Indexed OCR Text

Pages 1-20

يُحَقَّقُ لأَوَلِ مَزَّةٍ عَلَى سِتِ نُسَخٍ خَطِيَّةٍ
طرح اللَّرُ
في
٧٧
شَرَ النَّقَرِيهِ
تَأليفُ
الحَافِظِ أبِيُ الفَضْلِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَبْدِالرَّحِيْمِ يْنِلْحُسَيْنِ العِراقِيْ
٨٠٦ هـ
وَتَتِيمُ وَلَدِهِ الْحَافِظِ أبِيْ زُرْعَة وَلِيِّ الدِّيْنِ أَحْمَدَ أَبْنِ الْعِرَاقِيّ
٨٢٦ هـ
تَحَقِيْق
مُحَمَّد سَيِّدْبْن عَبْدالفَتَّاحِ دَرْوِيْشُ
الجزءُ الثَّالِثُ
دارابن الجوزي

بيش
3
7
,

طرحُ النَّشْرِ
في
٧٧،٥)
شَرحَ النَّقرين
٣

جَميِّعْ دَ حُقُوق ◌َخِفْقَظَةَ لِدار ابن الجوزيُ
الطّبْعَة الأولىى
١٤٣٨هـ
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
دار ابن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
للنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧
الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي: ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨
جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٤٥١٩ - بيروت
هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨
تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

بابُ صَلاةِ النَّطَوُّعِ
٥
بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ(١)
المشهُورُ عِندَ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ(٢)؛ أنَّ التَّطَوُّعَ: ما رَجَّحَ الشَّرِعُ فِعله على
تَركِهِ، وجَازَ تَركُهُ. فالتَّطَوُّعُ، والسُّنَّةُ، والمُستَحَبُّ، والمندُوبُ، والنَّافِلَةُ،
والمُرَغَّبُ فيه، والحَسَنُ؛ ألفاظٌ مُتَرَادِفَةٌ.
وقال آخَرُونَ(٣): ما عَدَا الفَرِيضَةَ، ثَلاثَةُ أقسَام؛ سُنَّةٌ: وهُو ما واظَبَ عليه
رسولُ الله ◌َّهِ. [١٧٦/١ظ] ومُستَحَبٌ: وهُو ما فَعَلهَ أحيانًا، ولم يُواظِب عليه،
وكَذا لَو أمَرَ بِهِ ولم يَفعَلُهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ الخُوارِزِمِيُّ في ((الكافي)). ومِثَالُهُ:
الرَّكعَتَانِ قبلَ المغرِبِ. وَتَطَوُّعٌ: وهُو ما يُنشِئُهُ الإنسَانُ ابتِدَاءً، مِن غَيرِ أن يَرِدَ فيه
نَقْلٌ من الشَّرِعِ.
وفَرَّقَ المالكِيَّةُ بَيْنَ السُّنَّةِ والفَضِيلَةِ. وضَابِطُهُ عِندَهُم، كَما قال بَعضُهُم: أنَّ
كُلَّ ما واظَبَ عليه النَّبِيِ وَّهِ، مُظهِرًا له في جَمَاعَةٍ فَهُو سُنَّةٌ، وما لم يُواظِب
عليه، وعَدَّهُ في نَوافِل الخَيرِ فَهُو فَضِيلَةٌ، وما واظَبَ عليه ولم يُظهِرهُ؛ كَرَكَعَتَي
الفَجرِ، فَفي كَونِهِ سُنَّةً أو فَضِيلَةً قَولانِ(٤).
(١) كتب العنوان في الأصل بخط غير خط الناسخ.
(٢) ينظر في هذا: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (٩٢/١، ٩٣)، والأشباه والنظائر
لابن السبكي (٩٤/٢)، والتحبير للمرداوي (٩٨٢/٢).
(٣) كالقاضي حسين، ومن تبعه.
(٤) قال أبو بكر ابن العربي: أخبرنا الشيخ أبو تمام بمكة؛ أنه سأل الشيخ أبا إسحاق
الشيرازي ببغداد، عن قول الفقهاء: سُنَّة، وفضيلة، ونفل، وهيئة؟ فقال: هذه عاميةٌ في
الفقه، ولا يقال إلا فرض وسُنّة، لا غير. قال: وأما أنا، فسألت أبا العباس الجرجاني
بالبصرة، فقال: هذه ألقابٌ لا أصل لها، ولا نعرفها في الشرع. ينظر: البحر المحيط
(٢٣٠/١).

=
٦
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحديثُ الأولُ
عن نَافِعٍ (١)، عن ابنِ عمرَ: ((أنَّ رسولَ الله وَّ كان يُصَلي قبلَ
الظَّهرِ رَكَعَتَينٍ، وبعدَها رَكَعَتَينٍ، وبعدَ المغرِبِ رَكعَتَينٍ في (٣٠/٣م) بَيتِهِ،
وبعدَ صَلاةِ العِشَاءِ رَكَعَتَينٍ، وكان لا يُصَلي بعدَ الجمُعَةِ، حَتَّى يَنصَرِفَ،
فَيُصَلِيَ فِي بَيْتِهِ رَكعَتَينٍ))(٢).
قال: وأخبَرَتِي خَفْصَةُ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ كان إذا سَكَتَ المُؤَذِّنُ من
الأذانِ بِصَلاةِ الصُّبح، وبَدَا له الصُّبْحُ: صَلَى رَكَعَتَينِ خَفِيفَتَينٍ، قبلَ أن تُقَامَ
الصَّلاةُ))(٣).
فیه(٤) فوائدُ:
■ الأولى(٥): حَكَى السَّيفُ الآمِدِيُّ(٦)، خِلافًا، في دَلالَةِ(٧) ((كان)) على
التَّكرَارِ، وصَخَّحَ ابنُ الحَاجِبِ(٨): أنَّها تَقْتَضِي التَّكرَارَ.
قال: ولهذا استَفَدْنَاهُ، مِن قَولهِم: ((كان حَاتِمٌ يَقرِي الضَّيفَ)). وصَخَّحَ
الشيخ فَخرُ الدينِ الرَّازِيُّ في ((المحصُول))(٩): أنَّها لا تَقْتَضِيه، لا لُغَةً ولا عُرفًا .
(١) مكانها في الأصل بياضٌ بمقدار نصف سطر.
(٢) ليس في: (ح). والحديث أخرجه البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٧١/٨٨٢)، وأبو داود
(١٢٥٢)، والنسائي (٨٧٢).
(٣) البخاري (٦١٨)، ومسلم (٨٧/٧٢٣)، والنسائي (١٧٧٢).
قال في حاشية (ت): ((رواية يحيى بن يحيى الليثي فيه: حدثنا، وهما في الموطأ،
أحدهما (١/ ١٦٦): في باب العمل في جامع الصلاة، انتهى إلى قوله: ((حتى ينصرف
فيصلي في بيته ركعتين)).
ثانيهما (١/ ١٢٧): ذكره في باب ما جاء في ركعتي الفجر، مالك عن نافع عن ابن عمر:
((أن حفصة أخبرته، فذكره)).
(٤) بياضٌ في: الأصل.
الإحكام (٢٧٢/٢، ٢٧٣).
(٦)
(٨) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (١٦٧/٣).
(٩) المحصول (٦٤٨/٢ - ٦٥١).
(٥) بياضٌ في: الأصل.
(٧) ليس في: الأصل.

=
٧
بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
وقال النَّووِيُّ في ((شرح مسلم))(١): إِنَّه المُختَارُ(٢) الذي عليه الأكثرونَ
والمُحَقِّقُونَ من الأُصُولِيِّينَ.
وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدينِ في ((شرحِ العُمدَةِ)، في مواضعَ منه(٣): أنَّها تَقْتَضِيه
عُرفًا .
فَعلى هذا: فَفي الحديثِ دَلالَةٌ على تَكَرُّرٍ فِعل هذه النوافل من النبيِّ وَّ،
وأنَّه كان هذا دَأْبَهُ وعادَتَهُ.
■ الثانيةُ(٤): فيه استِحبابُ النوافل المذكُورَةِ في هذا الحديثِ، وهي
رَكَعَتَانِ قبلَ الظّهرِ، ورَكعَتَانِ بعدَها، ورَكعَتَانِ بعدَ الجمُعَةِ، ورَكعَتَانِ بعدَ
المغرِبِ، وَرَكَعَتَانِ بعدَ العِشَاءِ، ورَكَعَتَانِ قبلَ(٥) الصُّبح، فَهذه عَشرُ رَكَعاتٍ؛ لأنَّ
الرَّكَتَينِ بعدَ الجُمُعَةِ لا يَجتَمِعانِ مَعَ الرَّكعَتَينِ بعدَ الظُّهرِ، إلا لعارِضٍ، بأن يُصَلِّيَ
الجمُعَةَ وسُنَّتَها التي بعدَها، ثم(٦) يتبينُ فسادَها، فَيُصَليَ الظّهرَ، ويُصَليَ بعدَها
سُنَتها، قُلته تَفقهًا(٧) .
وفي ((صحيحِ البخاريِّ))، وغيرِه (٨) مِن طَرِيقِ أيُّوبَ، عن نَافِعٍ، (٣١/٣م) عن
ابنِ عمرَ، قال: ((حَفِظتُ من النبيِّ وَّهِ عَشرَ رَكَعاتٍ)). فَذَكَرَها، إلا أنَّه لم يَذكُر
فيها: ((رَكَعَتَي الجمُعَةِ)).
وفي (صحيحٍ مسلم)). وغيرِه (٩) عن عَبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ، قال: ((سَأَلْتُ عَائِشَةَ
عن صَلاةِ رسول اللهِ وَ ﴿؟ فقالت: كان يُصَلِي فِي بَيتِهِ قبلَ الظَّهرِ أربَعًا، ثم يَخرُجُ
فَيُصَلِي بِالنَّاسِ، ثم يَدخُلُ فَيُصَلِي رَكَعَتَينٍ، وكان يُصَلي بالَّاسِ المغرِبَ، ثم يَدخُلُ
(١) مسلم بشرح النووي (٢١/٦).
(٢) في (ح): ((المجاز)).
(٣) إحكام الأحكام (ص١٣٤، ١٧٥).
(٤) بياضٌ في: الأصل بمقدار ثلاث كلمات.
(٥)
في الأصل: ((بعد)).
(٦) في (ح): ((حتى)).
هي كلمة شهيرة بين الأصوليين، ومعناها: أنه لم يظفر فيها بنقل عن الأقدمين، وإنما
(٧)
قالها تخريجًا على القواعد.
(٨) البخاري (١١٨٠)، والترمذي (٤٣٣)، وقال: حسن صحيح.
(٩) مسلم (١٠٥/٧٣٠)، وأبو داود (١٢٥١).

=
22
٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَيُصَلِي رَكَعَتَينٍ، ويُصَلي بالنَّاسِ العِشَاءَ، ويَدْخُلُ بَيتِي، فَيُصَلِي رَكَعَتَينٍ)). وفي
آخِرِهِ: ((وكان إذا طَلَعَ الفَجرُ: صَلَى رَكَعَتَينٍ)). فَهذه ثَنْتَا عَشرَةَ رَكَعَةً.
وفي ((صحيحِ مسلم))، وغيرِه(١) مِن حَدِيثٍ أُمِّ حَبيبَةَ: ((مَن صَلى اثْنَتَي عَشرَةَ
رَكِعَةً(٢) في يَوم ولَيلَةٍ، بُنِيَ له بِهِنَّ بَيتٌ في الجَنَّةِ)). وفسرَها في رِوايَةٍ
التِّرمِذِيِّ(٣)، فقالَ: ((أربعًا قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعَتَينِ بعدَها، ورَكعَتَينِ بعدَ المغرِبِ،
ورَكَعَتَيْنِ بعدَ العِشَاءِ، ورَكَعَتَينِ قبلَ صَلاةِ الغَدَاةِ)). وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَواهُ النَّسَائِيُّ، وابنُ حبانَ، في ((صحيحِهِ)، والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِهِ))(٤)،
ولَيسَ في رِوايَتِهِم ذِكرُ: ((رَكَعَتَينِ بعدَ العِشَاء)). [١/ ١٧٧ و] وفيه: ((ورَكعَتَينٍ قبلَ
العَصر)). وفي رِوايَةٍ للحَاكِمِ: ((وأربَعُ رَكَعاتٍ قبلَ العَصرِ)). وقال: كِلا الإسنَادَينِ
صَحِيحٌ على شَرطِ مسلمٍ .
ورَوى التِّرمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ ماجَه(٥) هذا المتنَ مِن حَدِيثٍ عَائِشَةَ.
وضَعَّفَ التِّرمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ: حَدِيثَ عائِشَةَ هذا (٦)، مِن هذا الوجهِ.
وفي ((سُنَنِ ابنِ ماجَه))(٧) مِن رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ سُلَيمانَ بنِ الأصبَهانِيِّ، عن
سُهَيل(٨) بنِ أبي صَالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَن
صَلى في يَومِ ثِنتَي عَشْرَةَ رَكَعَةً، بُنِيَ له بَيتٌ في الجَنَّةِ؛ رَكعَتَينٍ قبلَ الفَجرِ،
ورَكَعَتَينِ قبلَّ الظَّهرِ، ورَكعَتَينٍ بعدَ الظُّهرِ، وَرَكعَتَينٍ، أظُنُّهُ قال: قبلَ العَصرِ،
ورَكَعَتَينِ بعدَ المغرِبِ، أظُنُّهُ قال: ورَكَعَتَينِ بعدَ العِشَاءِ الآخِرَةِ)». ورَواهُ النَّسَائِيُّ
مِن هذا الوجهِ (٩)، بِدُونِ تَعدَادِها، وقال: هذا خَطَأُ، ومُحَمَّدُ بنُ سُلَيمَانَ ضَعِيفٌ،
(١) مسلم (٧٢٨)، وأبو داود (١٢٥٠)، وابن ماجه (١١٤١).
(٣) الترمذي (٤١٥).
(٢) ليس في: (ح).
النسائي (١٨٠٠ - ١٨٠٢)، وابن حبان (٢٤٥٢)، والحاكم (٣١١/١، ٣١٢) وعنده:
(٤)
(وأربع قبل الظهر، وأربع بعدها)).
الترمذي (٤١٤)، والنسائي (١٧٩٣)، وابن ماجه (١١٤٠).
(٥)
(٦)
لیس في: (ح).
في (م): ((سهل)).
(٨)
(٧) ابن ماجه (١١٤٢).
(٩) النسائي (١٨١٠).

بابُ صَلاةِ التَّطَّوُّعِ
٩
22
=
هُو ابنُ الأصبَهانِيِّ. وكَذا قال أبو حَاتِمِ الرَّازِيُّ(١): هذا خَطَأُ، والحديثُ بأمِّ حَبيبَةً
.ُ
أشبهُ.
وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))(٢)، بإسنادٍ صَحِيحٍ، عن عَلَيٍّ ◌َظُهُ: ((أنَّ النَّبِي ◌َِّ
كان يُصَلي قبلَ العَصرِ رَكَعَتَينٍ)). ورَوى التِّرمِذِيُّ(٣)، وحَسَّنَهُ، عن عَليٍّ، قال:
((كان النَّبِي ◌َّهِ يُصَلي قبلَ العَصرِ أربَعَ رَكَعاتٍ)).
ورَوى أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ(٤)، وحَسَّنَهُ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ
قال: ((رَحِمَ الله امرَأَ صَلى قبلَ العَصرِ أربعًا)).
وَسِيَّلاً،
صَلىالله
ورَوى أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ(٥)، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، عن أُمِّ حَبيبَةَ، قالت:
قال رسولُ الله ◌َّهِ: (مَن حَافَظَ على أربَعِ رَكَعاتٍ قبلَ الظَّهرِ، وأربَعِ بعدَها،
حَرَّمَهُ اللهُ (٣٢/٣م) على النَّارِ)).
وقال النَّوِيُّ في ((شرح مسلم)(٦): ولَيسَ للعَصرِ ذِكرٌ في ((الصَّحِيحَينِ)).
وفيما ذَكَرَهُ نَظَرٌ، فَفي ((صحيح مسلَّم) (٧): أنَّ أبا سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ: ((سَألَ
عَائِشَةَ ﴿ّا، عن السَّجدَتَينِ اللَتَينِ كان رسول اللهِ وَّهُ يُصَليهِما بعدَ العَصرِ؟
فقالت: كان يُصَليهِما قبلَ العَصرِ، ثم أَنَّه شُغِلَ عنهُما، أو (٨) نَسِيَهُما، فَصَلاَهُما بعدَ
العَصرِ، ثم أَثبَتَهُما» .
قال النَّوِيُّ في ((شرح مسلم)) أيضًا (٩): هذا الحديثُ ظَاهِرٌ، في أنَّ المُرَادَ
بِالسَّجَدَتَيْنِ رَكَعَتَانٍ، هُما سُنَّةٌ لِلعَصِّرِ قبلَها .
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(١٠): يَنبَغِي أن يُحمَلَ على سُنَّةِ الظُّهرِ، كَمَا فِي حَدِيثٍ
أُمِّ سَلَمَةَ؛ أي: مِن قَولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إِنَّه أَتَانِي نَاسٌ مِن عَبدِ القَيسِ
(١) العلل لابن أبي حاتم (١٤٤/١) مسألة (٤٠١).
(٣) الترمذي (٤٢٩).
(٢) أبو داود (١٢٧٢).
أبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠).
(٤)
(٥) أبو داود (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٨).
(٧) مسلم (٢٩٨/٨٣٥).
(٦) شرح صحيح مسلم (٨/٦).
(٨) في الأصل: ((و)).
(١٠) إكمال المعلم (٢١٤/٣، ٢١٥).
(٩) شرح صحيح مسلم (٦/ ١٢٢).

=
١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بالإِسلامِ مِن قَومِهِم، فَشَغَلُونِي عن الزَّكعَتَينِ اللَتَينِ بعدَ الظّهرِ، فَهُما هاتَانٍ(١)(٢).
ليَّفِقَ الحديثَانِ؛ وسُنَّةُ الظّهرِ يَصِحُّ تَسمِيتُها قبلَ العَصرِ. انتَهَى.
وكأنّ النَّوِيَّ أرَادَ أنَّه لَيسَ في ((الصَّحِيحَينِ)) ذِكرُ سُنَّةِ(٣) العَصرِ، صَرِيحًا
مِن غَيرِ تَأْوِيلٍ، واللهُ أعلمُ.
وفي ((صحيحِ البخاريِّ))(٤) عن عَبدِ الله بنٍ مُغَفَّلِ: أنَّ النَّبِيِوَِّ قال: ((صَلُّوا
قبلَ المغرِبٍ، قال في الثَّالثَةِ: لَمَن شَاء)). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٥) عن ابنِ مُغَفَّلٍ
أيضًا، عن النبيِّ وَّهِ: (بَينَ كُل أذانَينِ صَلاةٌ)). والمُرَادُ: بَيْنَ الأذانِ والإِقَامَةِ.
ورَوى التِّرمِذِيُّ، وضَعَّفَهُ، وابنُ ماجَه(٦) عن أبي هريرةَ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن صَلى بعدَ المغرِبِ سِتَّ رَكَعاتٍ، لم يَتَكَّلم فيما(٧) بَينَهُنَّ
بِسُوءٍ(٨) عَدَلنَ له بِعِبادَةِ ثِنْتَي عَشرَةَ سَنَةً)) .
وفي ((صحيحِ البخاريِّ))، وغيرِه (٩) عن ابنِ عباسٍ، قال: ((بِتُّ في بَيتِ
خَالَتِي مَيمُونَةَ بِنتِ الحَارِثِ، زَوجِ النبيِّ ◌َِِّ، وكان النَّبِي ◌َِّ عِندَها في لَيلَتِها،
فَصَلَى النَّبِيِ وَّ﴿ِ العِشَاءَ، ثم جَاءَ إلى مَنزِلهِ، فَصَلى أَربَعَ رَكَعاتٍ، ثم نَامَ))،
الحدیثَ.
وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))، وغيرٍه(١٠) عن عائِشَةَ رَؤُهَا، قالت: ((ما صَلى
رسولُ اللهِ ﴿ العِشَاءَ قَطْ، فَدَخَلَ عَلَيَّ إلا صَلى أربَعَ رَكَعاتٍ، أو سِتَّ
رَكَعاتٍ))، الحديثَ.
وفي ((سُنَنِ البَيْهَقِيِّ))، و(قِيَامِ الليل)) لمُحَمَّدِ بنِ نَصرِ المروزِيِّ،
في الأصل: ((هاتين)).
(١)
(٢) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤/ ٢٩٧).
(٣)
ليس في: (ح).
(٤) البخاري (١١٨٣)، ومسلم (٨٣٨).
البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٣٠٤/٨٣٨).
(٥)
(٦)
الترمذي (٤٣٥)، وابن ماجه (١١٦٧). (٧) ليس في: (ح).
ليس في: الأصل.
(٨)
(٩) البخاري (٦٩٧)، ومسلم (٧٦٣).
(١٠) أبو داود (١٣٠٣)، والنسائي، كما في تحفة الأشراف (٤٢٠/١١) ح (١٦١٤٣).

=
١١
بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
و((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ)) (١) عن ابنِ عباسٍ: يَرفَعُهُ إلى رسول اللهِ وَّهِ، قال: ((مَن
صَلى أَرَبَعَ رَكَعاتٍ خَلفَ العِشَاءِ الآخِرَةِ، قَرَأْ في الزَّكعَتَينِ الأُولَتَينِ: ﴿قُلٌ يَأَيُّهَ
آلْكَافِرُونَ
ه، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، وقَرَأ في الرَّكعَتَينِ الأُخْرَيَينِ: ﴿تَبَرَكَ
الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُر (١﴾، و﴿الَّمَ جَ تَزِيلُ﴾ السَّجدَةِ: كَتَبَ اللهُ
له كَأَرَبَعِ رَكَعَاتٍ مِن لَيلَةِ القَدرِ)).
وقال البَيهَقِيُّ(٢): تَفَرَّدَ بِهِ ابنُ فَرُوخَ المِصرِيُّ، والمشهُورُ عن كَعبِ الأحبارِ
مِن قَولهِ: ((مَن تَوضَّأ فأحسَنَ الوُضُوءَ، [١٧٧/١ظ] ثم (٣/ ٣٣م) صَلى العِشَاءَ
الآخِرَةَ، وصَلى بعدَها أربَعَ رَكَعاتٍ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وسُجُودَهُنَّ، يَعلم ما يَقْتَرِئُ
فيهنَّ، فإن له، أو كُنَّ له بِمَنْزِلَةٍ لَيلَةِ القَدرِ)).
قال النَّوِيُّ في ((شرحٍ مسلم))(٣)، بعدَ ذِكرِ هذه الأحَادِيثِ، ما عَدَا السِّتَّ بعدَ
المغرِبِ، والأربَعَ بعدَ العِشَاءِ: قَال أصحَابُنَا، وجُمهُورُ العُلَماءِ بِهذه الأحَادِيثِ
كُلِّها، واستَحَبوا جَمِيعَ هذه النوافل المذكُورَةِ في الأحَادِيثِ السَّابِقَةِ، ولا خِلافَ في
شَيءٍ مِنها عِندَ أصحَابِنَا، إلا في الرَّكعَتَينِ قبلَ المغرِبِ؛ فَفيهما وجهانِ لأصحَابِنَا :
أشهَرُهُما لا يُستَحَبُّ، والصَّحِيحُ عِندَ المُحَقِّقِينَ: استِحبابُهُما، لحديثَي (٤):
ابنِ مُغَفَّلٍ، ولحديثِ: ((ابتِدَارِهِم السَّوارِيَ بِهِما، وهُو في ((الصَّحِيحَينِ))(٥).
قال أصحَابُنَا، وغَيرُهُم: واختِلافُ الأحَادِيثِ في أعدَادِها مَحمُولٌ على
تَوسِعَةِ الأمرِ فيها، وأنَّ لَها أقَلَّ وأكمَلَ، فَيَحصُلُ أصلُ السُّنَّةِ بالأقَل، ولَكِنَّ
الاختِيَارَ فِعلُ الأكثَرِ الأكمَل. انتهى.
وقَد اختَلَفَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ في المُؤَكَّدِ مِن هذه المستحباتِ، على خَمسَةِ
أوجُهٍ :
(١) البيهقي (٤٧٧/٢)، والطبراني (٤٣٧/١١) ح (١٢٢٤٠)، ومختصر قيام الليل للمروزي
(ص٩٥) ح (٧٦).
(٢) البيهقي (٢/ ٤٧٧).
في (ح): ((الحديث)).
(٤)
(٣) شرح مسلم (٩/٦).
(٥) البخاري (٥٠٣)، ومسلم (٣٠٣/٨٣٧) من حديث أنس.

=
١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال الأكثرونَ: المُؤَكَّدُ مِنها ما في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، الذي نَحنُ في شرحِهِ.
ومنهم مَن نَقَصَ رَكَعَتَي العِشَاءِ، نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في ((البويطِيِّ))، وبِهِ (١)
قال الخُضَرِيُّ(٢).
ومنهم مَن زَادَ على العَشرِ رَكعَتَينٍ أُخرَبَينِ (٣) قبلَ الظُّهرِ، فَصَيَّرَهُنَّ أربَعًا،
وعَزَاهُ ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٤) للشَّافِعِيِّ.
ومنهم مَن زَادَ على هذا أُخرَيَينٍ(٥) بعدَ الظُّهرِ، فَصَيَّرَهُنَّ أربَعًا أيضًا(٦).
ومنهم مَن زَادَ على هذا أربَعًا قبلَ العَصرِ، فَرَأى(٧) جَمِيعَ ذلك مُؤَكَّدًا .
قال صَاحِبُ ((المُهَذَّبٍ))(٨)، وجَماعَةٌ: أدنَى الكَمال عَشرُ رَكَعاتٍ، وهُو
الوجهُ الأولُ، وأتَمُّ الكَمال ثَمانِ عَشرَةَ رَكعَةً، وهُو الوجهُ الأخِيرُ، وزَادَ على هذا
المحَامِلِيُّ في ((اللبابٍ))، والنَّوِيُّ في ((شرحِ المُهَذَّبٍ))(٩)، فاستَحَبا رَكعَتَينٍ قبلَ
العِشَاءِ، وحَكَاهُ الماوردِيُّ(١٠)، عن البويطِيِّ، ويَدُلُّ له حَدِيثُ: ((بَينَ كُلِ أذانَينِ
صَلاةٌ)(١١).
وعَدَّ القَاضِي أبو بَكرٍ البَيضَاوِيُّ في ((التَّصِرَةِ))(١٢)، من الرَّواتِبِ أربَعًا بعدَ
المغرِبِ. وهُو غَرِيبٌ. والمشهُورُ عِندَ الحَنَابِلَةِ؛ كَالمشهُورٍ عِندَنَا، وزَادَ
أبو الخَطَّابِ منهم، في المُؤَكَّدَةِ أربَعًا قبلَ العَصرِ .
[قال ابنُ قُدَامَةَ (١٣): وقَولُهُ: ((رَحِمَ اللهُ امرَأَ صَلى قبلَ العَصرِ أربَعًا)). تَرغِيبٌ
فيها (١٤)، ولم يَجعَلها من السُّنَنِ الرَّواتِبِ، بِدَليل أنَّ ابْنَ عمرَ رَاوِيهِ، ولم يَحفَظها
(١)
في (ح): ((وفيه)).
(٣) في (ح): ((أخرتين)).
في (ح): ((أخرتين)).
(٥)
(٧) في (ح): ((أي)).
(٩) المجموع (٩/٤).
(١١) البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٣٠٤/٨٣٨).
(١٢) التبصرة في الفقه الشافعي، للقاضي أبي بكرٍ محمد بن أحمد بن العباس البيضاوي
الشافعي (ت٤٦٨هـ). كشف الظنون (٢٢٢/٣).
(١٣) المغني (٥٤٠/٢).
(٢) في (ح): ((الخضر)).
(٤) المغني (٥٣٩/٢).
(٦) ليس في: الأصل، (ح).
(٨) المهذب (٨٣/١).
(١٠) الحاوي (٢٨٦/٢).
(١٤) في الأصل: ((فيهما)).

١٣
بابٌ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
=
عن النبيِّ وَّهِ، قال ابنُ قُدَامَةَ: وظَاهِرُ كَلام أحمَدَ أنَّ الرَّكعَتَينِ قبلَ المغرِبِ
جَائِزَتَانِ، ولَيسَتَا سُنَّةً.
(٣٤/٣م) وقال الحَنَفيةُ، وهذه عِبَارَةُ صَاحِبٍ ((الهِدَايَةِ)) (١): السُّنَُّ رَكعَتَانِ قبلَ
الفَجرِ، وأربَعٌ قبلَ الظُّهرِ، وبعدَها رَكَعَتَانٍ، وأربَعُ قبلَ العَصرِ، وإن شَاءَ رَكعَتَينِ،
ورَكَعَتَانِ بعدَ المغرِبِ، وأربَعٌ قبلَ العِشَاءِ، وأربَعُ بعدَها](٢)، وإن شَاءَ رَكعَتَينِ.
وذَهَبَ مالكٌ، في المشهُورِ عنهُ: إلى أنَّه لا رَواتِبَ في ذلك، ولا تَوقِيتَ
إلا في رَكعَتَي الفَجرِ. قال ابنُ القَاسِمِ، صَاحِبُهُ: وإنَّما يُؤْقِّتُ(٣) أهلُ العِرَاقِ.
وذَهَبَ العِرَاقِيُّونَ من المالكِيَّةِ إلى استِحبَابِ (٤) الرَّكعَتَينِ بعدَ الظّهرِ، وقبلَ العَصرِ،
وبعدَ المغرِبِ، حَكَاهُ صَاحِبُ ((المُفهِمِ)) (٥).
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدينِ في ((شرحِ العُمدَةِ)(٦): الحَقُّ، واللهُ أعلمُ، في هذا
البابِ، أعني ما ورَدَ فيه أحَادِيثُ بالنِّسَبَةِ إلى التَّطَوُّعاتِ والنوافلِ المُرسَلَةِ، أنَّ كُلَّ
حَدِيثٍ صَحِيحِ دَلَّ على استِحبابِ عَدَدٍ مِن هذه الأعدادِ، وهَيئَةٍ من الهَيئَاتِ، أو
نَافِلَةٍ من النوافل، يُعمَلُ بِهِ في استحبابِهِ، ثم تَختَلفُ مَرَاتِبُ ذلك المُستَحَبِّ؛ فَما
كان الدَّليلُ دَالًا على تَأكُّدِهِ، إما بِمُلازَمَتِهِ (٧) فِعله، أو بِكَثرَةِ فِعلِهِ، وإما بِقُوةِ دَلالَةِ
اللفظِ على تَأُّدِ حُكمِهِ، وإما بِمُعاضَدَةٍ حَدِيثٍ آخَرَ، أو أحَادِيثَ فيه تَعلُو مَرْتَبَتَهُ
في الاستحبابِ، وما نَقَصَ عن ذلك كان بعدَهُ في الرُّتِبَةِ، وما ورَدَ فيه حَدِيثٌ لا
يَنتَهِي إلى الصِّحَّةِ، فإن كان حَسَنًا عُمِلَ بِهِ، إن لم يُعارِضهُ أقوى منه، وكانت
مَرَتَبَتُهُ نَاقِصَةً عن هذه المرتَبَةِ الثَّانِيَةِ، أعنِي الصَّحِيحَ الذي لم يَدُم عليه، أو لم
يُؤَكِّدِ اللفظُ فِي طَلَبِهِ، وما كان ضَعِيفًا لا يَدخُلُ فِي حَيِّزٍ(٨) الموضُوعِ.
فإن أحدَثَ شِعارًا في الدينِ مُنِعَ، وإن لم يُحدِث فَهُو مَحَلُّ نَظَرٍ، يُحتَمَلُ أن
(١) الهداية (٦٦/١).
(٣)
في (م): ((توقت)).
(٥)
المفهم (٣٦٥/٢).
(٧) في (ح): ((بملازمة)).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٤) ليس في: (ح).
(٦) إحكام الأحكام (ص٢٠٦).
(٨) في (ح): ((خبر)).

=
١٤
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يُقال: [إنَّه مُستَحَبٌّ(١)، لدُخُولِهِ (٢) تَحتَ العُمُوماتِ المُقْتَضِيَةِ لِفِعلِ الخَيرِ،
واستِحبابِ الصَّلاةِ، ويُحتَمَلُ أن يُقال](٣): [١٧٨/١ و] هذه الخُصُوصِيَّاتُ بالوقتِ
وبالحَال والهَيئَةِ، واللفظُ المخصُوصُ يَحتَاجُ إلى دَليلٍ خَاصِّ، يَقتَضِي استحبابَه
بِخُصُوصِهِ، وهذا أقرَبُ، واللهُ أعلمُ. انتَهَى.
■ الثَّالثَةُ: قال العُلَماءُ: الحِكمَةُ في مَشرُوعِيَّةِ الرَّواتِبِ، قبلَ الفَرَائِضِ
وبعدَها، تَكمِيلُ الفَرَائِضِ بِها، إن عَرَضَ نَقصٌ، كَما تَبَتَ في ((سُنَنِ أبي داودَ))،
وغيرِه (٤) عن أبي هريرةَ رَضُه، قال: سَمِعت رسولَ اللهِ،وَلَهِ يَقُولُ: ((إنَّ أولَ ما
يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ مِن عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فإذا صَلَحَت، فقد أَفَلَحَ وأنجَحَ، وإن
فسدَت، خَابَ وخَسِرَ، فإن انتَقَصَ(٥) مِن فَرِيضَتِهِ شَيءٌ، قال الرَّبُّ تَبَارََ وتَعالى:
انظُرُوا، هَل لعَبدِي مِن تَطَوُّعْ فَيُكَمَّلُ بِها ما انتَقَصَ من الفَرِيضَةِ (٦)، ثم يَكُونُ سَائِرُ
عَمَلهِ على ذلك)).
وفي النوافل التي قبلَ الفَرِيضَةِ مَعنَى آخَرُ، وهُو (٢٣٥/٣) رِيَاضَةُ النَّفسِ
بالدُّخُول في النَّافِلَةِ، وتَصفيتُها عَما هي مُتَكَيِّفةٌ(٧) بِهِ من الشَّواغِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِيَتَفَرَّغَ
قَلْبُهُ للفَرِيضَةِ أكمَلَ فَرَاغٍ، ويَحصُلَ له النَّشَاطُ.
واقتَضَى كَلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدينِ في ((شرحِ العُمدَةِ) (٨): أنَّ المعنَى الأولَ
خَاصٌّ بالنوافل التي بعدَ الفَرَائِضِ، فقال: وأما السُّنَنُ المُتَأخِّرَةُ، فقد ورَدَ أنَّ
النَّوافِلَ جَابِرَةٌ(٩) لنُقصَانِ الفَرَائِضِ، فإذا وقَعَ الفَرضُ، نَاسَبَ أن يَكُونَ بعدَهُ ما
يَجِبُرُ خَلَلَا فيه، إن وقَعَ. انتَهَى.
ولَيسَ كَذلك، فالذي ذَكَرَهُ غَيرُهُ حُصُولُ الجَبرِ (١٠) بالنوافلِ المُتَقَدِّمَةِ
(١) في (م): (يستحب).
(٢) في (ح): (للدخول)).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤) أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (٤٦٤)، وابن ماجه (١٤٢٥).
(٦) في الأصل، (م): ((فريضته)).
(٥)
في الأصل: ((أنقص)).
(٧)
في (م): ((مكتفية)).
(٨) إحكام الأحكام (ص٢٠٦).
(٩) في (ح): ((جائزة)).
(١٠) في (ح): ((الخبر)).

١٥
بابٌ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
والمُتَأخِّرَةِ، والحديثُ المُتَقَدِّمُ يَعُمُّ سَائِرَ التَّطَوُّعاتِ، ولَو تَقَدَّمَت على الفَرَائِضِ،
واللهُ أعلمُ.
■ الزَّابِعَةُ: آكَدُ هذه الرَّواتِبِ رَكعَتَا الفَجرِ، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(١) عن
عائِشَةَ رُّا؛ أنَّها قالت: ((لم يَكُن رسولُ الله ◌ِّهِ على شَيءٍ من النوافل أشَدَّ
تَعاهُدًا منه على رَكعَتَي الفَجرِ)).
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةً))(٢) عن عائِشَةَ، قالت: ((أما ما لم يَدَعْ صَحِيحًا
ولا مَرِيضًا، في سَفَرٍ ولا حَضَرٍ، غَائِبًا ولا شَاهِدًا؛ تَعنِي: النبيَّ نَّهِ: (٣) فَرَكَعَتَين
قبلَ(٣) الفَجرِ)). ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ، وغَيرُهُ، عن الحَسَنِ البَصرِيِّ: القَولَ
بِوُجُوبِهِما(٤).
وقَولي: هذه الرَّواتِبَ: احتَرَزت بِهِ عن الوِتِرِ، فَهُو أفضَلُ مِن رَكعَتَي الفَجرِ،
على الأصَحِّ مِن قَولَي الشَّافِعِيِّ، وهُو مَذهَبُ مالكِ. والقَولُ الآخَرُ: تَفضِيلُ
رَكَعَتَي الفَجرِ، ولم أرَ لأصحَابِنَا تَعَرُّضًا لآكَدِ الرَّواتِبِ بعدَهُما .
وقال المالكِيَّةُ، والحَنَابِلَةُ: آكَدُهُما بعدَهُما (٥) الرَّكعَتَانِ بعدَ المغرِبِ، ويَشْهَدُ
له أنَّ الحَسَنَ البَصرِيَّ قال بِوُجُوبِهِما أيضًا، فَرَوى مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المروزِيِّ، في
كِتَابِ ((قِيَامِ الليل)) (٦) عن الحَسَنِ: أنَّه كان يَرَى الرَّكعَتَينِ بعدَ المغرِبِ واجِبَتَيْنِ،
ويَرَى الرَّكعَتَينِ قبلَ صَلاةِ الصُّبْحِ واجِبَتَينِ.
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(٧) عن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: لَو تَرَكت الرَّكعَتَيْنِ
بعدَ المغرِبِ، لَخَشِيتُ أَلَّا يُغْفَرَ لي.
وعن أبي جَعفَرٍ مُرسَلًا، قال(٨): ((كان رسولُ الله ◌َيهِ لا يَدَعُ الرَّكعَتَينِ بعدَ
(١) البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٩٤/٧٢٤). (٢) ابن أبي شيبة (٣٨٩/١) (٣٩٥٠).
(٣ - ٣) في الأصل، (م): ((فركعتي الفجر)). وقال في حاشية (م): ((في نسخة: ((فركعتين قبل
الفجر)).
(٤) في الأصل: ((بوجوبها)). وينظر: ابن أبي شيبة (٢٤١/٢) (٦٣٨٩).
(٥)
ليس في: الأصل.
(٦) مختصر قيام الليل (ص٥٧) (٤٧).
(٧) ابن أبي شيبة (١٩٨/٢) (٥٩٨٧).
(٨) ابن أبي شيبة (٣٨٩/١) (٣٩٥٢).

=
علىـ
١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
المغرِبِ(١)، ورَكَعَتَينٍ قبلَ الفَجرِ، في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ)).
وأما الآكَدُ بعدَهُما؛ فَيُحتَمَلُ أنَّه الرَّكعَتَانِ بعدَ العِشَاءِ؛ لأنَّهما مِن صَلاةِ
الليل، وهي أفضَلُ، ويُحتَمَلُ أنَّه سُنَّةُ الظّهرِ، لاتَّفاقِ الرِّوايَاتِ عَلَيها .
وفي ((صحيح البخاريِّ))(٢) عن عائِشَةَ، قالت: (كان النبيُّ نَّهَ لا يَدَعُ أَرَبَعًا
قبلَ الظُّهرِ، ورَكَعَتَيْنِ قبلَ الغَدَاةِ).
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ))(٣) عن عَمرِو بنٍ مَيمُونٍ (٣٦/٣م) الأودِيِّ،
قال: ((كَانُوا لا يَترُكُونَ أربَعًا قبلَ الظُّهرِ، ورَكَعَتَينِ قبلَ الفَجرِ، على حَالٍ)).
■ الخَامِسَةُ: كَذَا في رِوايَةِ أبي مُصعَبٍ (٤)، ويَحيَى بِنِ بُكَير، قَولُهُ: ((في
بَيْتِهِ)). في مَوضِعَينِ: أَحَدُهُما: بعدَ المغرِبِ، والآخَرُ: بعدَ الجمُعَةِ، وفي رِوايَةِ
يَحْيَى بنِ يَحيَى، والقَعنَبِي(٥): ذَكَرَها في المغرِبِ فقط، وفي رِوايَةِ ابنِ وهبٍ (٦):
ذَكَرَها في الرَّكعَتَينِ بعدَ المغرِبِ، وبعدَ [١٧٨/١ظ] العِشَاءِ، ولم يَذكُر انصِرَافَهُ في
الجمُعَةِ(٧).
ولَعَلَّ قَوله: ((في بَيتِهِ)). مُتَعَلقٌ بِجَمِيعِ المذكُورَاتِ، فقد ذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّ
التَّقيِيدَ بالظّرفِ يَعُودُ للمعطُوفِ عليه أيضًا، لَكِن تَوقَّفَ فيه ابنُ الحَاجِبٍ في
((مُختَصَرِهِ))(٨).
ويُنَافِيه: قَولُهُ(٩) في رِوايَةِ البخاريِّ(١٠) مِن طَرِيقٍ عُبَيدِ الله، عن نَافِعٍ، عن
ابنِ عمرَ: ((فأما المغرِبُ والعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ)).
(١) ليس في: الأصل.
(٣) ابن أبي شيبة (٣٨٩/١) (٣٩٥١).
الموطأ برواية يحيى (١٦٦/١)، وبرواية القعنبي (٣١٣).
(٦)
ابن وهب، ومن طريقه البيهقي (٤٧٧/٢).
(٧)
ينظر: التمهيد (١٦٧/١٤، ١٦٨)، والاستذكار (٣٢٥/٢).
ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣٥١/٣)، والتمهيد للإسنوي (ص٤٠٥، ٤٠٦)،
(٨)
وشرح مختصر ابن الحاجب لأبي الثناء الأصفهاني (٢/ ١٩٣).
(٩) ليس في: الأصل.
(١٠) البخاري (١١٧٢).
(٢) البخاري (١١٨٢).
(٤) الموطأ برواية أبي مصعب (٥٥١).
(٥)

١٧
بابٌ صَلاةِ التَّطَّوُّعِ
=
وفي (صحيح مسلم)) مِن هذا الوجهِ: ((فأما المغرِبُ والعِشَاءُ و(١) الجُمُعَةُ؛
فَصَلَّيتُ مَعَ رسول اللهِ وَّهُ فِي بَيْتِهِ))(٢) .
واتَّفق العُلَماءُ على أفضَليَّةِ فِعل النوافل المُطلَقَّةِ في البَيتِ، واختَلَفُوا في
الرَّواتِبِ؛ فقال الجمهُورُ: الأفضَلُ فِعلُها في البيتِ أيضًا، وسَواءٌ في ذلك رَاتِبَةُ
الليل والنَّهارِ، قال النَّووِيُّ(٣): ولا خِلافَ في هذا عِندَنَا.
وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٤): لم يَختَلف أحَدٌ مِن أهل العِلم في ذلك.
وكَذا قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): إنَّهم مُجمِعُونَ على أنَّ صَلاةَ النَّافِلَةِ في الْبُيُوتِ
أفضَلُ. انتَھَی.
ولم يُقَيِّدهُ بالنَّافِلَةِ المُطلَقَةِ، فَفي نَفي الخِلافِ نَظَرٌ، فقد قال جَماعَةٌ من
السَّلَفِ: الاختِيَارُ فِعلُها كُلُّها في المسجِدِ، وأَشَارَ إلَيهِ القَاضِي أبو الطَّيِّبِ مِن
أصحَابِنَا .
وقال مالكٌ والثَّورِيُّ: الأفضَلُ فِعلُ نَوافِلِ النَّهارِ الرَّاتِبَةِ في المسجِدِ، ورَاتِبَةِ
الليل في البَيتِ.
قال النَّوِيُّ(٦): ودَليلُ الجمهُورِ: صَلاتُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ سُنَّةَ الصُّبحِ،
والجمُعَةِ في بَيتِهِ، وهُما صَلاتَا نَهارٍ، مَعَ قَولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((أفضَّلُ
صَلاةِ المرءِ فِي بَيتِهِ إلا المكتُوبَةَ))(٧). انتَهَى.
وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))، بعدَ أن قَرَّرَ استحبابَ فِعل السُّنَنِ في
البَيتِ(٨): وقال الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عبدِ الله، سُئِلَ عن الرَّكعَتَينِ(٩) بعدَ الظُّهرِ،
أينَ تُصَلَّيَانٍ؟ فقال: في المسجِدِ. ثم قال: أما الرَّكعَتَانِ قبلَ الفَجرِ فَفي بَيتِهِ،
وبعدَ المغرِبِ في بَيتِهِ. انتهى.
في الأصل: ((أو)).
(١)
(٣)
شرح مسلم (٩/٦).
الاستذكار (٢٥٩/٢).
(٥)
(٧) أخرجه البخاري (٧٣١).
في (ح): ((الركعة)).
(٩)
(٢) مسلم (١٠٤/٧٢٩).
(٤) عارضة الأحوذي (٢٢٢/٢).
(٦) شرح مسلم (٩/٦، ١٠).
(٨) المغني (٥٤٣/٢).

=
١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَكأنَّ التَّفصِيلَ في ذلك رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وقَد فَصَّلَ في هذه الرِّوايَةِ بَينَ
بَعضِ رَواتِبِ النَّهارِ وبَعضِها. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): اختَلَفَتِ (٢) الآثَارُ، وعُلَماءُ
السَّلَفِ فِي صَلاة (٣) النَّافِلَةِ في المسجِدِ، فَكَرِهَها قَومٌ لهذا الحديثِ، ورَخَّصَ فيها
آخَرُونَ. انتَھَی.
والحِكمَةُ في مَشرُوعِيَّةِ النوافل في البَيتِ: أنَّه أخفَى، وأقرَبُ (٣٧/٣م) إلى
الإخلاصِ، وأصونُ من المُحبِطَاتِ، ولتَحصُلَ البَرَكَةُ في البَيتِ بِذلك، وتَنزِلَ فيه
الرَّحمَةُ والملائِكَةُ، ويَنْفِرَ منه الشَّيطَانُ.
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٤) [عن حُذَيفَةَ رَ﴿به، في ذلك مَعنَى غَرِيبٌ،
وهُو كَرَاهَةُ التَّفَرُّقِ في المسجِدِ بعدَ الاجتماعِ فيه، ولَفُظُهُ: إِنِّي لأكرَهُهُ؛
يَعْنِي: التَّطَوُّعَ في المسجِدِ بعدَ الفَرِيضَةِ، بَيْنَا(٥) هُم جَمِيعًا في الصَّلاةِ: إِ(٦)
اختَلَفُوا .
وهذا قَد يَقْتَضِي الفَرقَ بَيْنَ النَّافِلَةِ التي بعدَ الفَرِيضَةِ، والنَّافِلَةِ التي قبلَها .
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ)) أيضًا](٧) عن رَجُلٍ من الصَّحَابَةِ؛ أنَّه قال:
تَطَوُّعُ الرَّجُلِ فِي بَيتِهِ، يَزِيدُ على تَطَوُّعِهِ عِندَ النَّاسِ؛ كَفَضلِ صَلاةِ الرَّجُل في
جَماعَةٍ على صَلاتِهِ وحدَهُ.
وبالغَ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي ليلى، فَرَأى أنَّ سُنَّةَ المغرِبِ لا يُجزِئُ
فِعلُها في المسجِدِ، حَكَاهُ عَبدُ الله بنُ أحمَدَ في ((المُسنَدِ))، عَقِبَ حَدِيثِ مَحمُودٍ بِنِ
لَبيدٍ (٨)، فقال: قُلتُ لأبي: إنَّ رَجُلًا قال: مَن صَلى رَكعَتَينِ بعدَ المغرِبِ (٩ في
المسجِد٩ِ) لم تُجزِئهُ(١٠)، إلا أن يُصَلِيَهُما في بَيتِهِ؛ لأنَّ النَّبِي وََّ قال: «هذه مِن
(١) الاستذكار (٢٥٨/٢).
(٣)
ليس في: (ح).
(٢) في (ح): ((اختلف)).
(٤) ابن أبي شيبة (٢٤٥/٢) (٦٤٢٤).
(٥)
في (المطبوع): ((بينما)). وهما بمعنىٍ. (٦) في (ح، م): ((إذا)).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ت). والأثر عند ابن أبي شيبة (٢٥٦/٢) (٦٥١٦).
(٨) المسند (٤٢٨/٥).
(١٠) في (م): ((يجزئه)).
(٩ - ٩) ليس في: الأصل.

١٩
بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
=
صَلَواتِ البَيتِ)). قال: مَن هذا؟ قُلت: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ. قال: ما أحسَنَ
ما قال، أو قال: ما أحسَنَ ما نَقَلَ أوِ انتَزَعَ.
وفي ((المُغنِي))(١) لابنِ قُدَامَةَ، قِيلَ لأحمَدَ: يَعنِي: بعدَ أن ذَكَرَ فِعلَ سُنَّةٍ
المغرِبِ في البَيتِ: فإن كان مَنزِلُ الرَّجُلِ بَعِيدًا؟ قال: لا أدرِي، وذلك لما رَوى
سَعدُ(٢) بنُ إسحَاقَ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أنَّ النَّبيِ﴿ أَتَاهُم في مَسجِدٍ
بَنِي عَبدِ الأشهَل، [١٧٩/١و] فَصَلى المغرِبَ، فَرَآهُم يَتَطَوْعُونَ بعدَها، فقال: ((هذه
صَلاَةُ الْبُيُوتِ)). رَواهُ أبو داودَ(٣).
وعن رَافِعٍ بِنِ خَدِيجٍ، قال: أَتَانَا النَّبِي وَِّ فِي بَنِي عَبدِ الأَشهَل، فَصَلى بِنَا
المغرِبَ في مَسجِدِنَا، ثم قال: ((اركَعُوا هاتَينِ الرَّكعَتَينِ في بُيُوتِكُم)). رَواهُ
ابنُ ماجَه(٤). انتَهَى.
ويُستَثَنَى مِن تَفضِيل(٥) النوافل في البيتِ، ما شُرِعَت فيه الجَماعَةُ؛ كَالِعِيدٍ،
والكُسُوفِ، والاستِسقَاءِ، وكَذلك التَّنَفَّلُ يَومَ الجمُعَةِ قبلَ الزَّوال، وبعدَهُ، فَفِعلُهُ
في المسجِدِ أفضَلُ، لاستِحبابِ التَّكِيرِ للجُمُعَةِ، حَكَاهُ الجرجَانِيُّ في ((الشَّافي))(٦)
عن الأصحَابِ، ونَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في ((الأُمِ)) (٧) فقال: وجَمِيعُ النوافل في البَيتِ
أحَبُّ إِلَيَّ مِنها ظَاهِرًا(٨)، إلا في يَومِ الجُمُعَةِ. انتَهَى.
وكذا: رَكعَتَا (٩) الطَّوافِ، وَرَكعَتَا الإِحرَامِ، إن كان عِندَ المِيقَاتِ مَسجِدٌ،
كَما صَرَّحَ بِهِ أصحَابُنَا، حَكَاهُ عنهُمُ النَّووِيُّ(١٠)، في الحَجِّ، وكَذا ما يَتَعَيَّنُ له
المسجِدُ؛ كَتَحِيَّةِ المسجِدِ، واللهُ أعلمُ.
(١) المغني (٥٤٣/٢، ٥٤٤).
(٣) أبو داود (١٣٠٠).
(٥) في (م): ((تفصيل)).
(٦) الشافي في الفقه الشافعي، لأبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد الجرجاني الشافعي
(ت٤٨٢هـ)، وهو كتابٌ كبيرٌ في أربع مجلدات، قليل الوجود بين الشافعية. ينظر:
كشف الظنون (١٠٢٣/٢).
(٧) الأم (٤٩٩/٢).
(٩) في الأصل: ((ركعتى)).
(١٠) شرح مسلم (٦٧/٦)، وروضة الطالبين (١/ ١٩٣).
(٢) في الأصل، (ح): ((سعيد)).
(٤) ابن ماجه (١١٦٥).
(٨) في (م): ((طاهرًا)).

٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ السَّادِسَةُ: فيه استِحبابُ رَكعَتَينِ بعدَ صَلاةِ الجمُعَةِ. وفي ((صحيحٍ
مسلم))(١) عن (٣٨/٣م) أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا صَلى أحَدُكُمُ (٢)
الجمَّعَةَ فَليُصَل بعدَها أربَعًا)). وفي رِوايَةٍ له(٣): ((إذا صَلَّيتُم بعدَ الجُمُعَةِ: فَصَلَّوا
أربَعًا)). وفي رِوايَةٍ له (٤): ((مَن كان مِنكُم مُصَليًا بعدَ الجُمُعَةِ: فَلَيُصَل أربعًا)).
ونَقَلَ النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٥)، عن ابنِ القَاصِّ(٦)، وآخَرِينَ: استحبابَ
أربَعِ بعدَها، ثم قال: ويَحصُلُ أيضًا بِرَكَعَتَيْنِ. انتَهَى.
وهُما نَصَّانِ للشَّافِعِيِّ؛ نَصُّ في ((الأُمِ)) (٧) في بابٍ صَلاةِ الجُمُعَةِ والعِيدَينِ،
مِن كِتَابِ اختِلافِ عَليٍّ وابنِ مَسعُودٍ: على أربَعٍ. ونَقَلَ التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِهِ))(٨)،
عن الشَّافِعِيِّ: استحبابَ رَكعَتَينٍ .
والظّاهِرُ أنَّ النَّصَّينِ مَحمُولانِ على الأكمَل والأقَل، وقَد صَرَّحَ بِهِ
صَاحِبُ ((التَّهذِيبِ))، ويُوافِقُهُ قَولُ النَّوِيِّ في ((التَّحقِيقِ)): إنَّها في ذلك كَالظّهرِ.
وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ، وابنُ بَطَالٍ، وابنُ العَرَبي(٩)، عن الشَّافِعِيِّ؛ أنَّه قال:
ما أكثَرَ المُصَلي من التَّطوُّعِ بعدَ الجمُعَةِ فَأحَبُّ إِلَيَّ.
ونَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ، وصَاحِبُ ((المُفهِم))(١٠) عن الشَّافِعِيِّ، والكُوفیینَ:
أنَّهم اختَارُوا الرُّكُوعَ بعدَ الجمُعَةِ سِتَّا أو أربَعًا.
(١) مسلم (٨٨١/ ٦٧).
(٢) بعدها في (ح): ((يوم)).
(٣) مسلم (٦٨/٨٨١).
(٤) مسلم (٦٩/٨٨١).
(٥) روضة الطالبين (٣٣٣/١).
(٦) هو شيخ الشافعية: أبو العباس أحمد بن أبي أحمد، المعروف بابن القاص الطبري،
وهو تلميذ ابن سريج (ت٣٣٥هـ) مرابطًا بطرسوس، صنف في المذهب: كتاب المفتاح،
وأدب القاضي، وكتاب المواقيت. سير أعلام النبلاء (٣٧١/١٥)، وطبقات الشافعية
لابن السبكي (٥٩/٣)، وكشف الظنون (١٧٦٩/٢).
(٧)
الأم (٨/ ٤٠٧).
(٨) ليس في: الأصل.
(٩) التمهيد (١٧١/١٤)، وشرح ابن بطال للبخاري (٥٢٥/٢)، وعارضة الأحوذي
(٢٢٥/٢).
(١٠) إكمال المعلم (٧٠/٣، ٧١)، والمفهم (٣٦٦/٢).