Indexed OCR Text

Pages 261-280

5
٢٦١
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
ويَجلِسُ يَسمَعُ، فَإِذَا كَانَ في آخِرِ الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ قَامَ فَصَلَى سُنَّةَ الجُمُعَةِ!
مَعَ كَونِه مَنهيًّا عن صَلَاةِ السُّنَّةِ وغيرِها في هَذَا الوقتِ. هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ
والدِي رَّتُهُ.
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (١): وقَد تَأولَ أصحَابُنَا حَدِيثَ جَابِرٍ تَأْوِيلَاتٍ في
بَعضِها بُعدٌ، وأولى مُعتَمَدِ المَالِكِيَّةِ في تَركِ العَمَلِ بِهِ: أنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ عَارَضَهُ عَمَلُ
أهلِ المَدِينَةِ خَلَفًا عن سَلَفٍ من لَدُن الصَّحَابَةِ إلى زَمَنِ مَالِكِ تَخْتُهُ، فَيَكُونُ العَمَلُ
بِهَذَا العَمَلِ أولى.
وهَذَا عَلى أصلِ مَالِكِ.
وأمَّا أبُو حَنِيفَةَ: فَيَرُدُّ العَمَلَ بِهِ عَلى أصلِه في رَدِّ أخبَارِ الآخَادِ فيمَا تَعُمُّ بِهِ
البلوى.
قال والِدِي ◌َّتُهُ: ومَا أدرِي مَا عُمُومُ البَلوى في ذَلِكَ؟
قُلتُ: وأمَّا عَمَلُ أهلِ المَدِينَةِ إِن كَانَ لَهُم في ذَلِكَ عَمَلٌ فَإِنَّمَا غَيَّرَ السُّنَّةَ فيه
التي أمَرَ بِهَا النَّبِي وَلِّهِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَتَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ مُدَارَاةً لَهُم فاستَمَرُّوا(٢) عَلَيه.
وفي التِّرمِذي(٣) عن عِيَاض بنِ عَبدِ الله بنِ أبي سَرحٍ: أنَّ أبَا سَعِيدِ الخُدرِيِّ
دَخَلَ يَومَ الجُمُعَةِ ومَروانُ يَخطُبُ، فَقَامَ فَصَلى، فَجَاءَ الحَرَسُ لِيُجلِسُوهُ، فَأَبَى
حَتَى صَلى. فَلَمَّا انصَرَفَ أَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا: رَحِمَك اللهُ إن كَادُوا لَيَقَعُوا بِك؟ فقال: مَا
كُنت ◌ِأَترُكَها بَعدَ شَيءٍ رَأيته من رسولِ الله وَّهِ، فَذَكَرَ الحديثَ المُتَقَدِّمَ.
■ الخَامِسَةُ: وفيه استِحبَابُ تَحِيَّةِ المَسجِدِ مُطلَقًا؛ لِأنَّها إِذَا لَم يَسقُط
استِحِبَابُها في هَذِهِ الحَالَةِ فَغَيرُها من الأحوالِ أولى بِذَلِكَ، وفيه: أنَّها لَا تَحصُلُ
بِأَقَلَّ من رَكعَتَينٍ، وبِه قال الجُمهورُ من أصحَابِنَا وغَيرُهُم. وقال بَعضُ أصحَابِنَا:
تَحصُلُ بِرَكعَةٍ واحِدَةٍ، وبِالصَّلَاةِ عَلى الجِنَازَةِ، وبِسُجُودِ التِّلَاوةِ والشُّكرِ (٤)؛ لِأنّ
المَقصُودَ إكرَامُ المَسجِدِ، وهو حَاصِلٌ بِذَلِكَ. وهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِظَاهرِ الحديثِ.
(١) المفهم (٥١٤/٢).
(٣) الترمذي (٥١١).
(٢) في (م): ((واستمروا)).
(٤) في (ك): ((وللشكر)).

=
٢٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] السَّادِسَةُ: وفيه استِحبَابُ تَخفيفهما(١) في هَذِهِ (١٨٨/٣م) الحَالَةِ، وبِهِ
صَرَّحَ أصحَابُنَا وغَيْرُهُم.
■ السَّابِعَةُ: يُستَثنَى من اسْتِحِبَابِ تَحِيَّةِ المَسجِدِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مَا إِذَا
دَخَلَ في آخِرِ الخُطبَةِ، بِحَيثُ لَو اشتَغَلَ بِها فَاتَتُهُ تَكبيرَةُ الإِحرَامِ، فَلَا يَفعَلُها. وقَد
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فقال في ((الأُمّ» (٢): إذَا دَخَلَ والإمَامُ في آخِرِ الكَلَام ولا
يُمكِنُهُ صَلَاةُ رَكعَتَينٍ خَفيفَتَينٍ قَبلَ دُخُولِ الإمَامِ في الصَّلَاةِ، فَلَا عَلَيه أَن لَا
يُصَلِّيَهُمَا. [٢٢٧/١ و]
قال: وأَرَى لِلإِمَامِ أن يَأْمُرَهُ بِهمَا ويَزِيدَ في كَلَامِه مَا يُمكِنُهُ إِكمَالُهُمَا فِيهِ،
فَإِن لَم يَفْعَل كَرِهت (٣ذَلِكَ لَهُ(٣) ولَا شَيءَ عَلَيهِ. انتَهَى.
وقَولُهُ: فَإِن لَم يَفعَل. يَحتَمِلُ أن يُرِيدَ بِهِ الخَطِيبَ؛ أي: لَم يَأْمُر الدَّاخِلَ
ولَا زَادَ في كَلَامِه لِيُتِمَّ الدَّاخِلُ الرَّكعَتَينِ، ويَحتَمِلُ أن يُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلَ بِأن أمَرَهُ
الخَطِيبُ بِذَلِكَ فَلَم يَفعَل.
وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ)) (٤): في هَذِهِ الصُّورَةِ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ
الصَّلَاةُ ولَا يَقعُدُ، لِئَّأَا يَكُونَ جَالِسًا في المَسجِدِ قَبلَ الثَّحِيَّةِ، هَكَذَا فَصَّلَهُ
المُحَقِّقُونَ، منهُم صَاحِبُ الشَّامِلِ .
■ الثَّامنةُ: استَثنَى أصحَابُنَا من استِحِبَابِ الرَّكعَتَينِ المَسجِدَ الحَرَامَ،
فَقَالُوا: إنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوافُ، فَالدَّاخِلُ إِلَيهِ يَبْدَأُ بِالطَّافِ.
قال المَحَامِلِيُّ: تُكرَهُ تَحِيَّةُ المَسجِدِ فِي حَالَينِ :
أحَدُهُمَا: إذَا دَخَلَ والإمَامُ في المَكتُوبَةِ.
والثَّانِي: إِذَا دَخَلَ المَسجِدَ الحَرَامَ فَلَا يَشْتَغِلُ بِها عن الطّوافِ.
وقال النَّورِيُّ في (شَرحِ مسلم))(٥): وأمَّا المَسجِدُ الحَرَامُ فَأولَ مَا يَدخُلُهُ
(١) في (م): ((تحقيقها)).
(٣ - ٣) في (ك): ((له ذلك)).
(٥) شرح النووي لمسلم (٢٢٦/٥).
(٢) الأم (٢ / ٤٠٠، ٤٠١).
(٤) المجموع (٤٢٨/٤).

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٦٣
=
الحَاجُ يَبْدَأُ بِطَوافِ القُدُومِ، فَهو تَحِيَّتُهُ، ويُصَلِّي بَعدَهُ رَكعَتَي الطَّوافِ. انتَهَى.
وعِبَارَةُ المَحَامِلِيِّ تَقتَضِي أنَّ سَائِرَ مَرَّاتِ دُخُولِ المَسجِدِ الحَرَامِ في ذَلِكَ
سَواءٌ.
وعِبَارَةُ النَّوِيِّ تَقْتَضِي اختِصَاصَ ذَلِكَ بِأولِ دُخُولِ الحَاجِّ وبِطَوافِ القُدُومِ.
وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(١) وغَيرُهُ عن مَالِكِ: أنَّهُ رَأى تَقدِيمَ الطّوافِ في
مَسجِدٍ مَكَّةَ عَلى النَّحِيَّةِ(٢).
ومُقتَضَاهُ: أنَّ التَّحِيَّةَ لَم تَسقُط في هَذِهِ الصُّورَةِ ولَا قَامَ غَيرُها مَقَامَها وإنَّمَا
قُدِّمَ الطّوافُ عَلَيها .
ومُقتَضَى مَا ذَكَرَهُ المَحَامِلِيُّ وغَيرُهُ: الاكتِفَاءُ بِالطَّوافِ بِمَكَّةَ وَلَو كَانَ
الخَطِيبُ عَلى المنبَرِ، فَإِنَّهُ لَم يَستَئنِ هَذِهِ الحَالَةَ، وقَد يُتَوقَّفُ في ذَلِكَ ويُقَالُ:
الإِشْتِغَالُ بِالتَّحِيَّةِ لَا يَطُولُ زَمَنُهُ. وقَد لَا يُنَافِي اسْتِمَاعِ(٣) الخُطبَةِ بِخِلَافِ الطّوافِ
فَيَطُولُ زَمَنُهُ، ويَبَعُدُ عن الخَطِيبِ لِدَورَانِهِ من غَيرِ جِهَتِه فَلَا (٤) يَسمَعُ كَلَامَهُ. ولَم
أرَ لِأحَدٍ من أصحَابِنَا إفصَاحًا عن شَيءٍ من ذَلِكَ، واللهُ أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: استُدِلَّ بِالرِّوايَةِ التي فيها أمرُهُ بِالتَّحِيَّةِ بَعدَ قُعُودِهِ عَلى أنَّها لَا
تَفُوتُ بِالجُلوسِ، (١٨٩/٣م) إِذَا كَانَ جَاهلاً بِمَشرُوعِيَّةِ التَّحِيَّةِ في هَذِهِ الحَالَةِ ولَم
يُطِلِ الفَصلَ.
قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٥): أطلَقَ أصحَابُنَا فَواتَها بِالجُلوسِ، وهو
مَحمُولٌ عَلى العَالِم بِأَنَّها سُنَّةٌ، أمَّا الجَاهلُ فَيَتَدَارَكُها عَلى قُربٍ لِهَذَا الحديثِ.
■ العَاشِرَةُ: في مَعنَى الجَاهلِ النَّاسِي: فَلَو جَلَسَ نَاسِيًا ولَم يُطِلِ الفَصلَ
استُحِبَّ لَهُ الإتيَانُ بِها، كَمَا صَرَّحَ بِهِ من أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ: أَبُو الفَضلِ ابنُ عَبدَانَ.
وقال النَّووِيُّ: إنَّهُ المُختَارُ المُتَعَيَّنُ. انتَهَى.
(١) إكمال المعلم (٤٩/٣).
(٣) في (م): ((استعمال)).
(٥) المجموع (٤٢٨/٤).
(٢) بعدها في (ك): ((انتهى)).
(٤) في الأصل: ((فلم)).

٢٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأطلَقَ أكثَرُ أصحَابِنَا: فَواتَها بِالجُلوسِ.
وقَضِيَّةُ سُلَيكٍ مُحتَمِلَةٌ لِهَذَا الأمرِ، ولِلَّذي قَبلَهُ، يَحتَمِلُ جُلوسُهُ الجَهلَ
بِسُنِّيَّتِها والنِّسيَانَ لَها، فَالحديثُ دَالٌّ عَلى إحدَى الحَالَتَينِ نَصَّا وعَلى الأُخرَى
قِيَاسًا، واللهُ أعلمُ.
] الحَادِيَةَ عَشرَ: قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ لِلدَّاخِلِ: ((صَلَّيْتَ؟))، يَحْتَمِلُ
أن يُرِيدَ: أصلَيتَ حِينَ دَخَلت المَسجِدَ، أو صَلَّيتَ (١) في بَيْتِك قَبلَ أن تَجِيءَ.
والظّاهرُ: أنَّ المُرَادَ الأولُ؛ بِدَلِيلٍ قَولِه في رِوايَةٍ مسلمٍ (٢): ((قُم فَصَلِّ
الرَّكعَتَينِ))، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرَادَ الرَّكعَتَانِ المَعهودَتَانِ عِندَ دُخُولِ المَسجِدِ، وهُمَا
تَحِيَّةُ المَسجِدِ .
وتَحِيَّةُ المَسجِدِ إِنَّمَا تُفعَلُ فيه لَا في البَيتِ، لَكِن تَقَدَّمَ أنَّ في رِوايَةٍ
ابنِ مَاجَه: ((قَبَلَ أن تَجِيءَ). وظَاهرُهُ الاستِفِهامُ عن فِعلِها في البَيتِ، إلا أن يَكُونَ
المُرَادُ قَبلَ أن يَجِيءَ إلى قُربِ المنبَرِ، بِأن يَكُونَ صَلى في طَرَفِ المَسجِدِ أولَ
دُخُولِه.
وبِتَقدِيرِ أن يَكُونَ الاِستِفهامُ عن فِعلِها في البَيتِ، فَهو حُجَّةٌ لِمَا حُكِيَ عن
الأوزَاعِيِّ: أنَّ دَاخِلَ المَسجِدِ والإمَامُ يَخطُبُ إِنَّمَا يَركَعُ الرَّكعَتَينِ إِذَا لَم يَكُن
رَكَعَهُمَا [٢٢٧/١ظ] في بَيْتِه. حَكَاهُ صَاحِبُ ((المُفهمِ))(٣).
وقَد اسْتَدَلَّ بَعضُهُم بِرِوايَةِ ابنِ مَاجَه هَذِه عَلى سُنَّةِ الجُمُعَةِ التي قَبلَها، وفيه
نَظَرٌ من أوجُهٍ :
أحَدُها: أنَّ سُنَّةَ الجُمُعَةِ إِنَّمَا يَدخُلُ وقتُها بِدُخُولِ وقتِ الجُمُعَةِ، وهو زَوالُ
الشَّمسِ عَلى قَولِ الجُمهورِ، وإِنَّمَا كَانَ يُؤَذَّنُ لَها بَينَ يَدَيه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ
إِذَا صَعِدَ المنبَرَ، فَمَتَى تَمَكَّنَ سُلَيكٌ أن يُصَلِّيَ سُنَّةَ الجُمُعَةِ في بَيتِه؟ إلا أن يُقال:
لَعَلَّهُ تَأْخَرَ زَمَنَا يُمكِنُهُ فيه ذَلِكَ بِحَيثُ لَم يَحضُر إلا في أواخِرِ الخُطبَةِ.
(١) في (م): ((أصليت)).
(٣)
المفهم (٥١٣/٢).
(٢) مسلم (٨٧٥/ ٥٥).

=
٢٦٥
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
ثَانِيها: أنَّ الخِلَافَ بَينَ العُلَمَاءِ إِنَّمَا هو في تَحِيَّةِ المَسجِدِ، فَأمَّا الرَّواتِبُ
فَإِنَّها لَا تُفْعَلُ بَعدَ شُرُوعِ الإمَامِ في الخُطِبَةِ بِلَا خِلَافٍ.
ثَالِثُها: أنَّهُ لَم يَتَعَيَّن كَونُها سُنَّةَ الجُمُعَةِ، بِتَقدِيرِ أَنَّها لَيسَت التَّحِيَّةُ، فَلَعَلَّها
سُنَّةُ الوُضُوءِ.
■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: قال الخَطَّابي(١): فيه جَوازُ الكَلَامِ في الخُطبَةِ لِأمرٍ
يَحدُثُ، وأنَّ ذَلِكَ لَا يُفسِدُ الخُطبَةَ.
قال: وقال بَعضُ الفُقَهاءِ: إِذَا (٣/ ١٩٠م) تَكَلَّمَ أعَادَ الخُطبَةَ. قال: والسُّنَّةُ
أولی مَا اُتُبِعَ.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ تَحِيَّةَ المَسجِدِ تُفْعَلُ في أوقَاتِ النَّهي
عن الصَّلَاةِ، لِكَونِها ذَاتَ سَبَبٍ، فَإِنَّها لَو تُرِكَت في حَالٍ لَكَانَت هَذِهِ الحَالُ
أولى الأحوالِ بِذَلِكَ؛ لِأِنَّهُ مَأمُورٌ فيه بِالإنصَاتِ لِاسْتِمَاعِ الخُطبَةِ، فَلَمَّا تَرَكَ لَها
اسْتِمَاعَ الخُطبَةِ وَقَطَعَ النَّبِيِ نَّهِ الخُطبَةَ(٢) لِأجلِها، دَلَّ عَلى تَأكُّدِها وأنَّها لَا
تُتْرَكُ في وقتٍ من الأوقَاتِ إلا عِندَ إِقَامَةِ البَيَِّةِ(٣)، وبِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ.
وكَرِهَها في هَذِهِ الحَالَةِ أَبُو حَنِيفَةَ، والأوزَاعِيُّ، والليثُ، وحَكَاهُ القُرطُبي(٤) عن
الجمهورِ .
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: مَذهَبُنَا: أنَّ إِقَامَةَ الجُمُعَةِ لَا تَخْتَصُ بِالمَسجِدِ، بَل تُقَامُ
في خُطَّةِ الأبنِيَةِ، فَلَو فَعَلوها في غَيرِ مَسجِدٍ لَم يُصَلِّ الدَّاخِلُ إلى ذَلِكَ المَوضِعِ
فِي حَالَةِ الخُطبَةِ، إذ لَيسَت لَهُ تَحِيَّةٌ فَلَا يَتْرُكُ اسْتِمَاعَ الخُطَبَةِ لِغَيرِ(٥) سَبَبٍ، وهَذَا
الحديثُ مَحمُولٌ عَلى الغَالِبِ من إِقَامَةِ الجُمُعَةِ في المَسَاجِدِ، واللهُ أعلمُ.
■ الخَامِسَةَ عَشَر: استُدِلَّ بِهِ عَلى رَدِّ السَّلَامِ، وتَشمِيتِ العَاطِسِ الحامد
في حَالِ الخُطبَةِ؛ لِأَنَّ أمرَهُمَا أخَفُّ وزَمَنَهُمَا أقصَرُ من زَمَنِ التَّحِيَّةِ، مَعَ وُوبٍ
(١) معالم السنن (٢٢/٢).
(٣) في (ك): ((المكتوبة)).
(٥) في (ك): ((بغير)).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) المفهم (٢/ ٤٥٧).

=
٢٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
رَدِّ السَّلَامِ وكَونِ التَّحِيَّةِ نَفلًا. وسَيَأتي إيضَاحُ المَسألَةِ في الكَلَامِ عَلى الحديثِ
الذي بَعدَهُ.
الحديثُ السَّادِسُ
ءُ عن الأعرَج، عن أبي هُرَيرَةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ قال: ((إِذَا قُلتَ
لِصَاحِبِك: أنصِتَ فَقَد لَغَوت))، يُرِيدُ: والإمَامُ يَخطُبُ. لَم يَقُل الشَّيخَانِ:
پُرِيدُ.
وعن هَمَّام، عن أبي هُرَيْرَةَ (١٩١/٣م) قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إِذَا قُلتَ
لِلنَّاسِ: أنصِّتُوا وهُم يَتَكَلَّمُونَ، فَقَد ألغَيت عَلى نَفسِك)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: كَذَا فِي رِوايَةِ أبي مُصعَبٍ عن مَالِكِ.
والقَائِلُ: يُرِيدُ والإمَامُ يَخْطُبُ هو: مَالِكٌ.
ورَواهُ يَحيَى بنُ يَحيَى، وجُمهورُ رُواةِ المُوظَّا تَامًّا: ((إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِك:
أنصِت، والإِمَامُ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقَد لَغَوتَ))(١). وأخرَجَهُ مسلمٌ(٢) من رِوايَةٍ
سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة بِلَفِظِ: ((إِذَا قُلتَ
لِصَاحِبِكَ: أَنصِت يَومَ الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ فَقَد لَغِيتَ)).
قال أبُو الزِّنَادِ: هيَ لُغَةُ أبي هُرَيْرَةَ، وإِنَّمَا هو: ((فَقَد لَغَوتَ)).
ورَواهُ الشَّافِعِيُّ(٣)، عن مَالِكِ بِلَفِظِ: ((لَغَوتَ))، وعن ابنِ عُيَينَةَ (٤) بِلَفِظِ:
(لَغِيتَ))، وقال: قال ابنُ عُيَينَةَ: لَغِيتَ لُغَةُ أبي هُرَيرَةَ، وَرَواهُ البَيهَقِيُّ،
(١) الموطأ (٢٣٢).
(٣) مسند الشافعي (٢٧٧/١/ح ٤٠٣ - شفاء).
(٤) مسند الشافعي (٢٧٨/١/ح ٤٠٥ - شفاء).
(٢) مسلم (١٢/٨٥١).

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٦٧
=
وابنُ عَبدِ البَرِّ(١) من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ عَجِلَانٍ، عن أبي الزِّنَادِ، بِزِيَادَةِ لَفظَّةٍ في
آخِرِه: ((عَلَيكَ بِنَفْسِكَ)) .
وأخرَجَهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، والتِّرمِذي، والنَّسَائِيُّ، (٢) من طَرِيقٍ عُقَيلِ بنِ
خَالِدٍ، وأبُو دَاوُد، والنَّسَائِيُّ(٣) أيضًا من طَرِيقِ مَالِكٍ، وابنُ مَاجَه(٤) من طَرِيقٍ
مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي ذِئبٍ [٢٢٨/١ و]، ثَلَاثَتُهُم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ
المُسَيِّبِ، عن أبي هُرَيرَةَ بِلَفِظِ: ((إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِك يَومَ الجُمُعَةِ: أنصِت والإِمَامُ
يَخطُبُ فَقَد لَغَوت)): لَفِظُ الشَّيخَينِ، إلا أنَّ مسلمًا قَدَّمَ قَولَهُ: ((أنصِت)) عَلى قَولِهِ:
(يَومَ الجُمُعَةِ))، ولَم يَذكُر أبُو دَاوُد: ((لِصَاحِبِك يَومَ الجُمُعَةِ))، ولَفظُ الترمذي(٥)،
والنَّسَائِيُّ: ((مَن قال لِصَاحِبِهِ يَومَ الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ: أنصِت، فَقَد لَغَا))، ولَم
يَقُلِ التِّرمِذي: ((لِصَاحِبِه))، وأخرَجَهُ [مسلم و](٦) النَّسَائِيّ من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن ابنِ
المُسَيِّبِ، وعن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، عن عَبدِ الله بنِ إبراهيمَ بنِ قَارِظِ، كِلَاهُمَا،
عن أبي هُرَيْرَةً(٧)، وفي رِوايَةٍ لِمسلم(٨): إبراهيمُ بنُ عَبدِ الله بنِ فَارِظِ.
■ الثَّانِيَةُ: قال في ((الصِّحَاح)) (٩): الإنصَاتُ: السُّكُوتُ والاستِمَاعُ
لِلحديثِ. وقال في ((المَشَارِقٍ))(١٠): السُّكُوتُ للاستِمَاعُ (١١) لِمَا يُقَالُ. وقال في
((النِّهَايَةِ))(١٢): أنصِت سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِعٍ.
وهَذِهِ العِبَارَات(١٣) مُتَّفِقَةٌ فِي المَعنَى (١٤)، واقتَصَرَ في ((المُحكَم))(١٥):
عَلى أنَّهُ السُّكُوتُ، ويُوافِقُهُ عَطفُهُ في التَّنزِيلِ عَلى الاِسْتِمَاعِ في قَوله تَعَالى:
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٢١٩/٣)، التمهيد (٣٠/١٩).
البخاري (٩٣٤)، ومسلم (١١/٨٥١)، الترمذي (٥١٢)، النسائي (١٤٠١).
(٢)
(٣)
أبو داود (١١١٢)، النسائي في الكبرى (١٧٣٨).
(٤)
ابن ماجه (١١١٠).
(٥) في (م): ((أبو داود)).
ليس في: الأصل، (م). لكنه أحال في الأصل، ولم يوجد ما يقابلها في الحاشية.
(٦)
(٧)
النسائي في الكبرى (١٧٤٠).
(٨) مسلم (٨٥١).
(٩) الصحاح (٢٦٨/١).
(١٠) المشارق (١٤/٢).
(١١) في (ك، م): ((الاستماع)). وهو موافق للمطبوع من المشارق.
(١٢) النهاية (٦٢/٥).
(١٣) في (ك، م): ((العبارة)).
(١٤) ليس في: الأصل.
(١٥) المحكم (٢٩٦/٨).

=
=
٢٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وكَذَا قال أصحَابُنَا الفُقَهاءُ: الإنصَاتُ(١)
هو السُّكُوتُ، والاستِمَاعُ شَغلُ السَّمعِ بِالسَّمَاعِ، ويُستَعمَلُ رُبَاعِيًّا وهو أفصَحُ
وثُلَائِيًّا فَيُقَالُ: أَنصَتَ ونَصَتَ، فَيَجُوزُ في قَولِه في الحديثِ: ((أنصِت))، قَطعُ
الهَمِزَةِ ووصلُها. والأولُ أفصَحُ وأشهَرُ، والصَّادُ مَكسُورَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
■ الثَّالِثَةُ: قال في (الصِّحَاح))(٢): لَغَا يَلِغُو لَغوًا؛ (١٩٢/٣م) أي: قال
بَاطِلًا، ولَغِيَ بِالكَسرِ يَلَغَى لَغَّا .
وقال في ((المُحكَم)) (٣): اللغوُ واللِّغَاءُ السَّقطُ ومَا لَا يُعتَدُّ بِهِ. ثُمَّ قال:
ولَغَوت في القَولِ ألغِي لَغَوَا وَلَغِيت لَغَى: أخطَأتُ (٤)، وكَلِمَةٌ لَاغِيَةٌ فَاحِشَةٌ. وقال
في ((المَشَارِقٍ))(٥): لَغوُ الكَلَامِ لَغَطُهُ ومَا لَا مَحصُولَ لَهُ، يُقَالُ: لَغَوت ألغُوا
وألغَى لَغْوًا، ولَغِيت أيضًا [لغىّ، ولغيت أيضًا](٦) وألغَيت: أتَيت بِلَغوٍ، مِثلُ
أفحَشت إذَا أتَيت بِفُحشٍ.
وصَرَّحَ بِأنَّ الرِّوايَةَ التي في ((صَحِيحٍ مسلمٍ)) من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ: (فَقَد
لَغِيت)) بِكَسرِ الغَينِ.
وذَكَرَ النَّوِيُّ في (شَرح مسلم))(٧): أنَّ لَغَا يَلِغُو أفصَحُ من لَغَى يَلَغَى .. ثُمَّ
قال: وظَاهرُ القُرآنِ يَقْتَضِيَّ هَذِه اللُّغَةَ الثَّانِيَةَ التي هيَ لُغَةُ أبي هُرَيْرَةَ قال اللهُ
تَعَالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلْغَوْاْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. قال:
وهَذَا من لَغَا يَلِغَى، ولَو كَانَ من الأولِ لَقال: والغُوا فيه بِضَمِّ الغَينِ.
وقال في ((النِّهايَةِ) (٨): لَغَا الإِنسَانُ يَلْغُو (٩)، ولَغَا يَلغَا، ولَغِيَ يَلغَا: إذَا
تَكَلَّمَ بِالمُطرَحِ من القَولِ ومَا لَا يَعِنِي. انتَهَى.
(١) في (م): (والانصات)).
(٣)
المحكم (٦١/٦).
(٢) الصحاح (٢٤٨٣/٦).
(٤) في (ك): ((خطأت)).
مشارق الأنوار (٣٦١/١).
(٥)
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(٧) شرح مسلم للنووي (١٣٨/٦).
النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٥٧).
(٨)
(٩) في الأصل: ((يلغوا)). والمثبت كالمطبوع من النهاية.

=
كم
٢٦٩
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
وقال ابنُ بَظَالٍ (١): واللغوُ: كُلُّ شَيءٍ من الكَلَامِ لَيسَ بِحَسَنٍ(٢) عِندَ
أبي عُبَيدَةَ.
وقَولُهُ فِي الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((فَقَد ألفَيتَ)) بِهَمزِ (٣) أولِه، قال في ((الصِّحَاحِ)):
ألغَيتُ الشَّيءَ أبطَلته. وقال في ((المَشَارِقِ)): طَرَحته. وقال في ((المُحكَم)): [َكُلُّ
مَا](٤) أسقَطته فَلَم تَعتَدَّ بِهِ فَقَد ألغَيته. وقال في ((النِّهايَةِ)): وألغَى إِذَا أسقَطَ (٥).
وهَذِهِ العِبَارَاتُ بِمَعنّى واحِدٍ، وعَلى هَذَا فَالمَفعُولُ المَحذُوفُ الجُمُعَةُ فِيمَا
يَظْهَرُ. فَقَولُهُ: ((ألغَيت))؛ أي: جُمُعَتَك.
وتَقَدَّمَ أنَّ صَاحِبَ ((المَشَارِقِ)) ذَكَرَ أيضًا أنَّهُ يُقَالُ: ألغَيت أتَيت بِلَغوٍ. فَعَلى
هَذَا الثَّانِي يَكُونُ لَازِمًا بِمَعنَى الرِّوايَةِ المَشهورَةِ.
■ الرَّابِعَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ الإنصَاتِ لِلخُطبَةِ وتَحْرِيمِ الكَلَامِ فيها .
وإِذَا (٦) لَم تُغَفَرِ هَذِهِ الكَلِمَةُ مَعَ خِفَّتِها، وكَونِها أمرًا بِمَعْرُوفٍ مُحتَاجٍ إِلَيه في تِلكَ
الحَالَةِ، فَمَا عَدَاها أولى بِالمَنعِ.
وهَذَا أحَدُ قَولَي الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَيه في القَدِيمِ والإملَاءِ، وبِه قال مَالِكٌ
وأبُو حَنِيفَةً، وهو المَشهورُ من مَذْهَبِ أحمَدَ.
وقال ابنُ المُنذِرِ(٧): نَهَى عُثمَانُ، وابنُ عُمَرَ عن الكَلَامِ والإمَامُ يَخطُبُ،
وقال ابنُ مَسعُودٍ: إِذَا رَأيته يَتَكَلَّمُ والإمَامُ يَخْطُبُ فَأقرِعِ رَأْسَهُ بِالعَصَا، وكَرِهَ ذَلِكَ
ابْنُ عَبَّاسٍ والشَّافِعِيُّ وعَوامُ أهلِ العِلمِ.
وقال التِّرمِذي في ((جَامِعِه)) (٨) بَعدَ رِوايَةِ هَذَا الحديثِ: والعَمَلُ عَلَيه عِندَ
أهلِ العِلمِ كَرِهوا لِلرَّجُلِ أن يَتَكَلَّمَ والإمَامُ يَخْطُبُ.
(٢) في (م): ((يحسن)).
(١) شرح صحيح البخاري (٥١٨/٢).
(٣) في (ك): ((بهمزة)).
في الأصل: ((لما)). وفى (ك): ((كلما)). والمثبت كالمطبوع.
(٤)
(٥)
الصحاح (٢٤٨٣/٦)، المشارق (٣٦١/١)، المحكم (٦١/٦)، النهاية (٢٥٧/٤).
(٧) الأوسط (٤٣٥/٥).
(٦)
ليس في: (م).
(٨) جامع الترمذي (٥١٢).

=
كو
٢٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال والِدِي ◌َخْتُ في ((شَرح التِّرمِذي)): والمُتَقَدِّمُونَ يُطلِقُونَ كَثِيرًا الكَرَاهَةَ
[٢٢٨/١ظ] ويُرِيدُونَ بِها التَّحْرِيمَ. انتَهَى.
وقال ابنُ بَطَّالٍ (١): جَمَاعَةُ (٣/ ١٩٣م) أئِمَّةِ الفَتوى عَلى وُجُوبِ الإنصَاتِ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): لَا خِلَافَ عَلِمته بَيْنَ فُقَهاءِ الأمصَارِ في وُجُوبٍ
الإنصَاتِ لِلخُطبَةِ عَلى مَن سَمِعَها. انتَهَى.
والقَولُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ: أنَّ الإنصَاتَ سُنَّةٌ والكَلَامَ لَيسَ بِحَرَامٍ، وهو نَصُّهُ
في الجَدِيدِ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ؛ حَكَاها ابنُ قُدَامَةَ(٣).
وقال ابنُ المُنذِرِ (٤): كَانَ النَّخَعِيّ وسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ وإبراهيمُ بنُ مُهاجٍِ
و(٥) الشَّعبي وأبُو بُرِدَةً يَتَكَلَّمُونَ والحَجَّاجُ يَخطُبُ.
وقال بَعضُهُم: إنَّا لَم نُؤْمَر أن نُنصِتَ لِهَذَا. قال ابنُ المُنذِرِ: واتِّبَاعُ السُّنَّةِ
أولى. انتَھَی.
قال والِدِي ◌َخْذُهُ: فَيُحتَمَلُ أن يُرَادَ بِهَذَا الإشَارَةُ لِلحَجَّاجِ لِمَا كَانَ فيه من
الظّلم، وهو الظَّاهرُ. ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ لِهَذَا الأمرِ.
قُلتُ: ويُحتَمَلُ أن تَكُونَ الإشَارَةُ إلى كَلَامِ بِعَينِهِ أتَى بِهِ الحَجَّاجُ لَا يَنْبَغِي
سَمَاعُهُ لِمَا فيه من سَبِّ الصَّحَابَةِ ﴿ه، أو الأمرِ بِالظّلم ومَا لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ، أو
عِندَ قِرَاءَةٍ كُتُبٍ وَرَدَت عَلَيْهِ من الخَلِيفَةِ فيها مَا لَا يَنْبَغِي فِعلُهُ.
وقَد قال ابنُ حَزمٍ(٦): رَوينا من طَرِيقِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ، عن مُجَالِدٍ قال:
رَأيت الشَّعبي، وأبَا بُردَةً بنَ أبي مُوسَى الأشعَرِيَّ يَتَكَلَّمَانِ والحَجَّاجُ يَخطُبُ حِينَ
قال: لَعَنَ اللهُ، ولَعَنَ اللهُ! فَقُلت: أتَتَكَلَّمَانٍ في الخُطبَةِ؟ فقالا: لَم نُؤمَر بِأن
نُنصِتَ لِهَذَا. وعن إبراهيمَ النَّخَعِيّ: أنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ والإمَامُ يَخطُبُ زَمَنَ الحَجَّاجِ.
قال ابنُ حَزمٍ: كَانَ الحَجَّاجُ وخُطَبَاؤُهُ يَلْعَنُونَ عَلِيًّا وابنَ الزُّبَيرِ ﴿ّ.
(١) شرح صحيح البخاري (٥١٨/٢).
(٣)
المغني (١٩٤/٣).
ليس في: (ك).
(٢) التمهيد (٣٢/١٩).
(٤) الأوسط (٤٣٧/٥).
(٦) المحلى (٦٤/٥).
(٥)

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٧١
=
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): أنَّ عَبدَ الله بنَ عُروةَ كَانَ يُنصِتُ لِلخَطِيبِ، فَإِذَا شَتَمَ
عَلِيًّا تَكَلَّمَ، ويَقُولُ: إِنَّا لَم نُؤمَر أن نُنصِتِ لِهَذَا. و(٢) رَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في
(مُصَنَّفِه))(٣) عن الشَّعبي، ومُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ بنِ الحُسَينِ أنَّهُ قال(٤): لَا بَأسَ بِالكَلَام
والصُّحُفُ تُقرَأُ يَومَ الجُمُعَةِ. وعن أبي بُردَةَ، وعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ: أنَّهُمَا كَانَاً
يَتَكَلَّمَانِ فِي هَذِه الحَالَةِ. وعن حَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمَانَ: إِنَّمَا كَانَ السُّكُوتُ قَبلَ
اليَومِ إذَا وُعِظُوا بِكِتَابِ الله وقَالوا فيه. فَنَسكُت لِصُحُفِهِم هَذِه؟!
وعن الحَسَنِ البَصرِيِّ: أنَّهُ كَانَ يَكرَهُ الكَلَامَ، والصُّحُفُ تُقرَأُ .
وعن إبراهيمَ النَّخَعِيّ: أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الكُتُبَ تَجِيءُ من قِبَلٍ قُتَيبَةَ فيها
البَاطِلُ والكَذِبُ، فَأُكَلِّمُ صَاحِبي أو أُنصِت؟ قال: لَا، بَل أنصِت. يَعنِي: في
وء.
الجُمْعَةِ .
فَطَرَدَ النَّخَعِيّ والحَسَنُ مَنعَ الكَلَامِ في الخُطَبَةِ وسَدَّ(٥) البَابَ فِي ذَلِكَ.
قال ابنُ بَظَّالٍ (٦): ورَوى ابنُ وهبٍ (١٩٤/٣م) وابنُ نافِعِ(٧)، وعَلِيُّ بنُ
زِيَادٍ، عن مَالِكِ: أنَّ الإمَامَ إذَا لَغَى وشَتَمَ النَّاسَ فَعَلى النَّاسِ الإنصَاتُ ولَا
يَتَكَلَّمُونَ. ورُوِيَ عنهُ: إِذَا خَطَبَ في أمرٍ لَيسَ من الخُطبَةِ من أمرٍ كِتَابٍ يَقْرَؤُهُ أو
نَحوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلى النَّاسِ الإنصَاتُ. ورَأى الليثُ إِذَا أَخَذَ الإمَامُ فِي غَيرِ ذِكرِ الله
والمَوعِظَةِ أن يَتَكَلَّمَ ولَا يُنصِتَ. انتَهَى.
وقال ابنُ حَزم(٨): فَإِن أدخَلَ الخَطِيبُ في خُطَبَتِهِ مَا لَيسَ من ذِكرِ الله تَعَالى
ولا من الدُّعَاءِ المَأمُورِ بِهِ، فَالكَلَامُ مُبَاحٌ حِينَئِذٍ.
فَهَذَانِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ مُفَصَّلَانٍ، إمَّا بَينَ أئِمَّةِ الجَورِ وغَيرِهم، وإمَّا بَينَ (٩)
الوعظِ وغَيرِه.
(١) التمهيد (٣٥/١٩).
(٣) المصنف (١٢٣/٢).
(٤) ليس في: (ك، م).
(٥)
في (م): ((سدا)).
(٦) شرح صحيح البخاري (٤٩/٢-٥٠).
(٧) في الأصل، (م): ((قانع)). والمثبت موافق للمطبوع.
(٨) المحلى (٦٢/٥).
(٩) بياض في: (م).
(٢) في (ك، م): ((وقد)).

=
٢٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) قَولًا خَامِسًا: أنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ الإنصَاتُ عِندَ تِلَاوةٍ
القُرآنِ خَاصَّةً.
قال: رُوِي عن الشَّعبي، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، والنَّخَعِيِّ، وأبي بُردَةَ.
قال: وفِعِلُهُم ذَلِكَ مَردُودٌ عِندَ أهلِ العِلمِ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وأحسَنُ أحوالِهم
أَنَّهُم لَم يَبلُغهُم الحديثُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حَدِيثُ انفَرَدَ بِهِ أهلُ المَدِينَةِ، ولَا عِلمَ
لِمُتَقَدِّمِي أهلِ العِرَاقِ بِهِ.
وقال ابنُ بَطَّالٍ: استِمَاعُ الخُطبَةِ واجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ عِندَ أكثَرِ العُلَمَاءِ،
ومِنْهُم مَن جَعَلَهُ فَرِيضَةٌ(٢). انتَهَى.
وهَذَا عَلى قَاعِدَةِ المَالِكِيَّةِ في(٣) وُجُوبِ السُّنَنِ، ومَعنَاهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ،
وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ في الجَدِيدِ، فَيَكُونُ ابنُ بَطَالٍ نَقَلَ اسْتِحِبَابَ الإنصَاتِ عن
الأكثَرِينَ.
فَمَن أوجَبَ الإنصَاتَ أخَذَ بِقَولِ مَن قال: إنَّ اللغو البَاطِلُ. ومَن استَحَبَّهُ
أَخَذَ بِقَولِ مَن قال: إنَّهُ السَّقَطُ ومَا لَا يُعتَدُّ بِهِ، و(٤) لَغَطُ [٢٢٩/١ و] الكَلَام ومَا لَا
مَحصُولَ لَهُ، أو المُطرَحُ من القَولِ ومَا لَا يَعنِي، فَإِنَّ هَذِهِ العِبَارَاتِ مُتَقَّارِبَةُ(٥)
المَعنَى، ومُقْتَضَاها: أنَّ قَائِلَ اللغَطِ غَيرُ مُرتَكِبٍ حَرَامًا .
وقَد قال الشَّافِعِيُّ(٦) كَظَتُهُ فِي قَولِهِ: (لَغَوت)): تَكَلَّمت في مَوضِعِ الأدَبُ فيه
أن لَا تَتَكَلَّمَ.
واحتَجَّ الشَّافِعِيُّ في الجديد(٧) عَلى عَدَمِ تَحرِيمِ الكَلَامِ في الخُطبَةِ بِحَدِيثٍ
أَنَسٍ في الرَّجُلِ الذي قَامَ إلى رسولِ اللهِوَلِ فِي (٨) يَومٍ جُمُعَةٍ(٩) وهو يَخطُبُ،
(١) التمهيد (٣٢/١٩).
(٢) شرح صحيح البخاري (٥١٣/٢).
في الأصل، (م): ((من)).
(٣)
(٤) في (ك): ((أو)).
(٥)
في (ك): ((متقارنة)).
(٦) الأم (٢٠٣/١).
في (ك، م): ((القديم)). وهو موافق لما نقله عنه البيهقي، ينظر: معرفة السنن
(٧)
(٥٠٤/٢، ٥٠٥).
(٨) ليس في: الأصل.
(٩) في (م): ((الجمعة)).

=
٢٧٣
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
فقال: يَا رسولَ الله، هَلَكَتِ المَواشِي وانقَطَعَت السُّبُلُ؛ فَادْعُ اللهَ. وهو في
((الصَّحِيحَينِ))(١).
وبِحَدِيثِ عُثْمَانَ حَيثُ دَخَلَ يَومَ الجُمُعَةِ وعُمَرُ يَخطُبُ فَكَلَّمَهُ، وأجَابَهُ وقَد
تَقَدَّمَ قَرِيبًا(٢).
واحتَجَّ عَلَى ذَلِكَ في الجَدِيدِ بِالحديثِ المُتَقَدِّم قَبلَ هَذَا فِي سُؤَالِ النَّبِي ◌ِّ
الدَّاخِلَ وهو يَخطُبُ عن كَونِه صَلى، وإجَابَتِهِ لَهُ بِقَولِه: لَا. وقَولِه لَهُ: ((صَلِّ
رَكَعَتَينٍ)). وبِكَونِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَلَّمَ الذينَ قَتَلوا ابنَ أبي(٣) الحُقَيقِ عَلى
المنبَرِ، وكَلَّمُوهُ وتَدَاعُوا قَتلَهُ. وقَد رَواهُ الشَّافِعِيُّ مُرسَلًا. قال (١٩٥/٣م)
البَيْهَقِيُّ(٤): وهَذَا وإن كَانَ مُرسَلًا فَهو مَشهورٌ فيمَا بَيْنَ أهلِ العِلمِ بِالمَغَازِي(٥)،
ورُوِيَ من وجهٍ آخَرَ مَوصُولًا عن عَبدِ الله بنٍ أُنَيس. انتَهَى.
ومَن ذَهَبَ إلى تَحرِيمِ الكَلَامِ أَجَابَ عن هَذِه الأحَادِيثِ: بِأنَّ المُخَاطَبَةَ فيها
من الإمَامِ أو مَعَهُ، فَلَا يُشْتَغَلُ بِذَلِكَ عن سَمَاعِ الخُطِبَةِ، بِخِلَافِ كَلَامِ الحَاضِرِينَ
بَعضِهم مَعَ بَعضٍ.
■ الخَامِسَةُ: ظَاهرُ الحديثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرِقَ في الحُكمِ عَلى الكَلامِ في
حَالَةِ الخُطبَةِ بِأَنَّهُ لَغْوٌ، بَيْنَ أن يَكُونَ صَادِرًا من العَدَدِ الذينَ تَنعَقِدُ بِهِم الجُمُعَةُ،
وبَيْنَ أن يَكُونَ صَادِرًا من الزِّيَادَةِ عَلَيهم.
وهو مُقْتَضَى كَلَام أكثَرِ المُتَكَلِّمِينَ في هَذِهِ المَسألَةِ، فَإِنَّهُم لَم يُفَصِّلوا.
وذَهَبَ الغَزَّالِيُّ(٦) من أصحَابِنَا إلى أنَّ مَحَلَّ قَولَي الشَّافِعِيِّ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهُمَا في
الزِّيَادَةِ عَلى الأَربَعِينَ الذينَ تَنعَقِدُ بِهِم الجُمُعَةُ، أَمَّا الأربَعُونَ فَيَجِبُ عَلَيهم
الإنصَاتُ قَطعًا. وتَعَقَّبَ الرَّافِعِيُّ(٧) كَلَامَهُ بِاسْتِبِعَادِهِ ومُخَالَفَتِهِ لِنَقْلِ الأصحَابِ.
أمَّا بُعدُهُ: فَلِأِنَّ كَلَامَهُ مَفرُوضٌ فِي السَّامِعِينَ لِلخُطبَةِ، وإِذَا حَضَرَ جَمَاعَةٌ
(١) البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧).
(٣)
ليس في: الأصل.
(٥)
ينظر: سيرة ابن هشام (٢٣٥/٤).
(٧) الشرح الكبير (٥٩٤/٤).
(٢) مسلم (٤/٨٤٥).
(٤) معرفة السنن (٥٠٤/٢).
(٦) الوجيز (١٩١/١).

٢٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَزِيدُونَ عَلى الأربَعِينَ، فَلَا يُمكِنُ أن يُقال تَنعَقِدُ الجُمُعَةُ بِأربَعِينَ منهُم عَلى
التَّعبِينِ، فَيَحِرُمُ الكَلَامُ عَلَيهم قَطعًا، والخِلَافُ في البَاقِينَ، بَل الوجهُ الحُكمُ
بِنِعِقَادِ الجُمُعَةِ (١) بِهِم أو بِأَرَبَعِينَ منهُم لَا عَلى الثَّعِينِ.
وأمَّا مُخَالَفَتُهُ: فَلِأَنَّك لَا تَجِدُ لِلجُمهورِ إلا إطلاقَ قَولَينِ في السَّامِعِينَ
ووجهَينِ في حَقِّ غَيرِهم.
وتَبعَ النَّووِيُّ الرَّافِعِيَّ(٢) عَلى مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ.
ومَالَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٣) إلى طَرِيقَةِ الغَزَّالِيِّ فِي ذَلِكَ
فقال: هَذِه الطَّرِيقَةُ المُختَارَةُ عِندَنَا .
وكَذَا رَجَّحَها شَيخُنَا الإمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتٍ))
ووالِدِي نَّثُ في ((شَرحِ التِّرمِذي))، وقال: إنَّ مَا قالهُ الغَزَالِيُّ سَبَقَهُ إلَيه شَيخُهُ
إِمَامُ الحَرَمَينِ (٤)، وحَكَاهُ عن والِدِهِ، ولَم يُرِيدُوا بِذَلِكَ أربَعِينَ مُعَيَّنِينَ من خَلقٍ
يَزِيدُونَ عَلَيهم، بَل إن كَانُوا أربَعِينَ فَقَط وجَبَ عَلَيهم الإصغَاءُ والاِستِمَاعُ، وعَلى
الخَطِيبِ رَفعُ الصَّوتِ لِيُسمِعَهُم، وانعَقَدَت الجُمُعَةُ بِهم، وإن كَانُوا أَزَيدَ من
أربَعِينَ، ولَو بَلَغُوا أُلوفًا، وجَبَ عَلى أربَعِينَ منهُم غَيرٍ مُعَيَّنِينَ الإصغَاءُ
والِاِسْتِمَاعُ، فَإِن لَم يَسمَعِ غَيرُهُم انعَقَدَت بِهِم، وإن سَمِعَ أكثَرُ منهُم انعَقَدَت بِهِم
كُلُّهم، أو بِأَربَعِينَ مِنْهُمْ غَيرٍ مُعَيَّنِينَ.
قال: وهَذَا هو الصَّوابُ، ولَا مَعنَى لِوُجُوبِ استِمَاعِ(٥) أربَعِينَ وعَدَمِ
وُجُوبٍ إنصَاتِهم، بِحَيثُ لَا يَسمَعُونَ. ولَو فُرِضَ ذَلِكَ لَم تَنْعَقِّد الجُمُعَةُ، وكَانَّ
عَدَمُ سَمَاعِهِم بِسَبَبِ الكَلَامِ كَانِفِضَاضِهم (٦). انتَهَى. (١٩٦/٣م)
(١) ليس في: الأصل.
(٢) الشرح الكبير (٥٩٤/٤)، روضة الطالبين (٥٣٤/١).
(٣)
شرح عمدة الأحكام (ص٣٤٦).
(٤)
نهاية المطلب في دراية المذهب (٥٥٣/٢).
(٥)
في (ك، م): ((إسماع)).
(٦) في الأصل: ((لانفضاضهم))، وفي (ك): ((كانفصاصهم)).

=
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٧٥
وحَاصِلُ هَذَا يَرجِعُ إلى الجَزمِ بِوُجُوبٍ [٢٢٩/١ظ] الإنصَاتِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ
فَرِضُ كِفَايَةٍ، وَفُرُوضُ الكِفَايَةِ تَتَعَلَّقُ بِالجَمِيعِ لَا بِطَائِفَةٍ غَيرٍ مُعَيَّةٍ عَلى المُرَجَّحِ في
الأُصُولِ. وقَد ذَهَبَ بَعضُ أصحَابِنَا إلى القَطعِ بِوُجُوبِ الإنصَاتِ، وإنكَارِ القَولَينِ
فِي ذَلِكَ مُطلَقًا، واللهُ أعلمُ.
السَّادِسَةُ: لَفِظُ الحديثِ لَا يَتَنَاولُ الخَطِيبَ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ أن يَأْمُرَ النَّاسَ
بِالإِنصَاتِ وغَيرِهِ من المَواعِظِ، ولِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ أن يُتَكَلَّمَ والإمَامُ يَخطُبُ، وبِهَذَا
قَطَعَ أكثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. وهو (١) مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ والحَنَاِلَةِ. وحَكَى بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ في
ذَلِكَ وجهَينٍ. وَقَلَ ابنُ الجَوزِيِّ في ((التَّحِقِيقِ)) (٢): التَّسوِيَةَ بَينَ الخَطِيبِ
والمُستَمِعِ عن الأكثَرِينَ. وفيه نَظَرٌ.
■ السَّابِعَةُ: استَثنَى المَالِكِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ، والظّاهِرِيَّةُ مَن سَألَهُ الخَطِيبُ،
فَأَخِرَجُوهُ عن مَوضِعِ الخِلَافِ، وأَبَاحُوا لَهُ الكَلَامَ جَوابًا لِلخَطِيبِ.
وهو واضِحٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ في هَذِهِ الحَالَةِ لَا يُخرِجُهُ عن الإنصَاتِ
والاِسْتِمَاعِ، ويَدُلُّ لَهُ قَضِيَّةُ سُلَيكٍ وعُثمَانَ، وغَيرِهمَا، ولِذَلِكَ استَثْنَوا من ابتِدَاءِ
الإمَامِ بِالكَلَامِ لِحَاجَةٍ أو سُؤَالٍ عن مَسألَةٍ لحديثِ الاسْتِسِقَاءِ وغَيرِهِ. وقَد تَقَدَّمَ أنَّ
الشَّافِعِيَّ تَظْتُهُ استَدَلَّ بِهَذِه الأحَادِيثِ عَلى أنَّ الأمرَ بِالإنصَاتِ عَلى سَبيلٍ
الاِسْتِحِبَابِ دُونَ الُجُوبِ.
■ الثَّامنةُ: ظَاهرُ الحديثِ أنَّهُ لَا فَرِقَ بَيْنَ مَن يَسمَعُ الخُطبَةَ، ومَن لَا
يَسمَعُها، فَكِلَاهُمَا مَأْمُورٌ بِالإنصَاتِ.
وبِهِ قال المَالِكِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ، والظّاهِرِيَّةُ. وحَكَاهُ ابنُ بَطَّالٍ(٣) وغَيرُهُ عن
أكثَرِ العُلَمَاءِ. وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤) عن مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ،
وأصحَابِهِم، والثَّورِيِّ، والأوزَاعِيِّ. وهو الأصَحُّ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ، تَفرِيعًا عَلى
القَدِيمِ في وُجُوبِ الإنصَاتِ.
(١) في (ك): ((وهذا)).
(٣) شرح صحيح البخاري (٢/ ٥١٣).
(٢) (٤ / ١٤٠).
(٤) التمهيد (٣٣/١٩).

=
٢٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أمَّا عَلى الجَدِيدِ: فَالإنصَاتُ مُستَحَبٌّ في حَقِّ السَّامِعِ، فَكَيفَ بِمَن لَا
يَسمَعُ(١)؟
واختَلَفَ الحَنَفيةُ فِي هَذِهِ المَسألَةِ.
ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةَ(٢) عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ: أنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأسَا بِالكَلَامِ
إِذَا لَم يَسمَعِ الخُطِبَةَ.
والمُختَلَفُ فيه هو كَلَامُ الآدَمِيِّينَ، أمَّا الذِّكرُ والتِّلَاوةُ سِرًّا فَلَيسَ مَمنُوعًا
منهُمَا قَطعًا .
قال ابنُ قُدَامَةَ(٣): وهَل ذَلِكَ أفضَلُ أو الإنصَاتُ؟
يَحْتَمِلُ وجهَينِ :
أحَدُهُمَا: الإنصَاتُ أفضَلُ لحديثِ عَبدِ الله بنِ عَمٍو مَرفُوعًا: (يَحضُرُ
الجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرِ: رَجُلٌ حَضَرَها يَلِغُو، فَهو حَظُّهُ منها، ورَجُلٌ حَضَرَها يَدعُو، فَهو
رَجُلٌ دَعَا اللهَ، فَإِن شَاءَ أعطَاهُ، وإن شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَها بِإِنصَاتٍ وسُكُوتٍ،
ولَم يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مسلم، ولَم يُؤذِ مسلمًا، فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلى (١٩٧/٣م) الجُمُعَةِ التي
تَلِيها وزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ))، رَواهُ أَبُو دَاوُد(٤).
ولِقَولِ عُثمَانَ(٥): مَن كَانَ قَرِيبًا يَسمَعُ ويُنصِتُ، ومَن كَانَ بَعِيدًا يُنصِتُ، فَإِنَّ
لِلمُنصِتِ الذي لَا يَسمَعُ من الحَظِّ مَا لِلسَّامِعِ.
والثَّانِي: الذِّكرُ أفضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَحصُلُ لَهُ ثَوابُهُ من غَيرِ ضَرَرٍ. انتَهَى.
وقال ابنُ عَقِيلٍ من الحَنَابِلَةِ في صُورَةِ البُعدِ: لَهُ المُذَاكَرَةُ في الفِقْه وصَلَاةُ
النَّافِلَةِ، والمَشهورُ عِندَهُم(٦) مَنْعُ ذَلِكَ(٧).
■ التَّاسِعَةُ: التَّقِيدُ بِقَولِه: ((والإِمَامُ يَخطُبُ))، يُخرِجُ مَا قَبلَ ابْتِدَاءِ الإمَامِ
(١) في الأصل: ((يستمع)).
(٣)
المغني (١٩٧/٣، ١٩٨).
أخرجه في الموطأ (١٠٧/١)، بنحوه.
(٧) ينظر: المغني (١٩٧/٣).
(٢) المصنف (١٢٦/٢).
(٤) أبو داود (١١١٣).
(٦) في الأصل: ((منهم).
(٥)

كو
٢٧٧
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
في (١) الخُطِبَةِ، ومَا بَعدَ فَرَاغِه منها، فَلَا مَنعَ من الكَلَامِ حِينَئِذٍ.
وهَذَا مَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وأبي يُوسُفَ، ومُحَمَّد،
وابنٍ حَزمٍ، والأكثَرِينَ.
وَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى مَنعِ الكَلَامِ بِمُجَرَّدٍ خُرُوجِ الإمَامِ وإِن لَم يَشرَع في الخُطِبَةِ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): ابنُ عُمَرَ وابنُ عَبَّاسٍ كَانَا يَكرَهانِ الكَلَامَ والصَّلاةَ
بَعدَ خُرُوجِ الإمَامِ. انتَهَى.
ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ التَّرخِيصُ في ذَلِكَ. حَكَاهُ عنهُ ابنُ قُدَامَةَ(٣) مُطلَقًا.
وحَكَاهُ عنهُ(٤) ابنُ المُنذِر(٥) فيمَا بَعدَ الفَرَاغِ من الخُطبَةِ.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٦) التَّرخِيصَ في الكَلَامِ بَينَ الخُطبَةِ والصَّلَاةِ عن
عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، وطَاؤُسٍ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، ومُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، وعَطَاءٍ
وحَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمَانَ. وعن الحَكَمِ: أنَّهُ سُئِلَ عن الكَلَامِ إِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَتَّى
يَتَكَلَّمَ، وإِذَا نَزَلَ قَبلَ أن يُصَلِّيَ؟ فَكَرِهَهُ.
وحَكَى ابنُ المُنذِرِ عنْهُ: الكَرَاهَةَ في الحَالَةِ الثَّانِيَةِ.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ أيضًا عن قَتَادَةَ قال: يَتَكَلَّمُ مَا (٧) لَم يَجلِس. وهَذَا
مَذْهَبٌ مُتَوسِّطٌ بَيْنَ مَذهَبٍ أبي حَنِيفَةَ والجُمهورِ.
ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةً(٨) عن طَاؤُسٍ قال: [لَا كَلَام](٩) [٢٣٠/١و] بَعدَ أن
يَنْزِلَ الإمَامُ من المنبَرِ حَتَّى يَقضِيَ الصَّلَاةَ. وعن إبرَاهيمَ النَّخَعِيّ: أنَّهُ كَرِهَهُ.
العَاشِرَةُ: ويُخرِجُ أيضًا مَا بَيْنَ الخُطبَتَينِ؛ لِأَنَّ الإمَامَ لَا يَخطُبُ في
تِلكَ الحَالَةِ. وبِهَذَا قَطَعَ الشَّيخُ أبُو إسحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، والغَزّالِيُّ من الشَّافِعِيَّةِ،
(١) في (ك، م): ((من)).
(٣)
المغني (٢٠٠/٣).
(٥)
الأوسط (٨٧/٤). نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٦)
المصنف (١٢٦/٢).
المصنف (١٢٧/٢).
(٢) التمهيد (٣٣/١٩).
(٤) ليس في: الأصل.
(٧) في الأصل: ((من)). والمثبت كالمطبوع.
(٨)
(٩) في الأصل: ((الكلام)). والمثبت موافق للمطبوع.

=
٢٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وأجرَى فيه ابنُ الصَّبَّاغْ، والمَحَامِلِيُّ، وآخَرُونَ: قَولَي الشَّافِعِيِّ المُتَقَدِّمَ
ذِكرُهُمَا (١). وقال ابنُ الْمُنذِرِ (٢): كَرِهَ ذلك مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، والأوزَاعِيُّ،
وإسحَاقُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن ابنِ سِيرِينَ، وكَانَ الحَسَنُ البَصرِيُّ يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِهِ.
ومِمَّن ذَهَبَ إلى جَوازِهِ ابنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ(٣).
وذَكَرَ فيه ابنُ قُدَامَةَ الحَنبَلِيُّ (٤) احتِمَالَينِ :
وجَّهَ الأولَ: بِأنَّهُ غَيرُ خَاطِبٍ ولَا مُتَكَلِّم، فَأَشْبَهَ مَا قَبَلَها ومَا بَعدَها.
ووجَّهَ الثَّانِيَ: بِأنَّهُ سُكُوتٌ يَسِيرٌ في أثنَاءِ الخُطبَتَينِ أشبَهَ سُكُوتَ التنفيسِ(٥).
وأبُو حَنِيفَةَ عَلى المَنعِ من ذَلِكَ مُطلَقًا. (١٩٨/٣م)
ولَمْ أَرَ الحَنَفيةَ استَثَنَوا عن صَاحِبَيه إلا مَا قَبلَ الخُطبَةِ ومَا بَعدَها، فَاقْتَضَى
كَلَامُهُم مُوافَقَةَ صَاحِبَيَه لَهُ عَلى مَنعِ الكَلَامِ بَيْنَ الخُطبَتَيْنِ، واللهُ أعلمُ.
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: سَوى الشَّافِعِيَّةُ والجُمهورُ في حَالَةِ الخُطبَةِ بَيْنَ الذِّكرِ
والوعظِ والدُّعَاءِ.
واختَلَفَ الحَنَابِلَةُ فِي حَالَةِ الدُّعَاءِ: فقال ابنُ قُدَامَةَ (٦): إذَا بَلَغَ الخَطِيبُ إلى
الدُّعَاءِ فَهَل يُشرَعُ الكَلَامُ؟
فیه وجهانٍ:
أحَدُهُمَا: الجَوازُ؛ لأنَّهُ فَرَغَ من الخُطَبَةِ وَشَرَعَ في غَيرِها، فَأَشبَهَ مَا لَو تَرَكَ.
ويُحتَمَلُ أن لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ (٧) لِلخُطبَةِ، فَيَثبُتُ لَهُ مَا يَثبُتُ لَها،
كَالتَّطْوِيلِ فِي المَوعِظَةِ.
(١) المهذب (١١٥/١)، والوسيط (٢٨٣/٢)، وينظر: الشرح الكبير (٥٩٠/٤)، وروضة
الطالبين (٥٣٣/١).
(٢)
الأوسط (٨٨/٤). نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٣)
المحلى لابن حزم (٦٢/٥ - ٧٢).
(٤) المغني (٢٠٠/٣).
في (ك، م): ((النفس)). وفي المغني: ((التنفس)).
(٥)
المغني (٢٠٠/٣، ٢٠١).
(٦)
(٧) في (ك): ((مانع)). والمثبت موافق لما في المغني.

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٧٩
=
ويُحتَمَلُ أنَّهُ إِن كَانَ دُعَاءً مَشرُوعًا كَالدُّعَاءِ لِلمُؤمنينَ والمُؤمناتِ وَلِلإِمَامِ(١)
العَادِلِ أنصَتَ لَهُ، وإن كَانَ لِغَيرِهِ: لَم يَلزَم الإنصَاتُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرمَةَ لَهُ. انتَهَى
كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةً.
وقَولُهُ في تَوجِيه الجَوازِ: إنَّهُ فَرَغَ من الخُطبَةِ، مَمنُوٌ، بَل هو فيها،
والحديثُ مُتَنَاوِلٌ له(٢)، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: استَثنَى أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ من تَحْرِيمِ الكَلَامِ حَالَةَ
الخُطبَةِ، أو كَرَاهته(٣)، الدَّاخِلَ في أثناءِ الخُطبَةِ، فَقَالوا: يَجُوزُ لَّهُ أَن يَتَكَّلَّمَ ما
لم(٤) يَأْخُذْ لِنَفْسِه مَكَانًا، والقَولَانِ فيمَا بَعدَ قُعُودِهِ.
وهُم مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلى استِثنَاءِ هَذِهِ الحَالَةِ، فَظَاهرُ الحديثِ تَنَاوِلَها،
والمَعنَى الذي اقتَضَى مَنعَ الكَلَامِ، وهو تَفوِيتُ سَمَاعِ الخُطبَةِ عَلى المُتَكَلِّم
وسَامِعِهِ، مَوَجُودٌ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، فَهِيَ كَغَيرِها، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قال أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: مَحَلُّ المَنعِ من الكَلَامِ حَالَةً
الخُطبَةِ في الكَلَام الذي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُهِمِّ نَاجِزٌ، فَأَمَّا إِذَا رَأى أعمَى يَقَعُ في
بِئْرٍ، أو عَقرَبًا يَدِبُّ إلى إنسَانٍ فَأَنذَرَهُ، أو عَلَّمَ إنسَانًا شَيئًا من الخَيرِ أو نَهاهُ عن
مُنكَرٍ، فَهَذَا لَيسَ بِحَرَامٍ. نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ، واتَّفَقَ أصحَابُهُ عَلى التَّصرِيحِ بِهِ،
لَكِن قَالوا: يُستَحَبُّ أن يَقتَصِرَ عَلى الإشَارَةِ ولَا يَتَكَلَّمَ مَا أمكَّنَ الاسْتِغِنَاءُ عنهُ(٥).
وفي هَذَا الاستثِنَاءِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الصُّورَةَ التي ورَدَ فيها الحديثُ تَعَلَّقَ بِها غَرَضٌ
مُهمٌّ نَاجِزٌ، فَإِنَّهُ نَهيٌّ عن مُنكَرٍ تَعَاطَاهُ المُتَكَلِّمُ فِي تِلكَ الحَالَةِ بِكَلِمَةٍ خَفِيفَةٍ، ومَعَ
ذَلِكَ فَحَكَمَ عَلَيه الشَّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِأنَّهُ لَغْوٌ.
وقَد فَصَّلَ الحَنَابِلَةُ في ذَلِكَ: فَجَوزُوا إنذَارَ الأَعمَى، ومَن قَصَدَتهُ حَيَّةٌ، أو
خُشِيَ عَلَيهِ حَرِيقٌ، ونَحوُ ذَلِكَ.
(١) في (ك): ((والإمام)).
(٢) في (ك، م): ((لهذه الحالة)).
(٣) في (ك، م): ((كراهية)).
(٤) في (م): ((وأنه)).
(٥) ينظر: الشرح الكبير (٥٨٩/٤)، وروضة الطالبين (٥٣٣/١).

=
٢٨٠
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وعَلَّلوهُ: بِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ في نَفسِ الصَّلَاةِ (١٩٩/٣م) مَعَ إفسَادِها بِهِ، فَهُنَا
أولى. ومَنَعُوا نَهيَ المُتَكَلِّم بالكلام لِهَذَا الحديثِ، قَالوا: ولَكِن يُشِيرُ إِلَيه فَيَضَعُ
أُصبُّعَهُ عَلى فيه، ومَا ذَكَرُوهُ في ذَلِكَ واضِحٌ.
وتَجوِيزُ الإنكَارِ عَلى المُتَكَلِّمِ من غَيرٍ تَحرِيمِ، ولَا كَرَاهَةٍ مُصَادِمٌ لِهَذَا الحديثِ.
ولَم أرَ الحَنَفيةَ والمَالِكِيَّةَ استَئنَوا هَذِه الأحوالَ، وظَاهِرُ كَلَامِهم المَنعُ
مُطلَقًا .
وحَكَى الثِّرمِذي(١) عن أهلِ العِلمِ: أنَّهُ إن تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَلَا يُنكِرُ عَلَيه إلا
بِالإشَارَةِ.
وقال ابنُ حَزم(٢): ولَا يَحِلُّ أن يَقُولَ لِمَن يَتَكَلَّمُ حِينَئِذٍ: أَنصِت، لَكِن يُشِيرُ
إِلَيه، أو يَغْمِزُهُ، أو يُحصِبُهُ.
وحَكَى ابنُ كَجِّ عن الشَّافِعِيِّ أنَّهُ قال: وإِذَا خَافَ عَلى أحَدٍ، أو عَلى
جَمَاعَةٍ، لَم أَرَ بَأْسًا إِذَا لَم يَفْهَم عنهُ بِالإِيمَاءِ أن يَتَكَلَّمَ. انتَهَى.
ومُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ إن حَصَلَ المَقصُودُ بِالإِشَارَةِ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): لَا خِلَافَ عَلِمته بَينَ فُقَهاءِ الأمصَارِ في أنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ
أن يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَن سَمِعَهُ من الجُهالِ يَتَكَلَّمُ والإمَامُ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ:
أنصِت، أو صَهٍ، [٢٣٠/١ظ] أو نَحو ذَلِكَ، أخذًا بِهَذَا الحديثِ، واستِعمَالًا لَهُ
وتَقَبُّلَا لِمَا فيه.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في (مُصَنَّفِه))(٤): الإشَارَةَ عن زَيدِ بنِ صُوحَانَ،
وعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي لَيلى، وعَلقَمَةَ، وإبراهيمَ النَّخَعِيّ، ومُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ،
ومَجزَأَةٍ بِنِ زَاهرٍ، عن أبيه.
وحَكَاهُ ابن(٥) المُنذِرِ عن الثَّورِيِّ، والأوزَاعِيِّ، وقال بِهِ.
جامع الترمذي (٥١٢).
(١)
(٣) التمهيد (٣٢/١٩).
(٢) المحلى (٦٢/٥).
(٤) المصنف (١١٦/٢).
ليست في النسخ، و(م). وينظر: الأوسط (٧٦/٤).
(٥)