Indexed OCR Text

Pages 301-320

كِتَابُ الفَرَائِضِ
٣٠١
كِتَابُ الفَرَائِضِ
(٢٢٧/٦م) الحديثُ الأولُ
جَ عن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((أَنَا أولى
النَّاسِ بِالمُؤمنينَّ فِي كِتَابِ الله وَ؛ فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَيْنًا أو ضَيعَةً فَادِعُونِي
فأَنَا(١) وَلِيُّهُ، وأيُّكُم مَا تَرَكَ مَالًا فَليُورَّث عَصَبَتُهُ(٢) مَن كَانَ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجهُ مسلمٌ(٣) من هَذَا الوجه؛ عن مُحَمَّدٍ بنِ رَافِعٍ، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ. وأخرجهُ الأئِمَّةُ الستةُ (٤) خَلَا أَبَا دَاوُد؛ من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن
أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوفَّى عليه
الدَّينُ، فَيَسألُ هَل تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضلًا؟ فَإن حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ لِدِينِه وفَاءً، وإلا قال
لِلْمُسلِمِينَ: ((صَلُّوا على صَاحِبِكُمْ))؛ فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عليه الفُنُوحَ قال: ((أَنَا أولى
بِالمُؤمنينَ من أنفُسِهِم، فمَن(٥) تُوُفي من المُؤمنينَ فَتَرَكَ دَينًا فَعليَّ قَضَاؤُهُ، ومَن
تَرََكَ مَالًا فَلِورَثَتِه))، لَفِظُ الْبُخَارِيِّ. وقال البَاقُونَ: ((قَضَاءً)) بَدَلِ ((فَضلًا))، وكَذَا هو
عِندَ بَعضِ رُواةٍ (٦) البُخَارِيِّ. وأخرجهُ الشيخانِ، وأبو داودَ(٧)؛ من رِوايَةٍ
(١) في الأصل، (م): ((وأنا)).
(٢) في (ك٢): ((عصبة)).
(٣) مسلم (١٦/١٦١٩).
البخاري (٢٢٩٨، ٥٣٧١، ٦٧٣١)، ومسلم (١٤/١٦١٩)، والترمذي (١٠٧٠)،
(٤)
والنسائي (١٩٦٢)، وابن ماجه (٢٤١٥).
(٥) في الأصل، (م): ((وأنا)).
(٦) في (ح) هكذا: ((رواهُ)).
(٧) البخاري (٢٣٩٨، ٦٧٦٣)، ومسلم (١٧/١٦١٩)، وأبو داود (٢٩٥٥).

=
كر
٣٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أبي حَازِم، عن أبي هريرةَ، بِلَفِظِ: ((مَن تَرَكَ مَلًّا فَلِورَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلَّا فَإِلَيْنَا)).
وفي لَفِظُ(١) لِمُسلِمٍ: ((وَيتُهُ)). وأخرجهُ البخاريُّ والنسائيُّ(٢)؛ من رِوايَةٍ أبي
صَالِحٍ، عن أبي هريرةَ، بِلَفِظِ: ((أَنَا أولى بِالمُؤمنينَ من أَنفُسِهِم، فَمَن مَاتَ وَتَرََ
مَالًا ثُمَالُهُ لِمَوالِ العَصَبَةِ، ومَن تَرَّكَ كَلََّّ أو (٢٢٨/٦م) ضِيَاعًا فَأَنَا ولِيُّهُ، فَلَا دَعِيَّ
لَهُ)). وأخرجهُ البخاريُّ(٣) من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي عَمَرَةَ، عن أبي هريرةَ،
بِلَفِظِ «مَا مِن مُؤمن إلا وأنَا أولى النَّاسِ به في الدُّنيَا والآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إن شِئْتُم:
﴿الَِّىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فَأَيُّمَا مُؤمن مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا
فَلَيَرِثُهُ عَصَبَتُهُ: مَن كَانُوا، ومَن تَرَكَ دَيْنًا أو ضِيَاعًا فَلَيَأْتِنِي فَأَنَا مَولَاهُ)). وأخرجهُ
مسلمٌ (٤) من رِوايَةِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، بِلَفِظِ: ((والذِي
نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ إن على الأرضِ مَن مُؤمنَ إلا وأنَا أولى النَّاسِ به؛ فَأَيُّكُم مَا
تَرَكَ دَينًا [١٢٩/٢و] أو ضِيَاعًا فَأَنَا مَولَاهُ، وأيُّكُم مَا تَرَكَ مَالًا فَإلى العَصَبَةِ مَن
كَانَ».
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((أَنَا أولى النَّاسِ بِالمُؤمنينَ))، إنَّمَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِالنَّاسِ؛
لِإِنَّ اللهَ تعالى أولى بهم منهُ، وقَولُهُ فِي كِتَابِ اللهِ رَتْ أَشَارَ به إلى قوله تعالى:
﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وقَد صَرَّحَ بِذَلِكَ في رِوايَةٍ
البُخَارِيِّ من طَرِيقٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي عَمَرَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِن قُلتَ: الذِي في الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أولى بهم من أنفُسِهم، ودَلَّ الحديثُ
على أنَّهُ أولى بهم من سَائِرِ النَّاسِ فَفيه زِيَادَةٌ.
قُلتُ: إذَا كَانَ أولى بهم من أنفُسِهم فَهو أولى بهم من بَقِيَّةِ النَّاسِ من
بَابٍ(٥) الأولى؛ لِأِنَّ الإنسَانَ أولى بِنَفسِه من غَيرِهِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ النبيّ وَِّ على
النَّفْسِ فَتَقَدُّمُهُ في ذَلِكَ على الغَيرِ من طَرِيقِ الأولى.
في (٢٤): ((لفظة)).
(١)
البخاري (٦٧٤٥)، والنسائي في الكبرى (٦٣١٣).
(٢)
(٣)
البخاري (٢٣٩٩، ٤٧٨١).
(٥)
في (ح، ٢٥): ((طريق)).
(٤) مسلم (١٥/١٦١٩).

=
وحَكَى ابنُ عَطِيَّةَ في «تَفسِيرِه))(١) عن بَعضِ العُلَمَاءِ العَارِفِينَ أنَّهُ قال: هو
أولى بهم من أنفُسِهم؛ لِأَنَّ أنفُسَهُم تَدعُوهُم إلى الهَلَاكِ وهو يَدعُوهُم إلى النَّجَاةِ.
قال ابنُ عَطِيَّةَ: ويُؤَيِّدُ هَذَا قَولُهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُم عن
النَّارِ، وأنتُم تَقَخَّمُونَ فيها تَقَخُّمَ الفَرَاشِ)»(٢).
■ الثَّالِثَةُ: يَتَرَتَّبُ على كَونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أولى بهم من أنفُسِهم:
أَنَّهُ يَجِبُ عليهم إِيثَارُ طَاعَتِه على شَهَواتِ أَنفُسِهم، وإن شَقَّ ذَلِكَ عليهم، وأن
يُحِبُّوهُ أكثَرَ من مَحَبَّتِهم لِأَنفُسِهم.
ومن هُنَا (٣): قال النبيّ وَّر: ((لَا يُؤمن أحَدُكُمْ حَتَّى أُكُونَ أَحَبَّ إلَيه من
ولَدِهِ ووالِدِهِ والنَّاسِ أجمَعِينَ))(٤)، وفي رِوايَةٍ أخرَى: ((من أهلِه ومَالِه والنَّاسِ
أجمَعِينَ))(٥)، وهو في ((الصحيحينٍ)) (٦ من حديث٦) أنَسٍ. وَلَمَّا قال عُمَرُ نَّه:
(لَأنتَ أحَبُّ إلَيَّ من كُلِّ شَيءٍ إلا من(٧) نَفسِي)). قال لَهُ: ((لا(٨) والذِي نَفسِي
بيدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أحَبَّ إلَيك من نَفسِك))، فقال لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، والله لَأَنتَ
أَحَبُّ إِلَيَّ من نَفْسِي، فقال لَهُ(٩) النبيّ نَّهِ: ((الآنَ يَا عُمَرُ))، رواهُ البخاريُّ(١٠) في
(صَحِيحِه)) .
قال الخَطَّابي(١١): لَم (٢٢٩/٦م) يُرِد به حُبَّ الطَّبع، بَل أرَادَ به حُبَّ
الاختيارِ؛ لِأَنَّ حُبَّ الإنسَانِ نَفسَهُ طَبعٌ ولَا سَبيلَ إلى قَلبه. قال: فَمَعنَاهُ: لَا
تَصدُقُ في حُبي حَتَّى تُفْنِيَ فِي طَاعَتي نَفْسَك، وتُؤثِرَ رِضَايَ على هَواك؛ وإن كَانَ
فيه هَلَاكُك.
(١) ينظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (٣٧٠/٤).
(٢)
البخاري (٦٤٨٣)، ومسلم (١٧/٢٢٨٤، ١٨) من حديث أبي هريرة
(٣)
ليس في الأصل.
(٤) البخاري (١٥)، ومسلم (٧٠/٤٤).
مسلم (٦٩/٤٤).
(٥)
(٧)
من (ح).
(٩) ليس في (ح).
(١١) ينظر: أعلام الحديث (٢٢٨٢/٤).
(٦ - ٦) في (م): ((عن)).
(٨) ليس في الأصل، (م).
(١٠) البخاري (٦٦٣٢).
كِتَابُ الفَرَائِضِ
٣٠٣ ٪

٣٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الرَّابِعَةُ: استَنبَطَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ من هَذِهِ الْآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لَهُ عليه
الصَّلاةُ والسَّلَامُ أن يَأْخُذَ الطَّعَامَ والشَّرَابَ من مَالِكِهمَا (١) المُحتَاجِ(٢) إلَيهمَا إذَا
احتَاجَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إِلَيْهمَا، وعلى صَاحِبهمَا البَذلُ، ويُقدِي بِمُهِجَتِهِ مُهجَةً
رسولِ اللهِ وَ﴾. وأنَّهُ لَو قَصَدَهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ ظَالِمٌ وجَبَ على مَن حَضَرَهُ
أن يَبذُلَ نَفسَهُ دُونَهُ، وهو استِنبَاطٌ واضِحٌ. ولَم يَذكُر النبيّ ◌ِ لَهُ عِندَ نُزُولِ هَذِه
الآيَةِ مَا لَهُ فِي ذَلِكَ من الحَِّ، وإنَّمَا ذَكَرَ مَا هو عليه فقال: ((أيُّكُم (٣) مَا تَرَكَ دَيْنًا
أو ضَيعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا ولِيُّهُ))، وتَرَكَ حَظَّهُ فقال: ((وأيُّكُم مَا تَرَكَ مَالًا فَلُورَّك
عَصَبَتُهُ(٤) مَن كَانَ)).
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((فَأَيُّكُم مَا تَرََ دَيْنًا أو ضَيعَةً))، لَفِظَةُ ((مَا)) زَائِدَةٌ لِلْتَّأَكِيدِ،
والضَّيعَةُ: بِفَتحِ الضَّادِ، وإِسكَانِ الْيَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ، بَعدَها عَينٌ مُهمَلَةٌ، وفي رِوايَةٍ
أخرَى: ((ضَيَاعًا)) بِفَتحِ الضَّادِ، والمُرَادُ بهمَا هُنَا: عِيَالٌ مُحتَاجُونَ ضَائِعُونَ. قال
الخَطَّابي(٥): الضََّاعُ وَالضَّيعَةُ هُنَا وصفٌ لِورَثَةِ المَيِّتِ بِالمَصدَرِ (٦)؛ أي: تَرَكَ أولَادًا
أو عِيَالًا ذَوِي ضَيَاعِ؛ أي: لَا شَيءَ لَهُم. والضَّيَاعُ في الأصلِ: مَصدَرُ ((مَا ضَاعَ»،
و(٧) جُعِلَ اسمًا لِكُلِّ مَا يَعرِضُ لَلضَّيَاعِ، وكَذَا قَولُهُ في رِوايَةٍ أخرَى: ((كَلَّا))، وهو
بِفَتحِ الكَافِ وتَشدِيدِ اللامِ. قال الخَطَّابِي وغَيرُهُ: المُرَادُ به هُنَا العِيَال وأصلُهُ الثِّقَلُ.
■ السَّادِسَةُ: قال ابنُ عَطِيَّةَ(٨): أَزَالَ اللهُ بهذِهِ الآيَةِ أحكَامًا كَانَت في
صَدرِ الإسلامِ:
منها: أنَّ النبيّ نَّهَ كَانَ لَا يُصَلِّي على مَيِّتٍ عليه دَينٌ، فقال حِينَ نَزَلَت هَذِهِ
الآيَةُ: ((أَنَا أولى بِالمُؤمنينَ من أنفُسِهِم؛ [مَن(٩) تَرَكَ مَالًا فَلِورَثَتِهِ [١٢٩/٢ظ]، ومَن
(١) في الأصل: ((مالكيهما)).
(٣) في (ح): ((فأيكم)).
(٢) في (ح): ((للمحتاج)).
(٤) في (ح): ((عصبة)).
(٥) ينظر: أعلام الحديث (١١٩٢/٢)، وإكمال المعلم (٣٣٩/٥)، وشرح النووي على مسلم
(١١/ ٦١).
(٦)
ليس في (ك٢).
(٨) ينظر: المحرر الوجيز (٣/١).
(٧) ليس في (ك٢).
(٩) في الأصل: ((فمن)).

كِتَابُ الفَرَائِضِ
٣٠٥
تَرَلَكَ دَينًا أو ضِيَاعًا فَعليَّ أنَا ولِيُّهُ، اقرَؤُوا إن شِئْتُم: ﴿النَِّىُّ أَوْلَ بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنفُسِهِمِّ﴾ [الأحزاب: ٦]].(١) انتَهَى.
والذِي تَقَدَّمَ من ((الصحيحينِ)) وغَيرِهمَا: أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعل ذَلِكَ
حِينَ فَتْحِ الفُتُوحِ واتِّسَاعِ الأموالِ. وكَيفَ كَانَ، فَهَذَا الحُكمُ، وهو امتِنَاعُهُ عليه
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (٢ من الصَّلَاة٢ِ) على مَن مَاتَ وعليه دَينٌ، مَنسُوخٌ بِلَا شَكٌّ؛ فَصَارَ
يُصَلِّي عليه ويُوفي دَينَهُ، كَمَا ثَبَتَ في ((الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ)).
وهَل كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عليه أم لا؟ فيه خِلَافٌ لِأصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ؛ حَكَاهُ
أبُو العَبَّاسِ الرُويَانِيُّ (٢٣٠/٦م) في ((الجُرجَانِيَّاتِ))، وحَكَى خِلَافًا أيضًا في أنَّهُ هَل
كَانَ يَجُوزُ لَهُ أن يُصَلِّيَ مَعَ وُجُودِ الضَّامن؟ وقال النَّووِيُّ(٣): الصَّوابُ الجَزمُ
بِجَوازِهِ مَعَ وُجُودِ الضَّامن. انتَھَى.
والظّاهرُ: أنَّ ذَلِكَ لَم يَكُن مُحَرَّمًا عليه، وإِنَّمَا كَانَ يَفعَلُهُ لِيُحَرِّضَ النَّاسَ
على قَضَاءِ الدَّينِ في حَيَاتِهِم والتَّوصُّلِ إلى البَرَاءَةِ منهُ؛ (٤ُلِئَلَا تَفُوتَهُم٤) صَلَاةُ
النبيّ وَّرِ عليهم، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عليه الفُتُوحَ صَارَ يُصَلِّي عليهم ويَقْضِي دَينَ مَن لَم
يُخْلِفِ وفَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ، واللّهُ أَعلَمُ (٥).
■ السَّابِعَةُ: فيه أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ صَارَ يُوفي دَينَ مَن مَاتَ وعليه
دَينٌ ولَم يُخلِفِ وفَاءً، وهَل كَانَ ذَلِكَ واجِبًا عليه أو كَانَ يَفعَلُهُ تَكَرُّمًا وتَفَضُّلًا؟
فيه خِلَافٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ(٦)، والأشهَرُ عِندَهُم وُجُوبُهُ، وعَدُّوهُ من الخَصَائِصِ.
واختَلَفَ أصحَابُنَا في أنَّهُ هَل يَجِبُ على الأئِمَّةِ بَعدَهُ قَضَاءُ دَينِ المُعسِرِ من مَالٍ
المَصَالِحِ أم لَا؟ واختُلِفَ في أنَّهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَانَ يَقضِيه من مَالِ
المَصَالِحِ أو من خَالِصٍ مَالِ نَفسِه؟ ولَعل الخِلَافَ في وُجُوبٍ ذَلِكَ على الأئِمَّةِ
بَعْدَهُ مَبنِيٍّ على هَذَا الْخِلَافِ.
(١) ما بين المعكوفين ليس في (ح).
(٢ - ٢) ليس في (ك٢).
(٣) ينظر: روضة الطالبين (٣٥٠/٥).
(٤ - ٤) في (ح): ((كيلا يفوتهم)).
(٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦٠/١١).
(٦) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦٠/١١)، المجموع شرح المهذب (٣٨٨/٤).

٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
] الثَّامنةُ: فيه قِيَامُ النبيِّ وََّ بِالْعِيَالِ الذِينَ لَا مَالَ لَهُم، وهَذَا واجِبٌ
عليه وعلى الأئِمَّةِ بَعدَهُ من مَالِ المَصَالِحِ.
قال الخَطَّابي(١): كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أن يُحْصِيَ جَمِيعَ مَن (٢)
في البُلدَانِ من المُقَاتِلَةِ؛ وهُم مَن قَد احتَلَمَ، أو استَكمَلَ خَمسَ عَشرَةَ سنةً(٣) من
الرِّجَالِ.
ويُحصِي الذُّرِّيَّةَ: وهيَ مَن دُونَ المُحتَلِمِ ودُونَ البَالِغِ، والنِّسَاءَ صَغِيرَتَهُنَّ
وكَبِيرَتَهُنَّ، ويَعرِفُ قَدَرَ نَفَقَاتِهِم ومَا يَحتَاجُونَ إِلَيه من مُؤنَاتِهِم بِقَدرِ مَعَاشِ مِثلِهم
في بُلدَانِهِم، ثُمَّ يُعطِي المُقَاتِلَةَ في كُلِّ عَامِ عَطَاءَهُم. والعَطَاءُ الواجِبُ من الفَيءٍ
لَا يَكُونُ إلا لِبَالِغْ يُطِيقُ مِثْلُهُ الجِهادَ، ثُمَّ يُعطِي الذُّرِّيَّةَ والنِّسَاءَ مَا يَكفيهم لِسَنَّتِهم
في كِسوتِهِم ونَفَقَتِهم.
قال: ولَم يَختَلِفِ أحَدٌ لَقِينَاهُ في أن لَيسَ لِلمَمَالِيكِ في العَطَاءِ حَقٌّ، ولَا
لِلأعرَابِ الذِينَ هُم أهلُ الصَّدَقَةِ. قال: وإن فَضَلَ من المَالِ شَيءٌ بَعدَمَا وصَفت
وضَعَهُ الإمَامُ في إصلاحِ الحُصُونِ والإِزِيَادِ في الكُرَاعِ وَكُلِّ مَا قَوِيَ به
المُسلِمُونَ، فَإِن استَغنَى الْمُسلِمُونَ وكَمُلَت كُلُّ مَصلَحَةٍ لَهُمَ: فَرَّقَ مَا يَبقَى منهُ
بَيْنَهُم كُلَّهُ على قَدرِ مَا يَستَحِقُونَ(٤) فِي ذَلِكَ المَالِ. قال: ويُعطِي من الفَيءِ رِزقَ
الحُكَّامِ وؤُلَاةِ الأحدَاثِ والصَّلاةِ بِأهلِ الفَيءٍ، وكُلَّ مَن قَامَ بِأمرِ الفَيءٍ من والٍ
وكَاتِبٍ وجُندِيٍّ مِمَّن لَا غِنَى لِأهلِ الفَيءٍ عنْهُ رِزقَ مِثِلِه. انتَهَى.
■ التَّاسِعَةُ: (٢٣١/٦م) قَولُهُ: ((وأيُّكُم مَا تَرَكَ مَالًّا))، ((مَا)) زَائِدَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ،
وذِكرُ المَالِ خَرج مَخرج الغَالِبِ؛ فَإِنَّ الحُقُوقَ تُورَّثُ كَالأموالٍ.
وقَولُهُ: ((فَليُورَّث))، بِضَمِّ اليَاءِ وَفَتَحِ الواوِ والرَّاءِ وتَشدِيدِها.
وقَولُهُ: ((عَصَبَتُهُ))، مَرَفُوعٌ لِنِيَابَتِه عن الفَاعِلِ. ويَحْتَمِلُ نَصْبَهُ، وَيَكُونُ النَّائِبُ
عن الفَاعِلِ ضَمِيرًا يَعُودُ على المَيِّتِ؛ أي: فَليُورِّث هو عَصَبَتَهُ. والأولُ هو
(١) معالم السنن (٢٠٥/٤، ٢٠٦).
(٣) من (ح، ك٢).
(٢) في الأصل، (م): ((ما)).
(٤) في الأصل، (م): ((يستحقونه).

=
٣٠٧
كِتَابُ الفَرَائِضِ
المَعْرُوفُ. وقَولُهُ: ((مَن كَانَ))؛ أي: العَصَبَةُ هَذَا على الأولِ. ويَدُلُّ لَهُ قَولُهُ في
رِوايَةٍ أخرَى: (مَن كَانُوا)).
وعلى الإِحْتِمَالِ الذِي قَدَّمِنَاهُ يَكُونُ المُرَادُ ((مَن كَانَ))؛ أي(١): المَيِّتُ،
والعَصَبَةُ الأقَارِبُ من جِهَةِ الأبِ؛ كَذَا عَرَّفَهُ أهلُ اللُّغَةِ: ومنهُم الجَوهَرِيُّ،
وصَاحِبُ ((النِّهَايَةِ)). قال الجَوهَرِيُّ (٢): وإنَّمَا سُمُّوا عَصَبَةً؛ لِأَنَّهُم عَصَبُوا به؛ أي:
أَحَاطُوا به؛ فَالأبُ طَرَفٌ، والابنُ طَرَفٌ، والعَمُّ [٢/ ١٣٠و] جَانِبٌ، والأخُ
جَانِبٌ. وقال صَاحِبُ ((النِّهاَةِ)(٣): لِأَنَّهُم يَعصِبُونَهُ ويَعتَصِبُ بهم؛ أي: يُحِيطُونَ
به ويَشتَدُّ بهم. وقال صَاحِبُ ((المُحكَم)) (٤): العَصَبَةُ الذِينَ يَرِثُونَ الرَّجُلَ (٥ عن
كَلَالَة٥ٍ) من غَيرِ والِدٍ ولا ولَدٍ. فَأمَّا فيَ الفَرَائِضِ: فَكُلُّ مَن لَم تَكُن(٦) لَهُ فَرِيضَةٌ
مُسَمَّاةٌ فَهو عَصَبَةٌ، إن بَقِيَ شَيءٌ بَعدَ الفَرضِ أخَذَ.
وقال صَاحِبُ ((المَشَارِقِ))(٧): عَصَبَةُ المَوارِيثِ: هُم الكَلَالَةُ من الورَثَةِ من
عَدَا الْآبَاءِ والأبْنَاءِ دِنْيًا (٨)، وتَكُونُ (٩) أيضًا في المَوارِيثِ: كُلُّ مَن لَيْسَ لَهُ فَرِضٌ
مُسَمَّى. وكَلَامُ الجَوهَرِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ العَصَبَةَ مُفرَدٌ؛ فَإِنَّهُ قال: إنَّ جَمعَهُ العَصَبَاتُ.
وحَكَى القَاضِي في ((المَشَارِقٍ)): أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ العَصَبَةَ جَمَاعَةٌ لَيسَ لَها واحِدٌ.
وعَرَّفَ أصحَابُنَا الفُقَهاءُ (١٠) العَصَبَةَ: بِأَنَّهُ مَن ورِثَ بِالإجمَاعِ ولَا فَرضَ لَهُ.
واحتَرَزُوا بِقَولِهم بِالإجمَاعِ من (١١) ذَوِي الأرحَامِ؛ فَإِنَّ مَن وَرَّتَهُم لَا يُسَمِّيهم
عَصَبَةً. وأورِدَ على هَذَا التَّعْرِيفِ أمرَانٍ:
(١) من (٢٤).
(٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة (١/ ١٨٢).
(٣) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٢٤٥/٣).
(٤) ينظر: المحكم والمحيط الأعظم (٤٥٢/١).
(٥ - ٥) ليس في (ك٢).
(٦) في (ح، م): ((يكن)).
(٧) ينظر: مشارق الأنوار (٩٤/٢).
(٨) في (م): ((الأدنياء). قال في المشارق: يقال: هو ابن عمي دنيًا: أي: داني النسب.
وينظر: لسان العرب (٣١٢/١، ١٠٤/٥).
(٩) في (ح): ((یکون)).
(١٠) ينظر: روضة الطالبين (١٠/٥).
(١١) في (م): ((عن)). والأكثر أن الفعل ((احترز)) يتعدى بـ(من))، كما في كتب اللغة. ينظر:
العين للخليل (١٥٨/٣)، المحكم (٢٢١/٣).

=
٣٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أحَدُهُمَا: أنَّ لَنَا مَن يَرِثُ بِالتَّعصِيبِ، وهو ذُو فَرضٍ: كَابنِ عَمِّ هو أخٌ لِأمِّ
أو زَوجِ.
الثَّانِي: أنَّ لَنَا مَن في إرثِه خِلَافٌ، وهو عِندَ مَن ورَّثَهُ عَصَبَةٌ: كَالقَاتِلِ،
والتَّوأمَينِ المَنفيينِ بِاللِّعَانِ؛ فَيَنْبَغِي أن يُقال: ((مَن ورِثَ بمُجمَعٍ (١) على التَّورِيثِ
بِمِثلِه بِلَا تَقدِیرٍ)).
ثُمَّ قَسَّمَ أصحَابُنَا العَصَبَةَ إِلى: عَصَبَةٍ بِنَفْسِهِ، وعَصَبَةٍ بِغَيرِهِ. ومنهُم مَن زَادَ
قِسمًا ثَالِثًا وهو عَصَبَةٌ مَعَ غَيرِهِ.
وعَرَّفَ جَمَاعَةٌ منهُم أبُو إسحَاقَ الشِّيرَازِيُّ والرَّافِعِيُّ(٢): العَصَبَةَ بِنَفسِه بِأَنَّهُ
كُلُّ ذَكَرٍ يُدلِي إلى المَيِّتِ بِغَيرِ واسِطَةٍ أو بِتَوسُّطِ مَحضِ الذَّكُورِ. وأورَدَ على هَذَا
أنَّهُ يَتَنَاولُ الَّوجَ؛ فَإِنَّهُ يُدلِي إلى المَيِّتِ بِغَيرِ واسِطَةٍ مَعَ أنَّهُ لَيسَ عَصَبَةً، ويَخرُجُ
عنهُ المَولَاءُ المُعتِقَةُ مَعَ أنَّها عَصَبَةٌ، ولِهَذَا قال النَّووِيُّ(٣): يَنبَغِي أن (٢٣٢/٦م)
يُقال: هو كُلُّ مُعتِقٍ وذَكَرٍ نَسِيبٍ ... إلى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ((فَلْيُورَّث عَصَبَتُهُ))، هو مِثْلُ قَولِه في رِوايَةٍ مُسلِم: ((فَإِلى
العَصَبَةِ مَن كَانَ)). وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَمَالُهُ لِمَوالِي العَصَبَةِ)). والظَّاهرُ: أنَّهُ من
إِضَافَةِ المَوصُوفِ لِصِفَتِهِ، وأصلُهُ لِلمَوالِي العَصَبَةُ، واحتُرِزَ بِذَلِكَ عن المَوالِي الذِينَ
لَيسُوا عَصَبَةً؛ فَقَد يَكُونُ الرَّجُلُ مَولَّى بِقَرَابَةِ إِنَاثٍ أو بِإعتَاقٍ من أسفَلَ أو بِنَصرٍ أو
بغَيرِ (٤) ذَلِكَ ولَيسَ عَصَبَةً فَلَا إرثَ لَهُ. وفي رِوايَةٍ أخرَى في ((الصَّحِيحَينِ)):
(فَلِورَثَتِه))، وهَذِه أعَمُّ لِتَنَاوُلِها أصحَابَ الفُرُوضِ أيضًا وَذَوِي الأرحَامِ عِندَ مَن
يُورِّثُهُم. والظّاهرُ: أنَّهُ إِنَّمَا اقْتَصَرَ في الرِّوايَةِ الأخرَى على العَصَبَةِ؛ لِوُضُوحِ (٥) أمرٍ
أصحَابِ الفُرُوضِ، والنَّصِّ على تَورِيثِهم في القُرآنِ الكَرِيمِ.
(١) في (م): ((لمجمع)).
(٢) ينظر: التنبيه في الفقه الشافعي (ص١٥٣)، ونهاية المطلب (١٢/٩)، والوسيط
(٣٤٦/٤)، وروضة الطالبين (١٠/٥).
(٣) ينظر: روضة الطالبين (١٠/٥).
(٥) في (ح): (لو صرح)).
(٤) في (ح، ٢٥): (غير)).

=
W
٣٠٩
كِتَابُ الفَرَائِضِ
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: اسْتَدَلَّ به البخاريُّ على أنَّ المَرأةَ إذَا تُوُفيت عن ابنَي
عَمِّ: أحَدُهُمَا أخٌ لِأَمِّ، والآخَرُ (١) زَوجٌ، أنَّ لِلزَّوجِ النِّصفَ، ولِلأخِ من الأمّ
السُّدُسَ، والبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصفَينٍ، وحَكَاهُ عن عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ(٢).
ووجهُهُ: أَنَّهُمَا مُسَتوِيَانٍ(٣) في العُصُوبَةِ؛ فَيُقَسَّمُ البَاقِي بَعدَ فَرِضَيهما بَيْنَهُمَا
نصفَينٍ؛ لِأَنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال: ((فَمَالُهُ لِلعَصَبَةِ))؛ فَلَا يُمكِنُ تَرجِيحُ
أَحَدِهِمَا على الآخَرِ في ذَلِكَ بِلَا مُرَجِّحِ، وهَذَا هو المَشهورُ من مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ،
وفي وجهٍ في مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أنَّ البَاقِيَ كُلَّهُ لِلأَخِ من الأمِّ؛ لِزِيَادَتِهِ بِقَرَابَةِ الأمّ
فَأَشَبَهَ الأخَ الشَّقِيقَ مَعَ الأَخِ لِلأَبِ، وهَذَا ضَعِيفٌ. واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثَّانِي
ـَ وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ عَائِشَةَ أمَّ المُؤمنينَ ◌ًَّا، أرَادَت أن
تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعِتَّقَها (٤)، فقال أهلُها: نَبيعُكِها على أنَّ ولَاءَها لَنَا؟ فَذَكَرَت
ذَلِكَ لِرسولِ الله ◌ِ؟ فقال: ((لَا يَمنَعْكِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّمَا الولَاءُ لِمَن أعتَقَ))،
رَواهُ البخاريُّ. وَجَعلُهُ مسلمٌ من (٢٣٣/٦م) رِوايَةِ ابنِ عُمَرَ، عن عَائِشَةَ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجهُ البخاريُّ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٥)؛ من هَذَا الوجه من
طَرِيقِ مَالِكٍ، وأخرجهُ مسلمٌ (٦)؛ عن يَحيَى بنِ يَحيَى هو النَّيسَابُورِيُّ، عن مَالِكِ،
[١٣٠/٢ظ] عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، عن عَائِشَةَ: ((أنَّها أرَادَت))، فَجَعلهُ من مُسنَدِ
عَائِشَةَ.
(١) في الأصل: ((والأخ)).
(٣) في (م): ((متساويان)).
(٢) ينظر: البخاري عقب الحديث (٦٧٤٤).
(٤) في (م): ((بعتقها)).
البخاري (٦٧٥٧)، وأبو داود (٢٩١٥)، والنسائي في الكبرى (٦١٩٥).
(٥)
مسلم (٥/١٥٠٤).
(٦)

3
٣١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وكَذَا رَواهُ الشَّافِعِيُّ (١)، عن مَالِكِ؛ فيمَا رَواهُ عنهُ الرَّبيعُ. ومن طَرِيقِه
البَيْهَقِيُّ في ((السُّنَنِ الكُبرَى))، و((المَعرِفَةِ))(٢).
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣)؛ الأولَ: عن أكثَرِ رُواةِ ((المُوطًّا)). والثَّانِيَ: عن
رِوايَةٍ يَحيَى بنِ يَحيَى كَمَا ذَكَرتُهُ قريبًا(٤)، وقَد عَرَفتَ مُوافَقَةَ الشَّافِعِيِّ لَهُ، ولا
يُقَالُ: مَذهَبُ الجُمهورِ (٥): أنَّ حُكمَ ((أنَّ) حُكُمُ ((عن))، فَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ اللفظَينِ؟
لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هو لَو قال ابنُ عُمَرَ: ((أنَّ عَائِشَةَ قالت :... )). فَأسنَدَ القِصَّةَ
إلَيها، وهو في اللفظِ المَشهورِ لَم يُسنِدِ القِصَّةَ إِلَيها، وإنَّمَا حَكَاها من نَفسِه،
ولِعَائِشَةَ رَّا فيها مُجَرَّدُ ذِكرٍ .
وعلى كُلِّ حَالٍ: فَالحديثُ صَحِيحٌ مُتَصِلٌ، وقَد رُوِيَ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا
عنها من طُرُقٍ مُنْتَشِرَةٍ. وقال ابنُ عَبدِ الْبَرِّ(٦): لَيسَ فِي شَيءٍ من أخبَارِ بَرِيرَةَ أَصَحُّ
من هَذَا الإسنَادِ عن ابنِ عُمَرَ. انتَهَى.
واشتَمَلَ(٧) حَدِيثُها على أحكامِ مُهمَّةٍ وأمُورٍ مُشكِلَةٍ، وقَد صَنَّفَ في فوائدِهِ
الإمَامَانِ الكَبِيرَانِ ابنُ خُزَيمَةَ وابنُ جَرِيرٍ (٨)، وبَسَطَا الكَلَامَ عليه، ولَسنَا نَذكُرُ فِي
الكَلَام على هَذَا الحديثِ إلا مَا اسْتُفيدَ من رِوايَةِ ابنِ عُمَرَ المَذكُورَةِ هُنَا، واللهُ
أعلمُ.
■ الثَّانِيَّةُ: استُدِلَّ به على جَوازِ البَيعِ بِشَرطِ العِيقِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ قال:
لَيسَ فيه تَصرِيحٌ بِاشْتِرَاطِه، ولَا يَلزَمُ من نِيَّتِها ذَلِكَ أن تُصَرِّحَ بِاشْتِرَاطِهِ فِي نَفْسٍ
البَيعِ، ومَن أجَازَ قال: اشتِرَاطُ الولَاءِ لَهُم يَدُلُّ على شَرطِ العِتقِ فَإِنَّهُ فَرعُهُ،
ومَن مَنَعَ قال: قَد يَكُونُونَ إِنَّمَا اشتَرَطُوا الولَاءَ إن أعتَقَتها(٩) يَومًا من الدَّهرِ من
(١) مسند الشافعي (١٣٧/٢) (٥٢٣ - شفاء).
(٢) السنن الكبرى (٢٩٥/١٠)، ومعرفة السنن (٥٠٦/٧).
(٣)
ينظر: التمهيد (٣٢٥/١٥).
(٤) من (ح).
ينظر: شرح التبصرة والتذكرة (ص٧٥)، فتح المغيث (١٦٣/١).
(٥)
(٦)
ينظر: التمهيد (١٧٢/٢٢).
(٧) في (ك٢): ((واجتمع)).
ينظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (ص٨٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٧٢٩/٢).
(٨)
(٩) في (ح): ((أعتقها)).

=
S
٣١١
كِتَابُ الفَرَائِضِ
غير(١) شَرطِ العِتقِ. ومَن أجَازَ قال: لَا يُمكِنُ الحَملُ على هَذِهِ الصُّورَةِ؛ فَإِنَّها
لَيسَت من مَحَلِّ الخِلَافِ، بَل هيَ مَوضِعُ اتَّفَاقٍ على المَنعِ.
وقَد مَنَعَ الحَنَفيةُ البَيعَ بِشَرطِ العِتقِ، وطَرَدُوا فيه قِيَاسَ الشُّرُوطِ النَّافيةِ(٢)
لِمُقْتَضَى العَقدِ في بُطلَانِها في نَفسِها وإبطَالِها العَقْدَ، وهو (٢٣٤/٦م) قَولٌ عن
الشَّافِعِيِّ وأحمَدَ. وقال المَالِكِيَّةُ بِصِحَّةِ البَيعِ والشَّرطِ، وأخرَجُوهُ من(٣) ذَلِكَ
القِيَاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وحِكمَتُهُ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ لِلعِتقِ، وهَذَا هو الصَّحِيحُ من أقوالِ
الشَّافِعِيِّ، والمَشهورُ عن أحمَدَ، وهو قَولُ الجُمهورِ. ولِلشَّافِعِيِّ قَولٌ ثَالِثٌ: أنَّهُ
يَصِحُ البَيعُ ويَبطُلُ الشَّرطُ.
ثُمَّ مَحَلُّ الصِّحَّةِ: مَا إذَا شُرِطَ تَنجِيزُ العِتقِ، فَلَو شُرِطَ تَدبيرُ العَبدِ أو كِتَابَتُهُ
أو تَعلِيقُ عِتقِه على صِفَةٍ أو عِتْقِه بَعدَ (٤) شَهرٍ: فَالأَصَحُّ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ في الصُّورِ
كُلِّها أنَّهُ لَا يَصِحُّ البَيعُ، وكَذَلِكَ لَو شُرِطَ مَعَ العِتقِ كونُ(٥) الولَاءِ لِلبَائِعِ؛
فَالمَذهَبُ الذِي قَطَعَ به الجُمهورُ: أَنَّ البَيعَ بَاطِلٌ. وحَكَى بَعضُهُم قَولًا أنَّهُ صَحِيحٌ
ويَلغُو الشَّرطُ خَاصَّةً، وانفَرَدَ إِمَامُ الحَرَمَينِ بِنَقلِه وجهًا أنَّهُ يَصِحُّ هَذَا الشَّرطُ. ولَا
يُعرَفُ ذَلِكَ لِغَيرِهِ، ومَحَلُّ الخِلَافِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ أيضًا: أن يُطلَقَ أو يَقُولَ: بِشَرطٍ
أن تَعْتِقَهُ عن نَفسِك، فَإِن قال: بِشَرطِ أن تَعْتِقَهُ عني؛ فَهو لَاغ (٦).
■ الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الجَارِيَةُ هيَ بَرِيرَةُ وكَانَت مُكَاتَبَةً، وهَذَا يَدُلُّ على جَوازٍ
بَيعِ المُكَاتَبِ، وقَد اختُلِفَ فيه على أقوالِ: الجَوازِ، والمَنعِ، والتَّفْصِيلِ؛ بَينَ أن
يَبيعَهُ لِلِعِنْقِ فَيَجُوزُ، أو لِلاسْتِخدَامِ فَيَمْتَنِعُ.
فَمِمَّن جَوزَهُ: عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ، وإبرَاهيمُ النَّخَعِيّ، والليثُ بنُ سَعٍ،
(١) من (ح، ك٢). وأشار إليها في حاشية (م).
(٢)
في (ك٢، م): ((المنافية)).
(٣) في (ح، ك٢): ((عن)).
(٤)
في (ح): ((بغير) .
في (ح، م): ((دون)). وينظر: الشرح الكبير (٢٠٣/٨)، وروضة الطالبين (٤٠٣/٣).
(٥)
ينظر: معالم السنن (١٨٣/٤)، (٣٩٢/٥)، والتمهيد (٣٢٧/١٥، ٣٢٨)، وإكمال
(٦)
المعلم (١٠٦/٥).

=
٣١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وأحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ في المَشهورِ عنهُ، وأبُو ثَورٍ، وبه قال مَالِكٌ في رِوايَةٍ عنهُ،
والشَّافِعِيُّ في القَدِيم. قال هَؤُلَاءِ: ولَا تَبطُلُ الكِتَابَةُ بِذَلِكَ، بَل يَنتَقِلُ لِلمُشتَرِي
مُكَاتَبًا؛ فَإِذَا أدَّى إِلَيه النُّجُومَ عَثَقَ، وكَانَ الولَاءُ لِلمُشتَرِي. وقال بَعضُ
الشَّافِعِيَّةِ(١): يَكُونُ الولَاءُ لِلِبَائِعِ. وقال بَعضُهُم: تَرتَفِعُ الكِتَابَةُ. وهُمَا ضَعِيفَانِ.
ومِمَّن مَنَعَ بَيْعَهُ مُطلَقًا: أبُو حَنِيفَةَ، ومَالِكٌ في المَشهورِ عنهُ، والشَّافِعِيُّ في
قَولِه الجَدِيدِ. وحُكِيَ عن ابنِ مَسعُودٍ، وَرَبِيعَةَ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢) عن
الزُّهرِيِّ وأبي الزِّنَادِ ورَبِيعَةَ أنَّهُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلا بِرِضَاهُ.
ونَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في ((اختِلَافِ الحديثِ))، وقال(٣): مَن لَقِينَا من المُفتينَ
لَم يَختَلِفُوا في ألا يُبَاعَ المُكَاتَبُ قَبلَ أن يَعجِزَ أو يَرضَى بِالبَيعِ، ولَا يَجهَلُونَ
[١٣١/٢ و] سُنَّةَ رسولِ اللهِ وَّه.
وجَعل شَيخُنَا الإمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ البُلقِينِيُّ ذَلِكَ قَيدًا، وقال: مَحِلُّ بُطلَانِ
بَيعِ المُكَاتَبِ على الجَدِيدِ مَا لَم يَرضَ بِالبَيع، وحَكَى هَذَا النَّصَّ. وبَحَثَ شَيخُنَا
المَذكُورُ: أنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرطِ العِتقِ وإِن لَمْ يَرضَ، استِنبَاطًا من هَذَا الحديثِ.
وقال: بَيعُ الرَّقِيقِ بِشَرطِ العِيقِ إِنَّمَا اسْتُفيدَ من حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وقَد كَانَت مُكَاتَبَةً؛
فَيَجُوزُ بَيعُ المُكَاتَبِ (٢٣٥/٦م) بِشَرطِ العِتقِ رَضِيَ أُم لَم يَرضَ؛ لِأنَّ النبيّ ◌َِهُ
أَجَازَ لِعَائِشَةَ أن تَشتَرِيَ بَرِيرَةً وَلَم يَعتَبِرِ رِضَاها. قال: ومَحِلُّ الحديثِ لَا يَخرُجُ،
وهو قَرِيبٌ من العُمُومِ الوارِدِ على سَبَبٍ؛ فَإِنَّ السَّبَبَ لَا يُخرِجُ كَمَا في ((الولَدِ
لِلفِرَاشِ)»(٤)، فَإِنَّ السَّبَبَ كَانَ في أَمَةٍ. انتَهَى.
والمَانِعُونَ من بَيعِه مُطلَقًا: منهُم مَن أجَابَ بِأنَّ المَبيعَ نُجُومُها لَا رَقَبَتُها،
ومنهُم مَن أجَابَ بِأَنَّها عَجَّزَتِ نَفسَها وفَسَخُوا الْكِتَابَةَ. والأولُ: جَوابُ مَن يُجَوِّزُ بَيْعَ
نُجُومِ المُكَاتَبِ وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ، والثَّانِي: جَوابُ مَن يَمنَعُ ذَلِكَ وهُم الشَّافِعِيَّةُ.
(١) ينظر: روضة الطالبين (٥١٨/٨).
(٢) ينظر: التمهيد (١٧٦/٢٢).
(٣) ينظر: الأم للشافعي مع مختصر المزني (٢٠/٣).
(٤) البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧).

=
٣١٣ كم
كِتَابُ الفَرَائِضِ
ا الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: (لَا يَمنَعِكِ ذَلِكَ))، بِالجَزمِ على النَّهى. قال
الخَطَّابي(١): مَعنَاهُ إبطالُ مَا شَرَطُوهُ من الولَاءِ لِغَيرِ المُعيِقِ.
قُلتُ: ظَاهرُهُ أنَّهُ لَم يَرَ مَا أَرَادُوهُ من اشتِرَاطِ الولَاءِ لِلبَائِعِ مَانِعًا من الشِّرَاءِ
على الوجه الذِي أَرَادُوهُ؛ فَإِنَّ اشتِرَاطَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ شَيئًا؛ لِأَنَّ حُكمَ الشَّرع أنَّ
الولَاءَ لِلمُعتِقِ فَلَا يَضُرُّ اشتِرَاطُ خِلَافِهِ، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِذَلِكَ فِي قَولِه في
حَدِيثِ هِشَامِ بنِ عُروةً، عن أبيه، عن عَائِشَةَ: ((اشتَرِيها واعتِقِيها واشتَرِطِي لَهُم
الولَاءَ؛ فَإِنَّ الولَاءَ لِمَن أَعتَقَ)). وهيَ في ((الصَّحِيحَينِ))(٢).
وفي ذَلِكَ إشكالٌ من وجهَينِ :
أحَدُهُمَا: أنَّ البَيعَ يَفسُدُ بِاشتِرَاطِ الولَاءِ لَهُم كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَيفَ يَثْبُتُ مَعَ
ذَلِكَ عِتْقٌ وولَاءٌ.
الثَّانِي: كَيفَ يُؤْذَنُ لَها في اشتِرَاطِ مَا لَا يَصِحُ ولَا يَحِلُّ (٣) لِلمُشتَرِطِينَ،
وفي ذَلِكَ خِدَاعٌ لَهُم يُصَانُ عنهُ الشَّرِعُ، ولِهَذَا أنكَرَ بَعضُهُم هَذَا اللفظَ؛ وَذَلِكَ
مَحِكِيٍّ عن يَحَى بنِ أكثَمَ.
وهَذَا ضَعِيفٌ لِثُبُوتِهِ في ((الصحيحينِ)) كَمَا تَقَدَّمَ.
وقال بَعضُهُم(٤): اللامُ في قَولِه: ((لَهُم))، بِمَعنَى: ((على))؛ أي: اشتَرِطِي
عليهم، كَمَا في قَوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]، وهَذَا مَحكِيٍّ عن
الشَّافِعِيِّ والمُزَنِيِّ، وضَعَّفَهُ بَعضُهُم؛ فإنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أنكَرَ عليهم
الإِشْتِرَاطَ، ولَو كَانَ كَمَا قالهُ صَاحِبُ هَذَا التَّأْوِيلِ لَم يُنكِرِهُ.
وقَد يُجَابُ عن هَذَا: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أنكَرَ مَا أَرَادُوا اشتِرَاطَهُ في أولِ الأمرِ،
وقِيلَ: إنَّ المُرَادَ بِالإِشْتِرَاطِ هُنَا تَركُ المُخَالَفَةِ لِمَا شَرَطَهُ البَائِعُ، وعَدَمُ إظهارِ
(١) ينظر: معالم السنن (١٨٣/٤).
(٣)
في (ح): ((يحصل)).
(٢) البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (٨/١٥٠٤).
(٤) ينظر: الاستذكار (٢٠١/٢٣)، والتمهيد (١٨١/٢٢)، شرح النووي على مسلم
(١٤٠/١٠).

=
٣١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
النِّزَاعِ فيه، وقَد يُعَبَّرُ عن الثَّخْلِيَةِ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ على الفِعلِ(١)، كَمَا في قوله تعالى:
﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ لِمُخَالَفَتِهِم حُكمَ الشَّرعِ بَعدَ مَعرِفَتِهم به؛ فَعَاقَبَهُم في
المَالِ بِتَخْسِيرِ (٢) مَا نَقَصُوا(٣) من الثَّمَنِ في مُقَابَلَةٍ كَونِ الولَاءِ لَهُم.
وقِيلَ: مَعنَى: ((اشتَرِطِي لَهُم الولَاءَ))، أظهرِي حُكمَ الولَاءَ، ومنهُ أشرَاطُ (٤)
السَّاعَةِ.
وقِيلَ: (٢٣٦/٦م) المُرَادُ الزَّجرُ والتَّوبيخُ لَهُم؛ لِأَنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ
بَيَّن(٥) لَهُم حُكمَ الولَاءِ، وأنَّ هَذَا الشَّرطَ غَيرُ جَائِزٍ، فَلَمَّا لَخُوا في اشتِرَاطِه
ومُخَالَفَةِ الأمرِ، قال لِعَائِشَةَ هَذَا الكَلَامَ، بِمَعنَى: لَا تُبَالِي سَواءٌ شَرَطتيه أم لا؛
فَإِنَّهُ شَرطٌ بَاطِلٌ مَرُدُودٌ؛ لِأَنَّهُ قَد سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُم، فَعلى هَذَا لَا تَكُونُ لَفِظَةُ
(اشْتَرِطِي)) هُنَا لِلإِبَاحَةِ (٦) .
وقِيلَ: كَانَ يُبَاحُ اشتِرَاطُ الوَلَاءِ لِلْبَائِعِ مَعَ كُونِهِ لَا يَثْبُتُ لَّهُ، ثُمَّ نُسِخَ بِخُطبَةِ
النبيِّ وَّهِ. وَهَذَا جَوابُ ابْنِ حَزْمِ الظَاهرِيِّ(٧) .
وقال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(٨): الأصَحُّ في تَأوِيلِ الحديثِ مَا قالهُ أصحَابُنَا
في ((كُتُبِ الفِقه)): أنَّ هَذَا الشَّرطَ خَاصٌّ في قِصَّةٍ عَائِشَةَ، واحتَمَلَ هَذَا الإذنَ وإبطَالَهُ
فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ الخَاصَّةِ، وهيَ قَضِيَّةُ عَينٍ لَا عُمُومَ لَها. قَالُوا: والحِكمَةُ في إذنِه فيه
ثُمَّ إبطَالِهِ أن يَكُونَ [١٣١/٢ظ] أبلَغَ في قَطعِ عَادَتِهم في ذَلِكَ وزَجرِهم عن مِثلِه، كَمَا
أذِنَ لَهُم ◌َّهِ فِي الإِحرَامِ بِالحَجِّ في حَجَّةِ الودَاعِ ثُمَّ أمَرَهُم بِفَسخِه وجَعْلِهِ عُمرَةً بَعدَ أن
أحرَمُوا بِالحَجِّ، وإنَّمَا فَعل ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبلَغَ في زَجرِهم وقَطعِهِم عَمَّا اعتَادُوهُ من مَنعِ
العُمرَةِ في أشهُرِ الحَجِّ، وقَدْ يَحتَمِلُ المَفسَدَةَ الْيَسِيرَةَ لِتَحصِيلِ مَصلَحَةٍ عَظِيمَةٍ. انتَهَى.
(١) ينظر: إحكام الأحكام (ص٣٦٥).
(٣)
في (ح): ((نقضوا)).
(٥)
من (ح، ٢٥).
(٧) ينظر: المحلى (٤١٧/٨).
(٨) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤٠/١٠).
(٢) في الأصل، (م): ((بتحسير)).
(٤) في الأصل: ((اشتراط)).
(٦) في (ك٢): (للإجابة)).

كِتَابُ الفَرَائِضِ
كبير
٣١٥
=
و(١) إِذَا عَرَفتَ هَذِه الأجوِبَةَ تَبَيَّنَ لَك ضَعفُ استِدلَالِ مَن استَدَلَّ به على
اختِصَاصِ البُطلَانِ بِالشَّرطِ الفَاسِدِ، وأنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى إلى العَقْدِ، بَل يَكُونُ
العَقدُ صَحِيحًا والشَّرطُ فَاسِدًا، وقَد استَدَلَّ به على ذَلِكَ النسائيّ(٢)، وبهذا قال
ابنُ أبي ليلى وطَائِفَةٌ، والجُمهورُ على خِلَافِهِ.
■ الخَامِسَةُ: في قَولِهِ: ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَن أعتَقَ)). ثُبُوتُ الولَاءِ لِمَن أعتَقَ
عَبدَهُ أو أمَتَهُ عن نَفسِه، وأنَّهُ يَرِثُ به سَواءٌ أَكَانَ(٣) المُعتِقُ رَجُلًا أو امرأةً، وهَذَا
مُجمَعٌ عليه، وفيه أنَّ العَتيقَ لَا يَرِثُ سَيِّدَهُ لِحَصرِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ الولَاءَ في
المُعتِقِ، وبه قال الجُمهورُ؛ ومنهُم الأئِمَّةُ الأَربَعَةُ. وذَهَبَ جَمَاعَةٌ من التَّابِعِينَ إلى
أنَّهُ يَرِثُ كَعَكسِهِ(٤) .
■ السَّادِسَةُ: ودَخَلَ فيه مَا لَو أعتَقَهُ على مَالٍ أو بَاعَهُ نَفسَهُ أو كَاتَبَهُ فَعَتَقَ
بِالأدَاءِ أو استَولَدَ أمَتهُ(٥) (٦فَعَتَقَت بِمَوتِه٦)؛ فَفي كُلِّ هَذِه الصُّورِ يَثبُتُ الولَاءُ،
وكَذَا يَتَنَاولُ الولَاءَ لِلمُسلِمِ على الكَافِرِ وعَكَسَهُ، وإن كَانَا لَا يَتَوارَثَانِ فِي الحَالِ،
وهو كَذَلِكَ عِندَ أهلِ العِلْمِ؛ إلا أنَّهُم اختَلَفُوا في الصُّورَةِ الأخِيرَةِ وهيَ إعتَاقُ
الكَافِرِ العَبدَ المُسلِمَ، فقال بِمُقْتَضَى الحديثِ فيها: الشَّافِعِيَّةُ والحَنَفيةُ والحَنَابِلَةُ
والجُمهورُ، وقال (٦/ ٢٣٧م) المَالِكِيَّةُ: لَا يَثبُتُ لَهُ عليه ولَاءٌ، ولَو أسلَمَ بَعدَ
ذَلِكَ، ولَا لِورَثَتِه، ولَو كَانُوا مُسلِمِينَ ذَلِكَ الوقتِ وولَاؤُهُ لِجَمَاعَةٍ(٧)
المُسلِمِينَ(٨).
السَّابِعَةُ: ودَخَلَ فيه أيضًا مَا لَو أعتَقَ عَبدَهُ سَائِبَةً؛ أي: على أن لا
(١) ليس في (ك٢).
(٢) بوّب عليه النسائي: ((الْبيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشّرْطُ الْفاسِدُ، فيصِحُّ الْبَيْعُ ويَبْطُلُ الشّرْطُ)). ينظر:
المجتبى (٣٤٥/٧)، والسنن الكبرى (٧١/٦).
(٣)
في الأصل، (م): ((كان)).
ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤٠/١٠).
(٤)
(٥)
في (م): «أمة)».
(٧)
في (م): «لجماعته)).
ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤١/١٠).
(٨)
(٦ - ٦) ليس في (ك٢).

٣١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ولَاءَ لَهُ عليه(١)، فَيَثْبُتُ لَهُ عليه الولَاءُ ويَرِثُهُ، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ،
وأحمَدُ، ومُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الله بنِ عَبدِ الحَكْمِ، وابنُ نَافِعِ: المَالِكِيَّانِ، وحُكِيَ عن
الشَّعبي، وعَطَاءٍ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، وضَمرَةَ بنِ حَبيبٍ، وَرَاشِدِ بنِ سَعدٍ .
والمَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ: أنَّهُ لَا يَرِتُهُ، وأنَّ ولَاءَهُ لِجَمَاعَةِ(٢) المُسلِمِينَ. وحُكِيَ
ذَلِكَ عن الزُّهرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وأبي الزِّنَادِ، وعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، وأبي العَالِيَةِ،
وعَطَاءٍ، وعَمرِو بنِ دِينَارٍ. وحُكِيَ عن الزُّهرِيِّ أيضًا، والأوزَاعِيِّ، والليثِ بنِ
سَعدٍ: أَنَّ لِلسَّائِبَةِ أن يُوالِيَ مَن يَشَاءُ، فَإِن مَاتَ ولَم يُوالِ أَحَدًا فَوَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ(٣)
المُسلِمِينَ، حَكَى ذَلِكَ جَمِيعَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤).
■ الثَّامنةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا لَو أعتَقَ الرَّجُلُ عَبدَ نَفْسِه عن غَيرِهِ:
فقال الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وأهلُ الّاهرِ؛ إن كَانَ ذَلِكَ بِأمرِهِ فَولَاؤُهُ لِلمُعتَقِ عنهُ
سَواءٌ (٥ أكَانَ بِعِوضٍ أم٥) بِغَيرِهِ، وإن لَم يَكُن بِأمرِهِ فَالولَاءُ لِلمُعتِقِ. وقال
أَبُو حَنِيفَةَ، والثَّورِيُّ: إن كَانَ بِعِوضٍ فَالولاءُ لِلمُعَقِ عنْهُ، وإن كَانَ بِغَيرِهِ
(٦ فَالوَلَاءُ لِلمُعتِق٦ِ)؛ لِأنَّها هبَةٌ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ القَبضِ. وقال مَالٌِ والليثُ بنُ سَعدٍ،
وأبُو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلَّامِ: الولَاءُ لِلمُعتَقِ عنهُ مُطلَقًّا، ولَو كَانَ بِغَيرِ أمرِهِ إلا
أن يَكُونَ نَصرَانِيًّا فَالوَلَاءُ لِجَمَاعَةِ المُسلِمِينَ. والحديثُ حُجَّةٌ لِلأولِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى
كَانَ بِأمرِهِ فَالعِتقُ عنهُ والمُبَاشِرُ للعتقِ (٧) وكِيلٌ، ومَتَى كَانَ بِغَيرِ أمرِهِ فَلَا يُمكِنُ
دُخُولُهُ في مِلكِه قَهرًا؛ فَالمُعتِقُ هو المُبَاشِرُ، فَاندَرجِ ذَلِكَ في قَولِه: ((إنَّمَا الولَاءُ
لِمَن أَعتَقَ))(٨).
■ التَّاسِعَةُ: فيه أنَّ كَلِمَةَ ((إنَّمَا)) لِلحَصرِ، ولَولَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ من(٩) إِثْبَاتِ
(١) ليس في (ح).
(٣) في (م): ((لجماعته)).
(٢) في (م): ((لجماعته)).
(٤) ينظر: التمهيد (٧٨/٣).
(٥ - ٥) في الأصل، (م): ((كان بعوض أو)). (٦ - ٦) ليس في (م).
(٧) من (ح، ك٢).
(٨) ينظر: الاستذكار (٢١٠/٢٣)، التمهيد (٦٥/٣).
(٩) في الأصل، (م): ((في)). والنص نقله المصنف عن ابن دقيق العيد بحروفه. ينظر:
إحكام الأحكام (ص٣٦٦).

٣١٧
كِتَابُ الفَرَائِضِ
الولَاءِ لِلمُعتِقِ نَفيُهُ عن غَيرِهِ، لَكِنَّها ذُكِرَتِ لِبَيَانِ نَفيِهِ عَمَّن لَم يَعِقِ؛ فَدَلَّ على أنَّ
مُقْتَضَاها الحَصرُ.
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَفيه أنَّهُ لَا ولَاءَ لِلإِنسَانِ على مَن أسلَمَ على يَدَیه، وبه قال
مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ [٢/ ١٣٢ و]، والأوزَاعِيُّ، وسُفْيَانُ الثَّورِيُّ، ودَاوُد،
والجُمهورُ. وقال أبُو حَنِيفَةَ، ورَبِيعَةُ، والليثُ بنُ سَعدٍ: مَن أسلَمَ على يَدَيه رَجُلٌ
فَولَاؤُهُ لَهُ. وقال يَحيَى بنُ سَعِيدٍ الأنصَارِيُّ: إن كَانَ حَربِيًّا فَولَاؤُهُ للذِي أسلَمَ
على يَدَيه، وإن كَانَ ذِمِيًّا فَلِلمُسلِمِينَ عَامَّةً(١).
■ العَاشِرَةُ: وفيه أيضًا أنَّهُ(٢) لَا ولَاءَ لِمُلتَقِطِ اللقِيطِ، وبه قال مَالِكٌ
والشَّافِعِيُّ وأحمَدُ والجمهورُ.
وقال إسحَاقُ بنُ رَاهويه: يَتْبُتُ لِلمُلَقِطِ الولَاءُ على اللقِيطِ(٣).
■ (٦ /٢٣٨م) الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وفيه أيضًا أنَّهُ لَا ولَاءَ لِمَن حَالَفَ (٤) إنسَانًا
على المُنَاصَرَةِ، وبه قال الجُمهورُ. وقال أبُو حَنِيفَةَ: يَثبُتُ الولَاءُ بالحِلفِ (٥)
ويَتَوارِثَانِ به، وحُكِيَ عن طَائِفَةٍ من السَّلَفِ وعن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ: إن عَقَلَ عنهُ
ورِتَهُ وإلا فَلَا (٦).
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فيه رَدُّ على مَن قال: إنَّ المُكَاتَبَ يَصِيرُ حُرًّا بِنَفسِ
الكِتَابَةِ ويَثبُتُ المَالُ في ذِمَّتِه، ولَا يَرجِعُ إلى الرِّقِّ أَبَدًا؛ لِأِنَّهُ لَو عَتَقَ لَم يَصِحَّ
بَيْعُهُ. وهَذَا مَحِكِيٌّ عن بَعضِ السَّلَفِ. وعن بَعضِهم: أنَّهُ إذَا أدَّى نِصفَ المَالِ
صَارَ حُرًّا ويَصِيرُ الْبَاقِي دَينًا عليه، وحُكِيَ عن عُمَرَ وابنِ مَسعُودٍ وشُرَيحِ مِثْلُ هَذَا
إِذَا أدَّى الثُّلُثَ. وعن عَطَاءٍ مِثْلُهُ إِذَا أَذَّى ثَلَاثَةَ أربَاعِ المَالِ، وعن عَلِيٍّ ومَروانَ بنِ
الحَكَمِ وعِكرِمَةَ: أنَّهُ يُعتَقُ منهُ بِقَدرِ مَا أَذَّى. وعن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله: إن شَرَطَ أن
(١) ينظر: الاستذكار (٢٠٥/٢٣، ٢٠٦)، التمهيد (٨١/٣).
(٢) في (ك٢): ((أن)).
(٣)
ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤١/١٠).
(٤)
في الأصل: ((خالف)).
(٦) ينظر: الاستذكار (٢٠٨/٢٣)، التمهيد (٨٦/٣).
(٥) في الأصل، (م): ((للحلف)).

كم
٣١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَعُودَ في الرِّقُ إن عَجَزَ كَانَ كَذَلِكَ(١)، وإن شَرَطَ أن يُعتَقَ منهُ بِقَدرِ مَا أدَّى فَهو
كَذَلِكَ.
والذِي عليه جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، وبه قال الأئِمَّةُ الأربَعَةُ:
أنَّهُ عَبِدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرهَمٌ، وقَد صَرَّحَ به في الحديثِ المَشهورِ في ((سُنَنِ
أبي دَاوُد))(٢) وغَيرِه(٣).
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: وفيه أنَّ الحَربي لَو أعتَقَ عَبدَهُ ثُمَّ أسلَمَا اسْتَمَرَّ ولَاؤُهُ
عليه. وبه قال الشَّافِعِيُّ واستَحسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٤): إنَّهُ قِيَاسُ
قَولِ مَالِكٍ. وقال أبُو حَنِيفَةَ: لِلعَتيقِ في هَذِهِ الصُّورَةِ أن يَتَولى مَن يَشَاءُ، ولَا
يَكُونُ ولَاؤُهُ لِلمُعِقِ، والله تعالى أعلم.
الحديثُ الثَّالِثُ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((لَا تَقْسِمُ(٥)
ورَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكتُ بَعدَ نَفَقَةِ نِسَائِ ومُؤْنَةٍ عَامِلِي: فَهو صَدَقَةٌ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجهُ الشيخانِ، وأبو داودَ (٦) من طَرِيقِ مَالِكٍ.
ومسلمٌ (٧) وحدَهُ من طَرِيقِ سُفَيَانَ بِنِ عُيَيْنَةَ.
والتِّرمِذِيُّ في ((الشَّمَائِلِ)) (٨)؛ من طَرِيقِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ، ثَلَاثَتُهُم (٢٣٩/٦م)
(١) في (م): ((ذلك)).
(٢) أبو داود (٣٩٢٦).
(٣) ينظر: الاستذكار (٢٣٠/٢٣، ٢٣٥)، والمفهم (٣٢٩/٤).
(٤) ينظر: الاستذكار (٢٢٨/٢٣)، والتمهيد (٧٢/٣).
(٥)
في مصادر التخريج: ((يقتسم)).
البخاري (٢٧٧٦، ٣٠٩٦، ٦٧٢٩٠)، ومسلم (٥٥/١٧٦٠)، وأبو داود (٢٩٧٤).
(٦)
(٧)
مسلم (١٧٦٠).
(٨) شمائل الترمذي (٤٠٤).

كِتَابُ الفَرَائِضِ
٣١٩
=
عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. وفي رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ: ((دِينَارًا ولَا
دِرهمً))(١) وفي رِوايَةٍ يَحيَى بِنِ يَحيَى الأندَلُسِيِّ عن مَالِكِ: (دَنَانِيرَ))، بِلَفِظِ الجَمعِ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): وتَابَعَهُ ابنُ كِنَانَةَ، وقال: سَائِرُ رُواةِ ((المُوطَّ!)):
((دِينَارً))، وهو المَحفُوظُ في هَذَا الحديثِ وهو الصَّوابُ؛ لِأِنَّ الواحِدَ في هَذَا
المَوضِعِ أعَمُّ عِندَ أهلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّهُ يَقتَضِي الجِنسَ والقَلِيلَ والكَثِيرَ. ولَفظُ رِوايَةٍ
ابنِ عُيَينَةَ: ((مِيرَاثًا))؛ حَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ. ولَم يَسُق مسلمٌ لَفظَهُ. قال: إنَّهُ نَحوُ
رِوايَةٍ مَالِكِ. وَرَواهُ مسلمٌ(٣) من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ؛
بِلَفِظِ: ((لَا نُورَثُ؛ مَا تَرَكِنَا صَدَقَةٌ)).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (لَا تَقْسِمُ)) (٤)، قال ابنُ عَبدِ البَرّ(٥): الرِّوايَةُ فيه بِالرَّفع
على الخَبَرِ؛ أي: لَيسَ يُقسَمُ؛ لِأِنِّي لَا أخِفُ دِينَارًا ولَا دِرهَمًا ولَا شَاةً ولَا
بَعِيرًا، وهَذَا مَعنَى حَدِيثِ مَسرُوقٍ عن عَائِشَةَ.
قُلتُ: أَشَارَ إلى قَولِها حُّ: ((مَا تَرَكَ رسولُ اللهِ وَهِ دِينَارًا وَلَا دِرِهَمًا، ولَا
شَاةً وَلَا بَعِيرًا، ولا أوصَى بِشَيءٍ». رَواهُ مسلمٌ، وغَيْرُهُ(٦).
وكَذَا نَقَلَ النَّووِيُّ(٧) عن العُلَمَاءِ: أنَّهُ لَيسَ المُرَادُ بهذا اللفظِ النَّهيَ؛ لِأَنَّهُ
إِنَّمَا يَنهَى عَمَّا يُمكِنُ وُقُوعُهُ، وإرتُهُ وَّهَ غَيرُ مُمكِنٍ، وإِنَّمَا هو بِمَعنَى الإِخْبَارِ
ومَعِنَاهُ: لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا؛ لِأَنِّي لَا أورَثُ(٨).
■ الثَّالِثَةُ: ذِكرُ الدِّينَارِ تَنبيهٌ به(٩) على مَا سِواهُ، كَمَا
[الزلزلة: ٧].
قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (@)﴾
(١) في (م): ((درعًا)).
(٢) ينظر: التمهيد (١٧١/١٨).
(٤) في (م): ((يقسم)).
(٥)
(٣)
مسلم (٥٦/١٧٦١).
ينظر: التمهيد (١٧١/١٨).
مسلم (١٨/١٦٣٥)، وأبو داود (٢٨٦٣)، والنسائي (٣٦٢٣ - ٣٦٢٥)، وابن ماجه
(٦)
(٢٦٩٥).
(٧) ينظر: شرح النووي على مسلم (٨١/١٢)، وإكمال المعلم (٩٠/٦).
(٨) في (ك٢): ((أرث)).
(٩) من (٢٤).

=
٣٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]،
ولَيسَ المُرَادُ التَّقِيدَ به حَتَّى إِنَّهُم يَقتَسِمُونَ مَا هو أقَلُّ منهُ، هَذَا مَا لَا شَكَّ
[١٣٢/٢ظ] فيه(١) .
■ الزَّابِعَةُ: فيه وُجُوبُ نَفَقَةِ أزواجِ النبيّ وَِّ بَعدَ وفَاتِهِ من مَترُوكَاتِه، وهو
كَذَلِكَ. فَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَهُ أنَّهُنَّ مَحُبُوسَاتٌ عن الأزواجِ بِسَبَبه. وقِيلَ: لِعِظَمٍ حَقِّهنَّ في
بَيْتِ المَالِ؛ لِفَضلِهِنَّ، وقِدَمِ هجرَتِهنَّ، وكَونِهِنَّ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ. ولَيسَ ذَلِكَ لِإرثِهنَّ
مِنْهُ، ولِذَلِكَ اختُصِصنَ بِمَسَاكِنِهِنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ، ولَم (٢) يَرِئِها ورَثَتُهُنَّ بَعدَهُنَّ(٣) .
■ الخَامِسَةُ: اختُلِفَ في المُرَادِ بِالعَامِلِ في قَولِه: ((ومُؤْنَةٍ عَامِلِي)):
فَالمَشهورُ: أنَّهُ القَائِمُ على هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، والنَّاظِرُ فيها (٤)، وعليه بَوّبَ البخاريُّ
في ((صَحِيحِه))(٥) .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): يَقُولُونَ: أرَادَ بِعَامِلِهِ خَادِمَهُ (٧ في حوائطه٧) وقَيِّمَهُ
ووكِيلَهُ، وأجِيرَهُ ونَحو هَذَا. انتَهَى. وقِيلَ: هو كُلُّ عَامِلٍ لِلمُسلِمِينَ من خَلِيفَةٍ
وغَيرِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلنبيّ نَّهِ ونَائِبٌ عنهُ في أَمَّتِهِ(٨).
■ السَّادِسَةُ: قال الطَّبَرِيُّ فيه: إنَّ مَن كَانَ مُشتَغِلًا من الأعمَالِ (٢٤٠/٦م)
بِمَا فيه لله بِرِّ ولِلعَبدِ عليه من الله أجرٌ، أنَّهُ يَجُوزُ أخذُ الرِّزقِ على اشتِغَالِه به إِذَا
كَانَ في قِيَامِه سُقُوطُ مُؤْنَةٍ عن جَمَاعَةٍ من المُسلِمِينَ أو عن كَافَّتِهِم، وفَسَادُ قَولِ
مَنْ حَرَمَ القُسَّامَ أخذَ الأجُورِ على أعمَالِهِم والمُؤَذِّنِينَ أَخَذَ الأرزَاقِ على تَّأذِيَنِهِم (٩)
(١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٨١/١٢).
(٢)
في الأصل، (م): (ولا)).
ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٥٩/٥)، وإكمال المعلم (٨١/٦)، وشرح
(٣)
النووي على مسلم (١٢/ ٧٣).
(٤) ينظر: إكمال المعلم (٩١/٦)، وشرح النووي على مسلم (٨٢/١٢).
(٥) باب نفقة القيم للوقف.
(٧ - ٧) ليس في الأصل، (م).
(٨) ينظر: شرح النووي على مسلم (٨٢/١٢).
(٩) في (م): ((تأديتهم)). وهو تصحيفٌ.
(٦) ينظر: التمهيد (١٧٢/١٨).