Indexed OCR Text
Pages 181-200
= ١٨١ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ وهَذِهِ ثَابِتَةٌ في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(١) وغَيرِهِ، من حَدِيثِ(٢) ابنِ عَبَّاسٍ قال: (قَامَ رسولُ اللهِ وَّهَ وَقَامَ الناسُ معهُ، فَكَبَّرَ وكَبَّرُوا معهُ(٣)، ورَكَعَ ورَكَعَ نَاسٌ منْهُم معهُ، ثُمَّ سَجَدَ وسَجَدُوا معهُ، (٤ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَامَ الذِينَ سَجَدُوا وحَرسوا إخوانَهُم، وأتَت الطائفةُ الأُخرَى فَرَكَعُوا وسَجَدُوا معهُ(٤) والناسُ كُلُّهُم في صَلَاةٍ، ولَكِن يَحْرُسُ بَعضُهُم بَعضًا)). وفي رِوايَةٍ لِلنسائيِّ(٥): ((أنَّهُم رَكَعُوا معهُ جَمِيعًا، وإنَّما كَانَت الحِرَاسَةُ في السُّجُودِ))، وكَذَا في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))(٦) عن جَابِرٍ: ((صَفَّنَا صَفَّيْنٍ والمُشْرِكُونَ بَينَنَا وبَينَ القِبِلَةِ، قال: فَكَبَّرَ رسولُ اللّهَ وَّهِ فَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعنَا، ثُمَّ سَجَدَ وسَجَدَ معهُ الصَّفُّ(٧) الأولُ، فَلَمَا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأْخَّرَ الصَّفُّ الأولُ وتَقَدَّمَ الثَّانِي، فَقَامَ مَقَامَ أُولَئِكَ، فَكَبَّرَ رسولُ الله ◌َِّ فَكَبَّرْنَا، ورَكَعَ فَرَكَعنَا، ثُمَّ سَجَدَ وسَجَدَ معهُ الصَّفُّ الأولُ وقَامَ الثَّانِي، فَلَما سَجَدُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا))، الحَدِيثَ. وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ، والنووِيُّ(٨): عن ابنِ أبي ليلى، وأبي يُوسُفَ الأخذَ بهذَا الحَدِيثِ، وهو صَلَاةُ عُسفَانَ، إذَا كَانَ العَدُوُّ فِي جِهَةِ القِبَلَةِ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرّ(٩): عن ابنِ أبي ليلى؛ أنَّهُ أَخَذَ به عَلى كُلِّ حَالٍ كَانَ العَدُوُّ في القِبلَةِ أو لَم يَكُن، قال أبو داود في ((سُنَنِه)) (١٠): وهو قَولُ سُفيَانَ الثَّورِيِّ. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ (١١): أنَّ الثَّورِيَّ مَرَّةً أَخَذَ بهذَا، ومَرَّةً أُخَذَ بِحَدِيثٍ ابنِ مَسعُودٍ؛ كَقَولِ أبي حَنِيفَةَ، والمَشهورُ من (١٣٨/٣م) مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: البخاري (٩٤٤). (١) ليس في: الأصل. (٣) (٥) النسائي (١٥٤٦). (٦) مسلم (٣٠٨/٨٤٠). (٧) (٨) إكمال المعلم (٢٢١/٣)، وشرح مسلم (١٢٦/٦). (٩) التمهيد (٢٨٢/١٥). (١١) التمهيد (٢٦٦/١٥). (٢) ليس في: (ك). (٤ - ٤) ليس في: الأصل. ليس في: الأصل. (١٠) سنن أبي داود (٢٧/٢). = = ١٨٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أنَّ الحِرَاسَةَ في السُّجُودِ خَاصَّةٌ دُونَ الرُّكُوعِ، وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ. ولِهَذِهِ الصَّلَاةِ تَفَاصِيلُ وتَفَارِيعُ مَذكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقه. وقال الشَّافِعِيُّ كَخَذَتُهُ في ((الأُمِ)) (١): لَو صَلى الإمامُ في مِثلِ [٢١١/١ظ] هَذِه الصُّورَةِ مِثلَ صَلَاةِ الخَوفِ يَومَ ذَاتِ الرِّقَاعِ ومَن معهُ: كَرِهت لَهُ، ولَم يَبِن أنَّ عَلى أحَدٍ مِمَّن خَلفَهُ إِعَادَةً وَلَا عَلَيه. انتَهَى. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَيسَ في كَلَامِ ابنِ عُمَرَ بِذِكرِ هَذِهِ الكَيفيةِ نَفيُ ما عَدَاها من الكَيفياتِ، وقَد قال الشَّافِعِيُّ تَظُْ، بَعدَ اختيارِهِ الكَيفيةَ التي في حَدِيثٍ سَهلِ بنِ أبي حَتمَةَ عَلى الكَيفيةِ التي في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: يُحتَمَلُ أن يَكُونَ لَما جَازَ أن تُصَلى صَلَاةُ الخَوفِ عَلى خِلَافِ الصَّلَاةِ في غَيرِ الخَوفِ، جَازَ لَهُم أن يُصَلُّوها كَيفَ تَيَسَّرَ لَهُم وبِقَدرِ حَالَاتِهم وحَالَاتِ العَدُوِّ إذَا أكمَلُوا العَدَدَ، فَاخْتَلَفَتِ صَلَاتُهُم وكُلُّها مُجزِئَةٌ عنهُم. قال البَيهَقِيُّ(٢): هَذَا هو الأولى بِالشَّافِعِيِّ تَقْتُهُ في مُتَابَعَتِهِ الحَدِيثَ، إِذَا ثَبَتَ عن النبيِ نَِّ، وكَانَ لَهُ وجهُ اتِّبَاعٍ. وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ (٣): قَد رُوِيَ عن النبي ◌َّهِ صَلَاةُ الخَوفِ عَلى أوجُهٍ، وما أعلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ إلا حَدِيثًا صَحِيحًا، وأختَارُ حَدِيثَ سَهلِ بنِ أبي حَتمَةَ. وقال إسحاقُ بنُ رَاهويه: ثَبَتَتِ الرِّوايَاتُ عن النبي ◌ِّهِ فِي صَلَاةِ الخَوفِ. ورَأى أنَّ كُلَّ ما رُوِيَ عن النبيِ وََّ فِي صَلَاةِ الخَوفِ فَهو جَائِزٌ، وهَذَا عَلى قَدرِ الخَوفِ، قال: ولَسنَا نَخْتَارُ حَدِيثَ سَهلِ بنِ أبي حَتمَةَ عَلى غَيرِهِ من الرِّوايَاتِ. وقال الخَطَّابي(٤): صَلَاةُ الخَوفِ أنواعٌ صَلََّها النبيَِّ في أيَّامٍ مُختَلِفَةٍ وأشكّالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى في كُلِّها ما هو أحوطُ لِلصَّلَاةِ وأبلَغُ في الحِرَاسَةِ، فَهِيَ عَلى اختِلَافِ صُورِها مُتَّفِقَةُ المَعنَى. (١) الأم (٤٥٠/٢). (٢) معرفة السنن للبيهقي (١٠/٣). (٣) حكاه عن أحمد، وإسحاق، الترمذي في الجامع (٤٥٣/٢). (٤) معالم السنن (٢٦٩/١). = ١٨٣ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ وذَكَرَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ)) أَحَادِيثَ صَلَاةِ الخَوفِ، وقال(١): فَهَذِه سِتَّةُ(٢) أوجُهٍ، كُلُّها ثَابِتَةٌ عن رسولِ الله وَلِهِ مِن جِهَةِ (٣) النقلِ، وقَد قال بِكُلِّ وجهٍ منها في صَلَاةِ الخَوفِ طَائِفَةٌ من أهلِ العِلمِ، وقَد قال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، والطََّرِيُّ، وبَعضُ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ، بِجَوازِ كُلِّ وجهٍ منها . قال: والوجهُ المُختَارُ من هَذَا البَابِ، عَلى أنَّهُ لَا يَخرُجُ عِندِي مَن صَلى بِغَيرِهِ مِما قَدْ ثَبَتَ عن النبيِِّ، هو الوجهُ المَذكُورُ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وما كَانَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ ورَدَ بِنَقلِ الأَئِمَّةِ من أهلِ المَدِينَةِ، وهُم الحُجَّةُ عَلى مَن خَالَفَهُم، ولِأَنَّهُ أشبَهُ بِالأُصُولِ؛ لِأَنَّ الطائفةَ الأُولى والثَّانِيَةَ لَم يَقضُوا الرَّكعَةَ إلا بَعدَ خُرُوجِ رسولِ اللهِ وَُّ (١٣٩/٣م) من الصَّلَاةِ، وهو المَعْرُوفُ من سُنَّنِهِ(٤) المُجتَمَعِ عَلَيها في سَائِرِ الصَّلَواتِ، قال: وأما صَلَاةُ الطائفةِ الأُولى رَكعَتُها قَبَلَ أن يُصَلِّيَهَاَ إِمامُها فَهو مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ المُجتَمَعِ عَلَيها في سَائِرِ الصَّلَواتِ، ومُخَالِفٌ لِقَولِهِ وَلِ: ((إنَّما جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمّ به)). قال: والحُجَّةُ في اختيارِنَا هَذَا الوجهَ؛ أنَّهُ أصَخُّها(٥) إسنادًا، وأشبَهُها بِالأُصُولِ المُجتَمَعِ عَلَيها. انتَهَى. وذَكَرَ أبو داود في ((سُنَّتِهِ)) لِصَلَاةِ الخَوفِ ثَمانِية (٦) صُورٍ، وذَكَرَها ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه)) (٧) تِسِعَةَ أنواعٍ، وذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ في ((الإكمالِ)) لِصَلَاةِ الخَوفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وجهًا. وقال ابنُ حَزم(٨): إنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أربَعَةَ عَشَرَ وجهًا كُلُّها صَحَّ عن رسولِ الله ل﴾ . وقال النووِيُّ في ((شَرح مُسلِم)(٩): رَوى أبو داود وغَيرُهُ وجوهًا (١٠) أُخَرَ في صَلَاةِ الَخَوفِ، بِحَيثُ يَبلُغُ مَجْمُوعُهَا سِنَّةَ عَشَرَ وجهًا . (١) التمهيد (٢٧٦/١٥ - ٢٧٨). (٣) في (ك): ((وجه)). (٢) في التمهيد: ((سبعة)). (٤) في (ك): ((سُنَّته)). (٥) في الأصل: ((أصح)). (٦) في (م): ((ثماني)). (٧) باب صلاة الخوف من صحيح ابن حبان (١١٩/٧) وما بعدها. (٨) المحلى (٣٣/٥). (١٠) في (م): ((وجهًا)). (٩) شرح مسلم (١٢٦/٦). ١٨٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال والِدِي تَخْتُ في ((شَرح التّرمِذِيِّ)): وقَد جَمَعت طُرُقَ الأحَادِيثِ الوارِدَةِ في صَلَاةِ الخَوفِ فَبَلَغَت سَبعَةَ عَشَرَ وجهًا، ثُمَّ بَسَطَ ذلك في ثَلَاثِ ورَقَاتٍ، فَلتُرَاجَع منهُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: كَونُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ صَلى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكَعَةً: يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلكَ الصَّلَاةَ كَانَت ثُنَائِيَّةً أو كَانَت رُبَاعِيَّةً لَكِنَّها مَقصُورَةٌ، فَلَو كَانَت رُبَاعِيَّةً غَيرَ مَقصُورَةٍ: صَلى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكعَتَينٍ، ولَو كَانَتِ ثُلَاثِيَّةً وهيَ المَغرِبُ: فَهو مُخَيَّرٌ بَينَ أن يُصَلِّيَ بِالأُولى رَكَعَتَينٍ وبِالثَّانِيَةِ رَكعَةً، وبَينَ أن يَعكِسَ فَيُصَلِّيَّ بِالأُولى رَكَعَةً وبِالثَّانِيَةِ رَكعَتَينٍ وأيُّهُما أولى؟ فيه قَولَانِ لِلشَّافِعِيِّ، أصَحُّهُما: أنَّ الأولَ أولى. وقال الحَنَفيةُ والمالِكِيَّةُ والحَنَابِلَةُ: يُصَلِّي بِالأُولى رَكعَتَينٍ وبِالثَّانِيَةِ رَكعَةً، وحَكَاهُ ابنُ قُدَامَةَ(١) عن الأوزَاعِيِّ [٢١٢/١و] وسُفيَانَ الثَّورِيِّ. ■ الثالثةَ عَشَرَ: قَدْ يُستَدَلُّ بِهذَا الحَدِيثِ وغَيرِهِ من أحَادِيثِ صَلَاةِ الخَوفِ في تَفرِيقِهم فِرِقَتَينٍ: عَلى أنَّهُ لَا يَجُوزُ أن يُفَرِّقَهُم أربَعَ فِرَقٍ، فَيُصَلِّي بِكُلِّ فِرِقَةٍ رَكَعَةً، فيما إذَا كَانَت الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً ولَم تُقصَر، ولَا أن يُفَرِّقَهُم ثَلَاثَ فِرَقٍ في المَغرِبِ، فَيُصَلِّيَ بِكُلِّ فِرِقَةٍ رَكعَةً، إذا لَم يَرِدِ ذلك في(٢) شَيءٍ من أحَادِيثِ البَابِ، والرُّخَصُ يُقتَصَرُ فيها عَلى ما ورَدَ، وهَذَا أحَدُ قَولَي الشَّافِعِيِّ(٣)، وبه قال الحَنَابِلَةُ: إنَّ صَلَاةَ الإمامِ بَاطِلَةٌ لِزِيَادَتِهِ عَلى انتِظَارَينِ ولَم يُعهَدُ في صَلَاةِ الخَوفِ سِواهُما، وتَبطُلُ صَلَاةُ الطائفةِ الثالثةِ والرَّابِعَةِ؛ لِأنَّهُم هُم المُقتَدُونَ به بَعدَ بُطلَانِ صَلَاتِهِ. وأما الطائفةُ الأُولى والثَّانِيَةُ فَصَلَاتُهُم صَحِيحَةٌ، لِمُفَارَقَتِهِم الإمامَ قَبلَ طَرَيَان المُبطِلِ، كَما (٤) جَزَمَ به الرَّافِعِيُّ(٥). (١) المغني (٣٠٩/٣). (٢) في الأصل: ((من)). (٣) ينظر: نهاية المطلب (٥٧٨/٢)، والبيان للعمراني (٥١٦/٢). (٤) في (ت، ك): ((كذا)). (٥) الشرح الكبير (٦٤١/٤). = ١٨٥ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ وقال النووِيُّ: فيهم قَولان: المُفَارَقَةُ بِغَيرِ عُذرٍ، والقَولُ(١) الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وهو الأصَحُّ: أنَّ صَلَاةَ الإمام صَحِيحَةٌ، (١٤٠/٣م) فَإِنَّهُ قَد تَدعُو الحَاجَةُ إلى ذلك، وحِينَئِذٍ فَفي صَلَاةِ المأمُومِينَ قَولَانٍ: أصَحُّهُما صِحَّتُها أيضًا. قال إمامُ الحَرَمَينِ: وحَيثُ جَوزنَا، فَيُشتَرَطُ أن تَمَسَّ الحَاجَةُ إِلَيه وتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ في ((المُحَزَّرِ))(٢). وقال النووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ))(٣): لَم يَذكُرُهُ الأكثَرُونَ، والصَّحِيحُ خِلَافُهُ. وقال سَحنُونٌ فِي هَذِهِ المَسألَةِ: صَلَاةُ الإمامِ وصَلَاةُ مَن خَلفَهُ فَاسِدَةٌ. والصَّحِيحُ عِندَ المالِكِيَّةِ أنَّ الذِي يَبطُلُ(٤) صَلَاةُ الأُولى والثالثةِ خَاصَّةً، وصَلَاةُ غَيرِهما صَحِيحَةٌ. ا الزَّابِعَةَ عَشَرَ: ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أنَّ صَلَاةَ الخَوفِ لَا تَخْتَصُّ بِحَالَةٍ السَّفَرِ، بَل يَجُوزُ فِعلُها في الحَضَرِ أيضًا، لَكِنَّ الأحَادِيثَ الوارِدَةَ في صَلَاةِ الخَوفِ كُلَّها كَانَت فِي السَّفَرِ . واختَلَفَ العُلَماءُ في ذلك، والأكثَرُونَ عَلى جَوازٍ فِعلِها في الحَضَرِ عِندَ حُصُولِ الخَوفِ، واستُدِلَّ لَهُ بِعُمُومِ الآيَةِ في قَوله تَعَالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٢]. فَلَم يَخُصَّ ذلك بِسَفَرٍ. وذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّ صَلَاتَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلخَوفِ بِبَطنِ نَخْلٍ كَانَتْ بِبَعضِ نَخلِ المَدِينَةِ، لَكِن قال والِدِي(٥) تَدْتُ: المَعْرُوفُ(٦) أنَّ الصَّلَاةَ بِبَطْنِ نَخْلِ هيَ غَزوةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ. انتَهَى. وبهذَا قال أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والأوزَاعِيُّ، وهو المَشهورُ عن مالِكٍ. وعنهُ رِوايَةٌ أُخرَى: أنَّها تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ، وقال به من المالِكِيَّةِ: ابنُ الماجِشُونِ (٧). ورَوى البَيْهَقِيُّ(٨)، عن جَابِرٍ: أنَّ قَوله تَعَالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ (١) في (ك): ((وللقول)). (٢) المحرر (ص٧٣). (٤) في (م): ((تبطل)). قال في حاشية (م): ((في نسخة: النووي)). (٦) ليس في: الأصل. (٨) السنن الكبرى (٢٦٣/٣). (٧) ينظر: المغني (٣٠٥/٣). (٥) (٣) المجموع (٤/ ٣٠٢). = ١٨٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْيِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١] إِنَّ هَذَا لَيسَ قَصرَ السَّفَرِ، وإنَّما هو قَصرُ الخَوفِ، فَيُرَدُّ إلى رَكعَةٍ. وعَلى (١) هَذَا تَكُونُ الآيَةُ دَالةً عَلى اختِصَاصٍ صَلَاةِ الخَوفِ بِالسَّفَرِ، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: كَونُ الإمام يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ بَعضَ الصَّلَاةِ وتُتِمُّ لِنَفْسِها ما بَقِيَ، لَيسَ لَازِمًا. فَلَو صَلى بِكُلِّ طَائِفَةٍ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ الإمامُ مُفْتَرِضًا في الصَّلَاةِ الأُولى، ومُتَنَفِّلًا في الثَّانِيَةِ جَازَ، وهيَ صَلَاةُ النبي ◌َِّّهِ بِبَطنِ نَخلٍ، وقَد رَواها مُسلِمٌ في ((صَحِيحِه))(٢) من حَدِيثٍ جَابِرٍ: ((قال: أقبَلنَا مع رسولِ اللهِ وَ﴿ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ))، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفيه: ((ونُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَى بِطَائِفَةُ(٣) رَكَعَتَينٍ، ثُمَّ تَأْخّرُوا فَصَلى بِالطائفةِ الأُخرَى رَكعَتَينٍ. قال: فَكَانَت لِرسولِ الله وَّهِ أَربَعُ رَكَعَاتٍ ولِلقَومِ رَكَعَتَانٍ))، وذَكَرَهُ البخاريُّ تَعلِيقًا (٤). ورَواهُ أبو داود، والنسائيُّ(٥) من حَدِيثٍ أبي بَكرَةَ، وفيه (١٤١/٣م) التَّصرِيحُ ((بِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ سَلَّمَ بَعدَ الرَّكعَتَينِ))، وكَذَا رَواهُ النسائيّ وغَيْرُهُ من حَدِيثٍ جَابِر(٦)، وقال به الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ، وحَكُوهُ عن الحَسَنِ البَصرِيِّ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٧): وهو مَذهَبُ الأوزَاعِيِّ، وابنٍ عُلَيَّةَ، وداود، وجَماعَةٍ. انتَھَی. ((وَلَمْ تَقُل به الحَنَفيةُ والمالِكِيَّةُ، لِمَنِعِهِم اقتِدَاءَ المُفْتَرِضِ بِالمُتَنَفِّل٨ِ). وذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ(٩) أنَّ ذلك كَانَ في أولِ الإسلام، إذ كَانَ يَجُوزُ أن تُصَلى (١٠) الفَرِيضَةُ مَرَّتَينٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذلك، ورَدَّ عَلَيه البَيْهَقِيُّ(١١)، وقال: قَد اذَّعَى ما لَا يُعرَفُ كُونُهُ قَظٌ في [٢١٢/١ظ] الإسلامِ. (١) في (ت، ك): ((فعلى)). (٣) في (م): ((بطائفتين)). (٥) أبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (١٥٥٠). (٦) النسائي (١٥٥١). (٧) التمھید (٢٧٥/١٥). (٩) شرح معاني الآثار (٤٠٩/١). (١١) معرفة السنن (١٨/٣). (٢) مسلم (٣١١/٨٤٣). (٤) البخاري (٤١٣٦). (٨ - ٨) ليس في: (ك). (١٠) في (ك): ((يصلي)). ١٨٧ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ وقال النوويُّ(١): لَا تُقبَلُ دَعواهُ، إذ لَا دَلِيلَ لِنَسخِه. ورَدَّ عَلَيه والِدِي ◌َخُّْهُ في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): بِأَنَّ أبَا بَكرَةَ إِنَّمَا جَاءَ إلى النبي ◌َِّ فِي أواخِرِ سَنَةٍ ثَمانٍ من الهجرَةِ في غَزوةِ الطَّائِفِ، قال: ولَيتَ شِعرِي ما الذِي نَسَخَهُ؟، فَإِن أَرَادَ بِالناسِخِ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ: ((لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَومِ مَرَّتَينٍ)). رَواهُ أبو داود(٢): فَلَيسَ هَذَا نَاسِخًا، فَقَد أمَرَ النبي ◌ِ ◌ّهِ بَعدَ ذلك بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ في الجَماعَةِ في حَجَّةِ الودَاعِ، كَما رَواهُ أبو داود، والتِّرمِذِيُّ، وغَيرُهُما(٣) من حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ الأسودِ، فَذَكَّرَ حَدِيثًا فيه: ((إِذَا صَلَّيْتُما في رِحَالِكُما، ثُمَّ أَتَيتُما مَسجِدَ جَماعَةٍ، فَصَلًِّا معهُم، فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ)). وأمَرَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ جَماعَةً من الصَّحَابَةِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ في جَماعَةٍ بَعدَ أن صَلَّوها؛ منهُم أبو ذَرِّ، كَما رَواهُ مُسلِمٌ (٤)، ويَزِيدُ بنُ عَامِرٍ، رَواهُ أبو داودَ(٥)، ومِحجَنُ بنُ أبي مِحجَنِ الدِّيلِيُّ، رَواهُ النسائيُّ(٦). فَإِن قال: إنَّما أمَرَهُم بِالإِعَادَةِ لِنَّهُم صَلَّوا فِي غَيرِ جَمَاعَةٍ، فَأَمَرَهُم بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ لِتَحصِيلِ فَضِيلَتِها . قُلْنَا: وقَد أمَرَ مَن صَلى في جَماعَةٍ بِإِعَادَتِها، لِتَحصِيلِ الجَماعَةِ لِغَيرِهِ مِمَّن لَم(٧) يُدرِكها، كما رَواهُ أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (٨) من حَدِيثٍ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، قال: ((جَاءَ رَجُلٌ وقَد صَلى النبيِ نَّهِ، فقال: أيُّكُم يَأْتَجِرُ عَلَى هَذَا؟)) فَقَامَ رَجُلٌ، وصَلى معهُ. لَفِظُ التِّرمِذِيِّ، وقال أبو داود: ((أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلى هَذَا فَيُصَلِّي معه)). وَقَد أمَرَ النبيُّ نَّهِ بِإِعَادَةِ الصَّلاةِ جَماعَةً، بَعدَ أن صُلِّيَتِ جَماعَةً، في مَرَضٍ مَوتِه حِينَ صَلى عُمَرُ بِالناسِ، فَبَعَثَ إلى أبي بَكرٍ، فَجَاءَ بَعدَ أن صَلى عُمَرُ تِلكَ الصَّلَاةَ فَصَلى بِالناسِ. رَواهُ أبو داود(٩). (١) شرح صحيح مسلم (١٢٦/٦). (٢) أبو داود (٥٧٩). (٣) أبو داود (٥٧٥)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٧)، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٥) أبو داود (٥٧٧). (٤) مسلم (٢٣٨/٦٤٨). (٦) النسائي (٨٥٦). (٧) في (ك): ((لا)). (٨) أبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠). (٩) أبو داود (٤٦٦٠). ١٨٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَلَا تُنْكَرُ حِينَئِذٍ صَلَاتُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِالطائفةِ الثَّانِيَةِ لِتَحصِيلِ الجَمَاعَةِ لَهُم، ولَو أمَرَ رَجُلًا يُصَلِّ بِالطائفةِ الأُخرَى لَمَا كَانَ به بَأسٌ، لَكِنَّهُم كَانُوا يَتَنَافَسُونَ في الصَّلَاةِ خَلفَهُ، فَأَرَادَ أن يَعُمَّهُم بِالصَّلَاةِ معهُ، بَل في صَلَاةِ الخَوفِ عَلى غير (١) هَذَا الوجه أُمُورٌ لَا تَصلُحُ في غَيرٍ صَلَاةِ الخَوفِ، (١٤٢/٣م) من ذَهابهم إلى العَدُوِّ، واستِدبَارِهم القِلَةَ، وهُم في الصَّلَاةِ، كُلُّ ذلك لِحِرصِهم عَلى الصَّلَاةِ معهُ، وألا يَفُوزَ بِذلك بَعضُهُم دُونَ بَعضٍ. فَأما صَلَاتُهُ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكَعَتَينٍ فَلَيسَ فيه شَيءٌ يُخَالِفُ فِعلَ الصَّلَاةِ فِي غَيرِ الخَوفِ، هَذَا كَلَامُ والِي كَخْلُ . ولِهَذَا المَعنَى الذِي أبدَاهُ رَجَّحَ أبو إسحاقَ المَروزِيُّ صَلَاةَ الخَوفِ عَلى هَذِهِ الكيفيةِ، عَلى صَلَاتِها عَلى الكيفيةِ المَشهورَةِ، التي في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، أو سَهلِ بنِ أبي حَتمَةَ، وقال: فيها تَحصِيلُ فَضِيلَةِ الجَماعَةِ بِالثَّمامِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ، لَكِنَّ الأصَحَّ عِندَ أكثَرِ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ (٢): تَرجِيحُ تِلكَ الكَيفيةِ؛ لِأنَّها أعدَلُ بَينَ الطائفتَينِ، ولِأنَّها صَحِيحَةٌ بِالاِنِّفَاقِ، وهَذِه صَلَاةُ مُفتَرِضٍ خَلفَ مُتَنَفِّلٍ، وفي صِحَّتِهِ الخِلَافُ لِلعُلَماءِ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: ظَاهِرُ إطلَاقِ الحَدِيثِ: أنَّ صَلَاةَ الخَوفِ تَأتي في صَلَاةِ الجُمُعَةِ أيضًا إذَا وُجِدَ الخَوفُ فيها، وقَد قال أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: إنَّهُ يَجُوزُ أن يُصَلِّيَها عَلى هَيئَةٍ صَلَاةٍ عُسفَانَ: بِأن يُرَتِّبَهُم صَفَّينٍ ويَحْرُسَ في سُجُودِ كُلِّ رَكَعَةٍ صَفُّ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، والذي نَصَّ عَلَيه الشَّافِعِيُّ، وهو الصَّحِيحُ المَشهورُ: أنَّهُ يَجُوزُ أن يُصَلِّيَها أيضًا عَلى هَيئَةٍ صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لَكِن بِشَرطَينِ: أحَدُهُما: أن يَخطُبَ بهم جَمِيعًا ثُمَّ يُفَرِّقَهُم، أو يَخطُبَ بِفِرقَةٍ ويَجعَلَ منها مع الفِرِقَةِ الأُخرَى أربَعِينَ فَصَاعِدًا، فَلَو خَطَبَ بِفِرقَةٍ وصَلی بِأُخِرَى لَم يَجُز. الثَّانِي: إلا تَنقُص(٣) الفِرقَةُ الأُولى عن أربَعِينَ، ولَا يَضُرُّ نَقصُ الثَّانِيَةِ عن ذلك عَلى الأصَحِّ، قَالُوا: ولَا يَجُوزُ صَلَاةُ بَطنِ نَخلٍ عَلى الأَصَحِّ؛ إذ لَا تُقَامُ (١) ليس في: الأصل، (م). (٢) ينظر: الشرح الكبير (٦٢٧/٤)، وروضة الطالبين (٥٦٤/١). (٣) غير منقوطة في الأصل، (ت). وفي (ك): ((ينقص)). = ١٨٩ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ جُمُعَةٌ بَعدَ جُمُعَةٍ، وهَذَا كُلُّهُ مَبنِيٌّ عَلى جَوازِ [٢١٣/١و] صَلَاةِ الخَوفِ في الحَضَرِ، وهو المَشهورُ من مَذَاهبِ العُلَماءِ كَما تَقَدَّمَ، وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ أن تُصَلى الجُمُعَةُ صَلَاةَ الخَوفِ: إذَا كَانَت كُلُّ طَائِفَةٍ أَرَبَعِينَ، واللهُ أعلَمُ(١). السَّابِعَةَ عَشَرَ: أحَادِيثُ صَلَاةِ الخَوفِ نَاسِخَةٌ لِجَمعِه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ يَومَ الخَندَقِ بَيْنَ صَلَواتٍ عَدِيدَةٍ، فَكَانَ حُكُمُ الشَّرعِ أولًا جَوازَ تَأْخِيرٍ الصَّلَاةِ لِلاِشْتِغَالِ بِمُحَارَبَةِ العَدُوِّ إلى أن يَنقَضِيَ الشُّغْلُ فَيَأْتِي بِمَا فَاتَ، ثُمَّ نُسِخَ ذلك بِصَلَاةِ الخَوفِ. والمَشهورُ الذِي عَلَيهِ الجُمهورُ أنَّ أولَ مَشرُوعِيَّةٍ صَلَاةِ الخَوفِ كَانَ في غزوةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. واختُلِفَ في أيِّ سَنَةٍ كَانَت؟ فقال ابنُ إسحَاقَ وابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): في جُمادَى الأُولى سَنَةَ أربَع. وقال ابنُ سَعدٍ وابنُ حِبَّانَ وابنُ الأثِيرِ(٣): في المُحَرَّمِ سَنَةً خَمسٍ. وذَكَرَها البخاريُّ: بَعدَ غَزوةٍ بَنِي قُرَيظَةَ. فَعَلى هَذَا يَكُونُ في أواخِرِ سَنَّةِ (٣/ ١٤٤م) خَمسٍ أو أوائِلِ سَنَّةِ سِتٍّ. وقال البخاريُّ(٤) أيضًا، في بَابٍ: غَزوةٍ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وهيَ بَعدَ خَيبَرَ لِأَنَّ أبَا مُوسَى جَاءَ بَعدَ خَيْبَرَ. وهَذَا مُقْتَضَاهُ: أن تَكُونَ (٥سَنَةَ سَبع، لَكِنَّهُ أخّرَ ذِكرَ خَيْبَرَ عن غَزوةٍ ذَاتٍ الرِّقَاعِ بِخَمسٍ غَزَواتٍ، ومُقْتَضَاهُ أن تَكُون٥َ) هيَ الغَزوةُ السَّابِعَةُ، وهو مُوافِقٌ لِما في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٦) عن جَابِرٍ: ((أنَّ النبي ◌ََّ صَلى بِأصحابه في الخَوفِ في غَزوة (٧) السَّابِعَةِ، غَزوةٍ ذَاتِ الرِّفَاعِ)). ومُقْتَضَى كَونِها بَعدَ خَيْبَرَ: أن تَكُونَ هيَ الغَزوةَ الثَّانِيَةَ عَشرَ، فَحَصَلَ خِلَافٌ (١) ينظر: نهاية المطلب (٥٨٥/٢)، والشرح الكبير (٦٤٢/٤)، وروضة الطالبين (٥٦٣/١). (٢) التمهيد (١٨٦/٢٢)، وينظر: الروض الأنف (١٧٥/٦). (٣) الطبقات الكبرى (٦١/٢)، والسيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان (٢٤٨/١)، وأسد الغابة (٢٨/١) ط. الشعب. (٤) البخاري عقب (٤١٢٤). (٥ - ٥) ليس في: الأصل. (٦) البخاري (٤١٢٥). (٧) في (م): ((غزوته)). = ١٩٠ كحر طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ هَل هَيَ سَنَةُ أربَع، أو خَمسٍ، أو سِتِّ، أو سَبع؟ والمَشهورُ، كَما قال أبو الفَتح اليَعمُرِيُّ: الأولُ. وأما ما وقَعَ في كَلَامِ الغَزَّالِيِّ، والرَّافِعِيِّ(١): من أنَّها آخِرُ الغَزَواتِ، فَهو مَردُودٌ. وقَد أنكَرَهُ ابنُ الصَّلَاحِ في ((مُشكَلِ الوسِيطِ)) (٢)، وقال: لَيسَت آخِرُها، ولَا من أواخِرِها، وإنَّما آخِرُ غَزَوَاتِهِ(٣) تَبَوكُ. انتَهَى. قال والِدِي ◌َخُّْ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)): وهو كَما ذُكِرَ، بِاتِّفَاقِ أهلِ السِّيَرِ. وإن أرَادَ؛ أي: الغَزَّالِيُّ، أنَّها آخِرُ غَزَاةٍ صَلى فيها صَلَاةَ الخَوفِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحِ أيضًا، فَقَد ((صَلى معهُ صَلَاةَ الخَوفِ أبو بَكْرَةَ، وإنَّما نَزَلَ إلى النبيِّ وَلِ فِي غَزوةٍ الطَّائِفِ، تَدَلى بِبَكرَةٍ، فَكُنِّيَ بها))(٤). ولَيسَ بَعدَ غَزوةِ الطَّائِفِ غَزوةٌ إلا غَزوةَ تَبوكَ، ولِذلك قال ابنُ حَزم(٥): إنَّ صِفَةَ صَلَاةِ الخَوفِ في حَدِيثٍ أبي بَكرَةً، أفضَلُ صِفَاتِ صَلَاةِ الخَوفِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ فِعلِ رسولِ اللهِ نَّوَ لَها . انتَهَى. وحَكَى النووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٦)، قَولًا آخَرَ: أَنَّ أولَ مَشرُوعِيَّةٍ صَلَاةٍ الخَوفِ كَانَ فِي غَزوةِ بَنِي النضِيرِ . وفي (سُنَنِ النسائِيِّ))(٧) عن أبي عَيَّاشِ الزُّرَقِيِّ، قال: ((كُنَّا مع رسولِ الله وَيه بِعُسْفَانَ، فَصَلَى بِنَا رسولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ الخَوفِ، وعَلى المُشرِكِينَ يَومِئِذٍ خَالِدُ بنُ الوليدِ، فقال المُشرِكُونَ: لَقَد أصَبنَا لَهُم غَزوةً، ولَقَد أصَبنَا منهُم غَفْلَةً، فَنَزَلَت؛ يَعْنِي: صَلَاةَ الخَوفِ بَيْنَ الظّهرِ والعَصرِ))، الحَدِيثَ. ورَواهُ أبو داود بِلَفِظِ(٨): ((فَزَلَتْ آيَةُ القَصرِ بَيْنَ الظّهرِ والعَصر)). (١) الوسيط في المذهب (٣٠١/٢)، والشرح الكبير (٦٣٣/٤). (٢) مشكل الوسيط، بهامش الوسيط للغزالي (٣٠١/٢، ٣٠٢) الطبعة الأولى، طبعة دار السلام بالقاهرة، تحقيق وتعليق: الأستاذ أحمد محمود إبراهيم. (٣) في الأصل: ((غزاته)). (٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٦٢)، والبزار (٣٦٨٤)، والحاكم (٢٧٩/٤)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (٥) المحلى (١٤٤/٥). (٦) شرح مسلم (١٢٨/٦). النسائي (١٥٤٩). (٧) (٨) أبو داود (١٢٣٦). ١٩١ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ = ■ الثَّامنةَ عَشَرَ: ذَكَرَ ابنُ القَصَّارِ من المالِكِيَّةِ(١) أنَّ النبيَّ نَّهِ صَلى صَلَاةَ الخَوفِ فِي عَشرَةِ مَواطِنَ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): وذَكَرَ غَيرُهُ أكثَرَ من هَذَا العَدَدِ، ففي حَدِيثٍ ابنِ أبي حَثْمَةَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وجَابِرٍ: ((أنَّهُ صَلَّاها في يَومٍ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ سَنَّةَ خَمسٍ من الهجرةِ». وفي حَدِيثِ أبِي عَيَّشِ الزُّرَقِيِّ: ((أنَّهُ صَلَاها بِعُسْفَانَ، ويَومَ بَنِي سُلَيمٍ)). وفي حَدِيثٍ جَابِرٍ، في غَزَاةِ جُهَينَةَ، وفي غَزَاةِ بَنِي مُحَارِبَ بِنَخلٍ. ورُوِيَ: ((أنَّهُ صَلَّاها (٣في غزوة٣ٍ) بِنَجِدٍ، يَومَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وهيَ غَزوةُ نَجِدٍ، وغَزوةُ غَطَفَانَ» . قال: وقَد ذَكَرَ بَعضُهُم صَلَاتَهُ إِيَّاها [٢١٣/١ظ] (١٤٤/٣م) بِبَطنِ نَخلٍ عَلى بَابِ المَدِينَةِ، وعَلَيه حَمَلَ بَعضُهُم صَلَاتَها بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكعَتَينٍ، لَكِن مُسلِمٌ قَد ذَكَرَها في غَزوةٍ ذَاتِ الرِّقَاعِ. انتَهَى. وفي ((سُنَنِ النسائيّ)) (٤) من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ صَلَّاها يَومَ ذِي قَرَدٍ(٥)). وذَكَرَهُ البخاريُّ تَعلِيقًا(٦). وقال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): الظّاهرُ: أنَّ ابنَ القَصَّارِ لَما رَأى اختِلَافَ الأحَادِيثِ في تَسمِيَةِ المَواضِعِ التي صَلى بها صَلَاةَ الخَوفِ، اجتمع لَهُ منها عَشَرَةٌ، فَمن ذلك أنَّ غَزوةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ سُمِّيَت بِخَمسَةِ أسماءٍ(٧)، قال البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) (٨): غَزوةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وهيَ غَزوةُ مُحَارِبٍ خَصَفة(٩)، من (١) ينظر: شرح مسلم (١٢٦/٦). (٢) إكمال المعلم (٢٢٥/٣). (٣ - ٣) ليس في: الأصل. (٤) في الأصل، (م): ((سنن أبي داود)). وقال في حاشية (م): في نسخة: ((النسائي)). والحديث عند النسائي (١٥٣٢). وينظر: تحفة الأشراف (٧١/٥) ح (٥٨٦٢). (٥) في الأصل: ((قرده)). (٦) البخاري (٤١٢٥). (٧) في (ك): ((أشياء)). (٩) في الأصل: ((حصفة))، وفي (م): ((حفصة)). (٨) البخاري عقب (٤١٢٤). = ١٩٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَنِي(١) ثَعَلَبَةَ، من غَطَفَانَ، فَزَلَ(٢) نَخْلًا. وقال الحَاكِمُ في ((كِتَابِ الإِكلِيلِ))، حِينَ ذَكَرَ غَزوةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ: وقَد تُسَمَّى هَذِهِ الغَزوةُ غَزوةَ مُحَارَبٍ، ويُقَالُ: غَزوةُ خصفة(٣)، ويُقَالُ: غَزوةُ ثَعَلَبَةَ، ويُقَالُ: غَطَفَانُ. قال الحَاكِمُ: وقال ابنُ إسحَاقَ: هَذِهِ غَزوةُ بَنِي لَحْيَان(٤). هَكَذَا حَكَى الحَاكِمُ عن ابنِ إِسحَاقَ، والذي رَأيته في ((السِّيرَة))(٥): قال ابنُ إسحَاقَ: حَتَّى نَزَلَ نَخلًا، وهيَ غَزوةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وأيضًا فَإِنَّ ابنَ إسحَاقَ ذَكَرَ ذَاتَ الرِّقَاعِ فِي سَنَةِ أربَعٍ، وغَزوةً بَنِي لَحْيَانَ فِي سَنَّةِ سِتُّ. قال: والذي(٦) صَحَّ أنَّهُ صَلى بها صَلَاةَ الخَوفِ من الغَزَواتِ ذَاتُ الرِّفَاعِ، وذُو قَرَدٍ، وعُسْفَانُ، وكَذلك صَلَّاها في غزوةِ الطَّائِفِ، لِصِحَّةٍ حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ، وإنَّما أسلَمَ في غَزوةِ الطَّائِفِ، ولَيسَ بَعدَها إلا تَبوكَ، ولَيسَ فيها لِقَاءٌ لِلعَدُوِّ، والظّاهرُ(٧) أنَّ غَزَاةَ نَجِدٍ مَرَّتَانٍ، وأنَّ التي شَهدَها أبو مُوسَى، وأبو هُرَيْرَةَ: هيَ غَزوةُ (٨) نَجِدِ الثَّانِيَةُ، لِصِحَّةٍ حَدِيثَهما(٩) في شُهودِها، ويَدُلُّ عَلى ذلك أنَّ في حَدِيثِ جَابِرٍ في ((صَحِيحِ ابنِ حِبَّنَ))(١٠): ((وسُئِلَ عن إقصَارِ صَلَاةِ الخَوفِ، أينَ أُنزِلَ وأينَ هو؟ فقال: خَرَجنَا نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيشٍ أَتَت من الشَّامِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِنَخْلِ))، الحَدِيثَ. ورَوى الحَاكِمُ في ((الإكلِيلِ)) بِأَسَانِيدَ إلى جَابِرِ: ((أَنَّ جالبًا(١١) قَدِمَ المَدِينَةَ، (١) قال في حاشية الأصل: ((بخط مؤلفه نفع الله به: بخط والدي: صوابه: وبني)). (٢) في الأصل: ((فنزلت)). (٣) في الأصل: ((حصفة))، وفي (م): ((حفصة)). (٤) الضبط من: الأصل، (ت). (٥) ينظر: الروض الأنف (١٧٦/٦). (٦) في الأصل: (والدي)). وفي (م): ((والدي ◌َُّ التي)). وينظر: سيرة ابن هشام (٢٠٣/٣). (٧) قال في حاشية (ت): ((سبق إلى الجمع بهذا الظاهر، البيهقي)). (٨) في (ك): ((غزة)). (٩) في (ك، م): ((حديثيهما)). (١٠) صحيح ابن حبان (٢٨٨٢). (١١) في (م): ((خالنا))، وهو تصحيفٌ. = ١٩٣ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ فَأخبَرَهُم أنَّ أنمارًا وثَعَلَبَةَ قَد جَمَعُوا لَكُم جُمُوعًا، فَخَرَجَ رسولُ الله ◌َّهِ وَلَم يَقَعُ فيها قِتَالُ، وصَلى صَلَاةَ الخَوفِ))(١). وهَذَا كَما تَرَى، السَّبَبُ مُختَلِفٌ، وكَيفيةُ الصَّلَاتَينِ مُخْتَلِفَةٌ، وفي بَعضِ طُرُقٍ حَدِيثِ جَابِرٍ: ((أَنَّهُم قَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا))، وفي هَذَا: أنَّهُ لَم يَقَعِ بَينَهُم قَتالٌ (٢). وقَد صَحَّ عن أبي هُرَيرَةَ حُضُورُهُ غَزوةَ نَجدٍ، وصَحَّ عن أبي مُوسَى حُضُورُهُ غَزوةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَدَلَّ ذلك عَلى الخُرُوجِ إِلَيْها مَرَّتَينِ (١٤٥/٣م) بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَينِ. ويَدُلُّ عَلى ذلك أيضًا: إجماعُهُم عَلى أنَّ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ. وأما مَن قال إنَّها في السَّادِسَةِ، كَما وقَعَ في ((شَرحِ العُمدَةِ) (٣) لِلشَّبِخِ تَقِيِّ الدِّينِ القُشَيرِيِّ، فَكَأنَّهُ حَسَبَ السَّنَةِ مُلَفَّقَةٌ (٤فإنَّها في٤) أولِ السَّابِعَةِ، وهيَ آخِرُ السَّادِسَةِ، إِذَا عَدَدَنَا من شَهرِ الهجرَةِ، وهو شَهرُ(٥) رَبِيعِ الأولِ. وأما ما وقَعَ في تَعلِيقِ الشَّيخِ أبي حَامِدٍ أنَّها في سَنَةِ خَمسٍ، فَوهمٌ قَطعًا، ويَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّاها مَرَّاتٍ فِي غَزَاةٍ واحِدَةٍ، فَقَد ثَبَتَ: ((أنَّهُ صَلى بِذَاتِ الرِّقَاعِ الظُّهرَ (٦ والعَصرَ))، وكَذَا: ((صَلى بِعُسفَانَ الظُّهر٦َ) والعَصرَ))(٧)، وفي حَدِيثٍ أبي بَكرَةَ، عِندَ الدَّارَقُطْنِيِّ (٨): ((صَلَاتُهُ في الخَوفِ بِالقَومِ صَلَاةُ المَغرِبِ، وأنَّهُ صَلى بِكُلِّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ))، هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ والِدِي ◌َُّهُ. ■ التَّاسِعَةَ عَشَرَ: هَذَا الحَدِيثُ يَقْتَضِي مَنعَ كُلِّ من الطائفتَينِ من الاقتِصَارِ عَلى رَكعَةٍ واحِدَةٍ، لَكِن وَرَدَ في عِدَّةِ أحَادِيثَ ما يَقتَضِي الاقتِصَارَ عَلى رَكَعَةٍ، فَمنها: ما رَواهُ أبو [٢١٤/١و] داود، والنسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٩)، من (١) أخرجه الواقدي، كما في تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ١٦٠، ١٦١). (٣) إحكام الأحكام (ص٦٧). (٢) في (م): ((قال)). (٥) ليس في: (ك). (٤ - ٤) في (م): ((بأنها)). (٦ - ٦) ليس في: (ك). (٧) أخرجه أبو داود (١٢٣٦)، والنسائي في المجتبى (١٥٤٨، ١٥٤٩)، وفي الكبرى (١٩٥١) من حديث أبي عياش الزرقي. (٨) سنن الدار قطني (٢/ ٦١). (٩) أبو داود (١٢٤٦)، النسائي (١٥٢٩)، ابن حبان (١٤٥٢). = ١٩٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ رِوايَةٍ تَعلَبَةَ بنِ زَهدَمِ قال: ((كُنَّا مع سَعِيدِ بنِ العَاصِي بِطَبَرِستَانَ، فَقَامَ فقال: أيُّكُم صَلى مع رسولِ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ الخَوفِ؟ فقال حُذَيفَةُ: أَنَا [فَصَلى بهؤُلَاءِ(١) رَكعَةً، (٢) وهؤلاء ركعة٢)، ولَم يَقضُوا)»: لَفظُ أبي داود، وفي رِوايَةِ النسائيّ بَعدَ قَولِ حُذَيفَةَ: ((أَنَا))](٣)، فَوصَفَ، فقال: ((صَلى رسولُ اللهِ وَّهُ بِطَائِفَةٍ رَكَعَةً صَفَّ خَلفَهُ وطَائِفَةٍ أُخرَى بَيْنَهُ وبَيْنَ العَدُوِّ، وصَلى بِالطائفةِ التي تَلِيه رَكعَةً، ثُمَّ نَكَصَ هَؤُلَاءِ إلى مَصَافِّ أُولَئِكَ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلى بهم رَكعَةً))(٤). ورَوى النسائيّ(٥) أيضًا من رِوايَةِ القَاسِمِ بنِ حَسَّانَ، عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، عن النبي ◌َّ﴿ مِثْلَ صَلَاةٍ خُذَيفَةَ، ولَم يَسُقِ لَفظَهُ. وأخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٦)، وسَاقَ لَفظَهُ بِمَعنَاهُ، وفي آخِرِهِ: ((فَكَانَ لِلنَّبِيِوَ رَكَعَتَانِ وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكَعَةٌ))، والقَاسِمُ بنُ حَسَّانَ، قال البخاريُّ: حَدِيثُهُ مُنكَرٌ (٧)، ولا يُعرَفُ، ووثَّقَهُ ابنُ حِبَّانَ(٨). ورَوى النسائيّ، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٩) عن ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ صَلى بِذِي قَرَدٍ))، فَذَكَرَ نَحوهُ، وقال في آخِرِهِ: ((وَلَم يَقضُوا))، ويَشهَدُ لَهُ ما في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) (١٠) عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: ((فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ عَلى لِسَانِ نَبِيكُمْ وَّهِ فِي الحَضَرِ أربَعًا، وفي السَّفَرِ رَكَعَتَيْنٍ، وفي الخَوفِ رَكعَةً)). وفي ((سُنَنِ النسائيّ))(١١)، عن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صَلى بهم صَلَاةَ الخَوفِ))، وفي آخِرِهِ: ((فَكَانَت لِلنَّبي (١٤٦/٣م) بِ رَكَعَتَانِ وَلَهُم رَكعَةٌ)) فَأَخَذَ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ بِظَاهِرِ هَذِه الأحَادِيثِ، وجَوزَ لِكُلِّ من الطائفتَينِ الاِقْتِصَارَ عَلَى رَكَعَةٍ واحِدَةٍ من غَيرِ قَضَاءِ رَكعَةٍ أُخرَى. (١) في (م): ((لهؤلاء)). (٢ - ٢) ليس في: (م). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٤) النسائي (١٥٢٨). (٦) صحيح ابن حبان (٢٨٧٠). (٧) حكاه الذهبي في الميزان (٣/ الترجمة ٦٧٩٩). (٥) النسائي (١٥٣٠). (٨) ذكره في الثقات (٥/ الترجمة ٤٩٦٥). (٩) النسائي (١٥٣٢)، ابن حبان (٢٨٧١). (١١) النسائي (١٥٤٤). (١٠) مسلم (٥/٦٨٧). بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ ١٩٥ = وقال(١): فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَواتِرَةٌ، وقال بها جُمهورُ السَّلَفِ، كَما رَوينَا عن حُذَيفَةَ أيَّامَ عُثمانَ رَّهُ ومَن معهُ من الصَّحَابَةِ لَا يُنكِرُ ذلك أحَدٌ منْهُم، وعن جَابِرٍ وغَيرِهِ، ورُوّينَا عن أبي هُرَيْرَةَ: ((أنَّهُ صَلى بِمَن معهُ صَلَاةَ الخَوفِ فَصَلَّاها بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكعَةً، إلا أنَّهُ لَم يَقضِ، ولَا أمَرَ بِالقَضَاءِ»(٢). ثُمَّ سَاقَ آثَارًا عن السَّلَفِ يَشْهَدُ ظَاهرُها لِما قال في حال شِدَّةِ الخَوفِ، ثُمَّ قال: وبه يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ، وإسحَاقُ بنُ رَاهويه. وخَرَّجَ ابنُ قُدَامَةَ(٣) جَوازَ ذلك عَلى مَذْهَبٍ أحمَدَ، فقال - بَعدَ ذِكرِ صَلَاةِ كُلِّ طَائِفَةٍ رَكعَةً من غَيرِ قَضَاءٍ -: فَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَقتَضِي عُمُومُ كَلَامِ أحمَدَ جَوازَها؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ سِتَّةَ أوجُهٍ، ولا أعلَمُ وجهًا سَادِسًا سِواها. قال: وأصحَابُنَا يُنكِرُونَ ذلك، قال القَاضِي: لَا تَأْثِيرَ لِلخَوفِ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. قال: وهَذَا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم ابنُ عُمَرَ، والنخَعِيُّ، والثَّورِيُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وأصحابُهُ وسَائِرُ أهلِ العِلمِ من عُلَماءِ الأمصَارِ لَا يُجِيزُونَ رَكعَةً، والذي قال منهُم رَكعَةً إنَّما جَعَلَها عِندَ شِدَّةِ القِتَالِ، والذينَ رَوِيِنَا عِنْهُمْ صَلَاةَ النبي ◌َِّ أكثَرُهُم لَم يَنقُصُوا عن رَكَعَتَينٍ، وابنُ عَبَّاسٍ لَم يَكُن مِمَّن يَحضُرُ النبيِ وَِّ فِي غَزَواتِهِ، ولَا يَعلَمُ ذلك إلا بِالرِّوايَةِ عن غَيرِهِ، فَالأخذُ بِرِوايَةٍ مَن حَضَرَ الصَّلَاةَ وصَلَّاها (٤) مع النبي ◌َّهِ أولى. انتَهَى كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ. وقال الشَّافِعِيُّ في ((الأُمِ) (٥): ولَيسَ يَثبُتُ حَدِيثٌ رُوِيَ في صَلَاةِ الخَوفِ بِذِي قَرَدٍ؛ يَعْنِي: الذِي فيه الاِقتِصَارُ عَلَى رَكعَةٍ. (١) المحلى (٣٥/٥، ٣٦). (٢) أخرجه أبو داود (١٢٤٠)، والنسائي (١٥٤٢)، وفي الكبرى (١٩٤٤) أن مروان بن الحكم سأل أبا هريرة، فذكر الحديث. وأخرجه أبو داود معلقًا عقب (١٤٢٦)، والترمذي (٣٠٣٥)، والنسائي (١٥٤٣)، وفي الكبرى (١٩٤٥) من حديث عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة. (٣) المغني (٣١٥/٣). (٥) الأم (٤٥٢/٢). (٤) في (م): ((فصلاها)). = ١٩٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): يُحتَمَلُ أنَّ مَعنَاهُ لَم يَقضُوا في عِلم الرَّاوِي؛ لِأَنَّهُ قَد رَوَى غَيْرُهُ أَنَّهُم قَضَوا رَكعَةً في تِلكَ الصَّلَاةِ بِعَينِها، والإثْبَاتُ مُقَدَّمٌ. ويُحتَمَلُ أن مُرَادَهُ لَم يَقضُوا إِذَا أمنوا، فَلَا يَقضِي الخَائِفُ إذَا أمن ما صَلى عَلى تِلكَ الهَيئَةِ. ويَحْتَمِلُ قَولُهُ: ((صَلَّوا في الخَوفِ رَكعَةً))؛ أي: في جَماعَةٍ مع رسولِ الله وَّـ وسَكَتَ عن الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُم صَلَّوها(٢) أفذاذًا(٣). انتَهَى. وذَكَرَ البَيهَقِيُّ(٤) حَدِيثَ حُذَيفَةَ من طَرِيقٍ، وفيه: ((فَذَكَرَ صَلَاةً مِثلَ صَلَاةٍ النبي ◌َ﴿ بِعُسفَانَ))، وقال: فَقَولُ الرَّاوِي في رِوايَةٍ ثَعلَبَةَ: ((وصَفّ [٢١٤/١ظ] مُوازِي(٥) العَدُو، يُرِيدُ به حَالَ(٦) السُّجُودِ))، وقَولُهُ: ((ثُمَّ انصَرَفَ هَؤُلَاءِ إلى مَكَانٍ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ أُولَئِكَ))، يُرِيدُ به: تَقَدُّمَ (١٤٧/٣م) الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، وتَأخّرَ الصَّفِّ المُقَدَّمِ بَعدَ الفَرَاغِ من الرَّكعَةِ الأُولى، وفي ذلك قَضَاءُ الرَّكعَتَينِ مع الإمامِ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلى قَضَاءِ شَيءٍ بَعدَهُ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ، فَوجَبَ حَملُ إحدَى الرِّوايَتَينِ عَلى الأُخرَى مع ما فيه من الاِتِّفَاقِ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ. انتَهَى. وقال النووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ)(٧) لَما ذَكَرَ حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ، وفي الخَوفِ رَكَعَةٌ: عَمِلَ بِظَاهِرِهِ طَائِفَةٌ من الَّسَّلَفِ، منهُم الحَسَنُ البَصرِيُّ، والضَّحَّاكُ، وإسحَاقُ بنُ رَاهويه. وقال الشَّافِعِيُّ، ومالِكٌ، والجُمهورُ: إنَّ صَلَاةَ الخَوفِ كَصَلَاةِ الأمنِ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وتَأولُوا حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ عَلى أنَّ المُرَادَ رَكعَةٌ مع الإمامِ ورَكعَةٌ أُخرَى يَأتي بها مُنفَرِدًا، كَما جَاءَت الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ في صَلَاةِ النبيِ وَّهِ وأصحَابه في الخَوفِ. وهَذَا التَّأْوِيلُ لَا بُدَّ منهُ لِلجَمِعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ. انتَھَی . واعلَم أنَّ مَحَلَّ القَولِ بِالاِقتِصَارِ عَلى رَكعَةٍ في الخَوفِ في غَيرِ الصُّبحِ (١) التمهيد (٢٧٣/١٥). في الأصل، (م): ((أفرادًا)). (٣) (٥) في (م): ((يوازي)). شرح مسلم (١٩٧/٥). (٧) (٢) في (ك): ((صلوا)). (٤) سنن البيهقي (٢٦٢/٣). (٦) في (م): ((حالة)). ١٩٧ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ والمَغرِبِ، فَإِنَّهُ لَا قَصرَ فيهما، وقَد صَرَّحَ بِذلك ابنُ حَزم(١)، واللهُ أعلمُ. ] العِشرُونَ: جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ في غَيرٍ حَالِ شِدَّةِ الخَوفِ، فَأما إذا اشتَدَّ الخَوفُ والتَحَمَ القِتَالُ، ولَم يَتَمَكَّنُوا من تَركِه بِحَالٍ لِقِلَّتِهِم، وكَثرَةِ العَدُوِّ، أو لَم يَلْتَحِم، لَكِن لَم يَأْمَنُوا أن يَركَبوا أكتَافَهُم لَو انقَسَمُوا، فَإِنَّهُم يُصَلُّونَ بِحَسَبٍ الإمكَانِ، ولَا تَجِبُ عَلَيهم مُرَاعَاةُ ما عَجَزُوا عنهُ من الأركَانِ، وقَد أَشَارَ في الحَدِيثِ إلى ذلك بِقَولِه: ((فَإِن كَانَ خَوفٌ هو أشَدُّ من ذلك)) إلى آخِرِهِ، فَنَّهَ عَلى تَركِ القِيَامِ بِقَولِه: ((رُكِبَانًا))، وعَلى تَركِ الاسْتِقِبَالِ بِقَولِه: (أو غَيرَ مُستَقِبِلِيها))، والمُرَادُ إذَا عَجَزُوا عن الاِستِقِبَالِ بِسَبَبِ العَدُوِّ، فَلَو انحَرَفَ عن القِبَلَةِ لِجِماح(٢) الدَّابَّةِ وطَالَ الزَّمانُ بَطَلَت صَلَاتُهُ، ويُمَكِّنُ أن يُقال: إنَّهُ أَشَارَ إلى تَركِ الرُّكُوع والسُّجُودِ والإيماءِ بهما عِندَ العَجزِ عنهُما بِقَولِه: ((قِيَامًا عَلى أقدَامِهم))، [ويَكُونُ المُرَادُ(٣): قِيَامَهُم عَلى أقدَامِهِم] (٤) في كُلِّ حَالَاتِ الصَّلَاةِ، حَتَّى فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَإِنَّهُ لَا مَعنَى لِإِرَادَةِ القِيَامِ عَلى الأقدَامِ في حَالَةِ القِيَامِ، فَإِنَّ المُصَلِّيَ في حَالَةِ السَّعَةِ كَذلك، إلا أن يُقال: ذَكَرَ ذلك تَوِئَةً لِحَالَةِ الرُّكُوبِ، كَمَا ذَكَرَ اسْتِقِبَالَ القِبلَةِ تَوطِئَةً لِحَالَةِ تَركِ الاسْتِقِبَالِ. وقَد صَرَّحَ في رِوايَةٍ مُسلِمٍ(٥)، من طَرِيقٍ مُوسَى بِنِ عُقبَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ بِقَولِه: ((تُومِئُ إيماءً))، وَقَد تَقَدَّمَ وو ذِكره. وهَذَا الذِي ذَكَرته من(٦) الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ عَلى حَسَبٍ حَالِه؛ هو مَذْهَبُ مالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وجُمهورِ العُلَماءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، إلا أنَّ المالِكِيَّةَ قَالُوا: يُؤَخِّرُونَ (١٤٨/٣م) الصَّلَاةَ حَتَّى يَخَافُوا فَوتَ الوقتِ، فَحِينَئِذٍ يُصَلُّونَ عَلى هَذِهِ الحَالَةِ، ولَم أرَ لِأصحَابِنَا تَعَرُّضًا لِذلك، فَإن أرَادَ المالِكِيَّةُ وُجُوبَ التَّخِيرِ، فَكَلَامُ أصحَابِنَا يُنَافيه، وإن أرَادُوا اسْتِحِبَابَهُ، فَلَا تَأْبَاهُ قَواعِدُهُم، وحَكَى أصحَابُنَا عن أبي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِي هَذِهِ الحَالَةِ، بَل يُؤَخِّرُها حَتَّى تَزُولَ. (١) المحلى (٣٣/٥). (٣) بعده في (م): ((أو)). (٥) مسلم (٣٠٦/٨٣٩). (٢) في (م): ((بجماح)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ت). (٦) في الأصل: ((في)). ١٩٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَكَاهُ ابْنُ عَبدِ البَرِّ، وابنُ قُدَامَةَ(١) عن أبي حَنِيفَةً وابنٍ أبي ليلى، وذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ أنَّهُما استَدَلَّا ((بِأنَّ النبي ◌َّهِ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَومَ الخَندَقِ)). وأجَابَ عنْهُ ابنُ قُدَامَةَ: بِأَنَّ أبَا (٢) سَعِيدٍ رَوى أنَّ ذلك كَانَ قَبلَ نُزُولٍ صَلَاةٍ(٣) الخَوفِ. ثُمَّ قال(٤): ويُحتَمَلُ أنَّهُ شَغَلَهُ المُشرِكُونَ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ، فَقَد نَقَلَ ما يَدُلُّ عَلى ذلك، وأَّدَهُ أنَّ النبي ◌َّهِ وأصحَابَهُ لَم يَكُونُوا في مُسَايفة(٥) تُوجِبُ قَطعَ الصَّلَاةِ. انتَهَى. والذي في كُتُبِ الحَنَفيةِ ومنهُم صَاحِبُ ((الهدَايَةِ)) (٦): أنَّهُ يُصَلِّي في حَالٍ شِدَّةِ الخَوفِ بِالإيماءِ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وتَركِ الاِسْتِقِبَالِ إِذَا لَم يَقدِرُوا عَلَيه، لَكِن لَيْسَ لَهُم أن يُقَاتِلُوا في حَالِ الصَّلَاةِ، فَإِن فَعَلُوا بَطَلَت صَلَاتُهُم. فَظَهَرَ بِذلك: أنَّهُم أوجَبوا الصَّلَاةَ مع اختِلَالِ الأركَانِ إلا في حَالَةِ الاحتیاجِ لِلفِعلِ الكَثِيرِ المُنَافِي لِلصَّلَاةِ [٢١٥/١ و] فَلَم يَغتَفِرُوا ذلك وأخَّرُوا الصَّلَاةَ لِأَجلِه، فَخَالَفُوا الجُمهورَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَطْ لَا مُطلَقًا . وقال الأوزَاعِيُّ(٧): يُصَلُّونَ إيماءً فَإِن لَم يَقدِرُوا عَلى الإيماءِ أخّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ ويَأْمَنُوا، وبه قال مَكحُولٌ. وقال أنَسٌ (٨): ((حَضَرت مُنَاهَضَةَ حِصنٍ تُستَرَ عِندَ إضَاءَةِ الفَجرِ واشتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَم يَقدِرُوا عَلى الصَّلَاةِ، فَلَم يُصَلُّوا إلا بَعدَ ارتِفَاعِ النهارِ، فَصَلَّيْنَاها ونَحنُ مع أبي مُوسَى))، حَكَى ذلك البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) (٩)، واتَّفَقَ المالِكِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ عَلى اغتِفَارِ القِتَالِ والأفْعَالِ الكَثِيرَةِ المُحتَاجِ إلَيها . (١) التمهيد (٢٨٢/١٥)، والمغني (٢٩٨/٣). (٢) مكانها بياض بالأصل. (٣) في الأصل: ((الصلاة)). (٥) في (م): ((مسابقة)). (٤) المغني (٣١٨/٣). (٦) الهداية (٨٨/١) .. ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٤٠/٢). (٧) (٨) ليس في: الأصل. (٩) البخاري في التبويب على الحديث (٩٤٥). = ١٩٩ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ وأما الشَّافِعِيَّةُ(١): فَعِندَهُم في ذلك ثَلَاثَةُ أوجُهٍ أو أقوالٍ : أصَحُّها، وبه قال أكثَرُهُم: اغتِفَارُ ذلك عِندَ الاحتياجِ إلَيه(٢). والثَّانِي: أنَّ الصَّلَاةَ تَبطُلُ به، وحَكَاهُ العِرَاقِيُّونَ عن ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. والثَّالِثُ: تَبطُلُ الصَّلَاةُ إِن كَانَ في شَخْصٍ، ولَا تَبطُلُ في أشخَاصٍ. والشَّافِعِيَّةُ تَفرِيعًا عَلى الرَّأي الثَّانِي عِندَهُم، لَا يُوافِقُونَ الحَنَفيةَ عَلى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عِندَ الاحتياجِ إلى ذلك، بَل يُوجِبونَ التَّمادِي في هَذِهِ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ، مع حُكمِھم بُِطلَانِها . وفَائِدَةُ ذلك: وُجُوبُ الإِعَادَةِ. وقَد نَصَّ عَلى ذلك الشَّافِعِيُّ في ((الأُمِ)(٣) فقال فيما إذَا تَابَعَ الضَّربَ أو الطّعنَ: لَا تُجزِئُهُ صَلَاتُهُ، ويَمضِي فيها . قال: ولا يَدَعُها في هَذَا الحَال إذَا (١٤٩/٣م) خَافَ ذَهابَ وقتِها ويُصَلِّيها ثُمَّ يُعِيدُها. انتَهَى. وقَد ظَهَرَ بِذلك أنَّ الحَنَفيةَ مُنفَرِدُونَ (٤من بَيْنِ الفُقَهاء٤ِ) بِالقَولِ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي هَذِه الحَالَةِ، والأوزَاعِيُّ ومَكحُولٌ إنَّما قالا بِذلك عِندَ العَجزِ عن الإيماءِ، [ولا يُتَصَورُ العَجزُ عن الإيماءِ](٥) مع حُضُورِ العَقلِ، إلا أن تَقوى الدَّهِشَةُ فَتَمنَعَ اسْتِحِضَارَ ذلك، فَيَكُونَ نِسَيَانًا . وقال الأصِيلِيُّ(٦): مَعنَى قَولِ أنَسٍ: (لَم يَقدِرُوا عَلى الصَّلَاةِ). أنَّهُم لَم يَجِدُوا السَّبيلَ إلى الوُضُوءِ من شِدَّةِ القِتَالِ، فَأَخَّرُوا الصَّلاةَ إلى وُجُودِ الماءِ. انتَھَی . وفيه نَظَرٌ، فَإِذَا لَم يَجِدُوا الماءَ استَعمَلُوا التُّرَابَ، وإِذَا فَقَدُوا التُّرَابَ، صَلَّوا عَلى حَسَبٍ حَالِهِم عَلى اختِلَافِ العُلَماءِ في مَسألَةِ فَاقِدِ الطّهورَينِ . (١) ينظر: روضة الطالبين (١/ ٥٦٧). (٢) في الأصل: ((الثاني)). (٣) الأم (٤٦٥/٢، ٤٦٦). (٤ - ٤) ليس في: (ك). (٥) ليس في: الأصل. ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٤٣/٢). (٦) = ٢٠٠ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال ابنُ قُدَامَةَ(١): ومن العَجَبِ: أنَّ أبَا حَنِيفَةَ اختَارَ(٢) هَذَا الوجهَ؛ يَعنِي: صَلَاةَ الخَوفِ عَلى الكَيفيةِ التي رَواها ابنُ عُمَرَ، من ذَهابهم إلى العَدُوِّ وهُم في الصَّلَاةِ، مع ما فيه من المَشيِ الكَثِيرِ، والعَمَلِ الطَّوِيلِ، والاستِدبَارِ، مع الغناء عنهُ، وإمكَانِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ، ثُمَّ مَنَعَهُ في حَالٍ لَا يَقدِرُ(٣) إلا عَلَيهِ، وكَانَ العَكسُ أولى، لَا سِيَّما مع نَصِّ الله تَعَالى عَلى الرُّخصَةِ فِي هَذِهِ الحَالِ. انتَهَى. وقال الشَّافِعِيُّ في ((الأُمَ) (٤): وإن عَمَدَ كَلِمَةً يُحَذِّرُ بها مُسلِمًا، أو يَستَرهبُ بها عَدُوًّا وهو ذَاكِرٌ لِأَنَّهُ في صَلَاةٍ، فَقَد انقضت(٥) صَلَاتُهُ، وعَلَيه إِعَادَتُها مَتَى أمكَنَهُ. انتَهَى. وفي ((الجَواهرِ)) (٦) لِابنِ شَاسٍ: ولَا يَتْرُكُونَ شَيْئًا مِما يَحْتَاجُونَ إلَيه من قَولٍ أو فِعلٍ . انتَهَى. وقَد ظَهَرَ بِذلك خِلَافُ المالِكِيَّةِ لِلشَّافِعِيِّ (٧ في الأقوالِ، وأَنَّهُم ٧) يَغتَفِرُونَها كَالأَفعَالٍ، والشَّافِعِيُّ لَا يَغَفِرُها، واقتَصَرَ النووِيُّ في ((الرَّوضَةِ)) (٨) تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ عَلى قَولِه: ويَجِبُ الاحتِرَازُ عن الصِّيَاحِ بِكُلِّ حَالٍ بِلَا خِلافٍ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيه. انتَهَى. ومقتضى ذلك إباحة النطق بلا صياح، واللهُ أعلم. ■ الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: إن قُلتَ: لَم يُضَبَطِ الخَوفُ الذِي هو أشَدُّ من ذلك بِضَابِطِ . قُلتُ: ضَابِطُهُ: أن لَا يَتَمَكّنُوا من الهَيئَةِ المَذكُورَةِ قَبلَها من انِقِسَامِهم فِرِقَتَينٍ، مع استيفَاءِ أركَانِ الصَّلَاةِ وشَرَائِطِها، بَل يُضطَرُّونَ لِما هُم فيه لِلإخلَالِ بِبَعضِ الأركَانِ أو الشَّرَائِطِ. (١) المغني (٣١٧/٣). بعده في (ت): ((على))، وبعده في (ك، م): ((من بين الفقهاء)). (٢) (٣) في الأصل: ((تقدر)). (٤) الأم (٤٦٦/٢). (٥) في (م): ((نقضت)). (٦) عقد الجواهر الثمينة (١٦٨/١). (٧ - ٧) في (ك): ((وأنهم في الأقوال)). (٨) الشرح الكبير (٦٤٧/٤)، وروضة الطالبين (١ / ٥٦٧).