Indexed OCR Text
Pages 501-520
= بَابُ الهَدي الخَطَّبي عن سُفْيَانَ الثَّورِيِّ(١)، وأحمَدَ، وإسحَاقَ: أَنَّه إذَا أرَادَ الحَجَّ وقَلَّدَ، فَقد وجَبَ عَلَيه. وهَذَا المَذكُورُ آخِرًا فيه التَّقِيدُ بِأن يَكُونَ يُرِيدُ الإحرَامَ، فَإِن لَم يُحمَل الإطلاقُ الأولُ عَلى التَّقِيدِ الثَّانِي، وغَايَرِنَا بَيْنَ الإحرَامِ وإِيجَابِ الإِحْرَامِ، حَصَلَ قَولانِ آخَرَانِ مَعَ القَولَينِ الأولَينِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذلك لا يَتَقَيَّدُ بِإِرَادَةِ الإِحرَامِ في قَولِ (١٥٤/٥م) مَا رَواه ابنُ أبي شَيْبَةً(٢) عن رَبِيعَةَ بنِ(٣) عَبدِ الله بنِ الهدَيرِ: أنَّه رَأى ابنَ عَبَّاسٍ، وهو أمِيرٌ عَلى البَصرَةِ، مُتَجَرِّدًا عَلى منبَرِ البَصَرَةِ، فَسَألَ النَّاسَ عنه، فَقَالُوا: إنَّه أمَرَ بِهَدِه أن يُقَلَّدَ، فَلِذلك [٢/ ٤٤ و] تَجَرَّدَ. فَلَقِيتُ ابنَ الزُّبَيرِ، فَذَكَرتُ ذلك لَه، فقال: بِدعَةٌ وَرَبِّ الكَعبَةِ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ أيضًا عن عَطَاءٍ، وابنِ الأسودِ، قَالا: لَيسَ لَه أن يُقَلِّدَ ولا يُحرِمُ، إلا أن يشَاءَ(٤)، يَومًا أو يَومَينِ. وهَذَا مَذهَبٌ خَامِسٌ، حَاصِلُه: أنَّه بِالتَّقْلِيدِ يَجِبُ عَلَيهِ الإِحرَامُ، ولَه تَأْخِيرُه يَومًا أو (٥) يَومَينٍ . ورَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٦) أيضًا عن الحَسَنِ البَصرِيِّ: أنَّه إن فَعَلَ ذلك في أشهرِ الحَجِّ وجَبَ عَلَيه الحَجّ، وإن كَانَ فِي غَيرِ أشهرِه لَم يَجِب. وهَذَا مَذهَبٌ سَادِسٌ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ أيضًا عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ البَصرِيِّ: أنَّ مَن بَعَثَ بِهَدِهِ لا يُمسِكُ عن شَيءٍ مِمَّا يُمسِكُ عنه المُحرِمُ، إلا لَيلَةَ جَمعٍ، فَإِنَّه يُمسِكُ عن النِّسَاءِ. وهَذَا مَذْهَبٌ سَابِعٌ. ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةً(٧) أيضًا عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنٍ عُمَرَ: أنَّه إذَا أرسَلَ بَدَنَتَه أمسَكَ عَمَّا يُمسِكُ عنه المُحرِمُ، غَيرَ أَنَّه لا يُلَبي. وهَذَا مَذهَبٌ ثَامن؛ لأنه لَم يُقَيِّد ذلك بِالتَّقلِيدِ، ولَم يَقُل: إنَّه مُحرٌِ، ولا وجَبَ عَلَيهِ الإِحرَامُ، وإنَّمَا قال: يُمسِكُ عَمَّا يُمسِكُ عنه المُحرِمُ، وهو الذِي في ((صَحِيحِ مسلم))(٨) عن (١) في (ك٢): ((والثوري)). (٣) في الأصل: ((عن)). في (ح، ك٢): ((و)). (٥) (٧) المصنف (٤٨٤/٣). (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤٨٤/٣). (٤) في (م): ((شاء)). (٦) مصنف ابن أبي شيبة (٤٨٣/٣). (٨) مسلم (٣٦٩/١٣٢١). ٥٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: ((مَن أهدَى هَديًا حَرُمَ عَلَيه مَا يَحِرُمُ عَلى الحَاجِّ حَتَّى يَنْحَرَ الهَديَ)). و(١) هَذَا أصَحُّ مَا رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في هَذَا. والله أعلمُ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٢) أيضًا عن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ: أنَّه إذَا أرسَلَ بَدَنَتَه واعَدَهم يَومًا، فَإِذَا (٣) كَانَ ذلك اليَومُ الذِي واعَدَهم أن يُشعِرَ، أمسَكَ عَمَّا يُمسِكُ عنه المُحرِمُ (٤). وهَذَا مِثلُ الذِي قَبلَه(٥) في الإمسَاكِ خَاصَّةً، ويُخَالِفُه بِأَنَّه لا يُرَتِّبُه عَلى مُجَرَّدِ الإرسَالِ، بَل لا بُدَّ مَعَه من الإشعَارِ، فَهو مَذهَبٌ تَاسِعٌ. ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةً(٦) أيضًا عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، قال: إذَا بَعَثَ الرَّجُلُ بِالهَديِ، أمَرَ الذِي يَبعَثُ بِهِ مَعَه أن يُقَلِّدَ يَومَ كَذَا وكَذَا من ذلك اليَومِ، ثُمَّ يُمسِكُ عن أشياءَ مِمَّا يُمسِكُ عنها المُحرِمُ. وهَذَا مَذهَبٌ عَاشِرٌ؛ لأنه لا يَطَّرِدُ المَنعُ في كُلِّ مَا يَجتَنِبُه المُحرِمُ، بَل يَتْبُتُ ذلك في بَعضِها دُونَ جَمِيعِها . واعلَم أنَّ كُلَّ مَن رَتَّبَ هَذَا الحُكمَ عَلى التَّقلِيدِ، رَتَّبَه عَلى الإشْعَارِ أيضًا، فَهو في مَعنَاهِ، فَهَذِه عَشَرَةُ مَذَاهبَ شَاءَّةٌ، إن لَم تُؤَول وتُرَدَّ إلى مَذْهَبٍ (١٥٥/٥م) واحِدٍ، وكَلَامُ النَّووِيِّ يَقْتَضِي التَّأْوِيلَ، فقال في ((شَرحِ مسلم))(٧)، في الكَلامِ عَلى هَذَا الحَدِيثِ: فيه أنَّ مَن بَعَثَ هَديَه لا يَصِيرُ مُحرِمًا، ولاَّ يَحِرُمُ عَلَيه شَيءٌ مِمَّا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ، وهَذَا مَذهَبْنَا ومَذْهَبُ العُلَمَاءِ كَافَّةً، إلا رِوايَةً حُكِيَت عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنٍ عُمَرَ، وعَطَاءٍ، وسَعِيدٍ بنُ جُبَيْرٍ، وحَكَاه الخَطَّابي عن أهلِ الرَّأيِ أيضًا، أَنَّه إذَا فَعَلَه لَزِمَه اجتِنَابُ مَا يَجْتَنِبُه المُحرِمُ، ولا يَصِيرُ مُحرِمًا (٨ من غَيرِ(1) ◌ِيَّةِ الإِحرَامِ. (١) ليس في: (ك٢). (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤٨٤/٣). ونصه: ((عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر وعليًّا، وابن عباس كانوا يقولون)). فذكره. (٤) بعده في (م)، ومصدر التخريج: ((غير أنه لا يلبى)). (٣) في الأصل: ((فإن)) . (٥) في (ح): ((فتله)). (٦) مصنف ابن أبي شيبة (٤٨٥/٣). (٧) شرح صحيح مسلم (٩/ ٧٠). (٨ - ٨) في الأصل: ((بغير)). = بَابُ الهَدي وقال في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ))(١): إذَا قَلَّدَ هَديَه أو أشعَرَه لا يَصِيرُ مُحرِمًا بِذلك، وإِنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الإِحرَامِ، هَذَا مَذهَبُنَا ومَذهَبُ العُلَمَاءِ كَافَّةً، ونَقَلَ الشَّيخُ أَبُو حَامِدٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ: أنَّه يَصِيرُ مُحرِمًا بِمُجَرَّدٍ تَقلِيدِ الهَديِ. وهَذَا فيه تَسَاهِلٌ، وإنَّمَا مَذهَبُ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه إذَا قَلَّدَ هَديَه، حَرُمَ عَلَيهِ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ، حَتَّى يَنحَرَ هَديَه، وكَذَا مَذهَبُ ابنِ عُمَرَ، إن صَحَّ عنه في هَذِهِ المَسأَلَةِ شَيءٌ. انتَهَى. فَذَكَرَ في ((شَرحِ مسلمٍ): بَعثَ الهَديِ، وفي ((شَرحِ المُهَذَّبِ)): تَقلِيدَه، ومِمَّا يَدُلُّ لِلجُمهورِ مَا رَواه النسَّائِيُّ (٢) من رِوايَةِ الليثِ، عن ابنِ الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ: ((أنَّهم كَانُوا إِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ مَعَ رسولِ الله ◌َّه بِالمَدِينَةِ، بَعَثَ الهَديَ، فَمَن شَاءَ أحرَمَ، ومَن شَاءَ تَرَكَ)). وعَزَاه الشَّيخُ تَخْتُ في ((النُّسَخَةِ الكُبرَى)) من ((الأحكام)) لابنِ مَاجَه أيضًا، ولم أرَه عِندَه، وهو صَرِيحٌ في أنَّه لَم يَكُن يَلزَمُهم حُكمُ الإِحَرَامِ بِبَعثِ الهَديِ، ولَعَلَّه إِنَّمَا وَرَدَ فيمَن عَزمُه الحَجُّ تِلكَ السَّنَّةَ، وأنَّ الذِينَ يَصحَبُونَ الهَديَ مَعَهم، منهم مَن يُحرِمُ بِمُجَرَّدٍ بَعِه، ومنهم مَن يَترُكُ الإِحرَامَ في ذلك الوقتِ ويُؤَخِّرُه إلى المِيقَاتِ، ويَدُلُّ لِذلك أنَّ ابنَ حِبَّانَ لَمَّا أخرَجَه في ((صَحِيحِه)(٣) بَوبَ عَلَيه: ((ذِكرُ الإِبَاحَةِ لِلحَاجِّ، بَعثَ الهَديِ وسَوقَها من المَدِينَةِ)). فَلَمَّا عَبَّرَ في تَبَوِيبِهِ بِالحَاجِّ، [٤٤/٢ظ] عَلِمِنَا أنَّه فَهِمَ أنَّ بَعثَ الهَديِ المَذكُورِ (٤كَانَ مِمَّن٤) عَزِمُه الحَجّ. والله أعلمُ. (١) المجموع (٣٢٥/٨). (٣) ابن حبان عند حديث (٣٩٩٩). (٢) النسائي (٢٧٩١). (٤ - ٤) في (ك٢): ((من)). ٥٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ الإحصَارِ الحَدِيثُ الأولُ عن نَافِعِ: أنَّ عَبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ خَرَجَ إلى مَكَّةَ في الفِتئَةِ، يُرِيدُ الحَجَّ، فقال: لَإن (١٥٦/٥م) صُدِدتُ عن البَيتِ، صَنَعنَا كَمَا صَنَعنَا مَعَ رسولِ اللهِ وََّ، فَأهَلَّ بِعُمرَةٍ، من أجلِ أنَّ رسولَ اللهِ وَوَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيبيةِ)). ثُمَّ إِنَّ عَبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ نَظَرَ في أمرِهِ، فقال: ((مَا أمرُهمَا إلا واحِدٌ، أُشهدُكُم أنِّي قد أوجَبتُ الحَجَّ مَعَ العُمرَةِ)). ثُمَّ نَفَرَ حَتَّى جَاءَ البَيتَ، فَطَافَ بِالبَيتِ سَبعًا، وبَينَ الصَّفَا والمَروةِ سَبعًا، وأهدَى، ورَأى أنَّ ذلك مُجزِئٌ عنه)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: اثَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ (١) من رِوايَةِ مَالِكٍ، والليثِ بنِ سَعٍ، وأيُّوبَ السَّختيانِيُّ، وعُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ . وأخرَجَه البخاريُّ(٢) من رِوايَةِ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ زَيدِ بنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، ومُوسَى بِنُ عُقبَةَ، كُلُّهم عن نَافِعِ عن ابنِ عُمَرَ. ورَواه البخاريُّ(٣) أيضًا من رِوايَةٍ جُويريةً(٤) بنِ أسمَاءَ، عن نَافِع، أنَّ (١) البخاري (١٨٠٦)، ومسلم (١٨٠/١٢٣٠) عن مالك، والبخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٨٢/١٢٣٠) عن الليث، والبخاري (١٦٣٩)، ومسلم (١٨٣/١٢٣٠) عن أيوب، والبخاري (٤١٨٤)، ومسلم (١٨١/١٢٣٠) عن عبيد الله. (٢) البخاري (١٨١٢). (٤) في (م) والأصل: ((جويرة)). (٣) البخاري (١٨٠٧). = كم ٥٠٥ بَابُ الإحصَارِ عُبَيدَ اللهِ بنَ عَبدِ الله، وسَالِمَ بنَ عَبدِ الله أخبَرَاهِ: أنَّهمَا كَلَّمَا عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيشُ بِابنِ الزُّبَيرِ، الحَدِيثَ. ورَواه النسائيّ(١) كَذلك، إلا أنَّه قال: عَبدُ الله بنُ عَبدِ الله. وهَذِهِ الرِّوايَةُ تَدُلُّ عَلى انقِطَاعِ الرِّوايَةِ الأُولى، وأنَّ بَينَ نَافِعٍ، وابنٍ عُمَرَ واسِطَةً، إن لَم يَكُن في بَعضِ طُرُقِ رِوايَةِ نَافِعِ التَّصرِيحُ بِالسَّمَاعِ منَ ابنِ عُمَرَ، وبِتَقدِيرِ ذلك فَهَذَا غَيرُ ضَارِّ؛ لأنه إن كَانَ ثَمَّ واسِطَةٍ، فَقد عَرَفت عَينَه وثِقَتَه، فَمَا ضَرَّ ذلك. ورَوى التِّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه(٢) من رِوايَةِ عَبدِ العَزِيزِ بنِ مُحَمَّدِ الدَّرَاوردِيِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ قال: قال رسولُ اللهِوَّه((مَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ والعُمرَةِ، أجزأه طَوافٌ واحِدٌ، وسَعيٌ واحِدٌ منهمَا(٣) حَتَّى يَحِلَّ منهمَا جَمِيعًا)) قال (١٧٥/٥م) التِّرمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، وقد رَواه غَيرُ واحِدٍ عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، ولَم يَرفَعُوه، وهو أصَحُ. انتَهَى. وكَيفَ يَجتَمِعُ لِلتِّرمِذِيِّ أَنَّه أولًا يُصَحِّحُه، ثُمَّ يُصَحِّحُ(٤) وقفَه؟ ولَعَلَّه مَوقُوفٌ لَفظًا، مَرفُوعٌ حُكمًا، فَإِنَّه لا يُقَالُ رَأيًا، وفي بَعضِ نُسَخِ التِّرمِذِيِّ الاقتِصَارُ عَلى قَولِه: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال البَيْهَقِيُّ: رُواتُه ثِقَاتٌ. ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥) عن القَائِلِينَ بِأَنَّ عَلَى القَارِنِ عَمَلَينِ أنَّهم قَالُوا في هَذَا الحَدِيثِ: أخطَأ فيه الدَّرَاوردِيُّ (٦)؛ لأن الجَمَاعَةَ رَووه عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قَوله، ولَم يَرفَعُوه. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ولَيسَ حَمْلُهم(٧) عَلَى الدَّرَاوردِيِّ بِشَيءٍ؛ لأنه قد تَابَعَ الدَّرَاوردِيُّ يَحَيَّى بِنُ يَمَانٍ، عن الثَّورِيِّ، عن عُبَيدِ الله؛ بِمَعنَى رِوايَتِه، والذَّلِيلُ عَلى صِحَّةٍ مَا رَواه الدَّرَاوردِيُّ، أنَّ أَيُّوبَ السَّختيانِيُّ، وأيُّوبَ بنَ مُوسَى، ومُوسَى بنَ عُقبَةَ، وإسمَاعِيلَ بنَ أُمَيَّةَ رَووا عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، مَعنَى مَا رَواه الدَّرَاوردِيُّ. (١) النسائي في الكبرى (٣٨٤٢). (٢) الترمذي (٩٤٨)، وابن ماجه (٢٩٧٥). (٣) في (ح): ((بينهما))، وفي مصدر التخريج: ((عنهما)). (٤) في (م): ((يصح)). (٥) التمهيد (٢٢٧/١٥). (٦) في (ح): ((الداروردي)). (٧) في الأصل: ((حكمهم)). ٥٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: رِوايَةُ يَحيَى بِنِ يَمَانٍ هَذِهِ رَواها الدَّارَقُطْنِيُّ في ((سُنَتِه)) (١) بِلَفِظِ: ((أنَّ النَّبِيِ بَ طَافَ لِقِرَانِه طَوافًا واحِدًا)). و(٢) رَواه النسائيُّ(٣) أيضًا من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وعَبدِ العَزِيزِ بنِ أبي رواد(٤)، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ، وفيه: ((رَأى أن(٥) قَضَى طَوافَ الحَجِّ والعُمرَةِ بِطَوافِه الأولِ، وقال: ((هَكَذَا صَنَعَ رسولُ الله ◌ِّ) . ورَواه ابنُ مَاجَه(٦) من رِوايَةِ مسلمٍ بنِ خَالِدِ الزِّنجِيِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ نَحوه. ورِوايَةُ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ ومَن ذُكِرَ مَعَه، رَواها النسائيّ(٧) عن عَلِيٍّ بنِ مَيمُونِ الرَّقِّيِّ، عن سُفيَانَ، وهو ابنُ عُيَينَةَ، عن أيُّوبَ السَّختيانِيِّ، وأيُّوبَ بنِ مُوسَى، وإسمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ، وعُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعِ، قال: خَرَجَ عَبدُ الله بنُ عُمَرَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وفيه: ((أُشهدُكُم أنِّي قد أوجَبتُ مَّعَ عُمَرَتِي حَجًّا)). وفيه: ((ثُمَّ قدمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيتِ [٤٥/٢و] سَبعًا، وبَينَ الصَّفَا والمَروةِ، وقال: هَكَذَا رَأيتُ رسولَ اللهِ نَّهِ فَعَلَ)). وهَذَا (٨) لَفِظُ الشَّيخَينِ من طَرِيقِ الليثِ، عن نَافِعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ: وَرَأى أن قد (٩) قَضَى طَوافَ الحَجِّ والعُمرَةِ بِطَوافِهِ الأولِ. وقال ابنُ عُمَرَ رَّبُه: ((كَذلك فَعَلَ رسولُ اللهِ وَلَ). وكَذَا هو في ((صَحِيحِ البخاريِّ)) من طَرِيقٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةً. فَعَزوُ الشَّيخِ تَخْتُهُ هَذَا اللفظَ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)) من ((الأحكام)) إلى مسلم فَقَط، مُعتَرَضٌ، فَقَد عَرَفتَ أنَّ البخاريَّ أخرَجَه من طَرِيقَينِ. ورَوى الدَّارَقُطْنِيُّ (١٠) أيضًا (١٥٨/٥م) من رِوايَةٍ سُلَيمَانَ بنِ أبي دَاوُد، عن عَطَاءٍ، ونَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وجَابِرٍ : ((أنَّ النَّبي ◌َّهِ إِنَّمَا طَافَ لِحَجَّتِه وعُمرَتِه طَوافًا واحِدًا، وسَعَى سَعيًا واحِدًا)) . (١) الدارقطني (٢٥٧/٢). النسائي في الكبرى (٣٩١٥). (٣) (٥) بعدها في (ك٢): ((قد)). النسائي (٢٩٣٣). (٧) (٩) ليس في: (ح). (٢) ليس في: الأصل. (٤) في (م): ((داود))، وهو تصحيف. (٦) ابن ماجه (٢٩٧٤). (٨) في (ح، ك٢): ((وكذا)). (١٠) الدار قطني (٢٦١/٢). = ٥٠٧ بَابُ الإحصَارِ ورَوى ابنُ مَاجَه(١) من رِوايَةِ لَيثٍ، عن عَطَاءٍ، وطَاؤُسٍ، ومُجَاهدٍ، عن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِوَ لَم يَطْف، هو وأصحابُه، لِعُمَرَتِهم وحَجِّهم، حِينَ قدمُوا، إلا طُوافًا واحِدًا)). وكَأنَّ مَن ذَكَرَ تَفَرَّدَ الدَّرَاوردِيُّ بِذلك، إنَّمَا أَرَادَ تَفَرُّدَه بِرِوايَتِه من قَولِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإِنَّ جَمِيعَ المُتَابَعَاتِ التي ذَكَرنَاها إِنَّمَا هيَ من فِعلِه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَكِنَّ الحُجَّةَ قَائِمَةٌ عَلى التَّقَدِيرَينِ مَعًا. واللهُ أعلمُ. الثَّانِيَهُ: قَولُه: ((في الفِتنَةِ))؛ أي: الكَائِنَةِ بَينَ ابنِ الزُّبَيرِ ◌َ لُه، والحَجَّاجِ، وقد صَرَّحَ بِذلك في رِوايَةٍ في ((الصَّحِيحَينِ))، قال فيها: ((عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابنِ الزُّبَيرِ)). لَكِن في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٢) من طَرِيقٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةً، عن نَافِعٍ، قال: ((أرَادَ ابنُ عُمَرَ الحَجَّ عَامَ حَجَّت الحَرُورِيَّةُ في عَهدِ ابنِ الزُّبَيرِ)). الحَدِيثُّ، والحَرُورِيَّةُ(٣): طَائِفَةٌ من الخَوارِجِ، فَاتَلَهِم عَلِيٍّ ◌َلُه، نُسِبُوا إلى حَرُورَاءَ، بِالمَدِّ والقَصرِ، وهو مَوضِعٌ قَرِيبٌ من الكُوفَةِ، كَانَ أولُ مُجتَمَعِهم وتَحكِيمِهم فيها. وهَذَا يُنَافِي الرِّوايَةَ المُتَقدمَةَ(٤)، فَإنَّ الحَجَّاجَ لَم يكن(٥) منهم، وكَأنَّه سَمَّى الحَجَّاجَ ومَن مَعَه حَرُورِيَّةً، لِخُرُوجِهم عَلى الإمَامِ الواجِبِ الطَّاعَةِ، وهو ابنُ الزُبيرِ خُته. الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((يُرِيدُ الحَجَ)). كَيفَ يَجتَمِعُ مَعَ قَولِه بَعدَه: ((فَأْهَلَّ بِعُمرَةٍ))؟ وجَوابُه: أنَّ إهلالَه بِعُمرَةٍ لا يُنَافِي كَونَه خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ، فَالمُرِيدُ لِلحَجِّ(٦) قد يُحرِمُ من المِيقَاتِ بِعُمرَة، ثُمَّ من مََّةَ بِحَجَّةٍ، وهو المُتَمَتِّعُ، وقد يُحْرِمُ بِعُمَرَةٍ، ثُمَّ يُدخِلُ عَلَيها الحَجَّ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ حِشُهَا، فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ، وهو أحَدُ قِسمَي القِرَانِ، وفي رِوايَةٍ أُخرَى في ((الصَّحِيحِ))(٧): ((خَرَجَ في الفِتْنَةِ (١) ابن ماجه (٢٩٧٢)، وليث هو: ابن أبي سليم. (٢) البخاري (١٧٠٨). ينظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٨٠)، ومراصد الاطلاع (٣٩٤/١). (٣) (٤) في الأصل: ((المقدمة)). (٥) في (م): ((یمکن)). (٦) في (ك٢): ((الحج)). (٧) مسلم (١٨٠/١٢٣٠). = ٥٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مُعتَمِرًا)). فَجَعَلَه مُعتَمِرًا بِاعتِبَارِ ابْتِدَاءٍ فِعلِه، ومُرِيدًا لِلحَجِّ بِاعتِبَارِ مَآلِ حَالِهِ، وَلَعَلَّه كَانَ خَرَجَ أولًا بِنِيَّةِ الإحرَامِ ابتِدَاءً بِالحَجِّ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَه خَبَرُ الفِتْنَةِ، قَبلَ وُصُولٍ المِيقَاتِ، أحرَمَ بِعُمرَةٍ، فَسَمَّاه مُرِيدًا لِلحَجِّ بِاعتِبَارِ ابْتِدَاءِ قَصدِهِ. واللهُ أعلمُ. الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((إن صُدِدتُ عن البَيتِ، صَنَعنَا كَمَا صَنَعنَا مَعَ رسولِ اللهِ وٍَّ)). إنَّمَا قال هَذَا الكَلامَ، بَعدَ أن قِيلَ لَه: ((إنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهم فِتَالٌ، وإِنَّا نَخَافُ أن يَصُدُّوك عن البَيتِ))، كَمَا هو في رِوايَةٍ أُخرَى في ((الصَّحِيحَينِ)). وقَولُه: (كَمَا صَنَعنَا مَعَ رسولِ الله ◌َِّ))؛ أي: حِينَ حَالَت كُفَّارُ قُرَيشٍ بَيْنَه وبَيْنَ البَيتِ، كَمَا هو في ((الصَّحِيحَينِ))، والمُرَادُ عَامُ الحُدَيبيةِ، والمُرَادُ بِمَا صَنَعُوه الإحلالُ عِندَ الإحصَارِ، وقد صَرَّحَ بِذلك في قَولِه، في رِوايَةِ البخاريِّ من طَرِيقٍ جُويريةَ(١) عن نَافِعِ، ولَفظُها: ((فَحَالَ (٢) كُفَّارُ قُرَيشٍ دُونَ البَيتِ، فَنَحَرَ النَّبِيَِ هَديَهِ، وحَلَقَ رَأْسَه، وقَصَّرَ أصحَابُه)). وذَكَرَ النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم))(٣) في مَعنَاه مِثْلَ مَا ذَكَرتُه، فقال: الصَّوابُ في مَعنَاهِ: أنَّه أرَادَ إن صُدِدَتُ وأُحِّصِرتُ، تَحَلَّلتُ، كَمَا تَحَلَّلْنَا عَامَ الحُدَيبيةِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): يَحتَمِلُ أنَّه أرَادَ أهَلَّ بِعُمرَةٍ، كَمَا أَهَلَّ النَّبِيَِّّهَ بِعُمَرَةٍ في العَامِ الذِي أُحصِرَ. قال: ويَحتَمِلُ أنَّه أرَادَ الأمرَينِ قال: وهو الأظهَرُ. قال النَّووِيُّ: وَلَيسَ هو بِظَاهِرٍ كَمَا ادَّعَاهِ، بَل الصَّحِيحُ الذِي يَقتَضِیه سِیَاقُ كَلامِه مَا قدمناه. قُلتُ: وقد عَرَفتَ أَنَّه مُصَرَّحٌ بِهِ في ((صَحِيحِ البخاريِّ)). وكَيفَ يَستَقِيمُ مَا ذَكَّرَه القَاضِي، مَعَ أنَّ إهلالَه بِعُمرَةٍ لَم(٥) يَكُن بَعدَ صَدِّه، وإنَّمَا فَعَلَ ذلك من أولٍ إحرَامِه [٤٥/٢ظ]، والذِي يَتَرَتَّبُ عَلى الصَّدِّ، إنَّمَا هو الإحلالُ، وقد نَصَّ عَلى هَذَا التَّفسِيرِ الشَّافِعِيُّ ◌َخْمُهُ، فقال: يَعنِي: أحلَلنَا كَمَا أحلَلنَا مَعَ رسولِ اللهِ وَلـ عَامَ الحُدَيبيةِ. حَكَاهِ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٦). (١) في الأصل، (م): ((جويرة)). (٢) في (ح): ((فحالت)). (٣) شرح صحيح مسلم (٢١٣/٨، ٢١٤). (٤) إكمال المعلم (٣٠٤/٤). (٥) في (ك٢): ((ولم)). (٦) معرفة السنن والآثار (٢٤٠/٤). = بَابُ الإحصَارِ ٥٠٩ الخَامِسَةُ: فيه أنَّ مَن أحصَرَه العَدُوُّ؛ أي: مَنَعَه عن المُضِيِّ في نُسُكِه، سَواءٌ كَانَ(١) حَجًّا أو عُمرَةً، جَازَ لَه التَّحَلُّلُ، بِأن يَنوِيَ ذلك، ويَنحَرَ هَدیًا، ويَحِلِقَ رَأْسَه، أو يُقَصِّرَ، والتَّخَلُّلُ بِإِحصَارِ العَدُوِّ مُجمَعٌ عَلَيه في الجُمْلَةِ، حَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٢) عن كُلِّ مَن يَحفَظُ عنه من أهلِ العِلم، وبِهِ قال الأئِمَّةُ الأربَعَةُ، وإن اختَلَفُوا في تَفَاصِيلَ وتَفَارِيعَ : منها: أنَّه هَل يُشتَرَطُ في جَوازِ التَّحَلُّلِ ضِيقُ الوقتِ، بِحَيثُ يَيَأْسُ من إتمَامِ نُسُكِه إن لَم يَتَحَلَّل، أو لا يُشتَرَطُ ذلك، بَل لَه الثَّحَلُّلُ مَعَ اتِّسَاعِ الوقتِ؟ لَم يَشتَرِط (٣) الشَّافِعِيَّةُ ذلك، وهو (٤) الذِي يَدُلُّ عَلَيهِ فِعلُهُ، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، في الحُدَيبِيةِ، فَإِنَّ إحرَامَه إِنَّمَا كَانَ بِعُمرَةٍ، وهيَ لا يُخشَى فَواتُها . وقال المَالِكِيَّةُ: مَتَى رَجَا زَوالَ الحَصرِ لَم يَتَحَلَّل؛ حَتَّى يَبقَى بَينَه وبَينَ الحَجِّ من الزَّمَانِ مَا لا يُدرِكُ فيه الحَجَّ لَو زَالَ حَصرُه، فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ عِندَ ابنِ القَّاسِم، وابنِ المَاحِشُونِ، وقال أشهَبُ: لا يَحِلُّ إلى يَومِ النَّحرِ، ولا يَقطَّعُ التَّلبيةَ حَتَّى يَرُوحَ النَّاسُ إلى عَرَفَةَ . ومنها: أنَّ الشَّافِعِيَّةَ، والحَنَابِلَةَ(٥) لَم يُفَرِّقُوا في جَوازِ التَّحَلُّلِ بَيْنَ أن (١٦٠/٥م) يَكُونَ الإحصَارُ قَبلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أو بَعدَه، وخَصَّ الحَنَفيةُ، والمَالِكِيَّةُ ذلك بِمَا إذَا كَانَ قَبَلَ الوُقُوفِ. ومنها: أنَّهم اختَلَفُوا في أنَّه هَل يَجِبُ عَلى المُحصَرِ إِرَاقَةُ دَم أم لا؟ فقال جُمهورُ العُلَمَاءِ بِوُجُوبِهِ (٦)، وبِهِ قال أشهَبُ من المَالِكِيَّةِ، وقال مَالِكٌّ: لا يَجِبُ. وتَابَعَه ابنُ القَاسِمِ صَاحِبُه. ومنها: أنَّ القَائِلِينَ بِوُجُوبِ الدَّمِ اختَلَفُوا في مَحَلِّ إرَاقَتِهِ، فقال الشَّافِعِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ(٧): يُرِيقُه حَيثُ أُحصِرَ، ولَو كَانَ من الحِلِّ؛ لأنه، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، (١) في (ح): ((أكان)). في الأصل: ((تشترط)). (٣) (٥) ينظر: الإفصاح (٣٢٢/١). (٧) السابق (٣٢٥/١). (٢) الإشراف (٣٨٣/٣) بمعناه. (٤) في (م): ((هذا)). (٦) السابق (٣٢٣/١). = ٥١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ كَذلك فَعَلَ في الحُدَيبِيةِ، ودَلَّ عَلى الإرَاقَةِ في الحِلِّ قَوله تَعَالى: ﴿وَالْحَدِىَ مَعُْوفًا أَنْ يَبْلُغَ مِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكُفَّارَ مَنَعُوهم من إيصَالِه إلى مَحِلِّه، وهو الحَرَمُ، ذَكَرَ هَذَا الاستِدلالَ الشَّافِعِيُّ، وقال عَطَاءٌ، وابنُ إسحَاقَ: بَل نَحَرَ(١) بِالحَرَمِ. وخَالَفَهِمَا غَيرُهمَا من أهلِ المَغَازِي وغَيرِهم. وقال الحَنَفيةُ(٢): لا يَجُوزُ ذَبحُه إلا في الحَرَمِ، فَيُرسِلُهُ مَعَ إنسَانٍ، ويُواعِدُه عَلَى يَومٍ بِعَينِهِ، فَإِذَا جَاءَ ذلك اليَومُ تَحَلَّلَ. ثُمَّ قالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَبحُه قَبلَ يَومِ النَّحْرِ. وقال صَاحِبَاه: يَخْتَصُّ ذَبحُه في الإحصَارِ عن الحَجِّ بيومِ النَّحرِ . ومنها: أنَّهم اختَلَفُوا في وُجُوبِ الحَلقِ أو التَّقصِيرِ، فقال بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، بِنَاءً عَلى المَشهورِ عِندَهم أنَّه نُسُكٌ، وقال بِه أبُو يُوسُفَ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، والمَشهورُ عنه: أنَّه لا يَجِبُ، وبِه قال أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ. ومنها: أنَّهم اختَلَفُوا في أنَّه هَل يَجِبُ عَلَيه الفَضَاءُ أم لا(٣)؟ فَأوجَبَ الحَنَفيةُ القَضَاءَ، بَل زَادُوا، فَقَالُوا: إنَّ عَلى المُحصَرِ عن الحَجِّ حَجَّةً وعُمرَةً، وعَلَى القَارِنِ حَجَّةً وعُمرَتَينٍ. ولَم تُوجِب(٤) الشَّافِعِيَّةُ، والمَالِكِيَّةُ القَضَاءَ، وعن أحمَدَ بنِ حَنْبَلِ رِوايَتَانِ. قَالُوا: فَإِن كَانَ حَجَّ فَرضٍ بَقِيَ وُجُوبُهُ عَلى حَالِه. وبَالَغَ ابنُ المَاجِشُونِ وأبعَدَ، فقال: يَسقُطُ عنه. ورَأى ذلك بِمَنزِلَةِ إتمَامِ النُّسُكِ عَلى و جهه . فَهَذِهِ فُرُوعٌ لا بُدَّ في الكَلامِ عَلى الإحصَارِ من مَعرِفَتِها، وبَسطُ الكَلَام فيها مُحَالٌ عَلى مَواضِعِه من كُتُبِ الفِقه والخِلافِ، وبَقِيَتِ لَه فُرُوعٌ لا نُطَوِّلُ بِذِكرِها، إذا لَيسَت في الاضِطِرَارِ إلَيها كَالمَذكُورَةِ هِنَا. والله أعلمُ. السَّادِسَةُ: مَورِدُ النَّصِّ في قَضِيَّةِ الحُدَيبيةِ إِنَّمَا هو في الإحصَارِ بِالعَدُوِّ، فَلَو أحصَرَه مَرَضٌ مَنَعَه من(٥) المُضِيِّ في نُسُكٍ، لَم يَتَحَلَّل عِندَ (١) في (ح): ((يجز)). (٣) ينظر: الإفصاح (٣٢٦/١). (٥) في (ك٢، ح): ((عن)). (٢) ينظر: الإفصاح (٣٢٥/١). (٤) في (ح): ((يوجب)) . = بَابُ الإحصَارِ ٥١١ الجُمهورِ، وبِه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ(١)، وقال أبُو حَنِيفَةَ: الإحصَارُ بِالمَرَضِ (٢كَالإِحصَارِ بِالعَدُو٢ِّ). (١٦١/٥م) قَالُوا: وقَوله تَعَالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إنَّمَا وَرَدَ في إحصَارِ المَرَضِ؛ لأنَّ أهلَ اللُّغَةِ قَالُوا: يُقَالُ: أحصَرَه المَرَضُ وحَصَرَه العَدُوُّ، فَاستِعمَالُ الرُّبَاعِيِّ (٣) في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إِرَادَةِ المَرَضِ، ومَا نَقَلُوه عن أهلِ اللُّغَةِ حَكَاه في (٤) [٤٦/٢ و] ((المَشَارِقِ))(٥) عن أبي عُبَيدٍ، وابنِ قُتَيبَةَ، وقال القَاضِي إسمَاعِيلُ المَالِكِيُّ: إنَّه الظَّاهرُ. وحَكَاه في ((الصِّحَاحِ)) (٦) عن ابنِ السِّكِّيتِ، والأخفَشِ، قال: وقال أبُو عمرٍو (٧) الشَّيبَانِيُّ: حَصَرَنِي الشَّيءُ وأحصَرَنِي: حَبَسَنِي. انتَهَى. فَجَعَلَهَمَا لُغَتَينٍ بِمَعنّى واحِدٍ، وقال في ((النِّهايَةِ))(٨): يُقَالُ: أحصَرَه المَرَضُ، أو السُّلطَانُ: إذَا مَنَعَه عن مَقصِدِهِ، فَهو مُحصَرٌ، وحَصَرَه: إذَا حَبَسَه فَهو مَحْصُورٌ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٩) التَّفصِيلَ(١٠) المُتَقدمَ عن الخَلِيلِ وأكثَرِ أهلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ حَكَى عن جَمَاعَةٍ أَنَّه يُقَالُ: حَصَرَ وأحصَرَ بِمَعنّى واحِدٍ في المَرَضِ والعَدُوِّ جَمِيعًا. قال: واحتَجَّ مَن قال هَذَا من الفُقَهاءِ بِقَولِ اللهِ تَعَالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإنَّمَا أُنزِلَت في الحُدَيبيةِ. انتَهَى. وقال الشَّافِعِيُّ تَخْفُهُ(١١): لَم أسمَع مِمَّن حُفِظَ عنه من أهلِ العِلمِ بِالتَّفسِيرِ مُخَالِفًا في أنَّ هَذِه الْآيَةَ نَزَلَت بِالحُدَيبِيةِ، حِينَ أُحصِرَ النَّبِيِ نَّهِ، فَحَالَ الْمُشْرِكُونَ بَينَه وبَينَ البَيتِ. وفي البخاريِّ(١٢)، عن عَطَاءٍ: الإحصَارُ من كُلِّ شَيءٍ يَحْبِسُهُ (١٣). ومِمَّن ذَهَبَ إلى التَّعمِيمِ في ذلك ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ (١٤). (١) ينظر: الإشراف (٣٨٣/٣). (٣) في الأصل: ((الرابعي)). (٥) مشارق الأنوار (٢٠٥/١). (٧) في (م): ((عمر)). (٩) التمهيد (١٩٤/١٥). (١١) الأم (٣٩٨/٣). (١٣) في الأصل، (م): ((بحسبه)). وفي (ح): ((يحسبه)). (١٤) المحلى (٢٠٣/٧). (٢ - ٢) في (ك٢، ح): ((كإحصار العدو)). (٤) ليس في: الأصل. (٦) الصحاح (٦٣٢/٢). (٨) النهاية (٣٥/١). (١٠) في (ح): ((التفضيل)). (١٢) البخاري كتاب المحصر (٣/٤ - فتح). ٥١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ السَّابِعَةُ: مَحَلُّ مَنع الثَّخَلُّلِ في الإحصَارِ بِالمَرَضِ، مَا إذَا لَم يَشتَرِط في ابْتِدَاءِ الإِحرَامِ التَّحَلَّلَ بِهِ، فَإِن شَرَطَ ذلك، فَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ فِي الحَدِيثِ الذِي بَعدَه. ■ الثَّامنةُ: قَولُه: ((فَأَهَلَّ بِعُمرَةٍ»؛ أي: رَفَعَ صَوتَه بِالثَّلبيةِ بِها. وقَولُه: ((من أجلٍ))(١) بِفَتحِ الهَمزَةِ وكَسرِها، لُغَتَانِ، أشهَرُهمَا الأُولى. و((الحُدَيبيةُ)): قَرِيَةٌ قَرِيبَةٌ من مَكَّةَ، سُمِّيَت بِئٍ (٢) هنَاكَ، والمَشهورُ فيها(٣) تَخْفِيفُ اليَاءِ، وكَثِيرٌ من المُحَدِّثِينَ يُشَدِّدُها، والمُرَادُ العَامُ الذِي صُدَّ فيه النَّبِيِوََّ عن البَيتِ، ووادَعَ فيه أهلَ مَكَّةَ، وهو سَنَةُ سِتٍّ من الهجرَةِ، والمَعنَى: أنَّ ابنَ عُمَرَ ﴿يَا أَحْرَمَ بِعُمَرَةٍ، اقتِدَاءً بِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، في أنَّه أحرَمَ تِلكَ السَّنَةَ بِعُمرَةٍ. ■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((مَا أمرُهمَا إلا واحِدٌ)). قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٤): يَعْنِي فِي جَوازِ التَّخَلَّلِ منهمَا بِالإِحصَارِ. قال: وفيه صِحَّةُ القِيَاسِ، والعَمَلُ بِهِ، وأنَّ الصَّحَابَةَ بِّهَ كَانُوا يَستَعمِلُونَه، فَلِهَذَا قَاسَ الحَجَّ عَلى العُمرَةِ؛ لأن النَّبِي ◌َُّ (١٦٢/٥م) إِنَّمَا تَحَلَّلَ من الإحصَارِ عَامَ الحُدَيبيةِ من إحرَامِه بعُمَرَةٍ وحدَها . قُلتُ: مَا ذَكَرَه في مَعنَى كَلامِ ابنِ عُمَرَ لا يَتَعَيَّنُ، فَقد يَكُونُ مَعنَاه: مَا أمرُهمَا إلا واحِدٌ في إمكانِ الإحصَارِ عن كُلِّ منهمَا، فَكَأَنَّه ◌َكَانَ أوَّلًا رَأى الإحصَارَ عن الحَجِّ أقرَبَ من الإحصَارِ عن العُمرَةِ؛ لِطُولِ زَمَنِ الحَجِّ وكَثَرَةِ أعمَالِهِ، بِخِلافِ العُمرَةِ، ويَدُلُّ لِهَذَا قَولُه في رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعِ، بَعدَ قَولِهِ: ((مَا أمرُهمَا إلا واحِدٌ، إن حِيلَ بَيْنِي (° وبَينَ العُمرَةِ، حِيلَ بَيْنِي(٥) وبَيْنَ الحَجِ)). وهو في ((الصَّحِيحِ))(٦). ] العَاشِرَةُ: قَولُه: ((أُشهدُكُم أنِّي قد أوجَبتُ(٧) الحَجَّ مَعَ(٨) العُمْرَةِ))؛ أي: ألزَمتُ نَفسِي ذلك، والإِيجَابُ(٩) هنَا بِمَعنَى الإلزَامِ، وإنَّمَا قال ذلك لِتَعلِيمِ مَن (١) في (ك٢): ((أحل)). (٣) ليست في: (ك٢). (٥ - ٥) ليس في: (ك٢). (٧) في (ك٢): ((وجبت)). (٩) في الأصل: ((والاجتناب)). (٢) في الأصل: (ببر)). (٤) شرح صحيح مسلم (٢١٣/٨). (٦) سبق تخريجه في الفائدة الأولى. (٨) في (٢٥): ((من)). = بَابُ الإحصَارِ ٥١٣ أَرَادَ الاقتِدَاءَ بِهِ، فَإِنَّ الإشهادَ في مِثلِ هَذَا لا يُحتَاجُ إِلَيه، ولا التَّلَفّظُ بِذلك، والنّةُ كَافِيَةٌ في صِحَّةٍ (١) الإحرَامِ. الحَادِيَةَ عَشْرَة: فيه جَوازُ إدخَالِ الحَجِّ عَلى العُمرَةِ، وبِه قال جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ، والخَلَفِ(٢) وهو قَولُ الأئِمَّةِ الأربَعَةِ، لَكِن شَرطُه عِندَهم: أن يَكُونَ قَبلَ طَوافِ العُمرَةِ، ثُمَّ اختَلَفُوا فقال الشَّافِعِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ: الشَّرطُ في صِحَّتِه أن يَكُونَ قَبلَ الشُّرُوع في الطّوافِ، وبِه قال أشهَبُ من المَالِكِيَّةِ، وصَوبَه ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٣). وقال الحَنَفيةُ(٤): الشَّرطُ أن يَكُونَ قَبلَ مُضِيٍّ أكثَرِ الطَّوافِ، فَمَتَى كَانَ إدخَالُه الحَجَّ عَلى العُمرَةِ بَعدَ مُضِيٍّ أربَعَةِ أشواطٍ لَم يَصِحَّ. وقال ابنُ القَاسِمِ: يَصِحُ مَا لَم يُكمِلِ الظَّوافَ. وعنه رِوايَةٌ أُخرَى مَا لَم يَركَعِ رَكَعَتَي الطَّوافِ. وقال القَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: من المَالِكِيَّةِ يَصِحُ مَا لَم يُكمِلِ السَّعيَ. [٢/ ٤٦ظ] فَهَذَا(٥) مَعَ مَا تَقدمَ عن أشهَبَ أربَعَةُ أقوالٍ عِندَ المَالِكِيَّةِ، وشَذَّ بَعضُ النَّاسِ فَمَنَعَ إدخَالَ الحَجِّ عَلى العُمرَةِ، وقال: لا يَدخُلُ إحرَامٌ عَلى إِحرَامِ، كَمَا لا يَدخُلُ صَلاةٌ عَلى صَلاةٍ، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦)، عن أبي ثَورٍ، ثُمَّ نَقَّلَ الإجمَاعَ عَلی خِلافِه. وأمَّا إدخَالُ العُمرَةِ عَلى الحَجِّ فَمَنَعَه الجُمهورُ، وهو قَولُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ وأحمَدَ، وجَوزَه أبُو حَنِيفَةَ، وهو قَولٌ قديمٌ لِلشَّافِعِيِّ (٧). ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةٍ: قَولُه: (ثُمَّ نَفَذَ)). بِفَتحِ الفَاءِ والذَّالِ (٨) المُعجَمَةِ؛ أي: مَضَى وسَارَ واستَمَرَّ عَلى حَالِهِ حَتَّى وصَلَ إلى البَيتِ . (١) ليست في: (ك٢). (٣) التمهيد (٢٣٠/٨). (٥) في الأصل: ((ما تقدم)). (٧) ينظر: الإشراف (٣٠١/٣). (٢) ينظر: الإشراف (٣٠٠/٣). (٤) الهداية (١/ ١٥٤). (٦) التمهيد (٢٣٠/٨)، (٢١٨/١٥، ٢١٩). (٨) في (م): ((وبالذال)). ٠٥١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثَّالِثَةَ عَشْرَ: وفيه أنَّ القَارِنَ يَقتَصِرُ عَلى طَوافٍ واحِدٍ وسَعي واحِدٍ، وبِه قال الجُمهورُ، وهو مَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وإسحَاقُّ. وقال أبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ عَلَيه طَوَافَانِ وسَعيَانِ. (١٦٣/٥م) وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وَبِه قال سُفِيَانُ الثَّورِيُّ، وحُكِيَ(١) الأولُ: عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وجَابِرٍ، وعَائِشَةً، وعَطَاءٍ، وَطَاؤُوسٍ، والحَسَنِ، والزُّهرِيِّ، ومُجَاهدٍ. وحُكِيَ الثَّانِي: عن أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ مَسعُودٍ، والحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ(٢)، ولَم يَصِحَّ عنهم. وبِه قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، والأسودُ بنُ يَزِيدَ، وأَبُو جَعفَرِ البَاقِرُ، والشَّعبيُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادُ بنُ أبي سُلَيْمَانَ، والأوزَاعِيُّ(٣)، وابنُ أبي ليلى، والحَسَنُ بنُ صَالِحِ بنِ حَيٍّ(٤). واحتَجَّ هَؤُلاءِ بِمَا رَواه الدَّارَقُطِيُّ، والبَيْهَقِيُّ (٥) من طَرِيقِ الحَسَنِ بنِ عُمَارَةَ، عن الحَكَمِ، عن مُجَاهِدٍ، قال: خَرَجَ ابنُ عُمَرَ يُهلُّ بِعُمرَةٍ، وهو يَتَخَوّفُ(٦)، أيَّامَ نَجِدَةَ، أن يُحبَسَ عن البَيتِ، فَلَمَّا سَارَ أيَّامًا، قال: مَا الحَصرُ في العُمرَةِ، والحَصرُ في الحَجِّ إلا واحِدٌ فَضَمَّ إلَيها(٧) حَجَّةً، فَلَمَّا قَدمَ طَافَ طَوَافَينٍ؛ طَوافًا لِعُمَرَتِهِ، وَطَوَافًا لِحَجَتِهِ، ثُمَّ قال: ((هَكَذَا رَأيت رسولَ اللهِ وَ لَه فَعَلَ)). لَكِنَّ هَذِهِ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، ومَعَ ذلك فَهيَ شَاذَّةٌ، قال الدَّارَقُطْنِيُّ: لَم يَرَوه عن الحَكَمِ، غَيْرُ الحَسَنِ بنِ عُمَارَةً، وهو مَترُوٌ. وقال البَيْهَقِيُّ: الحَسَنُ بنُ عُمَارَةَ أجمَعَ أَهلُ النَّقلِ عَلى تَركِ حَدِيثِه؛ لِكَثرَةِ المَنَاكِيرِ فِي رِوايَاتِهِ، وكَيفَ يَصِحُ هَذَا عن ابنِ عُمَرَ، وقد ثَبَتَ أَنَّه طَافَ لَهمَا طَوافًا واحِدًا في هَذِهِ السَّنَةِ، كَمَا سَبَقَ. الرَّابِعَةَ عَشَرَ: فيه أنَّ القَارِنَ يُهدِي كَالمُتَمَتِّع، وبِه قال العُلَمَاءُ، مَن فَضَّلَ منهم القِرَانَ عَلى غَيرِهِ، ومَن جَعَلَه مَرَجُوحًا، ومَن قال بِإِيَانِ القَارِنِ بِأَعمَالِ (١) في (ك): ((ويحكي)). (٣) ليس في: الأصل. (٢) ينظر: الإشراف (٢٧٩/٣). (٤) في (ح): ((حیی)). (٥) الدارقطني (٢٥٨/٢)، والبيهقي في الخلافيات، كما في مختصر الخلافيات لابن فرح (٢٠٤/٣). (٦) في (م): ((بتخوف)). (٧) في (ح): ((إليهما)). = كي ٥١٥ بَابُ الإحصَارِ النُّسُكَينِ، ومَن قال بِالاقتِصَارِ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ، وحَكَى الحَنَّاطِيُّ(١) من أصحَابِنَا قَولًا قديمًا عن الشَّافِعِيِّ: أنَّه يَجِبُ عَلَيه بَدَنَةٌ. وهو شَاءٌ(٢). ورَوَى عَلِيُّ بِنُ عَبدِ العَزِيزِ، عن القَعنَبي، عن مَالِكٍ في هَذَا الحَدِيثِ: ((وأهدَى شَاةً)). فَزَادَ ذِكرَ الشَّاةِ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): وهو غَيرُ مَحفُوظِ عن ابنِ عُمَرَ، والدَّلِيلُ عَلى غَلَطِهِ: أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ مَذهَبُه فيمَا استَيسَرَ من الهَديِ بَقَرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ، أو بَدَنَةٌ دُونَ بَدَنَةٍ، ذَكَرَه عَبدُ الرَّزَّاقِ عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعِ عنه. ورَوى مَالِكٌ (٤) عن نَافِعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ، قال: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]: [البدنةُ والبقرةُ. ثم قال ابنُ عبد البرِّ: رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعليٍّ ◌َّ: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِْ﴾](٥) شَاةٌ. وعَلَيهِ العُلَمَاءُ. انتَهَى. وذَكَرَ ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ (٦): أنَّه لا(٧) هَديَ عَلى القَّارِنِ. الخَامِسَةَ عَشَرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرّ (٨): فيه أنَّه يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أن يَخْرُجَ لِلحَجِّ في الطَّرِيقِ المَخُوفِ، إِذَا لَم يُوقِن بِالسُّوءِ وَرَجَا السَّلامَةَ، ولَيسَ ذلك من رُكُوبِ الغَرَرِ . السَّادِسَةَ عَشَرَ: قال ابنُ (١٦٤/٥م) عَبدِ البَرّ(٩): فيه حُجَّةٌ لِمَالِكٍ في قَولِه: إنَّ طَوافَ القُدُومِ إذَا وُصِلَ بِالسَّعيِ يُجزِئُ عن طَوافِ الإِفَاضَةِ؛ لِمَن تَرَكَه جَاهلًا، أو نَسِيَه، حَتَّى رَجَعَ(١٠) إلى بَلَدِهِ، وعَلَيه الهَديُ. قال(١١): ولا أعلَمُ أحَدًا قاله غَيْرَه، وغَيرَ أصحَابِهِ . (١) الحسين بن محمد بن عبد الله، أبو عبد الله الحناطي (بحاء مهملة، ونون مشددة، نسبة إلى بيع الحنطة)، كان يحفظ كتب الشافعي، وكان له مصنفات وأوجه منظورة، توفي قبل الأربعمائة. طبقات الشافعية الكبرى (٣٦٧/٤). (٢) ينظر: المجموع (٧/ ١٩٢). (٣) التمهيد (١٩٠/١٥). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (م). (٧) ليس في: الأصل. (٩) التمهيد (٢٢٠/١٥). (١١) في الأصل: ((قالا)). (٤) الموطأ (٣٨٥/١). (٦) المحلى (١٦٧/٧). (٨) التمهيد (١٩١/١٥). (١٠) في (ك٢): ((يرجع)). ٥١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قُلتُ: هو مُقْتَضَى قَولِه في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ من طَرِيقِ الليثِ، عن نَافِعِ: ورَأى أن قد قُضِيَ طَوَافُ الحَجِّ والعُمرَةِ بِطَوافِهِ الأولِ، وقال ابنُ عُمَرَ: [٤٧/٢ و] (كَذلك فَعَلَ رسولُ الله ◌ِ﴾)). وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) كَمَا تَقْدمَ، بَل مُقْتَضَاه الإجزَاءُ بِدُونِ الجَهلِ والنِّسَانِ، فَيَحْتَاجُ المَالِكِيَّةُ وغَيرُهم إلى الجَوابِ عنه، فَإِنَّ أعمَالَ العُمرَةِ قد اندَرَجَت في الحَجِّ عِندَ القَائِلِ بِذلك، وطَوافُ الحَجِّ لا يَجِيءُ وقَتُه إلا يَومَ النَّحرِ، فَإِن كَانَ أحَدٌ يَقُولُ: إنَّ طُوافَ العُمرَةِ يَقُومُ مَقَامَ طَوافِ الحَجِّ، ويَكُونُ الطَّافُ المَأتِي بِهِ أولًا، لَم يُقْصَد بِهِ القُدُومُ، وإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ طُوافُ الرُّكنِ لِلعُمرَةِ، وسَدَّ عن طَوافِ الحَجِّ، استَقَامَ ذلك، وإلا أَشكَلَ جِدًّا. واللهُ أعلمُ. وقال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (١)، في قَولِهِ عِندَه، من طَرِيقِ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعِ: (ثُمَّ لَم يَحِلَّ منهمَا حَتَّى حَلَّ منهمَا بِحَجّةٍ يَومَ النَّحرِ)): مَعنَاه: حَتَّى أحَلَّ منهمَا يَومَ النَّحرِ بِعَمَلِ حَجَّةٍ مُفرَدَةٍ. انتَهَى. وهو حَسَنٌّ، ولَعَلَّ قَولُه في تِلكَ الرِّوايَةِ: (بِطَوافِهِ الأولِ)). أَرَادَ بِهِ السَّعيَ، فَهو طَوافٌ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، فَهو الذِي اكتَفَى (٢) بِالإتيَانِ بِهِ أولًا، أمَّا الطّوافُ بِالبَيتِ، فَلا بُدَّ من الإتيَانِ بِه يَومَ النَّحرِ، ويَدُلُّ لِذلك مَا في ((صَحِيحِ مسلم))(٣)، وغَيرِه (٤)، عن جَابِرٍ، قال: (لَم يَطْف النَّبِي بَ لَه ولا أصحابُه بَيْنَ الصَّفَاُ والمَروةِ إلا طوافًا واحِدًا، طَوافُه الأولُ)). وقال البَيهَقِيُّ في ((سُنَنِه))(٥) في (٦) حَدِيثِ عَائِشَةَ رِّنَا، المُتَّفَقِ عَلَيه: ((وأمَّا الذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الحَجَّ والعُمرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوافًا واحِدًا)). أرَادَت السَّعيَ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ. وذلك بَيِّنٌ في رِوايَةِ جَابِرٍ، يُؤَيِّدُ(٧) الحَدِيثَ الذِي قدمته. واللهُ أعلمُ. (١) شرح صحيح مسلم (٢١٤/٨). (٣) ليست في الأصل. (٢) في (ح): ((التقي)). (٤) مسلم (١٤٠/١٢١٥)، وأبو داود (١٨٩٥)، والنسائي (٢٩٨٦). (٥) السنن الكبرى (١٠٦/٥). في (ح): ((یرید)). (٧) (٦) ليست في: (م). = ٥١٧ بَابُ الإحصَارِ الحَدِيثُ الثَّانِي عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: دَخَلَ النَّبِيُّ بَّ عَلى ضُبَاعَةَ بِنتِ الزُّبَيرِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، فقالت: إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وأنَا شَاكِبَةٌ. فقال النَّبِيُّ ◌َِّ: ((حُجِّي واشتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيثُ حَبَستِنِي)). فيه فوائدُ: الأُولى: أخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(١) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ. وأخرَجَاه(٢) أيضًا من رِوايَةِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمٍَ، عن هشَامِ بنِ عُروةً، عن أبيه، عن عَائِشَةً . وأخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ (٣) من رِوايَةِ أبي أُسَامَةَ حَمَّادِ بنِ أُسَامَةَ، عن هِشَامٍ، عن أبيه، عن عَائِشَةً. ورَواه ابنُ مَاجَه (٤) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ فُضَيلٍ، ووكِيعٍ، كِلاهمَا عن هشَامِ، عن أبيه، عن ضُبَاعَةً. ورَواه الشَّافِعِيُّ (٥) عن ابنِ عُيَينَةَ، عن هشام، عن أبيه مُرسَلًا. وقال: لَو ثَبَتَ حَدِيثُ عُروةَ عن النَّبِيِّ وَ ﴿ في الاسْتِثنَاءِ لَم أعدُه إلى غَيرِهِ؛ لأنه لا يَحِلُّ عِندِي خِلافُ مَا ثَبَتَ عن رسولِ اللهِ وَلَيهِ . قال البَيْهَقِيُّ (٦): أمَّا حَدِيثُ ابنِ عُيَينَةَ، فَقد رَواه عنه عَبدُ الجَبَّارِ بنُ العَلاءِ مَوْصُولًا، بِذِكرِ عَائِشَةَ فيه، وثَبَتَ وصلُه أيضًا من جِهَةِ أبي أُسَامَةَ حَمَّادِ بنِ (١) مسلم (١٠٥/١٢٠٧)، والنسائي (٢٧٦٧). (٢) مسلم (١٢٠٧)، والنسائي (؟؟؟). (٣) البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧ / ١٠٤). (٤) ابن ماجه (٢٩٣٧). (٥) مسند الشافعي (٩٨٤ - شفاء)، والأم (٣٩٧/٣). (٦) معرفة السنن والآثار (٢٤٨/٤). ٠٥١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أُسَامَةَ، أخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ، وثَبَتَ عن مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، وعن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، أخرَجَه مسلمٌ، وعن عَطَاءٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، وطَاؤُسٍ، وعِكرِمَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِّ وَّزَ، وهو مُخَرَّجُ في ((صَحِيحِ مسلم))(١). انتَهَى. وأخرَجَ حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ أيضًا أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ))(٢)، ورَوَاَه ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))، والدَّارَقُطِنِيُّ(٣) من رِوايَةٍ عُبَيدِ الله (٤) بنِ عُمَرَ، عَن القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عن (١٦٦/٥م) عَائِشَةَ. وقال ابنُ حَزمٍ(٥): قد (٦) صَحَّ. وبَالَغَ في الصِّحَّةِ، فَهو قَولُه. وفي البَابِ أيضًا عن أسمَاءَ بِنتِ أبي بَكرٍ، أو سُعدَى بِنتِ عَوفٍ، رَواه ابنُ مَاجَه(٧) عَلى الشَّكِّ هَكَذَا، وجَابِرِ، رَواه البَيْهَقِيُّ (٨) . وقال ابنُ حَزمٍ في ((المُحَلى))(٩)، بَعدَ ذِكرِ هَذِهِ الأحَادِيثِ سِوى حَدِيثٍ أسمَاءَ أو سُعدَى: فَهَذِه آثَارٌ مُتَظَاهرَةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يَسَعُ أحَدًا الخُرُوجُ عنها. وقال النسائيُّ: لا أعلَمُ أحَدًا أسنَدَه عن الزُّهرِيِّ، غَيرُ مَعمَرٍ. وقال في مَوضِعِ آخَرَ: لَم يُسنِده عن مَعمَرٍ غَيرُ [٤٧/٢ظ] عَبدِ الرَّزَّاقِ، فِيمَا أعلَمُ. وأشَارَ القَاضِي عِيَاضٌ (١٠) إلى تَضعِيفِ الحَدِيثِ، فَإِنَّه قال: قال الأصِيلِيُّ: لا يَثْبُتُ في الاشتِرَاطِ إسنَادٌ صَحِيحٌ. وقال: قال النسائيُّ: (١١) لا أعلَمُ أسنَدَه عن الزُّهرِيِّ، غَيْرُ مَعمَرٍ . قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١٢): وهَذَا الذِي عَرَّضَ بِهِ القَاضِي، وقاله الأصِيلِيُّ من تَضعِيفِ الحَدِيثِ، غَلَّطْ فَاحِشٌ جِدًّا، نَبَّهتُ عَلَيه لِئَلا(١٣) يُغتَرَّ بِه؛ (١) مسلم (١٢٠٨). (٢) أبو داود (١٧٧٦)، والترمذي (٩٤١)، والنسائي (٢٧٦٤)، وابن ماجه (٢٩٣٨). (٣) ابن حبان (٣٧٧٣)، والدارقطني (٢٣٥/٢). (٤) ليس في: الأصل، (م). (٦) في (ك٢): ((وقد)). (٨) السنن الكبرى (٢٢٢/٥). (١٠) إكمال المعلم (٤/ ٢٢٧). (٥) المحلى (١١٤/٧). (٧) ابن ماجه (٢٩٣٦). (٩) المحلى (١١٣/٧). (١١) بعدها في (م): ((قال)). (١٢) شرح صحيح مسلم (١٣٢/٨). (١٣) ليس في: الأصل. = بَابُ الإحصَارِ ٥١٩ لأن هَذَا الحَدِيثَ مَشهورٌ في صَحِيحَي البخاريِّ، ومسلم، و((سُنَنِ)) أبي دَاوُد، والتّرمِذِيِّ، والنسائيِّ، وسَائِرِ كُتُبِ الحَدِيثِ المُعتَمَدَةِ من طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ عن جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ، وفيمَا ذَكَرَه مسلمٌ من تَنوِيعِ طُرُقِهِ أَبلَّغُ كِفَايَةٍ . وقال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ (١٦٧/٥م) التِّرمِذِيِّ)): و(١) النسائيُّ لَم يَقُل بِانفِرَادِ مَعمَرٍ بِهِ مُطلَقًّا، بَل بِانفِرَادِهِ بِهِ عن الزُّهرِيِّ، ولا يَلزَمُ من الانفِرَادِ المُقَيَّدِ الانفِرَادُ المُطلَقُ، فَقد أسنَدَه مَعمَرٌ، وأبُو أُسَامَةَ، وسُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ، عن هِشَامِ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، وأسنَدَه القَاسِمُ عنها، ولَو انفَرَدَ بِهِ مَعمَرٌ مُطلَقًا لَم يَضُرَّه، وكَم في ((الصَّحِيحَينِ)) من الأفرادِ (٢)، ولا يَضُرُّ إرسَالُ الشَّافِعِيِّ لَه، فَالحُكمُ لِمَن وصَلَ. هَذَا مَعَنَی کَلامِه. الثَّانِيَةُ: ((ضُبَاعَةُ))، بِضَمِّ الضَّادِ المُعجَمَةِ، بَعدَها بَاءٌ مُوحَّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ، وبَعَدَ الألِفِ عَيْنٌ مُهمَلَةٌ، بِنتُ الزُّبَيرِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشِمٍ، هيَ بِنتُ عَمِّ النَّبِيِّ بَّهَ، وأمَّا قَولُه في رِوايَةِ ابنِ مَاجَه من حَدِيثِ أسمَاءَ، أو سُعدَى: ((دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةً بِنتِ عَبدِ المُطَّلِبٍ))، فَهو وهَمٌّ، و(٣) لا يُتَأولُ بِمَا قاله والِدِي تَُّهُ في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) من أنَّه نِسبَةٌ إلى جَدِّها؛ كقَولِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أنَا ابنُ عَبدِ المُطَّلِبٍ))(٤)؛ لأنَّه عَقَّبَ ذلك بِقَولِهِ: فقال: ((مَا يَمنَعُكِ يَا عَمَّتَاه من الحَجِ)). فَدَلَّ عَلى أَنَّه بَنَى عَلى أنَّها بِنتُ عَبدِ المُطَّلِبِ حَقِيقَةً، حَتَّى تَكُونَ عَمَّتَه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو وهَمّ. قال الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارَ: وَلَيسَ لِلْزُّبَيرِ بَقِيَّةٌ إلا من بِنْتَيه: أُمّ الحَكَم، وضُبَاعَةَ. انتَهَى. وكَانَت تَحتَ المِقدَادِ بنِ الأسودِ، كَمَا هو مُصَرَّحٌ بِه في رِوایَةٍ ((الصَّحِيحَينِ))، وبِسَبَبِ ذلك أورَدَ البخاريُّ هَذَا الحَدِيثَ في كِتَابِ النِّكَاحِ، في بَابٍ: الأكفَاءُ في الدِّينِ. يُشِيرُ إلى تَزويجِها (٥) بِالمِقدَادِ، ولَيْسَ كُفُؤَا لَها منَ حَيثُ النَّسَبِ، فَإِنَّه كِندِيٌّ، وَلَيسَت(٦) كِندَهُ أَكَفَاءً لِقُرَيشٍ؛ فَضلًا عن بَنِي هاشِمٍ، عِندَ مَن (١) ليس في: (ح). (٣) ليس في: (م). (٥) في (ح) و(م): ((تزوجها)). (٢) في (م): ((الانفراد)). (٤) البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦). (٦) في (م): ((وليس)). = ٥٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَعْتَبِرُ الكَفَاءَةَ في النَّسَبِ من العُلَمَاءِ، وإِنَّمَا هو كُفُؤٌّ لَها في الدِّينِ فَقَط. ووقَعَ في كَلامِ إِمَامِ الحَرَمَينِ، والغَزَّالِيِّ أنَّها ضُبَاعَةُ الأَسلَمِيَّةُ، وهو غَلٌَ فَاحِشٌ، كَمَا قال النَّوِيُّ وغَيرُهُ(١)، والصَّوابُ الهاشِمِيَّةُ، وَلَيسَ في الصَّحَابَةِ أُخرَى يُقَالُ لَها ضُبَاعَةُ الأسلَمِيَّةُ، ولَكِنَّهِمَا وهمَا فِي نِسَبَتِها(٢)، نَعَم في الصَّحَابَةِ أُخرَى تُسَمَّى ضُبَاعَةَ بِنتَ الحَارِثِ، أنصَارِيَّةٌ، وهيَ أُختُ أُمِّ عَطِيَّةً. ] الثَّالِثَةُ: دُخُولُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى ضُبَاعَةَ عِيَادَةٌ أو زِيَارَةٌ وصِلَةٌ، فَإِنَّا قَرِيبَتُه، كَمَا تَقدمَ، وفيه بَيَانُ تَواضُعِه، وصِلَتِهِ، وتَفَقُّدِهِ وَِّ، وهو مَحمُولٌ عَلى أنَّ الخَلوةَ هنَاكَ كَانَت مُنتَفيةً، فَإِنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَم يَكُن يَخلُو بِالأجنبياتِ، ولا يُصَافِحُهنَّ، وإِن كَانَ لَو فَعَلَ ذلك لَم يَلزَم منه مَفسَدَةٌ لِعِصِمَتِهِ، لَكِنَّهِم لَم يَعُدُّوا ذلك من (١٦٨/٥م) خَصَائِصِه، فَهو في ذلك كَغَيرِه في التَّحرِیمِ . الزَّابِعَةُ: قَولُها: ((فقالت: إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ)). قد يَقتَضِي ظَاهرُه أنَّها قالت لَه ذلك ابتِدَاءً، وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)): ((لَعَلَّكِ أَرَدَتِ الحَجَّ)). وفي (صَحِيحِ مسلم)) من ذلك الوجه: ((أَرَدتُ الحَجَّ)). ولا مُنَافَاةَ(٣)، فَقد تَكُونُ إِنَّمَا قالت: ((إني (٤) أُرِيدُ الحَجَّ) في جَوابِ اسْتِفِهامِهِ لَها، ولَيسَ اللفظُ صَرِيحًا في أنَّها قالت ذلك ابتِدَاءً، وكَذَا قَولُه في رِوايَةِ ابنِ مَاجَه من حَدِيثِ ضُبَاعَةَ: أَنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال لَها: ((أمَا تُرِيدِينَ الحَجَّ العَامَ؟» ومن رِوايَةٍ أسمَاءَ أو سُعدَى: ((مَا يَمنَعُكِ من الحَجّ؟))؛ كُلُّ ذلك يَقتَضِي أَنَّ كَلامَها كَانَ جَوابًا لِسُؤَالِهِ، لَكِن في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ عَند(٥) مسلمٍ وأصحَابِ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ)): ((أنَّ ضُبَاعَةَ أَتَّت رسولَ الله ◌َّ، فقالت)). [٤٨/٢)] وهَذَا قد يُنَافي قَولَه في حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ)) . (١) المجموع (٣٠٥/٨). (٣) غير واضحة في (ك٢). (٤) في (م): ((إنما))، وليست واضحة في (٢٥). (٥) في (م): ((عن)). (٢) في (ح): ((نسبتهما)).