Indexed OCR Text
Pages 301-320
كِتَابُ الحَجّ ٣٠١ = وأمَّا قَولُ الدَّارَقُطِنِيِّ (١): إنَّه حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ لأن العِرَاقَ لَم تَكُنْ(٢) فُتِحَت في زَمَنِ النَّبِي ◌َِّهِ. فَكَلَامُه في تَضعِيفِه صَحِيحٌ ودَلِيلُهُ مَا ذَكَرته، وأمَّا استِدلَالُه لِضَعفِه بِعَدَمِ فَتحِ العِرَاقِ فَفَاسِدٌ؛ لأنه لَا يَمْتَنِعُ أن يُخبِرَ بِهِ النَّبِيِوَّ لِعِلمِهِ بَأْنَه سَيُفتَحُ، ويَكُونُ ذلكَ من مُعجِزَاتِ النُّبُوةِ والإخبَارِ بِالمُغيِّبَاتِ المُستَقِبِلَاتِ، كَمَا أنَّه ◌ِوَّهَ وَقَّتَ لِأهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ في جَمِيعِ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ومَعلُومٌ أنَّ الشَّامَ لَم يَكُن فُتِحَ يَومَئِذٍ. وقد ثَبَتَت الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عنه ◌َّهِ أَنَّه: ((أخبَرَ بِفَتحِ الشَّامِ واليَمَنِ والعِرَاقِ، وأَّهم يَأْتُونَ إِلَيهنَّ يَبِسُونَ، والمَدِينَةِ خَيرٌ لَهم لَو كَانُوا يَعلَمُون))(٣)، وأنَّه ◌ِلَّ أخبَرَ بِأنَّه زُوِيَت لَه مَشَارِقُ الأرضِ ومَغَارِبُها، وقال: ((سَيَبلُغُ مُلْكُ أُمَّتي مَا زُوِيَ لِي منها))(٤). وأنَّهم سَيَفتَحُونَ مِصرَ، وهيَ أرضٌ يُذكَرُ فيها القِيرَاطُ(٥). وأنَّ عِيسَى يَنزِلُ عَلى المَنَارَةِ البَيضَاءِ شَرقِي دِمَشقَ(٦). وكُلُّ هَذِه الأحَادِيثِ في الضَّحِيحِ. انتَھَی. وقال في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٧): إسنادُه صَحِيحٌ، لَكِنَّه لَم يَجزِم بِرَفعِه إلى النَّبِيِ بَهِ، فَلَا يَتْبُتُ رَفعُه بِمِجَرَّدٍ(٨) هَذَا. ورَواه ابنُ مَاجَه، من رِوايَة إبراهيمَ بنِ یَزِيدَ الخُوزِيِّ بِإِسنَادِه، عن جَابِرٍ مَرفُوعًا بِغَيرِ شَكٌّ بِلَفِظِ: ((أهلِ المَشرِقِ))، لَكِنَّ الخُوزِيَّ ضَعِيفٌ، لَا يُحتَجُ بِرِوايَتِه. ورَواه الإمَامُ أحمَدُ في ((مُسنَدِه)(٩) عن جَابِرٍ عن النَّبِي ◌َِّ بِلَا شَكٌّ أيضًا، لَكِنَّه من رِوايَةِ الحَجَّاجِ بنِ أرطَاةَ، وهو ضَعِيفٌ. قُلتُ: في قَولِ النَّووِيِّ: إنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ غَيرُ نَابِتٍ لِأَنَّه لَم يَجزِم بِرَفعِه. (١) الإلزامات والتتبع (٢٠٨). (٢) في (ح): ((يكن)). (٣) البخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨). (٤) مسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦)، وابن ماجه (٣٩٥٢). (٥) مسلم (٢٥٤٣). (٦) مسلم (٢٩٣٧)، وأبو داود (٤٣٢١)، وابن ماجه (٤٠٧٥). (٧) المجموع (١٩٧/٧). (٩) مسند أحمد (١٨١/٢). (٨) في (ك، م): ((لمجرد)). = ٣٠٢ ° طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ نَظَرٌ، فَإِنَّ قَولَه: ((أحسَبُه))، مَعنَاه أظُنُّه، والّنُّ في بَابِ الرِّوايَةِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ اليَقِينِ، فَلَيسَ ذلك قَادِحًا في رَفعِه، وأيضًا فَلَو لَم (١٣/٥م) يُصَرِّح بِرَفعِه لَا يَقِينًا ولَا ظَنَّا، فَهو مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ المَرفُوعِ؛ لأن هَذَا لَا يُقَالُ من قِبَلِ الرَّأيِ، وإنَّمَا يُؤْخَذُ تَوقِيفًا من الشَّارِعِ؛ لَا سِيَّمَا وقد ضَمَّ جَابِرٌ رَُّه إلى المَواقِيتِ المَنصُوصِ عَلَيها يَقِينًا بِاتِّفَاقٍ. ورَوى أبُو دَاوُد، والنسائيُّ (١) بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، كَمَا قال النَّوِيُّ، عن عَائِشَةَ : ((أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ وَقَّتَ لِأهلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرقٍ)). وذَكَرَ ابنُ عَدِيٌّ (٢) عن يَحيَى بنِ مُحَمَّدِ بنِ صَاعِدٍ أنَّ الإمَامَ أحمَدَ كَانَ يُنكِرُ عَلى أفلَحَ بنِ حُمَيدٍ هَذَا الحَدِيثَ. قال ابنُ عَدِيٍّ: قد [٤/٢و] حَدَّثَ عنه ثِقَاتُ النَّاسِ، وهو عِندِي صَالِحٌ، وأحَادِيثُه أرجُو أن تَكُونَ مُستَقِيمَةً كُلُّها، وهَذَا الحَدِيثُ يَنفَرِدُ بِهِ مُعَافَى بنُ عِمرَانَ عنه، وإنكَارُ أحمَدَ قَولُهُ: ((ولِأهلِ العِرَاقِ ذَاتُ عِرقٍ))، ولَم يُنكِرِ (٣) البَاقِيَ من إسنَادِهِ ومَتِه. انتَهَى. وصَحَّحَه أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٤)، وقال الذَّهَبي(٥): هو صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وقال والِدِي ◌َُّهُ: إنَّ إسنَادَه جَيِّدٌ. ورَوى أبُو دَاوُد(٦) أيضًا عن الحَارِثِ بنِ عَمرٍو السَّهمِيِّ حَدِيثًا وفيه: ((و(٧) وقَّتَ؛ يعني: رسولَ اللهِ وََّ، ذَاتَ عِرقٍ لِأَهلِ العِرَاقِ))، قال البَيْهَقِيُّ (٨): في إسنَادِهِ مَن هو غَيرُ مَعْرُوفٍ. قُلت: زُرَارَةُ بنُ كَرِيمٍ بِفَتحِ الكَافِ، رَوى عنه جَمَاعَةٌ، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في ((الثّقَاتِ)) (٩)، والرَّاوِي عنه في ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)) عُتَبَةُ بنُ عَبدِ المَلِكِ كَذلك، وبَاقِي رِجَالِهِ لَا يَحْتَاجُ(١٠) إلى الفَحصِ عنهم، فَلَيسَ في إسنَادِهِ مَن هو غَيْرُ مَعْرُوفٍ، فَإِن كَانَ فيهم مَن لَيسَ مَعرُوفًا عِندَ البَيْهَقِيّ فَهو مَعْرُوفٌ عِندَ غَيرِهِ. ورَوى أحمَدُ، والدَّارَ قُطْنِيّ(١١)، من رِوايَةِ الحَجَّاجِ بنِ أرطَاةَ، عن عَمرِو بنِ (١) أبو داود (١٧٣٩)، والنسائي (٢٦٥٢). (٢) الكامل لابن عدي (٤٠٨/١). (٣) في (ح): ((یذکر)). (٥) ميزان الاعتدال (٢٧٤/١). (٦) أبو داود (١٧٤٢). (٨) معرفة السنن والآثار (٥٣٣/٣). (١٠) في (ح): ((تحتاج)). (١١) أحمد (١٨١/٢)، والدار قطني (٢٣٦/٢). (٤) المفهم (٢٦٣/٣). (٧) ليس في: الأصل. (٩) الثقات (٤ / ٢٦٧). كِتَابُ الحَجِّ ٣٠٣ = شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قال: وقَّتَ رسولُ اللهِ وَلَهِ .. فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفيه: ((وقال: لِأهلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرقٍ» . ورَوى الشَّافِعِيُّ والبَيهَقِيُّ(١) بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عن عَطَاءٍ عن النَّبِيِوَ مُرسَلًا: ((أَنَّه وقَّتَ لِأَهلِ المَشرِقِ ذَاتَ عِرقٍ)). فَهَذِهِ الأحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرتُها (٢)، وإِن كَانَ في كُلِّ منها ضَعفٌ(٣)، فَمَجمُوعُها لَا يَقصُرُ عن بُلُوغِ دَرَجَةِ الإِحْتِجَاجِ بِه (٤)، وكَذَا ذَكَرَه النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)): فَالأرجَحُ عِندِي أَنَّه مَنصُوصٌ أيضًا. قال ابنُ قُدَامَةَ(٥): ويَجُوزُ أن يَكُونَ عُمَرُ ومَن سَأْلَه لَم يَعلَمُوا تَوقِيتَ النَّبِيِوَ ذَاتَ عِرقٍ فقال ذلك بِرَأْيِهِ، فَأَصَابَ ووافَقَ قَولَ النَّبِيِ وَ؛ فَقد كَانَ كَثِيرَ (١٤/٥م) الإصابةِ رُنه. انتھی. فَإِن قُلتَ: مَا الجَمِعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ في التَّوقِيتِ من العَقِيقِ وَبَقِيَّةِ (٦) الأحَادِيثِ في الَّوقِيتِ من ذَاتِ(٧) عِرقٍ؟ قُلتُ: في ذلك أوجُهُ: أحَدُها: ضَعفُ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقدمَ، وبِتَقدِيرِ صِحَّتِه فَأحَادِيثُ الثَّوقِيتِ من ذَاتِ عِرقٍ أصَخُ وأكثَرُ وأرجَحُ، وعَكَسَ ذلك الخَطَّابي(٨) فقال: الحَدِيثُ في العَقِيقِ أثْبَتُ منه في ذَاتِ عِرقٍ . الثَّانِي: أنَّ ذَاتَ عِرقٍ مِيقَاتُ الإِيجَابِ، والعَقِيقُ مِيقَاتُ الاستِحبَابِ، فَالإِحرَامُ من العَقِيقِ أفضَلُ، فَإن جَاوزَه وأحرَمَ من ذَاتِ عِرقٍ جَازَ، وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابْنَا الشَّافِعِيَّةُ، واقتَضَى كَلَامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): أنَّه مُتَّفَقٌ عَلَيه. الثَّالِثُ: أنَّ ذَاتَ عِرقٍ مِيقَاتٌ لِبَعضِ أهلِ العِرَاقِ والعَقِيقُ مِيقَاتٌ لِبَعضِهم، (١) مسند الشافعي (٧٥٧)، والسنن الكبرى (٢٧/٥). (٢) في (ح): ((ذکرها)). (٣) في (م): ((ضعيف)). (٤) ليس في: (ك). (٥) المغني (٥٨/٥). (٦) في الأصل: ((وبين)). معالم السنن (١٤٨/٢). (٨) (٧) في الأصل: ((ذلك)). (٩) بل صرح ابن عبد البر أن الإجماع منعقد على ذلك، التمهيد (١٤٣/١٥). = ٣٠٤ ٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ويُؤَيِّدُ ذلك مَا رَواه الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِه الكَبيرِ))(١) عن أَنَسٍ بنِ مَالِكِ: ((أنَّ رسولَ اللهِ بَّهَ وَقَّتَ لِأهلِ المَدَائِنِ العَقِيقَ، ولِأهلِ البَصرَةِ ذَاتَ عِرقٍ)) الحَدِيثَ، وفيه (٢ أبُو عِقالٍ هلَالُ بنُ زَيد٢ٍ)، وثَّقَه ابنُ حِبَّنَ، وضَعَّفَه الجُمهورُ. الرَّابِعُ: ذَكَرَ بَعضُهم: أنَّ ذَاتَ عِرقٍ كَانَت أولًا في مَوضِع العَقِيقِ، ثُمَّ حُوَّلَت وقُرِّبَت إلى مَكَّةَ، وعَلى هَذَا فَذَاتُ عِرقٍ هو العَقِيقُ، واللفظَانِ مُتَوارِدَانِ(٣) عَلى شَيءٍ واحِدٍ . ورَوَى البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ)) (٤)، عن الشَّافِعِيِّ، عن ابنِ عُيَيْنَةً، عن عَبدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، قال: رَأى سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أن يُحرِمَ من ذَاتٍ عِرقٍ، فَأَخَذَ بيدِه حَتَّى خَرَجَ بِهِ من البُيُوتِ وَقَطَعَ الوادِيَ(٥)، فَأَتَى بِهِ المَقَّابِرَ، فقال: هَذِه ذَاتُ عِرقِ الأُولى. انتهى. ومُقتَضَى هَذَا الجَوابِ وُجُوبُ الإِحرَامِ من العَقِيقِ، والجُمهورُ عَلى خِلَافِه كَمَا تَقدمَ، وإِنَّمَا قال بِه الشَّافِعِيَّةُ استِحبَابًا كَمَا تَقدمَ، وظَاهرُ كَلَامِ المَالِكِيَّةِ كَرَاهَتُه؛ لأنهم اتَّفَقُوا عَلى كَرَاهَةٍ تَقدِيمُ (٦) الإحرَامِ عَلى المِيقَاتِ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ، لِمَا فيه من التِبَاسِ المِيقَاتِ، وظَاهرُ كَلَّام ((المُدَونَةِ)) [٤/٢ظ] كَرَاهَتُه عِندَ التَّقْدِيمِ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ أيضًا، قال: وهَذَا من هَؤُلَاءِ كَرَاهَةَ أن يُضَيِّقَ المَرءُ عَلى نَفسِهِ، مَا قد وسَّعَ اللهُ عَلَيه، وأن يَتَعَرَّضَ لِمَا لَا يُؤْمَنُ(٧) أن يُحدِثَ في إحرَامِهِ. قال: وكُلُّهم ألزَمَه الإحرَامَ إذَا فَعَلَ لِأَنَّه زَادَ ولَم يُنقِص. انتهى. ولَم يُفَرِّق هَؤُلَاءِ في ذلك بَيْنَ بَعضِ المَواقِيتِ وبَعضِها فَدَخَلَ في ذلك ذَاتُ (١) المعجم الكبير (٢٥٠/١) ح(٧٥١). (٢ - ٢) في النسخ: ((أبو ظلال هلال بن يزيد)). وهو خطأ. ينظر: تهذيب الكمال (٣٣٤/٣٠)، وميزان الاعتدال (٣١٣/٤). (٣) في الأصل: ((مترادفان)). وينظر: ((فتح الباري)) (٣٩٠/٣). (٤) معرفة السنن والآثار (٥٣٣/٣، ٥٣٤). (٥) في (ح): ((البوادي)). (٦) في (ك، م): ((تقدم)). (٧) في (ك، م): ((يؤمر)). والمثبت كما في التمهيد (١٤٣/١٥). = كِتَابُ الحَجّ ٣٠٥ عِرقٍ أيضًا، وما حكاه عن الكُلِّ من صِحَّةِ الإِحرَام قَبلَ المِيقَاتِ يُخَالِفُه كَلَامُ (١٥/٥م) ابنِ حَزْمِ المُتَقدمِ، واللهُ أعلمُ. والعَقِيقُ كُلُّ مَسِيلٍ شَقَّه مَاءُ السَّيلِ فَوسَّعَه، وفي بِلَادِ العَرَبِ أربَعَةُ أَعِقَّةٍ: وهيَ أودِيَةٌ عَادِيَةٌ منها عَقِيقٌ يَتَدَقَّقُ مَاؤُه في غَورِيّ(١) تِهامَةَ، وهو المَذكُورُ فِي هَذَا الحَدِيثِ، قاله الأزهَرِيُّ(٢)، وذَكَرَ بَعضُهم: أنَّها عَشَرَةٌ. السَّادِسَةَ عَشَرَ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): فيه رِفَقُ النَّبِي بَّهَ بِأَمَتِه في تَوقِيتِه هَذِهِ المَواقِيتَ لَهم، فَجَعَلَ الأمرَ لِأهلِ الآفَاقِ بِالقُربِ، ولَمَّا كَانَ أهلُ المَدِينَةِ أقرَبَ من أهلِ الآفَاقِ المَذكُورَةِ وقَّتَ لَهم ذَا الحُلَيفَةِ خَارِجَ المَدِينَةِ بِتَّةٍ أمَيَالٍ، وجَعَلَ لِمَن مَرَّ بِها من أهلِ الآفَاقِ (٤) المَصِيرَ إلى مِيقَاتِهم الجُحفَةِ، عَلى ثَمَانِيَةِ مَرَاحِلَ من المَدِينَةِ. انتهى. ومَا ذَكَرَه من أنَّ الآفَاقِيَّ المَارَّ بِذِي الحُلَيفَةِ لَه مُجَاوزَتُها غَيرَ مُحرِمٍ إلى الجُحفَةِ التي هيَ مِيقَاتُه، هو مَذهَبُ مَالِكٍ، وقد عَرَفت أنَّ مَذهَبَ الشَّافِعِيِّ والأكثرِينَ خِلَافُه . ] السَّابِعَةَ عَشَرَ: وَقَّتَ النَّبِيِوَلَ هَذِهِ المَواقِيتَ لِأهلِ هَذِه الأمصَارِ وبَيَّنَ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ مَن مَرَّ عَلَيها من غَيرِ أهلِها فَحُكمُه حُكمُ أهلِها، وفُهمَ من ذلك أنَّ حُكمَ المُقِيمِينَ بِهَذِهِ المَواقِيتِ كَحُكمِ المَارِّينَ بِها، وفُهمَ من سُكُوتِه عَمَّن سَكَنُه بَيْنَ المَواقِيتِ ومَكَّةَ، أَنَّه لَا يُكَلَّفُ الرُّجُوعُ إلى هَذِهِ المَواقِيتِ، بَل يُحرِمُ من مَوضِعِه إذا لَو كُلِّفَ الرُّجُوعَ إِلَيها لَم يَخْتَصَّ تَأْقِيتُها بِالمَارِّينَ بِها، وصَرَّحَ بِذلك فِي حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ بِقَولِهِ: ((ومَن كَانَ دُونَ ذلك فَمن حَيثُ أنشَأْ، حَتَّى أهلُ مَكَّةَ من مَكَّةَ)؛ أي: فَمِن حَيثُ أنشَأْ السَّفَرَ منه، وهَذَا مَذهَبُ الأَئِمَّةِ الأربَعَةِ، وبِه قال كَافَّةُ العُلَمَاءِ إلَّا مُجَاهدًا(٥) فقال: مِيقَاتُه مَكَّةُ نَفسُها. (١) في (ك، ح): ((عوري)). (٢) تهذيب اللغة (٤٩/١). (٣) إكمال المعلم (١٧٥/٤). (٤) بعدها في (ح): ((المذكورة وقت لهم)). والمثبت موافق للإكمال. (٥) ينظر: الإشراف (١٨٢/٣). = = ٣٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) عن أبي حَنِيفَةَ أنَّه قال: يُحرِمُ من مَوضِعِه فَإن لَم يَفعَلِ فَلَا يَدخُلُ الحَرَمَ إلَّا حَرَامًا، فَإِن دَخَلَه(٢) غَيرَ حَرَامٍ فَلَيَخرُج منه ولِيُهلَّ حَيثُ شَاءَ من الحِلِّ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن أصحَابِ الرَّأيِ(٣)، وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: إنَّه وقَولَ مُجَاهِدٍ شَاذَّانِ . وأمَّا مَن هو بِمَكَّةَ فَمِيقَاتُه نَفسُ مَكَّةَ فَلَا يَجُوزُ لَه تَركُها والإحرَامُ خَارِجَها ولَو كَانَ فِي الحَرَمِ، هَذَا هو الصَّحِيحُ عِندَ أصحَابِنَا وغَيرِهم. وقال بَعضُ أصحَابِنَا: الإحرَامُ من الحَرَمِ كُلِّه جَائِزٌ، والحَدِيثُ بِخِلَافِه، وقال المَالِكِيَّةُ: لَو خَرَجَ إلى الحِلِّ جَازَ عَلى الأَشْهَرِ، ولَا دَمَ لِنَّ زَادَ ومَا نَقَصَ، قال أصحَابُنَا: ويَجُوزُ أن (١٦/٥م) يُحرِمَ من جَمِيعِ نَواحِي مََّةَ بِحَيثُ لَا يَخرُجُ عن نَفسِ البَلَدِ، وفي الأفضَلِ قَولَانِ: أصَخُّهمَا من بَابِ دَارِهِ، والثَّانِي: من المَسجِدِ الحَرَامِ تَحتَ المِيزَابِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا في الحَجِّ. أَمَّا العُمرَةُ: فَإِنَّ مِيقَاتَ المَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الإِحرَامَ بِها أدنَى الحِلِّ من أي الجِهاتِ كَانَ، لِحَدِيثِ عَائِشَةً في ((الصَّحِيحَينِ))(٤): أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أمَرَها في العُمرَةِ أن تَخرُجَ إلى التَّنْعِيمِ وتُحرِمَ بِالعُمرَةِ(٥) منه. والتَّنْعِيمُ في طَرَفٍ الحِلِّ، وهو أقرَبُ نَواحِيه، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةَ عَشَرَ: سَكّتَ في الحَدِيثِ عن قَاصِدِ مَكَّةً لِلنُّسُكِ من غَيرِ أن يَمُرَّ عَلى شَيءٍ من هَذِهِ المَواقِيتِ، وقد قال الجُمهورُ: يَلْزَمُه الإحرَامُ إذَا حَاذَى أقرَبَ المَواقِيتِ إلَيه، وبِهِ قال الأئِمَّةُ الأربَعَةُ، قال أصحَابُنَا: فَإن لَم يُحَاذِ مِيقَاتًا لَزِمَ أن يُحرِمَ إِذَا لَم يَبْقَ بَينَه وبَيْنَ مََّةَ إلَّا مَرَحَلَتَانِ. وقال ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٦): يُحرِمُ من حَيثُ شَاءَ؛ فَإِن مَرَّ بَعدَ ذلك عَلى مِيقَاتٍ منها لَزِمَه [٢/ ٥و] تَجِدِيدُ الإحرَامِ منه. واذَّعَى دُخُولَ ذلك في قَولِه عَلَيه (١) التمهيد (١٥٢/١٥). (٣) الإشراف (١٨١/٣). (٥) ليس في: (ح). (٢) في الأصل: ((فعله)). (٤) سيأتي تخريجه. (٦) المحلى (٧١/٧). كِتَابُ الحَجّ ٣٠٧ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((ومَن كَانَ دُونَ ذلك فَمن حَيثُ أنشَأ)). وهو مَردُودٌ؛ لأنه لَيسَ دُونَ المَواقِيتِ المَذكُورَةِ فَلَم يَتَنَاوله الحَدِيثُ، وتَمَسَّكِ الجُمهورُ في ذلك بِقَولِ (١) عُمَرَ رَّهُ لَمَّا شَكَا إِلَيْه أهلُ العِرَاقِ جَور قَرنٍ عن (٢) طَرِيقِهم: ((انظُرُوا حَذوها من طَرِيقِكُمْ)). والإِحرَامُ من مُحَاذَاتِ المِيقَاتِ أقرَبُ الأُمُورِ إلى النَّصِّ؛ لِأنَّ القَصدَ البَعدُ عن مَكَّةَ بِهَذِه المَسَافَةِ فَلَزِمَ اتَِّاعُه. واللهُ أعلمُ. (١) في (ك): ((بقضية)). (٢) في الأصل، (ح): ((على)). ٣٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابٌ إفرَادِ الحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ والقِرَانِ الحَدِيثُ الأولُ عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِم، عن أبيه، عن عَائِشَةَ رِ ◌ّنَا: أن رسولَ (١٧/٥م) اللهِ وَّ أَفَرَدَ الحَجَّ. لَفظُ مَسلم. فيه فوائدُ: · الأُولى: أخرَجَه مسلمٌ، وأصحابُ السُّنَنِ الأربَعَةِ(١) من هَذَا الوجه، من طَرِيقِ مَالِكِ بِهَذَا اللفظِ، واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ (٢)، من رِوايَةِ عَبدِ العَزِيزِ بنِ المَاحِشُونِ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ القَاسِمِ، بِلَفِظِ: [(خَرَجْنَا مَعَ النَّبِينَ لَا نَذْكُرُ إِلَّ الحَجَّ))، الحَدِيثَ. واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ أيضًا، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٣) من طَرِيقٍ مَالِكٍ، عن أبي الأسودِ مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ (٤) يَتيمُ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ: أنَّها قالت](٥): ((خَرَجنَا مَعَ رسولِ اللهِ وََّ عَامَ حَجَّةِ الودَاعِ: فَمَنا مَن أهَلَّ بِعُمَرَةٍ، ومنا مَن أهَلَّ بِحَجَّةٍ وعمرَةٍ، ومنا من أهَلَّ بِالحَجِّ، وأهَلَّ رسولُ الله وَّ (١) مسلم (١٢٢/١٢١١)، وأبو داود (١٧٧٧)، والترمذي (٨٢٠)، والنسائي (٢٧١٤)، وابن ماجه (٢٩٦٤). (٢) البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢٠/١٢١١). البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١١٨/١٢١١)، وأبو داود (١٧٧٩)، والنسائي (٢٧١٥)، (٣) وابن ماجه (٢٩٦٥). (٤) في (ح): ((الرحيم)). ينظر: تهذيب الكمال (٤٠/٣٣). (٥) ما بين المعكوفتين ليس في: (م). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٠٩ بِالحَجِّ، (١ فَأَمَّا مَن أَهَلَّ بِالحَج١ِّ)، أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمرَةَ، لَم يُحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَومُ النَّحرِ)). لَفظُ الشَّيخَينِ، وأبي دَاوُدَ، واقتَصَرَ النسائيُّ منه عَلى: ((أهَلَّ رسولُ اللهِ وَلَّ بِالحَجِّ)). وقال ابنُ مَاجَه: ((أَفَرَدَ الحَجّ)). الثَّانِيَةَ: إفرَادُ الحَجِّ: هو أن يُحرِمَ(٢) بِالحَجِّ في أشهرِهِ ويَفرُغَ منه ثُمَّ يَعْتَمِرُ من عَامِهِ. والتَّمَتُّعُ: أن يُحرِمَ بِالعُمرَةِ في أشهرِ الحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثُمَّ يَحُجُّ من عَامِهِ، والقِرَانُ أن يَجَمَعَ بَيْنَهمَا فَيُحرِمُ بِهِمَا دَفعَةً واحِدَةً، وكَذَا لَو أحرَمَ بِالعُمرَةِ ثُمَّ أحرَمَ بِالحَجِّ قَبلَ الطَّوافِ يَصِحُ ويَصِيرُ فَارِنًا، فَلَو أحرَمَ بِالحَجِّ ثُمَّ أدخَلَ عَلَيه العُمرَةَ فَفيه قَولَانِ لِلشَّافِعِيِّ؛ أصَحُّهمَا: لَا يَصِحُّ إحرَامُه بِالعُمرَةِ. والثَّانِي: يَصِحُ ويَصِيرُ قَارِنًا، بشرطِ أن يَكُونَ قَبَلَ الشُّرُوعِ في أسبَابِ التَّحَلَّلِ من الحَجِّ. وقِيلَ: قَبلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وقِيلَ: قَبلَ فِعلِ فَرضٍ، وقِيلَ: قَبلَ فِعلِ طَوافِ القُدُومِ (١٨/٥م) أو غَيرِهِ، وأجمَعَت الأُمَّةُ عَلى جَوازٍ تَأْدِيَةِ نُسُكِي الحَجِّ والعُمرَةِ بِكُلِّ من هَذِه الأنواعِ الثَّلَاثَةِ: الإفرادُ والتَّمَتُعُ والقِرَانُ(٣)، وذَكَرَ الفُقَهَاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم نَوعَينٍ آخَرَينِ: أحَدُهمَا: الإطلَاقُ؛ وهو أن يُحرِمَ بِنُسُكِ مُطلَقًا، ثُمَّ يَصرِفُه إلى مَا شَاءَ من حَجِّ أو عُمرَةٍ أو كِلَيهِمَا . والثَّانِي: الثَّعلِيقُ؛ وهو أن يُحرِمَ بِإِحرَامِ كَإِحرَامِ زَيدٍ، ولَا يَرُدُّ عَلى مَا حَكَيته من الإجمَاعِ مَا في ((الصَّحِيحَينِ)) (٤) عن غُمَرَ وعُثْمَانَ ﴿هما: أنَّهمَا نَهَيَا عن التَّمَتُّعِ، فَلِأصحَابِنَا عن ذلك جَوابَانِ: أحَدُهمَا: أنَّهمَا نَهَيَا عنها تَنزِيهًا، وحَمَلَا النَّاسَ عَلى مَا هو الأفضَلُ عِندَهمَا وهو الإفرَادُ، لَا أَنَّهمَا يَعتَقِدَانِ بُطلَانَ التَّمَتُّع، وكَيفَ يُظَنُّ بِهِمَا هَذَا مَعَ عِلمِهِمَا بِقَولِ الله تَعَالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. (١ - ١) ليس في: الأصل. (٢) في الأصل: (يفرد)). (٣) ينظر: التمهيد (٢٠٥/٨)، والإقناع لابن القطان (٢٥٥/١). (٤) البخاري (١٥٥٩، ١٥٦٣)، ومسلم (١٢١٧، ١٢٢٣). 3 ٣١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَانِيهِمَا: أنَّهمَا نَهَيَا عن التَّمَتُّع الَّذِي فَعَلَته الصَّحَابَةُ ﴿ه فِي حَجَّةِ الوداعِ وهو فَسُ الحَجِّ إلى العُمرَةِ؛ لِأَنَّهَ كَانَ خَاصَّا لَهم، قال النَّووِيُّ في ((شَرِحِ المُهَذَّبِ))(١): ومن العُلَمَاءِ من أصحَابِنَا وغَيرِهم مَن يَقتَضِي كَلَامُه: أنَّ مَذهَبَ عُمَرَ رِّهِ بُطلَانُ التَّمَتُّعِ. وهَذَا ضَعِيفٌ، ولَا يَنبَغِي أن يُحمَلَ كَلَامُه عَلَيه، بَل المُختَارُ في مَذهَبِهِ مَا قدمته، واللهُ أعلمُ. وشَذَّ ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ فقال(٢): إنَّه يَتَعَيَّنُ التَّمَتُّعُ عَلى مَن لَيسَ مَعَه هَديٌّ، والقِرَانُ عَلى مَن مَعَه هَديٌ، ولَا يَجُوزُ لِكُلِّ منهمَا غَيرُ ذلك. ■ الثَّالِثَةُ: فِي هَذَا الحَدِيثِ؛ أَنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ عَامَ حَجَّتِه أفرَدَ الحَجَّ، وكَذَا في ((الصَّحِيحَينِ))(٣) عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لبَّى(٤) بِالحَجِّ وحدَه). وفي لَفِظِ مسلِمٍ(٥): ((أهَلَّ بِالحَجِّ مُفرَدًا)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٦) عن جَابِرِ قال: ((أَهَلَّ النَّبِيِ وَّرَ هو وأصحَابُه بِالحَجِ)). وفي لَفِظِ لمسلم(٧): ((أقبَلنَا مُهَلِّينَ مَعَ رسولِ اللهِ وَلّهِ بِحَجِّ مُفرَدٍ))(٨). وفي لَفِظِ لَه: ((بِالحَجِّ خَالِصًا (١٩/٥م) وحده)) . وفي رِوايَةٍ لَه: (لَسنَا نَنوِي إِلَّ الحَجَّ)). وفي ((سُنَنِ [٥/٢ظ] ابنِ مَاجَه))(٩) بِإِسنَادِ الصَّحِيحِ: ((أَفَرَدَ الحَجَّ). وفي ((صَحِيحِ مسلمٍ))(١٠) عن ابنِ عَبَّاسٍ: («أهَلَّ رسولُ الله ◌َّ بِالحَجّ)). ء وورَدَ في أَحَادِيثَ أُخَرَ؛ أَنَّه كَانَ مُتَمَّتِّعًا، فَفي ((الصَّحِيحَينِ)) (١١) عن ابنٍ عُمَرَ ﴿ّ قال: ((تَمَتَعَ رسولُ اللهِوَِّ فِي حَجَّةِ الودَاعِ بِالعُمرَةِ إلى الحَجِ))، الحَدِيثَ. وفيه: ((وبَدَأ رسولُ اللهِ وَ فَأْهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ)) الحَدِيثَ. (١) المجموع (١٤٣/٧). البخاري (٤٣٥٣)، ومسلم (١٨٥/١٢٣٢). (٣) (٤) في الأصل، (م): ((أتى)). (٥) مسلم (١٨٤/١٢٣١). (٧) في (ك، م): ((مسلم)). (٩) ابن ماجه (٢٩٦٦). (١١) البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧). (٢) المحلى (٩٩/٧). (٦) البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٦). (٨) مسلم (١٣٨/١٢١٣). (١٠) مسلم (١٢٤٠). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣١١ وفي ((الصَّحِيحَينِ))(١) أيضًا عن عَائِشَةَ ◌َُّهَا قالت: ((تَمَتَعَ رسولُ اللهِ وَلَ بِالعُمرَةِ إلى الحَجِّ وتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَه)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٢) أيضًا عن أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ: أنَّه أهَلَّ كَإِهِلَالِ النَّبِيِ وَهَ، قال: ((فَأَمَرَنِي فَطُفتُ بِالبَيتِ والصَّفَا والمَروةِ، ثُمَّ أمَرَنِي فَأحلَلت)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٣) من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((هَذِهِ عُمرَةٌ استَمتَعنَا بِها)). وفي ((صَحِيحِ مسلمٍ)) (٤) عن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قال: ((تَمَتَّعَ النَّبِيِ وَهُ وَتَمَتَّعنَا مَعَه)). وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٥) أيضًا عن عَلِيٍّ: ((تَمَتَعنَا مَعَ رسولِ اللهِ ێ)). وورَدَت أحَادِيثُ تَدُلُّ عَلى أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا؛ فَفي (صَحِيحِ البخاريِّ))(٦) عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، قال: ((اختَلَفَ عَلِيٍّ وعُثْمَانُ، وهمَا بِعُسْفَانَ، في المُتَعَةِ فقال: مَا تُرِيدُ إلى أن تَنْهَى عن أمرٍ فَعَلَه رسولُ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا رَأى ذلك أهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا)». وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٧) عن أنَسٍ قال: ((سَمِعت النَّبِيَِّ يُلَبِي بِالحَجِّ والعُمَرَةِ جَمِيعًا)). وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (٨) عن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِ،وَلَّ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وعُمَرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنَّه حَتَّى مَاتَ ولَم يَنزِل فيه قُرآنٌ يُحَرِّمُه)). وفي رِوايَةٍ لِلدَّارَ قُطِنِيِّ(٩): قَرَنَ. وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(١٠) عن عُمَرَ بَُّه قال: سَمِعت رسولَ اللهِ وَلّ يَقُولُ بِوادِي العَقِيقِ: ((أتَانِي الليلَةَ آتٍ من رَبي فقال(١١): صَلِّ فِي هَذَا الوادِي المُبَارَكِ، وقُل عُمرَةً فِي حَجَّةٍ)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(١٢) عن حَفصَةَ قالت: قُلْتُ لِلنَّبِيِ وَّهِ: (٢٠/٥م) مَا شَأْنُ (١) البخاري (١٦٩٢)، ومسلم (١٢٢٨). (٢) البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢١). (٣) البخاري (١٥٦٧)، ومسلم (١٢٤١/ ٢٠٣). (٤) مسلم (١٧١/١٢٢٦). (٥) مسلم (١٢٢٣). (٦) سبق تخريجه . (٧) البخاري (٤٣٥٤)، ومسلم (١٨٥/١٢٣٢). (٨) مسلم (١٦٧/١٢٢٦). (١٠) البخاري (١٥٣٤). (١٢) في الأصل: ((الصحيح)). (٩) سنن الدارقطني (٢٥٧/٢). (١١) في (ك): ((فقل)). = ٣١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ النَّاسِ حَلُّوا ولَم تَحِلَّ من عُمرَتِك؟ قال: ((إِنِّي قَلَّدتُ هَديِي وَبَّدتُ رَأْسِي؛ فَلَا أحِلُ حَتَّى أحِلَّ من الحَجِّ)) (١). وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد، والنسائيّ))(٢) من حَدِيثِ البَرَاءِ: أنَّه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ قال: ((إِنِّي سُقت الهَديَ وقَرَنت)). ولِلنسائيِّ(٣) من حَدِيثٍ عَلِيٍّ مِثلِه، ولِأحمَدَ (٤) من حَدِيثِ سُرَافَةَ: (قَرَنَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ». ولَه من حَدِيثِ أبي طَلحَةَ: ((جَمَعَ بَينَ الحَجِّ والعُمرَةِ»(٥). ولِلدَّارَقُطِنِيّ (٦) من حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ وأبي قَتَادَةَ مِثْلُه، ولِلبَزَّارِ (٧) من حَدِيثِ ابنِ أبي أوفَى مِثْلُه. قال الخَطَّابي (٨): طَعَنَ جَمَاعَةٌ من الجُهالِ ونَفَرٌ من المُلحِدِينَ في الأحَادِيثِ والرُّواةِ(٩) حَيثُ اختَلَفُوا فِي حَجَّةِ النَّبِي بَ لَ هَل كَانَ مُفرِدًا أم مُتَمَتِّعًا أم قَارِنًا وهيَ حَجَّةٌ واحِدَةٌ وأفعَالُها مُختَلِفَةٌ، ولَو يُسِّرُوا لِلتَّوفيقِ وأُعِينُوا بِحُسنِ المَعرِفَةِ لَم يُنكِرُوا ذلك ولَم يَدِفَعُوه. وقد أنعَمَ الشَّافِعِيُّ ◌َخْتُ بَيَانَ هَذَا فِي كِتَابِ ((اختِلَافٍ الحَدِيثِ)) وجَوَّدَ(١٠) الكَلَامَ فيه، وفي اقتِصَاصِ كُلِّ مَا قَاله تَطوِيلٌ، ولَكِنَّ الوجِيزَ المُختَصَرَ من جَوامِع مَا قال: إنَّ مَعلُومًا في لُغَةِ العَرَبِ جَوازُ إضَافَةِ الفِعلِ إلى الآَمِرِ بِهِ كَجَواز إِضَافَتِهِ إِلى الفَاعِلِ كَقَولِك: بَنَى قُلَانٌ دَارًا؛ إذَا أَمَرَ بِنَائِها وضَرَبَ الأمِيرُ فُلَانًا إذَا أَمَرَ بِضَربِهِ، وَرَجَمَ النَّبِيِ وَلَ مَاعِزًا (١١)، وقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءٍ صَفْوانَ(١٢). وإِنَّمَا أمَرَ بِذلك ومِثْلُه كَثِيرٌ في الكَلَامِ، وكَانَ أصحَابُ رسولِ اللهِ وَّل منهم القَارِنُ والمُفرِدُ والمُتَمَتِّعُ وكُلٌّ منهم يَأْخُذُ عنه أمرَ نُسُكِه ويَصدُرُ عن تَعلِيمِه؛ فَجَازَ أن تُضَافَ كُلُّها إلى رسولِ اللهِ وَّرَ عَلى مَعنَى أنَّه أمَرَ بِها وأذِنَ فيها. قال الخَطَّابي: ويُحتَمَلُ أنَّ بَعضَهم سَمِعَه يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ؛ فَحَكَى أَنَّه (١) (٣) النسائي (٢٧٢٤). (٥) أحمد (٢٩/٤). (٧) البحر الزخار (٣٣٤٤). (٩) في الأصل: ((والرواية)). (١٠) في (ح): ((وجرد)). (١١) البخاري (٦٨٢٤)، ومسلم (١٦٩٢). (١٢) أبو داود (٤٣٩٤). سيأتي تخريجه. (٢) أبو داود (١٧٩٧)، والنسائي (٢٧٢٤). (٤) أحمد (٤ /١٧٥). (٦) سنن الدار قطني (٢٦١/٢). (٨) معالم السنن (١٦٠/٢). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣١٣ [٢/ ٦و] أفرَدَ وخَفي عَلَيه قَولُه: وعُمَرَةٍ. فَلَم يَحكِ إلَّا مَا سَمِعَ، وسَمِعَ أنَسٌ وغَيرَه (٢١/٥م) الزِّيَادَةَ وهيَ: (لَبَّيكَ بِحَجَّةٍ وعُمرَةٍ)). ولَا (١) يُنكَرُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ، وإنَّمَا يَحصُلُ التَّنَاقُضُ لَو كَانَ الزَّائِدُ نَافِيًا لِقَولِ صَاحِبِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُثبِتًا لَه وزَائِدًا عَلَيْهِ فَلَيسَ فيه تَنَاقُضُ. قال: ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ الرَّاوِي سَمِعَه يَقُولُ ذلك لِغَيرِهِ عَلى وجه التَّعلِيمِ فَيَقُولُ لَه: لَبَّيِكَ بِحَجَّةٍ وعُمَرَةٍ عَلى سَبيلِ التَّلِقِينِ؛ فَهَذِهِ الرِّوايَاتُ المُختَلِفَةُ في الظَّاهرِ لَيسَ فيها تَكَاذُبٌ، والجَمِعُ بَيْنَها سَهلٌ كَمَا ذَكَرنَا . وقد رَوى جَابِرٌ؛ أنَّ النَّبِي وَّهِ أَحرَمَ من ذِي الحُلَيفَةِ إِحرَامًا مَوقُوفًا، وخَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيه الوحيُّ، وهو عَلى الصَّفَا فَأَمَرَ رسولُ اللهِ وَ﴿ مَن لَم يَكُنْ مَعَه هَديٌّ أن يَجعَلَه عُمرَةً، وأمَرَ مَن كَانَ مَعَه هَديٌّ أن يَحُجَّ. انتَهَى كَلَامُ الخَطَّابي. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): قد أكثَرَ النَّاسُ الكَلَامَ عَلى هَذِه الأحَادِيثِ وأوسَعُهم نَفَسًا في ذلك الطَّحَاوِيُّ؛ فَإِنَّه تَكَلَّمَ عَلى (٣) ذلك في زِيَادَةٍ عَلى ألفٍ ورَقَةٍ، وتَكَلَّمَ مَعَه في ذلك أيضًا أبُو جَعفَرِ الطَّبَرِيُّ، ثُمَّ أبو عَبدُ الله بنُ أبي صُفْرَةَ، ثُمَّ المُهَلَّبُ، والقَاضِي أبُو عَبدِ الله ابنُ المُرَابِطِ، والقَاضِي أَبُو الحَسَنِ ابنُ القَصَّارِ(٤)، وأبُو عُمَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ وغَيرُهم. وأولى مَا يُقَالُ في هَذَا عَلى مَا فَحَصْنَاه من كَلَامِهم واختَرنَاه من اختيارَاتِهِم مِمَّا هو أجمَعُ لِلرِّوايَاتِ وأشَبَه بِمَسَاقِ الأحَادِيثِ: أنَّ النَّبِي بَّهِ أَبَاحَ لِلنَّاسِ فِعلَ هَذِهِ الأنواعِ الثَّلَاثَةِ؛ [لِيَدُلَّ عَلى جَوازٍ جَمِيعِها، إذ لَو أمَرَ(٥) بِواحِدٍ، لَكَانَ غَيرُه يَظُنُّ أَنَّه لَا يُجْزِئُ فَأُضِيفَ الجَمِيعُ إِلَيه، وأخبَرَ كُلُّ واحِدٍ بِمَا أَمَرَه بِهِ](٦) وأبَاحَه لَه ونَسَبَه إلى النَّبِيِِّ؛ إمَّا لِأمرِهِ بِهِ، وإمَّا لِتَأْوِيلِهِ عَلَيه. (١) في الأصل: (لا)). (٣) في (ك): ((في)). (٥) في (ح): ((مرَّ)). (٢) إكمال المعلم (٢٣٣/٣). (٤) في (ك): ((الفصار)). (٦) ما بين المعكوفين كرر في: (ك). ووقع في: (ح) بعد قوله الآتي: ((إلى النبي( وَلا). ٣١٤ كم طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأمَّا إحرَامُهُ بَّهَ بِنَفسِه فَأَخَذَ بِالأفضَلِ فَأحرَمَ مُفرِدًا لِلحَجِّ؛ تَظَاهَرَت بِه الرِّوايَاتُ الصَّحِيحَةُ، وأمَّ الرِّوايَاتُ بِأَنَّ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَمَعنَاها أَمَرَ بِهِ. وأمَّا الرِّوايَاتُ بِأَنَّه كَانَ قَارِنًا: فَإخبَارٌ عن حَالَتِهِ الثَّانِيَةِ لَا عن ابتِدَاءِ إِحَرَامِهِ، بَل إخبَارٌ عن حَالِهِ حِينَ أمَرَ أصحَابَه بِالنَّحَلُّلِ من حَجِّهم وقَلْبِهِ إلى عُمَرَةٍ لِمُخَالِفَةِ الجَاهِلِيَّةِ إِلَّ مَن كَانَ مَعَه هَديٌّ، وكَانَ هو مَ ◌ّرَ ومَن مَعَه الهَديُ في آخِرِ إِحرَامِهم قَارِنِينَ بِمَعنَى أَنَّهم أردَفُوا الحَجَّ بِالعُمرَةِ، وفَعَلَ ذلك مُواسَاةً لِأصحَابِهِ وتَأْنِيسًا لَهم في فِعلِها في أشهرِ الحَجِّ؛ لِكَونِها كَانَت مُنكَرَةً عِندَهم في أشهرِ الحَجِّ، ولَم يُمكِنه التَّحَلَّلُ مَعَهم بِسَبَبِ الهَديِ، واعتَذَرَ إلَيهم بِذلك في تَرِكِ مُواسَاتِهِم، فَصَارَ بََّ قَارِنًا (٢٢/٥م) في آخِرِ أمرِهِ. وقد اتَّفَقَ جُمهورُ العُلَمَاءِ عَلى جَوازٍ إدخَالِ الحَجِّ عَلى العُمرَةِ، وشَذَّ بَعضُ النَّاسِ فَمَنَعَه، وقال: لَا يَدخُلُ إحرَامٌ عَلى إحرَامِ، كَمَا لَا تَدْخُلُ(١) صَلَاةٌ عَلى صَلَاةٍ . واختَلَفُوا في إدخَالِ العُمرَةِ عَلى الحَجِّ: فَجَوزَه أصحَابُ الرَّأيِ وهو قَولٌ لِلشَّافِعِيِّ لِهَذِه الأحَادِيثِ، ومَنَعَه آخَرُونَ، وجَعَلُوا هَذَا خَاصَّا بِالنَّبِي ◌َّهِ؛ لِضَرُورَةِ الاِعتِمَارِ حِينَئِذٍ في أشهرِ الحَجِّ. قال: وكَذلك يُتَأولُ قَولُ مَن قال: كَانَ مُتَمَّتِّعًا؛ أي: تَمَتَّعَ بِفِعلِه العُمرَةَ في أشهرِ الحَجِّ وفَعَلَها مَعَ الحَجِّ؛ لِأَنَّ لَفظَ المُتعَةِ يُطلَقُ(٢) عَلى مَعَانٍ؛ فَانتَظَمَت الأحَادِيثُ واتَّفَقَت. قال: ولَا يَبْعُدُ رَدُّ مَا وَرَدَ عن الصَّحَابَةِ من فِعلٍ مِثْلِ ذلك إلى مِثْلِ هَذَا، مَعَ الرِّوايَاتِ الصَّحِيحَةِ: أنَّهم أحرَمُوا بِالحَجِّ مُفرِدًا؛ فَيَكُونُ الإفرادُ إخبَارًا عن فِعلِهم أولًا، والقِرَانُ إخبَارًا عن إحرَامِ الَّذِينَ مَعَهم هَديٌ بِالعُمرَةِ ثَانِيًا، و(٣) التَّمَتُعُ لِفَسخِهم الحَجَّ إلى العُمرَةِ، ثُمَّ إهلَالِهِم بِالحَجِّ بَعدَ الثَّحَلُّلِ منها، كَمَا فَعَلَه كُلُّ مَن (١) في (م): ((يدخل)). (٣) في الأصل: ((أو)). (٢) في (ح): ((تطلق)). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣١٥ لَم(١) يَكُن مَعَه هَديٌ. قُلتُ: نَقلُه عن الشَّافِعِيِّ جَوازَ إدخَالِ العُمرَةِ عَلى الحَجِّ هو قَولُه القدیمُ، لَكِنَّ الجَدِيدَ المَعمُولَ بِهِ عِندَ أصحَابِهِ (٢) مَنعُ ذلك الآنَ، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ قال القَاضِي عِیَاضٌ: وقال بَعضُ عُلَمَائِنَا: إنَّه أحرَمَ إحرَامًا مُطلَقًّا مُنْتَظِرًا مَا يُؤمَرُ بِهِ من إفرَادٍ أو تَمَتُّع أو قِرَانٍ [٦/٢ظ]، ثُمَّ أُمِرَ بِالحَجِّ ثُمَّ أُمِرَ بِالعُمرَةِ في وادِي العَقِيقِ بِقَولِهِ: ((صَلِّ فِي هَذَا الوادِي، وقُل: عُمرَةً فِي حَجَّةٍ)). قال القَاضِي: والذِي سَبَقَ أبيَنُ وأحسَنُ في التَّأْوِيلِ. ثُمَّ قال القَاضِي في مَوضِعِ آخَرَ بَعدَ ذلك: لَا يَصِحُ قَولُ مَن قال: أحرَمَ النَّبِي وَلَهَ إِحرَامًا مُطلَقًا مُبهَمًا؛ لِأَنَّ رِوايَةَ جَابِرٍ وغَيرِهِ من الصَّحَابَةِ في الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَرُدُّه، وهيَ مُصَرِّحَةٌ (٣) بِخِلَافِهِ (٤). انتهى. وذَكَرَ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ في كِتَابٍ لَه صَنَّفَه في ((حَجَّةِ الودَاع)»(٥): أنَّ الرِّوايَةَ مُختَلِفَةٌ عن عَائِشَةَ، وجَابِرٍ، وابنٍ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ ﴿ّ؛ فَرُوِيَ عنهم مَا يَدُلُّ عَلى الإفرَادِ لِلحَجِّ، ومَا يَدُلُّ عَلى التَّمَتُّع، ومَا يَدُلُّ عَلى القِرَانِ؛ حَاشَا جَابِرٍ فَإِنَّهِ إِنَّمَا رَوى عنه الإفرَادَ والقِرَانَ فَقَط. ثُمَّ قَال: فَأَمَّا عِندَ صِحَّةِ البَحثِ وتَحِقِيقِ النَّظَرِ فَلَيْسَ شَيءٌ من ذلك بِمُضطَرِبٍ، بَل كُلُّه مُتَّفِقٌ. ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَها: بِأَنَّ مَن رَوى القِرَانَ عِندَه زِيَادَةُ عِلمٍ؛ لِأنَّ مَن رَوى الإفرَادَ قال: أحرَمَ بِحَجٍّ. ومَن رَوى التَّمَتُّعَ قال: أحرَمَ بِعُمرَةٍ. وَمَن رَوى القِرَانَ زَادَ عَلى الأولِ عُمرَةً وعَلى الثَّانِي حَجًّا (٦)، وزِيَادَةُ الثّقَةِ مَقبُولَةٌ، وأيضًا فَمَن (٢٣/٥م) رَوى القِرَانَ مَن الصَّحَابَةِ لَم تَخْتَلِف الرِّوايَةُ عنهم، ومَن رَوى الإفرَادَ والتَّمَتُّعَ اختَلَفَتِ الرِّوايَةُ عنهم، وأيضًا فَلَيسَ في الأحَادِيثِ شَيءٌ مَرُفُوعٌ إلَّا القِرَانُ، وهو في حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ مَرفُوعًا: ((إِنِّي (١) ليس في: (ح). (٢) في (ك): ((أصحابنا)). في الأصل، (ح): ((صريحة)). (٣) (٤) نقله النووي في شرح مسلم (٨/ ١٣٧) عن القاضي، وهذا سياقه. (٥) حجة الوداع لابن حزم (ص٥٢٢). (٦) في الأصل، (م): ((حجة)). = كم ٣١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ سُقْتِ الهَديَ وقَرَنت)). رَواه أبُو دَاوُد والنسائيُّ(١)، ولَم يَروِ لَفظَ الإفرَادِ عن عَائِشَةَ إلَّا عُروةُ، والقَاسِمُ، ورَوى عنها القِرَانَ عُروةُ أيضًا، ومُجَاهِدٌ، ولَيسَ مُجَاهِدٌ دُونَ القَاسِمِ؛ فَنَظَرَنَا فَوجَدَنَا مَن رَوى القِرَانَ لَا يَحتَمِلُ تَأْوِيلًا أصلًا. ورِوايَةُ مَن رَوى الإفْرَادَ يَحتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وهو أن يَكُونَ قَولُها: أفرَدَ الحَجَّ؛ أي: لَم يَحُجَّ بَعدَ فَرضِ الحَجِّ إلَّا حَجَّةً فَردَةً لَم يُثَنَّها بِأُخرَى. ويُحتَمَلُ أن تَكُونَ سَمِعته يُلَبِي بِالحَجِّ فَرَوته، ولَم تَسمَعِ ذِكرَ العُمرَةِ فَلَمْ تَروِ مَا لَم تَسمَعِ، ثُمَّ صَحَّ عِندَها بَعدَ ذلك أنَّه قَرَنَ فَذَكَرَت ذلك كَمَا رَوى عنها عُروةُ ومُجَاهِدٌ. وأمَّا عَمرَةُ والأسودُ فَلَمْ يَروِيَا عنها لَفِظَةَ الإِفَرَادِ وإِنَّمَا رَويَا عنها: ((أهَلَّ بِالحَجِّ)). ولَا يَمنَعُ (٢) من أن يَكُونَ أهَلَّ بِالعُمرَةِ أيضًا؛ فَلَيسَ فِي رِوايَتِهِمَا مَا يُوجِبُ الإِفَرَادَ ولَا مَا يُخَالِفُ مَن رَوى عنها القِرَانَ، وهَكَذَا القَولُ فيمَا رُوِيَ عن أسمَاءَ: (قدمَ رسولُ اللهِ بَّهِ وأصحَابُه مُهَلِّينَ بِالحَجِ))(٣). فَإِنَّمَا عَنَت أصحَابَه لَا إهلَالَه، ولَم تَنْفِ أيضًا أنَّه قَرَنَ إلى الحَجِّ عُمرَةً، فَقَولُ مَن زَادَ أولى، وهَكَذَا القَولُ في الرِّوايَةِ عن ابنِ عُمَرَ سَواءٌ، بَل في الرِّوايَةِ عنه بَيَانُ مَا(٤) يَدُلُّ عَلى رُجُوعِه عن الإفرَادِ. ثُمَّ رُوِى من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، أخبرنَا عَبدُ الله بنُ عُمَرَ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّه تَمَتَّعَ وقَرَنَ بَيْنَ الحَجِّ والعُمرَةِ في آخِرِ زَمَانِه))، وكَانَ قَبلَ ذلك يُفرِدُ الحَجَّ، واتَّفَقَ سَالِمٌ، ونَافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ عَلى القِرَانِ، وهمَا أوتَقُ النَّاسِ فيه. وأمَّا الرِّوايَةُ عن جَابِرٍ: فَإِنَّه لَم يَقُل عنه: إنَّ النَّبي ◌َّهِ أَفرَدَ الحَجَّ إلَّ الدَّرَاوردِيُّ وحدَه، عن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عن أبيه. وهَذَا يَقِينًا مُختَصَر من الحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وسَائِرُ النَّاسِ عن جَابِرٍ إِنَّمَا قَالُوا: أهَلَّ بِالحَجِّ أو أهَلَّ بِالتَّحِيدِ؛ حَاشَا من طَرِيقَينِ لَا يُعتَدُّ بِهِمَا : إحداهما: من رِوايَةٍ مُطَرِّفِ بنِ مُصعَبٍ، وهو مَجهولٌ، عن عَبدِ العَزِيزِ بنِ أبي حَازِمٍ، عن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، عن أبيه، عن جَابِرٍ: ((أنَّ رسولَ الله عَل (١) سبق تخريجه. (٣) مسلم (١٩٢/١٢٣٦). (٢) في (ح): ((تمنع)). (٤) ليس في: (ك). بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣١٧ = أفرَدَ الحَجَّ»(١). والأُخرَى: من رِوايَةِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الواهبِ(٢)، وهو مَجهولٌ أيضًا، عن مُحَمَّدِ بنِ مسلمٍ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابِرٍ كَذلك(٣). ومُحَمَّدُ بنُ مسلمٍ إن (٥/ ٢٤م) كَانَ الطَّائِفِي فَهو سَاقِظُ البَثَّةَ، وإن كَانَ غَيْرَه فَلا أدرِي مَن هو؟ وأمَّا سَائِرُ الرُّواةِ الثَّقَاتِ: فَقَالُوا كَمَا قدمنَا، ولَيسَ في قَولِه: أهَلَّ بِالحَجِّ. مَا يَمنَعُ أن يَكُونَ أَهَلَّ مَعَه بِعُمَرَةٍ أيضًا، ولَكِنَّه سَكَتَ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ عن ذِكرِها، ولَيسَ عَلى المَرءِ أن يُحَدِّثَ في كُلِّ وقتٍ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. وقد قال عَلَيه الصلاة والسَّلامُ: ((دَخَلَت [٢/ ٧و] العُمرَةُ في الحَجِ)). فَقَولُ القَائِلِ: أهَلَّ بِالحَجِّ. يَقتَضِي العُمرَةَ عَلى هَذَا الحَدِيثِ مَا لَم يُقَل الرَّاوِي: أفرَدَ الحَجَّ، وأهَلَّ بِالحَجِّ وحدَه. ويَشُدُّ هَذَا مَا أورَدنَاه من طَرِيقِ جَابِرٍ : ((أَنَّهِ بَرِ قَرَنَ مَعَ حَجَتِهِ عُمَرَةً)» . والأظهَرُ ظهر (٤) فيمَا رُوِيَ عن جَابِرٍ: ((أَنَّه ◌َوَ أَهَلَّ بِالتَّوحِيدِ)). إنَّمَا أَرَادَ إهلَالَه بِقَولِهِ: لَبَّكَ اللَّهُمَّ لَبَّكَ(٥)، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيِكَ. فَصَحَّ أنَّه عَنَى بِالتَّوحِيدِ هَذِهِ التَّلبيةَ لا إفرَادَ الحَجِّ، وصَحَّ أنَّ قَولَ الدَّرَاوردِيِّ: أفرَدَ الحَجَّ، إنَّمَا هو اختِصَارٌ منه وظَنٌّ لَا من قَولِ جَابِرٍ، وهَكَذَا القَولُ فيمَا رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ من ذلك ولَا فَرقَ. ويُوضِّحُ هَذَا أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ ذَكَرَ في هَذَا الحَدِيثِ: ((أنَّه عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ أهَلَّ بِعُمَرَةٍ». ثُمَّ ذَكَرَ فيه أنَّه لَم يَحِلَّ منها. (١) أخرجه ابن حزم في حجة الوداع (٤٩٠)، وأخرجه ابن المقرئ في معجمه (١٠٦٥) من طريق مطرف، ووهم ابن حزم فيه، فإنه: مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار الهلالي أبو مصعب المدني، وهو معروف، أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجه. قال الذهبي: هو من كبار الفقهاء. ينظر: تهذيب الكمال (٢٨/ ٧٠)، وميزان الاعتدال (٤ / ١٢٤). (٢) في (م): ((الوهاب)). (٣) أخرجه ابن حزم في حجة الوداع (٤٩١). (٤) من: الأصل. (٥) ليس في: الأصل. ٣١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وهَذِهِ صِفَةُ القِرَانِ، وهَكَذَا مَعنَى حَدِيثِهِ: أهَلَّ بِالحَجِّ(١). وأنتَ إذَا أضَفت قَولَ ابنِ عَبَّاسٍ فِي رِوايَةِ أبي العَالِيَةِ(٢)، وأبي حَسَّانَ(٣) عنه: أنَّه عليه الصلاة والسلام أهَلَّ بِالحَجِّ. إلى قَولِ مسلم القُرِّيِّ(٤) عنه: أنَّه أهَلَّ بِعُمرَة. صَحَّ القِرَانُ يَقِينًا وصَدَقَت كِلتَا الرِّوايَتَينِ، ولَا يَصِحُ غَيْرُ هَذَا إلَّا بِتَكَذِيبِ إحدَى الرِّوايَتَينِ، وذلك لَا يَجُوزُ. وبِهَذَا يَتَلَفُ (٥) جَمِيعُ الرِّوايَاتِ ويَصِحُّ(٦) تَصدِيقُ جَمِيعِها وإضَافَةُ بَعضِها إلى بَعضٍ. قال: فَوهَتِ رِوايَاتُ الإفرَادِ وسَقَطَت كُلُّها، ثُمَّ عُدنَا إلى الرِّوايَاتِ فَوجَدنَا عَائِشَةَ، وعُمَرَ، وعَلِيًّا، وابنَ عُمَرَ، وعِمرَانَ، وابنَ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّه عَلَيه الصلاة والسَّلَامُ تَمَتَّعَ . وقال بَعضُهم: ((و(٧)أهَلَّ بِالعُمرَةِ). ثُمَّ لَمَّا فَسَّرُوا أقوالَهم في ذلك أتَوا بِصِفَةِ القِرَانِ، وذَكَرُوا أَنَّه لَم يَحِلَّ من عُمرَتِه حَتَّى أتَّمَّ جَمِيعَ عَمَلِ الحَجِّ وصَدَرَ من المُزْدَلِفَةِ إلى منى، فَلَمَّا كَانَ ذلك كَمَا ذَكَرِنَا احتَمَلَت الرِّوايَةُ عن عُثْمَانَ وسَعدٍ في التَّمَتُعِ أنَّهمَا عَنَيَا بِذلك القِرَانَ مَعَ شُهرَةٍ قَولِه: ((لَو استَقبَلت من أمرِي مَا اسْتَدبَرت مَا سُقْتُ الهَدَيَ ولَجَعَلتها (٨) عُمرَةً)). وهَذَا يُبطِلُ قَولَ مَن قال: إنَّه أهَلَّ بِعُمَرَةٍ مُفرَدَةٍ، ثُمَّ أَحَلَّ منها وأهَلَّ بِالحَجِّ؛ فَصَارَ مُتَمَتِّعًا . فَلَمَّا وهَت رِوايَاتُ التَّمَتُّعُ (٩) أيضًا وبَطَلَ الإفرادُ والتَّمَتُّعُ لَم يَبْقَ إلَّا رِوايَاتُ (٢٥/٥م) القِرَانِ فَوجَبَ الأخذُ بِها وثَبَتَت صِحَّتُها؛ إذ مَن وصَفَ القِرَانِ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا البَتَّةَ، وكَانَ الرُّواةُ لِلقِرَانِ اثْنَي عَشَرَ من الصَّحَابَةِ: سِتَّةٌ مَدَنِيُّونَ، وواحِدٌ مَكِّيٌّ، واثْنَانِ بَصرِيَّانِ، وثَلَاثَةٌ كُوفِيونَ. (١) في (ح): ((بحج)). (٢) النسائي (٢٨٧١). (٣) مسلم (١٢٤٣)، وأحمد (٢٥٤/١). (٤) في (م): ((القوي)). والصواب المثبت، وهو: مسلم بن مخراق القطان البصري، مولى بني قُرَّة، حي من عبد قيس. تهذيب الكمال (٢٣١/١٢). (٥) في المطبوع من حجة الوداع لابن حزم: ((تتآلف)). (٦) في (ح): ((وهو)). (٨) في الأصل: ((ولجعلها)). (٧) ليس في: الأصل. (٩) ليس في: الأصل. = 5 ٣١٩ بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ وبِدُونِ هَذَا النَّقَلِ تَصِحُّ الأخبَارُ صِحَّةً تَرفَعُ الشَّكَّ وتُوجِبُ العِلمَ الضَّرُورِيَّ، فَصَحَّ بِذلك أنَّه كَانَ قَارِنًا بيقِينِ لَا شَكَّ فيه، وكَانَت سَائِرُ الرِّوايَاتِ التي تَعَلَّقَ بِها مَن اذَّعَى الإفرَادَ أوٍ (١) التَّمَتُّعَ غَيرَ مُخَالِفَةٍ لِرِوايَةِ الذِينَ رَووا القِرَانَ وَلَا دَافِعَةً لَه عَلى مَا بَيًّا. انتَهَى كَلَامُ ابنِ حَزْمٍ . قال والِدِي تَظْهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)»: وعَلَيه مُؤَاخَذَاتٌ: منها قَولُه: إنَّ الدَّرَاوردِيَّ انفَرَدَ في حَدِيثِ جَابِرٍ بِقَولِه: أفرَدَ الحَجَّ. ولَيسَ كَذلك؛ فَقد تَابَعَه عَلَيهِ حَاتِمُ بنُ إسمَاعِيلَ، عن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، كَمَا هو عِندَ ابنِ مَاجَه. وهو عِندَ ابنِ مَاجَه(٢) أيضًا من طَرِيقِ ابنِ المُنكَدِرِ، عن جَابِرٍ، وإن كَانَ فيه ضعفٌ، ورَوى أبُو الشَّيخِ ابنُ حِبَّنَ في ((فوائدِ العِرَاقِيِّينَ)) من طَرِيقِ ابنِ لَهِيعَةَ، عن الليثِ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ قال: ((خَرَجَنَا مَعَ النَّبَِِّ؛ فَأَفْرَدَ النَّبِيَِ الحَجَّ)). ثُمَّ قال والِدِي: وهَذَا الذِي جَمَعَ بِهِ ابنُ حَزْمٍ بَيْنَ الأحَادِيثِ، فيه نَظَرٌ من جِهَةِ أنَّ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وعَائِشَةَ في ((الصَّحِيحِ)): ((أَنَّه أحرَمَ بِالعُمرَةِ ثُمَّ أحرَمَ بِالحَجِ)). وهَذَا مُنَافٍ لِإِحْرَامِهِ بِهِمَا مَعًا في أولِ دُفعَةٍ. انتهى. وقال النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٣)، بَعدَ ذِكرِهِ أنَّ ابنَ حَزمِ اختَارَ القِرَانَ وتَأولَ بَاقِيَ الأحَادِيثِ، وتَأوِيلُ بَعضِها لَيسَ بِظَاهِرٍ فيما قاله: والصَّوابُ الذِي نَعتَقِدُهُ أنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [٢/ ٧ظ] أحرَمَ أولًا بِالحَجِّ مُفرِدًا ثُمَّ أدخَلَ عَلَيه العُمرَةَ فَصَارَ قَارِنًا. فَمَن رَوى أنَّه كَانَ مُفرِدًا وهم الأكثرُونَ اعتَمَدَ أولَ الإحرَامِ، ومَن رَوى قَارِنًا اعتَمَدَ آخِرَه. ومَن رَوى مُتَمَتِّعًا أرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وهو الانتِفَاعُ والِالتِذَاذُ، وقد انتَفَعَ بِأن كَفَاه عن النُّسُكَينِ فِعلٌ واحِدٌ، ولَم يَحتَج إلى إفرَادِ كُلِّ واحِدٍ بِعَمَلٍ. قال: ويُؤَيِّدُ هَذَا الذِي ذَكَرته أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يَعتَمِر تِلكَ السَّنَّةَ عُمرَةً [مُفرَدَةً لَا قَبلَ الحَجِّ ولَا بَعدَه. وقدَّمنَا أنَّ القِرَانَ أفضَلُ من إفرَادِ الحَجِّ من غَيرِ عُمرَةٍ بِلاَ (١) في (م): ((و)). (٣) المجموع (٧ /١٥٤). (٢) ابن ماجه (٢٩٦٧). = ٣٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ خِلَافٍ، ولَو جَعَلت حَجَّتَه] (١) مُفرَدَةً لَزِمَ منه ألَّا يَكُونَ اعتَمَرَ تِلكَ السَّنَةَ، ولَم يَقُل أحَدٌ: إنَّ الحَجَّ وحدَه أفضَلُ من القِرَانِ . قُلتُ: سَيَأتي عن القَاضِي حُسَينٍ، والمُتَولِّي تَرجِيحُ الإفرَادِ ولَو لَم يَعتَمِر تِلكَ السَّنَةَ، ومن (٢٦/٥م) المَعلُوم أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ اعتَمَرَ فِي سَنَةٍ أُخرَى؛ فَهَذَا قَادِحٌ فِيمَا نَفَاه من الخِلَافِ، واللهُ أعلمُ. قال النَّووِيُّ(٢): وحَاصِلُه تَرجِيحُ الإفرَادِ؛ لِأَنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ اختَارَه أولًا، وإِنَّمَا أدخَلَ عَلَيه العُمرَةَ لِمَصلَحَةٍ وهيَ بَيَانُ جَوازٍ الاعتِمَارِ في أشهرٍ الحَجِّ، وكَانَت العَرَبُ تَعتَقِدُه من أفجَرِ الفُجُورِ. انتهى. وأنكّرَ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ هَذَا الكَلَامَ. وقال: قد اعتَمَرَ النَّبِيِ بََّ بِهم في ذِي القَعدَةِ عَامًا بَعدَ عَامٍ قَبلَ الفَتحِ، ثُمَّ اعتَمَرَ في ذِي القَعدَةِ عَامَ الفَتحِ، ثُمَّ قَال لَهم في حَجَّةِ الودَاعِ في ذِي الحُلَيفَةِ: ((مَن شَاءَ منكُم أن يُهلَّ بِعُمرَةٍ فَلَيَفعَل)). وهَذَا كَافٍ فِي البَيَانِ . الرَّابِعَة: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في أفضَلِ وُجُوهِ الإِحرَامِ بِحَسَبِ اختِلَافِهم فيمَا فَعَلَه النَّبِيِ نَّهَ عَامَ حَجَّةِ الودَاعِ عَلى أقوالٍ : أحَدُها: أنَّ الأفضَلَ الإفرَادُ، وهو مَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ(٣) عن ابنِ عُمَرَ، وجَابِرٍ، وعَائِشَةَ، وأبي ثَورٍ . وحَكَاه النَّوِيُّ(٤) في ((شَرح المُهَذَّبِ))(٥) عنهم، وعن عُمَرَ، وعُثمَانَ، وعَلِيٍّ وابنٍ مَسعُودٍ، والأوزَاعِيِّ، ودَاوُد. قال المَالِكِيَّةُ والشَّافِعِيَّةُ: ثُمَّ الأفضَلُ بَعدَ الإفرَادِ التَّمَتُّعُ ثُمَّ القِرَانُ. الثَّانِي: أنَّ التَّمَتُّعَ أفضَلُ، وهو قَولُ أحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ. قال ابنُ قُدَامَةً في (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٣) الإشراف (١٩٨/٣). (٥) ليس في: الأصل. (٢) المجموع (١٥٥/٧). (٤) المجموع (١٤٣/٧).