Indexed OCR Text

Pages 81-100

=
٨١
بابُ زكاة الفِطرِ
هي على الموصَى له بالرَّقَبَةِ، وقال في رِوايَةِ ابنِ المَوّازِ عنه: هي على الموصَى
له بالمَنفَعَةِ، وقيلَ: إن قصُرَ زمَنُ الخِدمَةِ فهي على الموصى له بالرَّقَبَةِ، وإن طالَ
فهي [١/ ٢٨٠و] على الموصى لهُ بالمنفعة(١).
ومِنها: عبدُ بَيتِ المالِ والمَوقوفُ على مَسجِدٍ، لا فطرَةَ فيهما على الصَّحيحِ
عِندَ أصحابِنا، وكَذا المَوقوفُ على رَجُلٍ بعَينِهِ على الأصَحِّ عِندَ النوويِّ وغَيرِهِ؛
بناءً على أنَّ المِلكَ في رقَتِهِ لله تعالى(٢).
ومِنها: العَبدُ العامِلُ في ماشيةٍ أو حائطِ. قال عبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ ليسَ
عليه زكاةُ الفِطرِةِ(٣) حكاه عنه ابنُ المُنذِرِ (٤) وهو قولٌ شاذٌّ، والجُمهورُ على
الوُجوبِ كَغَيرِهِ، وبه قال الأئمةُ الأَربَعَةُ، ولنَقتَصِر على ما ذَكَرناه مِن مَسائلَ هَذا
الفصل .
التاسِعَةُ: فيه وُجوبُ زكاةِ الفِطرِ على الأنثَى، وظاهرُه: إخراجُها عن
نفسِها مِن غَيرِ فرقٍ بَيْنَ أن يكونَ لها زوجٌ أم لا، وبهذا قال أبو حنيفَةَ وسُفيانٌ
الثوريُّ وابنُ المُنذِرِ وداود وابنُ حزمٍ وابنُ أشرَسَ مِن المالِكيةِ، وذَهَبَ مالِكٌ
والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ والليثُ بنُّ سعدٍ إلى أنَّ المُتَزَوِّجَةَ تجِبُ فطرَتُها على
زوجِها، وفي مَعناها الرَّجعِيَّةُ والبائنُ إن كانَت حامِلًا دونَ ما إذا كانَت حائلًا،
فَلَو نشَزَت وقتَ الوُجوبِ سَقَطَت فطرَتُها عن الزَّوجِ، وقال أبو الخَطَّابِ الحَنبَلِيُّ :
لا تسقُطُ، فَلَو كانَ الزَّوجُ مُعِرًا: فالأصَحُ في مَذْهَبِنا أنَّه إن كانَت الزَّوجَةُ أَمَةً
وجَبَت فطرَتُها على سيِّدِها، وإن كانَت حُرَّةً لم يجِب عليها شيءٌ، وهو الذي نصَّ
عليه الشافعيُّ، وفَرَّقوا بَيْنَهُما بكَمالِ تسليم الحُرَّةِ نفسِها بخِلافِ الأمَةِ، وأوجَبَ
الحنابلةُ على الحُرَّةِ فطرَةَ نفسِها في هَذِهِ الصّورَةِ، وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ الذينَ أوجَبوها
على الزَّوجِ بالقياسِ على النَّفَقَةِ (٥)؛ واستأنَسوا بما روي عن ابنِ عمرَ ﴿ّ قال:
(١) ليست في (م).
(٣) في (م، ك): ((الفطر)).
(٢) ينظر: روضة الطالبين (٢٩٨/٢).
(٤) الإشراف على مذاهب العلماء (٦٦/٣).
(٥) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٧١/٣، ٧٢)، والمغني (٣٠٢/٤)، والمدونة
الكبرى (٣٩٠/١)، والمحلى (١١٨/٦)، والمبسوط السرخسي (١٩٠/٣، ١٩١).

=
٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أمَرَ رسولُ اللهِ وَ لَهبزَكاةِ الفِطرِ على (١) الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعَبدِ مِمَّن تمونونٍ.
رواه الدار قطنيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ (٢)، وقال: إسنادُه غَيرُ قوِيٍّ. ورَواه البَيْهَقِيُّ(٣) أيضًا مِن
(٥٩/٤م) رِوايَةٍ جعفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن النبيِّ وَ لَ مُرسَلًا، وفي رِوايَةٍ: عن
عليٍّ، عن النبيِّي ◌َّهِ وهو (٤) مُرسَلٌ(٥) أيضًا. قال النوويُّ في ((شرحِ المُهَذٍَّ))(٦):
فالحاصِلُ(٧) أنَّ هَذِه اللفظَةَ: ((مِمَّن تمونونَ))، ليسَت بثابِتَةٍ. انتهى. وعَبَّرَ
ابنُ حزم(٨) هُنا بعِبارَةٍ بَشِعَةٍ فقال: وفي هذا المَكانِ عجَبٌ عجيبٌ؛ وهو أنَّ
الشافعيَّ تَُّ لا يقولُ بالمُرسَلِ، ثمَّ أَخَذَها هُنا بِأنتَنِ مُرسَلٍ في العالَمِ مِن رِوايَةِ
ابنِ أبي يحيَى. انتهى. ولَم ینفَرِد به ابنُ أبي يحيَى؛ فقَد رواه غَيرُهُ، وقَد رويَ مِن
حديثِ ابنِ عمرَ أيضًا كَما تقَدَّمَ، ثمَّ إنَّ المُعتَمَدَ القياسُ على النَّفَقَةِ مَعَ ما انضَمَّ
إلى ذلكَ مِن فعلِ ابنِ عمرَ راوي الحَديثِ، ففي ((الصَّحيحَينِ)) عنه: أنَّه كانَ يُعطي
عن الصَّغيرِ والكَبيرِ. قال نافِعٌ: حتى إن كانَ لُيُعطي عن بَنِيَّ (٩).
قال أصحابُنا(١٠): فلَو أخرَجَت المَرأةُ فطرَةَ نفسِها مَعَ يسارِ الزَّوجِ، فإن
كانَ بإذنِهِ أجزأ بلا خِلافٍ، وإن كانَ بغَيرِ إذنِهِ ففيه وجهانٍ، أصَحُّهُما: الإجزاءُ
أيضًا بناءً على أنَّ الوُجوبَ يُلاقي المُؤَدَّى عنه ثمَّ يتَحَمَّلُه المُؤَدِّي وهو الأصَحُّ
عِندَ الحنابلةِ أيضًا .
، العاشِرَةُ: قد عرفت أنَّ في ((الصَّحيحَينِ)) وغَيرِهما زيادَةٌ وهي: عَلى
الصَّغِيرِ والكَبيرِ. وذلكَ يقتَضي إخراجَ زكاةِ الفِطرِ عن الصَّغيرِ الذي لم يبلُغ أيضًا،
وهو كَذلكَ، لكِن هَل هي في مالِه إن كانَ له مالٌ [أو على أبيه؟ قال مالِكٌ
والشافعيُّ وأحمدُ وأبو حنيفَةَ وأبو يوسُفَ والجُمهورُ: هي في مالِه إن كانَ له
(١) في (م، ك): ((عن)).
الدارقطني (١٤١/٢)، والبيهقي (١٦١/٤).
(٢)
(٣)
البيهقي (١٦١/٤).
(٥)
في (م): ((مرسلًا)).
(٧)
في (م): ((الحاصل)).
(٩) في (م): ((بنيه)) .
(٤) ليس في (م).
(٦) المجموع شرح المهذب (١١٤/٦).
(٨) المحلى (١٣٧/٦).
(١٠) روضة الطالبين (٢٩٥/٢).

=
٨٣
بابُ زكاة الفِطرِ
مالٌ](١)، فإن لم يكُن له مالٌ فعَلى مَن عليه نفَقَّتُه مِن أبٍ وغَيرِهِ، وقال محمدُ بنُ
الحسنِ: هي على الأبِ مُطلَقًا، ولَو كانَ للصَّغيرِ مالٌ لم يُخرِجِ مِنْهُ، وقال
ابنُ حزمِ الظّاهرِيُّ(٢): هي في مالِ الصَّغِيرِ إن كانَ له مالٌ، فإن لم يكُن له شيءٌ
سقَطَت عنه ولا تجِبُ على أبيه، وقَد حكَى ابنُ المُنذِرِ(٣) الإجماعَ على خِلافِهِ،
وقال ابنُ العَرَبي(٤): لا خِلافَ بَينَ النّاسِ أنَّ الابنَ الصَّغيرَ إذا كانَ له مالٌ أنَّ
زكاةَ الفِطرِ تخرُجُ عنه مِن مالِه. انتهى.
قال أصحابنا: ولا [١/ ٢٨٠ظ] يختَصُ ذلكَ بالصَّغيرِ، بَل مَتَى وجَبَت نفَقَةُ
الكَبيرِ لزَمانَةٍ(٥) ونَحوِها وجَبَت فطرَتُهُ، فَلَو كانَ الابنُ الكَبيرِ في نفَقَةِ أبيه فوجَدَ
قوتَه ليلَةَ العيدِ ويَومَه لم تجِب فطرَتُه على الأبِ؛ لسُقوطِ نفَقَتِه عنه في وقتٍ
الوُجوبِ، ولا على الابنِ؛ لإعسارِهِ، وكَذا الابنُ الصَّغيرُ، إذا كانَ كَذلكَ في
الأصَحِّ، وحَكَى أصحابُنا عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ والحسنِ البَصرِيِّ: أنَّها لا تجِبُ
إلّا على مَن صَلى وصامَ. وعن عليٍّ بنِ أبي طالِبٍ (٦٠/٤م) رَّهِ: أنَّها لا تجِبُ
إلّا على مَن أطاقَ الصَّومَ والصلاةَ. قال الماوردِيُّ: وبِمَذْهَبِنا قال سائرُ الصَّحابَةِ
والتابِعِينَ وجَميعُ الفقهاءِ (٦). انتهى.
] الحاديةَ عشرَ(٧): استَدَلَّ ابنُ حزم(٨) بالروايةِ التي فيها ذِكرُ الصَّغيرِ
على وُجوبِ زكاةِ الفِطرِ على الجَنينِ في بَطنِ أمِّه، فقال: والجَنينُ يقَعُ عليه اسمُ
صَغِيرٍ، فإذا أكمَلَ مِائَةً وعِشرينَ يومًا في بَطنِ أمِّه قبلَ انصِداعِ الفَجرِ مِن ليلَةِ
الفِطرِ، وجَبَ أن تُؤَدَّى عنه صَدَقَةُ الفِطرِ، ثمَّ استَدَلَّ بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ الثابِتِ
في ((الصَّحيحَينِ)): ((يُجمَعُ خلقُ أحَدِكُم في بَطنِ أمِّه أربعينَ يومًا، ثمَّ يكونُ علقَةً
مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ يكونُ مُضغَةً مِثلَ ذلكَ، ثُمَّ يبعَثُ اللهُ إلَيه مَلَكًا))، وفيه: ((ثمَّ ينفُخُ
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل.
(٢) المحلى (١٣٨/٦، ١٣٩).
(٣) الإشراف على مذاهب العلماء (٦١/٣). (٤) عارضة الأحوذي (١٨٤/٣).
(٥)
في (م): ((بزمانة)).
(٦) الحاوي الكبير (٣٥١/٣)، وينظر: روضة الطالبين (٢٩٣/٢).
(٧) في (م): ((عشر)).
(٨) المحلى (١٣٢/٦).

٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فيه الرّوحَ))(١) ثمّ قال: هو قبلَ ما ذَكَرنا مَواتٌ فلا حُكمَ على مَيِّتٍ، وأمّا إذا كانَ
حيًّا، فكُلُّ حُكم وجَبَ على الصَّغيرِ فهو واجِبٌ عليه، ثمَّ ذَكَرَ مِن رِوايَةٍ
بَكرٍ بنِ عبدِ الله المُزَنِيّ، وقَتَادَةَ، أنَّ عُثمانَ رَّهِ كانَ يُعطي صَدَقَةَ الفِطرِ عن
الكَبيرِ والصَّغيرِ (٢) حتى عن الحَملِ في بَطنِ أمِّه(٣). وعن أبي قِلابَةَ، قال: كانَ
يُعجِبُهُم أن يُعطوا زكاةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى عن الحَملِ في بَطنِ
أمِّه (٤). قال: وأبو قِلابَةَ أدرَكَ الصَّحابَةَ وصَحِبَهُم ورَوى عنهُم. وعن سُلَيمانَ بنِ
يسارٍ: أَنَّ سُئلَ عن الحَمَلِ أَيُزَكَّى عنهُ؟ قال: نعَم(٥). قال: ولا يُعرَفُ لعُثمانَ في
هَذا مُخالِفٌ مِن الصَّحَابَةِ. انتهى.
قال والِدي تَُّهُ في ((شرح الترمذيِّ)): واستِدلالُه بما استَدَلَّ به على وُجوب
زكاةِ الفِطرِ على الجَنينِ فِي بَطنِ أمِّه في غايَةِ العَجَبِ، أمّا قولُه: عَلى الصَّغيرِ
والكَبيرِ، فلا يفهَمُ عاقِلٌ مِنه إلّ المَوجودَينِ في الدُّنيا، أمّا المَعدومُ فلا نعلَمُ أحَدًا
أوجَبَ عليه، وأمّا حديثُ ابنِ مَسعودٍ فلا يطَّلِعُ على ما في الرَّحِم إلّا اللهُ كَما قال:
﴿وَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ﴾ [لقمان: ٣٤] ورُبَّما يُظَنُّ حَمِلُها ولَيسَ بحَمَلٍ. وقَد قال إمامُ
الحَرَمَينِ(٦): لا خِلافَ في أَنَّ الحَملَ لا يُعلَمُ، وإنَّما الخِلافُ في أَنَّه يُعامَلُ مُعامَلَةَ
المَعلومِ بمَعنَى أَنَّه يُؤَخَّرُ له ميراثٌ لاحتِمالِ وُجودِهِ، ولَم يختَلِف العلماءُ في أنَّ
الحَملَ لَا يملِكُ شيئًا في بَطنِ أمِّه ولا يُحكَمُ على المَعدومِ حتى يظهَرَ وُجودُهُ. قال:
وأمّا استِدلالُه بما ذُكِرَ عن عُثمانَ وغَيرِه فلا حُجَّةَ فيه؛ لأَنَّ أثَرَ عُثمانَ مُنقَطِعٌ؛ فإنَّ
بَكرًا وقَتَادَةَ رِوايَتُهُما عن عُثمانَ مُرسَلَةٌ، والعَجَبُ: أنَّه لا يحتَجُّ بالمَوقوفاتِ ولَو كانّت
صَحِيحَةً مُتَّصِلَةً، وأمّا أَثَرُ أبي قِلابَةَ فمَن الذينَ كانَ يُعجِبُهُم ذلكَ؟ وهو لو سمَّى
جمعًا مِن الصَّحابَةِ لما كانَ ذلكَ حُجَّةً، وأمّا سُلَيمانُ بنُ يسارٍ: فلَم يثبت عنه؛
(١) البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣). (٢) في (م، ك): ((الصغير والكبير)).
(٣) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص١٧٠)، ط. المكتب الإسلامي.
(٤) مصنف عبد الرزاق (٣١٩/٣) رقم (٥٧٨٨).
(٥) مصنف عبد الرزاق (٣١٩/٣) رقم (٥٧٩٠).
(٦) ينظر: نهاية المطلب (٤٩٥/١٥).

بابُ زكاة الفِطرِ
٨٥
=
فإنَّه مِن رِوايَةِ رجُلٌ لم يُسَمَّ عنه فلَم يثبت فيه خِلافٌ (٦١/٤م) لأحَدٍ مِن أهلِ العِلمِ.
بَل قولُ أبي قِلابَةَ: كانَ يُعجِبُهُم؛ ظاهرٌ في عدَمِ وُجوبه، ومَن تَبَرَّعَ بصَدَقَةٍ عن حملٍ
رجاءَ حِفِظِهِ وسَلَامَتِهِ فَلَيسَ عليه فيه بأسٌ، وقَدَ نُقِلَ الاتِّفاقُ على عدَمِ الوُجوبِ قبلَ
مُخالَفَةِ ابنِ حزمٍ؛ فقال ابنُ المُنذِرِ (١): ذَكَرَ كلُّ مَن يُحفَظُ عنه العِلمَ (٢) مِن عُلَماءِ
الأمصارِ أنَّه لاَ يجِبُ على الرجلِ إخراجُ زكاةِ الفِطرِ عن الجَنينِ في بَطنِ أمِّه،
ومِمَّن حُفِظَ ذلكَ عنه عطاءُ بنُ أبي رباحٍ ومالِكٌ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، وكانَ
أحمدُ بنُ حنبَلٍ يستَحِبُّ ذلكَ ولا يوجِبُه، ولا يصِحُّ عن عُثمانَ خِلافُ ما قُلناه.
انتهى. وعن [١/ ٢٨١و] أحمدَ بنِ حنبَلٍ رِوايَةٌ أخرَى بوُجوبِ إخراجِها عن الجَنينِ (٣).
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٤) - فيمَن وُلِدَ له مَولودٌ بَعدَ يومِ الفِطرِ -:
لم يختَلِف قولُ مالِكِ: إنَّه لا يلزَمُه(٥) فيه شيءٌ. قال: وهَذا إجماٌ مِنه ومِن سائرٍ
العلماءِ، ثمَّ أشارَ إلى أنَّ ما ذُكِرَ عن مالِكِ وغَيرِهِ مِن الإخراجِ عمَّن وُلِدَ فِي بَقِيَّةِ
يومِ الفِطرِ مَحمولٌ على الاستحبابِ، وكَذا ما حكاه عن الليثِ فيمَن وُلِدَ له مَولودٌ
بَعدَ صَلاةِ الفِطرِ أنَّ على أبيه زكاةَ الفِطرِ عنه. قال: وأحِبُّ ذلكَ للنَّصرانِيِّ يُسلِمُ
بعد (٦) الوقتَ، ولا أراه واجِبًا عليه، قال والِدي: فقَد صَرَّحَ الليثُ فيه بعَدَمِ
الوُجوبِ، ولَو قيلَ بوُجوبه لم يكُن بَعيدًا؛ لأنَّه يمتَدُّ وقتُ إخراجِها إلى آخِرِ يومٍ
الفِطرِ قياسًا على الصلاةِ يُدرِكُ وقتَ أدائها .
ثمَّ قال والِدي تَُّهُ: ومَعَ كُونِ ابنِ حزم قد خالَفَ الإجماعَ في وُجوبها
على الجَنينِ، فَقَد تناقَضَ كَلامُه، فقال: إنَّ الصَّغيرَ لا تجِبُ (٧) على أبيه زكاةٌ
الفِطرِ عنه إلّا أن يكونَ له مالٌ فيُخرِجُ عنه مِن مالِه، فإن لم يكُن له مالٌ لم يجِب
عليه حينئذٍ ولا بَعدَ ذلكَ. فكَيفَ لا يوجِبُ زكاته على أبيه والولَدُ حيٍّ مَوجودٌ
ويوجِبُها وهو مَعدومٌ لم یوجَد؟
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٧٢/٣، ٧٣).
(٢)
ليس في (ك).
(٤) التمهيد (٣٢٧/١٤).
(٦) في (م، ك): ((ذلك)).
(٣) المحرر في الفقه (٢٢٦/١).
(٥) في (م): ((يلزم)).
(٧) في (م، ك): ((يجب)).

كم
٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فإن قُلتَ: يُحمَلُ كَلامُه على ما إذا كانَ للحَملِ مالٌ.
قُلتُ: كَيفَ يُمكِنُ أن يكونَ له مالٌ وهو لا يصِحُّ تمليكُهُ، ولَو ماتَ مَن يرِثُه
الحَمِلُ لم نُمَلِّكه وهو جنينٌ؛ فلا يوصَفُ بالمِلكِ إلّا بَعدَ أن يولَدَ، وكَذلكَ النَّفَقَةُ
الصَّحيحُ: أنَّها تجِبُ للأمِّ الحامِلِ لا للحَملِ، ولَو كانَت للحَملِ لسَقَطَت بِمُضِيٍّ
الزَّمانِ كَنَفَقَّةِ القَريبِ وهي لا تسقُطُ. انتهى كَلامُ والِدِي ◌َذْهُ .
قال أصحابُنا: فَلَو خرَجَ بَعضُ الجَنينِ قبلَ الغُروبِ ليلَةَ الفِطرِ وبَعضُه
بَعدَه لم تجِب فطرَتُهُ؛ لأنَّه في حُكمِ الجَنينِ ما لم يكمُل خُروجُه مُنفَصِلًا(١)،
واللهُ أعلمُ.
■ الثانيةَ عشرَ: هَذِهِ الزّيادَةُ وهي قوله: ((مِن المسلمينَ)). ذَكَرَ غَيرُ واحِدٍ
أنَّ مالِكًا تَفَرَّدَ بها مِن بَينِ الثِّقاتِ، فقال الترمذيُّ في ((العِلَلِ)) التي في آخِرِ
((الجامع)) (٢): ورُبَّ (٦٢/٤م) حديثٍ إنَّما يُستَغرَبُ لزيادَةٍ تكون في الحَديثِ؛ وإنَّما
يصِحُّ إذا كانَت الزّيادَةُ مِمَّن يُعتَمَدُ على حِفِظِهِ، مِثلُ ما روى مالِكٌ عن نافِعِ عن
ابنِ عمرَ، فذَكَرَ هَذا الحَديثَ، قال: وزادَ مالِكٌ في هَذا الحَديثِ: ((مِن
المسلمينَ))، قال: وقَد روى أيّوبُ السِّختيانِيُّ وعُبَيْدُ الله بنُ عمرَ وغَيرُ واحِدٍ مِن
الأئمةِ هَذا الحَديثَ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، ولَم يذكُرُوا فيه: ((مِن المسلمينَ))،
وقَد روى بَعضُهُم عن نافِعِ مِثْلَ رِوايَةِ مالِكٍ مِمَّن لا يُعتَمَدُ على حِفِظِهِ، وتَبِعَه على
ذلكَ ابنُ الصلاحِ في عُلَومِ الحَديثِ(٣). قال والِدِي تَذْفُهُ في ((شرحِ الترمذيِّ)):
ولَم ينفَرِد مالِكٌ بقَولِه: ((مِن المسلمينَ))، بَل قد رواها جماعَةٌ مِمَّن يُعتَمَدُ على
حِفِظِهم واختُلِفَ على بَعضِهم في زيادَتِها وهُم عشرَةٌ أو أكثَرُ، مِنهُم: عمرُ بنُ
نافِعٍ، والضَّحّاكُ بنُ عُثمانَ، وكَثِيرُ بنُ فرقَدٍ، والمُعَلّى بنُ إسماعيلَ(٤)، ويونُسُ بنُ
يزيدَ، وابنُ أبي ليلى، وعَبدُ الله بنُ عمرَ العمرِيُّ، وأخوه عُبَيدُ الله بنُ عمرَ،
(١) ينظر: المجموع شرح المهذب (١٣٩/٦).
(٢) سنن الترمذي (٧٥٩/٥).
(٣) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٢٥٢).
(٤) في الأصل: ((عيسى))، ينظر: الثقات لابن حبان (٤٩٣/٧)، ولسان الميزان
(٧٦٩/٦، رقم ٨٥٥٢).

=
٨٧
بابُ زكاةِ الفِطرِ
وأيّوبُ السَّختيانِيُّ، على اختِلافٍ عنهُما (١) في زيادَتِها، فأمّا رِوايَةُ عمرَ بنِ نافِعِ،
عن أبيه: فأخرَجَها البخاريُّ في ((صَحيحِه))، وأمّا رِوايَةُ الضَّحّاكِ بنِ عُثمانَ
فأخرَجَها مسلمٌ في ((صَحيحِه))(٢)، وأمّا رِوايَةُ كَثيرِ بنِ فرقَدٍ، فَرَواها الدار قطنيُّ في
(سُنَتِه))، والحاكِمُ في ((المُستَدرَك))(٣)، وقال: إنَّه صَحيحٌ على شرطِهما. وأمّا
رِوايَةُ المُعَلّى بنِ إسماعيلَ، فرَواها ابنُ حِبّانَ في ((صَحيحِه)) والدارقطنيّ في
(سُنَّنِه))(٤). وأمّا رِوايَةُ يونُسَ بنِ يزيدَ: فرَواها الطَّحاوِيُّ في ((بَيانِ المُشكِلِ))(٥).
وأمّا رِوايَةُ ابنِ أبي ليلى وعَبدِ الله بنِ عمرَ العمرِيِّ وأخيه عُبَيدِ الله بنِ عمرَ التي
أتَى فيها بزيادَةِ قوله: ((مِن المسلمينَ))، فرَواها الدارقطنيُّ في ((سُنَنِهِ))، وأمّا رِوايَةٌ
أيّوبَ السِّختيانِيُّ، فذَكَرها الدارقطنيُّ في ((سُنَّتِه)) وأنَّها رويَت عن ابنِ شوذَبَ عن
أيّوبَ عن نافِعِ(٦). انتَهَى كَلامُ والِدِي ◌َُّهُ.
وهَذِهِ الزّيادَةُ تدُلُّ على اشتِراطِ الإسلامِ في وُجوبِ زكاةِ الفِطرِ، ومُقتَضاه:
أنَّه لا يجِبُ على الكافِرِ إخراجُ زكاةِ الفِطرِ لا عن نفسِه ولا عن غَيرِهِ،
[٢٨١/١ظ] فأمّا كَونُه لا يُخرِجُها عن نفسِه فمتفقٌ عليه، وأمّا كَونُه لا يُخرِجُها عن
غَيْرِهِ مِن عبدٍ ومُستَولَدَةٍ وقَريبٍ مسكينٍ (٧)، فأمرٌ مُختَلَفٌ فيه، وفي ذلكَ لأصحابِنا
وجهانِ مَبنِّانِ على أنَّها وجَبَت على المُؤَدِّي ابتداءً أم على المُؤَدَّى عنه ثمَّ يَتَحَمَّلُ
المُؤَدِّي؟ والأصَحُّ الوُجوبُ بناءً على الأصَحِّ وهو وُجوبُها على المُؤَدَّى عنه ثمَّ
يَتَحَمَّلُها (٨) المُؤَدِّي، وهو المَحكِيُّ عن أحمدَ (٩) واختارَه القاضي مِن الحنابلةِ،
وقال ابنُ عقيلٍ مِنهُم: يحتَمِلُ أن لا تجِبَ(١٠)، وهو قولُ أكثَرِهم (١١). وبه قال
الحَنَفيةُ، ونَقَلَ ابنُ المُنذِرِ (١٢) الاتِّفاقَ (٦٣/٤م) على ذلكَ؛ فقال: وكُلُّ مَن يُحفَظُ
(١) في الأصل: ((عندهما)).
تقدمَ تخريجها في الفائدة الأولى.
(٣)
ابن حبان (٣٣٠٤)، والدارقطني (١٤٠/٢).
(٤)
الطحاوي في شرح المشكل (٣٤٢٧).
(٥)
(٧) في (م، ك): ((مسلمين)).
(٩) بعدها في (م، ك): ((بن حنبل)).
(١١) ينظر: المغني (٤ /٢٨٤، ٢٨٥).
(٢) تقدمَ تخريجهما في الفائدة الأولى.
(٦) الدارقطني (١٣٩/٢، ١٤٠).
(٨) في (ك): ((تحملها)).
(١٠) في (م، ك): ((يجب)).
(١٢) الإشراف على مذاهب العلماء (٦٩/٣).

٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عنه مِن أهلِ العِلم يقولونَ: لا صَدَقَةَ على الذِّمِّيّ في عبدِه(١). واغتَرَّ به صاحِبُ
((الهدايَةِ))(٢) مِن الْحَنَفيةِ في نقلِ هَذا الاتّفاقِ، فقال لمّا ذَكَرَ هَذِهِ المَسألَةَ: فلا
وُجوبَ بالاتِّفاقِ. انتَهَى. وفيه نظَرٌ؛ فقَد عرَفت أنَّ الخِلافَ في ذلكَ مَوجودٌ
مشهورٌ(٣) .
أمّا عكسُه، وهو إخراجُ المسلم عن قريبه وعَبدِه الكافِرَينِ، فلا يجِبُ عِندَ
الشافعيِّ ومالِكِ وأحمدَ، وقال أبو حنيفَةً بالوُجوبِ، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ (٤) عن
عطاءٍ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ ومُجاهدٍ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ والنخعيِّ والثوريِّ وإسحاقَ
وأصحابِ الرأيٍ، وحُكِيَ قبلَ ذلكَ الأولُ عن عليٍّ وجابِرِ بنِ عبدِ الله وسَعيدِ بنِ
المُسَيِّبِ والحسنِ البَصرِيِّ وغَيرِهم، قال: وهو أصَحُّ لقَولِه: ((مِن المسلمينَ))،
واعتَرَضَ ابنُ حزم(٥) على الاستِدلالِ لَهَذا بقَولِه: مِن المسلمينَ، بأنَّه ليسَ فيه
إسقاطُها عن المسلم في الكُفّارِ مِن رقيقِه ولا إيجابُها، قال: فَلَو لم يكُن إلّا هَذا
الخَبَرُ لما وجَبَت علينا زكاةُ الفِطرِ إلّا على المسلمينَ مِن رقيقِنا فقَط، ولَكِن
وجَدنا حديثَ أبي هريرةَ مَرفوعًا: ((لَيسَ على المسلم في فَرَسِهِ وعَبدِهِ صَدَقَةٌ، إلّا
صَدَقَةَ الفِطرِ في الرَّقيقِ)) قال: فأوجَبَ عَلَّا صَدَقَةَ الفِطرِ عن الرَّقيقِ عُمومًا فهي
واجِبَةٌ على السَّيِّدِ عن رقيقِه لا على الرَّقيقِ.
قُلتُ: يُخَصُّ عُمومُ حديث أبي هريرةَ بقَولِه في حديثٍ غَيرِهِ ((مِن المسلمينَ))،
وقَد تبَيَّنَ بذِكرِ الصَّغيرِ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ أرادَ المُؤَدَّى عنه لا المُؤَدِّيَ.
الثالِثَةَ عشرَ: في قولِه: وأمَرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُروجِ النّاسِ إلى
الصلاةِ. أنَّ الأفضَلَ إخراجُها قبلَ الخُروجِ (٦)، وقَد صَرَّحَ بذلكَ الفقهاءُ مِن
المذاهبِ الأربَعَةِ، وزادَ الحنابلةُ على ذلكَ؛ فَجَعَلوا تأخيرَها عن الصلاةِ مَكروهًا،
وذلكَ أعلى دَرَجاتِ الاستِحبابِ. هَذا هو المَشهورُ عِندَهُم، وقال القاضي مِنْهُم:
(١) بعدها في (م، ك): ((المسلم)).
(٢) الهداية شرح البداية (١١٦/١).
(٣) ينظر: المجموع شرح المهذب (١٠٦/٦، ١١٤، ١٢٢، ١٢٣)
(٤) الإشراف على مذاهب العلماء (٦٥/٣، ٦٦).
(٥) المحلى (١٣٣/٦).
(٦) بعد ذلك في (م، ك): ((إلى الصلاة)).

=
٨٩
بابُ زكاة الفِطرِ
ليسَ ذلكَ بمكروهٍ. وزادَ ابنُ حزم الظّاهرِيُّ (١) على ذلكَ، فقال بالوُجوبِ وأنَّه لا
يجوزُ تأخيرُها عن الصلاةِ وعِبارَتُه: ووقتُ زكاةِ الفِطرِ إثرَ طُلوعِ الفَجرِ الثاني
مُمتَدًا (٢) إلى أن تبيَضَّ الشمسُ وتَحِلَّ الصلاةُ مِن ذلكَ اليَومِ. ثمَّ استَدَلَّ بِهَذا
الحَديثِ ولا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ صيغَةَ: ((أمَرَ)) مُحتَمِلَةٌ للاستِحبابِ كاحتِمالِها للإيجابِ،
ولَيسَت ظاهرَةً في أحَدِهما، بخِلافِ صيغَةِ ((افعَل)) فإنَّها ظاهرَةٌ في الوُجوبِ، فَلَمّا
ورَدَ هَذا الحَديثُ بصيغَةِ الأمرِ اقتَصَرنا على الاستِحبابِ؛ لأنَّه الأمرُ المُتيقّنُ،
والزّيادَةُ على ذلكَ مَشكوكٌ فيها. ثمَّ قال جُمهورُ الفقهاءِ: لا يجوزُ تأخيرُ إخراجِها
عن يومِ الفِطرِ، وبه قال الشافعيةُ والحَنَفيةُ والمالِكيةُ، وهو المَشهورُ عِندَ الحنابلةِ،
وحَكَى ابنُ المُنذِرِ (٣) عن ابنِ سيرينَ والنخعيِّ أنَّهُما كانا يُرَخِّصانِ في تأخيرِها عن
يومِ الفِطرِ، قال: وقال أحمدُ: أرجو أن لا يكونَ بذلكَ بأسٌ، وذَكَرَ ابنُ قُدامَةَ أنَّ
محمدَ بنَ يحيَى الكَحّالَ قال: قُلت لأبي عبدِ الله: فإن أخرَجَ الزكاةَ ولَم يُعطِها؟
قال: نَعَم، إذا أعَدَّها لقَومِ. قال ابنُ قُدامَةَ: واتِّباعُ السنةِ أولى (٤). انتهى.
ومِمّا استُدِلَّ به على أنَّه لا يجوزُ تأخيرُ إخراجِها عن يوم العيد: ما رويَ
عن النبيِّ مَّ أَنَّه قال: ((أغنوهُم عن الطَّلَبِ في هَذا اليَومِ))، وقَد رواه البَيهَقِيُّ (٥
في ((سُنَِّهِ))؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ بإسنادٍ ضَعيفٍ، وأشارَ إلى تضعيفِه.
الرّابِعَةَ عشرَ: في قولِه في رِوايَةٍ للبُخارِيِّ: وكانوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ
بيومٍ أو يومَينِ؛ حُجَّةٌ لجَوازٍ تقديم إخراجِها قبلَ ليلَةِ الفِطرِ، وقَد مَنَعَ ابنُ حزمٍ
الظاهرِيُّ(٦) ذلكَ فقال: لا يجوزُ تقديمُها قبلَ وقتِها أصلًا، وهَذا الحَديثُ يرُذُّ
عليه، وكَذلكَ حديثُ أبي هريرةَ [١/ ٢٨٢و] لمّا أمَرَه رسولُ اللهِ بَّهِ بِالمَبيتِ على
صَدَقَّةِ الفِطرِ فأتأه الشيطانُ ليلَةً وثانيةً وثالِثَةً. وهو في ((الصَّحيح))(٧)، وأجابَ عنه
ابنُ حزم بأنَّ تِلكَ الليالِيَ ليسَت مِن رمَضانَ، وهو مَردودٌ؛ فإنَّه لا يجوزُ تأخيرُها
(١) المحلى (١٤٢/٦، ١٤٣).
(٢) في (م): ((ممتد).
(٣) الإشراف على مذاهب العلماء (٧٣/٣، ٧٤، ٧٩).
(٤) ينظر: المغني (٤ /٢٩٧، ٢٩٨).
(٥) البيهقي (١٧٥/٤).
(٦) المحلى (١٤٣/٦).
(٧) البخاري (٣٢٧٥، ٥٠١٠).

=
٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن أولٍ شوّالٍ إلّا عِندَ مَن شذَّ كَما تقَدَّمَ، وأجابَ ابنُ حزم عن ذلكَ بأنَّ تأخيرَها
في شوّالٍ لكُونِ أهلِها لم يوجَدوا، وهَذا باطِلٌ؛ فإنَّ أهلَ الزكاةِ في ذلكَ العَصرِ
بتِلكَ البِلادِ كَثيرونَ؛ فقَد كانَ الغالِبُ عليهم ضيقُ العَيشِ والاحتياجِ. وهَذا الكَلامُ
الذي ذَكَرَه ابنُ حزم هُنا ضَعيفٌ جِدًّا. والمَشهورُ مِن مَذاهبِ العلماءِ(١) جوازٌ
تقديمِها قبلَ الفجر(٢)، لكِن اختلفوا في مِقدارِ التَّقديمِ، فاقتَصَرَ أكثَرُ الحنابلةِ على
المَذكورِ في حديثِ ابنِ عمرَ، وقالوا: لا يجوزُ تقديمُها بأكثَرَ مِن يومَينٍ، وعِندَ
المالِكيةِ في تقديمِها بيوم إلى ثَلاثَةٍ قولانٍ، وقال بَعضُ الحنابلةِ: يجوزُ تعجيلُها
مِن بَعدِ نِصفِ الشهرِ؛ كما يجوزُ تعجيلُ [أذانِ الفَجرِ](٣) والدَّفعُ مِن مُزدَلِفَةٍ بَعدَ
نصفِ الليلِ. وقال الشافعيةُ: يجوزُ مِن أولِ شهرِ رمضانَ، واشتُهرَ عند (٤) الحَنَفيةِ
جوازُ تعجيلِها مِن أولِ الحَولِ، وعِندَهُم في ذلكَ خِلافٌ، فَحَكَى الطَّحاوِيُّ عن
أصحابهم جوازَ تعجيلِها مِن غَيرِ تفصيلٍ، وذَكَرَ أبو الحسنِ الكَرخِيُّ جوازَها يومًا
أو يومَينِ .
ورَوى الحسنُ بنُ زيادٍ، عن أبي حنيفَةَ أنَّه قال: يجوزُ تعجيلُها سنَةً (٦٥/٤م)
وسَنَتَيْنٍ، ورَوى هشامٌ، عن الحسنِ بنِ زيادٍ، أنَّه لا يجوزُ تعجيلُها. وعِندَ الشافعيةِ
و جهانِ آخَرانِ :
أحَدُهُما: أنَّه يجوزُ إخراجُها بَعدَ طُلوع الفَجرِ الأولِ مِن رمَضانَ وبَعدَه إلى
آخِرِ الشهرِ، ولا يجوزُ في الليلَةِ الأولى؛ لأنَّه لم يشرَع بَعدُ في الصَّومِ.
والثاني: أنَّه يجوزُ في جميعِ السَّنَةِ، حكاهُما النوويُّ في ((شرح المُهَذَّبِ))
وتَمَسَّكَ أكثَرُهُم في جوازِ إخراجِها في جميعِ الشهرِ بأنَّها حقٌّ مالِيٌّ وجَبَ بِسَبَبَينٍ؛
وهُما رمَضانُ والفِطرُ مِنه؛ فَيَجوزُ تقديمُها على أحَدِهما وهو الفِطرُ، ولا يجوزُ
عليهما مَعًا، كما في زكاةِ المالِ يجوزُ تقديمُها بَعدَ مِلكِ النِّصابِ وَقَبلَ الحَولِ،
(١) ينظر: المغني (٣٠٠/٤)، والمجموع شرح المهذب (١٢٦/٦، ١٢٧)، وروضة الطالبين
(٢٩٢/٢)، والهداية شرح البداية (١١٧/١)، وبدائع الصنائع (٧٤/٢).
(٢) في (م، ك): ((الفطر)).
(٤) في (م، ك): ((عن)).
(٣) ما بين المعكوفين مكرر في الأصل.

=
٩١
بابُ زكاةِ الفِطرِ
وإذا ثَبَتَ كَما(١) ذَكَرَه ابنُ عمرَ جوازُ تعجيلِها لم يبق(٢) لذلكَ ضابِطٌ شرعِيٍّ إلّا ما
ذَگرناهُ.
فإن قُلتَ: لا حُجَّةَ فيما ذَكَرَه ابنُ عمرَ؛ لأنَّه مَوقوفٌ.
قُلتُ: بَل هو مَرفوعٌ حُكمًا، كما (٣) تقَرَّرَ في عِلمَي الحَديثِ والأصولِ: أنَّ
قولَ الصَّحابي: ((كنّا نفعَلُ كَذا وكَذا)) حُكمُه الرَّفعُ(٤) وإن لم يُقَيَّد ذلكَ بعَصرِ
النبيِّ بََّ على المُرَجَّحِ المُختَارِ، واللهُ أعلمُ.
الخامِسَةَ عشرَةً: لم يُقَيَّد في الحَديثِ افتِراضُ زكاةِ الفِطرِ بالیَسارِ،
لكِن لا بُدَّ مِن القُدَرَةِ على ذلكَ لما عُلِمَ مِن القَواعِدِ العامَّةِ. وَقَد قال
ابنُ المُنذِرِ(٥): أجمعوا على أن لا شيءَ على مَن لا شيءَ له. انتَهَى.
واختَلَفَ العلماءُ في ضابِطِ ذلكَ: فَذَكَرَ الشافعيةُ والحنابلةُ أنَّ ضابِطَ ذلكَ
أن يملِكَ فاضِلًا عن قوته وقوتِ مَن تلزَمُه نفَقَتُه ليلَةَ العيدِ ويَومَه ما يُؤَدَّى في زكاةِ
الفِطرِ، وحَكاه العَبدَرِيُّ عن أبي هريرةَ وعَطاءٍ والشعبيِّ وابنِ سيرينَ وأبي العاليةِ
والزهريِّ ومالِكِ وابنِ المُبارَكِ وأحمدَ وأبي ثَورٍ. انتَهَى.
وغايَرَ ابنُ المُنذِرِ في ذلكَ بَينَ مَذهَبِ مالِكِ والشافعيِّ، فقال: كانَ أبو
هريرةَ يراه على الغَنِيِّ والفَقيرِ، وبه قال أبو العاليةِ والشعبيُّ وعَطاءٌ وابنُ سيرينَ
ومالِكٌ وأبو ثورٍ. وقال ابنُ المُبارَكِ والشافعيُّ وأحمدُ: إذا فضَلَ عن قوتِ المَرِهِ
وقوتِ مَن يجِبُ عليه أن يقوتَه مِقدارُ زكاةِ الفِطرِ فعليه أن يُؤَدِّيَ(٦). انتَهَى.
وما حكاه ابنُ المُنذِرِ أقرَبُ إلى مَذهَبِ مالِكِ؛ فإنَّ ابنَ شاسٍ قال في
((الجَواهرِ)): لا زكاةَ على مُعسِرٍ، وهو الذي لا يفضُلُ له عن قوتِ يومِه صاعٌ ولا
وجَدَ مَن يُسَلِفُه إيّاه [٢٨٢/١ظ] انتَهَى. فَقَولُه: ولا وجَدَ مَن يُسَلِفُه إيّاه. لا يوافِقُ
(١) في (م): ((كما)).
(٢) في (م): ((يبقى)).
(٤) في (م): ((الرفيع)).
(٣)
في (م، ك): ((لما)).
الإشراف على مذاهب العلماء (٧٤/٣).
(٥)
(٦) الإشراف على مذاهب العلماء (٧٤/٣، ٧٥)، وينظر: المجموع شرح المهذب
(١١٣/٦، ١٢١)، وروضة الطالبين (٢٩٩/٢)، والمحرر في الفقه (٢٢٦/١).

٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عليه الشافعيُّ وأحمدُ، ثمَّ قال ابنُ شاسٍ: وقيلَ: هو الذي يُجحِفُ به في مَعاشِه
إخراجُها. وقيلَ: مَن يحِلُّ له أخذها. ثمَّ قيلَ فيمَن يحِلُّ له (٦٦/٤م) أخذُها: إنَّه الذي
يحِلُّ له أخذُ الزكاةِ. وقيلَ: الفَقيرُ الذي لم يأخُذ مِنها في يومِهِ ذلكَ(١). انتَهَى.
وقال أبو حنيفةً(٢): لا تجِبُ إلّا على مَن مَلَكَ نِصابًا مِن الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ
أو ما قيمَتُه قيمَةُ نِصابٍ، فاضِلًا عن مَسكَنِه وأثائِهِ الذي لا بُدَّ مِنهُ. قال العَبدَرِيُّ:
ولا يُحفَظُ هَذا عن أحَدٍ غَيرِ أبي حنيفَةً، وحَكَى ابنُ حزمٍ (٣) عن سُفيانَ الثوريِّ أَنَّه
قال: مَن كانَ له خمسونَ دِرهَمًا فهو غَنِيٌّ وإلّا فهو فَقيرٌ. قال: وقال غَيرُه:
أربَعونَ دِرهَمًا. انتَهَى.
وفي (مُسنَدِ أحمدَ))(٤)؛ عن أبي هريرةَ في زكاةِ الفِطرِ: على كلِّ حُرِّ وعَبدٍ
ذَكَرٍ وأنثَى صَغيرٍ أو كَبيرٍ فقيرٍ أو غَنِيٍّ: صاعٌ مِن تمرٍ أو نِصفُ صاعٍ مِن قمحٍ،
قال مَعمَرٌ: وبَلَغَني أنَّ الزهريَّ كانَ يرويه إلى النبيِّ بَله. ورَوى الدار قطنيُّ(٥) عن
عبدِ الله بنِ ثَعلَبَةَ بنِ أبي صُعَيرٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((أدّوا صاعًا مِن
قمح أو قال: بُرِّ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ والذَّكَرِ والأنثَى والحُرِّ والمَملوكِ والغَنِيِّ
والفَّقيرِ، أمّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيه اللهُ، وأمّا فقيرُكُمْ فَيُرَدُّ عليه أكثَرُ مِمّا أعطِيّ).
ومالَ ابنُ العَرَبيِ المالِكِيُّ (٦) إلى مَقالةِ أبي حنيفةً في ذلكَ فقال: والمَسألَةُ
له قوِيَّةٌ؛ فإنَّ الفَقيرَ لا زكاةَ عليه ولا أمَرَ النبيُّ نَّهَ بأخذِها مِنه، وإنَّما أمَرَ
بإعطائها له، وحَديثُ ثَعلَبَةَ لا يُعارِضُ الأحاديثَ الصِّحاحَ ولا الأصولَ القَوِيَّةَ،
وقَد قال: ((لا صَدَقَةَ إلّا عن ظَهرِ غِنَّى وابدأ بمَن تعولُ)). وإذا لم يكُن هَذا غَنِيًّا
فلا تلزَمُه الصدقةُ. انتَهَى. وهو ضَعيفٌ، ولَيسَ التَّمَسُّكُ في ذلكَ بحَديثِ ثَعَلَبَةَ،
(١) ينظر: الذخيرة للقرافي (١٥٩/٣).
(٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (١١٣/٦).
(٣) المحلى (١٤١/٦).
(٤) أحمد في مسنده (٢/ ٢٧٧).
الدار قطني (١٤٨/٢).
(٥)
(٦) عارضة الأحوذي (١٨٣/٣)، والحديث عند أحمد (٣٢٩/٣) من حديث جابر
عنه ،
وفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي هريرة.

=
٩٣
بابُ زكاة الفِطرِ
وإنَّما التَّمَسُّكُ بالعُموم الذي في قولِهِ: فَرَضَ رسولُ اللهِوَ يَ زكاةَ الفِطرِ مِن رمَضانَ
على النّاسِ. وقَد ذَكَرَ ذلكَ هو في أولٍ كَلامِه؛ إلّا أنّا(١) اعتَبَرنا القُدرَةَ على
الصّاعِ لما عُلِمَ مِن القَواعِدِ العامَّةِ، فأخرَجنا عن ذلكَ العاجِزَ عنه، واللهُ أعلمُ.
السادِسَةَ عشرَ: لم يتَعَرَّض في هَذا الحَديثِ للتَّصريحِ بِمَصرِفِ زكاةٍ
الفِطرِ، لكِن استُدِلَّ بتَسميتِها زكاةً على أنَّ مَصرِفَها مَصرِفُ الزَّكَواتِ، وبهذا قال
مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ والجُمهورُ. وقال بَعضُ المالِكيةِ: إنَّما يجوزُ دَفعُها إلى
الفَقيرِ الذي لم يأخُذ مِنها. وعن أبي حنيفةَ أنَّه يجوزُ دَفعُها إلى ذِمِّيٍّ، وعن
عمرو بنِ مَيمونٍ وعَمرِو بنِ شُرَحبيلَ ومُرَّةَ الهَمدانِيُّ: أنَّهُم كانوا يُعطونَ مِنها
الرُّهبانَ(٢) .
واختَلَفَ(٣) الأولونَ في أَنَّه هَل يجِبُ استيعابُ الأصنافِ الثَّمانيةِ عِندَ
الإمكانِ، وأن يُعطِيَ مِن كلِّ صِنفٍ ثَلاثَةً كَما في زكاةِ الأموالِ أم لا؟
فقال بالأولِ: الشافعيُّ وداوُد وابنُ حزمٍ. (٦٧/٤م) قال أصحابنا: فإنَّ شقَّت
القِسمَةُ جمَعَ جماعَةٌ فطرَتَهُم ثمَّ قسَّموها. وذَهَبَ مالِكٌ وأحمدُ وأبو حنيفَةً إلى أنَّه
يجوزُ أن يُعطِيَ فطرَتَه لواحِدٍ، بَل يجوزُ إعطاءُ فطرَةِ جماعَةٍ لواحِدٍ، وقال
ابنُ المُنذِرِ: أرجو أن تُجزِئَ(٤)، وكَذلك(٥) اختارَ الشيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ مِن
أصحابِنا جوازَ الصَّرفِ إلى واحِدٍ. قال (٦) الإصطَخرِيُّ: يجوزُ صَرفُها إلى ثَلاثَةٍ
مِن المَساكينِ أو الفُقَراءِ. قال أكثَرُ أصحابِنا: وكَذلكَ يجوزُ عِندَه الصَّرفُ إلى
ثَلاثَةٍ مِن أَيِّ صِنْفٍ كانَ، وصَرَّحَ المَحامِلِيُّ والمُتَولِّي بأنَّه لا يجوزُ عِندَه الصَّرفُ
إلى غَيرِ المَساكينِ والفُقَراءِ(٧).
(١) في الأصل: ((إنا لنا)).
(٢) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٧٥/٣، ٧٦)، والمغني (٣١٤/٤، ٣١٥)،
والمجموع شرح المهذب (١٤٢/٦، ٢٣٨).
(٣)
في (م): (اختلف)).
(٤) في (م): ((يجزئ)) .
(٦) في (م، ك): ((وقال)).
(٧) المجموع شرح المهذب (١٤٤/٦)، وروضة الطالبين (٣٣٢/٢، ٣٣٣)، والإشراف على
مذاهب العلماء (٨٠/٣)، والمغني (٣١٦/٤)، والمحلى (١٤٣/٦ - ١٤٨).
(٥)
في (م): ((كذا)، وفى (ك): ((وكذا)).

٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
السابِعَةَ عشرَ: ظاهرُهُ أنَّه لا فرقَ في وُجوبٍ زكاةِ الفِطرِ بَينَ أهلِ
الحاضِرَةِ والباديةِ، وهو مَذهَبُ الأئمةِ الأربَعَةِ والجُمهورِ، وذَهَبَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ
والزهريُّ ورَبِيعَةُ إلى عدَمِ وُجوبها على أهلِ الباديةِ(١).
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٧٦/٣)، والمغني (٢٨٩/٤، ٢٩٠)، والمجموع شرح
المهذب (١٤٢/٦).

بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ
5
٩٥
=
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ
الحَديثُ الأولُ [٢٨٣/١ و]
عن هَمّام، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ تعالى
قال لي: أنفِقَّ أُنْفِقِ عليك)).
الحَديثُ الثاني
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إنَّ يمينَ الله مَلأى لا تغيضُها(١)
نفَقَةٌ، سحّاءُ الليلَ والنَّهارَ، أرأيتُم ما أنفَقَ مُنذُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ؟
فإنَّه لم يغِض(٢) ما في يمينِه))، قال: ((وكانَ عرشُه على الماءِ، وبيدِهِ
الأخرَى القَبضُ، يرفَعُ ويَخِفِضُ)).
فيه فوائدُ: (٦٨/٤م)
■ الأولى: جمَعَ مسلمٌ بَيْنَ هَذَينِ الحَديثَينِ، فأخرَجَهُما في الزكاةِ مِن
((صَحيحِه)(٣) عن محمدِ بنِ رافِعٍ. وأخرَجَ البخاريُّ(٤) الثانِيَ مِنْهُما عن عليٍّ بنِ
المَدِينِيِّ؛ كِلاهُما عن عبدِ الرَّزَاقِ. وفي رِوايَةِ البخاريِّ: الفَيضُ أو القَبضُ.
وأخرَجَهُما البخاريُّ(٥) مِن طريقِ شُعَيبٍ بنِ أبي(٦) حمزَةَ، ومسلمٌ(٧) مِن طريقٍ
(١) في (ك): ((يغيظها)).
(٣) مسلم (٣٧/٩٩٣).
البخاري (٤٦٨٤).
(٥)
(٧) مسلم (٣٦/٩٩٣).
(٢) في الأصل: ((يغظ).
(٤) البخاري (٧٤١٩).
(٦) ليس بالأصل.

٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ، كِلاهُما عن أبي(١) الزّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، ولَفظُ
البخاريِّ: (يَدُ الله))، وقال: ((بيدِه الميزانُ)) بَدَلَ «القَبضِ))، ولَفظُ مسلم: ((قال اللهُ:
يا ابنَ آدَمَ أنفِق أنفق عليك».
الثانيةُ: قولُه: ((أنفِقِ)) بفتح الهَمزَةِ أمرٌ بالإنفاقِ، وقَولُه: (أُنفِق)) بضَمِّ
أولِه، فعلٌ مُضارِعٌ وَعَدَ بالخَلَفِ، وهو بمَعنَى قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنَفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفٌُ﴾ [سبأ: ٣٩] فيَتَضَمَّنُ الحَثَّ على الإنفاقِ في وُجوه الخَيرِ والتَّبشيرَ بِالخَلَفِ
مِن فضلِ الله تعالى، وفي هَذِه الروايةِ: ((أنَّ اللهَ قال لي))، وفي الروايةِ الأخرَى:
(يا ابنَ آدَمَ))، ولا شكَّ في عُمومِ هَذا الأمرِ، وتَخصيصُ النبيِّ وَ بِالذِّكرِ في الروايةِ
الأخرَى؛ لكَونِه رأسَ النّاسِ فيوجَّه الخِطابُ إلَيه ليُبَلِّغُه(٢) كما في قوله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا النَُِّّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١]، وفي إطلاقِ النَّفَقَّةِ وعَدَمِ تقييدِها
ما يقتضي أنَّ الحَثَّ على الإنفاقِ لا يختَصُّ بنَوعِ مَخصوصٍ مِن أنواعِ الخَيرِ(٣).
الثالِثَةُ: قال القاضي عياضٌ: قال الإمامُ المازَرِيُّ(٤): هَذا مِمّا (٥)
يُتأولُ؛ لأنَّ اليَمينَ إذا كانَت بمَعنَى المُناسَبَةِ للشِّمالِ لا يوصَفُ بها
البارِئُ رَنِ؛ لأنَّها تَتَضَمَّنُ إثباتَ الشِّمالِ، وهَذا يَتَضَمَّنُ التَّحديدَ، ويَتَقَدَّسُ اللهُ
سُبحانَه عن التَّجسيم والحَدِّ، وإنَّما خاطَبَهُم رسولُ اللهِ وَلَه بما يفهَمُونَه، وأرادَ
الإخبارَ بأنَّ اللهَ تعالى لا ينقُصُه الإنفاقُ ولا يُمسِكُ خشيَةَ الإملاقِ جلَّ اللهُ
تبارَكَ وتَعالى عن ذلكَ. وعَبَّرَ بَله عن توالي النِّعَمِ بسحّ الْيَمِينِ؛ لأنَّ البازِلَ
مِنّا يفعَلُ ذلكَ بيمينِهِ، وقَد قال ◌َلهَ: ((وكِلتا يدَيه يمينٌ)) (٦)، فأشارَ عليه الصلاةُ
والسلامُ إلى أنَّهُما ليسَتا بجارٍ حَتَينِ(٧)؛ إذ اليَدانِ الجارِ حتانِ(٨) يمينٌ وشِمالٌ.
(١) ليس في (م).
(٢) في (م): ((فيبلغه)).
(٣)
شرح النووي على مسلم (٧٩/٧).
(٤) إكمال المعلم (٥٠٩/٣، ٥١٠)، وينظر: المعلم بفوائد مسلم (٢٧٦/١، ٢٧٧). ثم إنه
لا يخفى أن مذهب السلف إثبات ((اليمين)) لله رب على الوجه اللائق به، من غير تمثيل،
ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف وقد تكرر بيان هذا في غير ما موضعٍ.
(٥) في (ك): ((فيما)).
(٧) في (م، ك): ((بخارجتين)).
(٦) مسلم (١٨/١٨٢٧)، والنسائي (٥٣٩٤).
(٨) في (م، ك): ((الخارجتان)).

=
٩٧
بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُّفِ
قال: ويُحتَمَلُ أن يُريدَ بذلكَ أنَّ قُدرَةَ الله سُبحانَه وتَعالى على الأشياءِ على
وجهٍ واحِدٍ لا يختَلِفُ ضَعفًا وقوةً، وأنَّ المَقصوراتِ تَقَعُ بها على جِهَةٍ واحِدَةٍ
لا تختَلِفُ قوةً وضعفًا، كَما يختَلِفُ فعلُنا باليمينِ والشّمالِ، تعالى اللهُ عن
صِفاتِ المَخلوقينَ ومُشابَهَةِ المُحدَثينَ. انتهى.
وقال صاحِبُ ((النِّهايَةِ))(١): اليمين هُنا كِنايَةٌ عن مَحَلِّ عطائه، ووصَفَها
بالامتلاءِ؛ لِكَثْرَةِ مَنافِعِها فجَعَلَها كالعَينِ الثَّرَّةِ التي لا يغيضُها الاستِقَاءُ ولا يُنقِصُها
الامتياحُ، وخَصَّ اليَمِينَ؛ لأنَّها في الأكثَرِ مَظِنَّةُ العَطاءِ على طريقِ المَجازِ
والاتِّساع. انتهى.
ا الرّابِعَةُ: (٦٩/٤م) قوله: (مَلأى)) بفتح الميم وإسكانِ اللامِ بَعدَها هَمزَةٌ
مَفتوحَةٌ تأنيثُ مَلَانَ، ورَواه بَعضُهُم: ((مُلَاءٌ)) مِثلُ دُعاءٍ. حكاه القاضي عياضٌ(٢)،
وقال: قيلَ: يصِحُّ هَذا على نقلِ الهَمزَةِ. وفي رِوايَةٍ لمسلمٍ: ((مَلآنُ)) بزيادَةِ نونٍ،
وقالوا: إنَّها غَلَطٌ مِن ابنٍ نُمَيرٍ راويها، وأنَّ الصَّوابَ: (مَلأى)) كَما في سائرٍ
الرِّواياتِ؛ لأنَّ الْيَمينَ مُؤَنََّةٌ، قال النوويُّ(٣): ثَّ ضَبَطوا رِوايَةَ ابنِ نُمَيرٍ بوجهَينِ:
أحَدُهُما: إسكانُ اللام وبَعدَها هَمزَةٌ، والثاني: مَلانُ بفَتَحِ اللامِ بلا هَمزٍ.
الخامِسَةُ: قولُه: ((لا يغيضُها نفَقَةٌ))، بالِغِينَ والضّادِ المُعجَمَتَينِ؛ أي:
لا يُنقِصُها، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغاضَه لازِمٌ ومُتَعَدِّ (٤).
السادِسَةُ: قولُه: ((سخّاءَ)» بفَتحِ السّينِ والحاءِ المُهمَلَتَينِ وتَشديدِ الحاءِ
مَمدودٌ؛ كَذا ضَبَطناه عن شيخِنا والِدي ◌َّتُهُ(٥). وقال القاضي عياضٌ: كَذا
ضَبَطناه عن القاضي أبي عليٍّ وغَيرِهِ بالمَدِّ على الوصفِ، وكذا ضبطه صاحِبُ
((النِّهايَةِ))، وقال: أي دائمَةَ الصَّبِّ والهَطلِ بالعَطاءِ، يُقالُ: سحَّ، يسِحُ - أي:
بكَسرِ السِّينِ وضَمِّها - سخًا فهو ساخٌ، والمُؤَنَّثَةُ سحّاءُ وهي فعَلاءُ [٢٨٣/١ظ]؛
(١) النهاية في غريب الحديث (٣٤٥/٢، ٣٤٦).
(٢) إكمال المعلم (٥٠٩/٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧٩/٧).
(٤) إكمال المعلم (٥٠٩/٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٨٠).
(٥) في (م): ((رحمه الله تعالى)).

٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لا أفعَلَ لها كَهَطلاءَ. انتَهَى. وضَبَطَه القاضي عياضٌ عن أبي بَحرٍ: سحًّا بالتَّنوينِ
على المَصدَرِ، ونَقَلَه في ((المَشارِقِ)) عن جميعِ شُيوخِهم إلّا الصَّدَفي(١) وابنَ عِيسَى.
وذَكَرَ النوويُّ أنَّه الأصَحُّ الأشهَرُ، وعَلى كلِّ حالٍ فَقَولُه: ((الليلَ والنَّهَارَ)) مَنصوبانٍ
على الظّرفِ. قال القاضي عياضٌ: ووقَعَ عِندَ الطبريِّ في حديثِ عبدِ الرَّزاقِ:
((لا يغيضُها سحُ الليلِ والنَّهارِ)) بالإضافَةِ ورَفعِه على الفاعِلِيَّةِ (٢)، انتَهَى.
وفي رِوايَةِ محمدِ بنِ رافِعٍ في ((صَحيحِ مسلمٍ)): ((لا يغيضُها سحّاءُ الليلَ
والنَّهارَ)). قال النوويُّ: ضَبَطناه بوجهَينِ بنَصَبِ الليلِ والنَّهارِ ورَفعِهما؛ النَّصبُ
على الظَّرفِ والرَّفعُ على أنَّه فاعِلٌ(٣).
السابِعَةُ: قولُه: ((أرأيتُم ما أنفَقَ مُنذُ خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ، فإنَّه لم
يغِض ما في يمينِه))، كالدَّليلِ والشّاهدِ لما قدَّمَه مِن أنَّ يمينَه تعالى لا يغيضُها نفَقَةٌ،
ولَمّا ذَكَرَ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ استَشعَرَ الخاطِرُ ما قبلَ ذلكَ: فَذَكَرَ أنَّه تعالى
كانَ عرشُه قبلَ خلقِ السَّمَواتِ والأرضِ على الماءِ. وفي ذلكَ دَليلٌ على أنَّ خلقَ
العَرشِ والماءِ كانَ قبلَ خلق السَّمَواتِ والأرضِ. وفي ((صَحيحِ البخاريِّ))(٤) مِن
حديثٍ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ في أثناءِ حديثٍ: جِئْنا لنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ ولِنَسأَلَك عن أولِ
هَذا الأمرِ ما كانَ؟ فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((كانَ اللهُ رَكَ وَلَم يكُن شيءٌ قبلَه،
وكانَ عرشُه على الماءِ، ثمَّ خِلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وكَتَبَ (٤/ ٧٠م) في الذِّكرِ كلَّ
شيءٍ)). وعن كَعبِ الأحبارِ: ((خَلَقَ ياقوتَةً خضراءَ فَنَظَرَ إلَيها بالهَيبَةِ فصارَت ماءً
يرتَعِدُ مِن مَخافَةِ الله تعالى، فلِذلكَ يرتَعِدُ الماءُ إلى الآنَ وإن كانَ ساكِنًا؛ ثمَّ خلَقَ
الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ على مَتنِها، ثمَّ وضَعَ العَرشَ على الماءِ))(٥). وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ
عن ابنِ عبّاسٍ رَّمَا أَنَّه سُئلَ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]
(١) في الأصل: ((الصيدفي))
(٢) إكمال المعلم (٥٠٩/٣)، والنهاية في غريب الحديث (٣٤٥/٢)، ومشارق الأنوار
(٢٠٩/٢)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٨٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٠، ٨١). (٤) البخاري (٣١٩١، ٧٤١٨).
(٥) تفسير البغوي (١٦٢/٤)، وتفسير القرطبي (٨/٩).

بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ
٩٩
=
على أيِّ شيءٍ كانَ الماءُ، قال: على مَتنِ الرِّيحِ(١).
] الثامِئَةُ: قولُه: ((وبيدِهِ الأخرَى القَبضُ)). هو بالقافِ وبِالباءِ الموحَّدَةِ
والضّادِ المُعجَمَةِ، كَذا ضَبَطناه عن شيخِنا والِدِي تَُّهُ. وقال القاضي عياضٌ: إنَّه
المَوجودُ لأكثَرِ الرّواةِ. قال: وهو المَشهورُ المَعروفُ(٢). قال: ومَعناه المَوتُ(٣).
قُلتُ: لا مَعنَى لتَخصيصِه بالمَوتِ، بَل هو أعَمُّ مِن ذلكَ ليتناولَ قبضَ الرِّزقِ
وغَيرَه، ومِن أسمائه تعالى القابِضُ، وفُسِّرَ بأَنَّه الذي يُمسِكُ الرِّزقَ وغَيرَه مِن
الأشياءِ عن العِبادِ بلُطفِه وحِكمَتِهِ ويَقِضُ الأرواحَ عِندَ المَماتِ. والتَّفسيرُ بالأعَمِّ
مُناسِبٌ لذِكرِهِ؛ هَذا في مُقابَلَةِ قولِه أولًا: ((إنَّ يمينَ الله مَلأى)) إلى آخِرِهِ، ورويَت
هَذِه اللفظَةُ بوجهٍ آخَرَ، وهو الفَيضُ - بالفاءِ والياءِ المثناةِ مِن تحتُ والضّادِ
المُعجَمَةِ - وحَكاه القاضي عياضٌ عن القابِسِيِّ في ((صَحيحِ مسلم))، وقَد تَقَدَّمَ أنَّ
في رِوايَةٍ للبُخارِيِّ: ((الفَيضُ)) أو ((القَبضُ)) على الشكِّ، قال القاضيِّ عياضٌ: ومَعناه
- إن صَحَّت الروايةُ، واللهُ أعلَمُ - الإحسانُ والعَطاءُ والرِّزقُ الواسِعُ. قال: وقَد
تكونُ بمَعنَى القَبضِ الذي في الروايةِ الأخرَى؛ أي: المَوتُ. قال البَكراوِيُّ:
الفَيضُ المَوتُ. قال القاضي: قيسٌ يقولونَ: فَاضَت نفسُه بالضّادِ إذا ماتَ، وَطَيءٌ
تقولُ: فَاظَت نفسُه بالظّاءِ، وقيلَ: مَتَى ذُكِرَت النَّفسُ فِالضّادِ وإذا لم تُذكَّر فِالظّاءِ،
وفي حديثِ الدَّجّالِ: ((ثُمَّ يكونُ أَثَرُ ذلكَ الفَيِضَ قبلَ(٤) المَوتِ))(٥). انتَهَى.
التاسِعَةُ: قولُه: ((يرفَعُ ويَخْفِضُ))، قيلَ: هو عِبَارَةٌ عن تقديرِ الرِّزقِ،
يُقَتِّرُه(٦) على مَن يشاءُ ويوسِّعُه على مَن يشاءُ، وقَد يكونانِ عِبارَةً عن تصاريفٍ
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٨٣/٢)، وفي تفسيره (٩٠٨٩)، وابن أبي حاتم في
التفسير (٢٠٠٥/٦)، وابن أبي عاصم في السُّنَّة (٢٥٨)، وأبو الشيخ في العظمة
(٥٧٦/٢، ٥٩٧)، والحاكم (٣٣٨/٢، ٣٤٢)، وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه.
(٢)
في (م، ك): ((والمعروف)).
(٣) إكمال المعلم (٥١٠/٣).
(٤)
في (ك): ((قیل)) .
(٥) إكمال المعلم (٥١٠/٣، ٥١١)، والحديث عند أحمد (١٦/٥) من حديث سمرة بن جندب.
(٦) في (م): ((يقتر)).

كيم
١٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المَقاديرِ بالخَلقِ بالعِزَّةِ والذُّلِّ، كما قال: ﴿تُؤِْ الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ
تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ذَكَرَهُما القاضي عياضٌ والنوويُّ(١). ومِن أسمائه تعالی:
الخافِضُ الرّافِعُ(٢)، وفُسِّرَ الخافِضُ بأنَّه الذي يحبط(٣) الجَبّارينَ والفَراعِنَةَ؛ أي:
يضَعُهُم ويُهِينُهُم ويَخِفِضُ كلَّ شيءٍ يُريدُ خفضَه (٤)، وفُسِّرَ الرّافِعُ بأنَّه الذي يرفَعُ
المُؤمِنينَ بالإسعادِ وأولياءَه(٥) بالتَّقريبِ.
العاشِرَةُ: ذَكَرَ(٦) المازَرِيُّ(٧) لفظَ الحَديثِ: [٢٨٤/١و] ((وبيدِه الأخرَى
القَبضُ والبَسطُ)). وقال: فكأنَّه أفهَمَ تعالى وإن كانَت قُدرَتُه واحِدَةً فإنَّه يفعَلُ بها
المُختَلِفاتِ، ولَمّا كانَ ذلكَ فينا لا يتمكنُ إلّا بيدَينٍ، عبَّرَ عن قُدرَتِه على
التَّصَرُّفِ في ذلكَ بذِكرِ اليَدَينِ ليفهمَ (٨) المَعنَى المُرادَ بما اعتادوه مِن الخِطابِ
على سبيلِ المَجازِ. واعتَرَضَه القاضي عياضٌ(٩) بأنَّه لم يُرو في هَذا الحَديثِ في
كِتابِ مسلمٍ لفظَةُ ((البَسِطِ))، (٧١/٤م) ولَيسَ فيه إلا قولُه: ((القَبضُ يرفَعُ
ويخفِضُ)).
قُلتُ: وكَذا ليسَت هَذِه اللفظَةُ في ((صَحيح البخاريِّ)) ولا غَيرِهِ، ثمَّ قال
القاضي في آخِرِ كَلامِه: وقَد يكونُ القَبضُ والبَسُطُ المَذكورانِ مِن مَعنَى ما تقَدَّمَ
مِن تقتيرِ الرِّزقِ وسَعَتِه، أو قبضِ الأرواحِ بالمَوتِ وبَسِطِها في الأجسادِ بالحَياةِ،
أو قبضِ القُلوبِ بتَضييقِها وإتحاشِها (١٠) عن الهدايَةِ أو بالخَوفِ والهَيبَةِ وبَسِطِها
بتأنيسِها وشَرحِها للهدايَةِ والإيمانِ أو بِالرَّجاءِ والأنسِ، وقَد قيلَ: مَعاني هَذا كلِّه
في تفسيرِ اسمَيه تعالى القابِضُ (١١) والباسِطُ(١٢). انتَهَى.
(١) إكمال المعلم (٥١١/٣)، وشرح النووي على مسلم (٨١/٧).
(٢) في (م): ((والرافع)).
(٤)
في الأصل: ((خفطه)).
(٦)
في الأصل: ((ذكره)) .
(٨) في (م، ك): ((ليفهمهم)).
(١٠) في (م): ((وإیحاشها)).
(١٢) إكمال المعلم (٥١١/٣).
(٣) في (م، ك): ((يخفض)).
(٥) في الأصل: ((وأوليائه)).
(٧) المعلم بفوائد مسلم (١/ ٢٧٧).
(٩) إكمال المعلم (٥١٠/٣).
(١١) في الأصل: ((القابظ)).