Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كِتَّابُ البُيُوعِ
وأمَّا الثَّالِثُ: فَلِبَعضِ هَذِه المعاني.
وأمَّا الرَّابعُ: فَإِنَّ(١) فيه تَفصِيلًا سَيَأتي(٢) بَيَانُه في حَدِيثِ: ((النَّهي عن بَيِعِ
الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُها» .
■ الخَامِسَةُ: الجَزُورُ الْبَعِيرُ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنثَى، إلَّا أنَّ اللفظَةَ مُؤَنََّةٌ، تَقُولُ:
هَذِهِ الجَزُورُ. وإن أَرَدت ذَكَرًا، والجَمعُ جُزُرٌ وجَزَائِرُ، ثم يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ذِكرُ الجُزُورِ
في تَفْسِيرِ الحديثِ قَيدًا فيمَا كَانَ يَفعَلُه أهلُ الجَاهِلِيَّةِ، فَلَم يَكُونُوا يَتَبَايَعُونَ هَذَا الْبَيعَ
إلَّا في الجُزُرِ خَاصَّةً، ويَحْتَمِلُ أنَّه مِثَالٌ، وأنَّهم كَانُوا يَفعَلُونَ ذلك في غَيرِها أيضًا.
وقَولُه: ((تُنتَجُ)) بِضَمِّ الثَّاءِ الأُولى، (٣) وإسكَانِ النُّونِ(٣)، وفَتح التَّاءِ الثَّانيةِ،
وبِالجِيمِ؛ أي: تَلِدُ، والنَّاقَةُ فَاعِلٌ، وهَذَا الفِعلُ مع إسنَادِه لِلفَاعِلِ عَلى صِيغَةِ
المُسنَدِ لِلمَفْعُولِ، هَكَذَا صِيغَتُه في لُغَةِ العَرَبِ. والله تعالى أعلم.
(٦١/٦م) الحديثُ الثَّاني
فجّ رعنه: ((أنَّ رَسُولَ اللهِِّ نَهَى عن النَّجشِ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: اثَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٤) من طَرِيقِ مَالِكٍ.
ورَواه النسائيّ(٥) أيضًا من رِوايَةٍ كَثِيرٍ بنِ فَرَقَدَ. كِلَاهمَا عن نَافِعِ، وقال
ابنُّ عَبدِ البَرِّ (٦): ((هَكَذَا رَواه جَمَاعَةٌ أصحَابُ مَالِكٍ. وَزَادَ فيه القَعنَبِيُّ قال:
وأحسَبُه قال: ((وأن تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى يُهبَطَ (٧) بها (٨) الأسواقَ)). ولَم يَذْكُر غَيْرُه
(١) في الأصل، (ح): ((فلأن)).
(٢) في الأصل: ((يأتي)).
(٣ - ٣) ليست في (ش).
(٤) البخاري (٢١٤٢)، ومسلم (١٣/١٥١٦)، والنسائي (٤٥١٧)، وابن ماجه (٢١٧٣).
(٦) التمهيد (٣٤٧/١٣).
(٥) النسائي (٤٥٠٩).
(٧) في (ح، ك٢): ((تهبط)).
(٨) ليست في (ش).

=
٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
هَذِهِ الزِّيَادَةَ، ورواه أبو يَعقُوبَ [٨٠/٢ظ] إسمَاعِيلُ بنُ(١) مُحَمَّدٍ قَاضِي المَدَائِنِ
قال: أخبرنَا يَحيَى بنُ مُوسَى، أخبرنَا عَبدُ الله بنُ نَافِعِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عن نَافِعِ،
عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهُ نَهَى عن الثَّخِيرِ))(٢). [قال: والتَّخِيرُ: أن يَمدَّحَ
الرَّجُلُ سِلعَتَه بِمَا لَيسَ فيها. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَكَذَا قال التَّخِيرُ](٣). وفَسَّرَه ولَم
يُتَابَعِ عَلى هَذَا اللفظِ، وإنَّمَا المَعْرُوفُ النَّجشُ. انتَهَى.
■ الثّانيةُ: ((النَّجشُ)) بِفَتحِ النُّونِ، وإسكَانِ الجِيمِ، وبِالشِّينِ المُعجَمَةِ؛
فَسَّرَه أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ(٤): بِأن يَزِيدَ في ثَمَنِ السِّلعَةِ لَا لِرَغِبَةٍ فيها، بَل لِيَخدَعَ
غَيْرَه ويَغُرَّه لِيَزِيدَ فيها (٥) ويَشتَرِيَها. وكَذَا فَسَّرَه به الحَنَفيَةُ والمَالِكِيَّةُ والحَنَابِلَةُ؛ كَمَا
رَأيته في ((الهدَايَةِ))، وكِتَابِ ابنِ الحَاجِبِ، و((المُحَرَّرِ)) لِابنِ تَيْمِيَّةَ(٦).
وعِبَارَةُ ((الهدَايَةِ)): هو أن يَزِيدَ في الثَّمَنِ وَلَا يُرِيدَ الشِّرَاءَ لِيُرَغْبَ(٧) غَيرَه(٨).
وعِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ: هو أن يَزِيدَ لِيَغُرَّ. وكَذَا قال صَاحِب ((المُحَرَّرِ)): إنَّ النَّجشَ
مُزَايَدَةُ من لَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ؛ تَغْرِيرًا لَه. وقَيَّدَ الترمذيُّ (٩ ذلك في ((جَامِعِه))٩) (١٠):
بِأَن تَكُونَ الزِّيَادَةُ بِأكثَرَ مِمَّا يَسوى (١١). وكَذَا قَيَّدَه ابنُ عَبدِ البَرِّ، وابنُ العَرَبِيِّ(١٢)؛
بِأَن تَكُونَ الزِّيَادَةُ فَوقَ ثَمَنِها. وقال ابنُ العَرَبِيِّ: إنَّه لَو زَادَ فيها حَتَّى يَنتَهِيَ (١٣)
إلى قِيمَتِها (١٤) فَهو مَأْجُورٌ (١٥) بذلك. وكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّقِيدَ ابنُ الرِّفعَةِ من مُتَأْخِّرِي
أصحَابِنَا، ونَقَلَه والِدِي تَظُْ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): عن الحَنَفيةِ والمَالِكِيَّةِ. وهو
ليست في الأصل.
(١)
في (ك٢)، ومصدر التخريج: ((التحبير))، وكذا أخواتها .
(٢)
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٣)
ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١٦٠/٢، ١٦١).
(٤)
(٥)
من (ش).
جامع الأمهات (٢٣٨/١)، المحرر (٢٨٣/١)، الهداية (٥٣/٣).
(٦)
(٧) في (ش): ((لترغيب)).
(٩ - ٩) في (ش): ((وابن العربي)).
(١١) في (ح): ((تسوی)).
(١٣) في (ح): ((تنتهي)).
(١٥) في (م): ((ما جوز)). والصواب المثبت.
(٨) ليست في الأصل.
(١٠) سنن الترمذي عقب حديث (١٣٠٤).
(١٢) التمهيد (٣٤٨/١٣).
(١٤) في (ك٢): («ثمنها)).

كِتَّابُ البُيُوعِ
٤٣
=
مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبُهم، ولِذلك نَقَلت عِبَارَتَهم أولًا. انتهى(١).
■ الثَّالِثَةُ: أصلُ النَّجشِ في اللغَةِ الاِسْتِثَارَةُ، ومنه نَجَشتُ الصَّيدَ أنَجِشُه
بِالضَّمِّ نَجشًا، إذَا اسْتَثَرتَه، سُمِّيَ النَّاحِشُ في السِّلعَةِ نَاحِشًا؛ لِأنَّه يُثِيرُ الرَّغْبَةَ فيها
ويَرفَعُ ثَمَنَها. وقال ابنُ قُتَيبَةً(٢): أصلُ النَّجشِ الخَتلُ (٦/ ٦٢م)، وهو الخِدَاعُ(٣)،
ومنه قِيلَ لِلصَّائِدِ: نَاحِشٌ؛ لِنَّه يَخْتِلُ الصَّيدَ ويَحْتَالُ لَه، وكُلُّ مَن استَثَارَ شَيئًا فَهو
نَاجِشٌ. وقال الهَرَوِيُّ(٤): قال أبو بَكرٍ: النَّجشُ المَدحُ والإطْرَاءُ، وعَلى هَذَا
مَعَنَى الحديثِ: ((لَا يَمْدَحُ(٥) أحَدُكُمُ السِّلعَةَ ويَزِيدُ فِي ثَمَنِها بِلَا رَغِبَةٍ)).
الزَّابِعَةُ: النَّجشُ حَرَامٌ؛ لِؤُرُودِ النَّهي عنه؛ ولِمَا فيه من المَكرِ
والخَدِيعَةِ، وهَذَا إجمَاعٌ كَمَا حَكَاه غَيرُ واحِدٍ (٢). والإثمُ مُختَصُّ بِالنَّاحِشِ إن لَم
يَعلَم به البَائِعُ، فَإن واطَأْه عَلى ذلك أثِمَا جَمِيعًا، لَكِن هَل يَبِظُلُ مع ذلك البَيْعُ،
أو يَثْبُتُ الخِيَارُ خَاصَّةً، أو لَا يَتْبُتُ واحِدٌ من الحُكمَينِ؟ فيه ثَلَاثَةُ مَذَاهبَ:
أحَدُها: أنَّ البَيعَ يَبطُلُ بِنَاءً عَلى أنَّ النَّهَيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ. حَكَاه ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٧)
عن طَائِفَةٍ من أهلِ الحديثِ وأهلِ الظّاهرِ، وهو رِوايَةٌ عن مَالِكِ، وهو المَشهورُ
عِندَ الحَنَابِلَةِ (٨): إذَا كَانَ البَائِعُ هو النَّاجِشُ، وكَانَ غَيْرُهُ لَكِن بِمُواطَأْتِهِ.
الثَّاني: أنَّه يَثبُتُ لِلمُشتَرِي الخِيَارُ، إذَا كَانَ ذلك بِمُواطَأَةِ البَائِعِ أو
بِعِلمِه، قاله ابنُ القَاسِم (٩)، وهو المَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ، قَالُوا: فَإِن فَاتَت
العَينُ فَلَه القِيمَةُ، مَا لَم تَزِد. وقال بَعضُهم: بِثُبُوتِ الخِيَارِ، وإن لَم يَكُن ذلك
بِمُواطَأَةِ البَائِعِ أو عِلمِه، إذَا كَانَ ذلك بِسَبَبه؛ كَابنِهِ وعَبدِه ونَحوِهمَا، وثُبُوتُ
الخِيَارِ إذَا كَانَ بِمُواطَأةِ البَائِعِ، وجهٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ: الأصَحُّ خِلَاقُهُ.
(١) من (ش).
(٣) في (م): ((الخدع))، وفي (ش): ((الجدع)).
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥٩/١٠).
(٤)
(٥)
في (ح): (يمنع).
(٦) التمهيد لابن عبد البر (٣٤٨/١٣).
(٨) المحلى (٤٤٠/٨)، والمغني (٣٠٦/٦).
(٧)
التمهيد (٣٤٩/١٣).
(٩) البيان والتحصيل (١٧١/١٧).
(٢) غريب الحديث (١٩٩/١).

٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال الحَنَابِلَةُ: بُثُبُوتُ (١) الخِيَارِ حَيثُ لَم يَبطُلِ البَيعُ، لِكَونِهِ لَيسَ بِمُواطَأْةِ البَائِعِ،
لَكِن شَرطُه عِندَهم أن يُغبَنَ بما لا يغبن (٢) به عَادَةً، نَصَّ عَلَيه أحمَدُ؛ واختَلَفُوا
في تَقدِيرِهِ، فَقَدَّرَه بَعضُهم بِالثُّلُثِ وبَعضُهم بِالسُّدُسِ. وقال ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ
بِثُبُوتِ الخِيَارِ إِذَا وقَعَ الْبَيعُ بِزِيَادَةٍ عَلى القِيمَةِ، ولَم يَتَعَرَّض لِمُواطَأِْ البَائِعِ.
الثَّالِثُ: أنَّ البَيعَ صَحِيحٌ، ولَا خِيَارَ لِتَقْصِيرِ المُشتَرِي، وهَذَا مَذهَبُ
الشَّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ(٣)، والاختِلَافُ الَّذِي حَكَينَاه(٤) في القَولِ الثَّاني، يُمكِنُ أن
يَجْتَمِعَ منه خَمسَةُ أقوالٍ.
■. الخَامِسَةُ: قال الرَّافِعِيُّ(٥): أطلَقَ الشَّافِعِيُّ في ((المُختَصَرِ)) تعصِيَةَ (٦)
النَّاحِشِ، وشَرَطَ في تعصِيَةٍ(٧) مَن بَاعَ عَلى بَيعِ أخِيه أن يَكُونَ عَالِمًا بِالحديثِ
الوارِدِ فیه.
قال الشَّارِحُونَ: السَّبَبُ فيه أنَّ النَّجشَ خَدِيعَةٌ، وتَحرِيمُ الخَدِيعَةِ واضِحٌ لِكُلِّ
أحَدٍ؛ مَعلُومٌ من الألفَاظِ العَامَّةِ، وإن لَم يَعلَم هَذَا الخَبَرَ بِخُصُوصِه.
والبَيعُ عَلى بَيعِ الأَخِ إِنَّمَا عُلِمَ تَحرِيمُه من الخَبَرِ الوارِدِ فيه، فَلَا يَعرِفُه مَن
لَا يَعرِفُ الخَبَرَ. قال الرَّافِعِيُّ: ولَك أن تَقُولَ: البَيعُ [٨١/٢و] عَلى بَيعِ أخِيه
إضرَارٌ أيضًا، وتَحرِيمُ الإضرَارِ مَعلُومٌ (٦٣/٦م) من الألفَاظِ العَامَّةِ، والوجه
تَخصِيصُ التعصِيَةِ(٨) بِمَن عَرَفَ التَّحِيمَ بِعُمُومٍ أو خُصُوصٍ. انتَهَى.
وحَكَى الْبَيْهَقِيُّ في ((سُنَّنِهِ))(٩) عن الشَّافِعِيِّ تَّقُ؛ أنَّه قال: فَمَن نَجَشَ فَهو
عَاصٍ بِالنَّجشِ، إن(١٠) كَانَ عَالِمًا بِنَهي رسول الله وََّ. فَظَهَرَ بذلك أنَّ مَذْهَبَ
الشَّافِعِيِّ في البَيعِ عَلى بَيعِ أخِيه وفي النَّجشِ واحِدٌ، وهو اشتِرَاطُ العِلمِ،
في (م): ((ثبوت)).
(١)
في الأصل: ((بما یغین))، وليست في (م).
(٢)
(٣)
ينظر: الإفصاح (٣٩٨/١).
(٥)
الشرح الكبير (٢٢٥/٨).
(٧)
في (م): ((معصية)) .
السنن الكبير (٣٤٤/٥).
(٩)
(٤) في (ش): ((حکام)).
(٦) في (م): ((معصية)).
(٨) في (م): ((المعصية)).
(١٠) في (م): ((إذا)).

كِتَابُ البُيُّوعِ
٤٥
=
وقَد حَكَى هَذَا النَّصَّ أيضًا المُتَولِّ في ((الَِّمَّةِ)). والله أعلمُ.
الحديثُ الثَّالِثُ
وعن الأعرج، عن أبِي هرَيرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قال: ((لَا تَلَقَّوا
الرُّكبَانَ لِلبَيع، ولَاَ يَبِع(١) بَعضُكُم عَلى بَيعِ بَعضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا
يَبِيع(٢) حَاضِرَ لِبَادٍ، ولَا تُصَرُّوا الغَنَمَ والإِبِلَ، فَمَن ابْتَاعَها بَعدَ ذلك، فَهو
بِخَيرِ الَّظَرَينِ بَعدَ أن يَحْلُبَها، إن رَضِيَها أمسَكَها، وإن سَخِطَها رَدَّها وصَاعًا
من تَمٍ))(٣).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٤) من هَذَا الوجه من
طَرِيقِ مَالِكٍ، عن أبِي الزِّنَادِ. ولَيسَ في رِوايَةِ النسائيّ ذِكرُ التَّصرِيَةِ، وأخرَجَ
البُخَارِيُّ(٥) حَدِيثَ المُصَرَّةِ من رِوايَةٍ جَعفَرِ بنِ رَبِيعَةَ. كِلَاهمَا عن الأعرَجِ،
وأخرَجَ مسلمٌ، وأبو دَاوُد، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٦) حَدِيثَ المُصَرَّةِ من رِوايَةٍ
مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبِي هرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((مَن اشتَرَى شَاةً مُصَرَّةً فَهو بِخَيرٍ
النَّظَرَينِ، إن شَاءَ أمسَكَها، وإن شَاءَ رَدَّها وصَاعًا من تَمْرِ(٧) لَا سَمِرَاءَ)). لَفِظُ
مسلمٍ، وفي لَفِظِ لَه ولِأبِي دَاوُد والترمذيِّ: ((فَهو بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّام))، وفيه:
((صَاعًا من طَعَامِ لَا سَمَرَاء)). وعِندَ النسائيّ: (ثَلَاثَةَ أَيَّام)). وقال: ((وصَاعًا من تَمرٍ
لَا سَمِرَاءَ)). وذَكَرَ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه)) الاختِلَافَ عَلى ابنِ سِيرِينَ في الطَّعَامِ
(١) في (ش): (يبيع)). وهي لغة.
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي (م): ((يبع)).
(٣)
في (ش): «ثمرٍ)).
البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١١/١٥١٥)، وأبو داود (٣٤٤٣)، والنسائي (٤٥٠٨).
(٤)
(٥)
البخاري (٢١٤٨).
مسلم (٢٥/١٥٢٤)، وأبو داود (٣٤٤٤)، والترمذي (١٢٥٢)، والنسائي (٤٥٠١).
(٦)
في (ش): ((ثمر))، وكذا أخواتها.
(٧)

٤٦
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والتَّمرِ وذِكرِ الثَّلاثِ، وإسقَاطِهَ، وقال: والتَّمرُ أكثَرُ. ورَواه البُخَارِيُّ، وأبو دَاوُد(١)
من رِوايَةٍ ثَابِتٍ بنِ عِيَاضٍ، عن أبِي هرَيرَةَ (٢٦٤/٦)، بِلَفِظِ: ((مَن اشتَرَى غَنَمًّا
مُصَرَّاةً، فَاحْتَلَبَها، فَإِن رَضِيَها أمسَكَها، وإن سَخِطَها فَفِي حَلَبَتِها صَاعٌ من تَمٍ)). ورَواه
مسلمٌ، والنسائيُّ(٢) من رِوايَةٍ مُوسَى بنِ يَسَارٍ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، وفيه: ((صَاعٌ من
تَمرٍ)). ورَواه مسلمٌ(٣) أيضًا من رِوايَةِ سُهَيلٍ(٤) بنِ أبِي صَالِحٍ، عن أبيه، عن
أَبِي هُرَيْرَةَ، وفيه: ((بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّام)). وقال: ((صَاعًا من تَمٍ)). ومن رِوايَةٍ هَمَّامٍ،
عن أبِي هرَيرَةَ(٥)، وقال: ((صَاعًا منَ تَمرِ)). ورَواه الترمذيُّ(٦) من رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ
زِيَادٍ، عن أبِي هَرَيْرَةً، وقال: ((صَاعًا من تَمٍ)). ورَوى مسلمٌ(٧) من رِوايَةِ إسمَاعِيلَ بنِ
جَعفَرٍ، عن العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبِي هَرَيْرَةَ مَرفُوعًا: ((لَا يَسُم
المسلمُ عَلَى سَومِ المسلمِ)). ومن رِوايَةِ شُعبَةَ عن العَلَاءِ، وسُهَيلٍ، عن أبَويهمَا، عن
أبِي هرَيرَةَ(٨). ومن رِوايَةٍ شُعبَةَ، [عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٩).
ومن رواية شعبة](١٠)، عن عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ، عن أبِي حَازِمِ، عن أبِي هَرَيْرَةَ(١١): ((أنَّ
رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ نَّهَى أَن يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلى سَومِ أَخِيه)). وفي رِوايَةٍ: ((عَلى سِيمَةٍ (١٢)
أَخِيه)). ورَوى البُخَارِيُّ (١٣) هَذِهِ الرِّوايَةَ الأخِيرَةَ بِلَفِظِ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِوَلِّ عن
التَّلَقِّي، وأن يَبتَاعَ المُهاجِرُ (١٤) لِلأعرَابِيِّ، وأن (١٥ تشتَرِطَ المَرأة١٥ُ) طَلَاقَ أُختِها،
وأن يَستَامَ الرَّجُلُ عَلى سَومٍ أخِيه، ونَهَى عن النَّجشِ، وعن التَّصرِيَةِ)). أورَدَه في
الشُّرُوطِ، ورَواه مسلمٌ أيضًا بهذِهِ السِّيَاقَةِ بِمَعنَاه.
(١) البخاري (٢١٥١)، وأبو داود (٣٤٤٥).
مسلم (١٥٢٤/ ٢٣)، والنسائي (٤٥٠٠).
(٢)
(٣)
مسلم (٢٤/١٥٢٤).
مسلم (٢٨/١٥٢٤).
(٥)
مسلم (٥٤/١٤١٣).
(٧)
(٩) مسلم (١٤١٣ /٥٥).
(١١) مسلم (١٠/١٥١٥).
(١٣) البخاري (٢٧٢٧).
(١٥ - ١٥) في (م): ((يشترط للمرأة)).
(٤) في (ش): ((سهل)).
(٦) الترمذي (١٢٥١).
(٨) مسلم (٥٥/١٤١٣).
(١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(١٢) في الأصل، (ك٢): ((سمة).
(١٤) في (ش): ((المهاجري)).

كِتَابُ البُيُوعِ
٤٧
=
■ الثّانيةُ: فيه تَحِرِيمُ تَلَقِّي الرُّكَبَانِ، وفَسَّرَه أصحَابُنَا: بِأن يَتَلَقَّى طَائِفَةً
يَحمِلُونَ طَعَامًا إلى البَلَدِ، فَيَشتَرِيه منهم قَبلَ قُدُومِهِم البَلَدَ ومَعرِفَةِ سِعرِهِ، ومُقْتَضَى
هَذَا التَّفسِيرِ: أنَّ التَّلَقِّيَ لِشِرَاءِ غَيرِ الطَّعَامِ لَيسَ حُكمُه كَذلك، ولَم أرَ هَذَا التَّقِيدَ
في كَلَامِ غَيرِهم، ومُقتَضَى النَّهي عنه: تَحرِيمُه، وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ،
وأحمَدُ، والجُمهورُ(١). وقال أبو حَنيفَةَ [٢/ ٨١ظ] والأوزَاعِيُّ: يَجُوزُ التَّلَقِّي إذَا لَم
يَضُرَّ بِالنَّاسِ، فَإِن ضَرَّ كُرِهَ(٢). كَذَا حَكَاه النَّووِيُّ(٣) وقال: والصَّحِيحُ الأولُ
◌ِلَّهيِ الصَّرِيحِ. والَّذِي فِي كُتُبِ الحَنَفِيةِ(٤) الكَرَاهَةُ فِي حَالَتَينِ :
إحدَاهما: أن يَضُرَّ بِأهلِ البَلَدِ.
والثّانيةُ: أن يُلبس(٥) السِّعرَ عَلى الوارِدِينَ؛ فَإن (٦٥/٦م) أَرَادَ النَّوِيُّ(٦)
ضَرَرَ أَهلِ البَلَدِ، فَيَرِدُ(٧) عَلَيه الحَالَةُ الثَّانيةُ، وإن أرَادَ مُطلَقَ النَّاسِ تَنَاوَلَ(٨)
الصُّورَتَينِ، ثم إنَّ الكَرَاهَةَ عِندَ بَعضِهم لِلنَّحرِيمِ، فَإن أرَادُوا ذلك هنَا، كَانَ
مَذْهَبُهم مُوافِقًا لِمَذهَبِ الجُمهورِ، لَكِن قال ابنُ حَزمٍ (٩): إنَّ أبَا حَنيفَةً كَرِهَه إن
أَضَرَّ بِأهلِ البَلَدِ دُونَ أن يَحْظُرَه. قال: ومَا نَعلَمُ أحَدًاً قاله قَبَلَه، وحَكَى ابْنُ حَزْمٍ
عن مَالِكٍ: أَنَّه لَا يَجُوزُ فِعلُه لِلتِّجَارَةِ، ولَا بَأسَ به لابتياعُ(١٠) القُوتِ من الطَّعَامِ
والأُضحِيَّةِ. قال: ولَا نَعلَمُه(١١) عن أحَدٍ قَبلَ مَالِكٍ(١٢).
■ الثَّالِثَةُ: شَرَطَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ في الثَّحرِيمِ: أن يَعلَمَ النَّهيَ عن
التَّلَقِّي، وكَذَا فِي سَائِرِ المَنَاهِي، ويُوافِقُ ذلك مَا رَواه سَحنُونٌ عن ابنِ القَاسِمِ:
أنَّه يُؤَذَّبُ إلَّا أن يُعذَرَ بِالجَهالَةِ، ورَوى عِيسَى بنُ دِينَارٍ عن ابنِ القَاسِمِ: أنَّه
يُؤَدَّبُ إذَا كَانَ مُعتَادًا بذلك(١٣) .
(١) ينظر: الإشراف (٣٩/٦).
شرح صحيح مسلم (١٦٣/١٠).
(٣)
(٥)
في (م): ((يغلي)).
(٧) في (ح، ش): ((فترد)).
(٩) المحلى (٤٥٠/٨).
(١١) في (م): ((نعلم)).
(١٣) ينظر: الاستذكار (٥٢٤/٦)، والبيان والتحصيل (٣٩٤/٩).
(٢) في (م): ((سكره).
(٤) الهداية (٤/ ٩٢).
(٦) في (ك٢): ((البدوي)).
(٨) في (م): ((يتناول)).
(١٠) في الأصل: ((لابتغاء)).
(١٢) في (ش): ((ذلك)).

٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الزَّابِعَةُ: واختَلَفُوا في شَرطٍ آخَرَ، وهو أن يَقصِدَ التَّلَقِّي، فَلَو لَم
يَقصِده، بَل خَرَجَ لِشُغلٍ، فَاشتَرَى منهم، فَفي تَحرِيمِه خِلَافٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ
والمَالِكِيَّةِ، والأصَحُّ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمُه، لِوُجُودِ المَعنَى، وسَيَأتي عن الليثِ بنِ
سَعِدٍ اشْتِرَاطُ قَصدِ (١) التَّلَقِّي.
■ الخَامِسَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في أنَّ البَيعَ هَل يَبطُلُ أم لا؟ فقال الشَّافِعِيُّ
وأحمَدُ (٢): لَا يَبطُلُ؛ فَإِنَّ النَّهِيَ لَا يَرجِعُ إلى نَفسِ العَقدِ ولا يُخِلُّ هَذَا الفِعلُ
بِشَيءٍ من أركَانِه وشَرَائِطِه، وإنَّمَا هو (٣) لِأجلِ الإضرَارِ بِالرُّكبَانِ وذلك لَا يَقْدَحُ
فِي نَفْسِ البَيعِ(٤). وقال آخَرُونَ: يَبطُلُ؛ لِأَنَّ النَّهِيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ، وحَكَاه الشَّيخُ
تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ»(٥) عن غَيرِ الشَّافِعِيِّ من العُلَمَاءِ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ لَا
عُمُومَ فيها، ولَيسَ المُرَادُ: أنَّ جَمِيعَ العُلَمَاءِ غَيرِ الشَّافِعِيِّ قَائِلُونَ بِالْبُطلَانِ، وإن
كَانَت العِبَارَةُ تُوهُمُ ذلك، وهَذَا قَولٌ في مَذهَبِ مَالِكٍ؛ حَكَاه سَحنُونٌ عن غَيرِ ابنِ
القَاسِم، وقال ابنُ خُوازِ بندَادٍ: البَيعُ صَحِيحٌ عَلى قَولِ الجَمِيعِ، وإِنَّمَا الخِلَافُ
في أنَّ المُشتَرِيَ لَا يَفُوزُ بِالسِّلعَةِ، ويَشرَكُه فيها أهلُ الأسواقِ، ولَا خِيَارَ لِلبَائِعِ،
أو أنَّ البَائِعَ بِالخِیَارِ .
وقال ابنُ عَبدِ البَوِّ(٦): مَا حَكَاه ابنُ خُوازِ بندَادٍ عن الجَمِيعِ فِي جَوازِ البَيْعِ
هو الصَّحِيحُ، لَا مَا حَكَاه سَحنُونٌ عن غَيرِ ابنِ القَاسِمِ أنَّه يَفسَخُ البَيعَ.
قال: وكَانَ ابنُ حَبِيبٍ يَذهَبُ إلى فَسخِ البَيعِ في ذلك؛ فَإِن لَم يُوجَّد
البائع(٧) عُرِضَت السِّلعَةُ عَلى أهلِ الأسواقِ(٨) واشتَرَكُوا فيها إن أحَبوا(٩)، وإن
أَبَوها رُدَّت عَلى (١٠) مُبتَاعِها.
ليست في: الأصل.
(١)
(٢) اختلاف الحديث (١٤٨/١٠ - الأم)، والمغنى (٣١٣/٦).
(٣)
ليست في (ك٢).
(٤) في (٢٥): ((المبيع)).
إحكام الأحكام (ص٥١١).
(٥)
(٦) التمهيد (١٨٩/١٨).
(٧)
ليست في (م، ش).
(٨) في الأصل، (م): ((السوق).
(٩) في (ح، ش): ((أحبوها)).
(١٠) في الأصل: ((إلى)).

كِتَابُ البُيُوعِ
٤٩
==
السَّادِسَةُ: إِذَا قُلنَا: إنَّ البَيعَ لَا يَبْظُلُ (٢٦٦/٦)، فَهَل يَثْبُتُ لِلِبَائِعِ الخِيَارُ
أم لا؟ قال الشَّافِعِيَّةُ(١): لَا خِيَارَ لِلِبَائِعِ قَبلَ أن يَقدُمَ ويَعلَمَ السِّعرَ، فَإِذَا قَدِمَ: فَإن
كَانَ الشِّرَاءُ بِأرخَصَ من سِعرِ البَلَدِ، ثَبَتَ لَه الخِيَارُ، سَواءٌ أخبَرَ المُتَلَّقِّي بِالسِّعرِ
كَاذِبًا أم لَم يُخبِر، وإن كَانَ الشِّرَاءُ بِسِعرِ البَلَدِ أو أكثَرَ، فَوجهانِ:
أصَخُّهمَا: عِندَهم أنَّه لَا خِيَارَ لَه؛ لِعَدَمِ الغَبنِ.
والثَّاني: ثُبوتُه، لِإِطلَاقِ الحديثِ الَّذِي رَواه مسلمٌ وغَيرُهُ(٢) من رِوايَةٍ
هِشَامِ بنِ حَسَّانَ، عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبِي هُرَيْرَةَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قال: ((لَا تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَن تَلَقَى، فَاشتَرَى منه، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُه السُّوقَ، فَهو
بِالخِیَارِ».
وقال الحَنَابِلَةُ(٣) أيضًا بِثُبُوتِ الخِيَارِ، لَكِنَّهِم قَيَّدُوه بِأن يُغْبَنَ بِمَا لَا يُغْبَنُ به
عَادَةً، واختَلَفُوا في تَقدِيرِهِ، فَقَدَّرَه بَعضُهم بِالثُّلُثِ، وبَعضُهم بِالسُّدُسِ. واختَلَفَ
المَالِكِيَّةُ القَائِلُونَ بِأَنَّ الْبَيعَ لَا يَبْظُلُ عَلى قَولَيْنِ.
أحَدُهمَا: أنَّ السِّلعَةَ تُعرَضُ عَلى أهلِ السِّلَع (٤في السُّوق٤ِ)، فَيَشتَرِكُونَ فيها
بذلك الثَّمَنِ بِلَا زِيَادَةٍ، فَإِن لَم يُوجَدَ(٥) لَها سُوقٌ، عُرِضَت عَلى النَّاسِ في
المِصرِ، فَيَشتَرِكُونَ فيها إن أحَبوا، فَإِن نَقَصَت عن ذلك الثَّمَنِ لَزِمَتِ المُشتَرِيَ،
قاله ابنُ القَاسِمِ وأصبَغُ.
[٢/ ٨٢و] والثَّاني: يَفُوزُ بها المُشتَرِي. وقال الليثُ بنُ سَعدٍ: إِن كَانَ
بَائِعُها(٦) لَم يَذهَبِ رُدَّتِ إلَيه حَتَّى تُبَاعَ (٧في السُّوقِ ٧)، وإِن كَانَ قَدِ ذَهَبَ،
ارتُجِعَت منه، وبِيعَت في السُّوقِ، ودُفِعَ إلَيْهِ ثَمَنُها .
السَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(٨): قال العُلَمَاءُ: سَبَبُ التَّحْرِيمِ إِزَالَةُ الضَّرَرِ عن
(١) اختلاف الحديث (١٤٨/١٠، ١٤٩ - الأم)، وروضة الطالبين (٧٦/٣).
(٢) مسلم (١٧/١٥١٩)، والنسائي (٤٥١٣).
(٤ - ٤) ليس في: (ك٢).
(٣) المغني (٣١٢/٦ - ٣١٤).
(٦) في الأصل: ((باعها)).
(٥) في (ح، ش): ((يكن)).
(٧ - ٧) ليس في: (ش).
(٨) شرح صحيح مسلم (١٦٣/١٠).

=
٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الجَالِبِ، وصِيَانَتُه مِمَّن يَخدَعُه. قال الإمَامُ أبو عَبدِ الله المَازَرِيُّ(١) (٢): فَإِن قِيلَ:
المَنِعُ من بَيعِ الحَاضِرِ لِبَادِي(٣) سَبَبُه الرِّفقُ بِأهلِ البَلَدِ، واحتُمِلَ فيه غَبْنُ الْبَادِي.
فَالمَنِعُ(٤) من التَّلَقِّي أن لَا يُغْبَنَ البَادِي، ولِهَذَا قَالِ نََّ: ((فَإِذَا أَتَى سَيِّدُه السُّوقَ
فَھو پِالخِیَارِ»؟
فَالجَوابُ: أنَّ الشَّرعَ يَنظُرُ في مِثلِ هَذِهِ المَسَائِلِ إلى مَصلَحَةِ النَّاسِ،
والمَصلَحَةُ تَقْتَضِي أن يَنْظُرَ لِلجَمَاعَةِ عَلى الواحِدِ، لَا لِلواحِدِ عَلى الجَمَاعَةِ، فَلَمَّا
كَانَ الْبَادِي إِذَا بَاعَ بِنَفسِه انتَفَعَ جَمِيعُ أهلِ السُّوقِ، واشتَرَوا رَخِيصًا، فَانتَفَعَ به
جَمِيعُ سُكَّانِ الْبَلَدِ، نَظَرَ الشَّرِعُ لِأهلِ البَلَدِ عَلَى البَادِي.
ولَمَّا كَانَ فِي التَّلَقِّي إِنَّمَا يَنْتَفِعُ المُتَلَقِّي خَاصَّةً، وهو واحِدٌ في مُقَابَلَةٍ واحِدٍ،
لَم تَكُن إِيَاحَةُ التَّلَقِّي مَصلَحَةً، لَا سِيَّمَا ويَنضَافُ إلى ذلك عِلَّةٌ ثَانِيةٌ، وهيَ لُحُوقِ
الضَّرَرِ بِأهلِ السُّوقِ في انفِرَادِ المُتَلَقِّي عنهم بِالرُّخصِ (٥)، وقَطعِ المَوادِّ عنهم،
وهم(٦) أكثَرُ من المُتَلَقِّي (٦٧/٦م)، فَنَظَرَ الشَّرعُ لَهم عَلَيه، فَلَا تَنَاقُضَ بَينَ
المَسْألَتَينِ، بَل همَا مُتَّفِقَتَانٍ(٧) في الحكمِةِ(٨) والمَصلَحَّةِ. انتَهَى.
وذَكَرَ بَعضُهم: أنَّ المَنعَ من التَّلَقِّي هو لِمَصلَحَةِ أهلِ البَلَدِ [أيضًا، فَإِنَّ
القَوافِلَ إِذَا صُنِعَ معهم مِثلُ هَذَا الصُّنع تَأْذَّوا من ذلك، وكَانَ سَبَبًا لِانقِطَاعِهم عن
البَلَدِ، فَيَتَضَرَّرُ أهلُ البَدِ] (٩) بِانْقِطَاعِ الَجَلَبِ (١٠) عنهم.
وقال ابنُ عَبدِ البَرّ(١١): مَعنَى النَّهي عِندَ مَالِكٍ والليثِ: الرِّفقُ بِأهلِ
الأسواقِ؛ لِئَلَا يُقطَعَ بهم عَمَّا لَه جَلَسُوا(١٢) يَبْتَغُونَ من فَضلِ الله، فَنَهَى النَّاسَ أن
(١) في (ش): ((الماوردي)).
(٣)
في (ش): ((للبدوي)).
(٥)
ليس في: الأصل.
(٧)
في (٢٤): ((متفقان)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(١١) التمهيد (١٨٧/١٨).
(٢) المعلم (٤٩٩/١).
(٤) في (ك، ش): (والمنع)).
(٦) في الأصل: ((وهو))، وفي (ح): ((وهي)).
(٨) في (م، ش): ((الحكم)).
(١٠) في الأصل: ((الجالب)).
(١٢) في (م) والأصل: ((عما لو جلسوا))، وفي (ش): ((عما له جلوسا)).

٥
كِتَابُ البُيُوعِ
يَتَلَّقَّوا السِّلَعَ؛ لِأَنَّ في (١) ذلك فَسَادًا عَلَيهم.
ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أنَّ النَّهِيَ إِنَّمَا وَرَدَ رِفقًا بِصَاحِبِ السِّلْعَةِ، لِئَلَّا يُبخَسَ (٢)
فِي ثَمَنِ سِلعَتِهِ، وقَد رُوِيَ بِمِثْلِ مَا قاله(٣) الشَّافِعِيُّ - خَبَرٌ صَحِيحٌ يَلَزَمُ العَمَلُ به؛
فَذَكَرَ (٤) رِوايَةَ الخِيَارِ. وفيمَا حَكَاه عن الليثِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّه يَقُولُ بِثُبوتِ الخِيَارِ لِلبَائِعِ
كَمَا يَقُولُه الشَّافِعِيُّ، فَمَذْهَبُهُ حِينَئِذِ النَّظَرُ لِلِبَائِعِ، لَا لِأهلِ البَلَدِ. وذَكَرَ ابنُ حَزم (٥)
أنَّ كِلَا القَولَينِ فَاسِدٌ؛ فَرَحمَتُه بِأهلِ الحَضَرِ (٦) والجَالِبِينَ سَواءٌ، ولَكِنَّها الشَّرَائِعُ
تُوحَى إِلَيه فَيُؤَدِّيها كَمَا أُمِرَ.
■ الثَّامنةُ: شَرَطَ بَعضُ أصحَابِنَا لِلنَّحرِيمِ شَرطًا آخَرَ، وهو أن يَبتَدِئَ
المُتَلَقِّي القَافِلَةَ بِطَلَبِ الشِّرَاءِ منهم، فَلَو ابتَدَؤُوه، فَالتَمَسُوا منه الشِّرَاءَ منهم، وهم
عَالِمُونَ بِسِعرِ البَلَدِ، أو غَيرِ عَالِمِينَ، فَجَعَلُوه عَلى الخِلَافِ فيمَا لَو بَانَ أنَّ(٧)
الشِّرَاءَ بِسِعرِ الْبَلَدِ أو أكثَرَ، وقَد عَرَفت أنَّ الأصَحَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ: أنَّه لَا خِيَارَ.
■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((لَا تَلَقَّوا الرُّكَبَانَ لِلبَيعِ)). يَتَنَاولُ بَيعَ الرُّكْبَانِ لِلمُتَلَقِّي
وبَيعَ المُتَلَقِّي لَهم، وجَعَلَ أصحَابُنَا صُورَةَ الحديثِ هِيَ الأُولى، وحَكَوا في تَحِيمِ
الثّانيةِ وجهَينِ .
■ العَاشِرَةُ: حَيثُ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، اختَلَفَ أصحَابُنَا
في (٨صورة الحديث٨): أنَّه عَلى الفَورِ، أو يَمتَدُّ ثَلَاثَةَ أيَّامِ؟ والصَّحِيحُ عِندَهم أنَّه
عَلى الفَورِ، وهو ظَاهرُ الرِّوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ(٩).
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ظَاهرُ الحديثِ: أنَّه لَا فَرِقَ في النَّهي عن التَّلَقِّي بَيْنَ
أن تَكُونَ المَسَافَةُ الَّتِي يَتَلَقَّى إِلَيها قَرِيبَةً أو بَعِيدَةً، وهو الَّذِيَ يَقْتَضِيه إطلَاقُ
أصحَابِنَا وغَيرِهم، وقَّدَ المَالِكِيَّةُ مَحَلَّ النَّهي بِحَدِّ مَخصُوصٍ، واختَلَفُوا في ذلك
(١) ليست في: الأصل.
(٣) في الأصل: ((قال)).
(٥) المحلى (٤٥٢/٨).
ليست في (ش).
(٩) ينظر: روضة الطالبين (٧٦/٣).
(٢) في (ش): ((ينجش)).
(٤) ليس في: الأصل.
(٦) في (ش): ((الأرض)).
(٨ - ٨) من (ش).
(٧)

=
٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحد، فقال بَعضُهم: مِيلٌ. وقال بَعضُهم: فَرسَخَانِ. وقال بَعضُهم: يَومَانِ. وهو
مَعنَى مَا رَواه أبو قُرَّةَ عن مَالِكِ أنَّه قال: إني لَأَكرَه تَلَقِّي السِّلَع [٨٢/٢ظ]، وأن
يَبْلُغُوا(١) بِالتَّلَقِّي أَربَعَةَ بُرُدٍ. انتَهَى.
فَإِن زَادَت المَسَافَةُ عَلى ذلك لَم تَدخُل تَحتَ النَّهي، وقِيلَ لِمَالِكِ: أرأيتَ
إِن كَانَ ذلك عَلى رَأسِ (٦٨/٦م) سِتَّةِ أميَالٍ فقال: لَا بَأسَ بذلك. وكَأنَّ ذلك
جَارٍ (٢) عَلى طَرِيقَتِه في أنَّ النَّظَرَ لِأَهلِ البَلَدِ، وإنَّمَا تَتَشَوفُ أطمَاعُهم لِمَن قَرُبَ
منهم، وأمَّا الْبَعِيدُ فَلَا تَشَؤُّفَ لَهم إلَيه، ولَعَلَّ النَّظَرَ في تَحدِيدِ(٣) القُربِ لِلعُرفِ.
والله أعلمُ.
وحَكَى ابنُ حَزم(٤) عن سُفيَانَ الثَّورِيِّ: أنَّه مَنهيٌّ عنه إذَا كَانَ بِحَيثُ لَا
تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إلَيهِ، فَإِنَ تَلَقَّاها بِحَيثُ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فَصَاعِدًا فَلَا بَأسَ بذلك.
■ الثّانيةَ عَشْرَةَ: بَوّبَ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه))(٥): ((بَابَ مُنْتَهَى التَّلَقِّي)).
وأورَدَ فيه حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ: ((كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكبَانَ، فَنَشتَرِي منهم الطَّعَامَ، فَنَهانَا
النبيُّ نَّ أَن نَبِيعَه حَتَّى نَبلُغَ (٦) به سُوقَ الطَّعَام)). وحَدِيثُه: ((كَانُوا يَتَبَايَعُونَ
الطعام(٧) في أعلى السُّوقِ، فَيَبِيعُونَه في مَكَانِهِ(٨)؛ فَنَهاهم النبيُّ ◌َِّ أَن يَبِيعُوه في
مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوه)). فَبَيَّنَ بِالرِّوايَةِ الثَّانيةِ: أنَّ التَّلَقِّيَ كَانَ إلى أعلى السُّوقِ من غَيرِ
خُرُوجِ عن البَلَدِ، وبيَّنَ (٩) الْبُخَارِيُّ بِتَبَوِيبِهِ مُنْتَهَى التَّلَّقِّي الجَائِزِ، وهو مَا لَم يَخرُج
من الْبَلَدِ، فَإِن خَرَجَ منها وقَعَ في التََّقِّي المَنهيِّ عنه.
وكَلَامُ أصحَابِنَا يُوافِقُ هَذَا، حَيثُ قَالُوا فِي (١٠) تَعرِيفِه الَّذِي قَدَّمتُ ذِكرَه:
في (ح): ((تبلغوا)).
(١)
(٢) في (م، ش): ((جاز)).
يوجد خرم في (ك٢) مقدار ورقة؛ يبدأ من هنا إلى أثناء الفائدة الثامنة عشر.
(٣)
(٤)
المحلی (٤٥٠/٨).
(٥)
البخاري، كتاب البيوع، باب (٧٢)، حديث (٢١٦٦، ٢١٦٧).
(٦)
في (ح): ((يبلغ)).
(٨) في (ش): ((مكانهم)).
(١٠) ليس في: (ش).
(٧) ليست في: (م).
(٩) في (ش): ((وعن)).

كِتَابُ البُيُوعِ
٥٣
=
قَبلَ قُدُومِهِم البَلَدَ. والمَعنَى فيه: أنَّهم إِذَا قَدِمُوا البَلَدَ أمكَنَهم مَعرِفَةَ السِّعرِ وطَلَبٍ
الحَظِّ لِأَنفُسِهم، فَإِن لَم يَفعَلُوا ذلك فَهو بِتَقصِيرِهم؛ وأمَّا قَبلَ دُخُولِ البَلَدِ، فَإِنَّهم
لَا يَعرِفُونَ السِّعرَ، ولَو أمكَنَهم تَعَرُّفُه فَنَادِرٌ لَا يَتَرَنَّبُ عَلَيه حُكمٌ.
وذَكَرَ ابنُ بَطَّالٍ(١): أنَّ (٢) مَا كَانَ خَارِجًا عن السُّوقِ فِي الحَاضِرَةِ أو قَرِيبًا
منها، بِحَيثُ يَجِدُ مَن يَسألُه عن سِعرِها أنَّه لَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ هَالِكَ؛ لِأَنَّه دَاخِلٌ في
مَعنَى التَّلَقِّي؛ وأمَّا المَوضِعُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَقدِرُ فيه عَلى ذلك فَيَجُوزُ فيه البَيعُ،
ولَيْسَ بِتَلَقِّ. قال مَالِكٌ: وأكرَه أن يُشتَرَى في نَواحِي المِصرِ حَتَّى يَهِطَ به السُّوقَ.
قال ابنُ المُنذِرِ: وبَلَغَنِي هَذَا القَولُ عن أحمَدَ وإسحَاقَ: أَنَّهمَا نَهَيَا عن التَّلَقِّي
خَارِجَ السُّوقِ، وَرَخَّصَا في ذلك في أعلى السُّوقِ. إلى آخَرِ كَلَامِهِ.
فَرَدَّ تَبوِيبَ البُخَارِيِّ إلى مَذهَبه، والمَعنَى الَّذِي ذَكَرَه في أنَّه إذَا وجَدَ مَن
يَسألُه عن السِّعرِ كَانَ الشِّرَاءُ حَرَامًا، وإن لَم يَجِد مَن يَسألُه عن السِّعرِ كَانَ جَائِزًا
غَيرَ مُلَائِم، والَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ عَكسُه. والله أعلَمُ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) عن
الليثِ بنِ سَعدٍ أنَّه قال: أكرَه تَلَقِّي السِّلَعَ وشِرَاءَها في الطَّرِيقِ، أو عَلى بَابِك،
حَتَّى تَقِفَ السِّلعَةُ في سُوقِها الَّتِي تُبَاعُ فيها، قال: وإن كَانَ عَلى بَابه أو في طَرِيقِه
فَمَرَّت به سِلعَةٌ(٤) يُرِيدُ صَاحِبُها سُوقَ تِلكَ السِّلْعَةِ، فَلَا بَأسَ أن (٦٩/٦م) يَشتَرِيَها،
إِذَا لَم يَقصِد التَّلَفِّ، إنَّمَا التَّلَقِّي أن يَقصِدَ لِذلك. وذَكَرَ(٥) ابنُ حَزم(٦) أنَّ حَدِيثَ
ابنِ عُمَرَ هَذَا اسْتَدَلَّ به مَن أجَازَ التَّلَقِّي. قال: ولَا حُجَّةَ لَهم فيه لِتَّةٍ أوجُهٍ :
أحَدُها: أنَّ المُحتَجِّينَ به هم القَائِلُونَ بِأنَّ الصَّاحِبَ إذَا رَوى خَبَرًا ثم خَالَفَه
فَقَولُه حُجَّةٌ فِي رَدِّ الخَبَرِ، وقَد صَحَّ عن ابنِ عُمَرَ الفُتْيَا بِتَركِ التَّلَقِّي.
ثَانيها: أنَّه لَا كَرَاهَةَ عِندَهم في بَيعِ الطَّعَامِ حَيثُ ابتَاعَه.
ثَالِثُها: أنَّ مَعنَى قَولِهِ: ((فَنَهانَا (٧) أن نَبِيعَه)): أن نَبْتَاعَه.
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٩١/٦).
(١)
(٣) التمهيد (٣٢١/١٣).
(٢)
ليس في: (ش).
(٤) بعدها في (ش): ((في سوقها التي تباع)). (٥) في (ح): ((وحزم)).
(٦) المحلى (٤٥١/٨).
(٧) في (ش): ((فيها)).

٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
رَابِعُها: أنَّ هَذَا مَنسُوخٌ بِالنَّهيِ.
خَامِسُها: أنَّه مَحمُولٌ عَلى أنَّ البَائِعِينَ أَجَازُوا الْبَيعَ.
سَادِسُها: مَا قَدَّمتُه من أنَّ الرِّوايَةَ الأُخرَى بَيَّنَت (١) أنَّ التَّلَقِّيَ كَانَ إلى أعلى
السُّوقِ من غَيرِ خُرُوجِ عنه.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: رَوى أشهَبُ عن مَالِكِ: أنَّه كَرِهَ أن يَخرُجَ الرَّجُلُ من
الحَاضِرَةِ إلى أهلِ الحَوائِطِ فَيَشتَرِيّ منهم الثَّمَرَةَ مَكَانَها، ورَآه من التَّلَقِّي. وقال
أَشَهَبُ: لَا بَأسَ بذلك، ولَيسَ هَذَا بِتَلَقِّ، ولَكِنَّه اشتَرَى الشَّيءَ بِمَوضِعِهِ(٢). وقال
ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣): لَا أعلَمُ خِلافًا في جَوازٍ خُرُوجِ النَّاسِ [٨٣/٢و] إلى البُلدَانِ في
الأمْتِعَةِ والسِّلَعِ، ولَا فَرِقَ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ من ذلك في النَّظَرِ، وإِنَّمَا التَّلَقِّي
تَلَقِّي (٤) مَن خَرَجَ بِسِلعَتِهِ يُرِيدُ بها السُّوقَ. وأمَّا مَن قَصَدتَه(٥) إلى مَوضِعِه فَلَم
تَتَلَقَّه(٦). انتَھَى.
الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((لَا تَلَقَّوا الرُّكَبَانَ)). خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ في أنَّ
الجَالِبِينَ (٧) لِلمَتَاعِ يَكُونُونَ جَمَاعَةً رُكبَانًا، فَلَو كَانُوا مُشَاةً أو كَانَ الجَالِبُ
لِلمَتَاعِ(٨) واحِدًا رَاكِبًا كَانَ أو مَاشِيًّا كَانَ الحُكمُ كَذلك، ومَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ
لَا مَفهومَ لَه.
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: فيه تَحْرِيمُ البَيعِ عَلى بَيعِ أخِيه، وهو أن يَقُولَ لِمَن
اشتَرَى سِلعَةً في زَمَنِ خِيَارِ المَجلِسِ أو الشَّرطِ: افسَخ (٩)، لِأبِيعَك خَيرًا منه أو
أرخَصَ، وهو مُجمَعٌ عَلَيه.
■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: وفي مَعنَاه الشِّرَاءُ عَلى شِرَاءِ أخِيه: وهو أن يَقُولَ
لِلبَائِعِ في زَمَنِ الخِيَارِ: افسَخ، لِأَشتَرِيَ منك بِأكثَرَ، وهو مَجمَعٌ عَلى مَنعِه
(١) في (ش): ((تثبت).
التمهيد (١٨٦/١٨).
(٣)
(٥)
في (ش): ((قصد به)).
في (ش): ((الحالتين)).
(٧)
(٩) في (ش): ((افسخ البيع)).
(٢) في (ش): ((من موضعه)).
(٤) ليست في (ش).
(٦) في (ش): ((يتلقه)).
(٨) ليس في: (ش).

كِتَابُ البُيُوعِ
٥٥
=
أيضًا. وذَهَبَ ابنُ حَبِيبٍ من المَالِكِيَّةِ، وأبو عُبَيْدَةَ مَعمَرُ بنُ المُثَنَّى، وأبو عُبَيْدِ
القَاسِمُ بنُ سَلَّامِ، وأبو زَيدِ الأنصَارِيُّ إلى حَملِ البَيعِ عَلى بَيعِ أخِيه على(١)
الشِّرَاءِ عَلى شِرَاءِ أخِيه؛ لِأَنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِعت، بِمَعنَى اشتَرَيتَ. قَالُوا: لِأَنَّه
لَا (٢) يَبِيعُ أحَدٌ عَلى بَيعِ أحَدٍ في العَادَةِ. ومَا أدرِي أيُّ مُوجِبٍ لِصَرفِ اللفظِ
عن ظَاهِرِه؟ والاستِعمَالُ الَّذِي ذَكَرُوه(٣) في تَسمِيَةِ الشِّرَاءِ بَيعًا، وإن كَانَ
صَحِيحًا، ولَكِن عَكِسُه أشهَرُ منه. وقَد (٦/ ٧٠م) رَدَّ ذلك ابنُ عَبدِ الْبَرِّ(٤). وكَونُ
البَيعِ عَلى البَيعِ لَا يَغْلِبُ وُقُوعُه مَرُدُودٌ، وبِتَقدِيرٍ ذلك فَهَذَا لَا يَقتَضِي أَنَّه لَا
يُنھَى(٥) عنه.
] السَّابِعَةَ عَشرَ: وفي مَعنَاه أيضًا السَّومُ عَلى سَومِ أخِيه، وقَد ورَدَ النَّهيُ
عنه عَلى انفِرَادِه في ((الصَّحِيحَينِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَوقَّفَ الشَّافِعِيُّ(٦) في ثُبُوتِه، فقال:
إِن كَانَ ثَابِتًا، ولَستُ أحفَظُه ثَابِتًا. قال البَيهَقِيُّ(٧): قَد ثَبَتَ من أوجُهٍ. وبَسَطَ
ذلك، ثم قال: وهَذَا حَدِيثٌ واحِدٌ واختَلَفَ الرُّواةُ فِي لَفِظِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي رَواه عَلى
أحَدِ هَذِه الألفَاظِ الثَّلَاثَةِ من البَيعِ والسَّومِ والاستيامِ لَم يَذكُر معه شَيئًا من
اللفظَتَينِ الأخِيرَتَينِ(٨)، إلَّا في رِوايَةٍ شَادَّةٍ ذَكَرَها مسلمٌ(٩) عن عَمروِ النَّاقِدِ، عن
سُفْيَانَ، عن الزّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبِي هرَيرَةَ: ذَكَرَ فيها لَفظَ البَيعِ والسَّومِ
جَمِيعًا، وأكثَرُ الرُّواةِ لَم يَذْكُرُوا عن ابنِ عُيَينَةَ فيه لَفظَ ((السَّوم)). فَإِمَّا أَن يَكُونَ
مَعنَى مَا رَواه ابنُ المُسَيِّبِ عن أبِي هَرَيْرَةَ مَا فَسَّرَه غَيرُه من السَّومِ والاستيامِ، وإمَّا
أن تُرَجَّحَ(١٠) رِوايَةُ ابنٍ (١١) المُسَيِّبِ عَلى رِوايَةٍ غَيرِهِ، فَإِنَّه أحفَظُهم وأفقَههم،
(١) في (م): ((و)).
في الأصل، (ش): (ذكر)).
(٣)
(٥)
في (ش): ((نھی)).
السنن الكبرى (٣٤٥/٥).
في (ح): ((الأخيرين))، وفي (ش): ((الأخرتين)).
(٨)
(٩) مسلم (٥١/١٤١٣).
(١٠) في (ح، ش): (يرجح)).
(١١) ليست في (ح).
(٢) ليس في: (ش).
(٤) ينظر: التمهيد (١٩٢/١٨، ١٩٣).
(٦) الرسالة (ص٣١٥).
(٧)

5
٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومعه من أصحَابٍ أَبِي هرَيْرَةَ: عَبدُ الرَّحمَنِ الأعرَجُ، وأبو سَعِيدٍ مَولى عَامِرٍ بنٍ
كُرَیزٍ، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ يَعقُوبَ - في بَعضِ الرِّوايَاتِ عن العَلَاءِ عنه، وبِأنَّ رِوايَتَه
تُوافِقُ رِوايَةَ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ عن النبيِّ بَّهِ. انتَهَى. وهَذَا مَعنَى قَولِ الشَّيخ ◌َُّ
في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)) من الأحكامِ: زَادَ مسلمٌ في رِوايَةٍ: ((وَلَا يَسُمِ الرَّجُلُ عَلى
سَومٍ أخِيه)). وقال البَيْهَِيُّ: إنَّهَا شَاذَّةٌ. انتَهَى.
فَيُقَالُ: قَد تَقَدَّمَ أنَّ رِوايَةَ السَّومِ في ((الصَّحِيحَينِ))، فَكَيفَ عَزَاها لِمسلم
خَاصَّةً، وكَيفَ حَكَى عن البَيْهَقِيّ شُذُوذَّها، مع أنَّه قال: إنَّها ثَابِتَةٌ؟
وجَوابُه: أنَّ الَّذِي انفَرَدَ به مسلمٌ، وقال البَيْهَقِيُّ: إنَّه شَاذٌّ. زِيَادَةُ السَّومِ مع
ذِكرِ البَيعِ. وأمَّا ذِكرُ السَّوم وحدَه، فَهو الَّذِي في ((الصَّحِيحَينِ))، وحَكَمَ البَيْهَقِيُّ
بِثُبُوتِه. والله أعلمُ.
والسَّومُ عَلى السَّومِ: هو أن يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشتَرِيَه(١)، فَيَجِيءَ إلَيه غَيْرُه، ويَقُولَ:
رُدَّه حَتَّى أبِيعَك خَيرًا منه بهذا الثَّمَنِ. أو يَقُولَ لِمَالِكِه: استَرَدَّه لِأَشْتَرِيَه منك بِأكثَرَ
مِن هَذَا الثَّمَنِ. وحَمَلَ مَالِكٌ تَظْتُ النَّهيَ عن البَيعِ عَلى بَيعِ أخِيه عَلَى السَّومِ.
وقَد ظَهَرَ بذلك في تَفسِيرِ البَيعِ عَلى بَيعِ أخِيه ثَلَاثَةُ أقوالٍ؛ والسَّومُ عَلى
السَّومِ مُتَّفَقٌ عَلى مَنعِه إذَا كَانَ بَعدَ استِقِرَارِ الثَّمَنِ ورُكُونِ أحَدِهمَا إلى الآخَرِ،
وإنَّمَا يَحِرُمُ ذلك إذَا حَصَلَ التَّرَاضِي صَرِيحًا، فَإِن لَم يُصَرِّحِ، ولَكِن جَرَى (٧١/٦م)
مَا يَدُلُّ عَلى الرِّضَى [٨٣/٢ظ]، فَفي التَّحرِيم وجهانِ: أصَخُهمَا لَا يَحْرُمُ، فَإِن لَم
يَجْرِ شَيءٌ بَل سَكَتَ، فَالمَذهَبُ الَّذِي عَلَيه الأكْثَرُونَ: أَنَّه لَا يَحرُمُ، كَمَا لَو صَرَّحَ
بِالرَّدِّ، وقِيلَ: هو عَلى الوجهَينِ المُتَقَدِّمِينَ.
وأمَّا السَّومُ في السِّلعَةِ الَّتي تُبَاعُ فيمَن يَزِيدُ: فَلَيسَ بِحَرَامٍ. وقال مَالِكٌ،
والشَّافِعِيُّ، والجُمهورُ بِجَوازٍ. البَيعِ والشِّرَاءِ فيمَن يَزِيدُ، وكَرِهَهَ بَعضُ السَّلَفِ.
ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) الإجمَاعَ عَلَى الجَوازِ. ونَقَلَ ابنُ حَزِمِ (٣) اشتِرَاطَ الرُّكُونِ(٤)
(١) في (م): «ليشتري به)).
(٣) المحلى (٤٤٨/٨).
(٢) التمهيد (١٩١/١٨).
(٤) في (ش): ((الركوب)).

كِتَابُ البُيُّوعِ
٥٧
=
في ذلك عن مَالِكٍ، ثم قال: وهَذَا تَفْسِيرٌ لَا يَدُلُّ عَلَيه لَفظُ (١) الحديثِ.
■ الثَّامنةَ عَشرَ (٢): قال القَاضِي ابنُ كَجِّ من الشَّافِعِيَّةِ: شَرطُ تَحرِيمِ البَيعِ
عَلى بَيعِ أخِيه أن لَا يَكُونَ المُشتَرِي مَغبونًا غَبِنًا مُفرِطًا، فَإِن كَانَ(٣)، فَلَه أنَ يُعَرِّفَه
ويَبِيعَ عَلى بَيْعِه؛ لِأنَّ ضَربٌ من النَّصِيحَةِ.
وقال النَّووِيُّ(٤): هَذَا الشَّرطُ انفَرَدَ به ابنُ كَجِّ، وهو خِلَافُ ظَاهرِ إطلاقٍ
الحديثِ، والمُختَارُ: أنَّه لَيسَ بِشَرطِ. والله أعلَمُ. ووافَقَه ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ(٥)،
فقال: وأمَّا مَن رَأى المُسَاوِمَ أو البَائِعَ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلى القِيمَةِ، لَكِن يُرِيدُ غَبنَ
صَاحِبِه بِغَيرٍ عِلمِهِ، فَهَذَا فَرِضٌ عَلَيهِ نَصِيحَةَ المسلمِ، فَقَد خَرَجَ عن هَذَا الَّهي
بِقَولِ رَسُولِ اللهِ وَِّ: ((الدَّينُ النَّصِيحَةُ))(٦).
■ التَّاسِعَةَ عَشْرَ (٧): مَحَلُّ التَّحْرِيمِ مَا لَم يَأْذَن البَائِعُ في البَيعِ عَلى بَيعِهِ،
فَإِن أذِنَ في ذلك ارتَفَعَ التَّحرِيمُ، عَلى الصَّحِيحِ عِندَ أصحَابِنَا، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ
بذلك في قَولِه في الحديثِ الصَّحِيحِ: ((إلَّا أن يَأْذَنَ لَه))(٨).
■ العِشرُونَ: ظَاهرُ قَولِه: ((عَلی بیع أخِبه)) اختِصَاصُ ذلك بِالمسلم،
لَكِنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّ لَا فَرقَ بَينَ المسلم والذِّمِّيِّ. وقال أبو عُبَيدِ بنُ حَربَويه(٩):
يَختَصُّ ذلك بِالمسلم. والصَّحِيحُ(١٠) خِلَافُه؛ لِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ
(١) ليست في (ح).
(٢) في (م): ((عشرة).
(٣) هنا نهاية الخرم في (ك٢)، والذي بدأ في أثناء الفائدة الحادية عشر.
(٤)
روضة الطالبين (٧٧/٣).
(٥) المحلى (٤٤٨/٨).
أخرجه مسلم (٩٥/٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٤٢٠٨)، وعلقه البخاري،
(٦)
كتاب الإيمان، باب (٤٣).
(٧)
في (م): ((عشرة)).
(٨) مسلم (١٤١٢).
ابن حربويه: علي بن الحسين بن حرب البغدادي، القاضي، العلامة، المحدث، الثبت،
(٩)
قاضي القضاة، حدث عنه النسائي، وأثنى عليه الدارقطني، ولي قضاء مصر، كان عالمًا
بالاختلاف والمعاني والقياس، عارفًا بعلم القرآن والحديث، فصيحًا، عاقلًا، قوالًا
بالحق، وكان من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، توفي سنة (٣١٩هـ). سير
أعلام النبلاء (٥٣٦/١٤).
(١٠) في (ح): ((ولكن الصحيح)).

=
٥٨
22
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَلَا (١) مَفهومَ لَه. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): أجمع الفُقَهاءُ عَلى أنَّه لَا يَجُوزُ دُخُولُ
المسلمِ عَلى الذِّمِّيِّ في سَومِه(٣)، إلَّا الأوزَاعِيَّ وحدَه، فَإِنَّه قال: لَا بَأسَ به.
والله أعلم.
■ الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: لَو ارتَكَبَ المَنهيَّ في هَذَا وعَقَدَ، فَهو آئِمٌّ
بذلك، والبَيعُ صَحِيحٌ، لِعَدَمِ اختِلَالِ (٤) الأركَانِ والشُّرُوطِ، والنَّهيُ عن سَبَبِ ذلك
لِأَذَى غَيرِهِ، ولَا يَرجِعُ ذلك إلى العَقدِ، وبهذا(٥) قال الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةَ
والجُمهورُ. وقال دَاوُد وابنُ حَزم الظَّاهِرِيَّانِ(٦): لَا يَنعَقِدُ. وعن مَالِكٍ ڕِوايَتَانِ
كَالمَذْهَبَينِ، وجَزَمَ ابنُ خُويزِ مَندَادٍ وابنُ عَبدِ البَرِّ(٧) عن مَالِكِ بِالْبُطلَانِ، وأنكَرَ
ابنُ المَاحِشُونِ: أن يَكُونَ مَالِكٌ قاله في البيع، وقال: إنَّمَا قاله في الخِطبَةِ. وهمَا
وجهانِ عِندَ الحَنَابِلَةِ(٨). (٧٢/٦م)
■ الثّانيةُ(٩) والعِشرُونَ: قَدْ يَدخُلُ في السَّومِ عَلى سَوم أخِيه الإِجَارَةُ
أيضًا، فَإِنَّ المَنَافِعَ كَالأعْيَانِ في أنَّها (١٠) تُقْصَدُ ويُعقَدُ عَلَّيها، وقَد تَدخُلُ(١١) أيضًا
في البَيعِ عَلى البَيعِ، تَفرِيعًا عَلى ثُبُوتِ الخِيَارِ فيها، وهو وجهٌ عِندَنَا، وإِن كَانَ
المَشهورُ خِلَافَه، وذلك لِأَنَّ الإِجَارَةَ بَيْعٌ في اللغَةِ، وإن اختَصَّت بِاسمِ.
■ الثَّالِثَةُ(١٢) والعِشرُونَ: وكَذلك السَّلَمُ، قَدْ يَدْخُلُ في السَّومِ عَلى
السَّوم، بِأن يَتَّفِقَ شَخصٌ مع آخَرَ عَلى السَّلَمِ لَه في غَلَّةٍ بِسِعرٍ (١٣) كَذَا، وَتَحصُلُ
الإِجَابَةُ صَرِيحًا، فَيَقُولُ شَخصٌّ لِلمسلم: عِندِي خَيرٌ من هَذِهِ الغَلَّةِ أو مِثلُها
بِأَنقَصَ (١٤) من هَذَا السِّعرِ. أو يَقُولُ لِمُسَلَم (١٥) إلَيه: أنَا أُعطِيك أزيَدَ من رَأسِ
(١) في الأصل: (ولا)).
(٣) في الأصل: ((سوقه)).
(٥) في (م) والأصل: ((وبذلك)).
(٧) التمهيد (١٩١/١٨).
(٩) في الأصل: ((الثالثة)).
(١١) في (ح، ش): ((يدخل)).
(١٣) في (ح): ((سعر)).
(١٥) في (ح، ك٢): ((للمسلم إليه)).
(٢) التمهيد (٣١٨/١٣).
(٤) في الأصل: ((اختلاف)).
(٦) المحلى (٤٤٧/٨).
(٨) المغني (٣٠٨/٦).
(١٠) في (ك٢): «فإنها)).
(١٢) فى الأصل: ((الرابعة)).
(١٤) في (ك٢): ((ناقص)).

=
كحر
٥٩
كِتَابُ البُيُّوعِ
المَالِ الَّذِي يَدِفَعُه المسلمُ. وقَد يُقَالُ: لَا يَلْتَحِقُ السَّلَمُ في ذلك بِالبَيعِ لِتَعَلَّقِ البَيعِ
بِالأعيَانِ؛ وأمَّا السَّلَمُ لَمَّا كَانَ بَيعًا في الذِّمَّةِ، لَم يَكُنْ بَينَ العَقدَينِ تَنَافٍ، فَقَد
يَعقِدُ كُلٌّ منهمَا، لَكِن مَتَّى تَمَكَّنَ المُسلَمُ إلَيه من عَقدِ السَّلَمِ بِرَأْسِ مَالٍ كَثِيرٍ، لَا
يَعقِدُه بِرَأسِ مَالٍ قَلِيلٍ في العَادَةِ، فَيَحصُلُ حِينَئِذِ الضَّرَرُ، وهَذَا أرجَحُ. والله
أعلَمُ.
■ الرَّابِعَةُ(١) والعِشرُونَ: فيه النَّهِيُّ عن بَيعِ الحَاضِرِ لِلبَادِي، وهو
مَحمُولٌ عَلى التَّحرِيمِ عِندَ مَالِكِ والشَّافِعِيِّ وأحمَدَ والأكثَرِينَ(٢)، وحَمَلَه بَعضُهم
عَلى كَرَاهَةِ الثَّنزِيهِ، وذَهَبَت طَائِفَةٌ إلى جَوازِهِ، لحديثِ [٨٤/٢و]: ((الدَّينُ
الَّصِيحَةُ)(٣). وقَالُوا: حَدِيثُ النَّهيِ عن بَيْعِ الحَاضِرِ لِلبَادِي مَنسُوخٌ. وحُكِيَ ذلك
عن عَطَاءٍ، ومُجَاهدٍ، وأبِي حَنيفَة؛ ورَدَّه الجُمهورُ: بِأنَّ النَّهِيَ الَّذِي هنَا خَاصٍّ،
فَيُقَدَّمُ عَلى عُمُومِ الأمرِ بِالنَّصِيحَةِ، ويَكُونُ هَذَا (٤) كَالمُستَثَنَى منها. قال النَّووِيُّ(٥):
والصَّحِيحُ الأولُ، ولا يُقبَلُ النَّسُ ولَا كَرَاهَةُ تَنزِيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعوى. قال القَفَّالُ
من الشَّافِعِيَّةِ: والإثمُ عَلَى البَلَدِيِّ دُونَ البَدوِيِّ.
■ الخَامِسَةُ(٦) والعِشرُونَ: فَسَّرَ أصحَابُنَا بَيعَ الحَاضِرِ لِلبَادِي بِأن يَقدُمَ
إلى البَلَدِ (٧) بَلَدِيٌّ أو قَرَوِيٌّ بِسِلعَةٍ يُرِيدُ بَيْعُها بِسِعرِ الوقتِ لِيَرجِعَ إلى وطَنِهِ، فَيَأتيه
بَلَدِيٌّ، فَيَقُولُ: ضَع مَتَاعَك عِندِي لِأبِيعَه عَلى التَّدرِيجِ بِأغلى من هَذَا السِّعرِ. فَلَم
يُقيدوا (٨) الحُكمَ بِالْبَادِي، وجَعَلُوه مَنُوطًا بِمَن لَيْسَ من أهلِ البَلَدِ، سَواءٌ كَانَ بَادِيًا
أو حَاضِرًا؛ لِأَنَّ المَعنَى في إضرَارِ أهلِ (٩) البَلَدِ يَتَنَاولُ الصُّورَتَينِ، وذِكرُ البَادِي
مِثَالٌ لَا قَيدٌ، وجَعَلَه مَالِكٌ قَيدًا، فَحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ (١٠) أنَّه قِيلَ لَه: مَن أهلُ
في الأصل: ((الخامسة)).
(١)
سبق تخريجه في الفائدة الثامنة عشر.
(٣)
(٥)
شرح صحيح مسلم (١٦٥/١٠)، ويوجد سقط في المطبوع منه.
(٦)
في الأصل: ((السادسة)).
(٨) في (م): ((يعتدوا)).
(١٠) الاستذكار (٥٢٨/٦).
(٢) المغني (٣٠٩/٦).
(٤) في (ك٢): ((ذلك)).
(٧) ليس في: (ش).
(٩) ليست في (ك٢).

=
٦٠
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
البَادِيَةِ؟ قال: أهلُ العَمُودِ (١). قِيلَ لَه: القُرَى المَسكُونَةُ الَّتِي لَا يُفَارِقُها (٧٣/٦م)
أهلُها في نَواحِي المَدِينَةِ يَقْدُمُ بَعضُهم بِالسِّلَعِ فَيَبِيعُها لَهم أهلُ المَدِينَةِ؟ قال: نَعَم،
إِنَّمَا مَعنَى الحديثِ أهلُ العَمُودِ.
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ أيضًا عن مَالِكِ أنَّه قال: تَفسِيرُ ذلك أهلُ البَادِيَةِ وأهلُ
القُرَى، فَأمَّا أهلُ المَدَائِنِ من أهلِ الرِّيفِ، فَإِنَّه لَيسَ بِالبَيْعِ لَهم بَأسٌ مِمَّن يَرَى أنَّه
يَعرِفُ السَّومَ إلَّا مَن كَانَ منهم يُشبه أهلَ البَادِيَةِ، فَإِني لَا أُحِبُّ أن يَبِيعَ لَهم
حَاضِرٌ. قال: وبه قال ابنُ حَبِيبٍ. قال: والبَادِي الذِي لَا يَبِيعُ لَهم الحَاضِرُ هم
أهلُ العَمُودِ، وأهلُ البَوادِي والبَرَارِي مِثلُ الأعرَابِ.
قال: وجَاءَ النَّهيُ في ذلك إرَادَةَ أن يُصِيبَ النَّاسُ غيرهم (٢)، ثم ذَكَرَ حَدِيثَ
جَابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ بَّه قال: ((لَا يَبْعِ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بَعضَهم
من بَعضٍ)). وقَد أخرَجَه مسلمٌ وغَيرُه(٣).
قال: فَأمَّا أهلُ القُرَى الَّذِينَ يَعرِفُونَ أثمَانَ سِلعَتِهِم وأسواقَها - فَلَم يُعنَوا
بهذَا الحديثِ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ أيضًا عن ابنِ القَاسِمِ أنَّه قال: ثم قال؛
يَعني: مَالِكًا، بَعدَ ذلك: ولَا يَبِيعُ مِصرِيٌّ لِمَدَني (٤) ولَا مَدَني لِمِصرِيٌّ(٥)، ولَكِن
يُشِيرُ عَلَيه. وحَكَى ابنُ الحَاجِبِ في ((مُختَصَرِه)) (٦) الخِلَافَ في ذلك عن مَالِكِ،
فقال: وفي ((المُوطًّا)) يَحمِلُهُ(٧) عَلى أهلِ العَمُودِ لِجَهلِهِم بِالأسعَارِ، وقِيلَ بِعُمُومِهِ،
لِقَولِه: ((و(٨) لَا يَبِيعُ مَدَني لِمِصرِيٍّ، ولَا مِصرِيٌّ لِمَدَني)).
السَّادِسَةُ(٩) والعِشرُونَ: قال أصحَابُنَا (١٠): إنَّمَا يَحرُمُ بِشُرُوطٍ:
(١) أي: الخيام.
(٣) مسلم (٢٠/١٥٢٢)، وأبو داود (٣٤٤٣)، والترمذي (١٢٢٣)، والنسائي (٤٥٠٧)،
وابن ماجه (٢١٧٦).
(٤)
في (ش): ((مدني)).
جامع الأمهات (ص٣٤٩، ٣٥٠).
(٦)
(٨) ليس في: (ح، ش).
(١٠) ينظر: روضة الطالبين (٧٥/٣).
(٢) في (م): ((ثمرتهم)).
(٥) في (ش): ((مصري)).
(٧) في (ش): ((محمله)).
(٩) في الأصل: ((السابعة)).