Indexed OCR Text

Pages 181-200

كما
١٨١
كتابُ الصّيامِ
عن إبراهيمَ النَّخَعِيّ، وحَكاه النوويُّ في ((شرحٍ مسلم)) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ.
وفيه قولٌ خامِسٌ: وهو صِحَّةُ صومِه مُطلَقًّا ولا قضاءَ علَيه، سواءٌ في ذلك
رمَضانُ وَغَيرُه، وسَواءٌ عَلِمَ بجَنابَتِه أم لا، وهَذا قولُ الجُمهورِ، و(١) حكاه
ابنُ المُنذِرِ (٢) عن ابنِ عمرَ، وعائشَةَ، ومالِكِ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأحمَدَ،
وأبي ثورٍ، وأصحابِ الرّأيٍ. قالَ: ورويَ ذلك عن علِيٍّ، وابنِ مسعودٍ، وَزَيدِ بنِ
ثابتٍ وأبي الدَّرداءِ، وأبي ذَرِّ، وابنِ عباسٍ.
وقالَ العَبدَرِيُّ(٣): هو قولُ سائرِ الفقهاءِ. وقالَ النوويُّ في ((شرحٍ مسلمٍ))
بعدَ حِكَايَةِ الأقوالِ الأَربَعَةِ الأولى: ثمَّ ارتَفَعَ هذا الخِلافُ، وأجمَعَ العلماءُ بعَّدَ
هذا على صِحَّتِه، وبِهِ قالَ جماهيرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، والصحيحُ: أنَّ أبا هريرةَ
رجَعَ عن القَولِ الأولِ كما صرَّحَ به في ((صحيحِ مسلم)). وقيلَ: لم يرجع عنه
وليسَ بشَيءٍ. قالَ: وفي صِحَّةِ الإجماعِ بعدَ الخِلاَفِ خِلافٌ مشهورٌ لأهلِ
الأصولِ، قالَ: وحديثُ عائشَةَ وأمِّ سلَمَةَ حُجَّةٌ على كُلِّ مُخالِفٍ، واللهُ أعلمُ.
وقالَ الشَّيخُ تقِيُّ الدّينِ في ((شرحِ العُمدَةِ)(٤): صارَ ذلك إجماعًا أو
كالإجماع.
الثالِثَةُ: أجابَ الجُمهورُ عنه بأجوِبَةٍ:
أحَدُها: أنَّه منسوخٌ بحديثٍ عائشَةَ وأمِّ سلَمَةَ وغَيرِهما. قالَ الخطابي(٥):
أحسَنُ ما سمِعت في تأويلِ ما رواه أبو هريرةً في هذا أن يكونَ محمولًا على
النَّسخِ؛ وذلك أنَّ الجِماعَ كانَ في أولِ الإسلامِ مُحَرَّمًا على الصّائمِ في الليلِ بعدَ
النَّومِ كالطّعامِ والشّرابِ، فَلَمّا أباحَ اللهُ الجِماعَ إلى طُلوعِ الفَجرِ، جازَ للجُنُبِ إذا
أصبَحَ قبلَ أن يغتَسِلَ أن يصومَ ذلك اليَومَ لارتفاعِ الحَظرِ المُتَقَّدِّمِ، فيَكونَ تأويلُ
قوله: ((من أصبَحَ جُنُبًا فلا يصُم))؛ أي: من جامَعَ في الصَّومِ بعدَ النَّومِ فلا يُجزِئُه
(١) ليس في (ك، م).
(٢) الإشراف (١٣٥/٣).
(٣) في الأصل: ((العبذري)).
(٤) إحكام الأحكام (ص٤٠٦).
(٥) أعلام الحديث (٩٥٩/٢)، ومعالم السنن (١١٥/٢).

=
١٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
صومُ غَدِه؛ لأنَّه لا يُصبحُ جُنُبًا إلّا ولَه أن يطأ قبلَ الفَجرِ بطَرَفَةِ عينٍ، [٣٠٠/١ظ]
فكانَ أبو هريرةَ يُفتي بما سمِعَه من الفَضلِ على الأمرِ الأولِ، ولَم يعلَم بالنَّسخِ.
فَلَمّا سمِعَ خبَرَ عائِشَةَ وأمِّ سلَمَةَ صار(١) إِلَيه. وقَد رويَ عن ابنِ المُسَيِّبِ أنَّه قالَ:
رجَعَ أبو هريرةً عن فُتياه فيمَن أصبَحَ جُنُبًا أَنَّه لا يصومُ. انتَهَى.
وحَكَى البيهقيُّ(٢) مثلَ ذلك عن أبي بكرِ ابنِ المُنذِرِ، فقالَ: روينا عن
أبي بكرِ ابنِ المُنذِرِ أنَّه قالَ: أحسَنُ ما سمِعت في هذا أن يكونَ محمولًا على
النَّسخ، وذَكَرَ مثلَ ما تقَدَّمَ عن الخطابي. وقالَ إِمامُ الحَرَمَينِ في ((النِّهَايَةِ))(٣): قالَ
العلماءُ: الوجهُ حملُ الحديثِ على أنَّه منسوخٌ.
ثانيها: أنَّه مرجوحٌ قد عارَضَه ما هو أصَحُّ منه فيُقَدَّمُ عَلَيه، ذَهَبَ إلى هذا
البخاريُّ فقالَ كما تقَدَّمَ عنه في الفائدَةِ الأولى: والأولُ أسنَدُ.
وذَهَبَ إلَيه الشافعيُّ ◌َبه أيضًا(٤)، فقالَ: فَأَخَذنا بحديثِ عائشَةَ وأمِّ سلَمَةَ
زوجَتَي النبيِّي ◌ََّ، دونَ ما روى أبو هريرةً عن رَجُلٍ عن رسولِ اللهِوَلَ بِمَانٍ(٥):
مِنها: أنَّهُما زوجَتاه، وزَوجَتَاه أعلَمُ بهَذا من رجُلٍ؛ إنَّما يعرِفُه سماعًا أو
خبرًا .
ومِنها: أنَّ عائشَةَ مُقَدَّمَةٌ في الحِفِظِ، وأنَّ أمَّ سلَمَةَ حافِظَةٌ، ورِوايَةُ اثْنَينٍ
أكثرُ من روایَةِ واحِدٍ .
ومِنها: أنَّ الذي روتا عن النبيِّ بََّ المَعروفُ في المَعقولِ والأشبَه بالسُّنَنِ،
حكاه عنه البيهقيُّ في ((المَعرِفَةِ)) (٦). قالَ: وبَسَطَ الكَلامَ في شرح هذا، ومعناه:
أنَّ الغُسلَ شيءٌ وجَبَ بالجِماعِ، وليسَ في فِعلِه شيءٌ مُحَرَّمٌ على صائمٍ، وقَد
يحتَلِمُ بالنَّهارِ فَيَجِبُ عَلَيه الغُسَلُ ويُتِمُّ صومَهُ؛ لأنَّه لم يُجامِعِ في نهارٍ، وجَعُه
شبيهًا بالمُحرِمِ يُنهَى عن الطِّيبِ، ثمَّ يتَطَيِّبُ حلالا، ثمَّ يُحرِمُ وعَلَيه لونُه وريحُه؛
(١) في (م): ((رجع)).
(٣) نهاية المطلب (٢٠/٤).
في (م): ((لمعانٍ)).
(٥)
(٢) السنن الكبرى (٢١٥/٤).
(٤) ليست في (م).
(٦) معرفة السنن (٣٦٤/٣).

=
١٨٣
كتابُ الصّيامِ
لأنَّ نفسَ التَّطَيُّبِ كانَ وهو مُباحٌ. وقالَ في حديثٍ أبي هريرةَ: و(١) قَد يسمَعُ
الرَّجُلُ سائلًا يسألُ عن رَجُلٍ جامَعَ بَلَيلٍ، فأقامَ مُجامِعًا بعدَ الفَجرِ شيئًا، فأمَرَ بأن
يقضِيَ. فإن قالَ: فَكَيفَ إذا أمكنَ هذا على مُحَدِّثٍ ثِقَةٍ ثبَتَ حديثُه ولَزِمَت به
حُجَّةٌ. قيلَ: كما يلزَمُ بِشَهادَةِ الشّاهدَينِ الحُكمُ في المالِ والدَّمِ ما لم يُخالِفُهُما
غَيرُهُما، وقَد يُمكِنُ عَلَيهما الغَلَطُ والكَذِبُ، ولَو شهدَ غَيرُهُما بضِدٍ شهادَتِهما لم
تُسمَع (٢) شهادَتُهُما كما تُسمَعُ(٣) إذا انفَرَدَ، وبَسَطَ الكَلامَ في شرحٍ هذا. انتَهَى.
ومِن العَجيبِ: إهمالُ النوويِّ في ((شرحِ المُهَذَّبِ)) هذا الجَوابَ معَ كونِه
جوابَ صاحِبٍ مذهَبِهِ الذي هو مُقَلِّدُهُ.
ثالِثُها: أنَّه محمولٌ على من طلَعَ عَلَيهِ الفَجرُ وهو مُجامِعٌ فاستَدامَ معَ علمِه
بالفَجرِ؛ حكاه النوويُّ في ((شرحِ المُهَذَّبِ)) (٤). وتَقَدَّمَ في كلامِ الشافعيِّ رَُه
الإشارَةُ إلَيه. وذَكَرَه الخطابي(٥)، وقالَ: يكونُ معناه من أصبَحَ مُجامِعًا والشَّيءُ
قد(٦) يُسَمَّى باسم غَيرِهِ إذا كانَ مَلُه في العاقِبَةِ إلَيه.
رابعًا: أنَّه إرشادٌ إلى الأفضَلِ، فالأفضَلُ: أن يغتَسِلَ قبلَ الفَجرِ، فَلَو خالَفَ
جازَ. قالَ النوويُّ في ((شرح مسلم)) (٧): وهَذا مذهَبُ أصحابِنا وجَوابُهم عن هذا
الحديثِ. ثُمَّ قالَ: فإن قيلَ: كيفٌ يقولونَ: الاغتِسالُ قبلَ الفَجرِ أفضَلُ، وقَد
ثبَتَ عن النبيِّ (١٢٦/٤م) وَ لأَ خِلافُه؟
فالجَوابُ: أَنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ فعَلَه لبَيانِ الجَوازِ، ويَكونُ في حقّه
حينئذٍ أفضَلَ؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ البَيانَ للنّاسِ وهو مأمورٌ بالبَيانِ، وهَذا كما توضّأ مرَّةً
مرَّةً في بعض الأوقاتِ بيانًا للجَوازِ. ومَعلومٌ أنَّ الثَّلاثَ أفضَلُ، وهو الذي واظَبَ
علَيه وتَظاهَرَت به الأحاديثُ، وطافَ على البَعيرِ لبَيَانِ الجَوازِ، ومَعلومٌ أنَّ الطّوافَ
ماشِيًّا أفضَلُ، وهو الذي تكَرَّرَ منه عليه الصلاةُ والسلامُ ونَظائرُه كثيرَةٌ. انتَهَى.
(١) ليس في (م).
(٣) في (ك): ((تستعمل)).
(٥) معالم السنن (١١٥/٢).
شرح مسلم (٢٢١/٧).
(٧)
(٢) في (ك): ((تستعمل)).
(٤) المجموع (٣٢٨/٦).
(٦) شرح مسلم (٢٢١/٧).

١٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الرابعةُ(١): قالَ النوويُّ في ((شرح المُهَذَّبِ)) (٢): قالَ الماوردِيُّ(٣)
وغَيرُهُ: أجمَعَت الأمَّةُ على أنَّ من احتَلَمَ في الليلِ وأمكَنَه الاغتسالُ قبلَ الفَجرِ
فلَم(٤) يغتَسِل [١/ ٣٠١و] وأصبَحَ جُنُبًا بالاحتِلامِ، أو احتَلَمَ بالنَّهارِ فصَومُه
صحيحٌ، وإنَّما الخِلافُ في صومِ الجُنُبِ بالجماعِ(٥). انتَهَى.
وعِبَارَةُ الشافعيِّ ◌َخْتُهُ في الفائدَةِ قبلَها قد توافِقُه في الصّورَتَينِ لتَصويرِه
المَسألَةَ بالجِماعِ ولِقياسِه على الاحتِلامِ بالنَّهارِ، وهَذا يدُلُّ على أنَّ حديثَ
أبي هريرةَ متروكُ الظاهرِ إجماعًا قديمًا قبلَ إجماعِ المُتأخّرِينَ، وأنَّه لم يقُل أحَدٌ
من المُتَقَدِّمينَ ولا من المُتأخّرينَ به في جميعِ صورِهِ، لكِنَّ فتوى أبي هريرةَ لولَدِ
عبدِ الله بنِ عمرَ صريحَةٌ في أنَّه لم يخُصَّ فتواه بالجِماعِ، بل طرَدَه في الاحتِلامِ
أيضًا. وكَلامُ ابنِ المُنذِرِ في نقلِ المَذاهبِ يوافِقُ ذلك أيضًا، فإنَّه حكَى قولًا
مُفَصَّلًا بينَ أن يعلَمَ بجَنابَتِه ثمَّ ينامَ قبلَ الصُّبحِ أم لا. وقَد تقَدَّمَت حِكايَتُه، وذلك
صريحٌ في إدخالِ صورَةِ الاحتِلامِ في موضِعِ الخِلافِ، واللهُ أعلمُ.
الخامِسَةُ: في معنَى من أصبَحَ جُنُبًا: الحائضُ أو النُّفَساءُ إذا انقَطَعَ
دَمُها ليلاً ثمَّ طَلَعَ الفَجرُ قبلَ اغتِسالِها: فقالَ الجُمهورُ بصِحَّةٍ صومِها، وخالَفَ فيه
بعضُهم. قالَ النوويُّ في ((شرح مسلم)) (٦): هذا مذهَبُنا ومَذهَبُ العلماءِ كافَّةً،
إلّا ما حُكِيَ عن بعضِ السَّلَفِ مَمّا لا نَّعلَمُ أَصَحَّ عنه أم لا؟.
قالَ: وسَواءٌ تَرَكَت الغُسلَ عمدًا أو سهوًا بعُذرٍ أو بغَيرِ عُذرٍ كالجُنُبِ.
قلتُ: في حِكَايَةِ النوويِّ إجماعَ الكافَّةِ إلّا ما لا يُعلَمُ صِحَّتُه. نظَرٌ؛ ففي
مذهَبِ مالِكِ في وجوبِ القَضاءِ في هذِهِ الصّورَةِ قولانِ: حكاهُما الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ
في ((شرحِ العُمدَةِ)(٧). وحَكى (٨) النوويُّ في ((شرح المُهَذَّبٍ))(٩)، عن الأوزاعيِّ
(١) بياض في الأصل بمقدار كلمة.
(٣) الحاوي (٤١٤/٣).
(٥)
في (م): ((بالإجماع)).
(٦)
شرح النووي على مسلم (٢٢٢/٧، ٢٢٣). (٧) إحكام الأحكام (ص٤٠٧).
(٨) في (م): ((وحکا)).
(٢) المجموع (٣٢٨/٦، ٣٢٩).
(٤) في (م): ((ولم)).
(٩) المجموع (٣٢٧/٦).

=
١٨٥
كتابُ الصّيامِ
أنَّه لا يصِحُ صومُ مُنقَطِعَةِ الحَيضِ حتى تغتَسِلَ. وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ في
((الاستذكارِ))(١) عن عبدِ المَلِكِ بنِ الماجشونِ: أنَّها إذا أخّرَت غُسلَها حتى طلَعَ
الفَجرُ فَيَومُها يومُ فِطرٍ؛ لأنَّها في بعضِه غَيرُ طاهرٍ (١٢٧/٤م) ولَيسَت كالذي يُصبحُ
جُنُبًا فيَصومُ؛ لأنَّ الاحتِلامَ لا ينقُضُ الصَّومَ والحَيضَ ينقُضُهُ، وقالَ: هذِه غَفْلَةٌ
شديدَةٌ، وكَيفَ تكونُ في بعضِه حائضًا، وقَد كمُلَ طُهرُها قبلَ الفَجرِ. وحَكَى
ابنُ عبدِ البَرِّ أيضًا عن الحَسَنِ بنِ حيٍّ: أنَّه رأى علَيها قضاءَ ذلك اليَومِ، وقَد ظَهَرَ
بذلك أنَّ الخِلافَ في هذا شهير(٢)، واللهُ أعلمُ.
الحديثُ السادِسُ
عن نافع، عن ابنٍ عمرَ، أنَّ رسولَ الله ◌ََّ نَھَى عن الوِصالِ، قالوا:
فإنَّك تواصِلُ يأَّ رسولَ الله، قالَ: ((إِنِّي لست كهَيئَتِكم؛ إنِّي أطعَمُ وأسقَى)).
وعن الأعرج، عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله وَ قَالَ: «إيّاكم والوِصالَ،
إِيّاكم والوِصالََ، إيّاكم والوِصالَ))، قالوا: إنَّك تواصِلُ يا رسولَ الله، قالَ:
((إِنِّي لست كهَيئَتِكم؛ إِنِّي أبيتُ يُطعِمُني ربّي ويَسقيني)).
وعن همّام، عن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَ: ((إيّاكم والوِصالَ،
إِيّاكم والوِصَّالَ))، قالوا: فإنَّك تواصِلُ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((إنِّي لست في
ذَلِكم مثلَكُم (١٢٨/٤م)؛ إنِّي أبيتُ يُطعِمُني ربي ويَسقيني، فاكلَفُوا من العَمَلِ
ما لكم به طاقَةٌ)).
فيه فوائدُ:
الأولى: حديثُ ابنِ عمرَ اتَّفَقَ علَيه الشَّيخانِ، وأبو داود(٣)، من طريقٍ
(١) الاستذكار (٢٨٩/٣)، وينظر: التمهيد (١٧ /٤٢٤ - ٤٢٧).
(٢) في (م): ((أشهر)) .
(٣) البخاري (١٩٦٢)، ومسلم (٥٥/١١٠٢)، وأبو داود (٢٣٦٠).

١٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مالِكِ، وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا من طريقِ عبيدٍ (١) الله بنِ عمرَ(٢)، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهَ واصَلَ في رمَضانَ فواصَلَ النّاسُ؛ فَنَهاهم. فقيلَ له:
إِنَّك تواصِلُ، قالَ: ((إِنِّي لست مثلَكم؛ إنِّي أطعَمُ وأسقَى)). ومِن طريقِ أيّوبَ (٣)،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بمِثْلِهِ، ولَم يقُل في رمَضانَ. وحديثُ أبي هريرةَ: أخرَجَه
من الطَّريقِ الأولِ: مسلمٌ في ((صحيحِه)) (٤) من روايَةِ المُغيرَةِ بنِ عبدِ الرحمْنِ، عن
أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. ومِن الطَّريقِ الثاني(٥) البخاريُّ (٦) عن
يحيى - قيلَ: إِنَّه ابنُ موسَى - عن عبدِ الرَّزّاقِ، عن معمَرٍ، عن همّامٍ، عن
أبي هريرةَ، واتَّفَقا علَيه(٧) من طريقِ الزهريِّ، عن أبي سلَمَةَ، عن أبي هريرةَ،
وفيه زيادَةٌ: فَلَمّا أبَوا أن ينتَهوا عن الوِصالِ واصَلَ بهم يومًا، ثمَّ يومًا ثمَّ رأوا
الهلالَ، فقالَ: (لَو تأخَّرَ الهلالُ لزِدتُكُم)». كالمُنَكِّلِ لهم حينَ أبَوا أن ينتَهوا.
وأخرَجَه مسلمٌ (٨) أيضًا من روايَةِ أبي زُرعَةَ وأبي صالِحٍ، كلاهما، عن أبي هريرةً
وفيه: ((إنَّكم لستُم في ذلك مثلي)). واتَّفَقَ الشَّيخانِ أيضًا على هذا المَتنِ من
حديثٍ أَنَسٍ(٩)، وعائشَةَ(١٠). وأخرَجَه البخاريُّ(١١) من حديث أبي سعيدٍ، وعَزوُ
الشَّيخِ تقِيُّ الدِّينِ(١٢) حديثَ أبي سعيدٍ لمسلمٍ وهمٌ.
الثانيةُ: الوِصالُ هُنا أن يصومَ يومَينٍ فصاعِدًا، ولا يتَناولُ في
[٣٠١/١ظ] الليلِ لا ماءً ولا مأكولًا، فإن أكَلَ شيئًا يسيرًا أو شرِبَ ولَو قطرَةً:
فليسَ وِصالًا. وكَذا (١٢٩/٤م) إن أخَّرَ الأكلَ إلى السَّحَرِ لمَقصودٍ صحيحٍ أو
غَيرِهِ، فليسَ بوِصالٍ، كذا قالَه الجُمهورُ من أصحابِنا وغَيرِهم. وقالَ الرّويانِيُّ في
(١) في (م): ((عبد)).
(٣) مسلم (١١٠٢/ ... ).
(٥)
في (م): ((الثانية)).
البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣ /٥٧).
(٧)
(٨)
مسلم (٥٨/١١٠٣)، (١١٠٣ م).
(٩) البخاري (١٩٦١)، ومسلم (٥٩/١١٠٤).
(١٠) البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (٦١/١١٠٥).
(١١) البخاري (١٩٦٣).
(٢) مسلم (٥٦/١١٠٢).
(٤) مسلم (١١٠٣).
(٦) البخاري (١٩٦٦).
(١٢) إحكام الأحكام (ص٤٢٣).

=
كتابُ الصّيامِ
١٨٧
((الحِلبَةِ)): هو أن يصِلَ صومَ الليلِ بصَومِ النَّهارِ قصدًا؛ فَلَو ترَكَ الأكلَ بالليلِ لا
على قصدِ الوِصالِ والتَّقَرُّبِ إلى الله تعالى به لم يحرُم. وقالَ البَغَوِيّ: العِصيانُ
في الوِصالِ لقَصدِه إِلَيه، وإلّا فالفِطرُ حاصِلٌ بدُخولِ الليلِ، كالحائضِ إذا صلَّت
عصَت وإن لم يكُن لها صلاةٌ.
قالَ النوويُّ في ((شرح المُهَذَّبِ)» (١): وهو خِلافُ إطلاقِ الجُمهورِ وخِلافُ
ما صرَّحَ به إمامُ الحَرَمَينِ(٢). ثمّ قالَ النوويُّ: والصَّوابُ أنَّ الوِصالَ تركُ الأكلِ
والشُّربِ في الليلِ بينَ الصَّومَينِ عمدًا بلا عُذرٍ. قالَ شيخُنا الإمامُ الإسنَوِيُّ:
ومُقتَضاه: أنَّ ما عدا الأكلَ والشُّربَ كالجِماعِ والاستِقَاءَةِ وغَيرِهما من المُفطِراتِ
لا يُخرِجُه عن الوِصالِ، وهو ظاهرٌ من جِهَةِ المَعنَى؛ لأنَّ النَّهيَ عن الوِصالِ إنَّما
هو لأجلِ الضَّعفِ، وهَذِه الأمورُ تزيدُه أو لا تمنَعُ حُصولَه، لكِن ذَكَرَ جماعَةٌ
خِلافَ ذلك منهم الرّويانِيُّ في ((البَحرِ))(٣) قالَ: الوِصالُ المَكروه أن لا يطعَمَ
بِالليلِ بينَ يومَي صومٍ، ويَستَديمَ جميعَ أوصافِ الصّائمينَ. والجُرجانِيُّ في
((الشّافي)) قالَ: الوِصَالُ أن يترُكَ بالليلِ ما أبيحَ له من غَيرِ إفطارٍ. وقالَ
ابنُ الصلاحِ: يزولُ بما يزولُ (٤) به صورَةُ الصَّومِ، قالَ شيخُنا الإسنَوِيُّ أيضًا:
وتَعبيرُهم بصَومِ يومَينِ يقتضي أنَّ المأمورَ بالإمساكِ كتارِكِ النِّيَّةِ لا يكونُ امتناعُه
بالليلِ من تعاطي المُفطِراتِ وِصالًا؛ لأنَّه ليسَ بينَ صومَينٍ، إلّا أنَّ الظاهرَ أنَّ
ذلك جرَى على الغالِبِ. انتَھَی.
وكَلامُ القاضي أبي بكرِ ابنِ العربيِّ(٥) يُشعِرُ بأنَّ الوصالَ هو الإمساكُ بعدَ
حلِّ الفِطرِ؛ فإنَّه حكَى في حُكمِه ثلاثَةَ أقوالٍ :
التَّحريمُ، والجَوازُ، وثالثُها: أن يواصِلَ إلى السَّحَرِ. قَالَه أحمَدُ وإسحاقُ.
(١) المجموع (٤٠١/٦).
(٢) قال الإمام الجويني: والوصال يزول بقطرةٍ يتعاطاها كلَّ ليلة، ولا يكفي اعتقاده أن من
جَنَّ عليه الليلُ، فقد أفطر. ينظر: نهاية المطلب (٧٢/٤).
(٣) بحر المذهب (٣٣٩/٤).
(٥) عارضة الأحوذي (٣٠٦/٣ - ٣٠٩).
(٤) في (ك): ((تزول)).

١٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثُمَّ قالَ: والصحیحُ منعُه.
فَيَقتَضي أنَّ المواصَلَةَ إلى السَّحَرِ داخِلَةٌ في حدِّ الوِصالِ، وأنَّ جميعَ أنواعٍ
الوِصالِ حرامٌ حتى أنَّه يحرُمُ عَلَيه أن يواصِلَ بعدَ الغُروبِ، وذلك يصدُقُ بتأخيرِ
الفِطرِ قليلًا، وهَذا لا يقولُه أحَدٌ لا أهلُ الظاهرِ ولا غَيرُهم، إلّا أنَّ القاضي
عياضًا(١) حكَى عن بعضِ العلماءِ أنَّ الإمساكَ بعدَ الغُروبِ لا يجوزُ وهو كإمساكٍ
يومِ الفِطرِ ويَومِ النَّحرِ. وقالَ بعضُهم: ذلك جائزٌ، وله (٢) أجرُ الصّائمِ. انتَهَى.
وكِلا القَولَينِ مردودٌ، أمّا تحريمُ الإمساكِ بعدَ الغُروبِ فِلِقَولِه عَلَيه الصلاةُ
(٤/ ١٣٠م) والسلامُ: ((فأيُّكم أرادَ أن يواصِلَ فليواصِل إلى السَّحَرِ)). أخرَجَه
البخاريُّ من حديث أبي سعيدٍ، والظّاهرُ: أنَّ صاحِبَ هذِهِ المَقالَةِ إنَّما أرادَ تحريمَ
الإمساكِ المُستَمِرِّ إلى آخِرِ الليلِ، ولَم يُرِد تحريمَ مُطلَقِ الإمساكِ، فإنَّ هذا لا
يُمكِنُ القَولُ به إلّا أن ينضَمَّ إلى ذلك نِيَّةُ الصَّومِ واعتِقادُ كونِه صومًا شرعيًّا .
والخَلَلُ في ذلك من عبارَةِ القاضي، وأنَّها غَيرُ وافيةٍ بالمَقصودِ. وأمّا القَولُ بأنَّ
له أجرَ الصّائمِ! فَكَيفَ يصِحُ، والليلُ ليسَ محَلَّا للصَّومِ، ولَو نواه فيه لم ينعَقِد.
فَكَيفَ يُكتَبُ له أجرُ صومِه؟
الثالثة(٣): فيه النَّهيُّ عن الوِصالِ، وذلك يحتَمِلُ التَّحريمَ والكَراهَةَ،
لكِنَّ قولَه: ((إيّاكم(٤) والوِصالَ)» يقتَضي الثَّحريمَ، وكَذا قولُه في حديثٍ أَنَسٍ في
((الصحيحين).
وفي حديثٍ أبي سعيدٍ في ((صحيح البخاريِّ)): ((لا تواصِلوا)).
وقَد اختَلَفَ العلماءُ في هذِهِ المَسألَةِ :
فَذَهَبَ الجُمهورُ إلى النَّهي عنه، وحَكَى ابنُ المُنذِرِ (٥) كراهَتَه عن مالِكٍ،
والثوريِّ، والشافعيِّ، وأحمَدَ، وإسحاقَ. وقالَ العَبدَرِيُّ(٦) من أصحابِنا: هو قولُ
(١) إكمال المعلم (٣٥/٤).
(٣) في (م): ((الثانية)).
(٥) الإشراف (١٥٤/٣).
(٢) في الأصل: ((ولنا)). وفي (م): ((له)).
(٤) في (م): ((إِيَّاك)).
(٦) في الأصل: ((العبذري)).

كتابُ الصّيامِ
١٨٩
=
العلماءِ كافَّةً إلّا ابنَ الزُّبَيرِ، وهو مُتَّفَقٌّ عَلَيه في مذهَبِ الشافعيِّ.
واختَلَفوا في أنَّها كراهَةُ تحريم أو تنزيهِ، وفيه وجهانِ مشهورانِ للشّافِعيةِ:
أصَحُّهُما عندَهم وهو ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ: أنَّها كراهَةُ تحريم. وقالَ
ابنُ شاسٍ في ((الجَواهرِ))(١): حكى أبو الحَسَنِ اللخمِيُّ قولَينِ في جوازٍ ذلك
ونَفِهِ، ثمَّ اختارَ جوازَه إلى السَّحَرِ وكَراهيتَه إلى الليلَةِ القابِلَةِ(٢) .
وقالَ ابنُ قُدامَةَ في ((المُغني))(٣) بعدَ تقريرِه كراهَتَه: أنَّه غَيرُ مُحَرَّم واستَدَلَّ
هَؤُلاءِ بقَولِ عَائِشَةَ مِّنَا: نَهَى رسولُ اللهِوَّ عن الوِصالِ رحمَةً لَهُم. وبِكُونِه علَيه
الصلاةُ والسلامُ لمّا أبَوا أن ينتَهوا عن الوِصالِ واصَلَ بهم يومًا ثمَّ يومًا. [٣٠٢/١ و]
وهو في ((الصحيحَينِ)) من حديث أبي هريرةَ كما تقَدَّمَ، ولِمسلم من حديثٍ
أَنَسٍ: (لَو مُدَّ لنا الشَّهرُ لواصَلنا وِصالًّا يدَعُ المُتَعَمِّقونَ تعَمُّقَهُمْ)).
وأجابَ القائلونَ بتَحريمِه عن قولِها: رحمَةً لهم: بأنَّ ذلك لا يمنَعُ كونَه
منهًّا عنه للتَّحريمِ، وسَبَبُ تحريمِه الشَّفَقَةُ عَلَيهم. لِئَّا يتَكَلَّفوا ما يشُقُّ عَلَيهم.
وعن: الوِصالِ بهم يومًا ثمَّ يومًا، بأنَّه احتَمَلَ للمَصلَحَةِ في تأكيدِ زجرِهم.
قالَ ابنُ العربيّ(٤): تمكينُهم منه تنكيلٌ لهم، وما كانَ على طريقِ العُقوبَةِ لا
يكونُ من الشَّرِيعَةِ. انتَهَى.
وذَهَبَ آخَرونَ إلى أنَّه لا كراهَةَ في الوِصالِ، وكانَ عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ
يفعَلُهُ. ورَوى ابنُ أبي شيبَةً في (مُصَنَّفِه))(٥) عن أبي نوفَلِ ابنِ أبي(٦) عقرَبٍ قالَ:
دَخَلت على (٧) ابنِ الزُّبَيرِ صبيحَةَ خمسَةَ عشرَ من الشَّهرِ، وهو مواصِلٌ.
وعن ابنِ أبي نُعم (٨): أنَّه كانَ يواصِلُ خمسةَ عشرَ يومًا حتى يُعادَ.
(١) عقد الجواهر (٢٥١/١).
(٣)
المغني (٤٣٦/٤، ٤٣٧).
(٥)
مصنف ابن أبي شيبة (٤ / ١٣٤).
(٦)
ليس في الأصل، (م). والصواب المثبت.
(٧)
ليس في الأصل.
(٢) ينظر: المجموع (٣٩٩/٦).
(٤) عارضة الأحوذي (٣٠٨/٣).
(٨) مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ١٣٤).

١٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وعن أبي العاليةِ (١): أنَّه قالَ في الوِصالِ للصّائم، قالَ اللهُ تعالى ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ
الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإذا جاءَ الليلُ فهو مُفطِرٌ، ثمَّ إن شاءَ صامَ وإن
شاءَ تَرَكَ.
وذَكَرَ الماوردِيُّ(٢) أنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبَيرِ واصَلَ سبعةَ عشرَ يومًا ثمَّ أَفطَرَ
على سمنٍ ولَبَنٍ وصَبِرٍ. قالَ: وتأولَ في السَّمنِ أنَّه يُلَيِّنُ الأمعاءَ، واللبَنُ الطَّفُ
غِذاءٍ، والصَّبِرُ يُقَوِّي الأعضاءَ.
وفي ((الاستِذكار)) (٣) لابنِ عبدِ البَرِّ عن مالِكِ: أنَّ عامِرَ بنَ عبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ
كانَ يواصِلُ في شهرٍ رمَضانَ ثلاثًا، فقيل له: ثلاثَةُ أيّام؟ قالَ: لا. ومَن يقوى
يواصِلُ يومَينِ ولَيلَةً. وحَكَى ابنُ حزمٍ(٤) عن ابنِ وضّاحِ من المالِكيةِ: أنَّه كانَ
يواصِلُ أربَعَةَ أيّامٍ، واحتَجَّ هؤُلاءِ بمِثلِ ما احتَجَّ به الذّاهبونَ إلى الكَراهَةِ وقالوا:
نهيُهم عن الوِصالِ رحمَةٌ بهم ورِفقٌ؛ لا إلزامٌ وحَتمٌّ.
واستَدَلّوا أيضًا بفِعلِه، ولَم يرَوا ذلك مُختَصَّا به، ويَرُدُّه تصريحُه علَيه
الصلاةُ والسلامُ باختصاصِه بذلك.
وفي ((سُنَنِ أبي داود))(٥) عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قالَ: حدَّثَني رُجُلٌ
من أصحابِ النبيِّ وَّهِ: أنَّ رسولِ اللهِ وَ ◌َّ نهَى عن الحِجامَةِ والمواصَلَةِ، ولَم
يُحَرِّمُهُما؛ إبقاءً على أصحابِهِ. فقيل له: يا رسولَ الله إنَّك تواصِلُ إلى السَّحَرِ،
فقالَ(٦): ((إِنَّي(٧) أواصِلُ إلى السَّحَرِ، وَرَبِي يُطعِمُني ويَسقيني)).
الرابعةُ: في قولِ الصَّحابَةِ بِّه للنبيِّ وَّهِ: إِنَّك تواصِلُ؟ دَليلٌ على استِواءٍ
المُكَلَّفينَ في الأحكام، وأنَّ كُلَّ حُكم ثبَتَ في حقّه عليه الصلاةُ والسلامُ ثبَتَ في
حقِّ أمَّتِهِ، إلّا ما استُثنِيَ، فَطَلَبوا الجَمْعَ بينَ قولِه في النَّهىِ وفِعِلِهِ الدّالِّ على إباحَةِ
ذلك، فأجابَهم باختصاصٍ فِعِلِه به، وأنَّه لا يتَعَدّاه في هذِهِ الصّورَةِ إلى غَيرِهِ.
(١) مصنف ابن أبي شيبة (١٣٤/٤).
(٣) الاستذكار (٣٠١/٣).
(٥) أبو داود (٢٣٧٤).
(٧) في (م): ((إنني)).
(٢) الحاوي (٤٧١/٣).
(٤) المحلى (٢٢/٧).
(٦) في الأصل: ((قال)) .

=
١٩١
كتابُ الصّيامِ
الخامِسة: فيه إنَّ من خصائصِه عليه الصلاةُ والسلامُ: إياحَةُ الوِصالِ له
قالَ الشافعيُّ تَخْهُ، بعدَ أن ذَكَرَ حديثَ النَّهي عن الوِصالِ: وفَرَّقَ اللهُ بينَ رسولِه
وبَينَ(١) خلقِه في أمورٍ أباحَها له وحَظَرَها عَلَيهم، وذَكَرَ منها الوصالَ(٢).
وقالَ الخطابي(٣): الوصالُ من خصائصٍ ما أبيحَ لرَسولِ اللهِوَرَ، وهو
محظورٌ على أمَّتِهِ.
وحَكَى النوويُّ في ((شرح المُهَذَّبٍ)) (٤): اتّفاقَ نُصوصِ الشافعيِّ والأصحابِ
على أنَّه من الخصائصِ. ثمَّ ذَكَرَ خِلافًا في كيفيةِ ذلك: فنَقَلَ عن الشافعيِّ
والجُمهورِ: أنَّه مُباحٌ له، وعن إمامِ الحَرَمَينِ(٥): أنَّه قُربَةٌ في حقِّه. وتَقَدَّمَ في
(١٣٢/٤م) حديث أبي هريرةَ: ((إِنِّي لستُ في ذَلِكم مثلَكُم)). وفي ((سُنَنِ أبي
داود)) (٦) عن عائشَةَ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كَانَ يُصَلِّي بعدَ العَصرِ(٧) ويَنْهَى عنها، ويواصِلُ
ويَنْهَى عن الوِصالِ .
السادِسَةُ: في (مُعجَمِ الطََّرانِيِّ الكَبيرِ)) (٨) عن امرأةٍ بشيرِ بنِ الخَصاصيةِ
قالَت: كُنت أصومُ فأواصِلُ فَنَهاني بشيرٌ، وقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ وَّل نهاني عن
هذا، قالَ: ((إنَّما يفعَلُ ذلك النصارى)). ولَكِن صومي كما أمَرَ اللهُ رَتْ، ثمَّ أَتَّمِّي
الصِّيامَ إلى الليلِ، فإذا كانَ الليلُ فأفطِرِي. وهَذا يقتَضي [٣٠٢/١ظ] أنَّ العِلَّةَ في
النَّهي عن الوِصالِ مُخالَفَةُ النصارى في فِعلِهم له، فإن كانَ من قولِ النبيِّي ◌َّ فهو
حُجَّةٌ. ويَحتَمِلُ: أنَّه من قولِ بشيرِ بنِ الخَصاصيةِ أدرِجَ في الحديثِ. وقالَ
النوويُّ(٩): قالَ أصحابُنا: الحِكمَةُ في النَّهي عن الوِصالِ لَّا يضعُفَ عن الصِّيامِ
(١) ليس في (ك).
(٢) ينظر: المجموع (٣٩٩/٦، ٤٠٠).
(٣) معالم السنن (١٠٧/٢).
(٤) المجموع (٤٠١/٦).
(٦) أبو داود (١٢٨٠).
(٥)
نهاية المطلب (٧٢/٤).
(٧)
ليس في: الأصل.
المعجم الكبير (٤٤/٢) ح(١٢٣٢)، وأيضًا أخرجه أحمد (٢٢٥/٥)، وعبد بن حميد
(٨)
(٤٢٩). قال الهيثمي في المجمع (١٦١/٣): وليلى لم أجد من جرحها، وبقية رجاله
رجال الصحيح. انتهى. وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٢٠٢/٤).
(٩) المجموع (٤٠٢/٦).

=
١٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وسائرِ الطّاعاتِ أو يمَلَّها ويَسأمَ لضَعفِه بالوِصالِ أو يتَضَرَّرُ بدَنُه أو بعضُ حواسِّه
أو غَيرُ ذلك من أنواعِ الضَّرَرِ، انتَهَى.
ويُشيرُ إلى ذلك قولُه في حديثٍ أبي هريرةَ في ((الصحيحَينِ)) في تتِمَّةِ
الحديثِ: ((فاكلَفوا من العَمَلِ ما تُطيقونَ)). وقالَ والِدِي ◌َّتُهُ في ((شرح
الترمذيِّ)): ويُحتَمَلُ أنَّ النَّهيَ عن ذلك خوفَ أن يُفتَرَضَ عَلَيهم فيَعجِزوا عنه كما
ورَدَ في قيامِ رمَضانَ وعَلى هذا فقَد أُمِنَ(١) ذلك بعدَهُ وَُّ. انتَهَى.
السابِعَةُ: اختَلَفَ العلماءُ في معنَى قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((إِنِّي
أطعَمُ وأسقَى)). وقَولِه: ((إِنِّي أَبَيت يُطعِمُني ربّي ويَسقيني)). على أوجُهٍ :
أحَدُها: أنَّ معناه: أُعطَى قوةَ الطَّاعِمِ الشّارِبِ، وليسَ المُرادُ حقيقَةَ الأكلِ
والشُّربِ؛ إذ لو أكَلَ حقيقَةً لم يبقَ وِصالٌ، ولَقالَ: ما أنا بمواصِلٍ. ويؤيِّدُ ذلك
قولُه في حديثٍ أَنَسٍ: ((إِنِّي أَظَلَّ يُطْعِمُني ربي ويَسقيني)). وهو في ((صحيحٍ مسلمٍ))
هُنا، وفي ((صحيحِ البخاريِّ)(٢) في ((الثَّمَنِّي)). وعَزْوُ والِدِي تَخْفُ في ((أحكامِه
الكُبرَى)) هذِهِ الرِّوايَةً للبُخارِيِّ عقِبَ حديثِ ابنِ عمرَ يقتَضي: أنَّها عندَه من حديثٍ
ابنِ عمرَ؛ وليسَ كذلك، وإنَّما هي عندَه من حديثٍ أنَسٍ كما ذَكَرته، هذا هو
الذي وقَفت علَيه، فهَذِهِ الرِّوايَةُ دالَّةٌ على أنَّه لم يأكُل حقيقَةً؛ فإنَّه لا يُقالُ: أظَلُّ
إلّا في النَّهارِ، ولَو أكَلَ في النَّهارِ لم يكُن صائمًا. وهَذا أصَحُّ الأجوِبَةِ كما حكاه
الرّافِعِيُّ عن المَسعودِيِّ، وقالَه النوويُّ، وعَلَيه اقتَصَرَ أبو بكرِ ابنُ العربيِّ(٣)،
وقالَ: فعبرَ بالطَّعامِ والسُّقيا عن فائدَتِهما، وهي القوةُ على الصَّبرِ عنْهُما .
الثاني: أنَّ معناه: أنَّ اللهَ يخلُقُ فيه من الشِّبَع والرِّيِّ ما يُغنيه عن (١٣٣/٤م)
الطَّعامِ والشَّرابِ، وهَذا قريبٌ من الذي قبله، والفَرقُ بينَهُما: أنَّه على الأولِ
يُعطَى قوةَ الطَّاعِمِ الشّارِبِ من غَيرِ شِبَعٍ ولا ريٍّ، بل معَ الجوعِ والظّما. وهَذا
(١) بعده في (م): ((من)).
(٢) البخاري (٧٢٤١)، ومسلم (٦٠/١١٠٤).
(٣) الشرح الكبير (٤١٩/٦)، والمجموع (٤٠١/٦)، وعارضة الأحوذي (٣٠٨/٣).

=
كتابُ الصّيامِ
١٩٣
أكمَلُ لحالِهِ، وعَلى الثاني يُخلَقُ فيه الشِّبَعُ بلا أكلٍ والرِّيُّ بلا شُربٍ، وهَذِه كرامَةٌ
عظيمَةٌ، لكِنَّها تُنافي حالَةَ الصّائمِ وتُفَوِّتُ المَقصودَ من الصِّيامِ، قالَ أبو العباسِ
القرطبيُّ في ((المُفهم))(١): وهَذا القَولُ يُبعِدُه النَّظَرُ إلى حالِه ◌َ، فإنَّهُ كانَ يجوعُ
أكثَرَ ممّا يشبَعُ، ويَرِبِطُ على بطنِهِ الحِجارَةَ من الجوعِ، ويُبعِدُه أيضًا النَّظَرُ إلى
المَعنَى؛ وذلك أنَّه لو خُلِقَ فيه الشِّبَعُ والرِّيُّ لما وجَدَ لعِبادَةِ الصَّومِ روحَها الذي
هو الجوعُ والمَشَقَّةُ، وحينئذٍ كانَ يكونُ تركُ الوِصالِ أولى. انتَهَى.
وأمّا ابنُ حِبّانَ: فإنَّه ضَعَّفَ حديثَ وضعِ الحَجَرِ على بطنِه من الجوعِ بِهَذا
الحديثِ(٢)، إمّا حملًا له على ظاهرِهِ، كما سيأتي في الجَوابِ الذي بعده، وإمّا
تمَسُّكًا بهَذا الجَوابِ الذي نحنُ فيه؛ فقالَ: هذا الخَبَرُ دَليلٌ على أنَّ الأخبارَ التي
فيها ذِكرُ وضعِ النبيِّ بَّهِ الحَجَرَ على بطنِهِ كُلُّها أباطيلُ، قالَ: وإنَّما معناه الحُجزُ
لا الحَجَرُ، والحُجزُ طَرَفُ الإزارِ، إذ اللهُ جلَّ وعلا كانَ يُطعِمُ رسولَ اللهَِله
ويَسقيه إذا واصَلَ، فَكَيفَ يترُكُه جائعًا معَ عدَمِ الوِصالِ؛ حتى يحتاجَ إلى شدِّ
حجَرٍ على بطنِه؟ وما يُغني الحَجَرُ عن الجوعِ؟ انتَهَى.
وما ذَكَرَه ابنُ حِبّانَ في ذلك مردودٌ، وهو تصحيفٌ وغَيرُ معروفٍ في
الرِّوايَةِ، وبَعضُ ألفاظِ الحديثِ صريحَةٌ في الرَّدِّ عَلَيه، وقَد ردَّ علَيه في ذلك غَيرُ
واحِدٍ، واللهُ أعلمُ.
الثالِثُ: أنَّ الحديثَ على ظاهرِه وأنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ [٣٠٣/١ و] كانَ
يؤتَى بطعامٍ من الجَنَّةِ وشَرابٍ (٣) منها فيأْكُلُ ويَشرَبُ كرامَةً له. ورُدَّ هذا بأنَّه لو
أَكَلَ حقيقَةً لم يكُن مواصِلًا، وبِقَولِه في حديثِ أنَسٍ في ((الصحيحَينِ)): ((إِنِّي أظَلُّ
عندَ ربي يُطْعِمُني ويَسقيني)) ولَفظَةُ: ((أظَلُّ)) لا تكونُ إلّا فِي النَّهارِ، ولا يجوزُ
الأكلُ الحَقيقِيُّ في النَّهارِ بلا شكِّ، ومَن قالَ هذا الجَوابُ: لعَلَّه يخُصُّ منعَ
(١) المفهم (١٦١/٣).
(٢) صحيح ابن حبان عقب الحديث (٣٥٧٩).
(٣) في (م): ((وشرب)).

=
١٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الأكلِ نهارًا بطَعامِ الدُّنيا دونَ طعام الجَنَّةِ، أو يؤوِّلُ لفظَةَ: ((أظَلُّ)) على مُطلَقِ
الكونِ(١) ويَخرُجها عن حقيقَتِها، وكلاهما(٢) بعيدٌ، واللهُ أعلَمُ.
الرّابعُ: أنَّ معناه: أنَّ محَبَّةَ الله تشغَلُني عن الطَّعام والشَّرابِ، والحُبُّ
البالِغُ يشغَلُ عنهُما؛ حكاه النوويُّ في ((شرحِ المُهَذَّبٍ))(٣).
■ الثامِنَةُ: قولُه: ((ويَسقيني)) بفتح أولِه وضَمِّه، لُغَتانِ أَشهَرُهُما الفَتْحُ،
وقَولُه: ((فاكلَفوا))(٤) بفتح اللام، معناه: خُذوا وتَحَمَّلوا. (١٣٤/٤م)
الحديثُ السابعُ
عن عُبَيدِ الله بن عمرَ، عن القاسِم، عن عائشَةَ: أنَّ رسولَ الله وَيهود
كانَ يُقَبِّلُ أو يُقَبِّلُني وهو صائمٌ، وأيُّكم كانَ أملَكَ لإربِه من رسولِ الله وَلَه.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه مسلمٌ وابنُ ماجَه(٥) من طريقٍ عِلِيٍّ بنِ مُسهرٍ، عن
عُبَيْدِ الله بنِ عمرَ، لفظُ مسلم: ((يُقَبِّلُني)). ولَفظُ ابنِ ماجَه: ((يُقَبِّلُ)). وأخرَجَه مسلمٌ
أيضًا، والنسائيُّ(٦) من روايَةٍ سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ، قَالَ: قلتُ لعَبدِ الرحمُنِ بنِ
القاسِمِ: أَسَمِعتَ أباك يُحَدِّثُ عن عائشَةَ أنَّ النبيَّ وَ هِوَ كانَ يُقَبِّلُها وهو صائمٌ؟
فسَكَتَ ساعَةً. ثمَّ قالَ: نعَم. وأخرَجَه البخاريُّ(٧) من طريقِ الحَكَمِ بنِ عُتِبَةً (٨).
وأخرَجَه مسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ(٩) من روايَةِ الأعمَشِ كلاهُما،
(١) في (م): ((السكون)).
(٢) في (م): ((وكلَّ منهما)).
(٤) بعده في الأصل: ((من العمل)).
(٣)
المجموع (٤٠٢/٦).
مسلم (٦٤/١١٠٦)، وابن ماجه (١٦٨٤).
(٥)
(٦)
مسلم (٦٣/١١٠٦)، والنسائي في الكبرى (٣٠٥٢).
(٧) البخاري (١٩٢٧).
في الأصل، (م): ((عيينة)). وهو تصحيف.
(٩) مسلم (٦٥/١١٠٦)، وأبو داود (٢٣٨٢)، والترمذي (٧٢٩)، والنسائي في الكبرى (٣٠٨٥).
(٨)

=
١٩٥
كتابُ الصّيامِ
عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشَةَ: كانَ رسولُ اللهِ وَهِ يُقَبِّلُ ويُباشِرُ وهو
صائمٌ، وكانَ أملَكَكم لإربِه. واتَّفَقَ علَيه الشَّيخانِ (١) أيضًا من روايَةِ هشامِ بنِ
عُروةَ، عن أبيه، عن عائشَةَ، قالَت: إن كانَ رسولُ اللهِ وَّهَ ليُقَبِّلُ بعضَ أزواجِه
وهو صائمٌ، ثمَّ ضَحِكَت. ولَه عندَ مسلم طُرُقٌ أخرَى.
الثانيةُ: قولُه: ((وأيُّكم كانَ أملَكَ لإِربِه من رسولِ الله ◌ٍَِّ)). ضُبِطَ بَكْسٍ
الهَمِزَةِ وإسكانِ الرّاءِ وبِفَتحِهما. واختُلِفَ في الأشهَرِ منهُما: فَذَكَرَ النوويُّ(٢) أنَّ
الأولَ هو أشهَرُهُما ورِوايَةُ الأكثَرِينَ. قالَ: وكَذا نقَلَه الخطابي والقاضي(٣) عن
روايَةِ الأكثَرِينَ. وحَكَى صاحِبُ ((النِّهايَةِ)) (٤) الثانِيَ عن روايَةِ أكثَرِ المُحَدِّثينَ. ثمَّ
اختُلِفَ في معناه، على الرِّوايَتَينِ معًا: فقالَ الخطابي: مَعناهُما واحِدٌ وهو حاجَةُ
النَّفسِ ووطَرُها، يُقالُ لفُلانٍ: عَلَيَّ أَرَبٌّ وإربٌّ وإربَةٌ ومأرَبَةٌ أي حاجَةٌ، والإربُ
أيضًا: العُضوُ (١٣٥/٤م). وتَبِعَه النوويُّ على ذلك فقالَ: ومَعناه بالكَسرِ: الوطَرُ
والحاجَةُ، وكَذلك بالفَتحِ، ولَكِنَّه يُطلَقُ المَفتوحُ أيضًا على العُضوِ.
قلتُ: صوابُه المَكسورُ، فلا نعلَمُ المَفتوحَ يُطلَقُ على العُضوِ، وذَكَرَ صاحِبُ
((النِّهايَةِ) أنَّه بالفَتحِ الحاجَةُ، وبِالكَسرِ فيه وجهانِ :
أحَدُهُما: أنَّه الحاجَةُ أيضًا .
والثاني: أنَّه العُضوُ، وعنت به من الأعضاءِ الذَّكَرَ خاصَّةً. وقالَ في
((المَشارِقِ))(٥) في روايَةِ الكَسرِ فسَّروه بحاجَتِهِ. وقيلَ: لعَقلِهِ. وقيلَ: لعُضوِهِ. ثمَّ
قالَ: قالَ أبو عُبَيدٍ، والخطابي(٦): كذا يقولُهُ أكثَرُ الرّواةِ والأَرَبُ العُضوُ، وإنَّما هو
لأَرَبِهِ بِفَتحِ الهَمزَةِ والرّاءِ، أو لأربَتِه؛ أي: لحاجَتِهِ، قالوا: والأرَبُّ أيضًا الحاجَةُ.
قالَ الخطابي: والأولُ أظهَرُ. قالَ القاضي عياضٌ: وقَد جاءَ في ((الموطأ))
(١) البخاري (١٩٢٨)، ومسلم (٦٢/١١٠٦).
(٢)
شرح صحيح مسلم (٢١٥/٧).
(٣) معالم السنن (١١٣/٢)، وإصلاح غلط المحدثين (ص٥٥)، وإكمال المعلم (٤٥/٤).
النهاية في غريب الحديث (٣٦/١).
(٥) مشارق الأنوار (٢٦/١).
(٤)
(٦) غريب الحديث لابن سلّام (٣٣٦/٤)، وإصلاح غلط المحدثين (ص٥٥).

=
١٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
روايَةٌ عُبَيدِ الله (١): أيُّكم أملَكُ لنَفْسِه. انتَهَى.
وبِذلك فسَّرَه الترمذيُّ في ((جامِعِه)» (٢)، فقالَ: ومَعنَى لأَرَبِهِ تعني لنَفسِه.
وقالَ والِدي رَّتُهُ في ((شرحِه)): وهو أولى الأقوالِ بالصَّوابِ؛ لأنَّ أولى ما
فُسِّرَ بِه الغَريبُ ما ورَدَ في بعضٍ ظُرُقِ الحديثِ، وفي ((الموطٍ))(٣) من حديثٍ
عائشَةَ بلاغًا: [٣٠٣/١ظ] وأيُّكُم أملَكُ لنَفسِه من رسولِ اللهِ وَ. انتَهَى.
وذَكَرَ ابنُ سيدَه في ((المُحكَم)) (٤): أنَّ الأَرَبَ الحاجَةَ. قَالَ: وفي الحديثِ:
كانَ أملَكَكم لأربِه؛ أي: أغلَبَكم لهَواه وحاجَتِهِ، وقالَ السُّلَمِيُّ: الأربُ: الفَرِجُ
ههُنا، وهو غَیرُ معروفٍ. انتهى.
وتَخصيصُه في أصلِ الاستِعمالِ بالفَرجِ غَيرُ معروفٍ كما قالَه، ولَكِنَّه لِمُطلَقٍ
العُضوِ، وأريدَ باللفظِ العامِّ.
هُنا عُضوٌ خاصٌّ وهو الفَرجُ؛ لقَرينَةِ دالَّةٍ على ذلك. وقَد قالَ في ((المُحكِمِ))
بعدَ ذلك: الأربُ العُضوُ الموقّرُ الكامِلُ الذي لم ينقُص منه شيءٌ. والذي ذَكَرَه
الجَوهَرِيُّ(٥) وغيرُه: أنَّه العُضوُ ولَم يُقَيِّدوه بأن يكونَ موفّرًا كامِلًا.
■ الثالِثَةُ: استُدِلَّ به على إياحَةِ القُبلَةِ للصّائم، وأنَّه لا كراهَةَ فيها، وفي
المَسألَةِ مذاهبٌ :
أحَدُها: هذا، قالَ ابنُ المُنذِرِ (٦): روينا الرُّخصَةَ فيها عن: عمرَ بنِ
الخطابِ، وأبي هريرةَ، وابنِ عباسٍ، وعائشَةَ. وبِه قالَ عطاءٌ، والشَّعبي،
والحَسَنُ، وأحمَدُ، وإسحاقُ.
ورَوى ابنُ أبي شيبةً(٧) عن علِيٍّ بنِ أبي طالِبٍ قالَ: لا بأسَ بالقُبلَةِ
للصّائمِ.
(١) في الأصل: ((عبد الله)). وهو تصحيف.
(٢)
جامع الترمذي عقب حديث (٧٢٩).
(٣)
الموطأ (٢٩٣/١).
(٥)
الصحاح (٨٦/١).
مصنف ابن أبي شيبة (٤ /٩٥).
(٧)
(٤) المحكم (٢٨٨/١٠).
(٦) الإشراف (١٣٦/٣).

M
١٩٧
كتابُ الصّيامِ
وعن أبي سعيد الخُدرِيِّ(١): لا بأسَ بها ما لم يُعِد ذلك.
وعن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ (٢): لا بأسَ بها وإِنَّها لبَرِيدُ سوءٍ.
وعن مسروقٍ (٣): ما أبالي قبَلتُها أو قبَّلت(٤) يدي.
واختارَه ابنُ عبدِ البَرِّ(٥) وَرَجَّحَه، واستَدَلَّ بما في ((الموطا))(٦) عن عطاءِ بنِ
يسارٍ: أنَّ رَجُلًا قبَّلَ امرأته وهو صائمٌ في رمَضانَ، فوجَدَ من ذلك وجدًا شديدًا
فأرسَلَ (١٣٦/٤م) امرأته تسألُ له عن ذلك، فدَخَلَت على أمّ سلَمَةَ فذَكَرَت ذلك
لها، فأخبَرَتها أمُّ سلَمَةَ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ كانَ(٧) يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، فَرَجَعَت
فأخبَرَت زوجَها بذلك فزادَه ذلك شرًّا، وقالَ: لسنا مثلَ رسولِ الله وَلَهَ يُحِلُّ اللهُ
لرَسولِه ما شاءَ، ثمَّ رجَعَت امرأتُه إلى أمِّ سلَمَةَ، فوجَدَت عندها رسولَ الله ◌َ،
فقالَ رسولُ اللهِ وَالَ: ((ما لِهذِه المَرأةِ؟)) فأخبَرَته أمُّ سلَمَةَ، فقالَ: ((ألا أخبَرتيها
أَنِّي أَفعَلُ ذلك))، فقالَت: قد أخبَرتُها، فذَهَبَت إلى زوجِها (٨) فأخبَرَته فزادَه ذلك
شرًّا، وقالَ: لَسنا مثلَ رسولِ اللهِ وَّةِ؛ اللهُ يُحِلُّ لرَسولِه ما شاءَ، فغَضِبَ
رسولُ اللهِ وَّ، وقالَ: ((والله إنِّي لأتقاكم الله وأعلَمُكم بحُدودِ)).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يقُل رسولُ اللهِوَّوَ للمَرأةِ: هل زوجُك شيخٌ أو
شابٌّ، ولَو ورَدَ الشَّرعُ بالفَرقِ بينَهُما لما سكَتَ عنه عَلَيه السلامُ؛ لأنَّه المُبَيِّنُ
عن الله مُرادَه، انتَهَى.
والقِصَّةُ المَذكورَةُ رواها أحمَدُ في «مُسنَدِه)»(٩)، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن
رُجُلٍ من الأنصارِ: أنَّ الأنصارِيَّ أخبَرَ عطاءً: أنَّه قبَّلَ امرأتَه، وهو صائمٌ على
عهدِ رسولِ الله وٍَّ فَذَكَرَ الحديثَ. فانَّصَلَ بذلك وخَرَجَ عن أن يكونَ مُرسَلًا،
واللهُ أعلمُ.
مصنف ابن أبي شيبة (٩٦/٤).
(١)
مصنف ابن أبي شيبة (٩٨/٤).
(٣)
(٥) التمهيد (١٠٩/٥).
ليس في (ك).
(٧)
(٩) أحمد (٤٣٤/٥).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٩٧).
(٤) في الأصل: ((قلت)).
(٦) الموطإ (٢٩١/١).
(٨) ليس في الأصل.

=
١٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وَرَجَّحَه أيضًا أبو بكرِ ابنُ العربيّ(١). فقالَ: والذي يُعَولُ عَلَيه جوازُ ذلك،
إلّا أن يعلَمَ من نفسِه أنَّه لا يسلَمُ من مُفسِدٍ فلا يلُم الشَّريعَةَ، ولَكِن لَيَلُم نفسَه
الأمّارَةَ بالسّوءِ المُستَرسِلَةَ على المَخاوِفِ.
الثاني: كراهَتُها للصّائمِ مُطلَقًا، وبِه قالَ طائفَةٌ من السَّلَفِ، فَرَوى
ابنُ أبي شيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٢) عن عمرَ، وابنِهِ عبدِ الله، وأصحابِ رسولِ الله وَّل
مُطلَقًّا، وأبي قِلابَةَ: النَّهيَ عنها.
وعن علِيٍّ، وابنِ مسعودٍ: ما تصنَعُ بخُلوفٍ فيها .
وعن ابنِ مسعودٍ أيضًا: أنَّه سُئلَ عن صائم قَبَّلَ، فقالَ: أفطَرَ.
وعن ابنِ عمرَ: أفَلا يُقَبِّلُ جمرَةً؟
وعن شُرَيحِ القاضي: يتَّقي اللهَ ولا يعودُ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ: تُنقِصُ صيامَه، ولا يُفطِرُ لها .
وعن الشَّعبي: تجرَحُ الصَّومَ.
وعن محمدِ بنِ الحَنَفيةِ: إنَّما الصَّومُ من الشَّهوةِ والقُبلَةُ من الشَّهوةِ.
وعن مسروقٍ: الليلُ قريبٌ.
وعن ابنِ عمرَ أيضًا، وإبراهيمَ النَّخَعِيّ وغَيرِهما، كراهَتُها للصّائمِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ (٣): ورَوينا [٣٠٤/١و] عن ابن مسعودٍ أنَّه قالَ: يقضي يومًا
مكانه .
قلتُ: وهو موافِقٌ لما تقَدَّمَ: من المُصَنِّفِ عنه أنَّه قالَ: أفطَرَ. وحَكَى
الخطابي(٤) عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ: أنَّ من قبَّلَ في رمَضانَ قضَى يومًا مكانَه.
وحَكاه الماوردِيُّ(٥) عن محمدِ بنِ الحَنَفيةِ، وعَبدِ الله بنِ شُبُرُمَةَ، قَالَ: وقالَ سائرُ
الفقهاءِ: القُبلَةُ لا تُبطِلُ الصَّومَ، إلّا أن يكونَ معَها إنزالٌ.
(١) عارضة الأحوذي (٢٦٣/٣).
(٣) الإشراف (١٣٦/٣).
(٥) الحاوي (٤٣٨/٣).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٩٨/٤ - ١٠١).
(٤) معالم السنن (١١٣/٢).

=
كم
١٩٩
كتابُ الصّيامِ
ورَوى مالِكٌ في ((الموطٍ))(١)، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ أنَّه قالَ: لم أرَ القُبلَةَ
تدعو إلى خيرٍ. وبِالكَراهَةِ يقولُ مالِكٌ مُطلَقًا في حقِّ الشَّيخِ والشّابِّ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٢): وهو شأنُه في الاحتياطِ.
القَولُ الثالثُ: التَّفرِقَةُ بينَ الشَّيخِ والشّابِّ، فَتُكرَه للشّابِّ دونَ الشَّيخِ، حكاه
ابنُ المُنذِرِ (٣) عن فِرقَةٍ منهم ابنُ عباسٍ. وَرَواه ابنُ أبي شيبةً(٤) عن مكحولٍ.
ورُويَ عن ابنِ عمرَ(٥) مثلُ ذلك في المُباشَرَةِ. وحَكاه الخطابي(٦) عن مالِكِ.
والمَعروفُ عنه ما قدَّمته من الكَرَاهَةِ مُطلَقًا .
القَولُ الرّابِعُ: الفَرقُ بينَ أن يأمَنَ على نفسِه بالقُبلَةِ الجِماعَ والإنزالَ
فتُباحَ(٧)، وبَينَ أن لا يأمَنَ(٨) فتُكرَهَ، وهَذا مذهَبُ الحَنَفيةِ، وهو مثلُ قولِ
أصحابِنا الشافعيَّةِ: إنَّ القُبلَةَ مكروهَةٌ في الصَّوم لمَن حرَّكَت شهوتَه دونَ غَيرِه
فلا تُكرَه(٩) له، لكن الأولى (١٠) تركُها، لكِنَّ ظاهرَ كلام الحَنَفيِ الاقتِصارُ في
ذلك على كراهَةِ التَّنزيه، واختَلَفَ أصحابُنا في هذِهِ الكَرَاهَةِ، فالذي ذَهَبَ إلَيه
جماعاتٌ منهم، وصَحَّحَه الرّافِعِيُّ والنوويُّ (١١): أنَّها كراهَةُ تحريم. وقالَ آخَرونَ
منهم: هي كراهَةُ تنزيهِ. وقَد جعَلَ والِدي ◌َّتُهُ في ((شرح الترمذيِّ)) هذا القَولَ
هو القَولُ بالتَّفْرِقَةِ بينَ الشَّيخِ والشّابِّ، وأنَّ التَّغايُرَ بينَهُما في العِبارَةِ والمَعنَى (١٢)
واحِدٌ، وهو الذي تُفهمُه عبارَةُ النوويِّ في ((شرحِ مسلم) (١٣): ولَه وجهٌ ويَكونُ
التَّعبيرُ بالشَّيخِ والشّابِّ جريٌ على الأغلَبِ من أحوَالِ الشُّيوخِ في انكِسَارِ
شهوتِهم، ومِن أحوالِ الشَّبابِ في (١٤) قوةٍ شهوتِهم، فَلَو انعَكَسَ الأمرُ كشَيخ (١٥)
(١) الموطأ (٢٩٣/١).
(٣)
الإشراف (١٣٦/٣).
(٥)
مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ١٠٢).
(٧)
في (ك): ((فيباح)).
(٩) في (ك): ((يكره)).
(١١) الشرح الكبير (٣٩٧/٦)، والمجموع (٣٩٧/٦).
(١٢) بعدها في (م): ((وهو)).
(١٤) في الأصل: ((من)).
(٢) الاستذكار (٢٩٦/٣).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (١٠٠/٤).
(٦) معالم السنن (١١٣/٢).
(٨) في الأصل: ((يؤمن)).
(١٠) في (ك): ((الأول)).
(١٣) شرح مسلم (٢١٥/٧).
(١٥) في (ك): ((كَشَابٌ)).

=
٢٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قوِيِّ الشَّهوةِ، وشابٍّ(١) ضَعيفِ الشَّهوةِ، انعَكَسَ الحُكمُ وجَعَلتهما مذهَبَينٍ
مُتَغَايِرَينٍ، وهو ظاهرُ كلام ابنِ المُنذِرِ؛ لأنَّ صاحِبَ القَولِ الثالِثِ اعْتَبَرَ المَظِنَّةَ،
ولَم ينظر إلى نفسٍ تحريكِ الشَّهوةِ وعَدَمِها، وصاحِبَ القَولِ الرّابِعِ نظَرَ إلى
وجودِ هذا المَعنَى بعَينِهِ، ولَم ينظُر إلى مِظِنَّتِهِ، ويَدُلُّ لذلك أنَّ النوويَّ قَالَ في
((شرحِ المُهَذَّبٍ))(٢): ولا فرقَ بينَ الشَّيخِ والشّابِّ في ذلك؛ فالاعتبارُ(٣) بتَحريكِ
الشَّهوةِ وخَوفِ الإنزالِ؛ فإن حرَّكَت شهوةً شابٍّ أو شيخ قوِيٍّ كُرِهَت وإن لم
تُحَرِّكها لشَيخِ(٤) أو شابٍّ ضَعيفٍ لم تُكرَه(٥).
القَولُ الخامِسُ: مذهَبُ الحَنابِلَةِ: أنَّه إن كانَ المُقَبِّلُ ذا شهوةٍ مُفرِطَةٍ بحَيثُ
يغلِبُ على ظَنِّه أنَّه إذا قبَّلَ أنزَلَ، لم تحِلَّ له القُبلَةُ، وإن كانَ ذا شهوةٍ لكِنَّه لا
يغلِبُ على ظَنِّه ذلك كُرِهَ له التَّقبيلُ ولا يحرُمُ، (١٣٨/٤م) وإن كانَ ممَّن لا تُحَرِّكُ
القُبلَةُ شهوتَه كالشَّيخِ الهمّ (٦)، ففي الكَراهَةِ روايَتانِ عن أحمَدَ(٧) .
القَولُ السادِسُ: التَّفرِقَةُ بينَ صيامِ الفَرضِ والنَّفَلِ، فيُكرَه في الفَرضِ دونَ
الثَّفلِ، وهو روايَةُ ابنِ وهبٍ، عن مالِكِ، ويَرُدُّه حديثُ عمرٍو بنِ ميمونٍ، عن
عائشَةَ أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهَ كَانَ يُقَبِّلُ في شهرِ الصَّومِ. رواه مسلمٌ(٨) وغَيرُه، وفي روايَةٍ
له: كانَ يُقَبِّلُ في رمَضانَ وهو صائمٌ. فاحتَجَّ من أباحَ مُطلَقًا بهذا الحديثِ،
وقالَ: الأصلُ استِواءُ المُكَلَّفينَ في الأحكام، وأنَّ أفعالَه عليه الصلاةُ والسلامُ
شرعٌ يُقتَدَى به فيها، واحتَجَّ من كرِهَ مُطلَقًّا بَأنَّ غَيْرَه عليه الصلاةُ والسلامُ لا(٩)
يُساويه في حِفظِ نفسِه عن المواقَعَةِ بعدَ ميلِهِ إلَيها، فكانَ ذلك أمرًا خاصًّا به،
ويَدُلُّ لذلك قولُها: ((وأيُّكم كانَ أملَكَ لِإِربِه من رسولِ اللهِ وَ ﴿) . ويَرُدُّه ما في
(١) في (ك): ((وشیخ)).
(٢) المجموع (٣٩٧/٦)
(٣)
بعدها في الأصلّ: ((في ذلك)). والمثبت كما في المجموع.
(٤) في (م): ((کشیخ)).
(٥) في (ك): ((يكره)) .
(٦)
بالكسر: الشيخّ الفاني. وأشار في حاشية (م): أنها في نسخة: ((الهَرِم)).
(٧)
ينظر: المغني (٣٦١/٤، ٣٦٢).
(٨) مسلم (٧٠/١١٠٦)، وأبو داود (٢٣٨٣)، والترمذي (٧٢٧)، وابن ماجه (١٦٨٣).
(٩) في الأصل: (لم)).