Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
بابٌ لَيسَ من الثَّمَنِّي مَحَبَّةُ لِقَاءِ الله
لَيسَ وجهه عِندِي كَرَاهَةَ المَوتِ وشِدَّتَه؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَخلُو منه أحَدٌ، ولَكِن
المَكرُوه من ذلك إيثَارُ الدُّنيًا والرُّكُونُ إليها وكَرَاهية(١) أن يَصِيرَ إلى الله والدَّارِ
الآخِرَةِ.
قال: ومِمَّا يُبَيِّنُ ذلك أنَّ الله تعالى قد عَابَ قَومًا في كِتَابه بِحُبِّ الحَيَاةِ
الدُّنيَا(٢)، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَّجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْخَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَنُواْ بِهَا﴾.
[يونس: ٧]، وقال: ﴿وَلَنَجِدَنَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوَةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وقال: ﴿وَلَا يَتَّوْنَهُ، أَبَدْا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِزَّ﴾
[الجمعة: ٧]، قال: فَهَذَا يَدُلُّ على أنَّ (٣) الكَرَاهَيَةَ للقَاءِ الله تعالى لَيسَت بالكَرَاهَيَةِ
لِلمَوتِ، وإنَّمَا هو الكَرَاهة (٤) لِلنُّقْلَةِ من الدُّنيَا إلى الآخِرَةِ. انتَهَى.
وقال المَازَرِيُّ(٥): مَن قُضِيَ (٦) بِمَوتِه لَا بُدَّ أن يَمُوتَ، وإِن كَانَ كَارِهًا
لِقَاءَ الله، ولَو كَرِهَ الله مَوتَه مَا مَاتَ وَلَا لَقِيَه، (٢٦٤/٣م) فَيُحمَلُ الحديثُ على
كَرَاهَةِ الله تعالى الغُفرَانَ لَه، وإِرَادَتِه ◌ِإِبعَادِه من رَحمَتِهِ. انتَهَى.
وظَاهرُ عِبَارَتِه تَقْتَضِي عَدَمَ الغُفرَانِ لِمَن كَرِهَ المَوتَ مُطلَقًّا. ولَيسَ كَذلك
فَالصَّوابُ في مَعنَى الحديثِ مَا فَسَّرَه به قَائِلُه ◌َِ .
■ الثَّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ به المُصَنِّفُ تَتُ على أنَّ مَحَبَّةَ لِقَاءِ الله تعالى لَيسَت(٧)
من تَمَنِّي المَوتِ، وكَذَا ذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨).
ووجهه: أنَّ تَمَنِّي المَوتِ مَنهيٌّ عنه، ومَحَبَّةً لِقَاءِ الله مَحمُودَةٌ وهيَ [٢٥٠/١و]
عَلَامَةٌ على مَحَبَّةٍ (٩) الله تعالى لِلعَبدِ .
فَإِن قُلتَ: قد حَمَلتُم هَذِهِ المَحَبَّةَ للقَاءِ الله تعالى على حَالةِ النَّزعِ
والِاِحِتِضَارِ، وتِلكَ الحَالةُ لَا تَمَنِّي فيها؟
(١) في (م): ((وكراهته)).
(٣)
ليس في: الأصل.
(٥)
المعلم (٢/ ٤٠٧).
في (ك): ((ليس)).
(٩) ليس في (ك): ((لقاء)).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) في (م): ((الكراهية)).
(٦) بعدها في (ك): ((الله)).
(٨) التمهيد (٢٨/١٨)، والاستذكار (٧١/٢٤).
(٧)

=
٣٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قُلتُ: مَا المَانِعُ من التَّمَنِّي في تِلكَ الحالةِ؟ ولَولَا وُرُودُ هَذَا الحديثِ الذِي
نَشرَحُه، لَكَرِهِنَا (١) تَمَنِّي المَوتِ بِكُلِّ حَالٍ، فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الحديثُ، عَلِمِنَا أنَّ:
تَمَنِّي المَوتِ في تِلكَ الحالةِ مَحمُودٌ، على أنَّه لَا يَمَنِعُ أن يَكُونَ هَذَا الحديثُ في
زَمَنِ الصِّحَّةِ أيضًا، أن يُحِبَّ العَبدُ بِقَلبه لِقَاءَ الله تعالى من غَيرِ أن يَدعُو بِذلك ولا
يَتَمَنَّاه بلسَانِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ بُشرَى لِلعَبدِ يُستَدَلُّ بها على مَحَبَّةِ الله للقَائِهِ، فَإِنَّ
العَاقِلَ العَارِفَ بالأمُورِ لَا يُحِبُّ المَوتَ إلَّا إِذَا أعَدَّ لَه الأهبَةَ وتَخَلَّصَ من التَّبَعَاتِ
وقَامَ بأمرِ الله كَمَا يَجِبُ، ومَن كَانَ بهذِهِ الصِّفَاتِ فَالله تعالى يُحِبُّ لِقَاءَه بِمَعنَى(٢)
أنَّه يُرِيدُ(٣) لَه الخَيرَ ويَعُدُّه لَه.
فَإِن قُلتَ: هَذَا يُنَافي المَذكُور في الحديثِ من حَملِه على حَالةٍ
الإِحْتِضَارِ؟
قُلتُ: تِلكَ الحَالةُ هيَ التي [لا اختِلَال](٤) فيها ولَا شَكَّ، مَن أَحَبَّ فيها
لِقَاءَ الله كَانَ عَلَامَةً على مَحَبَّةِ الله للقَائِهِ، ومَن كَرِهَ فيها لِقَاءَ الله، كَانَ عَلَامَةً على
كَرَاهَةِ الله للقَائِهِ، بِخِلَافِ مَا قَبلَ تِلكَ الحالةِ، فَإِنَّه لَا يَلزَمُ من كَرَاهَةِ العَبدِ لِلمَوتِ
كَرَاهَةُ الله للقَائِهِ، ولَا من مَحَبَّةِ العَبدِ لِلمَوتِ - إذَا نَشَأ عن ضَجَرٍ واختِلَالِ عَقلٍ،
وعَدَمِ إحكَامٍ لِلأمُورِ - مَحَبَّةُ الله للقَائِهِ.
وإنَّمَا ادَّعَيْنَا كَونَ مَحَبَّةِ العَبدِ لِلمَوتِ في غَيرِ حَالةِ الاحتِضَارِ دَلِيلًا على
مَحَبَّةِ الله للقَائِهِ في حَالةٍ واحِدَةٍ، وهيَ مَا إذَا صَدَرَ ذلك عن عاقل(٥) عَارِفٍ بالله
تعالى، مُحكِمٍ لِلأمُورِ، قد استَعَدَّ لِلأمُورِ، وأخَذَ لَها أهبَتَها، وقَامَ الله بِمَا يَجِبُ
من حَقِّه، فَإِذَا خَلَقَ الله تعالى في قَلبه مَحَبَّةَ المَوتِ، كَانَ دَلِيلًا على خَيرٍ لَه
عِندَ الله تعالى فيمَا يَظهَرُ، والله تعالى أعلمُ.
(١) في (ك): ((لكن هنا)).
(٣) غير منقوطة في الأصل. وهي في (ك): (يزيد)).
(٤)
في (م): ((لاختلال)).
ليس في: (م).
(٥)
(٢) في (ك): ((لمعنى)).

٣٨٣
بابٌ لَيسَ من الثَّمَنِّي مَحَبَّةُ لِقَاءِ الله
الرَّابِعَةُ: قال العُلَمَاءُ: مَحَبَّةُ الله تعالى لِعَبدِه هيَ: إِرَادَةُ(١) الخَيرِ لَه،
وهدَايَتُه وإنعَامُه عَلَيهِ، وَرَحمَتُه وبُغضُه: إِرَادَتَه ◌ِقَابَه وشَقَاوتَه، ونَحوُ ذلك حَكَاه
عنهم الثَّورِيُّ في (شَرحِ مسلم))(٢).
■ الخَامِسَةُ(٣): قالَّ صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(٤): المُرَادُ بلقَاءِ اللهِ المَصِيرُ إلى
الدَّارِ الآخِرَةِ وطَلَبُ مَا عِندَ الله، ولَيسَ الغَرَضُ به المَوتُ؛ لِأَنَّ (٢٦٥/٣م) كُلَّا
يَكرَهه؛ فَمَن تَرَكَ الدُّنيَا وأبغَضَها أحَبَّ لِقَاءَ الله، ومَن آثَرَها وَرَكَنَ إليها كَرِهَ
لِقَاءَ الله؛ لِأَنَّه إنَّمَا يَصِلُ إليه بالموتِ.
وقَولُه: والمَوتُ دُونَ لِقَاءِ الله، يُبَيِّنُ أنَّ المَوتَ غَيرُ اللِّقَاءِ، ولَكِنَّه مُعتَرَضٌ
دُونَ العرضِ(٥) المَطْلُوبِ، فَيَجِبُ أن يَصبِرَ عَلَيه ويَحتَمِلَ مَشَاقَّه حَتَّى يَصِلَ إلى
الفَوزِ باللِّقَاءِ. انتَهَى.
■ السَّادِسَةُ: قَولُ عائشةَ عَّ: شَخَصَ البَصَرُ. بِفَتحِ الشِّينِ، والخَاءِ
المُعجَمَتَيْنِ، وبالصَّادِ المُهمَلَةِ، ومَعنَاه: ارتِفَاعُ الأجفَانِ إلى فَوقَ، وتَحدِيدُ النَّظَرِ .
وقَولُها: وحَشرَجَ الصَّدرُ. بِفَتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، وإسكَانِ الشِّينِ المُعجَمَةِ وآخِرُه
جِيمٌ، ومَعنَاه: تَرَدُّدُ النَّفَسِ في الصَّدرِ .
وقَولُها: واقشَعَرَّ الجِلدُ. بِرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ في آخِرِهِ، ومَعنَاه: قِيَامُ شَعرِهِ.
وقَولُها: وتَشَنَّجَتِ الأصَابِعُ. بِفَتحِ التَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقُ، والشِّينِ المُعجَمَةِ،
والنُّونِ وتَشدِيدِها والجِيم، والمُرَادُ: تَقَبُّضُها وتَقَلَّصُها، وهَذِه الأمُورُ المَذكُورَةُ
هيَ (٦) حَالةُ الإِحْتِضَارِ .
(١) في (ك): ((إرادته)).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٨٣، ١٨٤).
(٣)
في (ك): ((الرابعة)).
(٥) في (م): ((الغرض)).
(٦) في (ك): (وهي)).
(٤) النهاية في غريب الحديث (٢٦٦/٤).

S
٣٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابٌ لَيسَ خَوفُ العَبدِ من ذَنبه
كَرَاهِيَةً للقَاءِ اللّه تعالى
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ نَِّ قال: ((قال رَجُلٌ لَم
يَعمَلِ خَيرًا قَطَّ لِأَهلِهِ: إِذَا مَاتَ فَأْحرِقُوهِ، ثُمَّ اذرُوا نِصِفَه في البَرِّ ونصفَه
في البَحرِ، فَوالله لَئِن(١) قَدَرَ الله عَلَّيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهِ عَذَابًا لا يُعَذِّبُه أحَدًا
[٢٥٠/١ظ] من العَالمِينَ)). قال: ((فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أمَرَهم، فَأَمَرَ الله البَحرَ
فَجَمَعَ مَا فيه، والبَرَّ فَجَمَعَ مَا فيه، ثُمَّ قال: لِمَ فَعَلتَ هَذَا؟ قال: من
خَشِيَتِك (٢٦٥/٣م) يَا رَبِّ وأنتَ أعلَمُ. قال: فَغَفَرَ لَه)).
فيه فوائدُ :
■ الأولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ من هَذَا الوجه [من رواية مالك،](٢) عن
أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ (٣). وفي رِوايَةٍ مسلم: ((لَم يَعمَل حَسَنَةً قَطُّ)).
وأخرَجَه(٤) الشَّيخَانِ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٥)، من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن
حُمَيدٍ بِنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبي هريرةَ بِمَعنَاه.
وأخرَجَه أحمَدُ في ((مُسنَدِه)(٦)، من رِوايَةٍ أبي رَافِعٍ، عن أبي هريرةَ بِمِثلٍ
حديثِ ابنِ مَسعُودٍ.
(١) في (ك): ((إن)).
(٢) ليس في: (م).
(٣) البخاري (٧٥٠٦)، ومسلم (٢٤/٢٧٥٦).
(٤)
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥) البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٥/٢٧٥٦)، والنسائي (٢٠٧٨)، وابن ماجه (٤٢٥٥).
(٦) أحمد (٣٩٨/١).

٣٨٥
بابٌ لَيسَ خَوفُ العَبدِ من ذَنبِه كَرَاهيَةً للقَاءِ الله تعالى
وفي حديثِ ابنِ مَسعُودٍ: (لَم يَعمَل من الخَيرِ شَيْئًا قَطُّ إلَّا التَّوحِيدَ)، وفي
((صَحِيحِ البخاريِّ))(١) من حديث أبي مَسعُودٍ عُقبَةَ بنِ عَمرٍو: أنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ
نَباشًا .
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) أنَّ أكثَرَ رُواةِ ((المُوظَأ)) رَفَعُوا هَذَا الحديثَ، ووقَفَه
القَعنَبي ومُصعَبُ الزُّبَيرِيُّ على آبي هريرةَ.
قُلتُ: والمُرَادُ وقفُ لَفِظِه، وأمَّا حُكمُه فَهو الرَّفعُ؛ لِأَنَّه لَا يُقَالُ مِثلُه من
قِبَلِ الرَّأيِ، فَهو مَرفُوٌ على كُلِّ حَالٍ .
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((قال رَجُلٌ لَم يَعمَل خَيرًا قَطُّ))، ظَاهرُه: أنَّه لَم يَكُن
مُوحِّدًا؛ لِأَنَّ التَّوحِيدَ أعظَمُ الخَيرِ، لَكِن إخبارُهُ بِأَنَّهُ فَعَلَ هَذَا من خَشِيَةِ الله(٣) يَدُلُّ
على تَوحِيدِه. وكَيفَ يَخشَى الله مَن لَا يَعرِفُه؟ بَل يَدُلُّ على عِلمِه لِقَولِه تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقد رَفَعَت تِلكَ الرِّوايَةُ التي
نَقَّلتها من ((مُسنَدِ أحمَدَ)) الإشكال في [ذلك بِقَولِه فيها: ((لَم يَعمَل من الخَيرِ شَيئًا
قَطُّ إِلَّ التَّوحِيدَ)).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): وهَذِهِ اللفظَةُ إن صَحَّت رَفَعَت الإشكَال في](٥) إِيمَانِ
هَذَا الرَّجُلِ، وإن لَم تَصِحَّ من جِهَةِ النَّقْلِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ من جِهَةِ المَعنَى، والأصُولُ
تَعضُدُها والنَّظَرُ يُوجبها(٦)؛ لِنَّ مُحَالٌ أن يَغْفِرَ للذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفَّارٌ بِلَا خِلافٍ
بين أهلِ القِبِلَةِ، وهَذَا سَائٌِ في لِسَانِ العَرَبِ أن يُؤْتَى، بلفظِ الكُلِّ والمُرَادُ البَعضُ.
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((إِذَا مَاتَ فَأحرِقُوه))، أتَى به بلفظِ الغَيبَةِ ولَم يَحِكِه
باللفظِ الذِي (٧) قاله لَهم وهو: ((إِذَا مِتُّ فَأحرِقُونِي))، وهَذَا سَائِغٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ،
وهو نَظِيرُ قَولِهم: قلتُ لِعَبدِ الله: مَا أكرَمَه، ولَو حَكَى القَولَ لَقِيلَ: قُلْتُ لِعَبدِ الله:
مَا أكرَمَك. والأمرَانِ جَائِزَانِ مُستَعمَلَانِ.
(١) البخاري (٣٤٥٢).
ليس في: الأصل.
(٣)
ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
(٥)
(٧) ليس في: الأصل.
(٢) التمهيد (١٨/ ٣٧).
(٤) التمهيد (٤٠/١٨).
(٦) في (م): ((يوجهها)).

=
٣٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الزَّابِعَةُ: قَولُه: (ثُمَّ أذرُوا)) بالذَّالِ المُعجَمَةِ، ويَجُوزُ في هَمزِه(١): الوصلِ
والقَطعِ يُقَالُ: ذَرَته الرِّيحُ وأذرَته، تَذرُوهُ(٢) وتُذْرِيه: إِذَا أطَارَته(٣)، ومنه تَذْرِيَةُ
الطَّعَامِ كَذَا (٢٦٧/٣م) ذَكَره (٤) في ((المَشَارِقِ)) و ((النِّهَايَةِ))(٥): ذَرَيتُ وأذرَيتُ بِمَعنّى.
وقال في ((الصِّحَاح)) (٦): ذَرَوته: طَيَّرته وأذهَبته، وذَرَت الرِّيحُ التُّرَابَ،
وغَيرَه: تَذْرُوه، وتُذْرِيه ذَروًا، أو ذَريًا؛ أي: سَفَته، ومنه قَولُهم: ذَرَّى النَّاسُ
الحِنطَةَ، ثُمَّ(٧) قال: وأذرَيتُ الشَّيءَ إذَا ألقيته كَالقَائِك الحَبَّ لِلزَّرعِ، وطَعنه فَأَذْرَاه
عن ظَهرِ دَابَتِهِ؛ أي: ألقَاه. انتَهَى. وذَكَرَ في ((المُحكَم)) نَحوه(٨).
وهَذَا يَقْتَضِي الفَرقَ بين الثُّلَاثِيِّ والرُّباعِيِّ، وأنَّ مَا يُلقَى في غَيرِ مَحَلِّ (٩)
مُعَيَّنٍ يُستَعمَلُ فيه الثُّلَائِيُّ كَمَا فِي هَذَا الحديثِ، ومَا يُلقَى في مَحَلِّ مُعَيَّنٍ يُستَعمَلُ
فيه الرُّباعِيُّ.
] الخَامِسَةُ: قَولُه: (فَواللهِ لَئِن قَدَرَ الله عَلَيهِ لَيُعَذِّبَنَّه))، ظَاهرُه نَفْيُ قَدَرَةِ الله
على إحيَائِه وإعَادَتِه(١٠). وفي القَولِ به إشكَالٌ، فَإِنَّ ذلك كُفرٌ، والشَّاكُ في
قَدَرَةِ الله تعالی کافِرٌ، مَعَ کَونِ الحدیثِ يَدُلُّ علی إسلامِه من وجھینِ :
أحَدُهمَا: إخبارُه بأنَّه إنَّمَا فَعَلَ ذلك (١١) من خَشيَةِ الله تعالى، والكَافِرُ لَا
يخشى الله تعالی.
والثَّانِي: إخبارُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بأنَّ الله غَفَرَ لَه، والكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَه،
مَعَ مَا انضَمَّ إلى ذلك من الرِّوايَةِ التي في ((مُسنَدِ أحمَدَ» الصَّرِيحَةِ، في أنَّه کَانَ
مُوحِّدًا، فَاختَلَفَ العُلَمَاءُ في تَأوِيلِهِ: فقالت طَائِفَةٌ: لَا يَصِحُ حَمَلُه على ظَاهِرِهِ لِمَا
ذَكَرْنَاه؛ فَيَكُونُ لَه تَأْوِيلَانِ:
(١) في الأصل: ((همز)).
(٣)
في الأصل: ((أطارت)).
(٥)
المشارق (٢٦٩/١)، النهاية (١٥٩/٢). (٦) الصحاح (٢٣٤٥/٦).
(٧) ليس في: الأصل.
(٩) ليس في: الأصل.
(١١) في (ك)، (م): ((هذا)).
(٢) ليس في: الأصل.
(٤) ليس في: (ك، م).
(٨) المحكم (١١١/١٠).
(١٠) في الأصل: ((وإحيائه)).

=
٣٨٧
بابُ لَيسَ خَوفُ العَبدِ من ذَنبِه كَرَاهيَةً للقَاءِ الله تعالى
أحَدُهمَا: لئن(١) قَدَرَ اللهُ عليّ العَذَابِ؛ أي: قَضَاه، يُقَالُ منه: قَدَرَ
بالتَّخفيفِ، وقَدَّرَ بالتَّشْدِيدِ بِمَعنّی واحِدٍ .
والثَّانِي: أن قَدَرَ بِمَعنَى ضَيَّقَ، فَقَولُه: لَئِن قَدَرَ الله عَلَيَّ؛ أي: لَئِن ضَيَّقَ،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، وهو أحَدُ [٢٥١/١و] الأقوالِ
في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقال آخَرُونَ: اللفظُ على ظَاهرِهِ، وذَكَرُوا لَه تَأْوِيلَاتٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذَا الرَّجُلَ قال هَذَا الكَلَامَ، وهو غَيرُ ضَابِطِ لِكَلَامِهِ، ولَا
قَاصِدٍ لِحَقِيقَةِ مَعنَاه ومُعتَقِدٍ لَها، بَل قاله في حَالةٍ غَلَبَ عَلَيه فيها الدَّهَشُ،
والخَوفُ، والجَزَعُ الشَّدِيدُ، بِحَيثُ ذَهَبَ (٢) تَيَقُظُه وتَدَبُّرُه مَا يَقُولُه، فَصَارَ في مَعنَى
الغَافِلِ والنَّاسِي، وهَذِهِ الحَالُ لَا يُؤَاخَذُ فيها، وهو نَحوُ قَولِ القَائِلِ الآخَرِ الذِي
غَلَبَ عَلَيه الفَرَحُ حِينَ وجَدَ رَاحِلَتَه: ((أنتَ عَبدِي وأَنَا رَبُّك))(٣). فَلَم يَكفُر بِذلك
لِلدَّهَشِ والغَلَبَةِ والسَّهِ.
وقد ورَدَ في رِوايَةٍ فِي غَيرِ ((الصَّحِيحَينِ)) (٤): ((فَلَعَلِّي أضِلُّ الله))؛ أي:
أغِيبُ عنه. وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ قَولَه: (لَئِن قَدَرَ الله على))، على ظَاهِرِهِ كَمَا
ذَکَرنَا(٥) .
الثَّانِ: أنَّ هَذَا من مَجَازٍ كَلَامِ العَرَبِ وبَدِيعِ استِعمَالِها، يُسَمُّونَه مَزجُ الشَّكِّ
باليَقِينِ. (٢٦٨/٣م) وسَمَّاه بَعضُهم: تَجَاهلَ العَارِفِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْ
إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فَصُورَتُه صورة شَكٍّ، والمُرَادُ
به الیقینُ.
الثَّالِثُ: أنَّ غَايَةَ مَا فيه أنَّ هَذَا رَجُلٌ جَهلَ صِفَةً من صِفَاتِ الله تعالى،
(١) في (ك)، (م): ((أن معناه لئن)).
(٢) ليس في: الأصل.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٤٧/ ٧).
(٤) أخرجها أحمد (٤٤٧/٤)، (٣/٥، ٤، ٥)، والطحاوي في المشكل (٥٦٦)، والطبراني
(٤٢٣/١٩) ح (١٠٢٦).
(٥) في (ك): ((ذكرناه)).

=
٣٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في تَكفيرِ جَاهِلِ الصِّفَةِ: فَممن كَفَّرَه بِذلك مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ
الطَّبَرِيُّ، وقاله الشَّيخُ أبو الحَسَنِ الأشعَرِيُّ أولًا. وقال آخَرُونَ: لَا يَكفُرُ بِجَهلٍ
الصِّفَةِ، ولَا يَخرُجُ به عن اسمِ الإِيمَانِ بِخِلَافِ جَحَدِها، وإليه رَجَعَ أبو الحَسَنِ
الأشعَرِيُّ، وعَلَيه استَقَرَّ قَولُه.
قال: لِأَنَّه لَم يَعتَقِد ذلك اعتِقَادًا يَقطَعُ(١) بِصَوابه ويَرَاهِ دِينًا وشَرعًا، وإِنَّمَا
يَكفُرُ مَن اعتقد أنَّ مَقالتَه حَقٌّ، قال هَؤُلَاءِ: ولَو سُئِلَ النَّاسُ عن الصِّفَاتِ لَوُجِدَ
العَالِمُ بها قَلِيلًا(٢).
وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرّ(٣): عن المُتَقدمِينَ من العُلَمَاءِ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهم من
المُتَأخِّرِينَ، واستَدَلَّ عَلَيه بأنَّ عُمَرَ وعِمرَانَ بنَ حُصَينٍ وجَمَاعَةً من الصَّحَابَةِ،
سَألُوا رسولَ اللهِ وَّهِ عن القدرِ؟
ومَعلُومٌ أَنَّهم إِنَّمَا سَأَلُوه عن ذلك وهم جَاهِلُونَ به، وغَيرُ جَائِزٍ عِندَ أحَدٍ من
المسلمِينَ أن يَكُونُوا بِسُؤَالِهِم عن ذلك كَافِرِينَ. انتَهَى.
الرَّابِعُ: أَنَّه كَانَ في زَمَنٍ فَترَةٍ حِينَ يَنفَعُ مُجَرَّدُ التَّوحِيدِ، ولَا تَكلِيفَ قَبلَ
وُرُودِ الشَّرعِ على المَذهَبِ الصَّحِيحِ، لِقَولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَكَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
الخَامِسُ: أَنَّه يَجُوزُ أَنَّه كَانَ مُتَمَسِّكًا بِشَرِيعَةٍ فيها جَوازُ العَفوِ عن الكَافِرِ،
وإن كَانَ ذلك غَيرُ جَائِزِ في شَرِنَا، فَإِنَّه من مُجَوِّزَاتِ العُقُولِ عِندَ أهلِ السُّنَّةِ،
وإنَّمَا مَنَعنَاه في شَرعِنَا بالشَّرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾
[النساء: ٤٨]، وغَيرُ ذلك من الأدِلَّةِ، واللهُ أعلمُ(٤).
السَّادِسَةُ: إن قُلتَ: ظَاهرُ حَالِ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّه وقَعَ في كَبِيرَةٍ، وهو (٥)
(١)
في (م): ((نقطع)).
ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧١).
(٢)
(٣)
التمهيد (٤٦/١٨).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٢).
(٥) في (ك): ((وهي)).

=
اليَأْسُ من رَحمَةِ الله، وكَانَ هَذَا خَاتِمَةَ أمرِهِ، فَكَيفَ كَانَت هَذِهِ الكَبِيرَةُ سَبَبَ
المَغْفِرَةِ لَه؟
قُلتُ: إِن صَرَفنَا اللفظَ عن ظَاهرِهِ، يُحمَلُ ((قَدَرَ)) على (قَضَى)) أو ((ضَيَّقَ))،
فَلَيْسَ فيه اليأسُ من رَحمَةِ الله، فَإِنَّه يَرجُو الرَّحمَةَ بِتَقدِيرِ أَلَّ يَقْضِيَ عَلَيْه بالعَذَابِ،
أو لَا يُضَيِّقَ عَلَيه على اختِلَافِ القَولَينِ.
وإن أخَذْنَاه على ظَاهرِهِ، فَالجَوابُ عن هَذَا: أنَّ شِدَّةَ الخَوفِ اصطَلَمَته
وأذهَلَته حَتَّى خَرَجَ عن حد التَّكلِيفِ، فَنَفَعَه خَوفُه ونَجَّاه مَعَ التَّوحِيدِ ولَم يَضُرَّه
يَأْسُه؛ لِأَنَّه حَصَلَ لَه في حالةٍ انقَطَعَ عنه فيها التَّكلِيفُ. وبِتَقدِيرِ أن (١) لَم يَصِل
إلى حَالٍ(٢) أخرَجَته عن حَيِّزِ المُكَلَّفينَ، فَالخَوفُ الحَاصِلُ لَه كَفَّرَ عنه [سَيِّئة
اليأس](٣) (٢٦٩/٣م) من رَحمَةِ الله، بَل كَفَّرَ عنه سَيِّئَاتِه التي [٢٥١/١ظ] كَانَ
يَرتَكِبُها طُولَ عُمرِهِ، وقد يَشتَمِلُ الفِعلُ الواحِدُ على طَاعَةٍ من وجهٍ، ومَعصِيَةٍ من
وجهٍ، فَرُبَّمَا غَلَبَتِ الطَّاعَةُ فَكَفَّرَتِ المَعصِيَةَ، ورُبَّمَا غَلَبَتِ المَعصِيَةُ فَأَحبَطَت ثَوابَ
الطَّاعَةِ، وفي هَذَا المَحِلِّ غَلَبَتِ الطَّاعَةُ فَكَفَّرَتِ المَعصِيَةَ، وعن الشَّيخِ عِزِّ الدِّينِ
ابنِ عَبدِ السَّلَامِ(٤) أنَّه قال فيمَن سَمِعَ بآلَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَأَحدَثَت لَه أحوالًا صَالِحَةً:
يَحصُلُ لَه إِثمُ (٥) السَّمَاعِ المُحَرَّم وثَوابُ الأعمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِن غَلَبَ الثَّوابُ رَبِحَ
وإن غَلَبَ الإثمُ خَسِرَ وإن استَوِيَا تَكَافَأ، هَذَا مَعنَاه.
[وَرَوى الإمَامُ أحمَدُ في ((مُسنَدِه))(٦) وغَيْرُه بإسنادٍ جَيِّدٍ، عن ابنِ عُمَرَ ﴿ّا:
أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال لِرَجُلٍ: ((فَعَلتَ كَذَا وكَذَا))؟ قال: والذي لا إلهَ إلَّا هو
يَا رسولَ الله مَا فَعَلت. فقال: ((بَلَى قد فَعَلت، ولَكِن غُفِرَ لَك بالإخلاصِ».
ورُوِيَ هَذَا المَعنَى أيضًا من حديثِ ابنِ عَباسٍ وأنَسٍ وابنِ الزُّبَيرِ ﴿إِن](٧) .
(١) في (ك، م): ((أنه)).
(٢) في (ك، م): ((حالة)).
(٣)
بياض في: (م) بمقدار كلمة.
(٤)
قواعد الأحكام (٢١٥/٢، ٢١٦) بتصرف.
(٥)
في (م): ((اسم)).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٦) أحمد (١١٨/٢).
بابٌ لَيسَ خَوفُ العَبدِ من ذَنبِه كَرَاهِيَةً للقَاءِ الله تعالى
٣٨٩

=
٣٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
السَّابِعَةُ: إن قُلتَ في ((الصَّحِيحَينِ)) (١)؛ من حديث أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَّةِ، عن الله تعالى: ((أنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بي))، وهَذَا قد ظَنَّ بِرَبِه تَعذِیبَه،
وعَدَمَ المَغفِرَةِ لَه فَكَيفَ غُفِرَ لَه؟ .
قُلتُ: قد اختَلَفُوا في مَعنَى هَذَا الحديثِ، فَقِيلَ: المُرَادُ به الرَّجَاءُ وتَأمِيلُ
العَفوِ (٢). وقِيلَ: مَعنَاه بالغُفرَانِ لَه إذَا اسْتَغْفَرَ، والقَبولِ(٣) إِذَا تَابَ، والإجَابَةِ إِذَا
دَعَا، والكِفَايَةِ(٤) إِذَا طَلَبَ الكِفَايَةِ(٥).
فَإِن قُلنَا بالثَّانِي، فَالجَمِعُ بينهمَا واضِحٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا قد نَدِمَ على مَا فَرَّطَ منه،
ولَولَا نَدَمُه لَمَا أمَرَ أن يُفْعَلَ به ذلك، فَكَانَ تَائِبًا فَقُبِلَت تَوبَتُه وغُفِرَ لَه، وإن قُلنَا
بالأولِ، فَقد حَكَى القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٦): أنَّه قِيلَ: إِنَّمَا
وصَّى بِذلك تَحقِيرًا لِنَفسِه، وعُقُوبَةً لَها لِعِصيَانِها وإِسْرَافِهاً رَجَاءَ أن يَرِحَمَه الله
تعالى، فَهو حِينَئِذٍ قد رَجَا العَفو وأمَّلَه، فَكَانَ الله عِندَ ظَنِّه به فَعَفَا عنه.
وهَذَا بَعِيدٌ من قَولِه: ((إن قَدَرَ الله عَلَيَّ)). إن لَم تُؤَول له(٧) بِمَا تَقدمَ، واللهُ
أعلمُ.
■ الثَّامنةُ: استَدَلَّ به المُصَنِّفُ كَلْتُ على أنَّ خَوفَ العَبدِ من ذَنبه لَيسَ
كَرَاهيَةً للقَاءِ الله تعالى. وهو استِدلَالٌ واضِحٌ؛ لِأَنَّ الخَائِفَ من ذَنبه يَطلُبُ أن
يَكُونَ مَصِيرُه إلى الدَّارِ الآخِرَةِ على وجه مَرضِيٍّ يُقَرِّبُه إلى الله تعالى، فَكَرِهَ حَالةً
نَفسِه التي هو عَلَيها ولَم يَكرَه لِقَاءَ الله مُطلَقًّا، بَل أحَبَّ لِقَاءَه على غَيرِ تِلكَ
الحالةِ.
التَّاسِعَةُ: في هَذَا الحديثِ فَضِيلَةُ خَوفِ الله تعالى وغَلَبَتُها على العَبدِ،
(١) البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) في الأصل: ((المغفرة)). وينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٢/١٧).
(٣)
بعدها في (م): ((له)).
(٤) في (م): ((الكفارية)).
في الأصل: ((الكفارة)). وفي (م): ((الكفارية)).
(٥)
(٦) إكمال المعلم (٢٥٧/٨)، وشرح صحيح مسلم (١٧/ ٧٢).
(٧) في (ك): ((نؤوله)). في (م): ((يؤوله)).

بابٌ لَيسَ خَوفُ العَبدِ من ذَنبِه كَرَاهيَةً للقَاءِ الله تعالى
محـ
٣٩١
وأنَّها من مَقَامَاتِ الإِيمَانِ وأركَانِ الإسلام، وبها انتَفَعَ هَذَا المُسرِفُ وحَصَلَت لَه
المَغْفِرَةُ. وفيه (٣/ ٢٧٠م) دَلِيلٌ على أنَّه لَا ضَرَرَ في غَلَبَةِ الخَوفِ وإِن كَانَت بِقُربٍ
الوفَاةِ، وإِن كَانَ العُلَمَاءُ رَجَحُوا في تِلكَ الحالةِ تَغْلِيبَ جَانِبِ الرَّجَاءِ علی جَانِبٍ
الخَوفِ.
العَاشِرَةُ: فيه أنَّ الأعمَال بالنِّيَّاتِ والمَقَاصِدِ، فَإِنَّ الله تعالى لَم يَنظُر
إلى هَذَا العَمَلِ بَل إلى القَصدِ، فقال لَه: ((لِمَ فَعَلَتَ هَذَا؟)). ولَمَّا كَانَ الحَامِلُ عَلَيه
الخَشِيَةَ كَانَ سَبَبَ المَغفِرَةِ، ولَو حَمَلَ عَلَيه سَبَبٌ آخَرُ فَاسِدٌ، لَكَانَ الأمرُ بِخِلَافٍ
ذلك فيمَا يَظهَرُ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: وفيه بَيَانُ سَعَةٍ رَحمَةِ الله تعالى ومَغْفِرَتِهِ، وأنَّ المُسرِفَ
على نَفسِه لَا يَيأسُ من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَ
أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾(١) [الزمر: ٥٣]. وقِيلَ:
إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أرجَى آيَةٍ في كِتَابِ الله تعالى.
(١) بعدها في (م): ((إنه هو الغفور الرحيم)).

=
٣٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها
الحديثُ الأولُ
عن عُروةَ، عن عائشةَ قالت: كُفِّنَ النبيُّ نَّهِ فِي ثَلاثَةِ أثوابٍ سَحُولِيَّةٍ بيضٍ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه النسائيُّ(١) من هَذَا الوجه من رِوايَةِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعَمَرٍ، عن [٢٥٢/١و] الزُّهرِيِّ عن عُروةَ.
واتَّفَقَ عَلَيهِ الأَئِمَّةُ السِّنَّةُ(٢)؛ من طَرِيقِ هِشَام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ
بِزِيَادَةِ: ((من كُرُسُفٍ، لَيسَ فيها قَمِيصٌ ولَا عِمَامَةٌ)). ولَيسَ قَولُه: ((من كُرسُفٍ))
عِنْدَ الترمذيِّ، ولَا ابنِ مَاجَه.
زَادَ مسلمٌ: أمَّا الحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبه على النَّاسِ فيها، أنَّها اشتُرِيَت لَه لِيُكَفَّنَ
فيها، فَتُرِكَت الحُلَّةُ، وكُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَها عَبدُ الله
ابنُ أبي بَكرٍ، فقال: لَأحبِسَنَّها حَتَّى أكَفِّنَ فيها نَفسِي. ثُمَّ قال: لَو رَضِيَهَا اللهُ دَى
لِنَبِيه لَكَفَّنَه فيها، (٣/ ٢٧١م) فَبَاعَها، وتَصَدَّقَ بِثَمَّنِها .
وفي رِوايَةٍ لَه(٣): أدرِجَ رسولُ الله في حُلَّةٍ يُمنَةٍ (٤) كَانَت لِعَبدِ الله بنِ
أبي بَكرٍ، ثُمَّ نُزِعَت منه. وذَكَرَ الحديثَ.
(١) النسائي (١٨٩٦).
البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٤٥/٩٤١)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٩٩٦)،
(٢)
والنسائي (١٨٩٧)، وابن ماجه (١٤٧٠).
(٣) مسلم (٤٦/٩٤١).
(٤) ضبطت هذه اللفظة في نسخ صحيح مسلم على ثلاثة أوجهٍ: ((يمانية، ويمنية، ويُمْنَة)) . =

بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها
٣٩٣
وفي رِوايَةِ أصحَابِ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ)): فَذَكَرَ لِعائشةَ قَولَهم في ثَوبَينِ وُردِ
حِبَرَةٍ؟ فقالت: قد أتي بالبُردِ، ولَكِنَّهم رَدُّوه ولَم يُكَفِّنُوه فيه. وقال الترمذيُّ: حَسَنٌ
صَحِيحٌ. وفي رِوايَةٍ لِلبَيْهَقِيّ (١): في ثَلَاثَةِ أثوابٍ سَحُولِيَّةٍ جُدُدٍ.
■ الثَّانِيَةُ: السَّحُولِيَّةُ بِفَتحِ السِّينِ وضَمِّها، قال النَّووِيُّ: والفَتحُ أشهَرُ،
وهو رِوايَةُ الأكثَرِينَ. قال في ((النِّهايَةِ)) تَبَعًا لِلهَرَوِيِّ(٢): فَالفَتْحُ مَنسُوبٌ إلى
السَّحُولِ وهو القِصَارُ؛ لِأَنَّه يَسحَلُها؛ أي: يَغسِلُها، أو إلى سُحُولَ وهيَ قَرِيَةٌ
باليَمَنِ. وأمَّا الضَّمُّ فَهو جَمعُ سَحلٍ، وهو الثَّوبُ الأبْيَضُ النَّقِيُّ ولَا يَكُونُ إلَّا من
قُطنٍ. وفيه شُذُوذٌ؛ لِأَنَّه نَسَبٌ إلى(٣) الجَمع، وقِيلَ: إِنَّ اسمَ القَريَةِ بالضَّمِّ أيضًا.
انتھی .
وقال في ((الصِّحَاحِ))(٤): السَّحلُ الثَّوبُ الأبيَضُ من الكُرسُفِ من ثِيَابِ
اليَمَنِ، والجَمعُ سُحُولٌ وسُحُلٍ مِثلُ سَقفٍ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الحديثَ. ثُمَّ قال:
ويُقَالُ: سُحُولٌ مَوضِعٌ بِالْيَمَنِ، وهيَ تُنسَبُ إليه.
وقال في ((المُحكَم))(٥): السَّحلُ ثَوبٌ أَبَيَضُ، وخَصَّ بَعضُهم به الثَّوبَ من
القُطْنِ وقِيلَ: السَّحلُ ثَوبٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ، وجَمعُ كُلِّ ذلك أسحَالٌ وسُحُولٌ وسُحُلٌ،
انتھی .
والكُرسُفُ بِضَمِّ الكَافِ، وإسكانِ الرَّاءِ، وضَمِّ السِّينِ المُهمَلَتَينِ، وبالفَاءِ:
القُطْنُ. قال في ((المُحكَم)) (٦): وهو الكُرُفُس(٧) .
■ الثَّالِثَةُ: فيه تَكفينُ المَيِّتِ، وقد أجمَعَ المسلمُونَ على وُجُوبه، وهو
فَرِضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ به البَعضُ سَقَطَ الحَرَجُ عن الباقِينَ.
والأخيرة الأشهر. صححها القاضي عياض في الإكمال (٣٩٤/٣)، والنووي في شرح
=
مسلم (٩/٧).
(١)
السنن الكبرى (٣٩٩/٣).
النهاية (٣٤٧/٢)، وينظر: الغريبين للهروي (٨٧٤/٣).
(٢)
(٣)
ليس في: الأصل.
(٤) الصحاح (١٧٢٦/٥).
(٥)
المحكم (١٩١/٣).
في (م): ((الكرسف)).
(٧)
(٦) المحكم (٧/ ١٦٢).

=
٣٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال العُلَمَاءُ: ويَجِبُ في مَالِهِ، فَإِن لَم يَكُن لَه مَالٌ، فَعلى مَن تَلزَمُه نَفَقَتُه
من سَيِّدٍ وقَرِيبٍ ونَحوِهِ. ولِلمَالِكِيَّةِ في القَرِيبِ ثَلَاثَةُ أقوالٍ: الإلزَامُ لِابنِ القَاسِمِ،
وابنِ المَاحِشُونِ، ونَفْيُه ◌ِأصبَغَ، والثَّالِثُ: وُجُوبُ تَكفينِ الولَدِ دُونَ الأبِ.
واختَلَفَ أصحَابُنَا في المُتَزَوِّجَةِ إذَا كَانَ لَها مَالٌ هَل يجب(١) تَكفيُها من
مَالِها، أو على زَوجِها؟ فَذَهَبَ إلى الأولِ الرَّافِعِيُّ في ((الشَّرحِ الصَّغِيرِ))،
و(المُحَرَّرِ))(٢)، والنَّوِيُّ في ((المنهاج))(٣). وذَهَبَ إلى الثَّانِي الرَّافِعِيُّ في ((الشَّرَحِ
الكَبيرِ))، والنَّورِيُّ في ((الرَّوضَةِ))، و(شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٤). وقال فيه: قَيَّدَ الغَزّالِيُّ
وُجُوبَ الكَفَنِ على الزَّوجِ بِشَرطِ إعسَارِ المَرأةِ. وأنكَرُوه عَلَيه، انتهى.
ومَتَى كَانَت مُعسِرَةً فَتَكفينُها على زَوجِها قَطعًا، وعِندَ المَالِكِيَّةِ في ذلك ثَلَاثَةُ
أقوالٍ: قال مَالِكٌ في ((العُتبيةِ))(٥): إن كَانَت مُوسِرَةً فَفي مَالِها، وإن كَانَت مُعَسِّرَة
(٢٧٢/٣م) [فَفي مال](٦) الزَّوجِ. وقال ابنُ القَاسِمِ: لَا شَيءَ على الزَّوْجِ بِحَالٍ .
انتهى. وقال في ((الواضِحَةٍ))(٧): يُقضَى على الزَّوج بِتَكفينِها، وإن كَانَت مُوسِرَةً.
(٨)
انتھی(٨).
فَإِن لَم يَكُن لَه مَالٌ وَلَيسَ لَه مَن تَلزَمُه نَفَقَتُه، فَفي بَيْتِ المَالِ، فَإِن لَم يَكُن
وجَبَ على المسلمِينَ يُوزِّعُه الإمَامُ على أهلِ اليَسَارِ على مَا يَرَاه.
■ الرَّابِعَةُ: فيه أنَّ السُّنَّةَ لِلرَّجُلِ في الكَفَنِ ثَلَاثَةُ أثوابٍ. وبه قال مَالِكٌ،
والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وأبو حَنِيفَةَ، والجُمهورُ. وقال الترمذيُّ(٩): رُوِيَ في كَفَنِ
النبيِّ وَّهِ رِوايَاتٌ مُختَلِفَةٌ، وحديثُ عائشةَ أصَحُّ الأحَادِيثِ في ذلك، والعَمَلُ عَلَيه
(١) ليس في: (م).
(٢) المحرر (ص٨٣).
منهاج الطالبين (ص٥٨).
(٣)
الشرح الكبير (١٣٤/٥)، والمجموع (١٤٨/٦)، والروضة (٦٢٥/١).
(٤)
(٥) ينظر: الرسالة للقيرواني (ص١٠١)، والنوادر والزيادات (٦٢/٢)، والبيان والتحصيل
(٢٥٢/٢).
(٦) في (ك، م): ((فعلى)).
(٨) ليس في: (ك، م).
(٧) ينظر: عقد الجواهر (١٨٣/١).
(٩) جامع الترمذي عقب: (٩٩٧).

=
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها
٣٩٥
عِندَ أكثَرِ أهلِ العِلمِ من الصَّحَابَةِ وغَيرِهم. وقال البَيهَقِيُّ في ((الخِلافياتِ)): قال
أبو عَبدِ الله، يَعنِي الحَاكِمَ: تَواتَرَت الأخبارُ عن عَلِيٍّ بنِ أبي طالَبٍ نَظُه،
وابنٍ عَباسٍ، وعائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وجَابِرٌ، وعَبدُ الله بنُ مُغَفَّلٍ: في تَكفينِ
النبيِّ وَّ فِي ثَلَاثَةِ أثوابٍ بيضٍ لَيسَ فيها قَمِيصٌ ولَا عِمَامَةٌ، ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةً
[٢٥٢/١ظ] في ((مُصَنَّفِه)) (١) التَّكفينُ في ثَلَاثَةِ أثوابٍ عن أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وأبي
هريرةَ، وعَبدِ الله بن عَمرٍو، وإبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ.
وعن ابنِ عَباسٍ(٢) أنَّه قال: ثَوبٌ، أو ثَلَاثَةٌ، أو خَمسَةٌ.
وعن حُذَيفَةَ أنَّه قال: كَفِّنُونِي فِي ثَوبَي هَذَينٍ .
وعن ابنِ عُمَرَ: أنَّ كَفَّنَ ابنَه واقِدًا في خَمسَةِ أثوابٍ، وقَمِيصٍ، وعِمَامَةٍ،
وثَلَاثِ لَفَائِفَ.
وعن سُويد بنِ غَفَلَةِ(٣) قال: الرَّجُلُ والمَرأةُ يُكَفَّنَانِ فِي ثَوبَينٍ. وكُفِّنَ أبو بَكٍ
في ثَوبَیْنِ .
وعن غُنَيمِ بنِ قَيسٍ: كُنَّا نُكَفِّنُ فِي الثَّوبَينِ والثَّلَاثِةِ(٤) والأربَعَةِ.
وعن هشَامٍ بنِ عروة(٥) أنَّ غَيرَ واحِدٍ من أصحَابِ رسولِ اللهِ وَّ كُفِّنَ في
ثَوبٍ واحِدٍ .
وعن الحَسَنِ البَصرِيِّ(٦): أنَّ عُثْمَانَ بنَ أبي العَاصِي كُفِّنَ في خَمسَةِ أثوابٍ.
وعن عَبدِ الله بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، عن ابنِ الحَنَفيةَ، عن عَلِيٍّ(٧): أنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ كُفِّنَ في سَبعَةِ أثوابٍ، وقد رَوى هَذَا الحديثَ أحمَدُ في
((مُستَدِه))(٨).
وذَكَرَ ابنُ حَزم (٩): أنَّ الوهَمُ فيه من ابنِ عَقِيلٍ، أو مِمَّن بَعدَه.
(١) المصنف (٢٥٨/٣).
(٢) المصنف (٢٥٩/٣).
(٣) المصنف (٢٦٠/٣). في (م): ((ثويب بن عقلة)). وهو خطأ.
(٤)
في (م): ((والثلاث)).
(٥) المصنف (٢٦١/٣). في (م): ((عوف)).
(٦) المصنف (٢٦٢/٣).
(٧) المصنف (٢٦٢/٣).
(٨) أحمد (٩٤/١).
(٩) المحلى (١١٩/٥).

=
٣٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال ابنُ المُنذِرِ (١): وقال سَعِيدُ بنُ عَلقَمَةَ: يُكَفَّنُ فِي ثَوبَيْنِ.
وقال الأوزَاعِيُّ: يَجزِي ثَوبانٍ، وكَذلك قال مَالِكٌ إِذَا لَم يُوجَد غَيرُهمَا .
وقال النُّعمَانُ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ فِي ثَوبَيْنِ .
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَفِّنُ أهلَه في خَمسَةٍ أثوابٍ: عِمَامَةٍ وقَمِيصٍ وثَلَاثٍ لَفَائِفَ.
(٢)
.
انتھی
■ الخَامِسَةُ: التَّكفينُ في ثَلَاثَةِ أثوابٍ، إِنَّمَا هو على طَرِيقِ الاِستِحبابِ
والواجِبُ ثَوبٌ واحِدٌ.
قال الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم: وهو حَقُّ لله تعالى لَا تَنْفُذُ وصِيَّةُ المَيِّتِ
بإسقَاطِه، (٣/ ٢٧٣م) بِخِلَافِ الثَّانِي والثَّالِثِ؛ فَإِنَّهمَا حَقٌّ لِلمَيِّتِ تَنْفُذُ وصِيَّتُه
بإسقَاطِهمَا .
فَلَو لَم يُوصِ، فقال بَعضُ الورَثَةِ: يُكَفَّنُ بِثَوبٍ. وبَعضُهم: بِثَلَاثَةٍ،
فَالمَذْهَبُ التَّكفينُ بِثَلَاثَةٍ. ولَو اتَّفَقَت الورَثَةُ على ثَوبٍ: قال البَغَوِيّ: يَجُوزُ. وقال
المُتَولِّي: هو على الخِلَافِ. وقال النَّووِيُّ(٣): إنَّه أقيَسُ، وهو مَذهَبُ المَالِكِيَّةِ.
ولَو كَانَ عَلَيهِ دَيْنٌ مُستَغرِقٌ، فقال الغُرَمَاءُ: نُكَفِّئُه ◌ِثَوبٍ واحِدٍ، أجِيبوا على
الأصَحِّ خِلَافًا لِلمَالِكِيَّةِ.
ومَن هو في نَفَقَّةِ غَيرِه أو كُفِّنَ من بَيْتِ المَالِ أو من عِندِ المسلمِينَ يُقْتَصَرُ
فیه علی ثَوبٍ واحِدٍ .
واختَلَفَ أصحَابُنَا في قدرِ الثَّوبِ الواجِبِ على وجهَينِ :
أحَدُهمَا: مَا يَستُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، وبه قال المَالِكِيَّةُ والحَنَابِلَةُ.
والثَّانِي: مَا يَستُرُ العَورَةَ خَاصَّةً، ويَخْتَلِفُ ذلك باختِلَافِ عَورَةِ المُكَفَّنٍ في
الذُّكُورَةِ والأنُوثَةِ. وصَحَّحَه الرَّافِعِيُّ في (شَرحِهِ الصَّغِيرِ))، والنَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٤)،
(١) الأوسط (١١٨/٩).
(٢) ليس في: الأصل.
(٣) روضة الطالبين (٦٢٤/١)، وينظر: الشرح الكبير (١٣٣/٥).
(٤) روضة الطالبين (٦٢٣/١).

=
بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها
٣٩٧
وقال: صَحَّحَه الجُمهورُ، وهو ظَاهرُ النَّصِّ. وقال القَاضِي من الحَنَابِلَةِ: لَا يَجزِي
أقَلُّ مِن ثَلَاثَةِ أثوابٍ لِمَن يَقدِرُ عَلَيها، وحُكِيَ مِثلُه عن عائشةَ. وقال الحَنَفيةُ:
يَجُوزُ الاقتِصَارُ على ثَوبَينٍ، ويُكرَه ثَوبٌ واحِدٌ إلَّا في حَالةِ الضَّرُورَةِ.
■ السَّادِسَةُ: مَذهَبُنَا: أنَّ الصَّبِي الصَّغِيرَ كَالكَبيرِ في استحبابٍ تَكفينِه في
ثَلَاثَةِ أثوابٍ. وقال ابنُ قُدَامَةَ(١): قال أحمَدُ يُكَفَّنُ الصَّبي في خِرِقَةٍ، وإن كُفِّنَ في
ثَلَاثَةٍ فَلا بأسَ. وكَذلك قال(٢) إسحَاقُ. ونَحوُه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والثَّورِيُّ،
وأصحَابُ الرَّأيِ وغَيرُهم لَا خِلَافَ بينهم، في أنَّ ثَوبًا يُجزِئُه، وأنَّه إن كُفِّنَ في
ثَلَاثَةٍ فَلا بأسَ؛ لِأَنَّه ذَكَرٌ فَأَشبَهَ الرَّجُل. انتَهَى.
السَّابِعَةُ: قال الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا والحَنَفيةُ والحَنَابِلَةُ وغَيرُهم: يُستَحَبُّ
تَكفينُ المَرأةِ في خَمسَةِ أثوابٍ، فَفَرَّقُوا بينها وبين الرِّجَالِ؛ لِأنَّها تَزِيدُ فِي حَيَاتِها
على الرَّجالِ في السِّترِ لِزِيَادَةِ عَورَتِها فَكَذا(٣) بَعدَ المَوتِ، وفي ((سُنَنِ
أبي دَاوُد))(٤): مَا يَدُلُّ على ذلك في تَكفينِ أمِّ كُلُومٍ بِنتِ رسول الله وََّ، لَكِن قال
أصحَابُنَا: لَيسَتِ الخَمسَةُ في حَقِّ المَرأةِ كَالثَّلَاثَةِ في حَقِّ الرَّجُلِ، حَتَّى نَقُولُ:
يُجَبَرُ(٥) الورَثَةُ عَلَيها كَمَا يُجَبَرُونَ(٦) على الثَّلَاثَةِ. وقال المَالِكِيَّةُ: الزِّيَادَةُ على
الثَّلَاثَةِ إلى الخَمسَةِ (٢٧٤/٣م) مُستَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ، والنِّسَاءِ وهيَ في حَقِّهنَّ أَكَدُ.
وقال ابنُ المُنذِرِ (٧): أكثَرُ مَن نَحفَظُ عنه من أهلِ العِلم [٢٥٣/١و]: يَرَى أن
تُكَفَّنَ المَرأةُ في خَمسَةِ أثوابٍ، منهم: الشَّعبي، ومُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ،
والأوزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وإسحَاقُ، وأبو ثَورٍ، وأصحَابُ
الرَّأيِ. وقال عَطَاءٌ: تُكَفَّنُ في ثَلَاثَةِ أثوابٍ: دِرِعٌ، وثَوبٌ تَحتَ الدِّرعِ تُلَفُّ به،
وثَوبٌ فَوقَه تُلَفُّ فیه.
وقال سُلَيمَانُ بنُ مُوسَى: دِرِعٌ وخِمَارٌ ولِفَافَةٌ تُدَرَجُ فيها. انتَهَى.
(١) المغني (٣٤١/٢).
(٣) في (م): ((فكذلك)).
(٥) في (م): ((يخير)).
(٧) الأوسط (١٢٠/٩).
(٢) ليس في: (م).
(٤) أبو داود (٣١٥٧).
(٦) في (م): ((يخيرون)).

٣٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلِ فِي الجَارِيَةِ إِذَا لَم تَبلُغ: تُكَفَّنُ في لِفَافَتَيْنِ، وقَمِيصٍ لَا
خِمَارَ فیه.
وظَاهرُ هَذَا: أنَّها لَا تَصِيرُ كَالمَرأةٍ في الكَفَنِ إلَّا بَعدَ البُلُوغِ، وَرَوى عنه
أكثرُ أصحابه: أنَّها إذَا كَانَت بِنتَ تِسعِ يُصنَعُ بها مَا يُصنَعُ بالمرأةِ.
واختَلَفَ العُلَمَاءُ في الأثوابِ الخَمسَةِ التي تُكَفَّنُ بها المَرأةُ: فَحُكِيَ عن
الشَّافِعِيِّ في الجَدِيدِ: أنَّها إزَارٌ، وخِمَارٌ، وثَلَاثُ لَفَائِفَ. وعن القديمِ: إِزَارٌ،
وخِمَارٌ، وقَمِيصٌ، ولِفَافَتَانِ. وذَكَرَ الرَّافِعِيُّ: أنَّ هَذِهِ المَسألةَ مِمَّا يُفتَى فيه على
القديم، وأنَّه الأظهَرُ عِندَ الأكثَرِينَ.
وحَكَى النَّوِيُّ(١) عن الشَّيخ أبي حَامِدٍ، والمَحَامِلِيِّ: أنَّ المَعْرُوفَ لِلشَّافِعِيِّ
في عَامَّةِ كُتُبُه أن يَكُونَ فيها قَمِيصٌ، وأنَّ القَولَ الآخَرَ لَا يُعرَفُ إلَّا عن المُزَنِيّ.
قال: فَعلى هَذَا لَا يَكُونُ إثباتُ القَمِيصِ مُختَصًّا بالقديمِ، وهَذَا مَذهَبُ
مَالِكٍ.
وحَكَاه ابنُ قُدَامَةَ الحَنبَلِيُّ (٢) عن أكثَرِ أصحَابهم وغَيرِهم وصَحَّحَه، ورَواه
ابنُ أبي شَيبَةَ(٣) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ.
وقال الخِرَقِيِّ منهم: قَمِيصٌ، وإزَارٌ، ومُقَنَّعَةٌ، ولِفَافَةٌ، وخَامِسَةٌ يُشَدُّ بها
فَخِذَاها. فَجَعَلَ بَدَلَ اللَّفَافَةِ الأخرَى خِرقَةً تُشَدُّ على فَخِذَيها. وأَشَارَ إليه أحمَدُ،
وكَذَا قال الحَنَفيةُ: إنَّ الأثوابَ الخَمسَةَ قَمِيصٌ، وإزَارٌ، وخِمَارٌ، ولِفَافَةٌ، لَكِنَّهم
قَالُوا في الخَامِسِ: خِرِقَةٌ تُربَطْ فَوقَ ثَدَيَيها. وهو غَيرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ التي عِندَ
الحَنَابِلَةِ: أنَّ الخَامِسَةَ خِرِقَةُ تُشَدُّ بها فَخِذَاها، إلّا أنَّه قَرِيبٌ منه(٤).
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٥) عن الشَّعبي: تُكَفَّنُ المَرأةُ في دِرعٍ، وخِمَارٍ، ولِفَافَةٍ،
ومنطَقَةٍ، وخِرِقَةٍ، تَكُونُ على بَطنِها .
(١) روضة الطالبين (٦٢٦/١).
(٢) المغني (٣٩١/٣، ٣٩٢).
(٣) المصنف (٢٦٢/٣).
(٤) ينظر: الهداية (٨٩/١)، والإنصاف للمرداوي (٥١٣/٢).
(٥) المصنف (٢٦٣/٣).

بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلاَةِ عَلَيها
٣٩٩
=
وعن إبراهيمَ النَّخَعِيّ: مِثْلُه إلَّا أنَّه قال: والخِرقَةُ التي تُشَدُّ عَلَيها، وفي
رِوايَةٍ عنه بَدَلُ المنطَق (١): الإزَارُ. وهو هنَا بِمَعْنَاه.
وعن ابنِ سِيرِينَ في الدِّرعِ، والخِمَارِ، والرِّدَاءِ، والإزَارِ، والخِرِقَةِ.
وعن ابنِ سِيرِينَ أيضًا: تُوضَعُ الخِرِقَةُ على بَطنِها، أو يُعَصَّبُ بها فَخِذَاها.
وعنه أيضًا: يُلَفُّ بها الفَخِذَانِ تَحتَ الدِّرعِ.
وعن إبراهيمَ النَّخَعِيّ: تُشَدُّ الخِرقَةُ فَوقَ الغِّيَابِ. (٢٧٥/٣م) وذَكَرَ
ابنُ المُنذِرِ (٢) في تَفسِيرِ الأثوابِ الخَمسَةِ: أنَّها دِرِعٌ (٣)، وخِمَارٌ، ولِفَافَتَانِ، وَثَوبٌ
لَطِيفٌ يُشَدُّ على وسَطِها يَجمَعُ ثِيَابَها .
■ الثَّامنةُ: فيه أنَّه يُستَحَبُّ في لَونِ الكَفَنِ البَيَاضُ، وهو مُجمَعٌ عَلَيهِ كَمَا
قال النَّووِيُّ، قَالُوا: ويَجُوزُ التَّكفينُ في سَائِرِ الألوانِ، إلَّا أنَّه لَا بُدَّ أن يَكُونَ
الكَفَرُ مِمَّا يَجُوزُ له (٤) لُبسُه في حَيَاتِهِ(٥) .
■ التَّاسِعَةُ: في قَولِه في رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)): ((من كُرُسُفٍ))، أنَّه يَنبَغِي أن
يَكُونَ جِنسُ الكَفَنِ القُطْنَ. واستَدَلَّ به على ذلك النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٦)
فقال: فيه دَلِيلٌ على استِحبابِ كَفَنِ القُطنِ. انتَهَى.
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٧) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، ومُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ:
أنَّه كَانَ يُعجِبُهمَا أن يَكُونَ الكَفَنُ كَتَّانًا .
وقال أصحابُنَا: جِنسُه في حَقِّ كُلِّ مَيِّتٍ مَا يَجُوزُ لَه لُبسُه في الحَيَاةِ، فَيَجُوزُ
تَكفينُ المَرأةِ في الحَرِيرِ لَكِن يُكرَه، ويَحرُمُ تَكفينُ الرَّجُلِ به.
فَأمَّا المُزَعفَرُ والمُعَصفَرُ، فَلَا يَحرُمُ تَكفينُها فيه، لَكِن يُكرَه على المَذهَبِ،
وكَذَا قال الحَنَّفيةُ: مَا جَازَ لِلإِنسَانِ لُبسُه في حَيَاتِهِ جَازَ تَكفينُه به. وقال أحمَدُ
(١) في (م): ((المنطقة)).
(٢) الأوسط (٣٨٢/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٣) بعده في الأصل: ((وإزار)).
(٤) من: (ك).
(٥)
روضة الطالبين (٦٢٣/١).
(٧) المصنف (٢٦٥/٣).
(٦) شرح مسلم (٨/٧).

=
٤٠٠
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ابنُ حَنبَلٍ: لَا يُعجِبُنِي أن يُكَفَّنَ في شَيءٍ من الحَرِيرِ. وكَرِهَ ذلك الحَسَنُ،
وابنُ المُبارَكِ، وإسحَاقُ.
[٢٥٣/١ظ] قال ابنُ المُنذِرِ(١): ولَا أحفَظُ عن غَيرِهم خِلَافَه. وذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ
في جَوازٍ تَكفينِ المَرأةِ بالحَرِيرِ احْتِمَالينٍ، وقال: أقيَسُهمَا الجَوازُ لَكِن يُكرَه،
وكَذلك يُكرَه تَكفينُها بالمعَصفَرِ ونَحوِهِ. قال الأوزَاعِيُّ: لَا يُكَفَّنُ المَيِّتُ في الثِّيَابِ
المُصَبَّغَةِ، إِلَّ مَا كَانَ من العَصَبِ؛ يَعنِي: مَا صُبِغَ بالعَصَبِ، وهو نَبتٌ يَنْبُتُ
بالَمَنِ .
وعِندَ المَالِكِيَّةِ في التَّكفينِ بِالحَرِيرِ أقوالٌ:
الجَوازُ مُطلَقًّا، لِسُقُوطِ المَنعِ بالموتِ، لَكِن يُكرَه، والمَنعُ مُطلَقًّا، إلا
لِضَرُورَةٍ، وهمَا مَحكِيَّانِ عن مَالِكِ، والثَّالِثُ: قاله ابنُ حَبيبٍ: يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ دُونَ
الرِّجَالِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢): كَرِهَ مَالِكٌ، وعَامَّةُ
الفقهاءِ التَّكفينَ في الحَرِيرِ مُطلَقًا. قال ابنُ المُنذِرِ: ولَا أَحفَظُ خِلَافَه.
■ العَاشِرَةُ: قَولُه: لَيسَ فيها قَمِيصٌ ولَا عِمَامَةٌ، اختَلَفَ العُلَمَاءُ في
مَعنَاه :
فَالصَّحِيحُ: أَنَّ مَعنَاه أنه لَيسَ في الكَفَنِ قَمِيصٌ، ولَا عِمَامَةٌ أصلًا.
والثَّانِ: أنَّ مَعنَاه أنَّه كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أثوابٍ خَارِج(٣) عن القَمِيصِ والعِمَامَةِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٤): والأولُ أظهَرُ في المُرَادِ.
وذَكَرَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٥): أنَّ الأولَ تَفسِيرُ الشَّافِعِيِّ، وجُمهورٍ
العُلَمَاءِ. قال: وهو الصَّوابُ الذِيِّ يَقتَضِيه ظَاهرُ الحديثِ. وقال: إنَّ الثَّانِيَ
ضَعِيفٌ، فَلَم يَثْبُت أنَّهِ وَلَ كُفِّنَ في قَمِيصٍ وعِمَامَةٍ، (٢٧٦/٣م). انتَهَى.
(١) الأوسط (٣٨٧/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٢) إكمال المعلم (٣٩٣/٣، ٣٩٤)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٨/٧).
(٣)
في (م): ((خارجة)).
(٥) شرح مسلم (٨/٧).
(٤) إحكام الأحكام (ص٣٧٩).