Indexed OCR Text

Pages 541-560

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ
٥٤١
فَإِن(١) كَانَتِ هَذِهِ العِبَارَةُ لَيسَتِ صَرِيحَةً في إِيجَابِ ابنِ عُمَرَ فِديَةً بِتَركِه،
فَهِيَ صَرِيحَةٌ في أنَّ ابنَ عُمَرَ زَادَ عَلى غَيرِهِ من أهلِ العِلمِ في استِحِبَابِهِ زِيَادَةً لَم
يَقُولُوا بِها، فَيُعَدُّ حِينَئِذٍ مَذْهَبًا غَيرَ مَا تَقدمَ.
الرَّابِعَةُ: فيه استِحِبَابُ الصَّلاةِ في المَوضِعِ المَذكُورِ، وقد تَقْدمَ عن
إسمَاعِيلَ القَاضِي أَنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي فيه نَافِلَةً، لَكِن من
ضَرُورَةِ المَبيتِ بِه أن(٢) يُصَلِّي فيه فَرِيضَةً، وتَقدمَ قَولُ مَالِكٍ: لا يَنبَغِي لِأحَدٍ
مُجَاوزَتُه حَتَّى يُصَلِّيَ فيه. واستِحِبَابُ الشَّافِعِيِّ(٣) لَه، وقَولُ أبي حَنِيفَةَ: إن أحَبَّ
أن يُعَرِّسَ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ فَعَلَ.
· الخَامِسَةُ: لَو مَرَّ بِه في وقتٍ كَرَاهَةِ الصَّلاةِ، لَم أرَ لأصحَابِنَا
تَعَرُّضًا لَه، ومُقتَضَى كَلامِهم: أنَّه يَستَمِرُّ اسْتِحبَابُ الصَّلاةِ فيه؛ لأنها صَلاةٌ
ذَاتُ سَبَبٍ، إلَّا أن يَقصِدَ المَجِيءَ في وقتِ الكَرَاهَةِ لِيُصَلِّيَ فيه، كَمَا قَالُوه في
دَاخِلِ المَسجِدِ: يُستَحَبُّ (٤) لَه فِعلُ التَّحِيَّةِ، ولَو كَانَ في وقتِ الكَرَاهَةِ، إلا أن
يَدخُلَ بِقَصدِ فِعلِ التَّحِيَّةِ، فَلا يَفعَلُها، عَلى أَقَيَسِ الوجهَينِ، وقد يُقَالُ: لَيسَ
هَذَا كَتَحِيَّةِ المَسجِدِ؛ لأن السُّنَّةَ في تِلكَ فِعلُها قَبلَ الجُلُوسِ، فَلأجلِ المُبَادَرَةِ
إِلَيها اغتُفِرَ فِعلُها وقتَ الكَرَاهَةِ، وأمَّا هَذِهِ الصَّلاةُ، فَلَيسَ من سُنَّتِها المُبَادَرَةُ
إِلَيها، بَل القَصدُ أن يُصَلِّيَ في ذلك المَوضِعِ قَبلَ ارتِحَالِهِ، ولَو بَعدَ زَمَنٍ
طَوِيلٍ، وتَقدمَ قَولُ مَالِكٍ: مَن مَرَّ بِه في غَيرِ وقتٍ صَلاةٍ فَلَيَقُم حَتَّى تَحِلَّ
الصَّلاةُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ مَا بَدَا لَه. وهَذَا عَلى قَاعِدَتِه في طَرَدِ الكَرَاهَةِ، ولَو في
ذَاتِ السَّبَبِ، ويَحتَمِلُ: أَنَّه أرَادَ في غَيرٍ وقتِ صَلاةٍ مَفرُوضَةٍ، وأنَّ قَولَه:
حَتَّى تَحِلَّ الصَّلاةُ؛ أي: المَفرُوضَةُ، ومُرَادُه دُخُولُ وقتِها، لَكِن يَرُدُّه قَولُه: مَا
بَدَا لَه. فَالظّاهرُ من هَذِهِ الصِّيغَةِ النَّافِلَةُ، وتَقدمَ قَولُ إسمَاعِيلَ القَاضِي: أنَّه،
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي فيه نَافِلَةً.
(١) في (ك): ((وإن)).
(٣) ليست في: الأصل.
(٢) في (م): ((أنه)).
(٤) في الأصل: (ويستحب)).

٥٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] السَّادِسَةُ: في رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، زِيَادَةُ المَبيتِ بِها إلى
الصَّبَاحِ، والأخذُ بِالزِّيَادَةِ لازِمٌ، ومُقْتَضَى مَا قَالُوه في مّبيتِ المُزدَلِفَةِ: حُصُولُ
الفَصدِ بِالمَبيتِ بِها نِصفَ الليلِ، لَكِن إِن كَانَ المَعنَى: أَلَّا يَطِرُقَ أهلَه لَيلًا،
اقتَضَى ذلك الاستِمرَارَ إلى الصَّبَاحِ، لِثَلا يَقَعَ في هَذَا المَحذُورِ، ويَدُلُّ لِذلك
قَولُه: ((وبَاتَ حَتَّى يُصبحَ)).
السَّابِعَةُ: قد يُقَالُ: مُقتَضَى قَولِه في رِوايَةٍ مُوسَى بنِ عُقَبَةَ: ((إِذَا
صَدَرَ عن الحَجِّ أو العُمرَةِ))، التَّقِيدُ بِذلك، (١٨٣/٥م) ومُقتَضَى المَعنَى عَدَمُ
التَّقِيدِ، واستِحبَابُ [٥٢/٢و] الصَّلاةِ بِها، والمَبيتُ لِكُلِّ مَارِّ بِها، وإن لَم يَكُن
صَادِرًا من حَجِّ ولا عُمرَةٍ، وعَدَمُ التَّقِيدِ هو الصَّوابُ، وبِهِ جَزَمَ النَّوِيُّ في
(شَرحِ مسلم (١)) في تَبَوِيِه(٢) ويَدُلُّ لَه مَا صَحَّ من شَرَفِ البُقْعَةِ، وأنَّها مُبَارَكَةٌ،
وأمَّا التَّقِيدُّ في تِلكَ الرِّوايَةِ، فَإِنَّمَا هو لِفِعلِ ابنِ عُمَرَ، ولَم يَكُن ابنُ عُمَرَ يَمُرُّ
عَلَيها إلا في حَجِّ أو عُمرَةٍ، ولَم يَبْقَ بَعدَ الفَتحِ غَزوٌ من تِلكَ الجِهَةِ؛ لأنَّها
صَارَت كُلُّها دَارَ إسلامٍ(٣).
فَإِن قُلتَ: فَلِمَ (٤) خَصَّ ذلك بِصُدُورِهِ ورُجُوعِه من الحَجِّ أو العُمرَةِ، ولِمَ لا
كَانَ يَفْعَلُ ذلك في المُضِيِّ إِلَيْهمَا؟
قُلتُ: لأَنَّه (٥لم يكن٥) في المُضِيِّ إلَيهمَا يَمُرُّ من تِلكَ الطَّرِيقِ، وإِنَّمَا كَانَ
يَخرُجُ من طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، لِلانِّبَاعِ، كَمَا تَقدمَ، ويَنبَغِي أن يُقالُ: لَو مَرَّ بِالمُعَرَّسِ
فِي ذَهابِهِ إلى مَكَّةَ استُحِبَّ لَه الصَّلاةُ بِهِ. واللهُ أعلمُ.
(١) ليست في: الأصل.
(٢) قال النووي: ((باب استحباب النزول ببطحاء ذي الحليفة، والصلاة بها))، شرح صحيح
مسلم (١١٤/٩).
(٣) في (م): ((سلام)).
(٤) ليست في: (ك).
(٥ - ٥) ليست في: الأصل، (م)، وفي (ك): ((لم يمكن)).

بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ
٥٤٣
=
الحَدِيثُ الثَّالِثُ
فجّ و(١) عنه: ((أنَّ رسولَ الله ◌َّهَ كَانَ إذَا قَفَلَ من غَزوٍ، أو حَجِّ، أو
عُمرَةٍ يُكَبِّرُ عَلى كُلِّ شَرَفٍ من الأرضِ ثَلاثَ تَكبيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ((لا إلَهَ
إلا اللهُ، وحدَه لا شَرِيكَ لَه، لَه المُلكُ، ولَه الحَمدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيءٍ
قديرٌ؛ آيبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وعدَه،
ونَصَرَ عَبدَه، وهَزَمَ الأحزَابَ وحدَه)) .
فيه فوائدُ :
الأُولى: أخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ، (١٨٤/٥م) وأَبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٢)
من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ.
وأخرَجَه مسلمٌ، والتّرمِذِيُّ (٣) من طَرِيقِ أَيُّوبَ السَّختيانِيُّ.
ومسلمٌ، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ.
ومسلمٌ(٥) وحدَه من طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بنِ عُثمَانَ. كُلُّهم عن نَافِعِ، عن ابنِ
عُمَرَ، ولَفظُ عُبَيدِ الله (٦): (كَانَ إذَا قَفَلَ من الجُيُوشِ أو السَّرَايَا أوَ الحَجِّ أو
العُمَرَةِ، إذَا أوفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أو فَدَفَدٍ؛ كَبَّرَ ثَلَاثًا)). والبَاقِي مِثْلُه، وفي حَدِيثِ أَيُّوبَ
عِندَ مسلم: التَّكبيرُ مَرَّتَينٍ، وفي رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ: ثَلاثًا، وقَال (٧) بَدَّلَ «سَاجِدُونَ)):
((سَائِحُونَ)) .
(١) في الأصل: ((عنه)).
(٢) البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤)، وأبو داود (٢٧٧٠)، والنسائي في الكبرى
(٨٧٧٣).
(٣) مسلم (١٣٤٤)، والترمذي (٩٥٠).
(٤)
مسلم (٤٢٨/١٣٤٤)، والنسائي في الكبرى (٤٢٤٣).
(٥)
مسلم (١٣٤٤).
(٧) في (م): ((قد)).
(٦) في (ك): ((عبد الله)).

كم
٥٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((كَانَ إذَا قَفَلَ))؛ أي: رَجَعَ، والقُفُولُ: الرُّجُوعُ من
السَّفَرِ، ويُقَالُ في المُضَارِعِ: ((يَقفُلُ))(١) بِالضَّمِّ، ولا يُستَعمَلُ القُفُولُ في ابتِدَاءِ
السَّفَرِ، وإنَّمَا سُمِّيَ المُسَافِرُونَ: ((قَافِلَةً))؛ تَفَاؤُلًا لَهم بِالقُفُولِ والسَّلامَةِ، عَلى أنَّ
الجَوهَرِيَّ قال(٢): إنَّ القَافِلَةَ هيَ الرُّفقَةُ الرَّاجِعَةُ من السَّفَرِ. وقال العُتبي(٣):
لا يُقَالُ لَهم في مَبدَئِهم: قَافِلَةٌ. و((الشَّرَفُ)) بِفَتحِ الشِّينِ المُعجَمَةِ (٤) والرَّاءِ
المُهمَلَةِ: المَكَانُ المُرتَفِعُ.
وأمَّا ((الفَدَفَدُ)) المَذكُورُ في الرِّوايَةِ الأُخرَى، فَهو بِتَكرِيرِ الفَاءِ المَفْتُوحَةِ والدَّالِ
المُهمَلَةِ. واختُلِفَ في مَعنَاه، فَقِيلَ: هو المَكَانُ الذِي فيه ارتِفَاعٌ وغِلَظٌ، رَجَّحَه النَّووِيُّ
وغَيرُهُ(٥)، وقِيلَ: الأرضُ المُستَوِيَةُ. قاله الجَوهَرِيُّ(٦) وقِيلَ: الفَلاةُ التي لا شَيءَ
فيها. صَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ ((المَشَارِقِ))(٧) كَلَامَه، وقِيلَ: غَلِيظُ الأرضِ ذَاتُ الحَصَى.
وقَولُه: ((آيِبُونَ))؛ أي: رَاجِعُونَ، يُقَالُ: آبَ من سَفَرِهِ، إذَا رَجَعَ منه.
و((الأحزَابُ)) المُرَادُ بِهِم هنا: الكُفَّارُ الذِينَ اجتَمَعُوا يَومَ الخَندَقِ، وتَحَزَّبُوا عَلى
رسولِ اللهِ وٌَّ فَأرسَلَ الله تَعَالَى عَلَيهِم رِيحًا وجُنُودًا لَم يَرَوها(٨)، قال النَّووِيُّ(٩):
هَذَا هو المَشهورُ، أنَّ المُرَادَ بِالأحزَابِ يَومُ الخَندَقِ. قال القَاضِي(١٠): وقِيلَ:
يَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ أحزَابُ الكُفرِ في جَمِيعِ الأيَّامِ والمَواطِنِ. انتَهَى.
ويُؤَيِّدُ الثَّانِيَ قَولُ الجَوهَرِيِّ(١١): الأحزَابُ: الطّوائِفُ التي تَجتَمِعُ عَلى
مُحَارَبَةِ الأنبياءِ
الثَّالِثَةُ: فيه استِحِبَابُ الإتيَانِ بِهَذَا الذِّكرِ في القُفُولِ من سَفَرِ الغَزوِ
والحَجِّ والعُمرَةِ، وهَل يَختَصُّ ذلك بِهَذِه الأسفَارِ، أو يَتَعَدَّى إلى كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ؛
(١) في (ح): ((تقفل)).
(٣) في (م): ((العقبي)).
(٥)
شرح صحيح مسلم (١١٣/٩)، والمازري في المعلم (٣٧٢/١).
الصحاح (٥١٨/٢).
(٦)
(٨) في (ك، ح): ((تروها)).
(١٠) إكمال المعلم (٤ / ٤٥٤).
(٢) الصحاح (١٨٠٣/٥).
(٤) ليست في: (ح).
(٧) مشارق الأنوار (١٤٩/٢).
(٩) شرح صحيح مسلم (٩/ ١١٣).
(١١) الصحاح (١٠٩/١).

=
کے
٥٤٥
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ
كالرِّبَاطِ، وطَلَبِ العِلم، وصِلَةِ الرَّحِم، أو يَتَعَدَّى إلى السَّفَرِ المُبَاحِ أيضًا؛
كالتّزْهَةِ(١)، أو يَستَمِرُّ فِي كُلِّ سَفَرٍ، ولَو كَانَ مُحَرَّمًا؟
يَحْتَمِلُ أوجُهَا :
أحَدُها: الاختِصَاصُ، وذلك لأنَّ هَذَا ذِكرٌ مَخصُوصٌ، شُرِعَ بِأَثَرِ هَذِهِ
العِبَادَاتِ المَخصُوصَةِ، فَلا يَتَعَدَّى إلى غَيرِها؛ كالذِّكرِ عَقِبَ الصَّلاةِ من التَّسبيحِ،
والتَّحمِيدِ، والتَّكبيرِ عَلى الهَيئَةِ المَخصُوصَةِ، فَإِنَّه لا يَتَعَدَّى إلى غَيرِها؛ من
[٥٢/٢ظ] العِبَادَاتِ؛ كالصِّيَامِ، ونَحوِهِ، والأذكَارُ المَخصُوصَةُ مُتَعَبَّدٌ بِها في لَفِظِها،
ومَحَلِّها، ومَكَانِها، وزَمَانِها .
الثَّانِي: أنَّه يَتَعَدَّى إلى سَائِرٍ أسفَارِ الطَّاعَةِ، لِكُونِها في مَعنَاها في
التَّقَرُّبِ بِها .
الثَّالِثُ: أنَّه يَتَعَدَّى إلى الأسفَارِ المُبَاحَةِ أيضًا، وعَلى هَذَينِ الاحتِمَالَينِ،
فَالتَّقِيدُ في الحَدِيثِ إِنَّمَا هو لِكَونِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَم يَكُن يُسَافِرُ لِغَيرِ(٢)
المَقَاصِدِ الثَّلاثَةِ(٣)، فَقَيَّدَه بِحَسَبِ الواقِعِ، لا لاختِصَاصِ الحُكمِ بِهِ(٤).
الرَّابعُ: تَعَدِّيه إلى الأسفَارِ المُحَرَّمَةِ؛ لأن مُرتَكِبَ الحَرَامِ أحوجُ إلى الذِّكرِ
من غَيرِهِ؛ لأن الحَسَنَاتِ يُذهبنَ السَّيِّئَاتِ، وكَلامُ النَّووِيِّ مُحتَمَلٌ، فَإِنَّه قال في
تَبوِيبِه في ((شَرحِ مسلم)): ((مَا يَقُولُ إذَا رَجَعَ من سَفَرِ الحَجِّ وغَيرِه))، مِمَّا (٥) هو
مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ، وَهُو العُمرَةُ، والغَزوُ، وقد يُرِيدُ غَيرَه مُطلَقًا .
وقال والِدِي تَُّ في ((شَرحِ التّرمِذِيِّ)): سَواءٌ فيه السَّفَرُ لِحَجِّ، أو عُمَرَةٍ، أو
غَزْوٍ، كَمَا في الحَدِيثِ، أو لِغَيرِ ذلك من طَلَبِ عِلمٍ، وتِجَارَةٍ، وغَيرِهِمَا. انتَهَى.
فَمَثَّلَ بِطَلَبِ العِلم، وهو من الطَّاعَاتِ، وبِالتِّجَارَةِ، وهيَ من المُبَاحَاتِ، ولَم يُمَثِّل
المُحَرَّمَ، لَكِنَّ مُندَرِجٌ في إطلاقِهِ.
(١) في الأصل: ((كالتنزه).
(٣) في (ك): ((الثالثة)).
(٥) في (ك): ((فقد يريد وغيره كما)).
(٢) في (م): (بغير).
(٤) ليست في: (ك).

٥٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الرَّابِعَةُ: الحَدِيثُ صَرِيحٌ في اختِصَاصِ التَّكبيرِ ثَلاثًا بِحَالَةِ كُونِه عَلى
المَكَانِ المُرتَفِعِ، وأمَّا قَولُه: ثُمَّ يَقُولُ: ((لا إِلَهَ إلا الله)) إلى آخِرِهِ، فَيَحتَمِلُ الإنْيَانَ
بِه وهو عَلى المَكَانِ المُرتَفِعِ، ويَحتَمِلُ ألا يَتَقَيَّدَ بِذلك، بَل إن كَانَ المَكَانُ
المُرتَفِعُ واسِعًا قال فيه، وإن كَانَ ضَيِّقًّا كَمَّلَ بَقِيَّةَ الذِّكرِ بَعدَ انهبَاطِه، ولا يَستَمِرُّ
واقِفًا في المَكَانِ المُرتَفِعِ لِتَكمِيلِه.
الخَامِسَةُ: قال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ التِّرِذِيِّ)): مُنَاسَبَةُ التَّكبيرِ عَلى
المَكَانِ المُرتَفِعِ: أنَّ الاستِعلَاءَ والارتِفَاعَ مَحبُوبٌ لِلنَّفُوسِ، وفيه ظُهورٌ وغَلَبَةٌ عَلى
مَن هو دُونَه في المَكَانِ، فَيَنبَغِي لِمَن تَلَبَّسَ بِهِ أن يَذْكُرَ عِندَ ذلك كِبرِيَاءَ الله
تَعَالى، وأَنَّه أكبرُ من كُلِّ شَيءٍ، ويَشكُرُ لَه ذلك، يَستَمِطِرُ بِذلك المَزِيدَ مِمَّا مَنَّ بِهِ
عَلَيه. وقال صَاحِبُ ((المُفهمِ)) أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (١): تَوحِيدُه لِلَّه تَعَالى هنَاكَ
إشعَارٌ بِانفِرَادِهِ تَعَالى بِإِيجَادِ جَمِيعِ المَوجُودَاتِ، وبِأَنَّه المَأْلُوه؛ أي: المَعبُودُ في
كُلِّ الأمَاكِنِ من الأَرَضِينَ والسَّمَواتِ.
قُلت: ورَوى ابنُ السُّنِّيِّ في ((عَمَلِ اليَومِ والليلَةِ))(٢) عن أنَسٍ، قال: كَانَ
النَّبِي وَ ﴿وَ إِذَا عَلا (١٨٦/٥م) نَشزًا من الأرضِ، قال: ((اللَّهُمَّ لَك الشَّرَفُ عَلى كُلِّ
شَرَفٍ، ولَك الحَمدُ عَلى كُلِّ حَالٍ)).
ويَحتَمِلُ: أَنَّ سَبَبَ ذلك إظهارُ ذِكرِ اللهِ تَعَالى، وتَوحِيدِه، ومنتِهِ عَلى أهلِ
دِينِه، وذلك في الأمَاكِنِ العَالِيَةِ أظهَرُ منه في الأمَاكِنِ المُنخَفِضَةِ. وفي ((صَحِيحٍ
البخاريِّ))(٣) عن جَابِرِ ◌َّه قال: ((كُنَّا إِذَا صَعِدنَا كَبَّرْنَا، وإذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا)). وفي
(سُنَنِ أبِي دَاوُ))(٤) من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((وكَانَ النَّبِيُّ وَه وجُيُوشُه إذَا عَلَوا الثََّايَا
كَبَّرُوا، وإِذَا هَبَطُوا سَبَّجُوا، فَوُضِعَتِ الصَّلاةُ عَلى ذلك)).
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَبَبُ التَّسبيح في الانهبَاطِ، أنَّ الانخِفَاضَ مَحَلُّ الضّيقِ،
(١) المفهم (٤٥٦/٣).
(٣) البخاري (٢٩٩٣).
(٢) عمل اليوم والليلة (٥٢٣).
(٤) أبو داود (٢٥٩٩).

=
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ
٥٤٧
والتَّسبيحُ سَبَبٌ لِلفَرَجَ (١)، ومنه قوله تَعَالى في حَقِّ يُونُسَ عَلَلُّ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ، كَانَ مِنَ
[الصافات: ١٤٣، ١٤٤]، وكَانَت
١٤٤
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤٣
الْمُسَبّحِينَ
مَقالتُه عَلَّ، في بَطنِ الحُوتِ: ﴿سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
السَّادِسَةُ: قَولُه: ((آيِبُونَ)) ومَا بَعدَه خَبَرُ مُبتَدٍَ مَحذُوفٍ؛ أي: نَحنُ
آيُبُونَ .
فَإِن قُلتَ: مَا فَائِدَةُ الإخبَارِ بِالأوبِ، وهو الرُّجُوعُ من السَّفَرِ، كَمَا تَقْدمَ،
وذلك ظَاهرٌ من حَالِهِم، ومَا تَحتَ الإخبَارِ بِذلك من الفَائِدَةِ؟
قُلتُ: قد يُرَادُ أوبِّ مَخصُوصٌ، وهو الرُّجُوعُ عن المُخَالَفَةِ إلى الطَّاعَةِ، أو
التَّفَاؤُلُ بِذلك، أو الإعلامُ بِأَنَّ السَّفَرَ المَقصُودَ قد انقَضَى، فَهو استِبِشَارٌ بِكَمَالٍ
العِبَادَةِ والفَرَاغِ منها، وحُصُولِ المَقصُودِ والظّفَرِ بِهِ.
السَّابِعَةُ: وقَولُه: (تَائِبُونَ)(٢)، يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ إشعَارًا بِحُصُولِ التَّقْصِيرِ
[٥٣/٢و] في العِبَادَةِ، فَيَتُوبُ من ذلك، وهو تَواضُعٌ وهَضمٌ لِلنَّفْسِ، أو تَعلِيمٌ لِمَن
يَقَعُ ذلك منه في سَفَرِ الطَّاعَاتِ، فَيَخْلِطُه بِمَا لا يَجُوزُ فِعلُه، ويَحْتَمِلُ الإشَارَةُ
بِذلك إلى أنَّ مَا كَانَ فيه من طَاعَةِ الحَجِّ، أو العُمرَةِ، أو الغَزوِ قد كَفَّرَ مَا مَضَى،
فَيَسألُ الثَّوبَةَ فِيمَا بَعدَه، وقد تُستَعمَلُ الثَّوبَةُ في العِصمَةِ، فَيَسألُ ألَّا يَقَعَ منه بَعدَه
مَا يَحْتَاجُ إلى تَكفيرٍ، وهَذَا اللفظُ، وإن كَانَ خَبَرًا، فَهو في مَعنَى الدُّعَاءِ، ولَو
كَانَ إشعَارًا بِأنَّهم رجعوا (٣) بِهَذِهِ الأوصَافِ لَنَصَبَها عَلى الحَالِ، فقال: ((تَائِبِينَ،
عَابِدِينَ)) إلى آخِرِهِ، وهو غَيرُ مُنَاسِبٍ أيضًا، لِمَا فيه من تَزكِيَةِ النَّفسِ، وإظهارِ
الأعمالِ .
] الثَّامنةُ: وقَولُه: ((سَاجِدُونَ)) [بَعدَ قَولِه: ((عَابِدُونَ)) من ذِكرِ الخَاصِّ بَعدَ
العَامِ، وقَولُه: ((لِرَبِّنَا)) يَحتَمِلُ تَعَلُّقَه بِقَولِه: ((سَاجِدُونَ))](٤)؛ أي: نَسجُدُ لَه،
لا لِغَيرِهِ من الأصنَامِ وغيرِها، ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ مَعمُولًا مُقدمًا لِقَولِهِ: ((حَامِدُونَ))؛
(١) في (ح): (للفرح)).
(٣) في (م): ((رحبوا)).
(٢) في (ح): ((آيبون)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.

=
٥٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أي: نَحمَدُهُ دُونَ غَيرِهِ، لِرُؤْيَتِنَا النِّعمَةَ منه، إذ هو المُنعِمُ (١٨٧/٥م) بِها، لا رَبَّ
سِواه.
] التَّاسِعَةُ: قال النَّووِيُّ(١): قَولُه: ((صَدَقَ اللهُ وعدَه))؛ أي: في إظهارِ
الدِّينِ، وكَونِ العَاقِبَةِ لِلمُثَّقِينَ، وغَيرٍ ذلك مِمَّا وعَدَه ◌ََِّ، إنَّ اللهَ لا يُخلِفُ
المِیعَادَ .
((وهَزَمَ الأحزَابَ وحدَه))؛ أي: من غَيرِ قِتَالٍ من الآدَمِيِّينَ، والمُرَادُ الأحزَابُ
الذِينَ اجتَمَعُوا يَومَ الخَندَقِ، كَمَا تَقدمَ. قال: وبِهَذَا يَرتَبِطُ قَولُه: (صَدَقَ اللهُ
وعدَه)) تَكَذِيبًا لِقَولِ المُنَافِقِينَ والذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا
غَـ
[الأحزاب: ١٢].
ورًا﴾
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٢): يَحتَمِلُ أن يَكُونَ هَذَا الخَبَرُ بِمَعنَى الدُّعَاءِ،
كَأنَّه قال: اللَّهُمَّ افعَل ذلك وحدَك. قال: والأولُ أظهَرُ.
وقال والِدِي تَظُّهُ: وجه مُنَاسَبَةٍ قَولِه: ((صَدَقَ اللهُ وعدَه)). إن كَانَ (٣سَفَرَ
حَجِّ أو٣) عُمرَةً، تَذَكِرَةً(٤) بِذلك وعدَ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيهِ وَّه بِقَولِه تَعَالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ
اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وإن كانَ رُجُوعًا من غُزَاةٍ،
تَذَكَّرَ (٥) قَوْلَه تَعَالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اُلْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٥٥])، وقَوله تَعَالى:
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]. قال: وفي حَدِيثِ أَنَسٍ عِندَ
مسلمٍ (٦): ((أقبَلْنَا مَعَ رسولِ اللهِ وَّه أَنَا، وأبُو طَلحَةَ، وصَفيةُ رَدِيفَتُه عَلى نَاقَتِهِ،
حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَهرِ المَدِينَةِ قال: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ)) الحَدِيثَ، فَهَذَا كَانَ مَقفَلَه من
خَيْبَرَ، وكَانَت مُتَّصِلَةً بِقِصَّةِ الأحزَابِ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضُ مَّا
وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]؛ فَرَدَّ النَّبِيُّ ◌َ ذلك عَلَيهم.
(١) شرح صحيح مسلم (٩/ ١١٣).
(٣ - ٣) في الأصل: ((سفرًا وعمرة)).
(٢) المفهم (٤٥٧/٣).
(٤) في (ح): ((تذكره)).
(٥) في (م): ((بذکره)).
(٦) مسلم (٤٢٩/١٣٤٥).

=
كمـ
٥٤٩
بَابُ نُزُولِ المُحَصَّبِ، وبَطحَاءَ وذِي الخُلَيفَةِ، وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ
العَاشِرَةُ: مَجمُوعُ هَذَا الذِّكرِ إِنَّمَا كَانَ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَأتي بِهِ
عِندَ القُفُولِ، وكَانَ يَأتي بِصَدرِه في الخُرُوجِ أيضًا، فَفي ((صَحِيحِ مسلم))، وغَيرِه(١)
عن عَلِيِّ الأزدِيِّ، عن ابنِ عُمَرَ ﴿هَا: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كَانَ إذَا استَوى ◌ّعَلى بَعِيرِهِ،
خَارِجًا إلى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قال: ((سُبحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا)) الحَدِيثَ، وفي
آخِرِهِ: ((وإذَا رَجَعَ قالهنَّ، وزَادَ فيهنَّ: («آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)).
وتَقدمَ في الفَائِدَةِ الخَامِسَةِ حَدِيثُ البخاريِّ: ((كُنَّا إِذَا صَعِدنَا كَبَّرْنَا، وإذَا نَزَلنَا
سَبَّحِنَا))، وحَدِيثُ أبي دَاوُد: ((كَانَ النَّبيُّ وَّهِ وجُيُوشُه إذَا عَلَوا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وإِذَا
هَبَطُوا سَبَّجُوا)).
وقال، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِلرَّجُلِ الذِي قال لَه: أوصِنِي. لَمَّا أَرَادَ
سَفَرًا: ((عَلَيك بِتَقوى الله، والتَّكبيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ)). رَواه التِّرمِذِيُّ(٢)، ولَم يَخُصَّ
ذلك بِالرَّجعَةِ من سَفَرِهِ.
(١) مسلم (٤٢٥/١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)، والترمذي (٣٤٤٦).
(٢) الترمذي (٣٤٤٥).

٥٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَابُ الأُضحِيَّةِ (١٨٨/٥م)
الحديثُ الأولُ
عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرِ: أنَّ النبيَّ نَّ أعطَاه غَنَمًّا، فَقَسَمَها عَلى أصحابه
ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ منها: فَذَكَرَه لِلنبيِّ ◌ََّ، فقال: ((ضَحِّ به)).
فيه فوائدُ:
الأولى: أخرَجَه الأئِمَّةُ الستةُ (١) خَلا أبَا دَاوُد، من هَذَا [٥٣/٢ظ]
الوجه، من رِوايَةِ الليثِ بنِ سَعدٍ، عن يَزِيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ، عن أبِي الخَيرِ، عن
عُقْبَةٌ .
وأخرَجَه البُخَارِيُّ، ومسلمٌ، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٢) من رِوايَةٍ
يَحْيَى بِنِ أبِي كَثِيرٍ، عن بَعجَةَ، بِالْبَاءِ المُوحَّدَةِ، ابنِ عَبدِ الله الجُهَني، عن
عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ، قال: قَسَمَ النبيُّ بَهَ بَيْنَ أصحابه ضَحَايَا، فَصَارَت لِعُقْبَةَ
جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ: (يَا رَسُولَ الله، صَارَت ◌ِي جَذَعَةٌ))(٣). قال: ((ضَحِّ بها))، لَفظُ
الْبُخَارِيِّ. ولَفظُ مسلمٍ: ((فَأَصَابَنِي جَذَعٌ))(٤).
ورَوى النسائيُّ(٥) من رِوايَةِ مُعَاذِ بنِ عَبدِ الله بنِ خُبَيْبٍ، عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ،
قال: ((ضَخِّينَا مع رَسُولِ اللهِ وَّرَ بِجِذَاعٍ من الضَّأْنِ)).
(١) البخاري (٢٥٠٠)، ومسلم (١٥/١٩٦٥)، والترمذي (١٥٠٠)، والنسائي (٤٣٩١)،
وابن ماجه (٣١٣٨).
البخاري (٥٥٤٧)، ومسلم (١٦/١٩٦٥)، والترمذي (١٥٠٠)، والنسائي (٤٣٩٢).
(٢)
في (ح): (جدعة)).
(٣)
(٥) النسائي (٤٣٩٤).
(٤) في (ح): ((جدع)).

بَابُ الأُضْحِيَّةِ
٥٥١
ورَوى أبو الشَّيخ ابنُ حَيَّنَ(١) في ((الأضَاحِيِّ)) من رِوايَةٍ مُعَاذِ بنِ عَبدِ الله بنِ
خُبَيْبٍ، قال: ((سَألتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ عن الجَذَعِ من الضَّأْنِ يُضَخَّى به؟)). فقال
سَعِيدٌ: ((مَا كَانَت سُنَّةُ الجِذع من الضَّأنِ إلا فيكُم، سَألَ عُقبَةُ بنُ عَامِرٍ
رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ فَأْمَرَه أن يُضَحِّيَ (١٨٩/٥م) به)).
وذَكَرَ ابنُ حَزم (٢): أنَّ مُعَاذَا هَذَا مَجهولٌ.
ولَيسَ كَمَا قال، فَقَد وثَّقَه يَحيَى بنُ مَعِينٍ، وأبو دَاوُد، وابنُ حِبَّانَ(٣).
لَكِن قال والِدِي تَّتُهُ: الظَّاهرُ انقِطَاعُ رِوايَتِه عن عُقْبَةَ بِدَلِيلِ الرِّوايَةِ
الأُخرَى. قال: والرِّوايَةُ الأُخرَى مُرسَلَةٌ.
وذَكَرَ ابنُ حَزْمٍ في ((المُحَلى))(٤) من طَرِيقٍ وكِيعٍ، عن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، عن
مُعَاذِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ خُبَيبٍ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عُقْبَةَ: ((سَأَلتُ
رَسُولَ اللهِ وَِّ عن الجَذَّعِ من الضَّأْنِ؟)). فقال: ((ضَحِّ به)).
ثم قال: أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا.
■ الثّانيةُ: بَوّبَ البُخَارِيُّ عَلى هَذَا الحديثِ(٥): ((بَابُ قِسمَةِ الغَنَمِ(٦)
والعدلِ فيها)).
وهَذَا يَدُلُّ عَلى أنَّه فَهِمَ أنَّ هَذِهِ القِسمَةَ هيَ القِسمَةُ المَعهودَةُ الَّتِي يُعتَبَرُ فيها
تَسوِيَةُ الأجزَاءِ، ومَا أظُنُّ الأمرَ كَذلك، وإنَّمَا أمَرَه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِتَفرِقَةِ
غَنَمِ عَلى أصحابه، فَإِمَّا أن يَكُونَ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَيّنَ مَا يُعطِيه لِكُلِّ
واحِدٍ منهم، وإمَّا أن يَكُونَ وَّلَ(٧) ذلك إلى رَأيِهِ، من غَيرِ تَقِيدٍ عَلَيهِ بِالتَّسوِيَةِ،
فَإِنَّ في ذلك عُسرًا وحَرَجًّا، والغَنَمُ لا يَتَأتَّى فيها قِسمَةُ الأجزَاءِ، ولا تُقْسَمُ
(١) في الأصل: ((حبان))، والحديث أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٧٢١).
(٣) تهذيب الكمال (١٢٥/٢٨).
(٢) المحلى (٣٦٤/٧).
(٤)
المحلى (٣٦٤/٧).
البخاري، كتاب الشركة، عند حدیث (٢٥٠٠).
(٥)
(٦) في (ك): ((المغنم)).
(٧) بعده في الأصل: ((عنه)).

=
٥٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إلا بِالتَّعدِيلِ، ويَحتَاجُ ذلك(١) في الغَالِبِ إلى رَدِّ؛ لأنَّ استِواءَ قِسمَتِها عَلى
التَّحرِيرِ بَعِيدٌ.
والظّاهرُ: أنَّ هَذِهِ الغَنَمَ كَانَت لِلنبِيِّ بَّهِ وَقَسَمَها بَينَهم عَلى سَبِيلٍ
النَّبُعِ.
ولِهَذَا قال ابنُ بَظَّالٍ (٢): فيه أنَّه تَجُوزُ الضَّحَايَا بِمَا يُهدَى إلَيك،
(١٩٠/٥م) وبِمَا لَم تَشتَرِهِ، بِخِلافِ مَا يَعتَقِدُه عَامَّةُ النَّاسِ. لَكِنَّه قال في أولِ
كَلامِه: إن كَانَ قَسَمَها بَيْنَ الأغنياءِ، فَكَانَت من الفَيءٍ أو مَا يَجرِي مَجرَاه مِمَّا
يَجُوزُ أخذُها لِلأغنياءِ، وإن كَانَ إنَّمَا قَسَمَها بَينَ فُقَرَائِهم خَاصَّةً، فَكَانَت من
الصَّدَقَةِ. انتَهَى.
فَجَزَمَ بِأَنَّها من الأموالِ العَامَّةِ أُعطِيت لِمُستَحِقِّها، لَكِنَّه تَرَدَّدَ بَينَ كَونِها
من الفَيءٍ ونَحوِهِ، وكُونِها من الصَّدَقَّةِ، وهَذَا يُنَافي كَونَها هَدِيَّةً؛ لأنَّ الهَدِيَّةَ
تَبَوٌُّ، وأخذُ الإنسَانِ مَا يَستَحِقُّه من الفَيءٍ أو الزَّكَاةِ لَيسَ تَبَرُّعًا من مُعطِيه،
ويُوافِقُ كَلامَه الَّذِي حَكَيته ثَانيًا كَلامُ أبِي العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ، حَيثُ قال(٣): فيه
أنَّ الإمَامَ يَنبَغِي لَه أن يُفَرِّقَ الضَّحَايَا عَلى مَن لا يَقدِرُ عَلَيها، من بَيْتِ مَالٍ
المسلمِينَ. انتَهَى.
■ الثَّالِثَةُ: وبَوّبَ عَلَيه البُخَارِيُّ أيضًا(٤): ((وكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ في
القِسمَةِ وغيرِها».
ومَا عَرَفتُ وجهَ هَذَا الاستِنْبَاطِ، ومن أينَ لِعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ شَرِكَةٌ فِي هَذِهِ
الغَنَمِ مع النبي ◌ََِّّ(٥) ؟
■ الرَّابِعَةُ: الضَّحَايَا جَمِعُ ضَحِيَّةٍ، قال الجَوهَرِيُّ(٦): قال الأصمَعِيُّ: فيها أربَعُ
(١) ليست في: الأصل.
(٣) المفهم (٣٦٠/٥).
(٤)
البخاري، كتاب الوكالة، عند حديث (٢٣٠٠).
(٥)
ينظر في هذا: فتح الباري (٤٧٩/٤).
(٦) الصحاح (٢٤٠٧/٦).
(٢) شرح ابن بطال (٩/٦).

بَابُ الأُضْحِيَّةِ
٥٥٣
=
لُغَاتٍ: أُضحِيَّةٌ، بِضَمِّ الهَمزَةِ؛ وإضحِيَّةٌ، بِكَسرِها، وجَمعُها(١) أضَاحِيَّ، بِتَشدِيدِ
اليَاءِ، وتَخفيفِها؛ واللغَةُ الثَّالِثَةُ: ضَحِيَّةٌ، وجَمعُها ضَحَايَا؛ والرَّابِعَةُ: أضحَاةٌ،
بِفَتْحِ الهَمزَةِ، والجَمِعُ أضحَى؛ كَأركَاةَ وأرطَى؛ وبها سُمَِّ يَومُ الأضحَى.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): وقِيلَ: سُمِّيَت بذلك لأنَّها تُفعَلُ في الضُّحَى، وهو
ارتِفَاعُ النَّهارِ .
الخَامِسَةُ: قال أهلُ اللغَةِ: العَتُودُ بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ، وضَمِّ التَّاءِ
المُثَنَّاةِ [٥٤/٢و] من فَوقٍ، [وإسكَانِ الواوِ، وآخِرُه دَالٌ مُهمَلَةٌ: من أولادِ المَعزِ
خَاصَّةً، وهو مَا رَعَى وقَوِيَ](٣).
قال(٤) الجَوهَرِيُّ وصَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(٥): وهو مَا بَلَغَ سَنَةً، وجَمعُه أعتِدَةٌ،
وعِدَّانٌ، بِإِدغَامِ التَّاءِ في الدَّالِ، وأصلُه: عِتدَانٌ.
وقال في ((المَشَارِقٍ))(٦): أصلُ عِتدَانٍ عَدَدَانٌ.
قال: وهو من ولَدِ المَعزِ إذَا بَلَغَ السِّفَادَ. وقِيلَ: إذَا قَوِيَ وشَبَّ. وقِيلَ: إِذَا
استَكرَشَ. وبَعضُه يَقرَبُ من بَعضٍ (١٩١/٥م).
السَّادِسَةُ: استُدِلَّ به عَلى أنَّه يُجزِئُ في الأُضحِيَّةِ الجَذَعُ من المَعزِ(٧)،
وإذَا جَازَ ذلك من المَعزِ، فَمن الضَّأْنِ أولى، وقَد دَلَّت الرِّوايَةُ الأُخرَى من
رِوايَةِ(٨) عُقبَةَ عَلى الضَّأْنِ صَرِيحًا .
وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقوالٍ :
أحَدُها: التَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّوعَينِ، فَيُجْزِئُ الجَذَعُ من الضَّأْنِ، ولا يُجزِئُ الجَذَعُ
من المَعزِ .
(١) في (ك): ((جمعها)).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٥) الصحاح (٥٠٥/٢)، والنهاية (١٧٧/٣).
(٦) مشارق الأنوار (٦٥/٢).
(٨) في (ك، ح): ((طريق)).
(٢) إكمال المعلم (٣٩٨/٦).
(٤) في (ك): ((وقال)).
(٧) في (ح): ((الضأن المعز)).

٥٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وهَذَا هو المَشهورُ من مَذَاهبٍ(١) العُلَمَاءِ، وهو مَذهَبُ الأئِمَّةِ الأربَعَةِ (٢).
ونَقَّلَ القَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُه(٣) الإجمَاعَ عَلَيه.
وحَكَى الترمذيُّ(٤) إجزَاءَ الجَذَعِ من الضَّأْنِ عن أهلِ العِلمِ من الصَّحَابَةِ
وغَيرِهم .
القَولُ الثَّاني: مَنعُ الجَذَعِ مُطلَقًّا، ضَأْنًا كَانَ أو مَعزًّا، ذَهَبَ إلَيه ابنُ حَزمٍ
الظَّاهِرِيُّ(٥)، وحَكَاه عن طَائِفَةٍ من السَّلَفِ، وأطنَبَ في الرَّدِّ عَلى مَن فَرَّقَ في ذلكَ
بَيْنَ الضَّأْنِ والمَعزِ، وحَكَاه العَبدَرِيُّ وغَيرُهُ(٦) من أصحَابِنَا عن الزُّهرِيِّ. وحَكَاه
ابنُ المُنذِرِ في ((الإِشرَافِ))، والعِمَرَاني في ((البَيَانِ))(٧) عن ابنِ عُمَرَ رُِّهَا.
القَولُ الثَّالِثُ: تَجوِيزُ(٨) الجَذَعِ مُطلَقًا، ولَو من المَعزِ، حَكَاه العَبدَرِيُّ(٩)
عن الأوزَاعِيِّ، وحَكَاهِ صَاحِبُ ((البَيَانِ)) عن عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ، وحَكَاه
ابنُ حَزم(١٠) عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ، وَزَيدِ بنِ خَالِدٍ، وابنِ عُمَرَ، وأُمِّ سَلَمَّةً. وحَكَاه
الرَّافِعِيُّ وجهًا عِندَ الشَّافِعِيَّةِ، قال النَّووِيُّ (١١): وهو شَاةٌّ ضَعِيفٌ، بَل غَلَطُ.
انتَهَى. وهَذَا الحديثُ حُجَّةٌ لَه، فَإِنَّه صَرِيحٌ في تَجوِيزِ الجَذَعِ من المَعزِ، والضَّأْنِ
أولى منه بذلك، كَمَا قَدَّمته، وقال مَن مَنَعَ مُطلَقًا: هَذَا رُخصَةٌ، والتَّجوِيزُ خَاصٌ
بِعُقْبَةَ، أَجَابَ بِه الْبَيْهَقِيُّ وغَيْرُه.
ويَدُلُّ لَه مَا رَواه البَيْهَقِيُّ(١٢) بِإسنَادٍ صَحِيحٍ في هَذَا الحديثِ: ((أَنَّهِ، عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ، قَال لِعُقبَةَ: ((ضَحِّ بها أنتَ، ولا رُخصَةَ لأحَدٍ فيها بَعدَك))).
فَإِن قُلتَ: فَفي ((الصَّحِيحَينِ))(١٣) من حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: ((أَنَّه، عَلَيه
(١) في (ك): ((مذهب)).
إكمال المعلم (٤٠٨/٦)، ومعالم السنن (٢٢٩/٢).
(٣)
(٤) الترمذي عقب حديث (١٤٩٩).
(٦)
ينظر: المجموع (٣٦٦/٨).
(٧) الإشراف (٣٤٣/٣)، وينظر: المجموع (٣٦٦/٨).
(٨) في الأصل: ((يجوز)).
(١٠) المحلى (٣٦٦/٧، ٣٦٧).
(١٢) السنن الكبرى (٢٧٠/٩).
(٢) ينظر: الإفصاح (٣٣٣/١).
(٥) المحلى (٣٦١/٧).
(٩) ينظر: المجموع (٣٦٦/٨).
(١١) المجموع (٣٦٥/٨).
(١٣) البخاري (٩٨٣)، ومسلم (١٩٦١).

=
ـى
٥٥٥
بَابُ الأُضحِيَّةِ
الصَّلاةُ والسَّلامُ، أذِنَ لِأَبِي بُردَةَ ابنِ نيارٍ في التَّضحِيَةِ بِجَذَعَةٍ من المَعزِ، وقال:
(لَن تُجزِئَ عن أحَدٍ بَعدَك))).
قُلتُ: كِلا الحديثَينِ عَامٌّ مَخصُوصٌ، وإجزَاءُ الجَذَعَةِ من المَعزِ خَاصٌّ
بِعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وأبِي بُردَةَ بنِ نيارٍ خَالِ الْبَرَاءِ.
وفي ((الصَّحِيحَينِ))(١) عن أنَسٍ قال: ((قال النبيُّ وَّهِ يَومَ النَّحرِ: ((مَن كَانَ
ذَبَحَ قَبلَ الصَّلاةِ فَلِيُعِد)). فَقَامَ رَجُلٌ، فقال: ((إنَّ هَذَا يَومٌ يُشتَهَى فيه اللحمُ))،
وذَكَرَ جِيرَانَه ((وعِندِي جَذَعَةٌ خَيرٌ من شَاتَي لَحمٍ))؛ فَرَخَّصَ لَه في ذلك، فَلا أدرِي
أَبَلَغَتِ الرُّخصَةُ مَن سِواه، أم لا)»؟
وعَزوُ الشَّيخِ تَخْتُ هَذِهِ الرِّوايَةَ لِلْبُخَارِيِّ فَقَط. فيه نَظَرٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هَذَا (١٩٢/٥م) الرَّجُلُ هو أبو بُردَةَ، لا شَخصٌ ثَالِثٌ،
وكَذَا الحديثُ الَّذِي رَواه ابنُ مَاجَه (٢) من حَدِيثِ أبِي زَيدِ الأنصَارِيِّ: ((أَنَّه، عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ، قال لِرَجُلٍ من الأنصَارِ: ((اذَبَحها، ولَن تُجْزِئَ جَذَعَةٌ عن أحَدٍ
بَعدَك))). يَحتَمِلُ أنَّه أبو بُردَةَ. قال النَّوِيُّ(٣): هَذَا الشَّكُّ بِالنِّسَبَةِ إلى عِلم
أَنَسٍ ◌َُهِ، وقَد صَرَّحَ النبيُّ وَّهِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: بِأنَّها لا تَبلُغُ غَيْرَه، ولا تُجْزِئُ
أحَدًا بَعدَه. انتَهَى.
عَلى أَنَّه قَد ورَدَت الرُّخصَةُ لِغَيرِهِمَا أيضًا، فَرَوى أبو دَاوُد في ((سُنَتِهِ))(٤) عن
زَيدِ بنِ خَالِدٍ: أنَّ النبيَّ رَ أَعطَاه عَتُودًا جَذَعًا، وقال: ((ضَحِّ به)).
ورَوى الطََّرَاني في ((مُعجَمِه الأوسَطِ))(٥) عن ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ، أعطَى سَعدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ جَذَعًا من المَعزِ، فَأَمَرَه أن يُضَحِّيَ به)).
ورَوى أبو يَعلى المُوصِلِيُّ(٦) من حَدِيثٍ أبِي هرَيرَةَ: ((أنَّ رَجُلا قال:
(١) البخاري (٩٥٤)، ومسلم (١٩٦٢).
(٢) ابن ماجه (٣١٥٤).
(٤) أبو داود (٢٧٩٨).
(٦) مسند أبي يعلى (٦٢٢٣).
(٣) شرح صحيح مسلم (١١٦/١٣).
(٥) المعجم الأوسط (٨٩٧٤).

=
٥٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَا رَسُولَ الله، هَذَا جَذَعٌ [٢ /٥٤ظ] من الضَّأْنِ مَهِزُولٌ خَسِيسٌ، وهَذَا جَذَعٌ من المَعزِ
سَمِينٌ سَيِّدٌ، وهو خَيرُهمَا، أَفَأُضَحِّي (١ به؟ قال: ((ضَحِّ به١)، فَإِنَّ لِلَّه الخَيرَ)).
فَيَكُون الأصلُ مَنعَ إجزَاءِ الجَذَعِ من المَعزِ، إلا لِمَنْ صَحَّ الثَّرخِيصُ لَه فيه،
ويُحمَلُ(٢) قَولُه: ((ولَن تجزِئَ(٣) عن أَحَدٍ بَعدَك))؛ أي: من غَيرِ مَن رَّخَّصَ لَه في
ذلك رخصةً(٤)، جَمعًا بَينَ الأحَادِيثِ.
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُيِيُّ(٥): قال عُلَمَاؤُنَا: إنَّ حَدِيثَ عُقبَةً مَنسُوخٌ بِحَدِيثٍ
أبِي بُردَةً. ثم قال: ويُمكِنُ في حَدِيثِ عُقبَةَ تَأْوِيلانِ غَيرُ النَّسْخِ:
أحَدُهَمَا: أنَّ الجَذَعَ المَذكُورَ فيه من الضَّأْنِ، وأُطلِقَ عَلَيه العَتُودُ؛ لأنَّه في
سِنِّه وقُوتِه.
ثَانيهمَا: أنَّه كَانَ قَد أسنَى، وتَجُوزُ في تَسمِيَتِه عَتُودًا، وقَد حَكَى القَاضِي
عن أهلِ اللغَةِ: أنَّ العَتُودَ الجَديُ الَّذِي بَلَغَ السِّفَادَ. وقال ابنُ الأعرَابِيِّ: المَعزُ
لا تَضرِبُ فُحُولُها إلا بَعدَ أن تُثَنِي (٦). هَذَا مَعنَى كَلَامِه، وأجوِبَتُه الثَّلاثَةُ مَرَدُودَةٌ،
والصَّوابُ مَا قَدَّمته. واللهُ أعلمُ.
وتَمَسَّكَ المُفَرِّقُونَ فِي مَنعِ الجَذَعِ من المَعزِ بِمَا تَقَدَّمَ، وفي إِجَازَةِ الجَذَّعِ من
الضَّأَنِ بِمَا تَقَدَّمَ في بَعضِ طُرُقٍ حَدِيثِ عُقْبَةَ، وبِمَا رَواه مسلمٌ في ((صَحِيحِه))(٧)
عن جَابِرٍ، قال: ((قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَذْبَحُوا إلا مُسِنَّةً، إلا أن يُعسَرَ عَلَيْكُم،
فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً من الضَّأْنِ)» .
ورَوى الترمذيُّ(٨) من حَدِيثِ أبِي كِبَاشٍ، عن أبِي هُرَيْرَةَ: قال: سَمِعتُ
رَسُولَ اللهِ وَيهِ يَقُولُ: ((نِعمَ أو نِعمَتِ الأُضحِيَّةُ: الجَذَعُ من الضَّأْنِ)). وقال:
حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وقَد رُوِيَ عن أبِي هَرَيْرَةَ مَوقُوفًا .
(١ - ١) ليست في: (ح).
(٣) في (م): ((يجزئ)).
(٥) المفهم (٣٦٠/٥).
(٧) مسلم (١٩٦٣).
(٢) في الأصل، (ك): ((ويحتمل)).
(٤) من: الأصل.
(٦) في (ك): ((تمنى)).
(٨) الترمذي (١٤٩٩).

بَابُ الأُضْحِيَّةِ
٥٥٧
وحَكَى أبو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(١) عن الترمذيِّ: أنَّه حَسَّنَه. ولَيْسَ كَذلك.
ورَوى أحمَدُ في ((مُسنَدِه)(٢) [١٩٣/٥م] من رِوايَةِ أبِي ثِفَالٍ(٣) المُرِّيِّ، عن
أبِي هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّ: ((الجَذَعُ من الضَّأْنِ خَيرٌ من السَّيِّدِ(٤) من
المعزِ)).
ورَواه أبو بَكرِ البَزَّارُ والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٥)؛ من رِوايَةِ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ،
عن أبِي هرَيرَةً: ((أنَّ جِبرِيلَ عَلَّهَا قال ذلك لِلنَبِيِّ بَّ). وصَحَّحَ الحَاكِمُ إسنَادَه،
وضَعَّفَه البَزَّارُ بِرِوايَةِ إسحَاقَ الحُنَيني.
ورَوى ابنُ مَاجَه(٦) من رِوايَةِ أُمِّ بِلالٍ بِنتِ هلالٍ، عن أبِيها: أنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّه قال: ((يَجُوزُ الجَذَعُ من الضَّأْنِ أُضحِيَّةً)).
ورَوى أبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه(٧)؛ من حَدِيثِ رَجُلٍ من أصحَابِ النبيِّ
يُقَالُ لَه: مُجَاشِعٌ، من بَنِي سُلَيم، أَنَّ رَسُولَ اللهِّه قال: ((إنَّ الجَذَعَ يُوفي بِمَا
يُوفي منه الثَّني)). ورَواه النسائيّ(٨)، إلا أنَّه قال: رَجُلٌ من مُزَينَةَ. ولَم يُسَمِّه.
فَإِن قُلتَ: فَفي حَدِيثِ جَابِرٍ، وهو أصَحُّ هَذِهِ الأحَادِيثِ، أَنَّ إجزَاءَ الجَذَع
من الضَّأْنِ إِنَّمَا يَكُونُ عِندَ تَعَسُّرِ المُسِنَّةِ. والجُمهورُ المُجَوِّزُونَ لِلجَذَعِ من الضَّأْنِ
لا يَقُولُونَ به.
قُلتُ: قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٩): قال الجُمهورُ: هَذَا الحديثُ
مَحمُولٌ عَلى الاستِحبَابِ والأفضَلِ، وتَقدِّيرُه: يُستَحَبُّ لَكُم أن لا تَذَبَحُوا إلا
مُسِنَّةً، فَإِن عَجَزْتُمْ فَجَذَعَةٌ من الضَّأْنِ، ولَيسَ فيه تَصْرِيحٌ بِمَنع ◌َذَعَةِ الضَّأْنِ، وأنَّها
لا تُجْزِئُّ بِحَالٍ، وقَد أجمعتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّه لَيسَ عَلى ظَاهرِه؛ لأنَّ الجُمهورَ
(١) المفهم (٣٥٦/٥).
(٣) في الأصل: ((قفال))، وفي (ك): ((تعال)).
(٤) في (ح): ((مسنة)).
مسند البزار (٨٧٢٤)، والمستدرك (٢٢٢/٤).
(٥)
(٦)
ابن ماجه (٣١٣٩).
النسائي (٤٣٩٥).
(٨)
(٢) أحمد (٤٠٢/٢).
(٧) أبو داود (٢٧٩٩)، وابن ماجه (٣١٤٠).
(٩) شرح صحيح مسلم (١١٧/١٣).

=
٥٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يُجَوِّزُونَ الجَذَعَ من الضَّأْنِ مع وُجُودِ غَيرِهِ وعَدَمِهِ، وابنُ عُمَرَ والزُّهرِيُّ يَمنَعَانِه مع
وُجُودِ غَيرِهِ وعَدَمِه؛ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الحديثِ عَلى مَا ذَكَرْنَاه من الاستِحِبَابِ.
السَّابِعَةُ: إن قُلتَ: كَيفَ الجَمِعُ بَيْنَ حَدِيثٍ عُقبَةَ من رِوايَةِ أبِي الخَيرِ
عنه، ومن رِوايَةٍ بَعجَةً(١) عنه؟
قُلتُ: أمَّا قَولُه فِي رِوايَةٍ بَعجَةَ(٢): ((جَذَعَةٌ أو جَذٌَ)): فَلا يُنَافِي قَولَه في
رِوايَةِ أبِي الخَيرِ: ((عَتُودٌ))؛ لأنَّ رِوايَةَ أَبِي الخَيرِ بَيِّنَت(٣) أنَّ هَذِهِ الجَذَعَةَ كَانَت من
المَعزِ، فَإِنَّ العَتُودَ مُختَصِّ بِالمَعِزِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وأمَّا قَولُه في رِوايَةِ بَعجَةَ: ((أنَّ النبيَّ ◌َِّ قَسَّمَ ضَحَايَا))، فَيَحْتَمِلُ: أنَّه نُسِبَ
القَسمُ إلَيه، لأمرِهِ عُقْبَةً بذلك.
ويَحْتَمِلُ: أنَّ قَسمَ عُقبَةَ إِنَّمَا هو تَنفيذٌ لِقَسمِ النّبِيِّ بَ، فَيَكُونُ النبيُّلِك ◌َلَه عَيَّنَ
مَا يُعَطَاء كُلُّ واحِدٍ، وتَولى عُقبَةُ تَفْرِقَةَ ذلك.
وأمَّا رِوايَةُ مُعَاذِ بنِ عَبدِ الله بنِ خُبَيبٍ في التَّصْرِيحِ بِالضَّأْنِ، فَلَعَلَّهَا قِصَّةٌ
أُخرَى. واللهُ أعلمُ.
■ الثامنة: اختَلَفَ [٥٥/٢و] العُلَمَاءُ في سِنِّ الجَذَعِ المُجزِئِ في (١٩٤/٥م)
الأُضحِيَّةِ، إمَّا من الضَّأْنِ، عَلى قَولِ الجُمهورِ، أو من المَعزِ، في (٤) قَولِ
بَعضِهم، عَلی أقوالٍ :
أحَدُها: أنَّه مَا أكمَلَ سَنَةً ودَخَلَ في الثّانيةِ، هَذَا هو الأشهَرُ عِندَ أهلٍ
اللغَةِ. وحَكَاه ابنُ حَزم(٥) عن الكِسَائِيّ، والأصمَعِيِّ، وأبِي عُبَيدٍ، وابنٍ قُتَيبَةَ،
قال: وقاله العدبسُ(٦) الكِلابِيُّ(٧)، وأبو فَقعَسِ الأسَدِيُّ، وهمَا ثِقَتَانِ في اللغَةِ،
وهَذَا هو الأصَحُّ عِندَ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ.
(١) في (ح): ((نعجة)).
(٣) في الأصل: ((ثبتت)).
(٢) في (ح): ((نعجة)).
(٤) في (م): ((على)).
(٥) المحلى (٣٦١/٧).
(٦) في (م): ((العديس)).
(٧) كذا في النسخ، والمحلى، والمشهور: ((العدبس الكناني)).

بَابُ الأُضحِيَّةِ
٥٥٩
والثَّاني: سِتَّةُ أشهرٍ، وهو مَذْهَبُ الحَنَفيةِ والحَنَابِلَةِ .
وقال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(١): إنَّه كَذلك في مَذهَبِ الفُقَهَاءِ.
الثَّالِثُ: سَبعَةُ أشهرٍ، حَكَاهِ صَاحِبُ ((الهدَايَةِ)) عن الزَّعفَرَاني.
الرَّابِعُ: سِنَّةُ أشهرٍ أو سَبعَةٌ، حَكَاه الترمذيُّ(٢) عن وكِيعِ بنِ الجَرَّاحِ.
الخَامِسُ: ثَمَانِيةُ أشهرٍ .
السَّادِسُ: عَشرَةُ أشهرٍ .
السَّابِعُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا تُولَدُ بَيْنَ شَاتَينٍ، فَيَصِيرُ جَذَعًا ابنَ سِتَّةِ أشهرٍ، وبَيْنَ
مَا تُولَّدُ بَيْنَ هَرَمَينٍ، فَلا يَصِيرُ جَذَعًا إلا إذَا صَارَ ابنَ ثَمَانيةِ أشهرٍ، حَكَاهِ القَاضِي
عِيَاضٌ(٣).
الثَّامن: أنَّه لا يُجزِئُ الجَذَعُ من الضَّأْنِ حَتَّى يَكُونَ عَظِيمًا، حَكَاهِ القَاضِي
أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ (٤)، وقال: إنَّه بَاطِلٌ. لَكِنَّه مَذهَبُ الحَنَفيةِ، قال صَاحِبُ
((الهدَايَةِ))(٥) قَالُوا: وهَذَا إذَا كَانَت عَظِيمَةً، بِحَيثُ لَو خُلِطَت بِالثَّنياتِ تَشْتَبَه عَلى
النَّاظِرِ من بَعِيدٍ .
وقال أبو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ من الشَّافِعِيَّةِ: لَو أجذَعَ قَبلَ تَمَامِ السَّنَةِ؛ أي:
سَقَطَت أسنَانُه، أجزَا في الأُضحِيَّةِ، كَمَا لَو تَمَّتِ السَّنَّةُ قَبلَ أن يُجذِعَ، ويَكُونَ
ذلك كَالبُلُوغ بِالسِّنِّ أو الاحتِلام، فَإِنَّه يَكفي فيه أسبَقُهمَا. وهَكَذَا قاله البَغَوِيّ،
فقال: الجَذَعَةُ مَا استَكمَلَت سَنَّةً أو أجذَعَت قَبلَها، فَإِن لَم يَكُن هَذَا قَيدًا عَلى
الأصَحِّ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ، فَهو قَولٌ تَاسِعٌ، وقَد حَكَاه الرَّافِعِيُّ والنَّووِيُّ(٦)، وفُهمَ من
كَلامِهِمَا أَنَّه قَيدٌ. واللهُ أعلمُ.
(١) الهداية (٤ /٧٥).
(٢) الترمذي، عقب حديث (١٥٠٠).
(٣) ينظر: شرح صحيح مسلم (١١٨/١٣).
(٤) عارضة الأحوذي (٣٠٠/٦)، وقال: ليس عليه دليل.
(٥) الهداية (٤ /٧٥).
(٦) المجموع (٣٦٥/٨).

٥٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثَّاني
ج و(١) عن سَالِم، عن أبيه، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا يَأْكُلُ من لَحم
◌ُضحِیَّتِه فَوقَ ثَلاثٍ)).
وهو مَنسُوٌ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ، وجَابِرٍ، وعَائِشَةً، وبُرَيدَةَ،
وأبِي سَعِيدٍ (١٩٥/٥م) بِالإذنِ في ذلك، وكُلّها في الضَّحِيحِ.
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ: أخرَجَه البُخَارِيُّ(٢) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنٍ
عَبدِ الله ابنِ أخِي الزُّهرِيِّ.
ومسلمٌ، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةِ مَعمٍَ. كِلاهمَا عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن
أبِيه؛ لَفِظُ الْبُخَارِيِّ: ((كُلُوا من الأضَاحِيِّ ثَلاثًا))، وكَانَ عَبدُ اللهِ يَأْكُلُ بِالزَّيتِ حِينَ
يَنْفِرُ من منى من أجلِ لُحُومِ الهَديِ.
ولَفِظُ الآخَرِينَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ: ((نَهَى أَن تُؤْكَلَ لُحُومُ الأضَاحِيِّ بَعدَ
ثَلاثٍ)).
زَادَ مسلمٌ: ((وكَانَ ابنُ عُمَرَ لا يَأْكُلُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلاثٍ)).
وأخرَجَه مسلمٌ، والترمذيُّ(٤) من رِوايَةِ الليثِ بنِ سَعدٍ .
ومسلمٌ(٥) وحدَه من رِوايَةِ الضَّحَّاكِ بنِ عُثْمَانَ.
كِلاهمَا عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ◌َِّ﴿ أَنَّه قال: ((لا يَأْكُلُ أحَدُكُم
من لَحمِ أُضحِيَّتِهِ فَوقَ ثَلاثَةِ أَيَّام)). وقال الترمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(١) ليس في: (ك، ح).
(٢) البخاري (٥٥٧٤).
(٣) مسلم (١٩٦٩)، والنسائي (٤٤٣٥).
(٤) مسلم (٢٦/١٩٧٠)، والترمذي (١٥٠٩).
(٥) مسلم (١٩٧٠).