Indexed OCR Text

Pages 341-360

كم
٣٤١
=
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((الأوسَطِ))(١)، بإسنادٍ جَيِّدٍ، من رِوايَةِ سَالِم، عن
عائشةَ، بلفظ: ((مَا ضُرِبَ على مُؤمن عِرِقٌ قَطُّ، إلَّ حَطَّ اللهُ بِه خَطِيئَةً، وَكَّتَبَ لَه
حَسَنَّةً، ورَفَعَ لَه دَرَجَةً)).
■ الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ في ((الصِّحَاحِ))(٢): أنَّ الوجَعَ المَرَضَ، وكَذَا قال في
(المُحكَم))(٣): الوجَعُ اسمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ، وحِينَئِذٍ فَيُشكِلُ عَطفُه عَلَيه بواو، وكَيفَ
يُعطَفُ الشَّيءُ على نَفسِه. والذي يَظهَرُ: أَنَّ الوجَعَ أعَمُّ من المَرَضِ، فَإِنَّه قد
يَكُونُ عن مَرَضٍ، وقد يَكُونُ عن غَيرِهِ كَضَربٍ ونَحوِهِ، تَقُولُ: أوجَعني الضَّربُ؛
أي: آلْمَنِي، وإن لَم يَنشَأ عن ذلك الإلمِ مَرَضٌ. وقد قال في ((الصِّحَاحِ)) بَعدَ
ذلك: والإِيجَاعُ الإِيلَامُ، وضَربٌ وجِيعٌ؛ أي: مُوجِعٌ مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعنَى مُؤْلِمٍ، وقال
في ((المَشَارِقٍ))(٤): العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَرَضٍ وجَعًا. انتَهَى.
وهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرته من أنَّ الوجَعَ أعَمُّ، فَغَايَةُ مَا فيه أنَّ كُلَّ أنواعِ
المَرَضِ عَظُمَ أو خَفَّ يُسَمَّى وجَعًا، ولَيسَ فيه أنَّ الوجَعَ لَا يُطلَقُ على غَيرِ
المَرَضِ، وآكَدُ من ذلك [٢٤٢/١ و] في مُوافَقَةِ مَا قُلته، قَولُ النَّوِيِّ(٥) في الكَلَامِ
على حديثٍ عائشةَ: مَا رَأيت رَجُلًا أشَدَّ عَلَيه الوجَعُ من رسولِ الله وَلَّ(٦).
قال العُلَمَاءُ: الوجَعُ هنَا المَرَضُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَرَضٍ وجَعًا، فَقَولُه:
الوجَعُ هَا المَرَضُ، يَقتَضِي أنَّه (٢٣٨/٣م) في غَيرِ هَذَا المَحَلِّ يُستَعمَلُ بِمَعنّی
آخَرَ، وحِينَئِذٍ فَعَطفُ الوجَعِ على المَرَضِ من ذِكرِ العَامِّ بَعدَ الخَاصِّ، فَخَصَّ
المَرَضَ بالذِّكرِ لِشِدَّةِ الأمرِ فيه، ثُمَّ بَيَّن أنَّ مُطلَقَ الألمٍ، وإن لَم يَكُن لِمَرَضٍ
گذلك.
(١) المعجم الأوسط (٢٤٦٠) من طريق عمران بن يزيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن
سالم به. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به
عمران. انتهى. وينظر: العلل لابن أبي حاتم (١٠٦١).
(٤) المشارق (٢/ ٢٨٠)، وينظر: إكمال المعلم (٣٦٣/٥).
(٢)
الصحاح (١٢٩٤/٣).
(٥)
شرح النووي على مسلم (١٢٦/١٦، ١٢٧).
(٦) أخرجه البخاري (٥٦٤٦)، ومسلم (٤٤/٢٥٧٠).
(٣) المحكم (٢٨٥/٢).

=
S
٣٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: ظَاهرُ قَولِهِ: إِلَّا كَانَ ((كَفَّارَةً لِذَنبه))، ترَتّبَ (١) تَكفيرَ جَمِيعِ
الذُّنُوبِ على مُطلَقِ المَرَضِ والوجَعِ، لِلعُمُومِ الذِي فِي قَولِه: ((لِذَنبه)).
فَإِنَّه مُفرَدٌ مُضَافٌ، لَكِنَّ العُلَمَاءَ لَم يَقُولُوا بِذلك في الكَبائِرِ، بَل قَالُوا: إنَّ
تَكفيرَها لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّوبَةِ، وطَرَدُوا ذلك في سَائِرِ المُكَفِّرَاتِ من الأعمَالِ
والمَشَاقِ، وأصلُهم في ذلك وُرُودُه في قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((الصَّلَواتُ
الخَمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بينهنَّ مَا
اجتَنبَ(٢) الگَبائِرَ))(٣).
فَحَمَلُوا المُطلَقَاتِ الوارِدَةَ في التَّكفيرِ على هذا(٤) المُقَيَّدِ، والقَولُ بِتَكفيرِ
المَرَضِ وإن خَفَّ، والوجَعِ وإن خَفَّ لِجَمِيعِ الصَّغَائِرِ، فيه بَعدُ، وقد عَرَفتَ أنَّ الذِي
في رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)): ((كَفَّرَ الله بها عنه))، ولَم يَذكُر تَكفيرَ جَمِيع الذُّنُوبِ. بَل قَولُه
في رِوايَةٍ مسلم(٥): ((قَصَّ اللهُ بها من خَطِيئَتِه)) صَرِيحٌ في تَكفيرِ البَعضِ، وورَدَ في
رِوايَةٍ أخرَى أنَّ المُكَفَّرَ خَطِيئَةٌ واحِدَةٌ، وفي رِوايَةٍ أخرَى، ضَعِيفَةٍ: ((عَشرَ سَيِّئَاتٍ)).
فَيُحمَلُ لَفِظُ الرِّوايَةِ التي رواها المُصَنِّفُ، كَُّهُ تعالى، من طَرِيقِ الإمَامِ
أحمَدَ على (٦أنَّ معناه٦): أنَّ المَرَضَ صَالِحٌ لِتَكفيرِ الذُّنُوبِ، فَيُكَفِّرُ اللهُ بِه مَا يَشَاءُ
منها، وتَكُونُ كَثْرَةُ التَّكفيرِ وقِلَّتُه باعتبارِ شِدَّةِ المَرَضِ وخِفَّتِهِ، وقد ورَدَ أنَّ تَكفيرَ
جَمِيعِ الذُّنُوبِ بِمَرَضِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وورَدَ بِحُمَّى لَيلَةٍ، وكِلَاهمَا لَم يَصِحَّ، فَرَوى
الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيه ((الأوسَطِ))، و(الصَّغِيرِ))(٧) عن أنَسِ بنِ مَالِكِ نَظُبه قال: قال
النبيُّ نَّهِ: ((إِذَا مَرِضَ العَبدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، خَرَجَ من ذُنُوبِه كَيَومٍ وَلَدَته أمُّه)). وفي سَنَدِهِ
إبرَاهيمُ بنُ الحَكَمِ بنِ أبانَ، وهو مَترُّوٌَّ.
في (ك، م): ((رتب)).
(١)
(٣)
أخرجه مسلم (١٦/٢٣٣).
(٢) في: (ك، م): ((اجتنبت)).
(٤) ليس في: (ك، م).
(٦ - ٦) ليس في: (م).
(٧) المعجم الصغير (٥١٩)، من طريق: إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي، عن
(٥)
مسلم (٤٨/٢٥٧٢).
عكرمة، عن أنس بن مالك به.
قال الطبراني: لم يروه عن عكرمة إلا الحكم، تفرد به إبراهيم. انتهى. وعزاه الهيثمي
في المجمع (٣٠٠/٢) إلى المعجم الأوسط.

=
٣٤٣
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
ورَوى ابنُ أبي الدُّنْيَا في كِتَابِ ((المَرَضِ والكَفَّارَاتِ))(١) عن الحَسَنِ، رَفَعَه،
قال: ((إنَّ اللهَ رَى لَيُكَفِّرُ عن المُؤْمنِ خَطَايَاه كُلَّها بِحُمَّى لَيلَةٍ)). قال ابنُ المُبارَكِ:
هَذَا من جَيِّدِ الحديثِ.
قُلتُ: لَكِنَّ مُرسَلَاتِ الحَسَنِ غَيرُ مُحتَجِّ بها عِندَ أهلِ الحديثِ.
الزَّابِعَةُ: المُرَادُ بِتَكفيرِ الذَّنبِ سَترُه، ومَحوُ أثَرِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيه من
استِحِقَاقِ العُقُوبَةِ.
قال في ((الصِّحَاحِ) (٢): التَّكفيرُ في المَعصِيَةِ كَالإحباطِ في الثَّوابِ؛ أي: إنَّ
مَعنَى تَكفيرِ المَعصِيَةِ مَحوُ أثَرِها المُتَرَتِّبِ عَلَيها وهو العُقُوبَةُ، كَمَا أنَّ مَعنَى(٣)
إحباطِ (٢٣٩/٣م) الطَّاعَةِ مَحوُ أثَرِها المُتَرَتِّبِ عَلَيها وهو الثَّوابُ، واللهُ أعلمُ.
] الخَامِسَة: ظَاهرُه تَرَتُّبُ تَكفيرِ الذَّنبِ على مُجَرَّدِ المَرَضِ أو الوجَعِ،
سَواءٌ انضَمَّ إليه صَبْرٌ أم لا. واعتَبَرَ أبو العَباسِ القُرطُبي(٤) في حُصُولٍ ذلك وُجُودُ
الصَّبرِ، فقال: لَكِنَّ هَذَا كُلَّه إِذَا صَبَرَ المُصَابُ واحتَسَبَ، وقال مَا أمَرَه الله به في
[البقرة: ١٥٦]،
١٥٦)
قَولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لَِّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
فَإِذَا كَانَ كَذلك وصَلَ إلى مَا وعَدَه الله، ورسولُه من ذلك. انتَهَى.
وهو مُطالَبٌ بالدَّلِيلِ على ذلك، فَإِن ذَكَرَ أحَادِيثَ فيها التَّقِيدُ بالصَّبرِ،
فَجَوابُه: أنَّ تِلكَ الأحَادِيثَ أكثَرُها ضَعِيفٌ، والّذِي صَحَّ منها فَهو مُقَيَّدٌ بِثَوابٍ
مَخصُوصٍ، فَاعْتَبَرَ فيها الصَّبَرَ لِحُصُولِ ذلك الثَّوابِ المَخصُوصِ، ولَن تَجِدَ حديثًا
صَحِيحًا رَتَّبَ فيه مُطلَقُ التَّكفيرِ على مُطلَقِ المَرَضِ مَعَ اعتِبارِ الصَّبرِ في ذلك، وقد
اعتبرَتُ الأحَادِيثَ في ذلك فَتَحَرَّرَ لِي مَا ذَكَرتُه.
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِه الكَبيرِ)) (٥) عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ قال: قال
(١) المرض والكفارات (٢٨). ينظر: المقاصد الحسنة (ص٣١٥)، وكشف الخفاء
(٣٦٧/١).
(٢) الصحاح (٨٠٨/٢).
(٤)
المفهم (٥٤٦/٦).
(٣) ليس في: الأصل.
(٥) المعجم الكبير (٨٦/١٠) ح (١٠٠٣٤)، وقال: لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود =

=
٣٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
رسولُ الله ◌َّهِ: (مَن مَاتَ لَه وَلَدٌ ذَكَرٌ أو أنثَى سَلَّمَ أو لَم يُسَلِّم رَضِيَ أو لَم
يَرْضَى (١) صَبَرَ أو لَم يَصبِر لَم يَكُن لَه ثَوابٌ إِلَّ الجَنَّةُ))، وإِسنَادُه ضَعِيفٌ.
ويُنَاقَشُ القُرطُبي في قَولِه: مَا أمَرَه الله به في قَولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةُ، ولَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ أمرٌ، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: لَم يَذكُر في رِوايَةِ عُروةَ عن عائشةَ إلَّ التَّكفيرَ، وفي إحدَى
طَرِيقَي الأسودِ، عن عائشةَ [٢٤٢/١ظ]: (رَفَعَه الله بها دَرَجَةً، أو حَطَّ عنه بها
خَطِيئَةً))(٢)، وهو إمَّا شَكٌّ من الرَّاوِي، وإمَّا تَنوِيعٌ من النبيِّ وَّهِ باعتبارِ النَّاسِ،
فَالمُذنِبُ يَحُظُ عنه خَطِيئَةً، ومَن لَا ذَنبَ لَه كَالأنبياءِ، ومَن عَصَمَه الله تعالى تُرفَعُ
لَه دَرَجَةٌ.
أو باعتبارِ المَصَائِبِ، فَبَعضُها يرَتَّبُ(٣) عَلَيْه حَظُّ الخَطِيئَةِ، وبَعضُها يرَتَّبُ (٤)
عَلَيهِ رَفعُ الدَّرَجَةِ.
وفي طَرِيقِ الأسودِ، عن عائشةَ الآخَرِ: الجَمعُ بين رَفع الدَّرَجَةِ وحَطّ
الخَطِيئَةِ(٥)، وفي رِوايَةِ الأسودِ عِندَ الطَّبَرَانِيِّ: كِتَابَةُ عَشرٍ حَسَنَاتٍ، وتَكفيرُ عَشرِ
سَيِّئَاتٍ، وَرَفعُ عَشرِ دَرَجَاتٍ(٦)، والزِّيَادَةُ مَقبولَةٌ إِذَا صَحَّ سَنَدُها، وذلك يَقْتَضِي
حُصُولَ الأَجُورِ على المَصَائِبِ، وبهذا قال الجُمهورُ. وخَالفَ في ذلك طَائِفَةٌ
منهم: أبو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، وابنُ مَسعُودٍ، فَقَالُوا: إنَّمَا يَتَرَتَّبُ على المَصَائِبِ
التَّكفيرُ دُونَ الأجرِ، رَوى أحْمَدُ في ((مُسنَدِه))(٧) عن عِيَاضِ بنِ غُطَيفٍ قال: دَخَلْنَا
على أبي عُبَيدَةَ نَعُودُه من شَكوى أصَابَته، وامرَأْتُه قَاعِدَةٌ (٢٤٠/٣م) عِندَ رَأْسِه.
فَقُلت: كَيفَ باتَ أبو عُبَيْدَةَ؟ قالت: والله لَقد باتَ بأجرٍ. فقال أبو عُبَيدَةَ: مَا بِتُّ
إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو الأودي. وقال الهيثمي في المجمع (١٣/٣): فيه
=
عمرو بن خالد الأعشى، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
(١)
في (م): ((يرضَ)).
(٣)
في (م): ((يترتب)).
(٥) مسلم (٤٦/٢٥٧٢).
(٧) أحمد (١٩٥/١).
(٢) مسلم (٤٧/٢٥٧٢).
(٤) في (م): ((يترتب)).
(٦) المعجم الصغير (٧٠٢).

=
كم
٣٤٥
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
بأجرٍ، وكَانَ مُقبِلًا بِوجهه على الحَائِطِ، فَأقبَلَ على القَوم وقال: أَلَا تَسألُونِي عَمَّا
قُلتُ؟ قَالُوا: مَا أعجَبَنَا مَا قُلتَ، نَسألُك عنه؟، قال: سَمِعتُ رسولَ الله وَهـ
يَقُولُ: ((مَن ابتَلَاه الله بِيَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، فَهو لَه حِطَّةٌ)).
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيَا(١) عن أبي مَعمَرِ الأزدِيِّ، أنَّ ابنَ مَسعُودٍ قال ذَاتَ
يَومٍ: إلَّا أنَّ السُّقْمَ لَا يُكتَبُ لَه أجرٌ. فَسَاءَنَا ذلك وكَبُرَ عَلَيْنَا، فقال: ولَكِن تُكَفَّرُ
به الخَطَايَا. فَسَرَّنَا ذلك وأعجَبَنَا .
وكَأَنَ هَؤُلَاءِ لَم يَبلُغهم الأحَادِيثُ المُصَرِّحَةِ بِرَفعِ الدَّرَجَاتِ وكَتبٍ
الحَسَنَاتِ، وقد تَقدمَ ذِكرُ بَعضِها .
■ السَّابِعَةُ: وافَقَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ عَبدُ العَزِيزِ بنُ عَبدِ السَّلَامِ تَظْتُ على
حُصُولِ الأجرِ، ولَكِنَّه قال: إنَّه لَيسَ على المُصِيبَةِ نَفسِها، وإنَّمَا يُؤْجَرُ على الصَّبْرِ
عَلَيها، وهو قَرِيبٌ مِمَّا تَقدمَ عن أبي العَباسِ القُرطُبي في اعتِبارِهِ الصَّبرَ في
حُصُولِ التَّكفيرِ، وهو مُطالَبٌ بالَّلِيلِ على ذلك، وظَاهرُ الحديثِ يَقتَضِي تَرَتُّبَ
كِتَابَةِ الحَسَنَةِ على مُجَرَّدِ المُصِيبَةِ، وتَأكَّدَ ذلك بِحديثِ(٢) ابنِ مَسعُودِ المُتَقدمِ ذَكَرُه
في الفَائِدَةِ الخَامِسَةِ.
وفي (مُسنَدِ أحمَدَ))(٣)، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عن جَابِرٍ، قال: استَأْذَنَت الحُمَّى
على رسولِ اللهِ وَّه، فقال: ((مَن هَذِه))؟ قالت: أمُّ مِلدَم(٤). فَأمَرَ بها إلى أهلٍ
قُبَاءَ، فَلَقُوا منها مَا يَعلَمُ اللهُ، فَأَتَوه فَشَكُوا ذلك إليه. فقال: ((مَا شِئْتُم، إن شِئْتُم
دَعَوتُ اللهَ لَكُم فَيَكشِفُها عنكُم، وإن شِئْتُم أن تَكُونَ لَكُم طَهورًا؟)) قَالُوا:
يا رسولَ الله وتَفعَلُ؟ قال: ((نَعَم)). قَالُوا: فَدَعها.
فَقد يُقَالُ: جَعَلَها النبيُّ وََّ طَهورًا لَهم مَعَ شَكواهم، وذلك يُنَافي الصَّبرَ.
وفي ((مُسنَدٍ أبي بَكرٍ البَزَّارِ))(٥) عن ابنِ مَسعُودٍ قال: كُنَّا عِندَ رسولِ الله وَه
(١) المرض والكفارات (١٦).
(٣) أحمد (٣١٦/٣).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) في (م): ((بلدم)).
(٥) مسند البزار (١٧٦١). وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا
الوجه. وينظر: إتحاف الخيرة المهرة (٤٠٧/٤)، والمطالب العالية (٥٤/١١).

=
٣٤٦
M.
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فَتَبَسَّمَ. فَقُلنَا: يَا رسولَ الله، مِمَّ تَبَسَّمت؟ قال: ((عَجِبتُ لِلمُؤمن وجَزَعِه من
السَّقَمِ، ولَو يَعلَمُ مَا لَه في السَّقَم لَأحَبَّ أن يَكُونَ سَقِيمًا حَتَّى يَلقَى الله))، وجه
الدلالَةِ: أنَّه أثبَتَ لَه الأجرَ مَعَ خُصُولِ الجَزَعِ، ولَكِنَّه لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ في سَنَدِهِ
مُحَمَّدُ بنُ أبي حُمَيدٍ، وهو ضَعِيفٌ عِندَهم.
■ الثَّامنةُ: قَولُه: ((حَتَّى الشَّوكَةْ))، يَجُوزُ فيه الجَرُّ عَطفًا على لَفِظِ
المَرَضِ، والرَّفعُ عَطفًا على مَحَلِّه، فَإِنَّ ((من)) زَائِدَةٌ، وكَذَا الوجهانِ في قَولِه: ((أو
النَّكبَةُ)). وقد نَقَل أبو العَباسِ القُرطُبي(١) الوجهَينِ عن تَقِيدِ المُحَقِّقِينَ، إِلَّا أنَّهـ
قال: إنَّ رَفعَ الشَّوكَةِ على الابتِدَاءِ، ولَا يَجُوزُ عَطفًا على المَحَلِّ (٢٤١/٣م)؛ لِأنَّ
مَا قَبَلَها لَيْسَ لَه مَوضِعُ رَفعٍ .
قُلتُ: وفيمَا ذَكَرَه نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا قَبلَها [٢٤٣/١ و] وهو المَرَضُ، في مَحَلِّ
رَفْعِ على الابتِدَاءِ، فَالعَطفُ عَلَيه سَائِغٌ لَا تَقدِيرَ فيه، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَه من
الإِبْتِدَاءِ، فَإِنَّه يَحتَاجُ مَعَه إلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ، فَهَذَا الوجه إن جَازَ فَهو مَرجُوحٌ، ومَا
ذَكَرَته رَاجِحٌ أو مُتَعَيِّنٌ، واللهُ أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: ((النَّكبَةُ)) بِفَتح النُّونِ، وإسكَانِ الكَافِ، وفَتحِ الباءِ المُوحَّدَةِ.
قال القَاضِي وتَبِعَه النَّوِيُّ(٢): مِثْلُ العَثرَةِ يَعثُرُها بِرِجلِه، ورُبَّمَا جُرِحَت أصبُعُه،
وأصلُه من النَّكبِ(٣)، وهو القَلبُ والكَبُّ. وقال أبو العَباسِ القُرطُبي(٤): هيَ(٥)
العَثْرَةُ والسَّقْطَةُ، وقَولُه: ((يُنكَبُّها)) بِضَمِّ اليَاءِ، وفَتحِ الكَافِ مَبَنِيًّا لِلمَفْعُولِ.
قُلتُ: ومَا ذَكَرُوه في ذلك ظَاهرٌ، ويَحْتَمِلُ أن يُرَادَ بالنَّكْبَةِ هَا المُصِيبَةُ، وهو
مَعنَاها المَشهورُ، فَيَكُونُ قد ذَكَرَ أمرًا حِسِّيَّ [وهو الشَّوكَةُ] (٦)، وأمرًا مَعنَوِيًّا وهو
المُصِيبَةُ، لَكِنَّ النَّكبَةَ بِمَعنَى المُصِيبَةِ لَيسَت دَاخِلَةٌ فيمَا تَقْدَمَ ذِكرُه، وهو المَرَضُ
والوجَعُ، وشَرطُ المَعطُوفِ بِـ((حَتَّى)) أن يَكُونَ دَاخِلًا فيمَا سَبَقَ، ولِهَذَا ضُبِطَ
(١) المفهم (٦ / ٥٤٧).
المشارق (١٢/٢)، وإكمال المعلم (٤٤/٨)، وشرح صحيح مسلم (١٣٠/١٦).
(٢)
(٣)
في الأصل: ((النكث)).
(٤) المفهم (٦/ ٥٤٧).
(٥) في الأصل: ((هذه)).
(٦) ليس في: الأصل.

٣٤٧
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
العَطفُ بها: بأنَّها تَدخُلُ حَيثُ يَصِحُّ دُخُولُ الاستِئِنَاءِ، وتَمتَنِعُ (١) حَيثُ يَمْتَنِعُ، إلَّا
أن يُحمَلَ الوجَعُ على الأمرِ المَعنَوِيِّ فَتَدْخُلَ (٢) فيه النَّكَبَةُ، لَكِن يَبقَى فيه نَظَرٌ من
جِهَةٍ أخرَى، وهيَ أنَّ المَعْطُوفَ بِـ((حَتَّى) لَا يَكُونُ إلَّا غَايَةً لِمَا قَبلَها إِمَّا في زِيَادَةٍ
نَحوُ: مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الأنبياءُ، أو في نَقصِ نَحوُ: زَارَكَ النَّاسُ حَتَّى الحَجَّامُونَ،
والذي يَقتَضِيه السِّيَاقُ هنَا: أن تَكُونَ غَايَةً في النَّقْصِ؛ لِأَنَّ المَعنَى أنَّ الوجَعَ وإن
خَفَّ وهانَ أمرُه مُكَفِّرٌ، ومَتَى حُمِلَ الوجَعُ على مَدلُولِه المَعنَوِيِّ، لَم تَكُنْ النَّكبَةُ
بِمَعنَى المُصِيبَةِ غَايَةً لَه في النَّقصِ، فَظَهَرَ بِذلك حَملُ النَّكْبَةِ على العَثرَةِ كَمَا تَقْدمَ،
والشَّوكَةُ والعَثْرَةُ غَايَتَانِ لِلوجَعِ، فَإِنَّه قد لَا يَنشَأ عنهمَا مَرَضٌ، واللهُ أعلمُ.
العَاشِرَةُ: فيه بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلمُؤمنينَ، فَإِنَّه قَلَّ أن يَنفَكَّ الواحِدُ منهم
عن مَرَضٍ، أو وجَعٍ، وإن خَفَّ في غَالِبٍ أوقَاتِهِ.
٠٥
الحديثُ الثَّانِي
عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ يبلَغُ بِهِ النبيَّ وَِّ: ((لَا يَمُوتُ لِمسلم
ثَلَاثَةٌ من الوَلَدِ (٣/ ٢٤٢م) فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)».
ء
فيه فوائدُ:
] الأولى: اتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٣)، من هَذَا الوجه
من رِوايَةٍ سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ. وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقٍ
مَالِكٍ، بلفظِ: (فَتَمَسَّهِ النَّارُ))، بَدَلَ: (فَيَلِجَ النَّارَ)).
(١) غير منقوطة في: الأصل. وفي: (م): ((يمتنع)).
(٢) غير منقوطة في: الأصل. وفي: (م): ((فيدخل)).
(٣) البخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢/ ١٥٠م)، والنسائي في الكبرى (١١٣٢٠)، وابن ماجه
(١٦٠٣).
(٤) البخاري (٦٦٥٦)، ومسلم (٢٦٣٢ /١٥٠)، والترمذي (١٠٦٠)، والنسائي (١٨٧٤).

ـلى
S
٣٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
و(١) أخرَجَه مسلمٌ(٢) من رِوايَةٍ مَعمٍَ، ثَلَاثَتُهم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ.
وأخرَجَه مسلمٌ(٣) من رِوايَةٍ سُهَيلِ بنِ أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ قال لِنِسوةٍ من الأنصَارِ: ((لَا يَمُوتُ لِإِحدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ من الولَدِ
فَتَحْتَسِبَه إِلَّ دَخَلَت الجَنَّةَ))، فقالت امرأةٌ منهنَّ: أو اثنَان (٤) يَا رسولَ الله؟ قال:
((أو اثْنَان))(٥). واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ (٦) من رِوايَةِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الأصبَهانِيِّ، عن
أبي حَازِمٍ، عن أبي هريرةَ، وفيه: ((ثَلَاثَةٌ لَم يَبلُغُوا الحِنثَ))، وأحَالا بِبَقِيَّتِه على
حديثٍ أَبِي سَعِيدٍ، ولَفِظُه: ((مَا منكُنَّ امرأةٌ تُقدمُ ثَلَاثَةَ من وَلَدِها إلَّا كَانُوا لَها
حِجَابًا من النَّارِ)). فقالت امرأةٌ: واثنَينٍ(٧)؟ فقال: ((واثنَينٍ))(٨). وقال البخاريُّ(٩)
أيضًا: وقال شَرِيكٌ، عن ابنِ الأصبَهانِيِّ: حَدَّثَنِي أبو صَالِحٍ، عن أبي سَعِيدٍ،
وأبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّهِ قال أبو هريرةَ: (لَم يَبلُغُوا الحِنثَ)).
وعَزَى والدي ◌َُّ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)) من هَذِهِ الأحكامِ هَذِه
الزِّيَادَةَ، وهيَ قَولُه: ((لَم يَبلُغُوا الحِنثَ)) لِمسلم في رِوايَةٍ. قال: وعَلَّقَها
البخاريُّ. فَلَم يَطَّلِعِ إلَّا على (١٠) الرِّوايَةِ المُعَلَّقَةِ، وقد عَرَفت أنَّها مُسنَدَةٌ في
((الصَّحِيحَينِ)) من رِوايَةٍ أبي حَازِمٍ، عن أبي هريرةَ، ولَمَّا ذَكَرَ المِزِّيُّ في
((الأطْرَافِ))(١١) رِوايَةَ مَعمَرٍ عن، [٢٤٣/١ظ] الزُّهرِيِّ من عِندِ مسلمٍ، ذَكَرَ فيها:
((لَم يَبلُغُوا الحِنثَ)). وهو وهَمٌ، فَلَيْسَت هَذِه الزِّيَادَةُ في ((صَحِيحِ مَسلمٍ)) من هَذَا
الوجه، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةُ: الولَدُ يُطلَقُ على الذَّكَرِ والأنثَى، وعلى المُفرَدِ والجَمعِ، وفي
الجَمعِ أربَعُ لُغَاتِ المَشهورَةُ؛ وهيَ فَتحُ الواوِ واللامِ، وفَتحُ الواوِ وَضَمُّها
(١) ليس في: (م).
(٣)
مسلم (١٥١/٢٦٣٢).
(٥)
في: (م): ((اثنين)).
البخاري (١٠٢)، ومسلم (١٥٣/٢٦٣٤).
(٦)
في: (ك): ((وابنين)).
(٧)
(٩) البخاري (١٢٥٠).
(١١) تحفة الأشراف (٥٧/١٠).
(٢) مسلم (٢٦٣٢/ ١٥٠) م.
(٤) في: (م): ((اثنين)).
(٨) في: (ك): ((وابنين)).
(١٠) بعده في: (ك): ((هذه)).

٣٤٩
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
وكَسرُها، مَعَ إسكَانِ اللامِ في الثَّلَاثَةِ(١).
وقَولُه: ((فَيَلِجَ))؛ أي: يَدخُلَ، وهو مَنصُوبٌ بالفَاءِ فِي جَوابِ النَّفيِ.
والقَسَمُ: بِفَتحِ القَافِ والسِّينِ اليَمِينُ.
و (تَحِلَّةُ القَسَم))، بِفَتحِ التَّاءِ وكَسرِ الحَاءِ المُهمَلَةِ وتَشدِيدِ اللام: مَا يَنحَلُّ به
القَسَمُ، وهو مَصدَرُ حَلَّلَ اليَمِينَ؛ أي: (٢٤٣/٣م) كَفَّرَها، ويُقَالُ في المَصدَرِ:
تَحلِيلٌ، وتَحِلٌّ أيضًا بِغَيرِ هاءٍ، وهو شَاءٌ(٢).
■ الثَّالِثَةُ: فيه أنَّ المسلمَ إِذَا مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ من الولَدِ لَم يَدخُلِ النَّارَ إلَّا
تَحِلَّةَ القَسَم، ومن ضَرُورَةِ ذلك دُخُولُه الجَنَّةَ إِذْ لَا مَنزِلَةً بينهما، وفي ((صَحِيحٍ
البخاريِّ)(٣)، وغَيرِه عن أنَسٍ بنِ مَالِكٍ مَرفُوعًا: ((مَا من النَّاسِ من مسلم يُتَوفَّى لَه
ثَلَاثَةٌ لَم يَبلُغُوا الحِنثَ، إِلَّ أدخَلَه الله الجَنَّةَ، بِفَضلِ رَحمَتِهِ إِيَّاهم))، وَفي ((سُنَنِ
ابنِ مَاجَه))(٤) عن عُتَبَةَ بنِ عَبدٍ مَرفُوعًا: ((مَا من مسلم يَمُوتُ لَه ثَلَاثَةٌ من الولَدِ لَم
يَبْلُغُوا الحِنثَ، إِلَّا تَلقَّوه من أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ مِنَّ أَيِّها شَاءَ دَخَلَ)). وهَذِهِ زِيَادَةٌ
على مُطلَقِ دُخُولِ (٥) الجَنَّةِ، ويُوافِقُه مَا رَواه النسائيُّ(٦) عن مُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ، عن
أبيه: أنَّ رَجُلًا أتَى النبيَّ ◌َّهِ، ومَعَه ابنٌ لَه، فقال: ((أَتُحِبُّه))؟ فقال: أحَبَّك اللهُ(٧)
كَمَا أحِبُّه. فَمَاتَ فَفَقده فسأل عنه، فقال: ((مَا يَسُرُّكُ أَلَّا تَأْتِي بابًا من أبوابِ الجَنَّةِ
إِلَّا وجَدتَه عِندَه يَسعَى يَفتَحُ لَك؟)).
■ الرَّابِعَةُ: تَقَدمَ أنَّ في ((الصَّحِيحِ)) من غَيرِ وجهٍ أَنَّه قِيلَ: يَا رسولَ الله وٍَّ:
واثنَانٍ؟ فقال: ((واثنَانٍ)). ورَوى الترمذيُ (٨) عن ابنِ عَباسٍ ﴿ّ أنَّهِ سَمِعَ
رسولَ الله وَّهِ يَقُولُ: (مَن كَانَ لَه فَرَطَانِ من أمَّتي أدخَلَه الله بهمَا الجَنَّةَ))، فقالت
عائشةُ: فَمَن كَانَ لَه فَرَطٌ من أمَّتِك؟ فقال: ((ومَن كَانَ لَه فَرَطُ بَا مُوفَّقَةُ)).
(١) ينظر: المفهم (٦٣٨/٦)، وتهذيب اللغة (١٢٥/١٤)، والمحكم (٤٢٩/٩).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨٠/١٦).
(٣)
البخاري (١٢٤٨).
(٤) ابن ماجه (١٦٠٤).
(٥)
في: (ك): ((دخوله)).
(٧) ليس في: (ك).
(٦) النسائي (١٨٦٩).
(٨) الترمذي (١٠٦٢).

=
2
٣٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قالت: فَمَن(١) لَم(٢) يَكُن لَه فَرَطٌ من أمتك؟ قال: ((أَنَا فَرَطُ أمَّتي لَن يُصَابوا
بِمِثلِي)). قال الترمذيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعرِفُهُ إلَّا من حديثٍ عَبدِ رَبه ابنِ بارِقٍ،
وقد روى عنه غَيرُ واحِدٍ من الأئِمَّةِ. انتَهَى.
وعَبدُ رَبِه هَذَا: مُختَلَفٌ فيه؛ ضَعَّفَه ابنُ مَعِينٍ، والنسائيُّ. وقال أحمَدُ: مَا
به باسٌ. ووثَّقَه ابنُ حِبانَ(٣).
ورَوى الترمذيُّ، وابنُ مَاجَه(٤) عن أبي عُبَيدَةَ بنِ عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ، عن
أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((مَن قدمَ ثَلَاثَةً لَم يَبلُغُوا الحِنثَ كَانُوا لَه حِصنًا
حَصِينًا)). قال أبو ذَرِّ: قدمَت اثنَينٍ؟ قال: ((واثنَينٍ)). قال أبَيّ بنُ كَعبٍ سَيِّدُ القُرَّاءِ:
قدمَت واحِدًا؟ قال: ((وواحِدًا، ولَكِن إِنَّمَا الصَّبرُ عِندَ الصَّدمَةِ الأولى)). قال
الترمذيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وأبو عُبَيدَةً لَم يَسمَع من أبيه.
ورَوى ذِكرَ الواحِدِ من حديثٍ جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ أيضًا، وهو مَحمُولٌ عِندَ
العُلَمَاءِ على أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ أُوحِيَ إليه ذلك عِندَ سُؤَالِهم عن الإِثْنَينِ
وعن الواحِدِ إِن صَحَّ، ولا يُمتَنَعُ نُزُولُ الوحي عَلَيه في أسرَعَ من طَرَفَةٍ عَينٍ، كَمَا
في نُزُولٍ قَوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، لَمَّا قَامَ ابنُ
أمِّ مَكتُوم فقال: يا رسولَ الله، إنِّي رَجُلٌ (٢٤٤/٣م) ضَرِيرُ(٥) البَصَرِ. فَنَزَلَت:
﴿غَيْرُ أُوْلِ الشَّرَرِ﴾(٦).
هَذَا على أنَّ العُلَمَاءَ مُخْتَلِفُونَ(٧) في مَفهومِ العَدَدِ هَل هو حُجَّةٌ أم لَا؟
فَمَن لَا (٨) يَجعَله حُجَّةً لَا يحتاجُ إلى(٩) هَذَا الجَوابِ، ويَقُولُ (١٠): ذِكرُ
هَذَا العَدَدِ لَا يُنَافي حُصُولَ ذلك بأقَلِّ منه، بَل ولَو جَعَلنَاه حُجَّةً فَلَيسَ نَصَّا
في الأصل: ((فلم)).
(١)
(٣) الثقات (١٥٣/٧)، وينظر: تهذيب الكمال (٤٧٢/١٦).
(٤)
الترمذي (١٠٦١)، وابن ماجه (١٦٠٦).
(٥)
في الأصل: ((مکفوف)).
(٧)
في: (م): ((يختلفون)).
بعدها في: (م): ((ذكر)).
(٩)
(٢) ليس في: (ك).
(٦) ينظر: تفسير الطبري (٩/ ٨٧).
(٨) في: (م): (لم)).
(١٠) في: (ك): ((ونقول)).

=
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
٣٥١
قَاطِعًا، بَل دلالتُه دلالةٌ ضَعِيفَةٌ يُقدمُ عَلَيها غَيرُها عِندَ مُعَارِضَتِها.
وقال أبو العَباسِ القُرطُبي، بَعدَ ذِكرِه نَحو مَا قُلنَاه(١): ويَحْتَمِلُ أن يُقال: إنَّ
ذلك بِحَسَبٍ شِدَّةِ وجدِ الوالِدَةِ وقُوةٍ صَبرِها، فَقد لَا يَبعُدُ أن يَكُونَ(٢) مَن فَقدت
واحِدًا أو اثنَيْنِ أَشَدَّ مِمَّن فَقدت ثَلَاثَةً، أو مُسَاوِيَةً لَها فَتَلحَقُ بها في دَرَجَتِها .
قُلتُ: ظَاهرُ الحديثِ حَمْلُ ذلك على كُلِّ فَاقِدِ [١/ ٢٤٤ و] اثنَينٍ، وعلى كُلِّ
فَاقِدٍ واحِدٍ. فَالتَّقِيدُ بِشِدَّةِ الوجدِ الذِي يُصَيِّرُه كَفَاقِدِ ثَلَاثَةٍ يَحتَاجُ إلی دَلِيلٍ .
وقال القَاضِي عِيَاضُ(٣): يَحتَمِلُ أَنَّه عَّها قاله ابتِدَاءً لِأَتَمِّ الأشياءِ؛ لِأنَّ
ثَلَاثًا أولُ الكَثْرَةِ فَأخبَرَهم بِذلك؛ لِئَلَا يَتَّكِلَ مَن مَاتَ لَه وَلَدٌ على وَلَدِه في
شَفَاعَتِهِ، وسَكَتَ عَمَّا ورَاءَه فَلَمَّا سُئِلَ أعلَمَ بِمَا عِندَه في ذلك.
قال: وفي قَولِها: ((أو اثنَانِ)) بَعدَ ذِكرِ النبيِّ وَّ﴿ ذلك في الثَّلَاثَةِ، وهيَ من
أهلِ اللِّسَانِ: دَلِيلٌ على أنَّ تَعلِيقَ الحُكمِ بِعَدَدٍ مَا لَا يَنفيه (٤) من جِهَةِ دَلِيلٍ
الخِطَّابِ عَمَّا عَدَاه من العَدَدِ كَانَ أَقَلَّ أو أكثَرَ إلَّا بِنَصِّ. انتَهَى.
الخَامِسَةُ: قال أبو العَباسِ القُرطُبي(٥): إنَّمَا خُصَّ الولَدُ بِثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ
أولُ مَرَاتِبِ الكَثرَةِ، فَبِعِظَمِ المَصَائِبِ تَكثُرُ الأُجُورُ. فَأمَّا إذَا زَادَ على الثَّلَاثَةِ فَقد
يُخَفَّفُ أجرُ المُصِيبَةِ بالزَّائِدِ؛ لِأنَّها كَأَنَّها صَارَت عَادَةً ودَيدَنَا كَمَا قال المُتَنَبِي(٦):
أنكَرتُ طَارِقَةَ الحَوادِثِ مَرَّةً ثُمَّ اعتَرَفتُ بها فَصَارَتْ دَيدَنًّا
وقال آخَرُ(٧) :
رُوِّعتُ بالبَينِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَه وبالمِصَائِبٍ في أهلِي وجِيرَانِي
(١) المفهم (٦٣٩/٦).
(٥)
(٣) إكمال المعلم (١١٥/٨).
المفهم (٦٣٨/٦).
(٢) في: (ك): ((تكون)).
(٤) في: (م): ((ینافیه)).
(٦) البيت من الكامل. وينظر: شرح ديوان المتنبي للعكبري (١٦٥/١)، ط. دار المعرفة،
بيروت.
(٧) البيت من البسيط، وهو منسوب للمؤرج بن عمرو السدوسي. وينظر: الوساطة بين
المتنبي وخصومه للجرجاني (ص٨٧)، وشرح ديوان المتنبي للعكبري (٣٣٣/٣).

٣٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ثُمَّ قال: ويَحتَمِلُ أن يُقال: إنَّمَا لَم يَذكُر مَا بَعدَ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّه من بابٍ
الأحرَى والأولى، إذ من المَعلُوم أنَّ مَن كَثُرت مَصَائِبُه كَثُرَ ثَوابُه، فَاكْتَفَى بِذلك
عن ذِكرِه.
قُلتُ: إِذَا جَعَلنَا لِمَفهوم العَدَدِ دلالةً، فَدلالتُه في هَذِهِ الصُّورَةِ في مَنعِ
النُّقصَانِ لَا في مَنع الزِّيَادَةِ، فَإِنَّ مَن مَاتَ لَه أربَعَةٌ فَبَالضَّرُورَةِ قد مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ،
فَلَا مَعَنَى لِهَذَا الكَلَامِ الذِي ذَكَرَه القُرُبي.
وإِذَا أخبَرَ الصَّادِقُ بأنَّ مَن مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ لَم يَلِجِ النَّارَ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ،
(٢٤٥/٣م) فَمَاتَ لِشَخصِ ثَلَاثَةٌ، فَحَصَلَت لَه هَذِه البُشرَى، ثُمَّ مَاتَ لَه أربَعُ،
انقَطَعَت هَذِهِ البُشرَى بِمَوتِ هَذَا الرَّابِعِ، وصَارَ على خَطَرِ دُخُولِه النَّارَ بَعدَ
تِلكَ البُشرَى.
وهَب أنَّ حُزْنَه بهذَا الرَّابِعِ خَفيفٌ لِاعتيادِهِ المَصَائِبَ، فَهَل يَزِيدُ ذلك على
كَونِه لَم تَحدُث لَه هَذِهِ المُصِيبَةُ أصلًا، وكَيفَ السَّبيلُ إلى إحباطِ ثَوابٍ مَا مَضَى
من المَصَائِبِ بهذِهِ المُصِيبَةِ الرَّابِعَةِ؟
هَذَا مَا لَا يَتَخَيَّلُهُ ذُو فَهم، فَإِن قُرِضَ أنَّ الأربَعَةَ مَاتُوا دَفعَةً واحِدَةً، كَمَوتِ
نَفْسٍ واحِدَةٍ، على خِلَافِ مَا أَجرَى اللهُ تعالى العَادَةَ، تَرَتَّبَت البُشرَى بِعَدَمِ دُخُولٍ
النَّارِ على مَوتِ ثَلَاثَةٍ، ويُثِيبُ اللهُ تعالى على مَوتِ الرَّابِعِ بِمَا يَشَاءُ، وقد دَخَلَّت هَذِهِ
الصُّورَةُ فِي هَذَا الحديثِ، لِكَونِهِ صَدَقَ أنَّه مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ من الولَدِ، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَة: أطلِقَ في هَذِه الرِّوايَةِ ذِكرُ الولَدِ، وقَيَّدَه في رِوايَةٍ أخرَى في
((الصَّحِيحَينِ)) بِقَولِه: ((لَم يَبلُغُوا الحِنثَ))؛ أي: لَم يَبلُغُوا سِنَّ التَّكلِيفِ الذِي
يُكتَبُ فيه الحِنثُ وهو الإثمُ، ومُقتَضَى حَملْ المُطلَقِ على المُقَيَّدِ اختِصَاصُ ذلك
بالأولَادِ الصِّغَارِ دُونَ البالِغِينَ.
قال أبو العَباسِ القُرطُبي(١): وإنَّمَا خَصَّهم بهذا الحد؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ حُبُّه
أشَدُّ، والشَّفَقَةُ عَلَيه أعظَمُ.
(١) المفهم (٦٣٨/٦).

٤٣٥٣
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
قُلتُ: قد يُعكَسُ هَذَا المَعنَى، ويُقَالُ: التَّفَجّعُ على فَقدِ الكَبيرِ أشَدُّ،
والمُصِيبَةُ به أعظَمُ، ولَا سِيَّمَا إذَا كَانَ نَجِيبًا يَقُومُ عن أبيه بأُمورِه ويُسَاعِدُه في
مَعِيشَتِهِ، وهَذَا مُشَاهَدٌ مَعلُومٌ، والمَعنَى الذِي يَنبَغِي أن يُعَلَّلَ به ذلك: مَا في
حديثٍ أَنَسٍ: ((إلا أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ بِفَضلٍ رَحمَتِهِ إِيَّاهم)). وهو في ((صَحِيحٍ
البخاريِّ))، وغَيرِهِ كَمَا تَقْدمَ.
وهو في ((مُسنَدِ أحمَدَ»، وغَيرِهِ من حديثِ عَمرِو بنِ عَبَسَةً(١)، وأمّ سُلَيمٍ(٢).
وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٣) من حديث أبي أمَامَةً.
وفي ((سُنَّنِ النسائيّ))(٤) من حديثِ أبي ذَرِّ.
وفي ((مُعجَم الطََّرَانِيّ الكَبيرِ)) من حديثٍ حَبيبَةَ بِنتِ سَهلِ(٥)، وأمِّ مُبَشِّر(٦)،
ومَنْ لَم يُكتَب عَلَيْهِ إِثْمٌ، فَرَحمَتُه أعظَمُ، وشَفَاعَتُه أبلَّغُ.
السَّابِعَةُ: فَعلى هَذَا لَو مَاتَ لَه ثَلَاثَةُ أولَادٍ بالِغِينَ مَعتُوهينَ، عَرَضَ لَهم
العَتَهِ، والجُنُونُ [٢٤٤/١ظ] قَبَلَ البُلُوغِ، بِحَيثُ لَم يَجرِ عَلَيهم تَكلِيفٌ، ولَم يُكتَب
عَلَيهم إثمٌ، هَل يَكُونُونَ كَغَيرِ البالِغِينَ؟
هَذَا مُحتَمِلٌ (٧)، والأرجَحُ إلحَاقُهم بهم، وقد يُدَّعَى دُخُولُهم في قَولِه عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلَامُ: (لَم يَبلُغُوا الحِنثَ)).
ويَنبَغِي أن يُبنَى ذلك على المَعنَيَينِ المُتَقدم ذكرُهمَا، فَإِن عَلَّلنَا بِمَا في
الحديثِ كَانَ حُكُمُ المَجَانِينِ كَذلك؛ لِأنَّ الرَّحمَةَ لَهم واسِعَةٌ كَثِيرَةٌ، لِعَدَمِ حُصُولِ
الإثمِ منهم، فَسَاووا (٨) في ذلك (٢٤٦/٣م) الأطفالَ(٩).
وإن عَلَّلنَا بِمَا ذَكَرَه القُرطُبي، لَم يَظَّرِد ذلك في المَجَانِينِ البالِغِينَ؛ لِأنَّ
(١) مسند أحمد (٣٨٦/٤).
(٢) مسند أحمد (٣٧٦/٦).
(٤) النسائي (١٨٧٣).
(٥)
المعجم الكبير (٢٢٤/٢٤) ح(٥٧٠).
(٦)
المعجم الكبير (١٠٣/٢٥، ١٠٤) ح (٢٧٠)
في: (م): (يحتمل)).
(٩) في: (م): ((كالأطفال)).
(٨) في: (م): ((فساروا)).
(٧)
(٣) المصنف (٣٥٣/٣).

=
٣٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
مَحَبَّتَهم تَخِفُّ أو تَزُولُ، ويَتَمَنَّى الأبُ مَوتَهم لِمَا بهم من العَاهَةِ والضَّرَرِ، فَلَا
يَحصُلُ لَه بِمَوتِهِم تَفَجُّعٌ ولَا مَشَقَّةٌ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّامنةُ: قد يُقَالُ: إنَّ سَائِرَ الأولَادِ في ذلك سَواءٌ، وإنَّه لَا فَرِقَ بين
البالِغِ منهم وغَيرِ البالغِ، وذلك بأحد أوجُهٍ :
أولُها: أن نَقُولَ بِقَولِ مَن يَرَى أنَّ مَفهومَ الصِّفَةِ لَيسَ بِحُجَّةٍ، فَتَعلِيقُ الحُكمِ
بالذِينَ لَم يَبلُغُوا الحُلُمَ لَا يُقتَضَى أنَّ البالِغِينَ لَيسُوا كَذلك.
ثَانِيها: أن نَأخُذَ بِقَولِ مَن يَأْخُذُ بالمطلَقِ، ويَرَى المُقَيَّدَ فَردًا من الأفرَادِ التي
دَلَّ عَلَيها المُطلَقُ.
ثَالِثُها: أن يُقال: إنَّ هَذَا المَفهومَ هَا لَيسَ حُجَّةٌ، لِكُونِه خَرَجَ مَخرَجَ
الغَالِبِ، فَإِنَّ الغَالِبَ في مَوتِ الأولَادِ أن يَكُونَ ذلك في صِغَرِهم.
ومَن تَأخَّرَ أجَلُه حَتَّى يَبلُغَ، فَالغَالِبُ أنَّ أباه يَتَقدمُه في الوفَاةِ، وقد يَتَخَلَّفُ
ذلك، والقَاعِدَةُ: أن مَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ لَا مَفهومَ لَه.
رَابِعُها: أن يَدَّعِيَ أنَّ هَذَا المَفهومَ لَيسَ حُجَّةً بِتَقرِيرٍ آخَرَ، وهو أنَّه خَرَجَ
جَواب السُؤَالٍ، بأن يَكُونَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَمَّن مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ من الولَدِ
لَم يَبلُغُوا الحِنثَ، [أو ذَكَرَ ذلك لِمَن مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ من الولَدِ لَم يَبلُغُوا
الحِنثَ](١)، فَجَاءَ بهذَا القَيدِ مُطَابِقًا لِحَالِهِ، لَا لِأَنَّ الحُكمَ يَختَصُّ بهذِه الحالةِ،
والقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا خَرَجَ جَوابًا لسُؤَالٍ، لَا مَفهومَ لَه.
خَامِسُها: قد يَدَّعِي أَنَّ هَذَا لَيسَ من مَفهوم المخالفةِ، وإِنَّمَا هو من مَفهوم
المُوافَقَةِ، وأَنَّهم إِذَا بَلَغُوا [كَانَ التَّفَجُّعُ عَلَيهم أَكثَرُ، وكَانَت المُصِيبَةُ بهم أشَدّ
فَكَانُوا أولى بهذَا الحُكم من الصِّغَارِ، ويَكُونُ التَّقِيدُ بالصِّغَرِ إشعَارًا بِعِظَم (٢)
الثَّوابِ، وإن خَفَّت المُصِيبَةُ بهم لِكَونِهِم لَم يَبلُغُوا](٣) مَبلَغَ الرِّجَالِ الذِينَ يَقُومُونَ
بالأمُورِ، فَمَا ظَنُّك بِبُلُوغِهِم وكَمَالِهِم، فَعَلَيك بالنَّظَرِ في الأمُورِ التي ذَكَرتها، وهَل
تَقوى فَيُعمَلُ بها، أو تَضعُفُ فَتَطَرَحُ فَلَستُ على ثِقَةٍ منها، والعِلمُ عِندَ الله تعالى.
(١) ما بين المعكوفين ليس في (ك).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
(٢) في: (م): (لعظم)).

٣٥٥
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
وفي ((مَعرِفَةِ الصَّحَابَةِ)) لِابنِ مَندَه (١)، عن شَرَاحِيلَ المِنْقَرِيِّ: أنَّ رسولَ الله وَلـ
قال: ((مَن تُوُفِي لَه أولَادٌ في سَبيلِ الله تعالى دَخَلَ بِفَضلٍ حَسَنَتِهِم الجَنَّةَ))، وهَذَا
الحديثُ إنَّمَا هو في البالِغِينَ؛ لِأَنَّهم الذِينَ يُقْتَلُونَ في سَبيلِ الله تعالى غَالِبًا(٢).
■ التَّاسِعَةُ: ظَاهرُهُ أنَّه لَا فَرقَ بين أن يَكُونَ شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِأولَادِه،
أو خَفيفَها، أو خَالِيًا من مَحَبَّتِهم، أو كَارِهًا لَهم؛ لِأَنَّ الولَدَ مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ،
فَنِيطَ الحُكمُ به، وإن تَخَلَّفَ في بَعضِ الأفرادِ، وقد يُحِبُّ (٣/ ٢٤٧م) الشَّخصُ
بَعضَ أقَارِبه، أو أصدِقَائِهِ أكثَرَ من مَحَبَّةٍ وَلَدِه، ومَعَ ذلك فَلَم يَرِد تَرتيبُ هَذَا الأمرِ
على مَوتِ القَرِيبِ والصِّدِّيقِ، ولَا على مَوتِ الأبِ والأمِّ، لَكِن في ((مُعجَمِ
الطََّرَانِيِّ الأوسَطِ))(٣)، بإسنادٍ ضَعِيفٍ، عن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّى:
((مَن لَم يَكُن لَه فَرَطْ لَم يَدخُل الجَنَّةَ إِلَّا تَصرِيدًا)). قال رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، مَا
لِكُلِّنَا فَرَطُ؟ قال: ((أو لَيسَ من فَرَطِ أحدِكُم أن يَفِقِدَ أخَاه المسلمَ)).
وقَولُه: تَصرِيدًا، بالصَّادِ المُهمَلَةِ؛ أي: قَلِيلًا، وأصلُه: السَّقيُّ دُونَ الرِّيِّ،
ومنه صَردَ لَه العَطَاءَ: قَلَّلَه.
■ العَاشِرَةُ: قد يُقَالُ: إنَّ أولَادَ الأولَادِ في ذلك كَالأولَادٍ، سَواءٌ كَانُوا (٤)
أولَادَ الْبَنِينَ، أو أولَادَ البَنَاتِ لِصِدقِ الاِسمِ عَلَيهم.
وقد يُقَالُ: لَا يَلْتَحِقُونَ في ذلك بهم؛ لِأَنَّ إطلاقَ اسم الأولَادِ عَلَيهم لَيسَ
حَقِيقَةً، وقد يُفَرَّقُ بين أولَادِ البَنِينَ، فَيَكُونُونَ كَالأولَادٍ وأولَادِ البَنَاتِ، فَلَا
يَكُونُونَ کالأولادٍ.
قال الشَّاعِرُ(٥):
[١/ ٢٤٥ و] بَنُونَا بَنُو أبنَائِنَا وبَنَاتُنَا بَنُوهنَّ أبنَاءُ الرِّجَالِ الأَباعِدِ
(١) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٧٣١)، وينظر: الإصابة (٥٨/٥).
(٢)
بعده في: (ك): ((والعلم عند الله تعالى)).
(٣)
الأوسط (٥٧٤٥).
(٤) في: (ك): ((أكانوا)).
البيت من الطويل، ونسبه بعضهم للفرزدق، والأشهر أنه لا يعرف قائله، وهو مما
(٥)
يستشهد به في تقدم الخبر على المبتدإ. وينظر: شرح الرضي على الكافية (٢٥٧/١)،
وشرح الأشموني على الألفية (١٩٩/١).

=
MA
٣٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقد يُقَالُ: يَتنَزَّلُونَ (١) مَنزِلَتَهم عِندَ فَقدِهم لَا مَعَ وُجُودِهم. وقد ذَكَرَ
أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: أنَّه لَو وقَفَ على أولَادِه ولَم يَكُن لَه إِلَّ أولَادُ أولَادٍ حُمِلَ
اللفظُ عَلَيهم. فَإِن كَانَ لَه أولَادٌ وأولَادُ أولَادٍ: فَفي دُخُولِ أولَادِ الأولَادِ ثَلَاثَةُ
أوجُهٍ؛ أصَحُّها: لَا يَدخُلُونَ. والثَّانِي: يَدخُلُونَ. والثَّالِثُ: يَدخُلُ أولَادُ الْبَنِينَ
دُونَ أولَادِ البَنَاتِ.
وقد ورَدَ تَقِيدُ الأولَادِ بِكُونِهم من صُلبه، وذلك يُخرِجُ أولَادَ الأولَادِ، فَإن
صَحَّ ذلك فَهو قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ، فَرَوى أبو يَعلى المَوصِلِيُّ في ((مُسنَدِه))، والطََّرَانِيُّ في
(مُعجَمِه الكَبيرِ))(٢)، عن عُثْمَانَ بنِ أبي العَاصِي، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: (لَقْد
استَجَنَّ بِجُنَّةٍ حَصِينَةٍ من النَّارِ، رَجُلٌ سَلَفَ بين يَدَيه ثَلَاثَةٌ من صُلبه في الإسلامِ)).
فيه عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ إسحَاقَ، أبو شَيبَةَ القُرَشِيُّ، وهو ضَعِيفٌ(٣).
وفي (مُسنَدِ أحمَدَ))، و((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ)) (٤) عن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ مَرفُوعًا:
((مَن أَثْكِلَ ثَلَاثَةً من صُلبه، فَاحْتَسَبَهم على الله رَكْ، في سَبيلِ اللهِ رَتْ، وجَبَت لَه
الجَنَّةُ)). إسنَادُ الطََّرَانِيِّ لَا بأسَ به، وفي إسنَادٍ (٥) أحمَدَ ابنُ لَهِيعَةً.
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: قد عَرَفت أنَّ في ((صَحِيحِ مسلم)) تَقِيدَ ذلك
بالاحتِسَابِ، وورَدَ ذلك في عِدَّةِ أحَادِيثَ.
قال في ((النِّهايَةِ))(٦): والاحتِسَابُ في الأعمَالِ الصَّالِحَاتِ، وعِندَ
المَكْرُوهاتِ هو البِدَارُ إلى طَلَبِ الأجرِ، وتَحصِيلِه بالتَّسلِيمِ والصَّبرِ، أو باستِعمَالٍ
أنواعِ البِرِّ والقِيَامِ (٢٤٨/٣م) بها على الوجه المَرسُوم فيها، طَلَبًا (٧) لِلَّابِ المَرجُوِّ
منها، والِإِحْتِسَابِ من الحَسَبِ، كَالِاعتِدَادِ من العَدِّ، وإنَّمَا قِيلَ لِمَن يَنْوِي بِعَمَلِه
(١) في: (ك): (يتزلون)). وفي: (م): ((ينزلون)).
المعجم الكبير (٤٦/٩) ح(٨٣٤٥).
(٢)
.(٣)
ينظر: تهذيب الكمال (٥١٥/١٦).
(٤)
أحمد (١٤٤/٤)، والطبراني (٣٠٠/١٧) ح (٨٢٩).
(٥)
في الأصل، (م): ((إسناده)).
في: (م): ((طالبًا)).
(٧)
(٦) النهاية (٣٨٢/١).

=
٣٥٧
ثَوابُ المَرَضٍ والمُصِيبَةِ
وجهَ الله احتَسَبَه؛ لِأَنَّ لَه حِينَئِذٍ أن يَعتَدَّ عَمَلَه، فَجُعِلَ في حَالِ مُبَاشَرَةِ الفِعلِ كَأَنَّه
مُعتَدٌّ به. انتَھَى.
وفي ((مُعجَم الطَّبَرَانِيّ)) (١) عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ مَرفُوعًا: ((مَن دَفَنَ ثَلَاثَةً من
الولَدِ، فَصَبَرَ عَلَيهِم واحتَسَبَهم، وجَبَت لَه الجَنَّةُ)).
وفي ((مُعجَمِ الصحابة))(٢) لِابنِ فَانِعِ، عن حَوشَبٍ بنِ طَخْمَةَ، مَرفُوعًا: ((مَن
مَاتَ لَه وَلَدٌ فَصَبَرَ واحتَسَبَ، قِيلَ لَه: أدخُل الجَنَّةَ بِفَضْلٍ مَا أَخَذْنَا منك))(٣).
فَمَن يَحمِلُ المُطلَقُ على المُقَيَّدِ يَخُصُّ ذلك بالصَّابِرِ دُونَ الجَازِعِ، وقد مَشَى
على ذلك أبو العَباسِ القُرطُبي. وقد تَقدمَ ذلك عنه في مُطلَقِ المَصَائِبِ، لَكِن
تَقدمَ في(٤) ((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ)) عن ابنِ مَسعُودٍ مَرفُوعًا: ((مَن مَاتَ لَه وَلَدٌ، ذَكَرٌ أو
أنثَى، سَلَّمَ أو لَم يُسَلِّم، رَضِيَ أو لَم يَرضَ، صَبَرَ أو لَم يَصِر، لَم يَكُن لَه ثَوابٌ
إِلَّا الجَنَّةَ))، وإسنَادُه ضَعِيفٌ كَمَا تَقْدمَ.
وفي ((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ))(٥) أيضًا من رِوايَةِ إبراهيمَ بنِ عُبَيْدٍ، عن
ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا من الأنصَارِ كَانَ لَه ابنٌ يَرُوحُ إِذَا رَاحَ إلى النبيِّ وََّ، فسأل
نَبِ اللهِ وَّر عنه فقال: ((أتُحِبُّه))؟ فقال: يَا نَبي الله نَعَم، فَأَحَبَّك الله كَمَا أحِبُّه.
فقال: ((إنَّ الله تعالى أشَدُّ لِي حُبًّا منك لَه))، فَلَم يَلبَث أن مَاتَ ابنُه ذَاكَ. فَرَاحَ
إلى نَبِي الله عَلَّا، وقد أقبَلَ عَلَيه بَثُّه، فقال لَه رسولُ الله ◌َّ: ((أُجَزِعتَ))؟ قال:
نَعَم. قال: ((أو مَا تَرضَى أن يَكُونَ ابنُك مَعَ ابنِي إبرَاهيمَ بُلَاعِبُه تَحتَ ظِلِّ
العَرشِ؟)) قال: بلى يا رسولَ الله.
إبراهيمُ بنُ عُبَيدٍ أخرَجَ لَه مسلمٌ، لَكِن قال عَبدُ المُؤمن الدِّميَاطِيُّ الحَافِظُ :
(١) المعجم الكبير (٢٤٥/٢) ح (٢٠٣٠).
(٢) مكانها بياض في: الأصل. وفي (م): ((الطبراني)).
(٣) لم نهتدِ إليه في معجم ابن قانع، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٤١١/١) في ترجمة
حوشب.
(٤) في: (ك): ((من)).
(٥) المعجم الكبير (٣٠٧/١٣) ح (١٤٠٩٦)، وينظر: مجمع الزوائد (١٣/٣).

=
٣٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
لَا نَعرِفُ لَه سَمَاعًا من(١) ابنِ عُمَرَ.
قُلتُ: ولَا يَحتَاجُ على طَرِيقَةِ مسلمٍ إلى ثُبُوتِ مَعرِفَةِ السَّمَاعِ، لَكِنَّ الذَّهَبي
في ((المِيزَانٍ))(٢) قال: إنَّ إبراهيمَ هَذَا لَا يُعرَفُ.
فَاقْتَضَى أَنَّه الذِي (٣) عِندَه غَيْرُ الذِي أخرَجَ لَه مسلمٌ.
وإنَّمَا ذَكَرِنَا هَذَا الحديثَ لِكَونِ هَذَا الرَّجُلِ اعْتَرَفَ لِلنَّبِيِوَّهِ بِالجَزَعِ، وذلك
يُنَافي الصَّبرَ، لَكِن قد يُقَالُ: لَيسَ فيه الحُكمُ لَه بِشَيءٍ، وإِنَّمَا فيه البُشرَى لِابنِه
المُتَوقَّى، وقد يُقَالُ: لَا يَخْتَصُّ ذلك بِحَالةِ الصَّبرِ؛ لِأَنَّ أكثَرَ الأحَادِيثِ لَيسَ فيها
هَذَا التَّقِيدُ، وبَعضُ الأحَادِيثِ المُقَيَّدَةِ بِالصَّبِرِ ضَعِيفَةٌ.
وأمَّا التَّقِيدُ في رِوايَةِ مسلم من رِوايَةٍ [٢٤٥/١ظ] سُهَيلِ بنِ أبي صَالِحٍ،
عن أبيه، عن أبي هريرةَ بِقَولِه: ((فَتَحْتَسِبُه))(٤)، فَلَعَلَّهِ إِنَّمَا ذَكَرَ ذلك لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ
الصَّبرِ عِندَهنَّ، وكَثرَةِ الجَزَعِ (٢٤٩/٣م) فيهنَّ، مَعَ إظهارِ التَّفَجُّعِ بِفِعلِ مَا لَا
يَجُوزُ من كَثِيرٍ منهنَّ، فَرَدَعَهنَّ عن ذلك بهذَا الكَلَامِ، لِيَحصُلَ انكِفَافُهنَّ عَمَّا
يَتعاطَينَه من الأمُورِ المُحَرَّمَةِ، فَكَانَ فَائِدَةُ هَذَا التَّقِيدِ ارتِدَاعَهنَّ عن ذلك لَا
تَخصِیصَ الحُكمِ به.
وقد عُرِفَ في الأصُولِ: أنَّ شَرطَ العَمَلِ بالمفهوم ألَّا يَظهَرَ لَه فَائِدَةٌ سِوى
تَخْصِیصِ الحُكمِ به.
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((لِمسلم)) يَقتَضِي أنَّ الكَافِرَ لَيسَ كَذلك، وهو
واضِحٌ، فَإِنَّ الكَافِرَ لَيسَ من أهلِ (٥) الأَّجُورِ، لَكِن لَو مَاتَ لَه الأولَادُ في حَالٍ
الكُفرِ ثُمَّ أسلَمَ بَعدَ ذلك، هَل يَنفَعُه مَا مَضَى من مَوتِهم في زَمَنِ كُفرِه، أو لا بُدَّ
أن يَكُونَ مَوتُهم في حَالةِ إِسلَامِه؟
قد يَدُلُّ لِلأولِ: قَولُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ لِحَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: ((أَسلَمتَ على
في: (م): ((عن)).
(١)
(٣) ليس في: (ك).
ليس في: الأصل.
(٥)
(٢) الميزان (٥٠٤/٢).
(٤) مسلم (٢٠٢٨/٤).

=
٣٥٩
ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ
مَا أسلَفتَ من خَيرِ))، لَمَّا قال لَه: أرأيتَ أمُورًا كُنت أتَحنَثُ بها في الجَاهِلِيَّةِ هَل
لِي فيها من شَيءٍ؟ (١).
لَكِن جَاءَت أحَادِيثُ فيها تَقِيدُ ذلك بِكَونِه في الإسلامِ، فَالرُّجُوعُ إليها
أولى، فَتَقْدمَ في الفَائِدَةِ العَاشِرَةِ حديثُ عُثمَانَ بنِ أبي العَاصِي.
وفي (مُسنَدِ أحمَدَ))، و((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ))(٢) عن أبي ثَعلَبَةَ الأشجَعِيِّ
قال: قُلت: يا رسولَ الله: مَاتَ لِي وَلَدَانِ في الإسلام. فقال: ((مَن مَاتَ لَه
ولَدَانٍ في الإسلامِ أدخَلَه الله الجَنََّ)).
وفي ((مُسنَدِ أحمَدَ))(٣) أيضًا عن امرأةٍ يُقَالُ لَها: رَجَاءُ، قالت: كُنت عِندَ
رسولِ الله وَ﴿ إذا جَاءَته امرأةٌ بابنٍ لَها، فقالت: يا رسولَ الله ادعُ الله لِي فيه
بِالبَرَكَةِ، فَإِنَّه قد تُوُفِي لِي ثَلَاثَةٌ. فقال لَها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمُنذُ أسلَمتٍ))؟ قالت:
نَعَم. فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((جُنَّةٌ حَصِينَةٌ))، فقال لِي رَجُلٌ: اسمَعِي يَا رَجَاءُ مَا
يَقُولُ رسولُ الله وَلِ .
وفي (مُسنَدِ أحمَدَ)(٤)، وغَيرِه عن عَمرِو بنِ عَبَسَةَ قال: سَمِعت رسولَ الله وَيهل
يَقُولُ: (مَن وُلِدَ لَه ثَلاثَةُ أولَادٍ فِي الإِسلَامِ فَمَاتُوا قَبَلَ أن يَبلُغُوا الحِنثَ، أدخَلَه الله
الجَنَّةَ بِرَحمَتِهِ إِيَّاهم)).
وفي هَذَا الحديثِ زِيَادَةٌ على مَا تَقدمَ، وهيَ أن تَكُونَ وِلَادَتُهم في الإسلامِ،
ومُقْتَضَاه أنَّهم لَو وُلِدُوا لَه قَبلَ أن يُسلِمَ، ومَاتُوا بَعدَ إسلَامِه لَم يَكُن لَه هَذَا
الثَّوابُ.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: هَذَا الحديثُ لَا يَتَنَاولُ السِّقطَ لِأَنَّه لَيسَ ولَدًا، لَكِن وَرَدَ
ذِكرُ السِّقطِ في أحَادِيثَ، وفي(٥) ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه)) (٦) من رِوايَةِ أسمَاءَ بِنتِ عَابِسٍ
(١) أخرجه البخاري (١٤٣٦)، ومسلم (١٢٣).
(٢) أحمد (٣٩٦/٦)، والطبراني في الكبير (٣٨٣/٢٢) ح (٩٥٧).
(٤) مسند أحمد (٣٨٦/٤).
(٣) مسند أحمد (٨٣/٥).
(٥) في: (ك): ((ففي)).
(٦) ابن ماجه (١٦٠٨).

=
٣٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ابنِ رَبِيعَةً عن أبيها عن عَلِيٍّ ◌َلَّهُ مَرفُوعًا (١): ((إنَّ السَّقْطَ لَيُرَاغِمُ رَبَّه إذَا أدخَلَ أَبَويه
النَّارَ. فَيُقَالُ: أيُّها السِّقطُ المَرَاغِمُ رَبَّه أدخِل أبُویك الجَنَّةَ، فَيَجُرُّهمَا بِسَرَرِهِ حَتَّی
يُدخِلَهِمَا الجَنَّةَ))، وأسمَاءُ هَذِهِ لَا تُعرَفُ (٢٥٠/٣م) قاله صَاحِبُ ((المِيزَانٍ))(٢).
وفي ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه))(٣) أيضًا عن مُعَاذٍ مَرفُوعًا: ((والذي نَفسِي بيدِهِ إنَّ
السِّقط لَيَجُرُّ أَمَّه بِسِرَارِه إلى الجَنَّةِ إِذَا احتَسَبَته))، وفيه يَحيَى بنُ عُبَيدِ الله(٤): لَا
يُعرَفُ. قاله الذَّهَبِي(٥) أيضًا.
وفي ((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الأوسَطِ)) (٦) عن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ، مَرفُوعًا: ((تَزَوَّجُوا،
فَإِنَّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ اَلأَمَمَ، وإنَّ السَّقطَ يَظَلُّ(٧) مُحْبَنطِئًا بِبَابِ الجَنَّةِ، يُقَالُ لَه: ادخُل
يَقُولُ: حَتَّى يُدخَلَ أَبَوَيَّ كَذَا))(٨). وفيه مُوسَى بنُ عُبَيَدَةَ الرَّبَذِيُّ ضَعِيفٌ.
ورَوى ابنُ حِبانَ في ((الضُّعَفَاءِ»(٩) نَحوه من حديثٍ بَهزِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيه،
عن جَدِّه، وفيه فَيُقَالُ: ((وأنتَ، وأبَويك)). قال ابنُ حِبانَ: مُنكَرٌ لَا أَصلَ لَه من
حدیثِ بَهزٍ .
الزَّابِعَةَ عَشَرَ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في مَعنَى قَولِه: ((إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ)).
فقال الجُمهورُ: المُرَادُ قَسَمُ الله تعالى على وُرُودٍ جَمِيعِ الخَلقِ النَّارَ، فَيَرِدُها
بِقدرِ مَا يَبَرُّ الله تعالى قَسَمَه ثُمَّ يَنْجُو.
ثُمَّ اختَلَفَ هَؤُلَاءِ في هَذَا القَسَم: فقال أبو عُبَيدٍ والبخاريُّ(١٠) والجُمهورُ:
هو في قَوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، والقَسَمُ مُقدرٌ؛ أي: والله
إن منكُم إلَّا وارِدُها.
ليس في: الأصل.
(١)
(٢) الميزان (٤٦٥/٧).
(٤) في الأصل: ((عبد الله)). وهو تصحيف.
ابن ماجه (١٦٠٩).
(٣)
(٥)
الميزان (٧/ ٢٠٢).
(٦) المعجم الأوسط (٥٧٤٦).
ليست في: الأصل (ك). لكنه قال في حاشية (ك): ((لعله: يظل))، وفي الأوسط: (ليرى)).
(٧)
(٨) ليس في: (ك).
(٩) المجروحين (١١١/٢).
(١٠) غريب الحديث (١٧/٢)، والبخاري عقب حديث (١٢٥١)، وينظر: شرح النووي على
مسلم (١٦/ ١٨٠).