Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ تُدفَنُ))(١) فَلم يُثبِتِ لَهَا حُكمَ السَّيِّئَةِ بِمُجَرَّدٍ إِيقَاعِهَا فِي المَسجِدِ، بَل بِذلك وبِبَقَائِهَا غَيرَ مَدِفُونَةٍ . قلتُ: ويَدُلُّ عليه أيضًا: إذنُهُ في ذلك في حديثِ البَابِ، بِقَولِهِ (٢/ ٣٨٢م): ((أو تَحتَ رِجَلَيهِ فَيَدِفِنُهُ)). إن حَمَلنَا الحديثَ على إرَادَةِ كَونِهِ في المَسجِدِ، كما تَقدمَ، وهو مُصَرَّحٌ بِهِ في حديث أبي سَعِيدٍ، وأبي هريرةَ، المَذكُورِ في أولِ هذا البَابِ. الرَّابِعَةُ: عَلَّلَ النَّهيَ عن البُصَاقِ أمَامَهُ بِكَونِهِ مُنَاجِيًا لهِ، وعَلَّله في حديثٍ ابنٍ عُمَرَ (٢) بَعدَه: ((فإنَّ(٣) اللهَ قِبَلَ وجهِهِ إِذَا صَلَّى)). وفي حديثٍ لأبي هريرةَ، عِندَ مُسلِم (٤): ((مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُستَقِبِلَ (٥) رَبّهُ، فَيَتَتَخَّعُ أَمَامَهُ)). ولا مُنَافَاةَ بَينَ ذلك: فَإِنَّ المُرَادَ إقبَالُ اللهِ تعالى عليه، كما سَيَأْتِي. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): وهذا كَلامٌ خَرَجَ على التَّعظِيمَ لِشَأْنِ(٧) القِبلَةِ وإِكَرَامِهَا. قال: وقد نَزَعَ(٨) بِهذا(٩) الحديثِ بَعضُ مَن ذَهَبَ(١٠) مَذْهَبَ المُعتَزِلَةِ في (١١) أنَّ اللهَ تعالى في كُلِّ مَكَان، ولَيسَ على العَرشِ، قال: وهذا جَهلٌ مِن قَائِلِهِ؛ لأنَّ قَوله في الحديثِ: ((يَبزق(١٢) تَحتَ(١٣) قدمِهِ، وعن يَسَارِهِ)). يَنقُضُ مَا أصَّلُوهُ في أنَّه في كُلِّ مَكَان. هذا كَلامُ ابنِ عَبدِ البَرِّ، وهو أحَدُ القَائِلِينَ بِالجِهَةِ، فَاحذَرَهُ، وإنَّمَا ذَكَرتُه لأنبه عليه، لِثَلا يُغتَرَّ بِهِ (١٤). فجعله من الصدر: بالعين، ومن الرأس بالميم. ينظر: الصحاح (١٢٨٨/٣)، والمشارق = (٦/٢)، وتاج العروس (٢٣٦/٢٢). (١) مسلم (٥٥٣/ ٥٧). (٣) في (م): ((بأن)). (٥) في (م): ((مستقبلًا)). (٧) في (ك): ((لبيان)). (٨) في (م): ((نوع)). (١٠) بعده في (ك): ((إلى)). (١٢) في الأصل، (م): ((يبصق)). (١٤) بل الذي حكاه ابن عبد البر، هو إجماع الصحابة والتابعين، بلا خلافٍ بينهم، وإنما = (٢) البخاري (٧٥٣). (٤) مسلم (٥٥٠/ ٥٣). (٦) التمهيد (١٥٧/١٤، ١٥٨). (٩) في (ح): ((هذا)). (١١) في (م): ((إلى)). (١٣) في (ك)، (ح): ((عن)). وهما روايتان. ٤٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والصَّوابُ مَا قدمنَاهُ، بِدَلِيلِ مَا لِلقَاضِي (١) إسمَاعِيل، بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، مِن حديثٍ حُذَيفَةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَه قال: ((إِذَا قَامَ الرَّجُلُ فِي صَلاتِهِ: أقبَلَ اللهُ تعالى عليه بِوجهِهِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أحَدُكُم في قِلَتِهِ))(٢)، الحديثَ. وقال صَاحِبُ ((المُفهِم)): إنَّه لما كَانَ المُصَلِّ يَتَوجَّهُ بِوجهِهِ وقَصدِهِ وُلِّيَّتِهِ إلى هَذِهِ الجِهَةِ، نَزَّلَهَا فيَ حَقِّهِ وُجُودَ مَنزِلَةِ اللهِ تعالى، فَيَكُونُ هذا مِن بَابٍ الاستِعَارَةِ، كما قال: ((الحَجَرُ الأسودُ يَمِينُ اللهِ في الأرضِ))(٣)؛ أي: بِمَنْزِلَةِ یَمِینِ اللهِ. قلتُ: وقد أوَّلَ الإمَامُ أحمَدُ هذا الحديثَ (٤). أحدثت هذه المقالة بعدهم، وأنكرها العلماء على محدثها إنكارًا بليغًا، حتى قال شيخ = الإسلام: من قال: إن الله تعالى بذاته في كل مكان. فهو مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، بل هو مخالف للملل الثلاث، بل الخالق لز بائن من المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقال: إثبات علو الله تعالى معلوم بالاضطرار من الكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف الأمة. ينظر: نقض التأسيس (٢١٧/١ - ٣٦٩)، (١٤/٢، ١٣)، درء التعارض (٢٥٣/١)، (٣١٩/٦ - ٣٥٢)، (٢٧/٧)، ومنهاج السُّنَّة (٥٥٨/٢)، وبيان تلبيس الجهمية (١١٥/٢، ومعظم المجلد)، والقاعدة المراكشية (ص٣٥)، طبعة دار طيبة، ومجموع الفتاوى (١٢١/٥)، وأقاويل الثقات (ص١٠٢). (١) في (ك): ((قال القاضي)). (٢) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٢٢). (٣) أخرجه ابن خزيمة (٢٧٣٧)، والطبراني في الأوسط (٥٦٧)، والحاكم في المستدرك (٤٥٧/١) من حديث عبد الله بن عمرو، وينظر: العلل المتناهية (٨٥/٢). (٤) هذا النقل عن الإمام أحمد غير مُحَرَّرٍ، والذي ذكره عن الإمام أحمد هو الغزّالي، كما في الإحياء (١٠٣/١)، وعنه الرازي في أساس التقديس (ص٨١)، وهي رواية ذكرها من أصحاب أحمد؛ حنبل، كما في الجوهر المحصل (ص٥٨)، وأحال عليها القاضي أبو يعلى في إبطال التأويل (ص٦١)، وعنه ابن الجوزي في زاد المسير (٢٢٥/١). ولا يخفى جنوحهم إلى مذهب التعطيل؛ فحاصل من نقل هذا عن الإمام أحمد؛ اثنان هما: الغزّالي، وحنبل، والمتواتر عن الإمام أحمد بخلاف ذلك، ناهيك عن اضطراب النقل في ذلك من الغزّالي وعنه، وكون حنبل ممن ينفرد بالمناكير عن الإمام أحمد. ينظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١١٦٣/٣ - ١١٦٩)، تأليف: الدكتور عبد الرحمن المحمود. طبعة مكتبة الرشد بالرياض. بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ ٤٠٣ قال القُرطُبِيُّ(١): وقد يَجُوزُ: أن يَكُونَ مِن بَابِ حَذْفِ المُضَافِ، وإِقَامَةِ المُضَافِ إِلَيهِ مَقَامَهُ، فَكَأنَّه قال: مُستَقبِلَ قِبِلَةَ رَبِّهِ، أو رَحمَةَ رَبِّهِ، كما قال في الحديثِ الآخَرِ: ((فَلا يبصُق (٢) قِبَلَ القِلَةِ، فَإِنَّ الرَّحمَةَ تُواجِهُهُ)) . قلتُ: ولا أحفَظُ هذا اللفظَ في البُصَاقِ، وإِنَّمَا هو في مَسح الحَصَا، كما رَواهُ أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ)) [١٦٣/١ظ] مِن حديثٍ أبي ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ وَّهه قال: ((إِذَا قَامَ(٣) أحَدُكُم إلى الصَّلاةِ: فَلا يَمسَحِ الحَصَى، فَإِنَّ الرَّحمَةَ تُواجِهُهُ))(٤). الخَامِسَةُ: هل المُرَادُ بِقَولِهِ: ((مَا دَامَ في مُصَلاهُ))؛ أي: في(٥) المَكَانِ الذي صَلَّى فيه، أو (٦) المَسجِدِ الذي صَلَّى فيه، أو المُرَادُ بِالمُصَلَّي نَفْسُ الصَّلاةِ؟ والأولُ: هو الحَقِيقَةُ، فَحَملُهُ عليه أولَى، ويَدُلُّ على الثَّانِي: قَولُهُ في حديثِ ابنِ عُمَرَ بَعدَهُ: ((فَإِنَّ اللهَ [قِبَلَ وجهِهِ إِذَا صَلَّى))(٧)، واللهُ أعلم] (٨). ■ السَّادِسَةُ: عُلِّلَ النَّهيُ عن البُصَاقِ عن الْيَمِينِ: ((بأنَّ(٩) عن يَمِينِهِ مَلَكًا)). قال صَاحِبُ ((المُفهِم))(١٠): ويُقَالُ على هذا، إن (٣٨٣/٢م) صَحَّ هذا التَّعلِيلُ، لَزِمَ عليه ألَّا يَبْزُقَ عَن يَسَارِهِ، فَإِنَّ عليه أيضًا مَلَكًا، بِدَلِيلٍ قَوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَِّالِ فَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. قال: والجَوابُ، بَعدَ تَسلِيم أنَّ على شِمَالِهِ مَلَكًا: أنَّ مَلَكَ اليَمِينِ أعلَى وأفضَلُ، فَاحتُرِمَ بِمَا لم يُحتَرَم بِهِ غَيْرُهُ، واللهُ تعالى أعلمُ. ا السَّابِعَةُ: أُطلِقَ في هذا الحديثِ: الإذنُ في أن يَبصُقَ عن شِمَالِهِ، وهو مَحمُولٌ على: مَا إذَا كَانَ جِهَةُ شِمَالِهِ فَارِغًا مِنِ المُصَلَّينَ؛ بِدَلِيلِ مَا رَواهُ أصحَابُ ((السُّنَنِ))، مِن حديثٍ طَارِقٍ بنِ عَبدِ اللهِ المُحَارِبِيِّ، في هذا الحديثِ، فقال: (١) المفهم (١٥٨/٢، ١٥٧). (٢) في (م): ((تبصق)). (٣) في (ك): ((صلى)). (٤) أبو داود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي (١١٩٠)، وابن ماجه (١٠٢٧). (٦) بعده في (ح): ((في)). (٥) ليس في: (ك). البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٠/٥٤٧). (٨) ليس في: (ك). (٧) (٩) في (م): ((فإن)). (١٠) المفهم (١٥٩/٢). ٤٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ((ولَكِن عن (١) تِلِقَاءِ يَسَارِهِ، إِن كَانَ فَارِغًا، أو تَحتَ قدمِهِ الْيُسرَى))، قال التِّرمِذِيُّ: حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢)، وكَذَا يَدُلُّ (٣) عليه: قَولُهُ في بَعضِ طُرُقِ حديثٍ أبي هريرةَ، عِندَ مُسلِمٍ: ((فَلَيَتَنَثَّع عن يَسَارِهِ تَحتَ قدمِهِ، فَإن لم يَجِد فَلَيَقُل هَكَذَا))(٤)؛ أي: فَإن لم(٥) يَجِد جِهَةَ شِمَالِهِ فَارِغًا . قلتُ: وَكَذَا لَو كَانَ يُصَلِّ مَثَلًا في الرَّوضَةِ الشَّرِيفَةِ، ولَو(٦) لم يَكُن على يَسَارِهِ مُصَلِّ آخَرُ، حَيثُ قُلنَا: بِجَوازِ البُصَاقِ فِي المَسجِدِ ودَفنِهِ، احتِرَامًا لِجِهَةِ القَبرِ الشَّرِيفِ، وهذا واضِحٌ. ■ الثَّامِنَةُ: اقتَصَرَ في هذا الحديثِ: في الإذنِ في البُصَاقِ على جِهَةٍ الشِّمَالِ، أو تَحتَ الرِّجلِ. وقد ورَدَ في حديثٍ آخَرَ: الإذنُ في البُصَاقِ خَلفَهُ، رَواهُ النَّسَائِيّ في(٧) حديثٍ طَارِقٍ المُحَارِبِيِّ، وفيه: ((وابصُق خَلفَك، أو تِلِقَاءَ شِمَالِك، إِن كَانَ فَارِغًا)»، الحديثَ. ورَواهُ التِّرمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، ولم يَقُل: ((إن كَانَ فَارِفًا))(٨). ■ التَّاسِعَةُ: وقَعَ في روايةٍ (٩) ((المُسنَدِ)): ((أو تَحتَ رِجلَيهِ)(١٠)، هَكَذَا بِالتَّثْنِيَةِ، وفي رِوايَةِ الْبُخَارِيِّ، لِهذا الحديثِ: ((أو تَحتَ قدمِهِ فَيَدِفِنُهَا))(١١)، هَكَذَا بِالإفرَادِ. وهو الصَّوابُ؛ لأنَّ المُرَادَ بِهِ الرِّجلُ اليُسرَى، كما ثَبَتَ في ((الصَّحِيحَينِ))، مِن حديثِ أبي سَعِيدٍ: ((ولَكِن عن يَسَارِهِ، أو تَحتَ قدمِهِ اليُسرَى))(١٢)، وكَذَا مِن حديث أبي هريرةَ، الذي مع حديثٍ أبي سَعِيدٍ، ولم يَسُق مُسلِمٌ لَفِظَهُ(١٣)، وهَكَذَا تَدُلُّ(١٤) عليه الرِّوايَةُ التي لم يَقُل فيها: ((أو))، كما سَيَأْتِي في الوجهِ الذي يَلِیهِ. (١) ليس في: (م). أبو داود (٤٧٨)، والترمذي (٥٧١)، والنسائي (٧٢٥)، وابن ماجه (١٠٢١). (٢) (٣) في (ك): ((دل)) . (٥) ليس في: (ك). في (ك): ((من)). (٧) (٩) ليس في: الأصل، (م). (١١) البخاري (٤١٦). (٤) مسلم (٥٥٠/ ٥٣). (٦) في (ك): ((و)). (٨) الترمذي (٥٧١)، والنسائي (٧٢٥). (١٠) أحمد (٣١٨/٢). (١٢) البخاري (٤١٤)، ومسلم (٥٤٨/ ٥٢). (١٣) البخاري (٤٠٨، ٤٠٩)، ومسلم (٥٥٠). (١٤) ليس في: (ك). بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ ٤٠٥ = العَاشِرَةُ: وقَعَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ: ((أو تَحتَ))، وكَذَا في أكثَرٍ(١) الرِّوايَاتِ: بِإِثْبَاتِ: ((أو))، كما في حديثِ أبي سَعِيدٍ المتفقِ عليه، وحديثِ أنَسٍ. وبَعضِ طُرُقِ حديثٍ (٢) أبي هريرةَ، عِندَ البُخَارِيِّ، ووقَعَ عِندَ مُسلِمٍ في حديثٍ أَنَسٍ: ((وَلَكِن عن شِمَالِهِ، تَحتَ قدمِهِ))(٣)، وكَذَا فِي بَعضِ طُرُقٍ حديثٍ أبي هريرةَ عِندَهُ. فَيَحتَمِلُ: أن يَكُونَ المُرَادُ بِجِهَةِ الشِّمَالِ: كَونَهُ تَحتَ قدمِهِ (٣٨٤/٢م) اليُسرَی. قال صَاحِبُ ((المُفهِم))(٤): وظَاهِرُ ((أو)): الإِبَاحَةُ، أوِ التَّخِيرُ، فَفي أيِّهِمَا بَصَقَ لم يَكُن بِهِ بَأسٌ. قال: وإِلَيهِ يَرجِعُ مَعنَى قَولِهِ: ((عن شِمَالِهِ: تَحتَ قدمِهِ)). ] الحَادِيَةَ عَشرَ: قال صَاحِبُ ((المُفهِم))(٥): إنَّ هذا النَّهيَ؛ أي: في البُصَاقِ على اليَمِينِ، مع التَّمَكُّنِ مِنَ البُصَاقِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْيَمِينِ، فَلَوِ اضطُرَّ إلى ذلك جَازَ، انتَهَى. ومَا أدرِي مَا أَرَادَ بِالاضطِرَارِ إلى ذلك، هل أرَادَ بِكَونِ جهةٍ (٦) اليَسَارِ مَشْغُولَةً بِمُصَلِّي (٧) أو بِمُحتَرَمِ، وعلى هذا: فَيَقْتَضِي تَقْدِيمَ مُرَاعَاةِ المُصَلِّي على جِهَةِ المَلَكِ، مع مَا في جِهَةِ اَلْيَمِينِ مِنَ الشَّرَفِ؟ وأيضًا: فَمعهُ أيضًا تَحتَ رِجِلِهِ اليُسرَى، فَمَا الذي يَصرِفُهُ عنهَا؟ يَحْتَمِلُ: أن (٨) يَكُونَ بِقُربِهَا مُصحَفٌ أو أحَدٌ جَالِسٌ، واللهُ أعلم. وقال أبو الوليدِ البَاجِيُّ: لا بَأسَ أن يَبصُقَ(٩) عن يَمِينِهِ ويَسَارِهِ وأمَامِهِ، إِذَا كَانَ بِسُترَةٍ (١٠)، والأفضَلُ: أن يَبصُقَ (١١عن يَسَارِه١١ِ): رَواهُ ابنُ نَافِعِ، (١) ليس في: (ك). (٣) مسلم (٥٥١/ ٥٤). (٥) المفهم (١٥٩/٢). (٧) في (م): ((بمصل)). (٩) بعده في: الأصل، (ك) ((على)). (١١ - ١١) ليس في: (ك). (٢) ليس في: (ح). (٤) المفهم (١٦٠/٢). (٦) ليس في: (م). (٨) ليس في (ك). (١٠) في (م): ((يستره)). = 22 ٤٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عن مَالِكٍ(١). قال: ((ورَأى أوسُ بنُ أبي أوسِ النَّبِيَّ بَّهِ يُصَلَّي [١٦٤/١و] وعليه نَعلاهُ، قال: ورَأيته يَبْصُقُ عن يَمِينِهِ ويَسَارِهِ))(٢) . قلتُ: والحديثُ عِندَ ابنِ مَاجَه(٣)، مُقتَصِرًا على الصَّلاةِ في النَّعلَينِ، دُونَ البُصَاقِ على (٤) اليَمِينِ . ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: فِي قَولِهِ: ((فَيَدِفِنُهُ)): مَا يَقتَضِي: أنَّ التَّرَخّصَ فِي الْبُصَاقِ في المَسجِدِ: هو مَا إِذَا كَانَ فِرَاشُ المَسجِدِ: حَصَّى أو تُرَابًا، دُونَ مَا إِذَا كَانَ: رُخَامًا أو بَلاَطًا أو بُسُطًا (٥) أو حُصرًا. وقد حَكَاهُ صَاحِبُ ((المُفهِم)) عن بَعضِهِم، فقال(٦): وقد سَمِعنَا مِن بَعضٍ مَشَابِخِنَا: أنَّ ذلك إنَّمَا يَجُوزُ، إذَا لم يَكُن في المَسجِدِ إلا التُّرَابُ أو الرَّملُ، كما كَانَت مَسَاجِدُهُم في الصَّدرِ الأولِ. فَأمَّا(٧) إذَا كَانَ(٨) في المَسجِدِ بُسُطٌ، ومَا له بَالٌ مِنَ الحُصُرِ (٩)، مِمَّا يُفسِدُهُ الْبُصَاقُ ويُقْذِرُهُ: فَلا يَجُوزُ، احتِرَامًا لِلمالية (١٠). قلتُ: قد ورَدَ (١١ دلكُهَا بِالنَّعلِ(١) عِوضًا عن الدَّفنِ: فيمَا رَواهُ مُسلِمٌ مِن حديثٍ عَبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ: قال: ((صَلَّيتُ مع رسولِ اللهِ وَّةِ، فَرَأيته تَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا(١٢) بِنَعلِهِ))(١٣)، وهذا يَحتَمِلُ: أن يَكُونَ أيضًا في تُرَابٍ أو حَصْبَاءَ فَيَحصُلُ بِدَلِكِهَا(١٤): دَفْتُهَا في التُّرَابِ. (١) ينظر: تهذيب المدونة (١٠٢/١)، ومواهب الجليل (٤٤٧/٢)، والشرح الكبير للدردير (٣٣٥/١). الطبراني (٢١٩/١) ح (٥٩٧). (٢) (٤) في (ح): ((عن)). المفهم (٢ / ١٦٠). (٦) (٧) في (ح): ((قلنا)). وهو خطأُ مغير للمعنى. (٨) في (م): ((كانت)). (١٠) في (م): ((للملائكة)). (١٢) في (ك): («فدَّكها)). (١٤) في (ك): ((بدكها)). (٣) ابن ماجه (١٠٣٧). (٥) في (م): ((بساطًا)). (٩) في (م): ((الحصير)). (١١ - ١١) في (م): ((ولكنها بالنقل)). (١٣) مسلم (٥٨/٥٥٤). بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ ٤٠٧ وقال البَاجِيُّ: لَيسَ له أن يَبصُقَ في الأرضِ ويَحُكَّهُ بِرِجلِهِ؛ لأنَّ ذلك يُقذِرُ المَوضِعَ لِمَن أَرَادَ الجُلُوسَ فيه. قلتُ: قد رَوى أبو دَاوُدُ(١)، مِن رِوايَةِ أبي سَعدٍ(٢)، قال: ((رَأيت واثِلَةَ بنَ الأسقَعِ، في مَسجِدٍ دِمَشقَ: بَصَقَ (٣) على البُورِيِّ، ثُمَّ مَسَحَهُ بِرِجِلِهِ، فَقِيلَ له: لِمَ فَعَلت هذا؟ قال: لأنِّي رَأيت رسولَ اللهِ نَّهِ يَفْعَلُهُ)). والبُورِيُّ: الحَصِيرُ المَعمُولَةُ مِنَ القَصَبِ، قالهُ الهَرَوِيُّ في ((الغَرِيبَينِ)»(٤)، وعلى هذا؛ فَهِيَ لا تَفسُدُ (٣٨٥/٢م) بِذلك، والحديثُ أيضًا لا يَصِحُّ. ■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: فِيه بَيَانُ طَهَارَةِ الْبُصَاقِ والنُّخَامَةِ، إذ لَو لم يَكُن طَاهِرًا: لَمَا أَمَرَ بِدَفنِهِ في المَسجِدِ، ولا بِأن يَبزُقَ (٥) في ثَوبِهِ ويُدَلِّكَهُ، كما ثَبَتَ في الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وهو كذلك. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦): ولا أعلم خِلافًا في طَهَارَةِ البُصَاقِ، إلا شَيئًا يُروى عن سَلَمَانَ(٧)، والسُّنَنُ الثَّابِتَةُ تَرُدُّهُ. وحَكَاهُ الزّكِيُّ(٨) عَبدُ العَظِيم في ((حَواشِيهِ على السُّنَنِ))، عن النَّخَعِيّ(٩) أيضًا. الرَّابِعَةَ عَشرَ: في أمرِهِ وَّرَ بِدَفْنِ النُّخَامَةِ في المَسجِد: دَلِيلٌ على تَنِظِيفِ المَسجِدِ (١٠)، وتَنزِيهِهِ عَمَّا يُستَقْذَرُ، وهو كذلك. ورَوى أبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه، مِن حديثٍ عَائِشَةَ قالت: ((أمَرَ رسولُ اللهِ وَهُ (١) أبو داود (٤٨٤). (٢) في (م): ((سعيد)). وهو أبو سعد الشامي الحمصي، ويقال: أبو سعيد، وهو مجهول. ينظر: تهذيب الكمال (٣٤٥/٣٣)، الميزان (٥٢٩/٤). (٣) في الأصل، (م): ((يبصق)). (٤) ينظر: النهاية (١/ ١٦٢). (٥) في الأصل، (م): ((يبصق)). (٦) الاستذكار (٤٤٨/٢). الفارسي الصحابي: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٠) (١٤٩٧). (٧) (٨) في (م): ((الذَّكي». (٩) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٥/١) (١٧٦٥). وينظر: معالم السنن (٢٦٤/١)، وشرح النووي على مسلم (٤٠/٥)، والمحلى (١٣٩/١). (١٠) ليس في (ك). = ٤٠٨ 2 طرح التثريب في شَرْحِ الَّقْرِیبِ بِنَاءِ المَسَاجِدِ (١) في الدُّورِ، وأن (٢ تُتَظَّفَ وتُطَيَّبَ (٢)(٣). ■ الخَامِسَةَ عَشرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٤): وفي حُكمِ البُصَاقِ فِي المَسجِدِ: ( تَنزِيهُهُ عن٥) أن يُؤكَلَ فيه، مِثلُ البَّلُوطِ(٦)، والزَّبِيبِ لِعَجَمِهِ (٧)، ومَا له دَسَمٌ وتَلوِيثٌ، وحَبِّ رَقِيقٌ، ومَا يَكِنِسُهُ المَرءُ مِن بَيْتِهِ. ■ السَّادِسَةَ عَشرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: فيه أنَّ لِلمُصَلِّ أن يَبصُقَ، وهو في الصَّلاةِ، إذَا لم يَبصُق قِبَلَ وجهِهِ، ولا يَقطَعُ ذلك صَلاتَهُ، ولا يُفسِدُهَا: إذَا غَلَبَهُ ذلك، واحتَاجَ إِلَيهِ، ولا يَبصُقُ قِبَلَ وجهِهِ ألبَّةَ(٨). ■ السَّابِعَةَ عَشرَ: في إِبَاحَةِ البُصَاقِ في المَسجِدِ لِمَن غَلَبَهُ ذلك: دَلِيلٌ على أنَّ النَّفخَ والتَّنَحنُحَ في الصَّلاةِ، إذا لم يَقصِد بِهِ صَاحِبُهُ اللعِبَ والعَبَثَ، وكَانَ يَسِيرًا: لا يَضُرُّ المُصَلِّيَ فِي صَلاتِهِ، ولا يُفْسِدُ شَيْئًا مِنهَا؛ لأنَّه قَلَّ مَا يَكُونُ بُصَاقُ: إلا ومعهُ شَيءٌ مِنَ النَّفْخِ والنَّحتَحَةِ(٩). والبُصَاقُ والنُّخَاعَةُ والنُّخَامَةُ: كُلُّ ذلك مُتَقَارِبٌ. قال(١٠): والتَّنَخُّمُ، والتَّنَخُعُ: [ضَربٌ مِنَ التَّنَحنُحِ، ومَعلُومٌ أنَّ لِلنَّنَهُمْ صَوتًا كَالتَّنَحنُحِ، ورُبَّمَا كَانَ معهُ] (١١) ضَربٌ مِنَ النَّفْخِ عِندَ القَذْفِ بِالبُصَاقِ، فَإن (١٢) قَصَدَ النَّافِخُ أو المُتَنَحنِحُ في الصَّلاةِ بِفِعلِهِ ذلك: اللعِبَ أو شَيْئًا مِنَ العَبَثِ: أَفسَدَ صَلاتَهُ. وأمَّا إِذَا كَانَ نَفخُهُ تَأْوُهَا مِن ذِكرِ النَّارِ إذَا مَرَّ بِهِ ذِكرُهَا في القُرآنِ، وهو في الصَّلاةِ: فَلَا (١٣ شَيءَ عليه١٣). ثُمَّ ذَكَرَ اختلافَ العُلماءِ في ذلك، فَرَوى ابنُ القَاسِمِ، عن مَالِكِ: أنَّه يَقطَعُ الصَّلاةَ النَّفْخُ والتَّنَحنُحُ. (١) في (ك)، (ح): ((المسجد)). (٣) أبو داود (٤٥٥)، وابن ماجه (٧٥٨). (٥ - ٥) ليس في (ك). (٢ - ٢) في (ح): ((ينظف ويطيب)). (٤) الاستذكار (٤٤٨/٢). (٦) بعده في الاستذكار («لقشره)). (٧) العجم: النوى، وكل ما كان في جوف مأكول كالزبيب ونحوه: يقال له: عَجَم. ينظر: الصحاح (١٩٨٠/٥)، وتاج العروس (٦٢/٣٣). (٨) الاستذكار (٤٤٩/٢). (١٠) يعني: ابن عبد البر. (١٢) في (ح): ((وإن)). (٩) في (ح): ((والتنحنح)). (١١) ليس في: (ك). (١٣ - ١٣) ليس في: (ك). بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ ٤٠٩ ورَوى ابنُ عَبدِ الحَكَمِ وابنُ وهبٍ: أنَّه (١) لا يَقطَعُ. وقال أبو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ: يَقطَعُ النَّخُ إِن سُمِعَ. وقال أحمَدُ وإسحَاقُ: لا يَقطَعُ. وقال الشَّافِعِيُّ: مَا لا يُفْهَمُ مِنْهُ حُرُوفُ الهِجَاءِ: فَلَيْسَ بِكَلامِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وقَولُ مَن (٣٨٦/٢م) رَاعَى حُرُوفَ الهِجَاءِ ومَا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ: أصَحُّ الأقَاوِيلِ، إن شَاءَ الله تعالى(٢)، انتَهَى. ومَذهَبُ الشَّافِعِيِّ في النَّحنَحَةِ والضَّحِكِ والبُكَاءِ والنَّفخ والأنِينِ: أنَّه إن بَانَ مِنْهُ حَرِفَانِ بَطَلَت [١٦٤/١ظ] صَلاتُهُ، مَا لم يَكُن مَعذُورًا بِغَلَبَةٍ (٣) أو تَعَذُّرِ (٤) قِرَاءَةٍ الفَاتِحَةِ، مَا لم يُكثِرِ الضَّحِكَ، وإِن كَانَ مَغُلُوبًا: فَإِنَّه يَضُرُّ، والله تعالى أعلمُ. الحديثُ الزَّابِعُ عن نَافِعٍ، عن ابنِ (٥) عُمرَ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ رَأى بُصَاقًّا في جِدَارِ القِبلَةِ، فَجِّكَّهُ، ثُمَّ أقبَلَ على النَّاسِ، فقال: إذَا كَانَ أحَدُكُم يُصَلِّي: فَلَا يَبْصُقِ قِبَلَ وجهِهِ، فَإِنَّ اللَ قِبَلَ وجهِهِ إِذَا صَلَّى))(٦). فيه فوائدُ: الأُولَى: ذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ في «التَّمهِيدِ)»(٧)، عِندَ هذا الحديثِ: إجمَاعَ العُلماءِ أنَّ العَمَلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يَضُرُّهَا . فَمَا أدرِي، هل أرَادَ بِالعَمَلِ القَلِيلِ نَفسَ البُصَاقٍ، أو أرَادَ مَا وَرَدَ في (١) في (ك)، (ح): ((عنه)). (٣) في (ك): ((بفعله)). (٢) التمهيد (١٥٥/١٤ - ١٥٧). (٤) في (ح): ((بعذر)). (٥) ليس في (م). (٦) البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٠/٥٤٧)، والنسائي (٧٢٣). التمهيد (١٥٥/١٤). (٧) ٤١٠ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ حديثٍ آخَرَ، مِن كَونِهِ يَبصُقُ في ثَوبِهِ، أو أرَادَ أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ حَكَّهُ مِنَ القِبِلَةِ وهو في الصَّلاةِ؟ وهو الظَّاهِرُ. فقد رَوى البُخَارِيُّ، مِن رِوايَة الليثِ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: ((رَأى رسولُ اللهِ وَّهِ نُخَامَةً في قِبِلَةِ المَسجِدِ، وهو يُصَلِّي: فَحَتَّهَا، ثُمَّ قال حِينَ انصَرَفَ .. )) (١) الحديثَ. وفي بَعضِ طُرُقِهِ: أَنَّه (٢) كَانَ يَخطُبُ، كما رَواهُ أبو دَاوُد، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، مِن رِوايَةِ أيُّوبَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((بَيتَمَا رسولُ اللهِ وَلَّهِ يَخطُبُ يَومًا: إذ رَأْىِ نُخَامَةً فِي قِلَةِ المَسْجِدِ، فَتَفَيَّظَ على النَّاسِ، ثُمَّ حَكَّهَا، قال: وأحسَبُهُ قال: فدَهَا(٣) بِزَعَفَرَانٍ فَلَطَّخَهُ بِهِ» (٤). ■ الثَّانِيَةُ: اختَلَفَتِ الأحَادِيثُ أيضًا، في البُصَاقِ الذي وجَدَهُ النَّبِيُّ وَّ في القِبِلَةِ: هل كَانَ ذلك في مَسجِدِهِ بَّهِ، أو في مَسجِدٍ آخَرَ؟ فَقِيلَ: إِنَّه كَانَ في مَسجِدِ الأنصَارِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَواهُ مُسلِمٌ، وأبو دَاوُد، مِن رِوايَةٍ عُبَادَةَ بنِ الولِيدِ (٣٨٧/٢م)، قال: أتَينَا جَابِرًا، وهو في مَسجِدِهِ، فقال: (أَثَانَا رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ فِي مَسجِدِنَا هذا، وفي يَدِهِ عُرِجُونُ ابنُ طَابٍ، فَتَظَرَ فَرَأى في قِبَلَةِ المَسجِدِ نُخَامَةً، فَأَقْبَلَ عَلَيهَا، فَحَتَّهَا بِالعُرِجُونِ))(٥) . الحديثُ لَفِظُ أبي دَاوُد. وظَاهِرُ مَا تَقدمَ مِن كَونِهِ كَانَ في الخُطبَةِ: أنَّه كَانَ في مَسجِدِ المَدِينَةِ. والظّاهِرُ: أنَّهمَا واقِعَتَانٍ، أو وقَائِعُ، فَفي قِصَّةٍ مَسجِدِ الأنصَارِ: ((أنَّه حَتَّهَا بِالعُرُونِ))، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٦) مِن حديثِ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ: ((أنَّه حَكَّهَا بِحَصَاةٍ»، وفي قِصَّةِ مَسجِدِ الأنصَارِ: ((أُرُونِي عَبِيرًا، فَقَامَ فَتَّى مِنَ الحَيِّ يَشتَدُّ إلى أهلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ (٧)، فَأَخَذَهُ رسولُ اللهِ وَِّ، فَجَعَله على رَأسِ العُرجُونِ، ثُمَّ لَطَّخَ بِهِ على أثَرِ النُّخَامَةِ»(٨). (١) البخاري (٧٣٥). (٣) في (م): ((قد دعا)). مسلم (٣٠٠٨)، وأبو داود (٤٨٥). (٥) (٧) في (ك): ((راحلته)). (٢) في (ح): ((إذا)). (٤) أبو داود (٤٧٩). (٦) البخاري (٤١٤)، ومسلم (٥٢/٥٤٨). (٨) مسلم (٣٠٠٨). 5 ٤١١ بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلِهِي عن الصَّلاةِ وعِندَ النَّسَائِيِّ مِن حديثٍ أَنَسٍ(١): رَأى نُخَامَةً في قِبِلَةِ المَسجِدِ، فَغَضِبَ حَتَّى احمَرَّ وجهُهُ، فَقَامَتِ امرأةٌ مِنَ الأنصَارِ فَحَكَّتهَا، وجَعَلَت مَكَانَهَا خَلُوقًا، قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (مَا أحسَنَ هذا))(٢)، وفي بَعضِهَا: ((أَنَّه كَانَ في الصَّلاةِ)، وفي بَعضِهَا: ((أنَّه كَانَ يَخطُبُ))، كما تَقْدمَ. فَهذا يَدُلُّ على: اختِلافِ واقِعَتَينٍ، أو وقَائِعَ مِن غَيرِ تَعَارُضٍ، والله تعالى أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: في تَغْلِيظِهِ (٣) على أهلِ المَسجِدِ: تَحْرِيمُ البُصَاقُ في القِبِلَةِ، وقد تَقدمَ في الحدیثِ قَبله. ■ الرَّابِعَةُ: فيه تَنِظِيفُ المَسَاجِدِ وطَهَارَةُ الْبُصَاقِ، وقد تَقْدمَ في الحديثِ قَبله أيضًا . (١) بعده في (م): ((أنه)). (٢) النسائي (٧٢٧). (٣) في (ح): ((تغيظه)). ٤١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَیهِ عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ رَّا، قالت: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِي مِن الليل، وأنَا مُعتَرِضَةٌ بينهُ وبين القِبَلَةِ؛ كَاعِرَاضِ الحِنَازَةِ))(١). فيه فوائدُ: ■ الأُولَى: أَنَّه لَا بَأسَ بالصَّلَاةِ إِلَى النَّائِمِ، وهو كذلك عند الجُمهورِ. وقال مَالكٌ: لَا يُصَلي إلَى نَائِمٍ، إلَّا أن يَكُونَ دُونَهُ سُترَةٌ، وهو قَولُ طَاوُسٍ(٢). قال ابنُ بَطَالٍ(٣): [١٦٥/١و] كَرِهَت طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ الصَّلَاةَ (٣٨٨/٢م) خَلفَ النَّائِم، خَوفَ مَا يَحدُثُ مِنْهُ، فَيَشغَلُ المُصَليَ، أو يُضحِكُهُ؛ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ. قال (٤) مُجَاهِدٌ(٥): أُصَلي ورَاءَ قَاعِدٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أُصَلِيَ ورَاءَ نَائِمِ. قال ابنُ بَطَّالٍ: والقَولُ قَولُ مَن أجَازَ ذلك، للسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ. انتَهَى. وأمَّا مَا رَواهُ أبو دَاوُد(٦) مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، أَنَّ (٧) النَّبِيَّ وَّ قال: ((لَا تُصَلُّوا خَلفَ النَّائِمِ وَلَا المُتَحدثِ (٨). فَإِنَّ في إسنَادِهِ مَن لَم يُسَمَّ. قال الخطابيُّ(٩): لَا يَصِحُّ، قال: وعبدُ اللهِ بنُ يَعقُوبَ لَم يُسَمِّ مَن حَدَّثَهُ البخاري (٣٨٣)، مسلم (٢٦٨/٥١٢). (١) (٢) حكاه ابن بطال في شرح البخاري (١٤٠/٢). (٣) شرح البخاري (٢ /١٤٠). أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٨/٢). (٥) (٧) ليس في (ك). معالم السنن (١٨٦/١، ١٨٧). (٩) (٤) بعده في (ح): ((قال)). (٦) أبو داود (٦٩٤). (٨) في (ك): ((المتحدب)). بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَیهِ ٤١٣ بِهِ، عن مُحَمَّدِ بنِ كَعبٍ، قال: وإنَّمَا رَواهُ عن مُحَمَّدٍ بنِ كَعبِ رَجُلَانِ، كِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ (١): تَمَّامُ بنُ بَزِيع(٢)، وعِيسَى بنِ مَيمُونٍ، وقد تَكَلَّمَ فيهمَا يَحيَى بنُ مَعِينٍ، والبُخَارِيُّ(٣). ورَواهُ أيضًا: عبدُ الكَرِيمِ أبو أُمَيَّةَ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعبدُ الكَرِيمِ: مَترُوكُ الحديثِ (٤). قلتُ: قد رَواهُ عن مُحَمَّدِ بنِ كَعبٍ أيضًا أبو المِقدَامِ، وهو هِشَامُ بنُ زِیَادٍ البَصرِيُّ(٥)، ضَعِيفٌ أيضًا، ولهذا لَمَّا ذَكَرَ النَّوِيُّ الحديثَ في ((الخُلَاصَةِ)) (٦)، قال: اتَّفَقُوا على ضَعِفِهِ. انتَهَى. ومَن كَرِهَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ(٧) حَيثُ اشتُغِلَ بِهِ عن الصَّلَاةِ، قال البُخَارِيُّ في (صَحِيحِهِ))(٨): كَرِهَ عُثْمَانُ أن يُستَقْبَلَ الرَّجُلُ، وهو يُصَلي. قال: [وهذا إذا اشتَغَلَ بِهِ. فَأَمَّا إِذَا لَم يَشتَغِل بِهِ، فقد قال زَيدُ بنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيتُ، إنَّ الرَّجُلَ لا يَقطَعُ صَلاةَ الرَّجُل. قال](٩) الخطابيُ (١٠): فَأمَّا الصَّلَاةُ للمُتَحدثِينَ: فَقد كَرِهَها (١١) الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ؛ مِن أجل أنَّ كَلَامَهُم يَشغَلُ المُصَليَ، وكان ابنُ عُمَرَ لَا يُصَلي خَلفَ رَجُلٍ يَتَكَلَّمُ (١٢)، إِلَّا يَومَ الجُمُعَةِ. (١) بعده في الأصل، (ت): ((كذا)). وكأنهما استشكلا تسمية تمام بن بزيع، بتمام بن زريع، وليس من يتسمى من الرواة بذلك. (٢) في النسخ: ((زريع)). وهو تصحيف. ينظر: التاريخ الكبير (١٥٧/٢)، (٤٠١/٦)، وضعفاء العقيلي (١٦٩/١)، (٣٨٧/٣)، (٣) والجرح والتعديل (٤٤٥/٢)، (٣٨٧/٦)، والمجروحين (٢٠٣/١)، (١١٨/٢)، والكامل لابن عدي (٥١٣/٢)، (١٨٨١/٥). (٤) أخرجه الطيالسي (٢٧٦٧)، والبزار (٤٩٥٢). وينظر: ترجمة عبد الكريم في تهذيب الكمال (٢٥٩/١٨). أخرجه ابن ماجه (٩٥٩). وينظر: الجرح والتعديل (٥٨/٩)، وضعفاء العقيلي (٣٣٩/٤). (٥) (٦) الخلاصة (١ / ٥٢٧). (٨) البخاري (٥١١). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (م). (١٠) معالم السنن (٣٤٢/١). (١٢) في (ح): ((متكلم)). (٧) بعده في (م): ((من)). (١١) في الأصل: ((ذكرهما)). ٤١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ الثانيَةُ: وفيه أنَّ المَرأةَ إذَا كانت بين يَدَي المُصَلي، لَا تَقْطَعُ صَلَاتَهُ، وهو قَولُ الجُمهورِ مِن التَّابِعِينَ، فَمَن بَعدَهُم، وبِهِ قال الثَّورِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، ومَالكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَورٍ، ودَاوُدُ الّاهِرِيُّ. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وأَنَسٍ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وأبي الأحوصِ: أنَّه يَقطَعُ الصَّلَاةَ: الحِمَارُ، والمَرأةُ، والكلبُ. وقال أحمَدُ، وإسحَاقُ: يَقطَعُ الصَّلَاةَ الكَلبُ الأسودُ. قال أحمَدُ: وفي قَلْبِي مِن الحِمَارِ والمَرأةِ شَيءٌ(١). وحُجَّةُ القَائِلينَ بأنَّ المَذكُورَاتِ تَقطَعُ الصَّلَاةَ؛ مَا رَواهُ مسلمٌ (٢) مِن حديثٍ أبي ذَرِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((إذَا قَامَ أحَدُكُم يُصَلي، فإنَّه يَستُرُهُ، إذَا كان بين يَدَيهِ مِثلُ [آخِرَةِ الرَّحلِ؛ فَإِذَا لَم يَكُن بين بَدَيهِ مِثْلُ](٣) آخِرَةِ الرَّحل؛ فإنَّه يَقْطَعُ صَلَاتَهُ: الحِمَارُ، والمَرأةُ، والكَلبُ الأسودُ)). قلتُ(٤): يَا أبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الكَلبِ الأسودِ، مِن الكَلبِ الأحمَرِ، مِن الكَلبِ الأصفَرِ؟ قال: يا ابنَ أخِي، سَأَلَتُ رسولَ اللهِ وَّهَ كَمَا سَأَلَتِنِي، فَقال: ((الكَلبُ الأسودُ شَيطَانٌ)). ورَوى مسلمٌ(٥) مِن حديث أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ المَرأةُ، والحِمَارُ، والكَلبُ، ويَقِي ذلك مِثلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحل)). وأجَابَ أصحَابُ أحمَدَ عن المَرأةِ بِحديثٍ عَائِشَةَ المَذكُورِ، وعن الحِمَارِ بِحديثِ ابنِ عباسٍ في ((الصَّحِيحَينِ)) (٦)، قال: ((أقبَلتُ رَاكِبًا على حِمَارِ أَثَانٍ، وأنَا يَومِئِذٍ قد نَاهَزِتُ الاحتِلَامَ، ورسولُ اللهِ وََّ (٧يُصَلِي بِالنَّاسِ(٧) بِمِنَّى إِلَى غَيرِ جِدَارٍ، فَمَرَرت بين يَدَي بَعضِ الصَّفِّ، فَتَزَلتُ، وأرسَلتُ الأَتَانَ تَرَتَعُ، ودَخَلت في الصَّفِّ، فَلَم يُنكِر ذلك عَلَيَّ أحَدٌ)). (١) ينظر: إحكام الأحكام (ص٢٩٥)، وإكمال المعلم (٤٢٤/٢)، ومسلم بشرح النووي (٤/ ٢٢٧). (٢) مسلم (٢٦٥/٥١٠). (٣) ما بين المعكوفين ليس في (ك). (٤) القائل: هو عبد الله بن الصامت، راوي الحديث عن أبي ذرٍ. (٥) مسلم (٢٦٦/ ٥١١). (٧ - ٧) ليس في (ح). (٦) البخاري (٧٦)، مسلم (٢٥٤/٥٠٤). بَابُ صَلَاَةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَيهِ ٤١٥ وقَولُ ابنِ عباسٍ: ((إِلَى غَيرِ جِدَارٍ)). فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ، فيمَا نَقَلَهُ البَيهَقِيُّ عَنْهُ(١)؛ أي: إِلَى غَيرِ سُترَةٍ. ويَدُلُّ لذلك مَا رَواهُ ((البَزَّارُ))(٢)، بإسنادٍ صَحِيحٍ، في(٣) حديثِ ابنِ عباسٍ هذا، مِن رِوايَةٍ مُجَاهِدٍ: (لَيسَ شَيءٌ يَستُرُهُ يَحُولُ بيننا وبينهُ)) . وقَولُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابنِ دَقِيقِ العِيدِ (٤): إنَّه لَا يَلزَمُ مِن نَفيِ الجِدَارِ نَفيُ السُّتَرَةِ. يَدُلُّ على أنَّه لَم يَقِف على رِوايَةِ ((البَزَّارِ)) المَذكُورَةِ، والله تعالى أعلمُ. وأجَابَ الجُمهورُ عن الكَلبِ بِحديثَينِ: أحَدُهُمَا: مَا رَواهُ ((أبو دَاوُ))(٥)، بإسنادٍ حَسَنٍ، مِن حديثِ الفَضلِ بنِ عباسٍ، قال: ((أَثَانَا رسولُ اللهِ نَّهِ ونَحنُ في بَادِيَةٍ لَنَا، فَصَلَّى في صَحِرَاءَ، لَيسَ بين يَدَيهِ سُنرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا، وكَلبَةٌ تَعَبَثَانِ (٦) بين يَدَيْهِ، فَمَا بَالَا ذَلَكَ)). والحديثُ الآخَرُ: مَا رَواهُ أبو دَاوُد(٧) أيضًا، مِن [١٦٥/١ظ] حديثٍ أبي سَعِيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَقطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ، وادرَؤُوا مَا استَطَعْتُم)). وأجَابَ أصحَابُ أحمَدَ عن الحديثَينِ: بأنَّ حديثَ الفَضل في إسنَادِهِ مَقَالٌ، كَمَا قال الخطابي(٨) . وقال ابنُ حَزمٍ(٩): إنَّه بَاطِلٌ؛ لأنَّ العباسَ بنَ عُبَيدِ الله لَم يُدرِك عَمَّهُ الفَضلَ. انتَهَى. ثُمَّ إِنَّه لَم يَذْكُر فيه صِفَةَ الكَلبِ، وقد يَجُوزُ أن يَكُونَ هذا الكَلبُ لَيْسَ بأسودَ، وبأنَّ حديثَ أبي سَعِيدٍ مِن رِوايَةِ مُجَالدِ بنِ سَعِيدٍ، وقد ضَغَّفَهُ الجُمهورُ، وقد اختَلَطَ أخِيرًا، وهذا مِن رِوايَةِ أبي أُسَامَةً عَنْهُ، وهو مِمَّن سَمِعَ مِنْهُ بَعدَ الاختِلَاطِ. (١) السنن (٢٧٣/٢). (٣) في (ك): ((من)). (٥) أبو داود (٧١٨). في (ك): ((يعيثان))، وفي (م): ((يعبثان)). (٦) (٧) أبو داود (٧١٩). (٩) المحلى (١٣/٤). (٢) مسند البزار (٤٩٥١). (٤) إحكام الأحكام (ص ٢٩٥). (٨) معالم السنن (٣٤٨/١). ٤١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال القُرطُبِيُّ(١) عن الجُمهورِ: إنَّهم تَمَسَّكُوا بأنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَمَّا صَلَّى بِمِنَّى، ورُكِزَت لَهُ العَنَزَةُ، كان الحِمَارُ والكَلبُ يَمُرَّانِ بين يَدَيهِ لَا يُمنَعَانِ، قال: وظَاهِرُ هذا بينهُ وبين العَنَزَةِ. انتَهَى. وكأن القُرطُبِيَّ أَخَذَ هذا مِن قَولِهِ في بَعضِ طُرُقِ مسلم (٢)، في حديثٍ أبي (٣) جُحَيفَةَ هذا: ((ورَأيتُ النَّاسَ والذَّوابَّ يَمُرُّونَ بين يَدَي العَثَّزَةِ)). وإنَّمَا أَرَادَ بِمَا بين يَدَيها؛ أي: مِن جِهَةِ القِبِلَةِ، كَمَا تَقُولُ: بين يَدَي الإمَامِ. بِدَليل الرِّوايَةِ الأُخرَى المُثَّفِقِ عَلَيها(٤): ((يَمُرُّ مِن وَرَائِها المَرأةُ والحِمَارُ)). ] الثالثَةُ: في قَول عَائِشَةَ: ((وأنَا مُعتَرِضَةٌ بينهُ وبين القِبِلَةِ؛ کَاعتِرَاضٍ الجِنَازَةِ). مَا يُوهِمُ أنَّه (٢/ ٣٩٠م) مُخَالفٌ لِقَولها في الحديثِ الذي يَليهِ: ((ورِجلَايَ في قِبَتِهِ)). فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أنَّ رِجَلَيها كانتَا لِجِهَةِ القِبَلَةِ. وقد يُجمَعُ بينهُمَا بأنَّ المُرَادَ بِقَولها: ((ورِجلَايَ في قِلَتِهِ)). أنَّه كان مُستَقْبِلَ أسفلها، وإن كانت مُعتَرِضَةً، ولَا يَلزَمُ أن يَستَقْبِلَ أسفَلَ رِجَلَيها. ويَحْتَمِلُ أن يُقال: كان مَرَّةً كَذَا، ومَرَّةً كَذَا، لَكِنَّ الأولَ أولَى؛ لأنَّ قَولَهُ في رِوايَةِ البخاريِّ(٥): ((على الفِرَاشِ الذي يَنَامَانِ عَلَيهِ)). يَدُلُّ على أنَّها كانت مُعتَرِضَةً بين يَدَيهِ؛ لأنَّهِ وَ﴿ كان يَنَامُ على شِقِّهِ الأيمَنَ، مُستَقبِلَ القِبِلَةِ بِوجهِهِ، فَدَلَّ على أنَّه لَم تَكُن(٦) جِهَةُ أرجُلهِمَا إلَى القِبِلَةِ. واللهُ أعلمُ، وبَقِيَّةُ فَوائِدِهِ في الحدیثِ الذي یلیهِ. (١) المفهم (١٠٩/٢). (٢) مسلم (٥٠٣/ ٢٥٠). (٣) ليس في: الأصل. البخاري (٤٩٩)، مسلم (٢٥٢/٥٠٣). (٤) (٥) البخاري (٣٨٤). (٦) في (ك، ح): ((يكن)). بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَیهِ ٤١٧ الحديثُ الثاني وعن عُبَيدِ اللهِ، عن القَاسِم، عن عَائِشَةَ، قالت: ((بِئْسَمَا عَدَلتُمُونَا بالكَلبِ، والحِمَارِ، قد رَأيتُ رسولَ اللهِ وَ ل﴿ يُصَلِي، وأنَا مُعتَرِضَةٌ بين يَدَيهِ، فَإِذَا أَرَادَ أن يَسجُدَ غَمَزَ، تَعْنِي رِجلي، فَضَمَمتهمَا إِلَيَّ))(١). فيه فوائدُ: ■ الأُولَى: فيه أنَّ الصَّلَاةَ إلَى النَّائِم، وإن كان امرَأةً، لَا يَقطَعُ الصَّلَاةَ. وقد تقدمَ. ■ الثانيَةُ: ذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٢)، أنَّ حديثَ عَائِشَةَ هذا نَاسِخٌ، أو مُعَارِضٌ الحديثِ (٣) أبي ذَرِّ عند أكثرِ العُلَمَاءِ. انتَهَى. ومَا ذَكَرَهُ مِن النَّسخِ واضِحٌ؛ لأنَّ النَّسَخَ، وإن كان لَا يُصَارُ إِلَيهِ إلَّا عند مَعرِفَةِ التَّارِيخِ(٤)، فَإِنَّا نَعَلَمُ أنَّ أزواجَهُ، خُصُوصًا عَائِشَةَ، مَا حَكَينَهُ عَنْهُ، مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِ لَيْلَةٍ، هو النَّاسِخُ، على تَقْدِيرِ عَدَمِ إِمكَانٍ(٥) الجَمع؛ لأنَّه لَو حَدَثَ شَيءٌ عَلمنَ بِهِ، وقد عُلمَ التَّارِيخُ في حديثِ ابنِ عباسٍ، كَونَهُ فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ (٢/ ٣٩١°م). لَكِنَّ حديثَ ابنِ عباسٍ لَيسَ(٦) صَرِيحًا في مُخَالَفَةٍ حديثٍ أبي ذَرِّ، وأبي هريرةَ؛ لأنَّ(٧) ابنَ عباسٍ، قال فيه: ((فَمَرَرت بين يَدَي بَعضِ الصَّفِّ)). ولَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّه مَرَّ بين يَدَي النَّبِّ وََّ، ولَا الأَنَانِ الذي(٨) كان عَلَيها، والإِمَامُ سُترَةٌ للمَأْمُومِينَ، وإن لَم يَكُن بين يَدَيهِ سُترَةٌ؛ [على أنَّ البُخَارِيَّ(٩) قد بَوّبَ عَلَيهِ: بَابُ (١) البخاري (٥١٩). (٣) في (ح): ((بحديث)) . (٥) ليس في (ك). في (ح): ((لا)). (٧) (٩) البخاري (٤٩٣). (٢) التمهيد (١٦٨/٢١). (٤) في (ك): ((الناسخ)). (٦) ليس في (ح). (٨) في الأصل، (م): ((التي)). ٤١٨ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ سُتْرَةِ الإِمَامِ سُترَةٍ] (١) مَن خَلفَهُ. فَيَقتَضِي أنَّه كان بين يَدَيهِ سُترَةٌ، ولَا يَلِزَمُ مِن قَولِهِ فيه: ((إِلَى غَيرِ جِدَارٍ)). أَلَّا يَكُونَ ثَمَّ سُترَةٌ، وإن كان الشَّافِعِيُّ قد فَسَّرَ قَولَهُ: ((إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)). أنَّ المُرَادَ إِلَى غَيرِ سُتْرَةٍ، كَمَا تَقْدمَ. ■ الثالثَةُ: إِذَا قُلْنَا: لَا (٢يُصَارُ لِلنَّسخ٢)؛ حَتَّى يُعرَفَ التَّارِيخُ(٣)، ويَتَعَذَّرَ(٤) الجَمعُ، ولَم يُنقَل تَارِيخُ حديثٍ عَائِشَةً، وإن كان الظَّاهِرُ تَأْخُّرَهُ، فَقد جَمَعَ بَعضُهُم بين الحديثَينِ؛ فَقال الخطابي(٥): يَحْتَمِلُ أن يُتَأُولَ(٦) حديثُ أبي ذَرِّ على أنَّ هَذِهِ [١٦٦/١ و] الأشخَاصَ إذَا مَرَّت بين يَدَي المُصَلي قَطَعَتْهُ عن الذِّكرِ، وشَغَلَت قَلبَهُ عن مُرَاعَاةِ الصَّلَاةِ، فذلك مَعنَى قَطعِها للصَّلَاةِ، دُونَ إبطَالها مِن أصلها، حَتَّى يَكُونَ فيها وُجُوبُ الإِعَادَةِ. ومَا حَكَاه الخطابي احتِمَالًا، حَكَاهُ النَّوِيُّ في ((الخُلَاصَةِ)) (٧) عن الجُمهورِ: أنَّهِم تَأولُوا القَطعَ على قَطعِ الذِّكرِ، والخُشُوعِ. وحَكَى صَاحِبَ ((المُفهِم)) (٨) عن الجُمهورِ: أنَّهم تَأولُوهُ، بأنَّ ذلك مُبَالَغَةٌ في الخَوفِ على قَطْعِها وإفسَادِهاَ بالشُّغْل بِهَذِهِ المَذكُورَاتِ، وذلك: أنَّ المَرأةَ تَفْتِنُ، والحِمَارَ يَنْهَقُ، والكَلبَ يُرَوِّعُ(٩)، (١٠ فَيُشَوشُ الفِكرُ ١٠) في ذلك، حَتَّى تَنْقَطِعَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وتَفسُدَ، فَلَمَّا كانت هَذِهِ الأُمُورُ آئِلَةً إِلَى القَطع، جَعَلَهَا قَاطِعَةً، كَمَا قال للمَادِحِ: ((قَطَعتَ عُنُقَ أخِيك))(١١)؛ أي: فَعَلت بِهِ فِعلًا يُخَافُ هَلَاكُهُ مِنْهُ؛ كَمَن قُطِعَ عُنُقُهُ. ■ الرابعَةُ: حَمَلَ بَعضُهُم حديثَ قَطعِ المَرأةِ (١٢) الصَّلَاةَ، على أنَّ المُرَادَ الحَائِضُ؛ حَكَاهُ الخطابي (١٣) عن ابنِ عباسٍ، وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ: أنَّه يَقطَعُ (١) ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٣) في (ك): ((الناسخ)). (٥) معالم السنن (٣٥٠/١). (٧) الخلاصة (٥٢٦/١). (٩) في الأصل: ((يروغ)). (١١) البخاري (٦١٦٢)، عن أبي بكرة. (١٣) معالم السنن (٣٤٥/١). (٢ - ٢) في (ح): ((يصح النسخ)). (٤) في (ك): ((وينعقد)). (٦) في (ح): ((تناول)). (٨) المفهم (١٠٩/٢). (١٠ - ١٠) في المفهم: ((فيتشوش المفكر)). (١٢) بعده في (ك): ((في)). بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بین یَدَیهِ ٤١٩ = الصَّلَاةَ الكَلبُ الأسودُ، والمَرأةُ الحَائِضُ(١). وعَلَّلَهُ صَاحِبُ ((المُفهِم))(٢) في الخَائِضِ: بِمَا تَستَصحِبُهُ مِن النَّجَاسَة. ويَدُلُّ لذلك مَا رَواهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه(٣) مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، رَفَعَهُ شُعبَةُ، قال: ((يَقطَعُ الصَّلَاةَ المَرأةُ الحَائِضُ، والكَلبُ)). لَفِظُ أبي دَاوُد، وصَرَّحَ(٤) ابنُ مَاجَه، بِقَولِهِ: عن النَّبِّ وََّ، وهو مِن طَرِيقِ شُعبَةَ، قال أبو دَاوُد: وقَفَهُ سَعِيدٌ، وهِشَامٌ، وهَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عَن(٥) ابنِ عباسٍ. ويُعَارِضُهُ مَا رَواهُ أبو دَاوُد أيضًا (٦)، عن عَائِشَةَ: ((كُنت بين النَّبِّ وٍَّ وبين القِبِلَةِ)). قال شُعبَةُ: وأحسَبُها قالت: ((وأنَا حَائِضٌ)). ثُمَّ ذَكَرَ أبو دَاوُد أحَدَ عَشَرَ رَووهُ، لَم يَذْكُرُوا: ((وأَنَا حَائِضٌ)). وهذا وإن اختَلَفَ فيه حديثُ عَائِشَةَ، فَقد صَحَّ مِن حديثٍ (٣٩٢/٢°م) مَيمُونَةَ: ((كان رسولُ اللهِهِ يُصَلِي، وأنَا حِذَاءَهُ، وأَنَا خَائِضٌ، ورُبَّمَا أصَابَنِي ثَوبُهُ إِذَا سَجَدَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٧)، وهذا لَفِظُ رِوايَةٍ مُسلمٍ، وفي رِوايَةٍ للبُخَارِيِّ(٨): ((كان فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ وَّ). وبَوّبَ عَلَيهِ: بَابُ إذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فيه خَائِضٍ. لَكِنَّ الرِّوايَةَ المَشهورَةَ التي اتَّفَقا على لَفِظِها: ((وأَنَا إِلَى جَنِهِ)). الخَامِسَةُ: جَعَلَ(٩) بَعضُهُم العِلَّةَ في قَطعِ الكَلبِ الأسودِ، والحِمَارِ، والمَرأةِ؛ مَا ذُكِرَ فيها مِن وصفِ الشَّيطَانِ. فَأمَّا الْكَلبُ، فَقال (١٠) النَّبِيُّ ◌َّى: ((الكَلبُ الأسودُ شَيطَانٌ)). قالهُ لأبي ذَرِّ حِينَ سَألَهُ عن تَخصِيصِ ذلك بالأسودِ، كَمَا ثَبَتَ في ((صَحِيحِ مُسلمٍ)(١١) . ء (١) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (٢٨١/١ - ٢٨٢). (٢) المفهم (١٠٩/٢ - ١١٠). أبو داود (٧٠٣)، والنسائي (٧٥٠)، وابن ماجه (٩٤٩). (٣) (٤) ليس في: ((ك)). أبو داود (٧١٠). (٦) (٨) البخاري (٥١٧). (١٠) بعده في (م): ((فيه). (٥) في (ح): ((على)). (٧) البخاري (٣٧٩)، ومسلم (٢٧٣/٥١٣). (٩) في (ك): ((حمل)). (١١) (٥١٠/٢٦٥). ٤٢٠ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأمَّا الحِمَارُ؛ فَفي الحديثِ الصَّحِيحِ أيضًا: ((إِذَا سَمِعتُم نُهاقَ الحَمير(١)، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِن الشَّيطَانِ، فَإِنَّها رَأْت شَيطَانًّا)). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ(٢) مِن حديثٍ أبي هريرةَ. ولأبي دَاوُدَ(٣) مِن حديثِ جَابِرِ: ((إِذَا سَمِعتُم نُبَاحَ الكِلابِ(٤)، ونَهِيقَ الحُمُرِ بالليل(٥)، فَتَعَوَّذُوا بالله)). الحديثَ. وأمَّا المَرأةُ؛ فعند التِّرمِذِيِّ(٦): ((المَرأةُ عَورَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ استَشرَفَها الشَّيطَانُ)). وفي حديثٍ آخَرَ: ((النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّطَانِ))(٧). ويُعَارِضُ هذا صَلَاتُهُ(٨) وَِّ إِلَى الْبَعِيرِ، كَمَا ثَبَتَ في ((الصَّحِيحَينِ))(٩) مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ. وقد صَحَّ عَنْهُ أنَّه قال في الإبِل: ((إنَّها خُلقَت مِن الجِنِّ)) (١٠)، وفي حديثٍ آَخَرَ: «على ذُروةٍ (١١) كُلِ بَعِيرٍ شَيطَانٌ))(١٢). ومَعَ ذلك فقد صَلَّى إليها، بل قد مَرَّ نَفْسُ الشَّيْطَانِ بين يَدَي النَّبِّ وَّزَ، وهو يُصَلِي، فَلَم يَقطَعِ صَلَاتَهُ، بَل خَنَقَهُ، وهو في الصَّلَاةِ، كَمَا ثَبَتَ في ((الصَّحِيح) (١٣)؛ فَدَلَّ على أنَّ المُرَادَ اتِّقَاءُ مَا يَشغَلُ المُصَليَ. في (م): ((الحمائر)). وهي جمع حِمارة. ينظر: تاج العروس (٧٨/١١). (١) البخاري (٣٣٠٣)، ومسلم (٨٢/٢٧٢٩). (٢) (٣) أبو داود (٥١٠٣). (٥) لیس في (ح). (٤) في الأصل: ((الكلب)). الترمذي (١١٧٣)، وقال «هذا حديث حسن غريب)). (٦) (٧) أخرجه أبو ذر الهروي في فوائده (٥)، وابن عساكر في معجم شيوخه (٧٠٢) عن زيد بن خالد. وأبو الشيخ في الأمثال (٢٢٢) عن أبي الدرداء. والبيهقي في الدلائل (٢٤٢/٥، ٢٤١) عن عقبة بن عامر. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٥/١٣)، وأبو داود في الزهد (١٦٠)، وهناد في الزهد (٤٩٧)، عن ابن مسعودٍ موقوفًا. ولا يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا . (٨) في (ك): ((بصلاته)). (٩) البخاري (٤٣٠، ٥٠٧)، ومسلم (٥٠٢). (١٠) أحمد (٥٥/٥)، وعند ابن ماجه (٧٦٩) بلفظ: ((فإنها خلقت من الشياطين)). (١١) بكسر الذال، وضمها لغتان. (١٣) البخاري (٣٤٢٣). (١٢) ابن خزيمة (٢٥٤٧).