Indexed OCR Text
Pages 421-440
= ٤٢١ بَابُ طَوافِ المُتَّكِئِ عَلى غَيرِه قال النَّووِيُّ(١): يَعنِي: فَلا امتِنَاعَ في طَوافِه حَقِيقَةً، قال القَاضِي: وإن كَانَت رُؤْيَا مَنَام، كَمَا بَيَّنَه ابنُ عُمَرَ في حَدِيثِهِ، فَهَذَا مُحتَمِلٌ لِمَا تَقْدمَ، ولِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، وعَلى هَذَا يُحمَلُ مَا ذُكِرَ من طَوافِ الدَّجَّالِ بِالبَيتِ (٢ وأنَّ ذلك٢) رُؤيًا، إذ قد ورَدَ في ((الصَّحِيح))(٣): أنَّه لا يَدخُلُ مَكَّةَ والمَدِينَةَ، مَعَ أنَّه في رِوايَةِ مَالِكِ لَم يَذكُر طَوَافَ الدَّجَّالِ، وهو أثبَتُ مِمَّن رَوى طُوافَه، لِمَا قُلْنَاه. قُلتُ: سَواءٌ أَكَانَ في الحَدِيثِ [٢٨/٢ظ] أنَّه طَافَ أم لا، فَفيه أنَّه رَآهَ بِمَكَّةَ حَولَ الكَعبَةِ، وظَاهِرُه المُنَافَاةُ لِنَفيِ دُخُولِه مَّةَ، إلا أن يُؤَوَّلَ. فَلا تَتَوقَّفُ المُنَافَاةُ عَلى طَوافِهِ، ثُمَّ قال القَاضِي: وقد يُقَالُ: إنَّ تَحْرِيمَ دُخُولِها عَلَيه إنَّمَا هو في زَمَنِ فِتْنَتِهِ. واللهُ أعلمُ. الحَادِيَةَ عَشرَة: استَدَلَّ بِه المُصَنِّفُ تَخْتُهُ عَلى جَوازِ طَوافِ المُتَّكِئِ عَلى غَيرِهِ، ولا أعلَمُ فيه خِلافًا، إنَّمَا الخِلافُ في طَوافِ المَحمُولِ، وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): قد يَحتَجُّ بِهِ مَن يُجِيزُ الطَّوافَ عَلى الدَّابَّةِ، ولِلمَحمُولِ (٥) بِغَيرِ (٦) عُذرٍ، بِمَا ذُكِرَ من طَوافٍ عِيسَى عَلَاَ، عَلى مَنَاكِبٍ رَجُلَينٍ، ومَالِكٌ لا يُجِيزُه إلا لِعُذرٍ، ويُجَابُ عنه في قِصَّةٍ عِيسَى بِأنَّها مَنَامٌ، كَمَا رُوِيَ، أو مُحتَمِلَةٌ لِلمَنَام، أو أنَّه لَيسَ في الواجِبِ، أو لَعَلَّه لِعُذرٍ، أو (٧) لأنَّ شَرِعَ مَن قَبلَنَا غَيرُ لازِم لَنَا. قُلتُ: ولا يَلزَمُ من صِحَّةِ طَوافِ المُتَّكِئِ صِحَّةُ طَوافِ المَحمُولِ، والنِّزَاعُ إِنَّمَا هو في الثَّانِي، والأولُ لَيسَ (١٠٠/٥م) هو مَوضِعَ خِلافٍ، فَلا يَحتَاجُ إلى تَكَلُّفِ الجَوابِ عنه. واللهُ أعلمُ. وقد ذَكَرَ أصحَابُنَا في صَلاةِ المُتَّكِئِ عَلى غَيرِهِ، والمُستَنِدِ إلى شَيءٍ، أَنَّه إن (١) شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٣٤). (٢ - ٢) في الأصل: ((وإن كان))، وفي (ح): ((وإن كان ذلك)). (٣) البخاري (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣) عن أنس. (٤) إكمال المعلم (٥٢٣/١). (٥) في (ح): ((المحمول)). (٦) في الأصل، (ح): ((لغير)). (٧) ليس في: الأصل. ٤٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ سُلِبَ اسمُ القِيَامِ، بِحَيثُ إِنَّه لَو رَفَعَ قدمَيه عن الأرضِ لأمكَنَه البَقَاءُ، فَهو مُعَلِّقٌ نَفْسَه ولَيسَ بِقَائِمِ، فَلا تَصِحُ صَلاتُه، وإن لَم يَكُن كَذلك فَفيه أوجُهُ: أصَحُّها: صِحَّةُ صَلاتِهِ، وإن كَانَ بِحَيثُ لَو رَفَعَ السِّنَادَ لَسَقَطَ. والثَّانِي: عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطلَقًا . والثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ، فَيَصِحُّ إِن كَانَ بِحَيثُ(١) لَو رَفَعَ السِّنَادَ لَم يَسقُط، وإلا فَلا. ولا يَتَّجِه مِثلُ ذلك في الطَّوافِ، فَإِنَّه لا يُشتَرَطُ فيه القِيَامُ، حَتَّى لَو طَافَ زَحفًا صَحَّ مَعَ القُدَرَةِ، كَمَا ذَكَرَه القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وحَكَاه عنه النَّووِيُّ في (شَرحِ المُهَذَّبِ))(٢)، لَكِن قال: إنَّه مَكُرُوهٌ. ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَ: المَسِيحُ ابْنُ مَريَّمَ، لا خِلافَ في أنَّه بِفَتَحِ المِيمِ، وكُسرِ السِّينِ مُخَفَّفَةً، واختُلِفَ فِي سَبَبٍ تَسمِيَتِه بِذلك: قال الواحِدِيُّ: ذَهَبَ أَبُو عُبَيدٍ، والليثُ إلى أنَّ أصلَه بِالعِبرَانِيَّةِ: ((مُشِيحًا))(٣) فَعَرَّبَته العَرَبُ، وغَيَّرَت لَفظَه، كَمَا قَالُوا: ((مُوسَى))، وأصلُه: ((مُوشَى)) أو: ((مِيشَا))(٤) بِالعِبرَانِيَّةِ، فَلَمَّا عَرَّبُوه غَيَّرُوه، فَعَلَى هَذَا: لا اشتِقَاقَ لَه. قال: وذَهَبَ أكثَرُ العُلَمَاءِ إلى أنَّه مُستَقٍّ. وَذَا قال غَيرُه: إنَّه مُستَقٌّ عَلى قَولِ الجُمهورِ، ثُمَّ (٥) اختَلَفَ هَؤُلاءِ، فَحُكِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿ّ؛ أنَّه قال: لَم يَمسَحِ ذَا عَاهَةٍ إلا بَرَأ. وقال إبراهيمُ، وابنُ الأعرَابِيِّ: المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقِيلَ: لِكَونِهِ مَسِيحَ أسفَلِ القدمَينِ، لا أخمَصَ لَه. وقِيلَ: لِمَسح زَكَرِيًّا إِيَّاه. وقِيلَ: لِمَسحِه الأرضَ؛ أي: قَطعِها. وقِيلَ: لأنَّه خَرَجَ من بَطنِ أُمَّه مَمسُوحًا بِالدُّهنِ. وقِيلَ: لأنَّه مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ حِينَ وُلِدَ. وقِيلَ: لأنَّ اللهَ تَعَالى مَسَحَه؛ أي: خَلَقَه خَلفًا حَسَنًا. وقِيلَ غَيرُ ذلك(٦). (١) ليست في الأصل. (٣) في الأصل: ((مسیحًا)). (٥) في (ح): ((و). (٢) المجموع (٣٨/٨). (٤) في الأصل، (م): ((ميسا)). (٦) نقل المصنف هذا الكلام بنصه من شرح صحيح مسلم للنووي (٢٣٤/٢). = بَابُ طَوافِ المُتَّكِئِ عَلَى غَيرِه ٤٢٣ ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((جَعْدٍ)) بِفَتحِ الجِيمِ، وإسكَانِ العَينِ المُهمَلَةِ، وقَولُه: ((قَطَطٍ)) بِفَتح القَافِ والطَّاءِ الأُولى، هَذَا هوَ المَشهور، وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(١) كَسرَها أيضًا، والشَّعرُ الجَعدُ: هو الذِي فيه تَقَبُّضٌ (٢) والتِواءٌ، ضِدُّ الَسبطِ(٣)، وهو المُستَرسِلُ. والقَطَّطُ: هو شَدِيدُ الجُعُودَةِ. قاله الجَوهَرِيُّ، والقَاضِي عِيَاضٌ، وغَيرُهمَا (٤). وكَذَا قال في ((النِّهايَةِ))(٥)، ثُمَّ قال: وقِيلَ: الحَسَنُ الجُعُودَةُ. قال: والأولُ أكثَرُ. وقال الهَرَوِيُّ: الجَعدُ في صِفَاتِ الرِّجَالِ يَكُونُ مَدحًا، ويَكُونُ ذَمًّا، فَإِذَا(٦) كَانَ ذَمَّا فَلَه مَعنَيَانِ : أحَدُهمَا: القَصِيرُ المُتَرَدِّدُ الخَلقِ . والآخَرُ: البَخِيلُ، يُقَالُ: رَجُلٌ جَعدُ اليَدَينِ، وجَعدُ الأصَابِعِ، (١٠١/٥م)؛ أي: بَخِيلٌ. وإِذَا كَانَ مَدحًا فَلَه أيضًا مَعنّيَانِ : أحَدُهمَا: أن يَكُونَ مَعنَاه سَدِيدَ الخَلقِ . والآخَرُ: أن يَكُونَ شَعرُهُ جَعدًا غَيرَ سَبِطِ، فَيَكُونُ مَدحًا؛ لأن السُّبُوطَةَ أكثَرُها في شُعُورِ العَجَم. قال القَاضِي عِيَاضٌ: قال غَيرُ الهَرَوِيِّ: الجَعدُ فِي صِفَةِ الرِّجَالِ ذَمٌّ، وفي صِفَةٍ عِيسَى ◌ِلَّ مَدحٌ. قُلتُ: تَقَدمَ في الفَائِدَةِ الأُولى أنَّ في ((الصَّحِيحَينِ)) من رِوايَةِ سَالِمٍ، عن أبيه، وصَفَ عِيسَى بِالسُّبُوطَةِ، وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)) من طَرِيقِ مُجَاهدٍ [٢٩/٢ و] عن ابنِ عُمر مَرفُوعًا: ((فَأمَّا عِيسَى فَأحمَرُ جَعدٌ عَرِيضُ الصَّدرِ))(٧)، فَتَبَيَّنَ أنَّ كُلَّا منهمَا قد وُصِفَ بِالجُعُودَةِ. (١) مشارق الأنوار (١٨٣/٢). (٢) في (ح): ((نقيض)). (٣) في الأصل و(م): («البسط)). الصحاح (١١٥٤/٣)، ومشارق الأنوار (١٨٣/٢)، ولسان العرب (٣٨٠/٧). (٤) النهاية (٨١/٤). (٦) في (ح): ((فأما إذا)). (٥) (٧) البخاري (٣٤٣٨)، والصواب أنه موقوف على ابن عباس. وينظر لزامًا: تحفة الأشراف (٦٤١٣)، وفتح الباري (٦/ ٤٨٥). ٤٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((كَأَنَّها عِنَبَةٌ طَافِيةٌ)) رُوِيَ بِالهَمِزِ، وبِغَيرِ هَمزٍ، فَمَن هَمَزَ فَمَعنَاه: ذَهَبَ ضَوءُها، ومَن لَم يَهمِزِ فَمَعنَاه: نَاتِئَةٌ بَارِزَةٌ، ثُمَّ إِنَّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّه: ((أعورُ العَينِ اليُمنَى)). وهو المَشهورُ، وفي رِوايَةٍ أُخرَى أنَّه: ((أعورُ العَينِ اليُسرَى)). وقد ذَكَرَهمَا جَمِيعًا مسلمٌ في آخِرِ ((صَحِيحِه)) (١)، وكِلاهمَا صَحِيحٌ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): رُوِّينَا هَذَا الحَرفَ، وهو: (طَافيةٌ)) عن أكثَرِ شُيُوخِنَا بِغَيرِ هَمزٍ، وهو الذِي صَحَّحَه أكثَرُهم، وإِلَيه ذَهَبَ الأخفَشُ، ومَعنَاه: نَاتِئَةٌ كَنُتُوءِ حَبَّةِ العِنَبِ من بَيْنِ صَواحِبِها، وضَبَطَه بَعضُ شُيُوخِنَا بِالهَمْزِ(٣)، وأنكَرَه بَعضُهم، ولا وجهَ لإِنكَارِهِ، وقد وُصِفَ في الحَدِيثِ بِأنَّه: ((مَمسُوحُ العَينِ))، وأنَّها لَيسَت حَجراءَ ولا نَاتِئَةً، وأنَّها مَطمُوسَةٌ، وهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ العِنَبِ إِذَا سَالَ مَاؤُها، وهَذَا يُصَحِّحُ رِوايَةَ الهَمِزِ. وأمَّا مَا جَاءَ في الأحَادِيثِ الأُخَرِ: ((جَاحِظُ العَينِ، وكَأَنَّها كَوكَبٌ))، وفي رِوايَةٍ: ((لَها حَدَقَةٌ جَاحِظَةٌ، كَأنَّها نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ))؛ فَيُصَحِّحُ رِوايَةَ تَركِ الهَمِزِ، لَكِن يُجمَعُ بَيْنَ الأحَادِيثِ، وتُصَخَّحُ الرِّوايَاتُ جَمِيعًا، بِأن تَكُونَ المَطْمُوسَةَ والمَمسُوحَةَ والتي لَيسَت بحَجرَاءَ (٤) ولا نَاتِئَةٍ هيَ العَورَاءُ الطَّافئةُ بِالهَمزِ، وهيَ العَينُ اليُمنَى كَمَا جَاءَ هنَا، وَتَكُونُ الجَاحِظَةُ والتي كَأنَّها كَوكَبٌ وكَأَنَّها نُخَاعَةٌ، هيَ الطَّافيةُ بِغَيرِ هَمزٍ، وهيَ العَينُ الْيُسرَى، كَمَا جَاءَ في الرِّوايَةِ الأُخرَى. وهَذَا جَمِعٌ بَيْنَ الأحَادِيثِ والرِّوايَاتِ في الطَّافِئَةِ بِالهَمزِ وبِتَركِه، وأعورُ اليُمِنَى واليُسرَى؛ لأن كُلَّ واحِدَةٍ منهمَا عَورَاءُ، فَإِنَّ الأعورَ من كُلِّ شَيءٍ المَعِيبُ، لا سِيَّمَا مَا يَخْتَصُّ بِالعَينِ، وكِلا عَينَي الدَّجَّالِ مَعِيبَةٌ عَورَاءُ: فَإحدَاهَمَا بِذَهابِها، والأُخرَى بِعَيْبِها. انتَهَى كَلامُ القَاضِي، وحَكَاه عنه النَّووِيُّ (٥)، ثُمَّ قال: وهو في نِهايَةٍ من الحُسنِ. (١) مسلم (١٠٠/١٦٩) عن ابن عمر، (١٠٤/٢٩٣٤) عن حذيفة. (٣) في (م): ((بالهمزة)). (٢) إكمال المعلم (٥٢١/١). (٤) في (م): ((حجرًا)). (٥) شرح صحيح مسلم (٢٣٥/٢). = ٤٢٥ بَابُ طَوافِ المُتَّكِئِ عَلَى غَيرِهِ وذَكَرَ (١٠٢/٥م) ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): أنَّ حَدِيثَ: ((أعورُ العَينِ البُمنَى)). أَثبَتُ من جِهَةِ الإسنَادِ. فَأَشَارَ إلى التَّرجِيحِ، والجَمعُ إن أمكنَ مُقدِمٌ. واللهُ أعلَمُ. الخَامِسَةَ عَشَرَ: المَشهورُ في لَفِظِ: ((المَسِيحِ الدَّجَّالِ))، أنَّه بِفَتحِ المِيم، وكُسرِ السِّينِ، مُخَفَّفَةً، وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ؛ كالمَسِيحِ ابنِ مَريَمَ عَلَّا، إلا أَنَّ هَذَا مَسِيحُ الهدَى، وذَاكَ مَسِيحُ الضَّلالَةِ. وضَبطُ الدَّجَّالِ بِثَلاثَةِ أوجُهٍ أُخرَى: أحَدُها: كَسرُ المِيمِ، وتَشدِيدُ السِّينِ، وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ أيضًا . والثَّانِي: فَتحُ المِيمِ، وتَخفيفُ السِّينِ، وبِالخاءِ المُعجَمَةِ. والثَّالِثُ: كَسرُ المِيمِ، وتَشدِيدِ السِّينِ، وبِالخَاءِ المُعجَمَةِ. وقد (٢) تَقدمَ بَسطُ ذلك في بَابِ الدُّعَاءِ من هَذَا الكِتَابِ. (١) التمهيد (١٩٣/١٤). (٢) في (ح): ((و)). ٤٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ السَّعي بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ عن عُروَةَ، عن عَائِشَةَ رَّنَا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قالت: ((كَانَ رِجَالٌ من الأنصَارِ، مِمَّن كَانَ يُهلُّ لِمَنَاةَ في الجَاهِلِيَّةِ، ومَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ تَعظِيمًا لِمَنَاةَ، فَهَل (١٠٣/٥م) عَلَينَا مِن حَرَج أن نَطُوفَ بِهِمَا؟)) [فَأَنزَلَ اللهُ رَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ خِّجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].](١). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: ذَكَرَه البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٢) تَعلِيقًا مَجزُومًا بِهِ، فقال: وقال مَعمَرٌ بِهِ . وأخرَجَه البخاريُّ، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةٍ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ: قال عُروةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلتُ لَها: أَرَأيتِ قَولَ اللهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَأَ﴾ [البقرة: ١٥٨]. فَوالله مَا عَلى أحَدٍ جُنَاحٌ ألَّا يَطُوفَ بِالصَّفَا والمَروةِ. قالت: بِئْسَ مَا قُلتَ يَا ابْنَ أُختي، إنَّ هَذِه الآيَةَ لَو كَانَت كَمَا أولتها عَلَيه، لَكَانَت: لا جُنَاحَ عَلَيهِ أَلَّا يَطُوفَ بِهِمَا، ولَكِنَّهَا أُنزِلَت في الأنصَارِ، كَانُوا قَبلَ أن يُسلِمُوا يُهلُّونَ(٤) لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، التي كَانُوا يَعْبُدُونَها عِندَ المُشَلَّلِ، فَكَانَ مَن أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أن يَطُوفَ (١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٢) البخاري عقب الحديث (٤٨٦١). (٣) البخاري (١٦٤٣)، والنسائي (٢٩٦٨). (٤) في الأصل: ((يهللون)). = بَابُ السَّعىٍ بَينَ الصَّفَا والمَروةِ ٤٢٧ بِالصَّفَا والمَروةِ، [فَلَمَّا أسلَمُوا سَأَلُوا النبيَّ وَ جَ عن ذلك، قَالُوا: يَا رسولَ الله، إنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أن نَطُوفَ (١٠٤/٥م) بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ](١). فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا [٢٩/٢ظ] وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨]. قالت عَائِشَةُ: وقد سَنَّ(٢) رسولُ اللهِ وَ الطَّوافَ بَيْنَهمَا، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أن يَتْرُكَ الطَّوافَ بَيْنَهمَا)) . واتَّفَقَ عَلَيهِ الشَّيخَانِ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةً. [وأخرَجَه مسلمٌ(٤) من رِوايَةٍ عُقَيلِ بنِ خَالِدٍ، ومن رِوايَةٍ يُونُسَ بِنِ يَزِيدَ (٥) كُلُّهم عن الزُّهرِيِّ. ولَفظُ ابنِ عُيَيْنَةً] (٦)، وعُقَيلٍ، بِنَحوِ لَفِظِ شُعَيبٍ، وَلَفظُ يُونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ أنَّ(٧) عَائِشَةَ أخبَرَته أنَّ الأنصَارَ كَانُوا قَبَلَ أن يُسلِمُوا، هم وغَسَّانُ يُهُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا(٨) أن يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، وكَانَ ذلك سُنَّةً في آبَائِهم، مَن أحرَمَ لِمَنَاةَ لَم يَطُف بَينَ الصَّفَا والمَروةِ، وأنَّهم سَألُوا رسولَ اللهِ وَ ﴿ عن ذلك حِينَ (٩) أسلَمُوا، فَأَنزَلَ اللهُ في ذلك: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللهِ﴾ الآيةَ. وأخرَجَه البخاريُّ، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ(١٠) من طَرِيقِ مَالِكٍ. ومسلمٌ، وابنُ مَاجَه (١١) من طَرِيقِ أبي أُسَامَةَ حَمَّادِ بنِ أُسَامَةً. ومسلمٌ(١٢) وحدَه من رِوايَةِ أبي مُعَاوِيَةَ. ثَلاثَتُهم عن هشَامِ بنِ عُروةً، عن أبيه، عن عَائِشَةَ رُِّنَا . الثَّانِيَةُ: الصَّفَا والمَروةُ جَبَلا السَّعي اللذَانِ يُسعَى من أحَدِهمَا إلى الآخَرِ، والصَّفَا في الأصلِ جَمِعُ صَفَاةٍ، وهيَ الصَّخرَةُ والحَجَرُ الأملَسُ، والمَروةُ (١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٢) في (م): ((بين) . (٣) البخاري (٤٨٦١)، ومسلم (٢٦١/١٢٧٧)، والترمذي (٢٩٦٥)، والنسائي (٢٩٦٧). (٤) مسلم (١٢٧٧ / ٢٦٢). (٥) مسلم (١٢٧٧/ ٢٦٣). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٧) في (ح): (عن). (٨) في الأصل: ((فيتحرجوا)). (٩) ليس في: الأصل. (١٠) البخاري (١٧٩٠)، وأبو داود (١٩٠١)، والنسائي في الكبرى (١١٠٠٩). (١١) مسلم (٣٦٠/١٢٧٧)، وابن ماجه (٢٩٨٦). (١٢) مسلم (٣٥٩/١٢٧٧). = كم ٤٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ في الأصلِ حَجَرٌ أبيَضُ بَرَّاقٌ، وقِيلَ: هيَ الحِجَارَةُ التي تُقْدَحُ(١) منها النَّارُ. ■ الثَّالِثَةُ: قال الأزهَرِيُّ(٢): الشَّعَائِرُ: المَعَالِمُ الَّتِي نَدَبَ اللهُ إلَيها، وأمَرَ بِالقِيَامِ عَلَيها. وقال في ((النِّهايَةِ)) (٣): شَعَائِرُ الحَجِّ آثَارُهُ وعَلامَاتُه، جَمِعُ شَعِيرَةٍ. وقِيلَ: هو كُلُّ مَا كَانَ من أعمَالِه؛ كَالوُقُوفِ، والطّوافِ، والسَّعي، والرَّمىٍ، والذَّبحِ، وغَيرِ ذلك. وقال في ((الصِّحَاحِ)) (٤): الشَّعَائِرُ أعمَالُ(٥) الحَجِّ، وكُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمَا لِطَاعَةِ اللهِ. قال الأصمَعِيُّ: الواحِدُ شَعِيرَةٌ. قال: وقال بَعضُهم: شَعَارَةٌ، والمَشَاعِرُ مَواضِعُ المَنَاسِكِ. الرَّابِعَةُ: استَدَلَّ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ بِهَذِه الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّ السَّعيَ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لأنها دَلَّت عَلى رَفعِ الجُنَاحِ، وهو الإثمُ عن فَاعِلِه، وذلك يَدُلُّ عَلى إِبَاحَتِهِ، ولَو كَانَ واحِبًا لِمَا قِيلَ فيه مِثْلُ هَذَا، وَرَدَّت عَلَيه عَائِشَةُ عََّا بِأنَّها إِنَّمَا كَانَت تَدُلُّ عَلى الإِبَاحَةِ لَو كَانَ لَفِظُها: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيه ألَّا يَطُوفَ بِهِمَا))، فَإِنَّها حِينَئِذٍ كَانَت تَدُلُّ عَلى رَفع الإثمِ عن تَارِكِه، وذلك حَقِيقَةُ المُبَاحِ، بَل هيَ سَاكِتَةٌ عن الوُجُوبِ وعَدَمِه، ويُسْتَفَادُ الْوُجُوبُ من دَلِيلٍ آخَرَ، والحِكمَةُ في التَّعبيرِ بِنَفيِ الإثمِ المُطَابَقَةُ لِجَوابِ سُؤَالِ الأنصَارِ عن ذلك: هَل فيه إثمّ؟ (١٠٥/٥م) فَأُجِيبُوا بأنَّه لا إثمَ فیه . قال النَّوِيُّ في ((شَرح مسلم)) (٦): قال العُلَمَاءُ: هَذَا من دَقِيقِ عِلمِها وفَهمِها الثَّاقِبِ، وكَبيرِ مَعرِفَتِها بِدَقَائِقِ الأَلْفَاظِ. قال: وقد يَكُونُ الفِعلُ واجِبًا، ويَعتَقِدُ إنسَانٌ أَنَّه يَمْتَنِعُ إِيقَاعُه عَلى صِفَةٍ مَخصُوصَةٍ، وذلك كَمَن عَلَيه صَلاةُ الُهرِ، وظَنَّ أنَّه لا يَجُوزُ فِعلُها عِندَ غُرُوبِ الشَّمسِ، فَسَألَ عن ذلك، فَيُقَالُ في جَوابِهِ: لا جُنَاحَ عَلَيك إن صَلَّيتها في هَذَا الوقتِ. فَيَكُونُ جَوابًا صَحِيحًا، ولا يَقْتَضِي نَفِيَ وُجُوبٍ صَلاةِ الظُّهرِ. انتَهَى. (٢) ينظر: تهذيب اللغة (٢٦٦/١ - ٢٦٨). (١) في الأصل: ((يقدح)) . (٣) النهاية (٤٧٩/٢). (٤) الصحاح (٦٩٨/٢). في الأصل: أعلام. (٥) (٦) شرح صحيح مسلم (٢١/٩). = بَابُ السَّعىٍ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ ٤٢٩ وقد استُدِلَّ عَلى الوُجُوبِ بِأُمُورٍ : أَحَدُها: مَا رَواه الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ في ((مُسنَدِه))، والدَّارَقُطنِيّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيرُهم (١) من رِوايَةِ صَفيَةَ بِنتِ شَيبَةَ، قالت: أخبَرَتِي ابنَةُ أبي تَجْرَاةَ(٢) أَنَّها سَمِعَت رسولَ اللهِ وََّ، يَقُولُ: ((اسعَوا، فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُم السَّعْيَ)). ورَواه الدَّارَقُطِنِيُّ، والبَيهَقِيُّ(٣) أيضًا من رِوايَةِ صَفيةَ بِنتِ شَيبَةً، عن نِسوةٍ من بَنِي عَبدِ الدَّارِ، أَنَّهنَّ سَمِعنَ رسولَ اللهِ لَّهَ، وقد استَقبَلَ النَّاسَ في المَسعَى: وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسعَوا [٣٠/٢ و] فَإِنَّ السَّعَيَ قد كُتِبَ عَلَيكُمْ)). وذَكَرَ النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ)) (٤) في أولِ كَلامِه الطَّرِيقَ الأولَ، وقال: لَيسَ بِقَوِيٍّ، وإسنَادُه ضَعِيفٌ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستيعَابِ))(٥): فيه اضطِرَابٌ. ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ في آخِرِ كَلامِهِ، وقال: إسنَادُه حَسَنٌ. فَعَدَّ ذلك شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتِ)) تَنَاقُضًا، وقال: اختَلَفَ فيه كلامُ النَّووِيِّ، وجَوابُه أَنَّ ذلك بِاعتِبَارِ طَرِيقَينٍ، فَإِنَّ في الأولِ عَبدَ الله بنَ المُؤَمَّلِ، ولَيسَ في الثَّانِي، فَلِذلك ضَعُفَ الأولُ، وحَسُنَ الثَّانِي. قال ابنُ المُنذِرِ في ((الإشرَافِ))(٦): إن ثَبَتَ حَدِيثُ بِنتِ أبي (٧) تَجِرَاةَ وجَبَ فَرِضُ السَّعيِ، فَإِن (٨) لَم يَثْبُت، فَلا أعلَمُ دَلالَةً تُوجِبُه. والذِي رَواه عَبدُ الله بنُ المُؤَمَّلِ، وقد تَكَلَّمُوا في حَدِيثِه. انتهى. وقد أشَارَ الإسنَوِيُّ في بَقِيَّةِ كَلامِه لِذلك، فقال: وحَسَّنَه أيضًا الشَّيخُ (١) مسند الشافعي (٩٠٧ - شفاء)، ومسند أحمد (٤٢١/٦)، وسنن الدارقطني (٢٥٥/٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٩٨/٥)، والمستدرك (٤ /٧٠). (٢) هي حبيبة بنت أبي تجراة بن أبي فكيهة، واسمه يسار. ويقولون: إنهم من الأزد من حلفاء بني عبد الدار. ينظر: طبقات ابن سعد (٢٤٦/٨ - ٢٤٧). (٣) سنن الدارقطني (٢٥٥/٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٩٧/٥). (٥) الاستيعاب (١٨٠٧/٤). المجموع (٨٩/٨، ١٠٤). (٤) الإشراف (٢٩٣/٣). (٦) في (م): ((وإن)) . (٨) (٧) ليست في: الأصل. = ٤٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ زَكِيُّ الدِّينِ فِي كَلامِه عَلى ((أَحَادِيثِ المُهَذَّبِ))(١)، إلا أنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ رُوِيَ بِإِسنَادَينِ. انتَهَى. ومَعَ ذلك فَفي جَعلِهِمَا طَرِيقَينٍ، وتَضعِيفِ الأولِ وتَحسِينِ الثَّانِي نَظَرٌ، فَهو حَدِيثٌ واحِدٌ، مَدَارُه عَلى صَفيةَ بِنتِ شَيبَةَ وقَعَ الاختلافُ فيه، وقد سَلَكَ ذلك البَيْهَِيُّ وغَيرُه، وتَقْدمَ قَولُ ابنِ عَبدِ البَرِّ: إنَّ فيه اضِطِرَابًا . لَكِنَّه قال في ((الاستِذكَارِ)»(٢): اضطَرَبَ فيه غَيرُ الشَّافِعِيِّ، وأبي نُعَيمٍ الفَضلِ بنِ دُكَينٍ، عَلى عَبدِ الله بنِ المُؤَمَّلِ، وجَوَّدا(٣) إسنَادَه ومَعنَاه، وقد رَواه مَعَ (١٠٦/٥م) ابنِ المُؤَمَّلِ غَيْرُه، وابنُ المُؤَمَّلِ لَم يَطعن عَلَيه أحَدٌ إلا من سُوءٍ حِفِظِهِ، ولَم يُخَالِفه فيه غَيرُه فَيَتَبَيَّنَ فيه سُوءُ حِفِظِه. قال الشَّافِعِيُّ كَُّهُ: وهَذَا عِندَنَا، واللهُ أعلَمُ، عَلى إِيجَابِ السَّعيِ بَينَ الصَّفَا والمَروةِ، من قِبَلِ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ لا يَحتَمِلُ إلَّا السَّعيَ بَينَهمَا، أَوَ(٤) السَّعيَ في بَطنِ الوادِي، فَإذَا وجَبَ السَّعيُ في بَطنِ الوادِي، وهو بَعضُ العَمَلِ وجَبَ في كُلِّه. انتَهَى. الثَّانِي: استَدَلَّ البَيْهَقِيُّ عَلى ذلك بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا، وقَولِها فيه: ((ثُمَّ قد سَنَّ رسولُ اللهِ وَّهِ الطَّوافَ بَيْنَهَمَا، فَلَيْسَ لأحَدٍ أن يَتْرُكَ الطَّوافَ بَيْنَهمَا)). وبِقَولِها فيه أيضًا في ((صَحِيحِ مسلم)): ((ولَعَمرِي، مَا أتَمَّ اللهُ حَجَّ مَن لَم يَطْف بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ)) . الثَّالِثُ: اسْتَدَلَّ البَيْهَقِيُّ، وابنُ عَبدِ البَرِّ، والنَّووِيُّ، وغَيرُهم عَلى ذلك أيضًا بِكَونِهِ، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَانَ يَسعَى بَيْنَهمَا في حَجِّه(٥) وعُمرَتِه، وقال: ((خُذُوا عَنَي مَنَاسِكَكُم))(٦). (١) خرج المنذري بعض أحاديث المهذب بإسناده في مجلد، وصل فيه إلى قبيل البيع. طبقات ابن قاضي شهبة (١١٢/٢ - ١١٣). (٤) (٢) الاستذكار (٤ /١٩١). في (ح): ((و)). (٣) في الأصل، (م): ((جودوا)). (٥) في الأصل: ((حجة)). (٦) مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٣٠٦٢). = بَابُ السَّعىٍ بَينَ الصَّفَا والمَروةِ ٤٣١ الرَّابِعُ: واستَدَلَّ البَيهَقِيُّ عَلى ذلك أيضًا بِمَا في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(١) عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، قال: ((سَأَلْنَا ابنَ عُمَرَ ﴿ُّهَا عِن رَجُلٍ قَدَمَ بِعُمرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ ولَم يَطْف بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ؛ أيأتي امرَأتَه؟ فقال: قدمَ النَّبِيُّ لَِّ، فَطَافَ بِالبَيتِ سَبعًا، وصَلى خَلفَ المَقَامِ رَكعَتَينٍ، وَطَافَ بِالصَّفَا والمَروةِ سَبعًا، وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال عَمرٌو: سَألنَا جَابِرًا، فقال: لا يَقَرِبْها، حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ. الخَامِسُ: استَدَلَّ ابنُ حَزم(٢) عَلى ذلك بِمَا في ((الصَّحِيحَينِ))(٣) عن أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ قال: ((قدمتُ عَلى رسولِ اللهِ وَ له وهو مُنِيخٌ بِالبَطحَاءِ، فقال: ((ما حَجَجتَ؟)) فَقُلتُ: نَعَم. فقال: ((بِمَ أهلَلتَ)). فَقُلتُ: لَبَّيكَ بِإِهلالٍ كَإِهلالٍ رسولِ اللهِ وَّه، فقال: ((قد أحسَنتَ، طُف بِالبَيتِ وبَينَ الصَّفَا والمَروةِ وأحِلَّ)). قال ابنُ حَزْمٍ: بِهَذَا صَارَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ في العُمْرَةِ فَرِضًا . وقد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في هَذِهِ المَسأَلَةِ عَلى أقوالٍ(٤): أحَدُها: أنَّه رُكنٌ في الحَجِّ لا يَصِحُ إلا بِهِ، وكَذلك في العُمرَةِ، وهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، رحمهم اللهُ، في المَشهورِ عنه(٥)، وحَكَاه النَّوِيُّ(٦) عن جَمَاهيرِ العُلَمَاءِ [٣٠/٢ظ] من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ ومَن بَعدَهم. ورَواه ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) (٧) عن عَائِشَةَ مَّا، وعن مُجَاهِدٍ، وإبرَاهيمَ النَّخَعِيّ، أَنَّهمَا قَالا: إذَا نَسِيَ (٨) الطَّوافَ بَينَ الصَّفَا والمَروةِ، وهو حَاجٌّ، فَعَلَيه الحَجُّ، فَإِن كَانَ مُعتَمِرًا فَعَلَيه العُمرَةُ، ولا يُجزِئه إلا الطّوافُ بَينَهمَا. وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن إسحَاقَ بنِ رَاهويه، وأبي ثَورٍ، وقال بِهِ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ. (١) البخاري (٣٩٥، ٣٩٦). في (ح): ((الصحيح)). وقد سبق تخريجه. (٣) (٤) ينظر: الإشراف (٢٩٢/٣). ينظر: التلقين (٨١/١)، والأم (٥٤٤/٣)، والمغني (٢٣٨/٥). (٦) شرح صحيح مسلم (٢٠/٩). (٨) في (م): ((أنسي)). (٢) المحلى (٩٧/٧، ٩٨). (٥) (٧) مصنف ابن أبي شيبة (٧١٥/٣). ٤٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثَّانِي: أنَّه واجِبٌ، ويُجبَرُ تَركُه بِالدَّم، ويَصِحُّ الحَجُّ والعُمرَةُ بِدُونِهِ، وهَذَا مَذهَبُ أبي حَنِيفَةَ، ورِوايَةٌ عن أحمَدَ، وذَكَرَ النَّووِيُّ أنَّه الأَصَحُّ عنه، ورَواه ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)» (١) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن قَتَادَةَ، وسُفَيَانَ الثَّورِيِّ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ (٢)، عن الثَّورِيِّ: أنَّه إن نَسِيَه حَتَّى رَجَعَ إلى بَلَدِه أجزأه دَمٌّ. وعن أبي حَنِيفَةً وصَاحِبَيه: إن تَرَكَه عَمِدًا أو نِسيَانًا فَعَلَيه دَمٌّ. وذَكَرَ صَاحِبُ ((الهدَايَةِ)) (٣) من الحَنَفيةِ أن قولَه تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ﴾ يُستَعمَلُ مِثْلُه(٤) لِلإِبَاحَةِ، فَيَنْفي الرُّكِنِيَّةَ والإِيجَابَ، إلا أنَّا عَدَلنَا عنه في الإيجَابِ، ولأنَّ الرُّكِنِيَّةَ لا تَثْبُتُ إلا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، ولَم يُوجَد، ثُمَّ مَعنَى مَا رُوِيَ: ((كتب)) استِحبَابًا، كَمَا في قَوله تَعَالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٠]. انتَهَى. فَإِن قُلتَ: قد قال أولًا بِالوُجُوبِ، فَكَيفَ قال آخِرًا بِالاسْتِحِبَابِ؟ قُلتُ: لَم يَقُل آخِرًا بِالاستِحِبَابِ، وإنَّمَا قال: إنَّ مِثلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ، وهيَ: ((كتب)) تُستَعمَلُ في الاسْتِحِبَابِ، كَمَا في الآيَةِ التي استَشْهَدَ بِها، ثُمَّ هو مُنَازَعُ فيمَا ذَكَرَه في هَذِهِ الآيَةِ، بَل هيَ عَلى بَابِها من الوُجُوبِ، وكَانَت قَبلَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ، ثُمَّ نُسِخَت بِها، كَمَا هو مُقَرَّرٌ في التَّفْسِيرِ. واللهُ أعلمُ. الثَّالِثُ: أنَّه سُنَّةٌ، لَيسَ بِرُكٍ ولا واجِبٍ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، ورَواه ابنُ أبي شَيبَةً(٥) عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: إن شَاءَ سَعَى، وإن شَاءَ لَم يَسعَ. وعن عَطَاءٍ: أَنَّه كَانَ لا يَرَى عَلى مَن لَم يَسْعَ شَيئًا. قِيلَ لَه: قد تَرَكَ شَيئًا من سُنَّةِ رسولِ اللهِ وَلّ. قال. لَيسَ عَلَيه. وكَانَ يُفتي في العَلانِيَةِ بِدَم. وقال ابنُ المُنذِرِ: كَانَ أنَسُ بنُ مَالِكِ، وعَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، وابنُ سِيرِينَ يَقُولُونَ: هو تَطَوُّعٌ. وقد رُوِّينَا أنَّ في مُصحَفِ (٦) أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، وابنٍ مَسعُودٍ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيه أن (١) السابق (٧١٤/٣). (٣) الهداية (١/ ١٤٢). (٥) مصنف ابن أبي شيبة (٧١٥/٣). (٢) التمهيد (٩٧/٢). (٤) في الأصل: ((منه)) . (٦) في الأصل: ((مصنف)). = ٤٣٣ بَابُ السَّعىٍ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ لا يَطَّوفَ بِهِمَا﴾(١). [وحَكَى ابنُ حَزم(٢) أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقرَأُ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيه أن لا يَطَّفَ بِهِمَا﴾](٣). ثُمَّ قال: هَذَا قَولٌ من ابنِ عَبَّاسٍ، لا إدخَالٌ منه في القُرآنِ. ثُمَّ حَكَى ابنُ حَزمِ هَذِهِ القِرَاءَةَ عن أنَسٍ، قال: وهو قَولُ عَطَاءٍ، ومُجَاهِدٍ، ومَيمُونَ بنِ مِهِرَانَ. ورَوى البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ)) (٤) هَذِهِ القِرَاءَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، وأنَّه قال: فَنَسَخَتها هَذِه الآيَةُ: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فَلَمَّا نَزَلَت طَافُوا (١٠٨/٥م) بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، قال(٥) البَيْهَقِيُّ: وهَذِه الرِّوايَةُ، إن صَحَّت، تَدُلُّ عَلى أنَّ(٦) الأمرَ فيه صَارَ إلى الوُجُوبِ. الرَّابِعُ: أنَّ عَلى مَن تَرَكَ السَّعَيَ أن يَأتي بِعُمَرَةٍ. رَواه ابنُ أبي شَيبَةً(٧) عن طَاؤُوسٍ، وحَكَاه عنه أيضًا ابنُ المُنذِرِ (٨). الخَامِسُ: أَنَّه إن تَرَكَ من السَّعي أربَعَةَ أشواطٍ فَعَلَيهِ دَمٌّ، وإن تَرَكَ دُونَها لَزِمَه(٩) لِكُلِّ شَوطِ نِصفُ صَاعٍ، حَكَاهَ ابنُ المُنذِرِ عن أصحَابِ الرَّأيِ، وحَكَاه الدَّارِمِيُّ من أصحَابِنَا عن أبي حَنِيفَةَ. قال: وحَكَى ابنُ القَظَّانِ عن أبي عَلِيٍّ قَولًا كَمَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ، قال النَّووِيُّ في (شَرح المُهَذَّبِ))(١٠): وهَذَا القَولُ شَاةٌ غَلَطُ. وذَكَرَ النَّووِيُّ(١١) أيضًا أنَّ ابنَ المُنذِرِ حَكَّى هَذَا عن طَاؤُوسٍ، وإنَّمَا رَأيته حَكَى عن طَاؤُوسِ القَولَ الذِي قَبَلَه، وحَكَى هَذَا عن أصحَابِ الرَّأيِ، كَمَا تَقدمَ، وكَأنَّه سَقَطَ من نُسخَةِ النَّوِيِّ هنَا شَيءٌ، وقال ابنُ المُنذِرِ: واختُلِفَ عن عَطَاءٍ، فَرُوِيَ عنه أنَّه لا شَيءَ عَلى مَن تَرَكَه، ورُوِيَ عنه أَنَّه قال: عَلَيه دَمٌّ. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: يُطِعِمُ مَسَاكِينَ، أو يَذْبَحُ شَاةً يُطْعِمُها المَسَاكِينَ. انتَهَى. وهَذِه الرِّوايَةُ الأخِيرَةُ عن عَطَاءٍ قَولٌ سَادِسٌ. (١) ابن أبي داود في المصاحف (٢٩٢/١، ٣٣٩) عن ابن عباس، وأبي بن كعب. والطبري (٢٤١/٣) عن ابن مسعود. وينظر: الدر المنثور (٩٣/٢). (٢) المحلى (٩٧/٧). معرفة السنن والآثار (٢٩٨٤). (٤) ليس في: (ح). (٦) (٨) الإشراف (٢٩٢/٣). (١٠) المجموع (١٠٣/٨). (٣) ما بين المعكوفين، ليس في: الأصل. (٥) في الأصل: ((وقال)). (٧) مصنف ابن أبي شيبة (٧١٤/٣). (٩) في (م): ((لزم)). (١١) السابق (١٠٤/٨). ٤٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ واعلَم أنَّ ابنَ العَرَبي في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)»(١) [٢/ ٣١و] حَكَى إجمَاعَ الأُمَّةِ عَلى أنَّ السَّعيَ رُكنٌ في العُمرَةِ، وجَعَلَ الخِلافَ في الحَجِّ فَقَط، ولَم أرَ لِغَيرِهِ تَعَرُّضًا لِذلك، ويُخَالِفُه صَرِيحًا كَلامُ ابنِ حَزمٍ، فَإِنَّه حَكَى الخِلافَ في العُمَرَةِ، وحَكَى عن ابنِ عَبَّاسِ أنَّه قال: العُمرَةُ الطَّوافُ بِالبَيتِ. وكَذلك ابنُ عَبدِ البَرِّ، حَكَى الخِلافَ عن أبي حَنِيفَةَ وصَاحِبَيه في الحَجِّ والعُمَرَةِ. الخَامِسَةُ: (مَنَاهُ))، بِفَتحِ المِيمِ والنُّونِ، فَسَّرَه في الحَدِيثِ بِأنَّه صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخرَى في ((الَصَّحِيحِ)): ((لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ التي بِالمُشَلَّلِ)). [وهو بِالشِّينِ المُعجَمَةِ، وفَتح اللامِ، وتَشدِيدِها، وآخِرُه لامٌ أيضًا، وهو صَنَمٌ كَانَ نَصَبَه عَمرُو بِنُ لُحَيٍّ بِجِهَةٍ (٢) الَبَحرِ بِالمُشَلَّلِ](٣) مِمَّا يَلِي قديدًا، وقال ابنُ الكَلبي(٤): مَنَاةٌ صَخِرَةٌ لِهِذَیلٍ بِقدیدٍ . وفي ((صَحِيحِ مسلم)) من طَرِيقِ أبي مُعَاوِيَةَ، عن هشام بنِ عُروةَ: ((أنَّ الأنصَارَ كَانُوا يُهُلُّونَ فِي الَّجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَينِ عَلى شَطّ البَحرِ، يُقَالُ لَهمَا: إسَافُ ونَائِلَةُ))(٥). قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): كَذَا وقَّعَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وهو غَلَطٌ، والصَّوابُ مَا تَقدمَ، وإِسَافُ ونَائِلَةُ (٧) لَم يَكُونَا قَطْ فِي نَاحِيَةِ البَحرِ، وإِنَّمَا كَانَا، فيمَا يُقَالُ رَجُلًا وامرَأةً. قِيلَ: كَانَا من جُرهم(٨)، فَزَنَيَا دَاخِلَ الكَعبَةِ، فَمَسَخَهمَا اللهُ حَجَرَينٍ، فَنُصِبَا عِندَ الكَعبَةِ، وقِيلَ: عَلى الصَّفَا والمَروةِ، لِيَعتَبِرَ (٩) النَّاسُ بِهِمَا ويَتَّعُِوا، (١٠٩/٥م) ثُمَّ حَولَهمَا قُصَيُّ بِنُ كِلابٍ، فَجَعَلَ أحَدَهمَا مُلاصِقَ الكَعبَةِ، والآخَرَ بِزَمزَمَ، وقِيلَ جَعَلَهمَا بِزَمزَمَ، ونَحَرَ عِندَهمَا، وأمَرَ بِعِبَادَتِهِمَا. فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِي ◌َّ مَّةَ كَسَرَهمَا. انتهى. (١) لم أجد نص هذا الكلام في العارضة، بل الموجود فيها: اتفاق الكل على أنه واجب، والخلاف في ركنيته. عارضة الأحوذي (٩١/١١). (٢) في (ح): ((في جهة)). (٤) الأصنام لابن الكلبي (ص١٢). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٥) في الأصل: ((وزائلة)). إكمال المعلم (٣٥٣/٤)، والمشارق (٥٩/١)، وشرح النووي على مسلم (٢٢/٩). (٦) في الأصل: ((زائلة)). (٧) (٨) في النسخ: ((خيرهم)). والمثبت من المصادر. (٩) في (م): ((لتعتبر)). = كم ٤٣٥ بَابُ السَّعىٍ بَينَ الصَّفَا والمَروةِ السَّادِسَةُ: في رِوايَةِ المُصَنِّفِ تَغْهُ: أنَّ الأنصَارَ إِنَّمَا تَوقَّفُوا (١ في الطّواف١ِ) بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ؛ لأنهم كَانُوا يَطُوفُونَ بَينَهمَا في الجَاهِيَّةِ تَعِظِيمًا لِمَنَاةَ، فَخَشُوا أن يَكُونَ ذلك من أمرِ الجَاهِلِيَّةِ الذِي أبطَلَه الشَّرِعُ، ويُخَالِفُه بَقِيَّةُ الرِّوايَاتِ عن الزّهرِيِّ، فَإِنَّها مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّ المُهَلِّينَ لِمَنَاةَ لَم يَكُونُوا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، فَاستَمَرُّوا في الإسلامِ عَلى مَا اعتَادُوه في الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى سَألُوا النَّبِيَّ وَ سِّ عن ذلك، ومن أصرَحِها في ذلك رِوايَةُ سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، فَإِنَّ لَفظَها: ((وإنَّمَا كَانَ مَن أهَلَّ لِمَنَاةَ(٢) الطَّاغِيَةِ، التي بِالمُشَلَّلِ، لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، فَلَمَّا كَانَ الإسلامُ، سَألْنَا النبيَّ ◌َّهَ عن ذلك)). ورِوايَةُ يُونُسَ، فَإِنَّ لَفظَها: ((إنَّ الأنصَار كَانُوا، قَبل أن يُسلِمُوا، هم وغَسَّانُ، يُهُّونَ لِمَنَاةَ (٣)، فَتَحَرَّجُوا أن يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، وكَانَ ذلك سُنَّةً في آبَائِهم، مَن أحرَمَ لِمَنَاةً لَم يَطْف بَينَ الصَّفَا والمَروةِ)). والرِّوايَاتُ عن هشَامِ بنِ عُروةً في ذلك مُخْتَلِفَةٌ أيضًا، فَرِوايَةُ أبي مُعَاوِيَةً عنه توافَقُ رِوايَةَ المُصَنِّفِ، ولَفِظُها: ((إنَّمَا كَانَ ذَاكَ، أَنَّ الأنصَارَ كَانُوا يُهُلُّونَ في الجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَينِ عَلى شَطّ البَحرِ، يُقَالُ لَهمَا: إِسَافُ ونَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، ثُمَّ يَحِلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الإسلامُ؛ كرِهوا أن يَطُوفُوا بَيْنَهمَا، لِلذِي كَانُوا يَصنَعُونَ في الجَاهِلِيَّةِ)). ورِوايَةُ أبي أُسَامَةَ تُخَالِفُها، ولَفِظُها: ((إنَّمَا أَنزَلَ اللهُ هَذَا في أُنَاسٍ من الأنصَارِ، كَانُوا إِذَا أهَلُّوا، أهَلُوا لِمَنَاةَ في الجَاهِلِيَّةِ، فَلا يَحِلُّ لَهم أن يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ». ومِثْلُها في ذلك لَفِظُ رِوايَةِ مَالِكٍ، فَهِيَ كَرِوايَةٍ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمْزَةً عن الزُّهرِيِّ التي سُقتُها في الفَائِدَةِ الأُولى. وهَذَا تَنَافٍ يَبعُدُ الجَمِعُ مَعَه، ولَعَلَّ الرِّوايَاتِ بِتَركِهم الطّوافَ بَينَهمَا في الجَاهِلِيَّةِ أرجَحُ، ولَعَلَّهم فَرِيقَانٍ، كَانَ بَعضُهم يَطُوفُ بَيْنَهمَا، وبَعضُهم لا يَفعَلُه، فَخَرجَ(٤) الفَرِيقَانِ من ذلك، الظَّائِفُونَ لِكَونِه كَانَ من أمرِهم في الجَاهِلِيَّةِ، والتَّارِكُونَ تَمَسُّكًا بِعَادَتِهم. (١ - ١) ليس في: (ح). (٣) بعده في (م): ((الطاغية)). (٢) في الأصل: ((مناة). (٤) في (ح): ((فتحرج)). ٤٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(١) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ: أخبَرتُ أبَا بَكرِ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ، فقال: إنَّ هَذَا لَعِلمُ(٢) مَا كُنتُ سَمِعتُه، ولَقد سَمِعتُ رِجَالًا من أهلِ العِلمِ يَذْكُرُونَ (١١٠/٥م) أنَّ النَّاسَ إلا مَن ذَكَرَت [٣١/٢ظ] عَائِشَةُ، (٣مِمَّن كَان٣َ) يُهِلُّ لِمَنَاةَ، كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهم بِالصَّفَا والمَروةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ الظَّوافَ بِالبَيتِ، ولَم يَذكُر الصَّفَا والمَروةَ في القُرآنِ، قَالُوا: ((يَا رسولَ الله، كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا والمَروةِ، وإنَّ اللهَ أنزَلَ الطَّوافَ بِالبَيتِ، فَلَم يَذكُرِ الصَّفَا، فَهَل عَلَينَا من حَرَجِ أن نَطُوفَ بِالصَّفَا والمَروةِ؟ فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨]. قال أَبُو بَكرٍ: فَاسمَع، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَت في الفَرِيقَينِ كِلاهمَا، في الذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أن يَطُوفُوا بِالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا والمَروةِ، والذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ، ثُمَّ تَحَرَّجُوا أن يَطُوفُوا بِهِمَا في الإسلامِ، من أجلِ أنَّ اللهَ أمَرَ بِالطَّوافِ بِالبَيتِ، ولَم يَذْكُر الصَّفَا حَتَى ذَكَرَ ذلك بَعدَمَا ذَكَرَ الطَّوافَ بِالبَيتِ، وفي ((الصَّحِيحِ)) أيضًا من رِوايَةِ سُفْيَانَ بِنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ قَرِيبٌ منه. (١) البخاري (١٦٤٣). (٣ - ٣) في الأصل: ((كانوا)). (٢) في (م): ((العلم)). = بَابُ الحَلقِ والتَّقصِيرِ ٤٣٧ بَابُ الحَلقِ والتّقْصِيرِ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ ضِ﴿ُها؛ أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ، قال: ((اللَّهُمَّ ارحَم المُحَلِّقِينَ()َ، قَالُوا: والمُقَصِّرِينَ يَا رسولَ اللهِ. قال: ((والمُقَصِّرِينَ)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، وأَبُو دَاوُد(١) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرَجَه مسلمٌ، وابنُ مَاجَه (٢) من رِوايَةِ عَبدِ الله بنِ نُمَيرٍ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَله قال: ((رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: والمُقَصِّرِينَ يَا رسولَ الله. قال: (رَحِمَ الله (١١١/٥م) المُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: والمُقَصِّرِينَ يَا رسولَ الله. قال: ((رَحِمَ الله المُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ الله. قال: ((والمُقَصِّرِينَ)). وأخرَجَه مسلمٌ(٣) وحدَه من رِوايَةِ عَبدِ الوهابِ الثَّقَفي، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وقال فيه: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قال: ((والمُقَصِّرِينَ)). وذَكَرَها البخاريُّ تَعلِيقًا (٤)، فقال: وقال عُبَيدُ الله: حَدَّثَنِي نَافِع، وقال في الرَّابِعَةِ: ((والمُقَصِّرِينَ)). وأخرَجَه مسلمٌ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٥) من رِوايَةِ الليثِ، عن نَافِع؛ أنَّ عَبدَ الله قال: ((حَلَقَ رسولُ اللهُ بِّهِ، وَحَلَقَ طَائِفَةٌ من أصحابِهِ، وقَصَّرَ بَعضُهم. قال عَبدُ الله: إنَّ رسولَ اللهِ وَّ﴿ قال: ((رَحِمَ الله المُحَلِّقِينَ)) مَرَّةً، أو مَرَّتَينِ، ثُمَّ (١) البخاري (١٧٢٧)، وأبو داود (١٩٧٩). (٢) مسلم (٣١٨/١٣٠١)، وابن ماجه (٣٠٤٤). (٣) مسلم (٣١٩/١٣١). (٤) البخاري، عقب حديث (١٧٢٧). (٥) مسلم (٣١٦/١٣٠١)، والترمذي (٩١٣)، والنسائي في الكبرى (٤١١٤). = ٤٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال: ((والمُقَصِّرِينَ)). وذَكَرَ البخاريُّ الجُمْلَةَ الأخِيرَةَ منه تَعلِيقًا. الثَّانِيَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): هَكَذَا هَذَا الحَدِيثُ عِندَهم جَمِيعًا عن مَالِكٍ، وكَذَا رَواه سَائِرُ أصحَابٍ نَافِعٍ، لَم يَذكُر واحِدٌ منهم أنَّ كَانَ يَومَ الحُدَيبيةِ، [وهو تَقصِيرٌ وحَذفٌ، والمَحفُوظُ أنَّ دُعَاءَه لِلْمُحَلِّقِينَ(٢) ثَلَاثًا ولِلمُقَصِّرِينَ(٣) مَرَّةً إِنَّمَا جَرَى يَومَ الحُدَيسِيةِ] (٤) حِينَ صُدَّ عن البَيتِ، فَتَحَرَ، وحَلَقَ، ودَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ، وهَذَا مَعرُوفٌ مَشهورٌ مَحفُوظٌ من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وابنٍ عَبَّاسٍ (٥)، وأبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ(٦)، وأبي هرَيرَةً(٧)، وحُبْشِيٍّ بنِ جُنَادَةً(٨)، وغَيرِهم(٩). ثُمَّ بَسَطَّ ذلك. وحَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ(١٠) عن بَعضِهم، وقال: ذَكَرَ مسلمٌ فِي الْبَابِ خِلافَ مَا قَالُوه، فَذَكَرَ مَن عِندَ مسلم (١١) حَدِيثَ يَحيّى بنِ الحُصَينِ (١٢)، عن جَدَّتِهِ: أنَّها سَمِعَت النبيَّ لََّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ دَعَا لِلمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا ولِلمُقَصِّرِينَ مَرَّةً واحِدَةً. وقال الخَطَّابي(١٣): كَانَ أكثَرُ مَن أحرَمَ مَعَ رسولِ اللهِ وَّه من الصَّحَابَةِ لَيْسَ مَعَهِم هَديٌّ، وكَانَ وَّرَ قد سَاقَ الْهَديَ، ومَن كَانَ مَعَه هَديٌّ فَإِنَّه لا يَحِلِقُ حَتَّى يَنْحَرَ هَديَه، فَلَمَّا أمَرَ مَن لَيسَ (١١٢/٥م) مَعَه هَديٌ أن يَحِلَّ، وجَدُوا من ذلك في (١) التمهيد (٢٣٣/١٥). (٢) في (ح): ((المحلقين)). (٣) في (ح): ((المقصرين)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٥) أخرجه ابن أبى شيبة (٤٥٣/١٤)، وأحمد (٢١٦/١)، وابن ماجه (٣٠٤٥). (٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢٣/٣)، وأحمد (٢٠/٣)، وأبو يعلى في مسنده (١٢٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٥٦/٢). (٧) أخرجه البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (٣٢٠/١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٠٤٣). (٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢٤/٣)، وأحمد (١٦٥/٤)، والطبراني في الكبير (١٥/٤) ح (٣٥٠٩). (٩) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢٤/٣)، أحمد (١٧٧/٤) عن مالك بن ربيعة، وابن أبي شيبة (٦٢٣/٣) عن وهب بن عبد الله، عن أبيه. (١٠) إكمال المعلم (٤ /٣٨٣، ٣٨٤). (١١) مسلم (٣٢١/١٣٠٣). (١٢) في (م): ((الحسين)). وهو تصحيف، وجدَّتُه هي: أم حصين بنت إسحاق الأحمسية. ينظر: تهذيب الكمال (٢٧١/٣١)، (٣٤٥/٣٥). (١٣) معالم السنن (٢١٣/٢). ٤٣٩ بَابُ الحَلقِ والتَّقِصِيرِ أنفُسِهم، وأحَبُّوا أن يَأْذَنَ لَهم في المُقَام عَلى إحرَامِهم حَتَّى يُكمِلُوا الحَجَّ، وكَانَت طَاعَةُ رسولِ اللهِ وَّهِ أُولِى بِهم، فَلَّمَّا لَم يَكُن لَهم بُدُّ من الإحلالِ، كَانَ القَصرُ في نُفُوسِهم أخَفَّ من الحَلقِ، فَمَالُوا إلى القَصرِ، فَلَمَّا رَأى ذلك رسولُ اللهِ وَ لَ﴿ منهم أخّرَهم في الدُّعَاءِ، وقدمَ عَلَيهم مَن حَلَقَ وبَادَرَ إلى الطَّاعَةِ، وقَصَّرَ بِمَن تَهَيِّبَه وحَادَ عنه، ثُمَّ جَمَعَهم في الدَّعوةِ وعَمَّهم بِالرَّحمَةِ. وقال النَّووِيُّ في (شَرحِ مسلم)» (١): الصَّحِيحُ المَشهورُ أنَّ هَذَا كَانَ فِي حَجَّةٍ الودَاعِ. ثُمَّ قال: ولا يَبْعُدُ أَنَّ النَّبِيَّ وَّ قاله في المَوضِعَينِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ [٢/ ٣٢و] في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٢): لَعَلَّه وقَعَ فيهمَا مَعًا، وهو الأقرَبُ، وقد كَانَ في كِلا الوقتَينِ تَوقُّفٌ من الصَّحَابَةِ في الحَلقِ، أمَّا الحُدَيبيةُ: فَلأنَّه عَظُمَ عَلَيهم الرُّجُوعُ قَبلَ تَمَامِ مَقصُودِهم من الدُّخُولِ إلى مَكَّةَ وكَمَالِ نُسُكِهم. وأمَّا في الحَجِّ: فَلأنَّه شَقَّ عَلَيهم فَسخُ الحَجِّ إلى العُمرَةِ، ومَن(٣) قَصَّرَ شَعرَه اعتقد أنَّه أخَفُّ من الحَلقِ؛ إذ هو يَدُلُّ عَلى الكَرَاهَةِ لِلشَّيءِ، وكَرَّرَ الدُّعَاءَ لِلْمُحَلِّقِينَ؛ لأنَّهم بَادَرُوا إلى امتِثَالِ(٤) الأمرِ وأَتَمُّوا فِعلَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِن الحَلقِ، وقد ورَدَ التَّصرِيحُ بِهَذِهِ العِلَّةِ فِي بَعضِ الرِّوايَاتِ: فقال: (لأنَّهم لَم يَشُكُّوا)). قُلتُ: رَوى ذلك ابنُ مَاجَه(٥) من رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أبي نَجِيحِ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: ((قِيلَ: يَا رسولَ الله، لِمَ ظَاهَرتَ لِلمُخِّلِّقِينَ(٦) ثَلاثًا، ولِلمُقَصِّرِينَ واحِدَةً؟ قال: ((إنَّهم لَم يَشُكُّوا)). وقال والِدِي ◌َّتُهُ: إسنَادُه جَيِّدٌ. ورواه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧) من هَذَا الوجه، وفيه زِيَادَةٌ أَنَّ ذلك كَانَ في الحُدَيبيةِ. ورَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨) من حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ قال: ((حَلَقَ (٣) (١) شرح صحيح مسلم (٩/ ٥١، ٥٢). في الأصل: ((وكان ممن))، وفي (ح): ((وكان منهم)) . (٤) في (ح): ((امساك)). (٦) في الأصل: ((المحلقين)). (٨) السابق (٢٣٤/١٥). (٢) إحكام الأحكام (ص٤٩٤). (٥) ابن ماجه (٣٠٤٥). (٧) التمهيد (٢٣٥/١٥). ٤٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أصحَابُ رسولِ اللهِ وَّ كُلُّهم يَومَ الحُدَيبيةِ، إلا رَجُلَينِ قَصَّرًا وَلَم يَحْلِقَا)). وفي رِوايَةٍ أُخرَى أَنَّهمَا: عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، وأَبُو قَتَادَةَ. ■ الثَّالِثَةُ: التَّحِلِيقُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ من حَلقِ الشَّعرِ، والمُرَادُ حَلقُه في الحَجِّ أو العُمرَةِ: والتَّقصِيرُ: الأخذُ من أطرَافِ الشَّعرِ بِدُونِ اسْتِصَالٍ . الرَّابِعَةُ: فيه الاكتِفَاءُ في الحَجِّ والعُمَرَةِ بِالحَلقِ عَلى انفِرَادِهِ، والتَّقْصِيرُ عَلى انفِرَادِهِ، وأنَّ الأفضَلَ الحَلقُ، وهَذَا مُجمَعٌ عَلَيه، كَمَا نَقَّلَه غَيرُ واحِدٍ (١)، إلا أنَّ ابنَ المُنذِرِ حَكَى عن الحَسَنِ البَصرِيِّ: أنَّه قال: يَلزَمُه الحَلقُ في أولِ حَجَّةٍ، [ولا يُجزِئُه التَّقصِيرِ، فقال: أجمَعَ أهلُ العِلم عَلى أنَّ التَّقصِيرَ (١١٣/٥م) يُجزِئُ، إلا شَيءٌ ذُكِرَ عن الحَسَنِ أنَّه كَانَ يُوجِبُ الحَلقَ في أولٍ حَجَّةٍ](٢) يَحُجُّها الإنسَانُ. قال النَّوِيُّ(٣): وهَذَا إن صَحَّ عنه مَردُودٌ بِالنُّصُوصِ وإجمَاعِ مَن قَبَلَه. قُلتُ: رَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) (٤) عن عَبدِ الأعلى، عن هشام، عن الحَسَنِ، في الذِي لَم يَحُجَّ قَظُ: إن شَاءَ حَلَقَ وإن شَاءَ قَصَّرَ. [وهَذَا إسنَادٌ صَحِيحٌ، وهو مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاه ابنُ المُنذِرِ، ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ أيضًا عن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، قال: إذَا حَجَّ الرَّجُلُ أولَ حُجَّةٍ حَلَقَ، وإن حَجَّ مَرَّةً أُخرَى، إن شَاءَ حَلَقَ، وإن شَاءَ قَصَّرَ](٥)، والحَلقُ أفضَلُ، وإِذَا اعتَمَرَ الرَّجُلُ ولَم يَحُجَّ قَظُ، فَإِن شَاءَ حَلَقَ، وإن شَاءَ قَصَّرَ، (٦ وإن كَانَ مُتَمَّتِّعًا قَضَّر٦َ) ثُمَّ حَلَقَ. ثُمَّ رَوى عنه أيضًا: كَانُوا يُحِبُّونَ أن يَحِقُوا في أولٍ حَجَّةٍ، وأولٍ عُمَرَةٍ(٧). وهَذَا الاختِلافُ يَقْتَضِي أَنَّ المَحكِيَّ عنهمَا استِحِبَابٌ، ويُستَثنَى من تَفْضِيلِ الحَلقِ المُعتَمِرُ إذَا ضَاقَ عَلَيه الوقتُ، وعَلِمَ أنَّه إن (٨) حَلَقَ رَأْسَه لَم يَنْبُت شَعرُه (١) ينظر: الإجماع (ص٧٥)، ومراتب الإجماع (ص ٤٤)، والإقناع لابن القطان (٢٩١/١). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٣) شرح صحيح مسلم (٤٩/٩، ٥٠)، والمجموع (٨/ ١٩٢). (٤) ابن أبي شيبة (٦٢١/٣). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٦ - ٦) في (ح): ((والحلق أفضل)). (٧) ابن أبي شيبة (٦٢٢/٣). (٨) ليست في: (ح).