Indexed OCR Text
Pages 361-380
= ٣٦ بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه عَبدَ الله بنَ دِينَارٍ إلى نَافِع، وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): لا خِلَافَ عن مَالِكِ في إسنَادِ هَذَا الحَدِيثِ ولَفِظِه. انتَھَى. فَإِن قُلتَ: قد ذَكَرَ مَالِكٌ عَبدَ الله بنَ دِينَارٍ تَارَةً، ولَم يَذْكُرُه أُخرَى؟ قُلتُ: لَيسَ هَذَا اخْتِلافًا، فَلَه فيه شَيخَانٍ، حَدَّثَ بِهِ في الأكثَرِ عن نَافِعِ، وتَارَةً (٥٧/٥م) عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، وتَارَةً عنهمًا، وقد أخرَجَه مسلمٌ(٢) من رِوايَةِ إسمَاعِيلَ بنِ جَعفَرٍ، عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ. فَهو مَعُرُوفٌ عنه من غَيرِ طَرِيقِ مَالِكٍ، وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ (٣) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، وأُّوبَ السَّختيانِيِّ، ويَحیَی بنِ سَعِيدٍ. وأخرَجَه مسلمٌ، وابنُ مَاجَه(٤) من حَدِيثِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وأخرَجَه مسلمٌ(٥) وحدَه من حَدِيثِ ابنِ جُرَيجٍ، وجَرِيرُ بنِ حَازِمٍ، كُلَّهم عن نَافِعِ، قَال مسلمٌ: ولَم يَقُل أحَدٌ منهم عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ◌َِ﴿. إلا ابنُ جُرَيجٍ وحدَه، وقد تَابَعَ ابنَ جُرَيجِ عَلى ذلك ابنُ إسحَاقَ. ثُمَّ رَواه من طَرِيقِه عن نَافِعٍ، وفيه: سَمِعتُ النَّبِيَّ ◌َلِ﴾(٦). وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مسلمٌ، وأَبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٧) من هَذَا الوجه من رِوايَةِ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه. وأخرَجَه الشَّيخَانِ والنسائيُّ(٨) من رِوايَةٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه، عن حَفصَةَ . واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ من رِوايَةِ زَيدِ بنِ جُبَيرٍ (٩)، عن ابنِ عُمَرَ، قال: حَدَّثَتِي (١) التمهيد (١٥٣/١٥). (٢) مسلم (١١٩٩/ ٧٩). (٣) مسلم (٧٧/١١٩٩)، والنسائي (٢٨٣٠، ٢٨٣٣، ٢٨٣٤). (٤) مسلم (١١٩٩/ ٧٧)، وابن ماجه (٣٠٨٨). (٥) مسلم (١١٩٩/ ٧٧). (٦) مسلم (٧٨/١١٩٩). مسلم (٧٢/١١٩٩)، وأبو داود (١٨٤٦)، والنسائي (٢٨٣٥). (٧) البخاري (١٨٢٨)، ومسلم (٧٣/١٢٠٠)، والنسائي (٢٨٨٩). (٨) (٩) البخاري (١٨٢٧)، ومسلم (١٢٠٠/ ٧٤، ٧٥). کم ٣٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ إحدَى نِسوةِ النَّبِيِّ وَّهِ. وفي رِوايَةٍ لِمسلم: ((والحَيَّةُ)). قال: ((وفي الصَّلَاةِ أيضًا)). ولا يَضُرُّ هَذَا الاختِلَافُ، فَالحَدِيثُ مَقْبُوَّلٌ سَواءٌ كَانَ(١) من رِوايَةِ ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِّ وَّةِ، أو بِواسِطَةِ حَفصَةَ، أو غَيرِها من أُمَّهاتِ المُؤمنينَ رَضِيَ الله عنهنَّ. وقد تَقدمَ من حَدِيثِ ابنِ جُرَيجٍ وغيره (٢) في ((صَحِيحٍ مسلمٍ)) التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ ابنِ عُمَرَ لَه من النَّبِّي ◌ََّ . وحَدِيثُ عَائِشَةَ أخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٣) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ، وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والتِّرمِذِيُ (٤) من رِوايَةٍ يَزِيدَ بنِ زُرَبِعِ، كِلَاهمَا عن مَعمَرٍ، واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ(٥) من رِوايَةِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ (٥٨/٥م)، كِلاهمًا عن الزُّهرِيِّ، عن عروة، عن عَائِشَةَ، وهَذَا وجهٌ آخَرُ من الاختِلَافِ عَلى الزُّهرِيِّ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦): ويُمكِنُ أن يَكُونَ إسنَادًا آخَرَ. ثُمَّ رَوى عن الحُمَيدِيِّ أَنَّ قِيلَ لِسُفيَانَ؛ يعني: ابنَ عُيَينَةَ: إنَّ مَعمَرًا يَروِيه، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، فقال: حَدَّثَنَا والله الزُّهرِيُّ، عن سَالِم، عن أبيه، مَا ذَكَرَ عُروةٌ، عن عَائِشَةَ(٧) . وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٨) من رِوايَةِ هشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ. وأخرَجَه مسلمٌ (٩) أيضًا من رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ مِقْسَمٍ، عن القَاسِمِ، عن عَائِشَةَ بِلَفِظِ: ((أربَعٌ كُلَّهنَّ فَاسِقٌ)). وأسقَطَ(١٠) العَقَرَبَ. وفيه: ((قُلت لِلقَاسِمِ: أَفَرَأْيتَ الحَيَّةَ؟ قال: تُقْتَلُ بِصِغَرٍ لَها)). وأخرَجَه مسلمٌ (١١) أيضًا من رِوايَةٍ قَتَادَةَ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عَائِشَةَ (١) في (ح): ((أكان)). (٢) ليس في: (م). مسلم (٧٠/١١٩٨)، والنسائي (٢٨٩٠). (٣) (٤) البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (٦٩/١١٩٨)، والترمذي (٨٣٧). (٥) البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (٧١/١١٩٨)، والنسائي (٢٨٨٨). (٦) التمهيد (١٥٤/١٥). (٧) التمهيد (١٥٦/١٥). (٨) مسلم (٦٨/١١٩٨)، والنسائي (٢٨٨١). (٩) مسلم (١١٩٨ /٦٦). (١١) مسلم (٦٧/١١٩٨). (١٠) ليس في: الأصل. = بَابُ مَا يَحِرُمُ عَلَى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه ٣٦٣ [١٦/٢ظ]، وذَكَرَ الحَيَّةَ بَدَلَ العَقرَبِ، وقَيَّدَ فيها الغُرَابَ بِالأبقَعِ. وذَكَرَ عَبدُ الحَقِّ(١): أنَّ الصَّحِيحَ من حَدِيثِ عَائِشَةَ وغَيرِها رِوايَةُ: ((خَمسٌ)). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) ذِكرُ الحَيَّةِ مَحفُوظٌ من حَدِيثٍ عَائِشَةَ. وَرَواه البَيهَقِيُّ (٣) بِلَفِظِ: ((الحَيَّةِ أو العَقرَبِ)). عَلى الشَّكِّ. وقال: كَأنَّ رِوايَةَ أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ؛ أي: في ذِكرِ العَقرَبِ، أصَحُّ لِمُوافَقَتِها سَائِرَ الرِّوايَاتِ عن عَائِشَةَ رَّا، قال: وابنِ المُسَيِّبِ إِنَّمَا رَوى الحَدِيثَ في الحَيَّةِ والذِّئبِ مُرسَلَا (٤). ] الثَّانِيَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلى جَوازٍ قَتلِ هَذِهِ الخَمسِ المَذكُورَةِ في الحَدِيثِ في الحِلِّ والحَرَمِ لِلمُحرِمِ وغَيرِهِ، إلا مَا شَذَّ مِمَّا سَنَحكِيه. واختَلَفُوا في المَعنَى في ذلك: فقال الشَّافِعِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ: المَعنَى فيه كَونُهنَّ مِمَّا لا يُؤْكَلُ ولا يُنتَفَعُ بِهِ، فَكُلُّ مَا لا يُؤكَلُ ولا هو مُتَولِّدٌ من مَأْكُولٍ وغَيرِهِ ولا مَنفَعَةَ فيه، فَقَتلُه جَائِزٌ لِلمُحرِمِ، ولا فِديَةَ عَلَيهِ، وعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ في ذلك كَمَا حَكَاه البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٥): فَكُلُّ مَا جَمَعَ (٥٩/٥م) من الوحشِ أن يَكُونَ غَيرَ مُبَاحِ اللحمِ في الإحلالِ وأن يَكُونَ يَضُرُّ، قَتَلَه المُحرِمُ؛ لأن النَّبِيَّ ◌َ ◌ّهِ إِذَا أَمَرَ أن تُقتَلَّ الفَأْرَةُ والغُرَابُ والحِدَأةُ مَعَ ضَعفِ ضُرِّهمَا، إذَا كَانَت مِمَّا لا يُؤكَلُ لَحمُه، كَانَ مَا جَمَعَ ألَّا يُؤْكَلَ لَحمُه، وضُرُّه أكثرُ من ضُرِّها، أولى أن يَكُونَ قَتَلُهُ مُبَاحًا . انتَھَی . وقَالَ أصحَابُه: هَذَا الضَّربُ ثَلَاثَةُ أقسَامِ: أحَدُها: مَا يُستَحَبُّ قَتلُه لِلمُحرِمِ وغَيرِهِ، وهيَ (٦) المُؤذِيَاتُ؛ كالحَيَّةِ، والفَأْرَةِ، والعَقرَبِ، والخِنزِيرِ، والكَلبِ العَقُورِ، والغُرَابِ، والحِدَأَةِ، والذِّئبِ، والأسَدِ، والنَّمِرِ، والذُّبِّ، والنَّسرِ، والعُقَابِ، والبُرغُوثِ، والبَقِّ، والزُّنُبُورِ، والقُرَادِ، والحَلَمَةِ، والقِرِقِسِ، وأشباهها . (١) الأحكام الكبرى (٢٣٣/٣). (٣) السنن الكبرى (٢٠٩/٥). (٥) معرفة السنن والآثار (٢٣٣/٤). (٢) التمهيد (١٥٦/١٥). (٤) سيأتي تخريجه. (٦) في الأصل: ((من)). کے ٣٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ القِسمُ الثَّانِي: مَا فيه نَفعٌ ومَضَرَّةٌ؛ كَالفَهدِ، والعُقَابِ، والبَازِي، والصَّقرِ، ونَحوِها، فَلا يُستَحَبُّ قَتْلُه، لِمَا فيه من المَنفَعَةِ، وهو أنَّه يُعَلَّمُ الاصطِيَادَ، ولا يُكرَه، لِمَا فيه من المَضَرَّةِ، وهو أنَّه يَعدُو عَلى النَّاسِ والبَهَائِمِ. القِسمُ الثَّالِثُ: مَا لا يَظهَرُ فيه نَفعٌ ولا ضَرَرٌ؛ كالخَنَافِسِ، والجُعلَانِ، والدُّودِ، والسَّرَطَانِ، والبُغَاثَةِ، والرَّخَمَةِ، والذُّبَابِ، وأشباهها، فَيُكرَه قَتْلُها ولَا يَحرُمُ، كَمَا قاله جُمهورُهم (١). وحَكَى إِمَامُ الحَرَمَينِ(٢) وجهًا: أنَّه يَحرُمُ قَتلُ الطُورِ دُونَ الحَشَرَاتِ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ الْبَرِّ (٣) هَذَا التَّقسِيمَ عن الشَّافِعِيِّ نَفسِه من رِوايَةِ(٤) الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ الزَّعفَرَانِيِّ عنه. وكَلامُ الحَنَابِلَةِ في ذلك مِثلُ كَلامِ أصحَابِنَا، قال الشَّيخُ مَجدُ الدِّينِ ابنُ تَيْمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ))(٥): ولا يُضمَنُ بِالإِحرَامِ مَا لا يُؤكَلُ لَحمُه، لَكِن يُكرَه لَه قَتَلُه إِذَا لَم يَكُن مُؤذِيًا. وجَوزَ الشَّيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةً في ((المُغنِي)) (٦) فِي قَولِ الخِرَقِيِّ في مُختَصَرِهِ: وكُلَّ مَا عَدَا عَلَيه أو آذَاه وجهَينِ : أحَدُهمَا: أنَّه أرَادَ مَا بَدَأ المُحرِمُ فَعَدَا عَلَيه في نَفسِه أو مَالِه. والثَّانِ: أَنَّه أرَادَ مَا طَبعُه الأَذَى والعُدوانُ، وإن لَم يُوجَد منه أذَّى في الحَالِ. وكَلامُ ابنِ حَزم الظَّاهِرِيِّ يُوافِقُ ذلك أيضًا، وإن كَانَ لا يَنظُرُ إلى المَعنَى، ولا يُعَدِّي بِالْقِيَاسِ، لَكِنَّه اعتَمَدَ أنَّ التَّحرِيمَ إنَّمَا وَرَدَ في الصَّيدِ، فَلا يَتَعَدَّى ذلك لِغَيرِهِ، وأجَابَ عن الاقتِصَارِ عَلى(٧) هَذِهِ الخَمسِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعدُ، إن شَاءَ الله تَعَالى. ونَقَلَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرح العُمدَةِ»(٨): كَونَ المَعنَى(٩) عِندَ الشَّافِعِيِّ مَنَعَ الأكلِ بِواسِطَةِ بَعضِ الشَّارِحِينَ، وَأرَادَ بِهِ النَّوِيَّ، ثُمَّ قال: وهَذَا عِندِي فيه (١) ينظر: المجموع (٣٣٦/٧). (٣) التمهيد (١٦٨/١٥). المحرر (٢٤١/١). (٥) في الأصل: ((عن)). (٧) (٩) في (ح): ((المنع)). (٢) ينظر: المجموع (٣٣٦/٧، ٣٣٧). (٤) في الأصل: ((رواه). (٦) المغني (١٧٦/٥). (٨) إحكام الأحكام (ص ٤٦٣، ٤٦٤). = بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه ٣٦٥ نَظَرٌ، فَإِنَّ جَوازَ القَتلِ غَيْرُ جَوازِ الاصطِيَادِ، وإِنَّمَا يَرَى الشَّافِعِيُّ جَوازَ الاصطِيَادِ، وعَدَمَ وُجُوبِ الجَزَاءِ بِالقَتلِ لِغَيرِ (٦٠/٥م) المَأْكُولِ، وأمَّا جَوازُ الإقدَامِ عَلى قَتلِ مَا لا يُؤْكَلُ، مِمَا (١) لَيسَ فيه ضَرَرٌ، فَغَيرُ هَذَا. انتَهَى. وفيه نَظَرٌ، فَقد حَكَى الرَّبيعُ، عن الشَّافِعِيِّ، أنَّه قال(٢): لا شَيءَ عَلى المُحرِمِ في قَتلِه من الظَّيرِ، كُلَّ مَا لا يَحِلُّ أكلُه. قال: ولَه أن يَقتُلَ من دَوابٌ الأرضِ وهَوامِّها كُلَّ(٣) مَا لا يَحِلُّ أكلُه. انتَهَى. فَصَرَّحَ بِأَنَّ لَه قَتْلَ مَا لا يَحِلُّ أكلُه من الظَّيرِ والهَوامِّ. وقال آخَرُونَ: المَعنَى في ذلك كُونُهنَّ مُؤذِيَاتٍ؛ فَيَلْتَحِقُ(٤) بِالْمَذْكُورَاتِ كُلُّ مُؤذٍ، وعَزَاه النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٥) لِمَالِكٍ، [٢/ ١٧و] ولنَذكُر تَفصِيلَ مَذْهَبِهِ في ذلك: قال ابنُ شَاسٍ في ((الجَواهرِ))، بَعدَ أن قَرَّرَ تَحرِيمَ صَيدِ المَأْكُولِ وغيرِه(٦): ولا يُستَثنَى من ذلك إلا مَا تَنَاولَه الحَدِيثُ، وهو هَذِهِ الخَمسُ. قال: والمَشهورُ أنَّ الغُرَابَ والحِدَأَةَ يُقتَلانِ، وإن لَم يَبتَدِئَا بِالأَذَى، ورَوى أَشْهَبُ المَنعَ من ذلك، وقاله ابنُ القَاسِم، قال: إلا أن يُؤْذِيَ فَيُقْتَلَ، إلا أنَّه إن قَتَلَهمَا من غَيرِ أَذَّى فَلا شَيءَ عَلَيه. وقال أشهَبُ: إن قَلَهمَا من غَيرِ ضَرَرٍ ودَاهَمَا(٧). واختُلِفَ أيضًا في قَتلِ صِغَارِهمَا ابْتِدَاءَ، وفي وُجُوبِ الجَزَاءِ بِقَتلِهِمَا، وأمَّا غَيرُهمًا من الطَّيرِ: فَإِن لَم يُؤْذِ فَلا يُقْتَلُ، فَإِن قَتَلَ فَفيه الجَزَاءُ، وإن آذَى فَهَل يُقْتَلُ أم لا؟ قَولانِ. وإذَا قُلنَا: لا يُقتَلُ فَقَتَلَ، فَقَولانِ أيضًا: المَشهورُ نَفيُ وُجُوبٍ الجَزَاءِ. وقال أشهَبُ: عَلَيه في الطَّيرِ الفِديَةُ وإن ابتَدَأت بِالضَّرَرِ. وقال أصبَغُ: مَن عَدَا عَلَيه شَيءٌ من سِبَاعِ الطَّيرِ فَقَتَلَه ودَاه بِشَاةٍ. قال ابنُ حَبيبٍ: وهَذَا من أصبَغَ غَلَطُ. (١) في (م): ((فما)). (٣) ليس في: الأصل. (٥) شرح صحيح مسلم (٨/ ١١٤). (٧) في الأصل: ((وداهم)). (٢) الأم (٥٣٩/٣). (٤) في الأصل: ((فيلحق)). (٦) الجواهر (٢٩٥/١). = كم ٣٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَمَلَ بَعضُ المُتَأْخِّرِينَ قَولَ أصبَغَ هَذَا عَلى أنَّه كَانَ فَادِرًا عَلى الدَّفْعِ بِغَيْرِ القَتلِ، فَأَمَّا لَو تَعَيَّنَ القَتَلُ في الدَّفِعِ لا يُختَلَفُ فيه. وأمَّا العَقْرَبُ والحَيَّةُ والفَأْرَةُ: فَيُقتَلنَ حَتَّى الصَّغِيرُ، ومَا لَم يُؤذِ منها لأنَّه لا يُؤمِنُ منها الأَذَى، إلا أن تَكُونَ من الصِّغَرِ بِحَيثُ لا يُمكِنُ منها الأذَى، فَيُخْتَلَفُ في حُكمِها، وهَل يَلحَقُ صَغِيرُ غَيرِها من الحَيَوانِ المُبَاحِ القَتلُ لأذِيَّةِ بِصِغَارِها في جَوازِ القَتلِ ابْتِدَاءً؟ فيه خِلافٌ، والمَشهورُ من المَذهَبِ أنَّ المُرَادَ من الكَلبِ العَقُورِ: الكَلبُ الوحشِيُّ، فَيَدخُلُ فيه الأسَدُ، والنَّمِرُ، ومَا في مَعنَاهمَا، وقِيلَ المُرَادُ: الكَلبُ الإنسِيُّ المُتَّخَذُ، وعَلى المَشهورِ: يُقتَلُ صَغِيرُ هَذِهِ، ومَا لَم يُؤذِ من کبیرِها . انتَهَی کَلامُه. وذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (١): (٦١/٥م) أنَّ المَشهورَ عِندَ المَالِكِيَّةِ قَتلُ صِغَارٍ الغُرَابِ والحِدَأةِ. وشَنَّعَ عَلَيهِم ابنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ فِي تَفرِفَتِهم بَيْنَ صِغَارِ الغِربَانِ والحُدَيًّا، وبَيْنَ صِغَارِ السِّبَاعِ والحَيَّاتِ، وَبَيْنَ سِبَاعِ الظَّيرِ، وبَيْنَ سِبَاعِ ذَواتِ(٢) الأربَعِ، وقال(٣): هَلا قَاسُوا سِبَاعَ الطَّيرِ عَلى الحِدَأَةِ، كَمَا قَاسُوا سِبَاعَ ذَواتٍ الأربَعِ عَلى الكُلبِ العَقُورِ؟ وقَوى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ))(٤) التَّعلِيلَ بِالأَذَى عَلى التَّعلِيلِ بِحُرمَةِ الأكلِ، فقال: واعلَم أنَّ التَّعدِيَةَ بِمَعنَى الأَذَى إلى كُلِّ مُؤذٍ قَوِيٌّ بِالإضَافَةِ إلى تَصَرُّفِ القِيَاسَينِ، فَإِنَّه ظَاهِرٌ من جِهَةِ الإِيمَاءِ بِالتَّعلِيلِ بِالفِسقِ، وهو الخُرُوجُ عن الحَدِّ، وأمَّا التَّعلِيلُ بِحُرمَةِ الأكلِ: فَفيه إبطَالُ مَا دَلَّ عَلَيه إيمَاءُ النَّصِّ من التَّعلِيلِ بِالفِسقِ؛ لأن مُقتَضَى العِلَّةِ أن يَتَقَيَّدَ الحُكمُ بِها وُجُودًا وعَدَمًا، فَإِن لَم يَتَقَيَّد وثَبَتَ الحُكمُ عِندَ عَدَمِها بَطَلَ تَأثِيرُها بِخُصُوصِها، وهو خِلافُ مَا دَلَّ عَلَيه ظَاهرُ النَّصِّ من التَّعلِيلِ بِها. انتهى. واقتَصَرَ الحَنَفيةُ عَلى الخَمسِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ، إلا أنَّهم ضَمُّوا إلَيها (١) إحكام الأحكام (ص٤٦٦). (٣) المحلى (٢٤٠/٧). (٢) في الأصل: ((ذات)). (٤) إحكام الأحكام (ص٤٦٤). = بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه ٣٦٧ الحَيَّةَ أيضًا، وهيَ مَنصُوصَةٌ، كَمَا تَقدمَ، وضَمُوا إلَيها الذِّئبَ أيضًا، قال صَاحِبُ (الهدَايَةِ)) منهم (١): وقد ذُكِرَ الذّئبُ في بَعضِ الرِّوايَاتِ، وقِيلَ: المُرَادُ بِالكَلبِ العَقُورِ: الذِّئبُ، ويُقَالُ: إنَّ الذِّئبَ في مَعنَاه. انتهى. وعَلى هَذَا الأخِيرِ، فَيُقَالُ: لِمَ اقتَصَرَ في الإلحَاقِ عَلى الذِّئبِ، ولِمَ لا أُلحِقَ بِالكَلبِ العَقُورِ كُلُّ مَا هو في مَعنَاه من نَمٍِ وخِنزِيرٍ ودُبٍّ وقِرِدٍ وغَيرِها؟ وذِكرُ الذِّئبِ: ذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) من طَرِيقِ إسمَاعِيلَ القَاضِي، حَدَّثَنَا نَصرُ بنُ عَلِيٍّ، أخبَرَنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، أخبَرَنَا الحَجَّاجُ عن وبَرَةَ، قال: سَمِعتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: ((أمَرَ رسولُ الله ◌ََّ بِقَتلِ الذّئبِ)). الحَدِيثَ. قال القَاضِي إسمَاعِيلُ: فَإِن كَانَ مَحِفُوظًا، فَإِنَّ ابنَ عُمَرَ جَعَلَ الذِّئبَ في هَذَا المَوضِعِ كُلبًا عَقُورًا؛ أي: لِذِكرِهِ بَدَلَه، قال: وهَذَا غَيرُ مُمتَنِع في اللُّغَةِ والمَعنَى. ورَواه البَيْهَقِيُّ(٣) من رِوايَةِ مَالِكِ بنِ يَحيّى، عن يَزِيدَ بَنِ هارُونَ، (وفيه: قال يَزِيدُ بنُ هارُونَ)(٤): يَعنِي المُحرِمَ. ثُمَّ قَال البَيهَقِيُّ: الحَجَّاجُ بنُ أركَاةَ لا يُحتَجُّ بِهِ، وقد رُوِِّنَاه [١٧/٢ظ] من حَدِيثِ ابنِ المُسَيِّبِ مُرسَلًا جَيِّدًا. ثُمَّ رواه گذلك. وقال ابنُ عَبدِ البَرّ(٥): وقَولُ الأوزَاعِيِّ، والثَّورِيِّ، والحَسَنِ بنِ حَيٍّ، نَحوُ قَولِ أبِي حَنِيفَةً. انتَهَى. ومَحَلُّ المَنع (٦٢/٥م) عِندَ الحَنَفيةِ، فيمَا عَدَا الخَمسَ والذِّئبَ، إذَا لَم تَبدَأه السِّبَاعُ، فَإِن بَدَأته فَقَتَلَها دَفعًا فَلا شَيءَ عَلَيه عِندَهم، إلا زُفَرُ، فَإِنَّه قال: يَلزَمُه دَمٌ. وذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في (شَرحِ العُمْدَةِ) (٦) أنَّ المَذَكُورَ في كُتُبِ الحَنَفيةِ: الاقتِصَارُ عَلى الخَمسِ. (١) الهداية (١/ ١٧٢). (٣) السنن الكبرى (٢١٠/٥). (٥) التمهيد (١٦٦/١٥). (٢) التمهيد (١٦١/١٥). (٤) ما بين القوسين ليس في: الأصل. (٦) إحكام الأحكام (ص٤٦٣). ٣٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ونَقَلَ غَيرُ واحِدٍ من المُصَنِّفِينَ المُخَالِفِينَ لأبي حَنِيفَةَ أَنَّ أَا حَنِيفَةَ ألحَقَ الذّئبَ بِها، وعَدُّوا ذلك من مُنَاقَضَاتِهِ . ثُمَّ قال: ومُقتَضَى مَذهَبِ أبي حَنِيفَةَ الذِي حَكَينَاه أنَّه لا يَجُوزُ اصطِيَادُ الأسَدِ والنَّمِرِ ومَا في مَعنَاهِمَا من بَقِيَّةِ السِّبَاعِ العَادِيَةِ، والشَّافِعِيَّةُ يَرُدُّونَ هَذَا بِظُهورِ المَعنَى في المَنصُوصِ عَلَيه من الخَمسِ، وهو الأَذَى الطَّيعِيُّ والعُدوانُ المُرَكَّبُ في هَذِهِ الحَيَوانَاتِ، والمَعنَى إذَا ظَهَرَ في المَنصُوصِ عَلَيه عَذَّى القَائِسُونَ ذلك الحُكمَ إلى كُلِّ مَا وُجِدَ فيه المَعنَى كَالسِّئَّةِ التي في الرِّبَا، وقد وافَقَ أبُو حَنِيفَةً عَلى الثَّعدِيَةِ فيها، وإن اختَلَفَ هو والشَّافِعِيُّ في المَعنَى الذِي يُعَدَّى بِهِ. قال: وأقُولُ المَذكُورُ: ثُمَّ تَعلِيقُ الحُكمِ بِالألقَابِ، وهو لا يَقتَضِي مَفهومًا عِندَ الجُمهور، فَالتَّعدِيَةُ لا تُنَافي مُقتَضى اللفظِ، وهنَا لَو عَذَّينَا لَبَطَلَت فَائِدَةُ التَّخصِيصِ بِالعَدَدِ، وعَلى هَذَا المَعنَى عَولَ بَعضُ مُصَنَّفي الحَنَفيةِ في التَّخصِيصِ بِالخَمسِ المَذْكُورَاتِ؛ أعنِي: مَفهومَ العَدَدِ. انتَهَى. وفي نَقلِه الذِّئبَ من غَيرِ كُتُبِ الحَنَفيةِ، نَظَرٌ، فَهو مُصَرَّحٌ بِهِ في (الهدَايَةِ)) وغَيرِها من كُتُبِهِم (١)، ومَا نَقَلَه عن مُقْتَضَى مَذْهَبِهِم من مَنعِ اصِطِيَادِ الأسَدِ ونَحوِهِ قد صَرَّحُوا بِهِ في كُتُبِهِم، وقَالُوا: إنَّ عَلى قَاتِلِه الجَزَاءَ. وَمِمَّن صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٢): إلا أن يَقْتُلَه لِصِيَالِه عَلَيه فَلا شَيءَ عليه، إلا عِندَ زُفَرَ، فَإِنَّه أو جَبَ الجَزَاءَ بِقَتلِه لِلذَّفع عِندَ الصِّيَالِ. لَكِنَّ صَاحِبَ ((الهدَايَةِ)) قال بَعدَ كُلَامِه المُتَقدمِ أولًا(٣): والضَّبُّ وَالْيَربُوعُ لَيسَا من الخَمسَةِ المُستَئِنَاةِ؛ لأنهمَا لا يَبْتَدِئَانِ بِالأَذَى، ولَيسَ في قَتْلِ البَعُوضِ، والنَّملِ، والبَرَاغِيثِ، والقُرَادِ شَيءٌ؛ لأنها لَيسَت بِصَيُودٍ، ولَيسَت بِمُتَوَلِّدَةٍ من البَدَنِ، ثُمَّ(٤) هيَ مُؤذِيَةٌ بِطِبَاعِها . انتَهَى. ومُقتَضَاه مُوافَقَةُ مَن قال: إنَّه يُلحَقُ بِالمَذكُورَاتِ كُلُّ مُؤذٍ بِالطَّبعِ، فَإِنَّ كَونَ (١) ينظر: المبسوط (٨١/٤)، وتحفة الفقهاء (٤٢٢/١)، بدائع الصنائع، (١٩٧/٢). (٣) الهداية (١/ ١٧٢). (٢) الهداية (١/ ١٧٣). (٤) في الأصل، (م): ((بل)). والمثبت موافق لما في الهداية. = ٣٦٩ ° بَابُ مَا يَحِرُمُ عَلَى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه الضَّبِّ واليَربُوعِ لَيسَا من الخَمسَةِ أمرٌ مَعلُومٌ، وإِنَّمَا أَرَادَ لَيسَ لَهمَا حُكمُها (١). وعَلَّلَ ذلك (٦٣/٥م): بِأَنَّهمَا لا يَبتَدِئَانِ بِالأَذَى، ومُقتَضَى ذلك ثُبُوتُ الحُكمِ لِكُلِّ مَا يَبْتَدِئُ بِالأَذَى، ثُمَّ قَوى ذلك بِمَا ذَكَرَه في البَعُوضِ ونَحوِهِ، ولا سِيَّمَا تَعلِيلُه بِأَنَّها مُؤذِيَةٌ بِطِبَاعِها، ثُمَّ إِنَّ الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ كَتُ اقْتَصَرَ فِي رَدِّ ذلك عَلَى القِيَاسِ مَعَ وُرُودِ النَّصِّ فيه، رَواه أبُو دَاوُد، والتّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه (٢) عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ عن النَّبِيِّ، قال: ((يَقتُلُ المُحرِمُ السَّبُعَ العَادِيَ، والكَلبَ العَقُورَ، والفَأْرَةَ، والعَقْرَبَ، والحِدَأَةَ، والغُرَابَ)). لَفِظُ التِّرمِذِيِّ، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، والعَمَلُ عَلى هَذَا عِندَ أهلِ العِلمِ، قَالُوا: يَقْتُلُ المُحرِمُ السَّبُعَ العَادِيَ. وَلَفِظُ أبي دَاوُد: إِنَّ النَّبيِوَلَّهَ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ المُحرِمُ؟ قال: ((الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ، والفُويسِقَةَ، ويَرِمِي الغُرَابَ ولا يَقْتُلُه، والكَلبَ العَقُورَ، والحِدَأَةَ، والسَُّعَ العَادِيَ)). ولَم يَذكُر ابنُ مَاجَه: ((الحِدَأَةَ، ولا الغُرَابَ))، وزَادَ: ((فَقِيلَ لَه: لِمَ قِيلَ لَها: الفُويسِقَةُ؟ قال: لأَنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ اسْتَيْقَظَ لَها، وقد أخَذَت الفَتِيلَةَ لِتُحرِقَ بِها البَيتَ)). فَتَنَاولَ قَولُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((السَّبُعَ العَادِيَ)). الأسَدَ، والنَّمِرَ، وغَيرَهمَا من السِّبَاعِ، بَل قَولُه: ((الكَلبَ العَقُورَ)). يَتَنَاولُ هَذِه الأشياءَ، كَمَا سَنَّحكِيه بَعدَ ذلك. ومَا ذَكَرَه من أنَّ مَفهومَ العَدَدِ حُجَّةٌ، مَحكِيٍّ عن الشَّافِعِيِّ [١٨/٢ و] تَظْهُ، لَكِن ذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكرٍ البَاقِلانِيُّ، وإمَامُ الحَرَمَينِ، وغَيرُهمَا إلى أنَّه لَيسَ بِحُجَّةٍ، وجَزَمَ بِهِ البَيضَاوِيُّ في ((مُختَصَرِه)). وكَذَا قال الإمَامُ فَخرُ الدِّين(٣): إنَّه لَيْسَ بِحُجَّةٍ، إلا أنَّه قال: قد يَدُلُّ عَلَيْه لِدَلِيلِ مُنْفَصِلٍ . ثُمَّ إنَّ المَشهورَ عن الحَنَفيةِ: أنَّهم لا يَقُولُونَ بِالمَفَاهيم مُطلَقًّا، لا هَذَا المَفهومُ ولا غَيرُه، وبِتَقْدِيرِ قَولِهم بِالمَفهومِ، فَهم لَم يَقِفُوا عِندَ هَذَا المَفهومِ، بَل ضَمُّوا إِلَيها الحَيَّةَ والذِّئبَ أيضًا، كَمَا تَقَدَمَ، والنَّصُّ عَلى الحَيَّةِ في ((صَحِيحٍ (١) في (م): ((حکمهما)). (٢) أبو داود (١٨٤٨)، والترمذي (٨٣٨)، وابن ماجه (٣٠٨٩). (٣) المحصول للرازي (٢٢١/٢). = 3 ٣٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مسلم)) وغَيرِهِ، كَمَا تَقدمَ، وفي حَدِيثِ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ(١) ذَكَرَ السَّبُعَ العَادِيَ، وهوَ يُنَافي الوُقُوفَ عِندَ هَذَا المَفهومِ، (فَإِنَّها مَعَ الحَيَّةِ والسَّبُعِ العَادِي لَيسَت خَمسًا، بَل سَبعًا(٢)، كَيفَ وقد جَاءَ في بَعضِ الرِّوايَاتِ خَمسٌ، وفي بَعضِها، أَرَبَعٌ؟](٣). فَلَو كَانَ هَذَا المَفهومُ حُبَّةً لَتَدَافَعَ هَذَانِ المَفهومَانِ وسَقَطًا . ] الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ: فَعَلى القَولِ الأول(٤) بِأَنَّ مَفهومَ العَدَدِ حُجَّةٌ، مَا جَوابُكُم عن تَخْصِيصِ هَذِهِ المَذْكُورَاتِ بِالذِّكرِ؟ قُلتُ: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ (٦٤/٥م) العُمدَة))(٥): قال مَن عَلَّلَ بِالأَذَى: إنَّمَا اخْتُصَّت بِالذِّكرِ لِيُنَبِّهَ بِها (٦) عَلَى (٧)مَا في ٧) مَعنَاها، وأنواع الأذَى مُخْتَلِفَةٌ، فَيَكُونُ ذِكرُ كُلِّ نَوعِ منها مُنَبِّهَا عَلى جَوازٍ قَتلِ مَا فيه ذلك النَّوعِ؛ فَنَبَّهَ بِالحَيَّةِ والعَقرَبِ(٨) عَلى مَا يُشَارِكُهمَا في الأذَى بِاللسعِ؛ كالبُرغُوثِ مَثَلًا عن بَعضِهم ونَبَّهَ بِالفَأْرَةِ عَلى مَا أَذَاه بِالثَّقبِ والتَّقْرِيضِ؛ كابنِ عِرسٍ، ونَبَّهَ بِالغُرَابِ والحِدَأَةِ عَلى مَا أَذَاه بِالاختِطَافِ؛ كالصَّقْرِ والبَازِي، ونَّهَ بِالكَلبِ العَقُورِ عَلَى كُلِّ عَادٍ بِالعَقرِ والافتِرَاسِ بِطَبعِه؛ كالأسَدِ والنَّمِرِ والفَهدِ، وأمَّا مَن قال بِالتَّعدِيَةِ إلى كُلِّ مَا لا يُؤكَلُ لَحمُه (٩)، فَقد أحَالُوا الشَّخصِيصَ في الذِّكرِ بِهَذِهِ الخَمسِ عَلى الغَالِبِ فَإِنَّها المُلابِسَاتُ لِلنَّاسِ، المُخَالِطَاتُ في الدُّورِ، بِحَيثُ يَعُمُّ أَذَاها، فَكَانَ ذلك سَبَبًا لِلتَّخصِيصِ، والتَّخصِيصُ لأجلِ الغَلَبَةِ إذَا وقَعَ لَم يَكُن لَه مَفهومٌ، عَلى مَا عُرِفَ في الأُصُولِ، إلا أنَّ خُصُومَهم جَعَلُوا هَذَا المَعنَى مُعتَرِضًا عَلَيه(١٠) في تَعدِيَةِ الحُكمِ إلى بَقِيَّةِ السِّبَاعِ المُؤذِيَةِ، وتَقرِيرُه: أنَّ إِلحَاقَ المَسكُوتِ بِالمَنْطُوقِ قِيَاسًا، شَرطُه مُسَاواةُ (١١ الفَرَعَ لِلأصلِ (١١) أو رُجحَانُه، أمَّا إذَا انفَرَدَ الأصلُ بِزِيَادَةٍ (١) ليس في: (ح). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) إحكام الأحكام (ص٤٦٥). (٧ - ٧) ليس في: الأصل. (٩) ليس في: (ح). (٢) في الأصل: ((سبع)). (٤) ليس في: (م). (٦) ليس في: الأصل، (ح). (٨) ليس في: الأصل. (١٠) في (ح): ((عليهم)). (١١ - ١١) في الأصل، (م): ((الأصل للفرع)). والمثبت موافق لما في شرح العمدة. = بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلَى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه ٣٧١ يُمكِنُ أن تُعتَبَرَ فَلا إِلحَاقَ، ولَمَّا كَانَت هَذِه الأشياءُ عَامَّةَ الأذى كَمَا ذَكَرَتُم(١)، نَاسَبَ أن يَكُونَ ذلك سَبَبًّا لإِبَاحَةِ قَتلِها لِعُمُومٍ ضَرَرِها، فَهَذَا المَعنَى مَعدُومٌ فيمَا لا يَعُمُّ ضَرَرُه مِمَّا لا يُخَالِطُ في المَنَازِلِ ولا تَدَعُو الحَاجَةُ إلى إبَاحَةٍ(٢) قَتِلِهِ، كَمَا دَعَت إلى إِبَاحَةٍ قَتلِ مَا يُخَالِطُ من المُؤذِيَاتِ فَلا يَلحَقُ بِهِ. وأجَابَ الأولُونَ عن هَذَا بِوجهَينِ : أحَدُهمَا: أنَّ الكَلبَ العَقُورَ نَادِرٌ، وقد أُبِيحَ قَتْلُه. والثَّانِي: مُعَارَضَةُ النُّدَرَةِ فِي غَيرِ هَذِه الأشياءِ بِزِيَادَةِ قُوةِ الضَّرَرِ، ألا تَرَى أَنَّ تَأْثِيرَ الفَأْرَةِ بِالنَّقبِ، مَثَلًا، أو الحِدَأةِ تَختَطِفُ شَيئًا، لا يُسَاوِي مَا في الأسَدِ والفَهدِ من إتلافِ النَّفسِ، فَكَانَ بِإِبَاحَةِ القَتلِ أولى. انتَهَى. ولَم يُعَرِّجَ عَلى ذِكرِ الحَدِيثِ الشَّامِلِ لِسَائِرِ السِّبَاعِ، وهو قَولُه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ: ((يَقتُلُ المُحرِمُ السَّبُعَ العَادِيَ)). وقد تَقْدمَ ذِكرُه. وقال ابنُ حَزم(٣): فَإِن قِيلَ: فَمَا (٤) وجه اقتِصَارِ رسولِ اللهِ وَ عَلَى هَذِه الخَمسِ؟ قُلنَا: ظَاهرُ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مَحضُوضٌ عَلى قَتلِهِنَّ، مَندُوبٌ إلَيه، ويَكُونُ غَيرُهنَّ، مُبَاحًا قَتلُه أيضًا، ولَيسَ هَذَا الخَبَرُ مِمَّا يَمنَعُ أن يَكُونَ غَيرَ تِلكَ الخَمسِ (٦٥/٥م) مَأمُورًا بِقَتلِه أيضًا؛ كالوزَغْ، والأفَاعِي، والحَيَّاتِ، والرُّتَيلاءِ (٥)، والثَّعَابينِ، وقد يَكُونُ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ تَقدمَ بَيَانُه فِي هَذِهِ، فَاغتَنَى عن إعَادَتِها عِندَ ذِكرِهِ هَذِه الخَمسَ. الرَّابِعَةُ: اقتَصَرَ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ عَلى نَفيِ الجُنَاحِ، وهو الإثمُ، عن فَتْلِ هَذِهِ المَذْكُورَاتِ، ولَيسَ في ذلك تَرجِيحُ فِعلٍ قَتلِها عَلى تَرِكِه، وفي حَدِيثٍ عَائِشَةَ الأمرُ، وهو يَدُلُّ عَلى تَرجِيحِ قَتلِها عَلى تَركِه، وهو مُحتَمِلٌ لِلوُجُوبِ والنَّدبِ، بِنَاءً عَلى أنَّ المَندُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، وهو المُرَجَّحُ [١٨/٢ظ] في الأُصُولِ، (١) في (م): ((ذكر ثُمَّ)). (٣) المحلى (٢٤٣/٧). (٢) ليس في: الأصل. (٤) في الأصل: ((ما)). (٥) الرتيلاء: جنس من الهوام، أنواع، أشهرها شبه الذباب الذي يطير حول السراج، ولسع جميعها مورم مؤلم. القاموس المحيط. (ص١٢٩٧) (ر ت ل). = ٣٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ومَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، والحَنَابِلَةِ، والظّاهِرِيَّةِ اسْتِحِبَابُ قَتلِ المُؤْذِيَاتِ وهيَ الخَمسُ المَذكُورَةُ ومَا في مَعنَاها، وتَمَسَّكُوا بِالأمرِ بِهِ في هَذَا الحَدِيثِ، وفيه زِيَادَةٌ عَلى نَفيِ الجُنَاحِ الذِي فِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ هًُّا. الخَامِسَةُ: نَصَّ في الحَدِيثِ عَلى المُحرِمِ لِكُونِهِ جَوابًا لِلسُّؤَالِ عنه، ويُعلَمُ حُكمُ الحَلَالِ من طَرِيقِ الأُولى، فَإِنَّه لَم يَقُم بِهِ مَانِعٌ من ذلك، فَإِذَا أُبِيحَ مَعَ قِيَامِ المَانِعِ فَمَعَ فَقدِه أولى. السَّادِسَةُ: فيه التَّصِيصُ عَلى قَتلِ الغُرَابِ، وقال ابنُ المُنذِرِ (١): أبَاحَ كُلُّ مَن يُحِفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ قَتلَ الغُرَابِ في الإحرَامِ، ورُوِّينَا عن ابنِ عُمَرَ أنَّه كَانَ يَرِمِي غُرَابًا وهو مُحرٌِ، وكَانَ مَالِكٌ، والثَّورِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ، وأَبُو ثَورٍ، وأصحَابُ الرَّأيِ يُبْحُونَ قَتَلَه لِلمُحرِمِ، ورُوِِّنَا عن عَطَاءٍ؛ أنَّه قال في مُحرِمٍ كَسَرَ قَرِنَ غُرَابٍ: إن أدَمَاه فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ، وإن لَم يُدمِه أطعَمَ شَيئًا. انتَهَى. وحُكي عن عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ، ومُجَاهدٍ: أنَّه لا يَقتُلُ الغُرَابَ وَلَكِن يَرمِي، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ عن قَومِ، ثُمَّ قال(٢): فيه عن عَلِيٍّ ضَعفٌ، ولا يَثْبُتُ. وكَذَا قال النَّوِيُّ(٣): لَيْسَ بِصَحِيحٍ عن عَلِيٍّ. انتَهَى. واستَدَلَّ قَائِلُه بِحَدِيثِ أبي سَعِيدِ المُتَقدمِ ذِكرُه، وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: لَيسَ هَذَا الحَدِيثُ مِمَّا يُحتَجُّ بِهِ عَلى حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ. وقال الخَطَّابِي (٤): يُشبِه أن يَكُونَ المُرَادُ بِه الغُرَابَ الصَّغِيرَ الذِي يَأْكُلُ الحَبَّ، وهو الذِي استَثْنَاه مَالِكٌ من جُمْلَةِ الغِربَانِ، وكَانَ عَطَاءٌ يَرَى فيه الفِديَةَ، ولَم يُتَابِعِه عَلى قَولِه أحَدٌ. انتَهَى. وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٥): فيه يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِن صَحَّ حُمِلَ عَلى أَنَّه لا يَتَأكَّدُ نَدبُ قَتلِه؛ كَتَأْكُّدِه في الحَيَّةِ والفَأْرَةِ والكَلبِ العَقُورِ . (١) الإشراف (٢٥٤/٣). (٣) شرح صحيح مسلم (١١٤/٨). (٤) معالم السنن (١٨٥/٢). (٢) التمهيد (١٧٣/١٥، ١٧٤). (٥) المجموع (٣٣٥/٧). بَابُ مَا يَحُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه ٣٧٣ السَّابِعَةُ: ظَاهِرُهُ أنَّه (٦٦/٥م) لا فَرِقَ بَينَ أن يَبتَدِثَه الغُرَابُ بِالأَذَى أم لا، وهو المَشهورُ من مَذَاهبِ العُلَمَاءِ، وهو المَشهورُ من مَذهَبِ مَالِكِ أيضًا، كَمَا تَقْدمَ، ورَوى عنه أشھَبُ خِلافَه. ] الثَّامنةُ: وظَاهرُه أيضًا أنَّه لا فَرِقَ بَيْنَ كِبَارِ الغِرِبَانِ وصِغَارِها، وهو المَشهورُ من مَذَاهبِ العُلَمَاءِ، وعِندَ المَالِكِيَّةِ في ذلك خِلافٌ تَقْدمَ، ومَا ذَكَرته في هَذِهِ الفَائِدَةِ والتي قَبَلَها يَأتي في الحِدَأَةِ أيضًا . التَّاسِعَةُ: أطلَقَ في أكثَرِ الرِّوايَاتِ ذِكَرَ الغُرَابِ، وقَيَّدَه في بَعضِ طُرُقٍ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِالأبقَعِ، وهو في ((صَحِيحِ مسلم)) كَمَا تَقدمَ، والمُرَادُ بِهِ الذِي في ظَهرِهِ وبَطْنِهِ بَيَاضٌ، فَمُقْتَضَى قَاعِدَةٍ مَن يَحمِلُ اَلْمُطلَقَ عَلى المُقَيَّدِ اختِصَاصُ ذلك بِالأبقَعِ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن بَعضِ أهلِ الحَدِيثِ، وحَكَاه ابنُ قُدَامَةً في ((المُغنِي))(١) عن قَومِ، ثُمَّ رَدَّه بِأنَّ لَفظَ الرِّوايَاتِ الأُخرَى عَامٌّ في الغُرَابِ، وهو أصَحُّ من الحَدِيثِ الآخَرِ، وبِأنَّ غُرَابَ البَينِ مُحَرَّمُ الأكلِ يَعدُو عَلى أموالٍ النَّاسِ، فَلا وجهَ لإخرَاجِه من العُمُومِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرّ (٢): ثَبَتَ عن النَّبِيِوَ لاَّ أَنَّه أبَاحَ لِلمُحرِمِ قَتلَ الغُرَابِ، ولَم يَخُصَّ أبقَعَ من غَيرِهِ، فَلا وجهَ لِمَا خَالَفَه؛ لأنه لا يَثْبُتُ. انتَهَى. وحَكَى الخَطَّابِي عن مَالِكٍ؛ أنَّه لا يَقتُلُ المُحرِمُ الغُرَابَ الصَّغِيرَ الذِي يَأْكُلُ الحَبَّ. وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)): المُرَادُ الغُرَابُ الأبقَعُ وغُرَابُ البَيْنِ. انتَهَى. فَلَم تَأْخُذ الحَنَابِلَةُ الحَدِيثَ عَلى عُمُومِه، ولا خَصُّوه بِالأبقَعِ، كَمَا في تِلكَ الرِّوايَةِ، بَل ضَمُوا إِلَيه غُرَابَ البَينِ. وذَكَرَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْغُرَابَ أربَعَةُ أنواعٍ: أحَدُها: الأبقَعُ، وهو فَاسِقٌ مُحَرَّمٌ، بِلا خِلَافٍ. والثَّانِي: الأسودُ الكَبيرُ، ويُقَالُ لَه: الغُدَافُ الكَبِيرُ، ويُقَالُ لَه: الغُرَابُ الجَبَلِيُّ؛ لأنه يَسكُنُ الجِبَالَ. (١) المغني (١٧٦/٥). (٢) التمهيد (١٧٣/١٥، ١٧٤). ٣٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والثَّالِثُ: غُرَابٌ صَغِيرٌ، أسودُ، أو رَمَادِيُّ اللونِ، وقد يُقَالُ لَه (١): الغُدَافُ الصَّغِيرُ، والأصَحُّ في كُلِّ منهمَا التَّحِيمُ. والرَّابِعُ: غُرَابُ الزَّرعِ، وهو أسودُ صَغِيرٌ، يُقَالُ لَه: الزَّاغُ، وقد يَكُونُ مُحمَرَّ المنقَارِ والرِّجلَينِ، وهو حَلالٌ عَلى الأصَحِّ، ومُقتَضَى ذلك شُمُولُ الحَدِيثِ لِلِكُلِّ، إلا غُرَابَ الزَّرعِ؛ لأنه مَأْكُولٌ، فَهو مُوافِقٌ لِلحَنَابِلَةِ فِي عَدَمِ الاقتِصَارِ عَلى الأبقَعِ، ويُوافِقُ أيضًا مَذهَبَ مَالِكِ الذِي حَكَاه عنه الخَطَّابي في استِثنَاءِ الغُرَابِ الصَّغِيرِ الذِي يَأْكُلُ الحَبَّ. وقال الحَنَفيَةُ، وهَذِه عِبَارَةُ صَاحِبِ ((الهدَايَةِ)) منهم (٢): [١٩/٢ و] والمُرَادُ بِالْغُرَابِ الذِي يَأْكُلُ الجِيَفَ ويَخْلِطُ (٦٧/٥م)؛ لأنَّه يَبْتَدِىُّ بِالأَذَى، أمَّا العَقْعَقُ غَيرُ مُستَئِنَّى؛ لأنه لا يُسَمَّى غُرَابًا، ولا يَبتَدِئُ بِالأَذَى. وقال فيمَا يَحِلُّ أكلُه ومَا لا يَحِلُّ(٣): ولا بأسَ بِغُرَابِ الزَّرع؛ لأنه يَأْكُلُ الحَبَّ، ولَيسَ من سِبَاعِ الطَّيرِ، ولا يُؤكَلُ الأبقَعُ الذِي يَأْكُلُ الجِيَفَ، وكَذَا الغُدَافُ، وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا بَأسَ بِأكلِ العَقعَقِ(٤)؛ لأنه يَخِطُ، فَأَشبَهَ الدَّجَاجَةَ، وعن أبي يُوسُفَ: أنَّه يُكرَه؛ لأن غَالِبُ أكلِه الجِيَفَ. انتَهَى. فَظَهَرَ بِذلك أنَّ مَذَاهبَ الأئِمَّةِ الأربَعَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّه يُستَثنَى من الأمرِ بِقَتلِ الغُرَابِ غُرَابُ الزَّرِعِ خَاصَّةً؛ فَإِمَّا أن يَكُونُوا اعتَمَدُوا التَّقِيدَ الذِي في حَدِيثٍ عَائِشَةَ بِالأبقَعِ، وألحَقُوا بِهِ مَا في مَعنَاه في الأذَى وأكلِ الجِيَفِ، وهو الغُدَافُ، وإمَّا أن يَكُونُوا أخَذُوا بِالرِّوايَاتِ المُطلَقَةِ، وجَعَلُوا الَّقِيدَ بِالأبقَعِ لِغَلَبَتِهِ، لا لِخْتِصَاصِ الحُكمِ بِهِ، وأخرَجُوا عن ذلك غُرَابَ الزَّرعِ وهو الزَّاغُ، لِحِلِّ أكلِه؛ فَهو مُستَثَنَّى بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. واللهُ أعلمُ. ] العَاشِرَةُ: ((الحِدَأَةُ): مَعْرُوفَةٌ، وهيَ بِكَسرِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، وبِالهَمزِ، وجَمعُها حِدَاءٌ، بِكَسرِ (٥) الحَاءِ مَقصُورٌ مَهمُوزٌ؛ كعِنَةٍ وعِنَبِ، وفي بَعضِ رِوايَاتِ (١) ليس في: الأصل، (ح). (٣) الهداية (٦٨/٤). (٢) الهداية (١/ ١٧٢). (٤) في (ح): ((العقيق)). (٥) من هنا خرم في: (ح) إلى أثناء الفائدة الخامسة عشر من حديث التلبية. ٣٧٥ بَابُ مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه الصَّحِيحِ: ((الحُدَيًّا)): وهو بِضَمِّ الحَاءِ، وفَتح الدَّالِ، وتَشدِيدِ اليَاءِ، مَقصُورٌ، قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): قال ثَابِتٌ: الوجه فيه الهَمزُ عَلى مَعنَى التَّذكِيرِ، وإلا فَحَقِيقَتُه: ((حُدَيئة)) (٢). وكَذَا قَيَّدَه الأصِيلِيُّ في ((صَحِيحِ البخاريِّ)) في مَوضِع(٣): ((أو (٤) الحدية))(٥) عَلى التَّسهيلِ والإدغَامِ. انتَهَى. وتَقدمَ الخِلافُ الذِي عِندَ المَالِكِيَّةِ في اختِصَاصٍ فَتِلِها بِمَا إذَا ابْتَدَأْت بِالأذَى، وفي اختِصَاصِ القَتلِ بِكِبَارِها، والمَشهورُ خِلافُه، وهو العُمُومُ، كَمَا تَقدمَ. الحَادِيَةَ عَشَرَ: في أكثَرِ الرِّوَايَاتِ ذِكرُ العَقْرَبِ، وفي بَعضِها، وهو عِندَ مسلم، ذِكرُ الحَيَّةِ بَدَلَها، وفي حَدِيثِ أبي هرَيرَةَ عِندَ أبي دَاوُد(٦)، وحَدِيثٍ أبي سَعِيدٍ عِندَ أبي دَاوُد وابنِ مَاجَه(٧) الجَمِعُ بَينَهمَا، وفي ((الصَّحِيحَينِ)»(٨)، من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ: الأمرُ بِقَتلِ الحَيَّةِ في غَارِ المُرسَلاتِ، وذلك في منى، وهيَ من الحَرَمِ وكَانُوا مُحرِمِينَ. فَفي ((سُنَنِ النسائيّ))(٩) أنَّ ذلك كَانَ لَيلَةَ عَرَفَةً. وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (١٠) عنه: ((أنَّ رسولَ الله وَ أَمَرَ مُحرِمًا بِقَتلِ حَيَّةٍ بِمنى)). وفي ((سُنَنِ البَيْهَقِّ))(١١) أيضًا عنه قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((يَقتُلُ المُحرِمُ الحَيَّةَ)). وهيَ أولى بِالأمرِ بِالقَتلِ من العَقرَبِ، فَكَأنَّه نَبَّهَ في الرِّوايَةِ المَشهورَةِ بِالعَقْرَبِ عَلى الحَيَّةِ من طَرِيقِ الأولى، وقال ابنُ المُنذِرِ (١٢): لا نَعلَّمُهم (٦٨/٥م) اختَلَفُوا في ذلك. انتَهَى. (١) إكمال المعلم (٢٠٧/٤). (٢) كذا في الأصل، (م)، وفي إكمال المعلم: ((الحدياه)). وأشار المحقق أنها في نسخة: ((الحديثة)). وهي في المفهم، وشرح النووي: ((حَدَیٌَ)). (٣) صحيح البخاري (٤٣٩)، وينظر: فتح الباري (٥٣٤/١). (٤) ليس في: (م). والمثبت موافق لمصادر التخريج. (٥) كذا في النسخ، وفي مصدري التخريج: ((الحُديَّة))، وكذا ضبطها القاضي، والحافظ. (٧) تقدم تخريجه. (٦) أبو داود (١٨٤٧). (٨) البخاري (١٨٣٠)، ومسلم (١٣٧/٢٢٣٤). (١٠) مسلم (١٣٨/٢٢٣٥). (٩) سنن النسائي (٢٨٨٤). (١١) السنن الكبرى (٢١٠/٥). (١٢) الإشراف (٢٥٣/٣). ٣٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وتَقدمَ عِندَ المَالِكِيَّةِ خِلافٌ في قَتلِ مَا صَغُرَ من الحَيَّاتِ والعَقَارِبِ، بِحَيثُ إنَّه لا يُمكِنُ منه الأذَى، ولَم يَذكُر غَيرُهم هَذَا الخِلافَ، ورَوى البَيْهَقِيُّ في ((سُنَّنِهِ))(١) عن أيُّوبَ، قُلت لِنَافِعِ: الحَيَّةُ؟ قال: الحَيَّةُ لا يُخْتَلَفُ فيها. وأصلُه في ((صَحِيحٍ مسلم))(٢) إلا أنَّه لَم يَسُقِ لَفظَه، وذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ، بِلَفِظِ (٣): قال: الحَيَّةُ لا يُختَلَّفُ في قَتلِها. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٤): لَيسَ كَمَا قال نَافِعٌ، وقد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في جَوازٍ قَتلِ الحَيَّةِ لِلمُحرِمِ، لَكِنَّه شُذُوذٌ. ثُمَّ حَكَى عن الحَكْمِ بنِ عُتَيبَةَ، وحَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمَانَ أنَّهمَا قَالا: لا يَقتُلُ المُحرِمُ الحَيَّةَ ولا العَقرَبَ. رَواه شُعبَةُ عنهما، قال: ومن حُجَّتِهمَا أَنَّ هَذَينِ من هَوامِ الأرضِ، فَمَن قال بِقَتِلِهِمَا لَزِمَه مِثلُ ذلك في سَائِرِ هَوامٌّ الأرضِ، قال: وهَذَا لا وجهَ لَه ولا مَعنَى؛ لأن رسولَ اللهِ وَ ﴿ قد أبَاحَ لِلمُحرِمِ قَتلَهمَا. انتَهَى. وحَكَى ابنُ حَزم(٥) عن الطّحَاوِيِّ أنَّه قال: لا يَقتُلُ المُحرِمُ الحَيَّةَ، ولا الوزَغَ، ولا شَيْئًا غَيرَ الخَمسِ المَنصُوصِ عَلَيها . ] الثَّانِيَةَ عَشَرَ: الفَأْرَةُ: مَهمُوزَةٌ، وجَمعُها فَأَرٌ، وبِالأمرِ بِقَتلِها قال (٦) الجُمهورُ من السَّلَفِ والخَلَفِ، إلا إبراهيمَ النَّخَعِيَّ، فَإِنَّ مَنَعَ المُحرِمَ من قَتلِها؛ حَكَاه عنه السَّاجِيُّ، وابنُ المُنذِرِ وغَيرُهمَا (٧)، وزَادَ السَّاجِيُّ: وأرَاه قال: فَإن قَتَلَها فَفيها فِديَّةٌ. قال ابنُ المُنذِرِ: وهَذَا لا مَعنَى [١٩/٢ ظ] لَه؛ لأنه خِلَافُ السُّنَّةِ وقَولِ أهلِ العِلمِ، وقال الخَطَّابي: هَذَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، خَارِجٌ عن أقَاوِيلِ أهلِ العِلم. وتَقَدمَ الخِلافُ عِندَ المَالِكِيَّةِ في قَتلِ مَا انتَهَى صِغَرُه منها إلى حَدٍّ لا يُمكِنُ منه الأذَى، ولَيسَ هَذَا الخِلَافُ عِندَ غَيرِهم. (١) السنن الكبرى (٢٠٩/٥). (٢) تقدم تخريجه. (٣) التمهيد (١٥٥/١٥). (٤) التمهيد (١٧٠/١٥). (٥) المحلى (٢٣٩/٧)، وينظر: شرح معاني الآثار (١٦٧/٢). (٦) في (م): ((مال)) . (٧) الإشراف (٢٥٥/٣)، الخطابي في معالم السنن (١٨٥/٢)، والنووي في شرح صحيح مسلم (١١٤/٨). = بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه ٣٧٧ ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في المُرَادِ بِالكَلبِ العَقُورِ هنَا، فقال مَالِكٌ في ((المُوطٍَّ)(١): هو كُلُّ مَا عَقَرَ النَّاسَ، وعَدَا عَلَيهم، وأخَافَهم، مِثلُ الأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهدِ، والذِّئبِ. قال: فَأمَّا مَا كَانَ من السِّبَاعِ لا يَعدُو، مِثلَ الضَّبُع، والثَّعَلَبِ، ومَا أشبَهَهمَا من السِّبَاعِ، فَلا يَقتُلُه المُحرِمُ، وإن قَتَلَه فَدَاه. وكَذَا قَال سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةً: هو كُلُّ سَبُعِ يَعِقِرُ. ولَم يَخُصَّ بِهِ الكَلبَ، قال: وفَسَّرَه لَنَا زَيدُ بنُ أسلَمَ. ورَوى البَيهَقِيُّ في ((سُنَنِه))(٢) عن الحُمَيدِيِّ، عن سُفْيَانَ قال: سَمِعت زَيدَ بنَ أسلَمَ يَقُولُ: وأيُّ كَلبٍ أعقَرُ من الحَيَّةِ؟ قال الحُمَيدِيُّ: كُلُّ شَيءٍ(٣) يَعْقِرُك فَهو العَقُورُ. وقال أبُو عُبَيدٍ (٤): قد يَجُوزُ في الكَلامِ أن يُقال لِلسَّبُعِ کَلبٌ، ألا تَرَى أنَّهم يَرُؤُونَ في المَغَازِي(٥): أنَّ عُتبَةَ بنَ أبي لَّهَبٍ كَانَ شَدِيدَ الأَذَى لِلنَّبِ لَ فقال: ((اللَّهُمَّ سَلِّط عَلَيهِم كَلبًا من ◌ِلابِك))؛ فَخَرَجَ عُتَبَةُ إلى الشَّامِ مَعَ أصحَابِهِ، فَزَلَ مَنزِلًا، فَطَرَقَهم الأسَدُ، فَتَخَطَّى إلَيه من بَيْنِ أصحَابِهِ، فَقَتَلَه. فَصَارَ الأسَدُ هاهنا قد لَزِمَه اسمُ الكَلبِ، قال: ومن ذلك قَولُه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِّينَ﴾ [المائدة: ٤]؛ فَهَذَا اسمٌ مُشتَقُّ من الكَلبِ، ثُمَّ دَخَلَ فيه صَيدُ الفَهدِ، والصَّقرِ، والبَازِي، فَلِهَذَا قِيلَ لِكُلِّ جَارِحٍ أو عَاقِرٍ من السِّبَاعِ: كَلبٌ عَقُورٌ. انتهى. وقد اعتُرِضَ عَلَيه في قَولِه: ((عُتْبَةُ)). وإنَّمَا هو: ((عُتَيبَةُ)) أخُوه، وأمَّا عُتَبَةُ فَإِنَّه بَقِيَ حَتَّى أسلَمَ يَومَ الفَتحِ، وهو مَعدُودٌ في الصَّحَابَةِ (٦). وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّووِيُّ(٧) حَمَلَ الكَلَبِ العَقُورِ هنَا عَلَى كُلِّ سَبُعِ مُفتَرِسٍ عن سُفْيَانَ الثَّورِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وجُمهورِ العُلَّمَاءِ. (١) الموطأ (٣٥٧/١). (٣) في الأصل: ((كلب)). (٢) السنن الكبرى (٢١١/٥). (٤) غريب الحديث (١٦٩/٢). (٥) أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٢١٧٠)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣٨٠ - ٣٨٣)، والبيهقي في الدلائل (٣٣٨/٢، ٣٣٩)، وأوردها ابن حجر في الإصابة (٢٣٦/١٠). (٦) ابن عبد البر في الاستيعاب (١٠٣٠/٣)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢٠٤/٣)، وابن حجر في الإصابة (٣٨٠/٦). (٧) إكمال المعلم (٢٠٦/٤)، وشرح صحيح مسلم (١١٥/٨). كم ٣٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وذَكَرَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(١)، عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّه قال: الكَلبُ العَقُورُ الأسَدُ. فَإن أرَادَ الثَّخصِيصَ دُونَ التَّمثِيلِ(٢) فَهو قَولٌ ثَانٍ، وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٣) عن الأوزَاعِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، والحَسَنِ بنِ صَالِحِ: أنَّ المُرَادَ بِهِ الكَلبُ المَعرُوفُ خَاصَّةً، إلا أنَّهم ألحَقُوا بِه في حُكمِه الذّئبَ، وذَهَبَ زُفَرُ إلى أنَّ الكَلبَ العَقُورَ هو الذِّئبُ، فَهَذِه أربَعَةُ أقوالٍ، وحَكَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٤) عَمَّن فَسَّرَه بِالكَلبِ المَعْرُوفِ بِأَنَّه المَعنَى العُرفي، وهو مُقدمٌ عَلى اللُّغَوِيِّ. الرَّابِعَةَ عَشَرَ: سَواءٌ حُمِلَ الكَلبُ عَلى مَدُلُولِهِ المَعرُوفِ، أو عَلى كُلِّ سَبْعِ مُفتَرِسٍ، فَتَقِيدُه بِالعَقُورِ يُخرِجُ غَيْرَهِ، ويَقتَضِي أنَّ غَيرَ العَقُورِ من الكِلابِ مُحَتَرٌَ، لا يَجُوزُ قَتْلُه، وبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ في ((كِتَابِ الأَطعِمَةِ»، والنَِّيُّ فِي البَيعِ في ((شَرِحِ المُهَذَّبِ))(٥) وزَادَ: أَنَّه لا خِلافَ فيه بَيْنَ أصحَابِنَا. وقال الرَّافِعِيُّ (٦) في الحَجِّ: إنَّ قَتْلَه مَكَرُوهٌ. وقال النَّوِيُّ هَنَاكَ: مُرَادُه كَرَاهَةٌ تَنزِيهِ. وذَكَرَ الرَّافِعِيُّ(٧) في الغَصبِ أَنَّه غَيرُ مُحتَرَم، وكَذَا ذَكَرَ النَّووِيُّ(٨) في التَّيَمُّمِ، وهَذِهِ مَواضِعُ مُختَلِفَةٌ، وقال شَيخُنَا الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتٍ)): جَزَمَ بِالتَّحْرِيمِ القَاضِي الحُسَينُ، والمَاوردِيُّ، وإِمَامُ الحَرَمَينِ. ومَذهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوازٌ قَتلِه، صَرَّحَ بِهِ في ((الأُمِ) في بَابِ الخِلافِ في ثَمَنِ الكَلبِ(٩). انتَهَى. ومَن يَقُولُ بِجَوازٍ قَتلِ غَيرِ العَقُورِ يُجِيبُ عن هَذَا التَّقِيدِ بِأَنَّه لِلاستِحِبَابِ، وغَيرُ العَقُورِ يَجُوزُ قَتلُه، ولا يُستَحَبُّ. واللهُ أعلمُ. الخَامِسَةَ عَشَرَ: أخرَجَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وغَيرُهمَا(١٠)، مِمَّن لَم يَقْصِر الحُكمَ عَلى الخَمسِ من السِّبَاعِ، الضَّبُعَ والثَّعَلَبَ، ومُدرَكُه عِندَ الشَّافِعِيِّ (١) التمهيد (١٥٧/١٥). (٢) في الأصل: ((التمسك)). (٣) إكمال المعلم (٢٠٦/٤). (٤) إحكام الأحكام (ص٤٦٦). (٥) الشرح الكبير للرافعي (٣٢٨/١١)، والمجموع (٢٨٠/٩). (٦) الشرح الكبير (٤٨٩/٧). (٧) الشرح الكبير (٣٢٨/١١). (٨) المجموع (٢٨٢/٢). (٩) الأم (٢٨/٤). (١٠) الموطأ (٣٥٧/١)، والأم (٤٩٤/٣)، والبيهقي في الكبرى (١٨٣/٥). = بَابٌ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه ٣٧٩ كُونُهمَا مَأْكُولَينِ، (٧٠/٥م) لِؤُرُودِ النَّصِّ فيهمَا، وعِندَ مَالِكٍ كَونُهمَا لا يَعدُوانِ، والقَتلُ خَاصٌّ بِالذِي يَعدُو من السِّبَاعِ لا بِجَمِيعِها، وقال أحمَدُ: بِإِبَاحَةِ الصَّبُع، وعنه في إبَاحَةِ الثَّعَلَبِ رِوايَتَانِ (١)، وأنكرَ ابنُ حَزِمِ الظَّاهِرِيُّ إِبَاحَة الشَّعلَبِ، وقال(٢): لَم يَرِد فيه نَصِّ. ■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: لَم يُذكَر في ذلك الوزَغُ، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٣) من حَدِيثٍ عَائِشَةَ: ((قال؛ أي: النَّبِي وََّ [٢٠/٢و] لِلوزَعِ: (فُويسِقٌ))، ولَم أسمَعه أمَرَ بِقَتلِه)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٤) أيضًا من حَدِيثٍ أُمِّ شَرِيكِ: ((أَنَّ النَّبِي ◌َّرِ أَمَرَها بِقَتلِ الأوزَاغِ». وفي ((صَحِيحٍ مسلم))(٥) من حَدِيثِ سَعدِ بنِ أبي وقّاصٍ: ((أنَّ النَّبِي وَرَ أَمَرَ بِقَتلِ الوزَعِ وسَمَّاه: فُويَسِّقًا)). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): والآثَارُ بِذلك مُتَواتِرَةٌ، وقد ألحَقَه أصحَابُنَا بِالفَواسِقِ الخَمسِ في نَدبِ قَتلِهِ، وورَدَ التَّرغِيبُ في قَتلِه في عِدَّةِ أَحَادِيثَ. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ من طَرِيقِ ابنِ عَبدِ الحَكَمِ، عن مَالِكِ، أنَّه قال: لا يَقتُلُ المُحرِمُ الوزَغَ. ومن طَرِيقِ ابنِ القَاسِمِ، وابنِ وهبٍ، وأشهَبَ عنه: لا أُرَى أن يَقتُلَ المُحرِمُ الوزَغ؛ لأنه لَيسَ من الخَمسِ التي أمَرَ النَّبِيُّ وَّهِ بِقَتِلِهِنَّ. قِيلَ لِمَالِكِ: فَإِن قَتَلَ المُحرِمُ الوزَغَ؟ فقال: لا يَنبَغِي لَه أن يَقْتُلَه، وأرَى أن يَتَصَدَّقَ إن قَتَلَه، وهو مِثلُ شَحمَةِ الأرضِ. وقد قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((خَمسُ من الدَّوابِّ)). فَلَيسَ لأَحَدٍ أن يَجعَلَها سِتّا ولا سَبعًا. انتَهَى. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ولَيسَ قَولُ مَن قال لَم أسمَعه أمَرَ بِقَتلِه بِشَهادَةٍ، والقَولُ قَولُ مَن شَهِدَ أنَّه أمَرَ بِقَتِلِه. قُلتُ: وفي ((سُنَنِ النسائيّ))(٧) عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ: أنَّ امرَأةً دَخَلَت عَلى (١) المغني (٣٩٨/٥). (٢) المحلى (٧ /٢٤٤). (٣) البخاري (١٨٣١)، ومسلم (١٤٥/٢٢٣٩). (٤) البخاري (٣٣٥٩)، ومسلم (١٤٢/٢٢٣٧). (٥) مسلم (٢٢٣٨ /١٤٤). (٧) النسائي (٢٨٣١). (٦) التمهيد (١٦٣/١٥). = ٣٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَائِشَةَ وبيدِها عُكَّازٌ، فقالت: مَا هَذَا؟ فقالت: لِهَذِه الوزَغ؛ لأن نَبِي الله ◌َِل حَدَّثَنَا أَنَّه: (لَم يَكُنْ شَيءٌ إلا (١) يُطفِئُ عَلى إبرَاهِيمَ عَلَّلها إلا هَذِهِ الذَّابَّةُ، فَأْمَرَنَا بِقَتلِها)) الحَدِيثَ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ (٢) إجمَاعَ العُلَمَاءِ عَلى جَوازٍ قَتلِ الوزَعْ في الحِلِّ والحَرَمِ. وتَقدمَ قَولُ الطَّحَاوِيِّ: لا يَقتُلُ المُحرِمُ الوزَغَ. ا السَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((خَمْسٌ لا جُنَاحَ في قَتِلِهِنَّ عَلى مَنْ قَتَلَهِنَّ في الحَرَمِ والمُحرِمُ)). كَذَا فِي رِوايَتِنَا في ((مُسنَدِ أحمَدَ)(٣). فَالحَرَمُ(٤): بِفَتحِ الحَاءِ والرَّاءِ المُهمَلَتَينِ، وهو الحَرَمُ المَشهورُ، والمُحرِمُ: اسمُ فَاعِلٍ من أحرَمَ، ولا بُدَّ فيه من حَذفٍ يَصِحُّ بِهِ المَعنَى، وَلَعَلَّ تَقدِيرَه: وإحرَامُ المُحرِمِ. ورَواه مسلمٌ في ((صَحِيحِه) (٥) من هَذَا الوجه بِلَفِظِ: ((الحَرَمِ والإِحرَامُ)). وهو يَدُلُّ لِلْمُضَافِ المَحذُوفِ الذِي قدرنَاه، وبيَّنَ مسلم أنَّ لَفظَ شَيخَيه الرَّاوِيَينِ (٧١/٥م) عن سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ اختلَفَ عَلَيه. فقال أحَدُهمَا، وهو ابنُ أبي عُمَرَ: ((الحَرَمِ))؛ أي: بِفَتحِ الحَاءِ والرَّاءِ، كَمَا في رِوايَتِنَا. وقال الآخَرُ، وهو زُهَيرُ بنُ حَربٍ: ((الحُرُم)) بِضَمِّ الحَاءِ والرَّاءِ؛ أي: في المَواضِعِ الحُرُمِ، جَمِعُ حَرَامٍ، كَمَا قال: ﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]. كَذَا بَيَّنَ القَاضِي في ((المَشَارِقِ)»(٦) الضَّبَطَينِ فقال: وفي رِوايَةٍ: ((في الحَرَمِ والإِحرَامِ))؛ أي: في حَرَمِ مَّةَ، وجَاءَ في رِوايَةِ زُهَيرٍ: ((في الحُرُمِ والإِحرَامِ))؛ أي: في المَواضِعِ الحُرُمِ، جَمعُ حَرَامِ، كَمَا قال: ﴿وَأَنْتُمْ [المائدة: ١]. انتَهَى. ولَم يَفْهَم النَّوِيُّ في ((شَرح مسلم)) (٧) ذلك عَلى وجهه، فقال: اختَلَفُوا في (١) في (م): ((لا)). (٢) التمهيد (١٨٧/١٥)، ونصه: ((وقد أجمعوا أن الوزغ ليس بصيد، وأنه ليس مما أبيح أکله)». (٣) أحمد (٨/٢) بلفظ: ((في الحرم))، (٢/ ٥٠) بلفظ: ((وهو حرام)). (٤) في الأصل: ((فالمحرم)). (٥) مسلم (١١٩٩/ ٧٢). (٦) مشارق الأنوار (١٨٧/١). (٧) شرح صحيح مسلم (١١٥/٨).