((وعمّ)). (١) (٣) في (ش): ((التي)). (٥) البخاري (٤٠٧٣)، ومسلم (١٠٦/١٧٩٣). في (ش): ((جروح)). (٦) (٢ - ٢) في (م): ((فقد شرط)). (٤) إكمال المعلم (٢٩٢/٧، ٢٩٣). (٧ - ٧) ليس في (ح). كِتَابُ الجهادِ S ١١٩ وكُسِرَتِ رَباعِيَتُه، وهشِمَتِ البَيضَةُ على رَأسِه، وكَانَت فاطِمَةُ ابنَةُ رسولِ الله وَه تَغْسِلُ الدَّمَ، وكَانَ عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ ◌َُهُ، يَسكُبُ عَلَيها بِالمِجَنِّ؛ فَلَمَّا رَأْت فاطِمَةُ أنَّ المَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ الا كَثَرَةً، أخَذَت قِطعَةً من(١) حَصِيرٍ، فأحرَقَته حَتَّى صَارَ رَمَادًا فألصَقَته بِالدَّم فاستَمسَكَ))(٢). وفي ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))(٣)، عن أنَسِ ظ ((أنَّ رسولَ الله وَهِ كُسِرَتِ رَبَاعِيَتُهُ يَومَ أحَدٍ، وشُجَّ فَي رَأْسِّهِ؛ فَجَعَلَ يَسلُتُ الدَّمَ عنه، ويَقُولُ: كَيفَ يُفلِحُ قَومٌ شَجُوا نَبِيهِم وكَسَرُوا رَباعِيَتَه، وهو يَدعُوهم))؛ فَأَنزَلَ الله وَيَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. قال عَبدُ المَلِكِ بنُ هِشَام (٤) (٧/ ٢١٢م): وذَكَرَ لِي رَبِيحُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، (°عن أبيه، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِي٥ِّ): ((أنَّ عُتبَةَ بنَ أبي وقَّاصٍ رَمَّى رسولَ الله ◌َّهِ يَومَئذٍ؛ فَكَسَرَ رَباعِيَتَه اليُمنَى السُّفلى وجَرَحَ شَفَتَه السُّفلَى. وأنَّ عَبدَ الله بنَ شِهابِ الزُّهرِيَّ شَجَّه في وجهه. وأنَّ ابنَ فَمِئَةَ جَرَحَ وجنَتَه؛ فَدَخَلَت حَلقَتَانِ من المِغْفَرِ في وجنَتِهِ. ووقَعَ رسولُ اللهِ وَّهِ في حُفْرَةٍ من الحُفَرِ التي عَمِلَ أبو عَامِرٍ لِيَقَعَ فيها المُسلِمُونَ وهم لَا يَعلَمُونَ. فأخَذَ عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ ◌َُهُ بِيدِ رسولِ اللهِ وََّ، وَرَفَعَه طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ الله؛ حَتَّى استَوى قَائمًا. ومَصَّ مَالِكُ بنُ سِنَانٍ أبو(٦) أبي(٧) سَعِيدِ الخُدرِيِّ الدَّمَ من وجهه، ثُمَّ ازدَرَدَه. فَقال رسولُ الله ◌ََّ: مَن مَصَّ(٨) دَمِي لَم تُصِبه (٩) النَّارُ)). ورَوى عن عِيسَى بنِ طَلحَةَ، عن عَائِشَةَ ﴿ّ، عن أبي بَكرِ الصِّدِّيقِ: ((أنَّ أبا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ نَزَعَ إحدَى الحَلقَتَينِ من وجه رسولِ اللهِ وََّ فَسَقَطَت ثَنِيَّتُه(١٠)، ثُمَّ نَزَعَ الأخرَى فَسَقَطَتْ ثَنِّتُهُ (١١) الأخرَى؛ فَكَانَ سَاقِطَ الثنيتَينِ(١٢)(١٣). من (ش). وهو موافق للتخريج. (١) (٣) مسلم (١٧٩١ /١٠٤). (٤) السيرة النبوية (٨٠/٢). (٧) ليس في الأصل. (٦) في (ح): ((بن)). في الأصل: ((مس)). وفي السيرة: ((من مس دمي دمه ... )). (٨) (٩) في (م): ((تمسه)). وأشار في الحاشية أنها في نسخة كالمثبت. (١٠) في (م): ((شفته)). (١٢) في (م): ((الشفتين)). (١١) في (م): ((شفته)). (١٣) السيرة النبوية (٨٠/٢). (٢) البخاري (٤٠٧٥)، ومسلم (١٧٩٠). (٥ - ٥) ليس في (ح). = ١٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ: ((أَنَّ ابنَ قَمِئَةَ لَمَّا رَمَى رسولَ اللهِ وَل بِأحَدٍ، قال: خُذها وأنَا ابنُ قَمِتَةَ. فَقال رسولُ اللهِ وَلِّ: أَقْمَأَكَ الله رَتْ. فانصَرَفَ ابنُ قَمِئَةَ من ذلك اليوم إلى أهلِه؛ فَخَرَجَ إلى غَنَمِه فَوافاها على ذُروةٍ جَبَلٍ؛ فأخَذَ فيها(١) يَعتَرِضُها ويشُؤُّ (٢) عَلَيه تَيْسُها؛ فَتَطَحَه نَطحَةً أردَاه من شَاهِقَةٍ (٣) الجَبَلِ فَتَقَطَّعَ»(٤). ■ الثَّانِيَةُ: ((الرَّبَاعِيَةُ))، بِفَتح الرَّاءِ والباءِ المُوحَّدَةِ وتَخفيفِها وكَسرِ العَينِ المُهمَلَةِ وفَتحِ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ وتَخفيفِها، هيَ السِّنُّ التي تَلِي الثَّنِيَّةَ من كُلِّ جَانِبٍ، ولِلإِنسَانِ أربَعُ ثَنَايَا، وهيَ الواقِعَةُ في مُقَدَّمِ الفَمِ ثِنتَانِ من أعلى، وثِنْتَانِ من أسفَلُ، وتَلِيها الرَّباعِيَاتُ أربَعٌ أيضًا؛ ثِنتَانِ من أعلى، وثِنتَانِ من أسفَلُ. وقَد تَبَيِّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ الذي كُسِرَ من رَباعِيَاتِهِ [١٩٥/٢ظ] الرَّباعِيَةُ الْيُمنَى السُّفلى(٥). ■ الثَّالِثَةُ: وفيه (٦) وُقُوعُ (٧الانتقَامِ والابتلاءِ بالأنبياءِ(٧)، صَلَواتُ الله عَلَيهم وسَلَامُه، لِيَنَالُوا جَزِيلَ الأجرِ، ولِتَعرِفَ أمَمُهم وغَيرُهم مَا أصَابَهم، ويَتَأْسَّوا به. قال القَاضِي عِيَاضٌ: ولِيُعلَمَ أنَّهم من البَشَرِ تُصِيبُهم مِحَنُ الدُّنيَا، ويَطرَأ على أجسَامِهِم مَا يَطرَأ على أجسَامِ البَشَرِ؛ ويَتَيَقّنُوا (٨) أنَّهم مَخلُوقُونَ، ولَا يُفتَتَنُ بِمَا ظَهَرَ على أيدِيهم من المُعجِزَاتِ، ويَلبّسَ(٩) (٢١٣/٧م) الشَّيطَانُ من أمرِهم (١٠) مَا لَبَّسَه على النَّصَارَى وغَيرِهم (١١). (١) ليس في (م). (٢) في (م): ((فشد)). (٣) في (م): ((شاهق)). أخرجه ابن عائذ في المغازي، كما في فتح الباري (٣٦٦/٧). وينظر: عيون الأثر (٤) لابن سيد الناس (٤١٨/١). (٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤٨/١٢). (٦) بعده في (م): ((أن)). (٧ - ٧) في (م): ((الأسقام والآلام للأنبياء)). (٨) في (م): ((ويستيقنوا)). (٩) في (م): ((ولا تلبس)). وفي شرح النووي: ((وتلبيس)). (١٠) في (ش): ((أثرهم)). (١١) شرح النووي على مسلم (١٤٨/١٢)، وإكمال المعلم (١٦٤/٧).