Indexed OCR Text
Pages 321-340
بَابُ الإمَامَةِ ٣٢١ وحَكَاهُ ابنُ حِبَّانَ(١): عن الصَّحَابَةِ المذكُورِينَ سِوى أنَسٍ، وعَن أبِي الشَّعثَاءِ جَابٍ بِنِ زَيدٍ مِن التَّابِعِينَ، وعَن مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، وسُلَيمَانَ بنِ دَاوُد الهَاشِمِيِّ، وأبِي خَيثَمَةَ، وابنِ أبِي شَيبَةَ، ومُحَمَّدٍ بنِ إسمَاعِيلَ(٢)، ومَن تَبِعَهُم مِن أصحَابٍ الحَدِيثِ، مِثلُ مُحَمَّدٍ بنِ نَصرٍ (٣٣٤/٢م) المروزِيِّ، ومُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ بنِ خُزَيمَةَ . قُلتُ: ولَم أرَ مَن حَكَاهُ عن مَالِكِ سِواهُ. ثُمَّ قال ابنُ حِبَّانَ(٣): وهُو عِندِي ضَربٌ مِن الإجمَاعِ الذي أجمَعُوا (٤) على إِجَازَتِهِ؛ لِأنَّ مِن أصحَابِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَربَعَةً أفتَوا به، والإجماعُ عِندَنَا إجمَاعُ الصَّحَابَةِ، ولَم يُرو عن أحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ خِلَافٌ لِهَؤُلَاءِ الأربَعَةِ، لا بِإسنَادٍ مُتَّصِلٍ ولَا مُنقَطِعٍ، فَكَأنَّ الصَّحَابَةَ أجمَعُوا على أنَّ الإِمَامَ إِذَا صَلَّى قَاعِدًا، كَانَ على المأمُومِينَ أن يُصَلُّوا قُعُودًا، وقد أفتَى به مِن التَّابِعِينَ جَابِرُ بنُ زَيدِ أبو الشَّعَاءِ، ولَم يُروَ عن أحَدٍ مِن التَّابِعِينَ أصلًا خِلَافُهُ، لا بِإِسنَادٍ صَحِيحِ ولَا واهٍ، فَكَأنَّ التَّابِعِينَ أجمَعُوا على إِجَازَتِهِ، [وأولُ مَن أبطَلَ في هذه الأمة](٥) صَلَاةَ المأمُوم قَاعِدًا إذَا صَلَّى إِمَامُهُ جَالِسًا، المغِيرَةُ بنُ مِقِسَمِ، صَاحِبُ النَّخَعِيِّ، وأخَذَ عَنهُ حَمَّدُ بنُ أبِي سُلَيمَانَ، ثُمَّ أَخَذَ عن حَمَّادٍ أبو حَنِيفَةً، وتَبِعَهُ عَلَيْهِ مَن تَبِعَهُ مِن أصحَابِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ابنُ حِبَّنَ: أنَّ هَذَا هُو مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِقَولِهِ: إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُو مَذهَبِي. وهُو مَرُدُودٌ؛ لِنَّ الشَّافِعِيَّ صَرَّحَ (٦): بِأنَّ النَّاسَ(٧) في قِصَّةِ (٨) مَرَضِهِ، عَلَيهِ (١) صحيح ابن حبان (٥/ ٤٦٤، ٤٦٥). (٢) قال في حاشية (ت): ((حكايته عن محمد بن إسماعيل البخاري خطأ منه، وأيضًا، فإن كلامه في ((صحيحه)) دالٌّ على خلاف ذلك)). وينظر: شرح البخاري لابن بطال (٣١٠/٢)، وفتح الباري لابن رجب (٤/ ١٥٠). (٣) صحيح ابن حبان (٤٧١/٥ - ٤٧٣). (٤) بعده في (ك): ((عليه)). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (م). (٦) الأم (٣٤١/٢). (٨) في (ك، ح): ((قضية)). (٧) ليس في: (ك). ٣٢٢ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، كَانُوا قِيَامًا مَعَ جُلُوسِهِ، وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ في رِوايَةِ إبرَاهِيمَ، عن الأسودِ، عن عَائِشَةَ. فَكَيفَ يُلزِمُهُ(١) القَولَ بِالجُلُوسِ خلفه(٢)، وكَيفَ يُجعَلُ مَذْهَبَهُ، وهو [١٤٩/١ و] قد ذَكَرَ أنَّهُ مَنسُوخٌ؟ وبِهَذَا المذهَبِ قال إسحاقُ بنُ رَاهُويهِ، وابنُ المنذِرِ، ودَاوُدُ، وأهلُ الظَّاهِرِ . قال ابنُ حَزم(٣): وبِهَذَا نَأخُذُ، إلَّا فِي مَن(٤) يُصَلِّي إِلَى جَنبِ الإمَامِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ، ويُعلِمُهُم تَكبِيرَ الإمَامِ، فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أن يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وبَيْنَ أنَ يُصَلِّيَ قَائِمًا . ثُمَّ قال: وبِمِثلٍ قَولِنَا يَقُولُ جُمهُورُ السَّلَفِ، ثُمَّ حَكَاهُ عن الصَّحَابَةِ المتَقدمِ ذِكرُهُم، ثُمَّ قال: فَهَؤُلَاءِ أبو هُرَيْرَةَ، وجَابِرٌ، وأُسَيدٌ، وكُلُّ مَن مَعَهُم مِن الصَّحَابَةِ على عَهدِ رسولِ اللهِ وَ لِ فِي غَيرِ مَسجِدِهِ، ولَا مُخَالِفَ لَهُم يُعرَفُ مِن الصَّحَابَةِ أصلًا، كُلُّهُم يَرَى إِمَامَةَ الجَالِسِ لِلأصِحَّاءِ، ولَم يُروَ عن أحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وغَيرِهٍ، في أن يُصَلِّيَ الأصِحَّاءُ ورَاءَهُ جُلُوسًا . قال: ورُوِّينَا عن عَطَاءٍ أمرَ الأصِحَّاءِ بِالصَّلَاةِ خَلفَ القَاعِدِ. وعَن(٥) عَبدِ الرَّزَّاقِ (٦): مَا رَأيتُ النَّاسَ إلَّ على أنَّ الإمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا صَلَّى مَن خَلفَهُ قُعُودًا، قال: وهِيَ السُّنَّةُ عن غَيرٍ واحِدٍ . ورُوِّينَا عن عَبَّاسِ بنِ عَبدِ العَظِيمِ العَنْبَرِيِّ، قال: سَمِعتُ عَفَّانَ بنَ مُسلِم، قال: أتَينَا حَمَّادَ بنَ زَيدِ يَومًا، وقد صَلَّوا الصُّبحَ، فقال: ((إنَّا أحبَيْنَا الْيَومَ سُنَّةً مِّن کے سُنَنِ رسولِ اللهِ وَ ﴿. قُلْنَا: مَا هِيَ يَا أَبَا إسمَاعِيلَ؟ قال: كَانَ (٣٣٥/٢م) إمَامُنَا مَرِيضًا، فَصَلَّى بِنَا جَالِسًا، فَصَلَّيْنَا ورَاءَهُ جُلُوسًا)). انتَهَى. (١) في (ح): ((نلزمه)). (٢) ليس في: الأصل، (م). (٤) في (ك): ((من)). (٣) المحلي (٧٠/٣، ٧١). (٥) في (م): ((وعند)). (٦) عبد الرزاق في مصنفه (٤٦٣/٢)، عقب أثر الشعبي (٤٠٨٨). بَابُ الإمَامَةِ ٣٢٣ فَهَذَانِ مَذْهَبَانٍ؛ أحَدُهُمَا: جُلُوسُ المأمُوم مُطلَقًا، والثَّانِي: جُلُوسُهُ إلَّا أن يَكُونَ مُبَلِّغًا عن الإمَامِ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الجُلُوسِ والقِيَامِ. وبه قال ابنُ حَزمٍ، وهُو غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ. وورَاءَ ذَلِكَ مَذْهَبَانٍ آخَرَانٍ : أحَدُهُمَا: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلقَادِرِ على القِيَامِ أن يُصَلِّيَ خَلفَ القَاعِدِ إلَّا قَائِمًا، وهُو مَذْهَبُ الحَنفيةِ والشَّافِعِيَّةِ، وبه قال الثَّورِيُّ، وأبو ثَورٍ، وعَبدُ الله بنُ المَبَارَكِ، وهُو رِوايَةُ الولِيدِ بنِ مُسلِمٍ، عن مَالِكِ، ولَم يَحكِ التِّرمِذِيُّ(١) في ((جَامِعِهِ)(٢) عن مَالِكِ سِواهُ، وحَكَاهُ الخَطَّابِيُّ (٣) عن أكثَرِ الفُقَهَاءِ، وحَكَاهُ النَّووِيُّ (٤) عن جُمهُورٍ السَّلَفِ، وحَكَاهُ المنذِرِيُّ عن أكثَرِ أهلِ العِلمِ. وأجَابُوا عن هَذَا الحَدِيثِ بِأَنَّهُ(٥) مَنسُوخٌ بِصَلَاتِهِ، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، في مَرَضٍ مَوتِهِ فَاعِدًا، وأبو بَكرٍ رَضُهِ، والنَّاسُ ورَاءَهُ قِيَامًا . قال الشَّافِعِيُّ رَظُ(٦): هَذَا ثَابِتٌ عن رسولِ اللهِ وَّهِ، مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ، وهِيَ(٧) مَا رَوت عَائِشَةُ رِّ: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فيه جَالِسًا، والنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامًا)»(٨). قال: وهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّهَا بِالنَّاسِ، بِأَبِي وَأُمِّيِِّ، حَتَّى لقي (٩) اللّهَ رَى، وهَذَا لا يَكُونُ إلَّا نَاسِخًا. انتَهَى. وقال الشَّافِعِيُّ أيضًا (١٠): (١١ فَإِن قِيلَ(١): فَقد ائتَمَّ أبو بَكرٍ بِالنَّبِيِّ والنَّاسُ بِأبِي بَكرٍ؟ (١) ليس في: (ك). (٢) ينظر: جامع الترمذي، باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا، عقب الحديث (٣٦١). (٣) معالم السنن (٣١١/١). (٥) في (ح): ((أنه)). (٧) في (ك): ((وهو)). (٩) في (م): (لحق)). (١١ - ١١) ليس في: (ك). (٤) شرح صحيح مسلم (٤/ ١٣٣). (٦) الأم (٢/ ٣٤١). (٨) البخاري (٦٦٤)، مسلم (٤١٨/٩٥). (١٠) الأم (٣٥٤/٢). ٣٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قِيلَ: الإمَامُ رسولُ اللهِ وَّهِ، وأبو بَكرٍ مَأْمُومٌ، عَلَمٌ لِصَلَاةِ رسولِ اللهِ وَلَّهِ؛ لِأَنَّ رسولَ الله ﴿ كَانَ جَالِسًا، ضَعِيفَ الصَّوتِ، وكَانَ أبو بَكرٍ قَائِمًا، يُسمَعُ ويُرَى. انتَھَى. وقال البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِهِ)(١): قال الحُمَيدِيُّ: هَذَا مَنسُوٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ صَلَّى في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فيه، والنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامٌ. وقَولُهُ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)). هُو في مَرَضِهِ القديمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ وَّ جَالِسًا، والنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامًا. انتَهَى. وأجَابَ المخَالِفُونَ لِهَذَا عَنْهُ(٢) بِأَجوِبَةٍ : أحَدُهَا: أنَّ أَبَا بَكرٍ رَّهَ كَانَ هُو الإمَامَ، والنَّبِي بَّهُ مُقْتَدٍ به، وقد ورَدَ ذَلِكَ(٣) مُصَرَّحًا بِه رَواهُ النَّسَائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُمَا (٤). لَكِنَّ الصَّحِيحَ أنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ هُو الإمَامُ(٥)، ورِوايَةُ مُسلِمٍ في (٦) (صَحِيحِهِ))(٧) صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ، فإنَّ(٨) لَفِظَهَا مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((فَجَاءَ رسولُ اللهِ وَِّ، حَتَّى جَلَسَ عن يَسَارِ أبِي بَكرٍ، قالت: فَكَانَ رسولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وأبو بَكرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أبو بَكرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ وَِّ، ويَقْتَدِي [١٤٩/١ظ] النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكٍ)). ولَو صَحَّ أنَّهُ عَلَيهِ (٣٣٦/٢م) الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ مُقْتَدِيًا بِأَبِي بَكرٍ، فَهِيَ صَلَاةٌ أُخرَى غَيرُ التي اقتَدَى أبو بَكرٍ به فيها، فَقد كَانَ مَرَضُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ اثنَي عَشَرَ يَومًا، فيه سِتُونَ صَلَاةً، أو نَحوهَا (٩)، وقد أشَارَ إلَى ذَلِكَ (١) البخاري عقب حديث (٦٨٩، ٥٦٥٨). (٢) ليس في: (ك). (٣) في (ك): ((ذكر)). (٤) النسائي في الكبرى (٩٠٧)، البيهقي (٣٠٤/٢). (٥) ينظر: مسلم بشرح النووي (١٣٣/٤). (٦) ليست في: (ك). مسلم (٩٥/٤١٨). وقال فى حاشية (ت): ((هذه الرواية للبخاري أيضًا)). وهي في (٧) البخاري (٧١٣). (٨) في (م): (لأن)). (٩) ينظر: الوفا لابن الجوزي (٤٩٨/١)، الفصول لابن كثير (ص٩٣). بَابُ الإمَامَةِ ٣٢٥ = الشَّافِعِيُّ بِقَولِهِ: لو صَلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ خَلفَ أبِي بَكرِ مَرَّةٌ، لَم يَمنَع ذَلِكَ أن يَكُونَ صَلَّى خَلفَهُ أبو بَكرٍ أُخرَى. قال البَيهَقِيُّ(١): وقد ذَهَبَ مُوسَى بنُ عُقبَةَ في ((مَغَازِبِهِ))، إلَى أَنَّ أَبَا بَكرٍ صَلَّى مِن صَلَاةِ الصُّبحِ يَومَ الإِثْنَيْنِ رَكعَةً، وهُو اليَومُ الذي تُوفي فيه النَّبِيُّ ◌َِّهِ، فَوجَدَ النَّبِيُّ بَّهِ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَصَلَّى مَعَ أَبِي بَكرٍ رَكعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ أبو بَكرٍ، قَامَ فَصَلَّى الرَّكعَةَ الأخِيرَةَ. فَيُحْتَمَلُ أن (٢تَكُونَ هَذِه٢ِ) الصَّلَاةُ مُرَادَ مَن رَوى أنَّهُ صَلَّى خَلفَ أَبِي بَكرٍ (٣في مرضه٣)، فَأمَّا الصَّلَاةُ التي صَلَّاهَا أبو بَكرٍ خَلفَهُ في مَرَضِهِ، فَهِيَ صَلَاةُ الظُّهرِ يَومَ الأحَدِ، أو يَومَ السَّبتِ، كَمَا رُوِّنَا عن عَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، فِي بَيَانِ الظّهرِ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَافَةٌ، وَيَصِحُ الاحتِجَاجُ بِالخَبَرِ الأولِ. قُلتُ: ويَدُلُّ لِهَذَا الإِحْتِمَالِ: مَا رَواهُ النَّسَائِيُّ(٤) عن أنَسٍ، قال: ((آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّهَا رسولُ الله ◌ِّهِ مَعَ القَومِ، صَلَّى فِي ثَوبٍ واحِدٍ، مُتَوشِّحًا، خَلفَ أپِي بَكرِ)). فَذَكَرَ أنَّ صَلَاتَهُ خَلفَ أبِي بَكرٍ آخِرُ صَلَواتِهِ(٥) مَعَ القَومِ. وقال ابنُ حَزم(٦): هُمَا صَلَاتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، بِلَا شَكٍّ. ثَانِيهَا: قال الإمَامُ أحمَدُ: لَيسَ فيه حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكرٍ كَانَ ابتَدَأْ الصَّلَاةَ قَائِمًا، وإِذَا ابْتَدَأْ الصَّلَاةَ قَائِمًا، صَلَّوا قِيَامًا . قال ابنُ قُدَامَةَ(٧): فَأَشَارَ أحمَدُ إِلَى أنَّهُ يُمكِنُ الجَمِعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، بِحَملٍ الأولِ على مَا إذَا(٨) ابتَدَأْ الصَّلَاةَ جَالِسًا، والثَّانِي على مَا إذَا ابتَدَأُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعتَلَّ فَجَلَسَ. قال: ومَتَى أمكَنَ الجَمِعُ بَيْنَ الحَدِيثَينِ وجَبَ، ولَم يُحمَل على النَّخِ. انتَهَى. (١) السنن الكبرى (٨٣/٣). (٣ - ٣) ليس في: (م). (٤) النسائي (٧٨٤). (٥) في (ح): ((صلاته)). (٦) المحلى (٧٦/٣). (٨) ليس في: الأصل. (٧) المغني (٦٢/٣ - ٦٣). (٢ - ٢) في (ك): ((يكون)). ٣٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وفي هَذَا تَخصِيصٌ لِمَا سَبَقَ نَقلُهُ عن أحمَدَ: أنَّ المأمُومِينَ يَقعُدُونَ خَلفَ الإمَامِ القَاعِدِ، بِحَملِهِ على مَا إذَا كان ابتَدَأْ الصَّلَاةَ قَاعِدًا، فَإِن ابتَدَأْهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ، استَمَرُوا قِيَامًا . وفي هَذَا جَمِعٌ بَيْنَ الحَدِيثَينِ، لَكِن إِنَّمَا يَقوى إذَا ظَهَرَ لِهَذَا الحَملِ وجهٌ مُنَاسِبٌ، وإِذَا كَانَ المقتَضِي لِلجُلُوسِ ورَاءَ الإمَامِ الجَالِسِ مُتَابَعَتَهُ في حَالَتِهِ التي هُو عَلَيْهَا، فَلَا فَرِقَ بَيْنَ أن يَجلِسَ في ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، أو في أثْنَائِهَا، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّهُ أنَّ في حَدِيثِ عَائِشَةَ، وجَابِرٍ: ((أنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ أَشَارَ إلَى أصحَابِهِ بِالقُعُودِ، بَعدَ أن كَانُوا ابْتَدَهُوا الصَّلَاةَ قِيَامًا))(١). إلَّا أن يُقال: كَانُوا قد لَزِمَهُم الجُلُوسُ، لِجُلُوسِ إِمَامِهِم، بِخِلَافِ قَضِيَّةِ اقتِدَائِهِم(٢) بِالصِّدِّيقِ، فَإِنَّ إِمَامَهُم في ابتِدَاءِ (٢/ ٣٣٧م) صَلَاتِهِ كَانَ قَائِمًا، فَكَانَ القِيَامُ لَازِمًا لَهُم، فَاستَمَرُوا عَلَيهِ. ثَالِثُهَا: قال ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٣): لَيسَ فيه أنَّ النَّاسَ غَيرَ أَبِي بَكرٍ كَانُوا قِيَامًا، فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا قُعُودًا، بَل الّنُّ بِهِم ذَلِكَ، امتِثَالًا لِأمرِهِ المتَقدمِ، ولَا يَحِلُّ أن يُظَنَّ بِالصَّحَابَةِ مُخَالَفَةُ أمرِهِ. هَذَا مَعنَى كَلَامِهِ. قال: وفي نَصِّ الحَدِيثِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ على أنَّهُم لَم يُصَلُّوا إلَّا قُعُودًا؛ لِنَّ فيه أنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكرٍ، ولَو كَانُوا قِيَامًا، لَمَا اقتَدَى بِصَلَاتِهِ إلَّا الصَّفُّ الأولُ؛ لِأنَّ بَقِيَّةَ الصُّفُوفِ يَحجُبُهُم عَنهُ الصَّفُّ الأولُ، قال: ثُمَّ لو كَانَ في هَذَا الحَدِيثِ نَصِّ أنَّهُم صَلَّوا قِيَامًا، وهَذَا لا يُوجَدُ أَبَدًا، لَمَا كَانَ فيه دَلِيلٌ على النَّسخِ، بَل هُو إِيَاحَةٌ فَقَط، وبَيَانٌ أنَّ ذَلِكَ الأمرَ المَقدِمَ نَدَبٌّ. انتَهَى. وفيه نَظَرٌ مِن أوٍُ: أحَدُهَا: أنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ الذينَ كَانُوا مَعَ أَبِي بَكرٍ ﴿ه، كَانُوا في أولِ (١) البخاري (٦٨٨)، مسلم (٨٢/٤١٢) من حديث عائشة، ومسلم (٨٤/٤١٣) من حديث جابر. (٢) في (ح): ((ابتدائهم)). (٣) المحلى (٦٥/٣). = بَابُ الإمَامَةِ ٣٢٧ صَلَاتِهِم قَبلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ وَّهِ قِيَامًا، بِلَا شَكٌّ، فَمَن زَعَمَ تَغِيرَهُم(١) عن هَذِهِ الحَالَةِ، فَهُو مُحتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ على ذَلِكَ، بَل الظَّاهِرُ: أَنَّهُ(٢) لو وقَعَ انِتِقَالُهُم مِن القِيَامِ إِلَى القُعُودِ لَيُقِلَ. الثَّانِي: أَنَّهُ قد ثَبَتَ صَلَاةُ القَائِمِ خَلفَ الجَالِسِ، بِالتَّصْرِيحِ بِقِيَامٍ أَبِي بَكرٍ ◌َُه خَلفَ النَّبِيِّ وََّ، وهُو جَالِسٌ، وهَذَا كَافٍ في الاستِدلَالِ بِقِيَامِ المؤتَمِّ خَلفَ الإمَامِ الجَالِسِ لِعُذرٍ، ولَا وجهَ لِتَخصِيصِ أبِي بَكرٍ بِجَوازِ القِيَامِ لَهُ وحدَهُ، فَالأَصَلُ استِواءُ المِكَلَّفينَ في الأحكام، (٣ إلَى [١/ ١٥٠ و] أن٣) يَرِدَ نَصَّ دَالٌّ على التَّخصِيصِ(٤). الثَّالِثُ: أَنَّهُ قد ورَدَ التَّصرِيحُ بِقِيَامِ الجَمِيعِ خَلفَهُ: ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ كَذَُ، عَقِبَ حَدِيثِهِ عن مَالِكِ، عن هِشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبِيهِ، عن عَائِشَةَ، كَمَا رَواهُ البَيْهَقِيُّ في ((المعرِفَةِ))(٥)، قال: أخبَرَنَا(٦) أبو عَبدِ الله، قال: أخبَرَنَا أبو العَبَّاسِ، قال: أخبَرَنَا الرَّبِيعُ، قال: أخبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قال: وذَكَرَ إبرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، عن الأسودِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ وََِّّ، وأَبِي بَكرٍ، مِثلَ مَعنَى حَدِيثِ عُروةَ: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ صَلَّى قَاعِدًا، وأبو بَكرٍ قَائِمًا يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيِّ نَّهِ، وهُم ورَاءَهُ قِيَامًا)) . فَذَكَرَ (٧الشَّافِعِيُّ رِوايَةً(٧) إبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ هَذِهِ، بِصِيغَةِ الجَزمِ، وفيها التَّصْرِيحُ بِقِيَامِ المأمُومِينَ، ولَا يَستَجِيزُ الشَّافِعِيُّ ذِكرَهُ بِالجَزمِ، إِلَّا (٨ُ مَعَ صِحَّة٨ٍ) إسنَادِهِ عِندَهُ. والله تعالى أعلمُ. الرَّابعُ: استِدلَالُهُ على قُعُودِهِم بِأَنَّهُم لو كَانُوا قِيَامًا لَمَا اقْتَدَى به إلَّ الصَّفُّ الأولُ: ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (٢/ ٣٣٨م) الصَّفَّ الأولَ مُشَاهِدٌ لِلنَّبِيِّ بَّهِ، لا يَحْتَاجُ إِلَى الاِقْتِدَاءِ بِأبِي بَكرٍ، وأمَّا بَقِيَّةُ الصُّفُوفِ، فَإِنَّمَا يَقْتَدُونَ بِصَوتِ أبِي بَكرٍ، (١) في (ك، ح): ((تغيرهم)). (٢) ليس في: (ك). (٣ - ٣) في (ح): ((حتى). (٤) ينظر: الفروق (١٢/٢)، التحبير شرح التحرير (١٤٩٣/٣). (٦) في (ح): ((أنبأنا)). (٥) معرفة السنن والآثار (٣٥٥/٢). (٧ - ٧) ليس في: (ك). (٨ - ٨) في (ح): ((بصحة)). = كي ٣٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ لا بِمُشَاهَدَتِهِ، وقد تَقدمَ ذَلِكَ في قَولِ الشَّافِعِيِّ بَعْلَمُهُ(١)؛ لِأَنَّ رسولَ اللهِوَِّ كَانَ جَالِسًا ضَعِيفَ الصَّوتِ، وكَانَ أبو بَكرٍ قَائِمًا يُرَى ويُسمَعُ. انتَهَى؛ أي: يَرَاهُ الْبَعضُ، ويَسمَعُهُ البَعضُ. وفي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ))(٢)؛ عن عَائِشَةَ: ((وأبو بَكرٍ يُسمِعُ النَّاسَ التَّكبِيرَ)). وفي (صحيح مسلم)) (٣)؛ عن جَابِرِ: ((وأبو بَكرٍ يُسمِعُ النَّاسَ تَكبِيرَهُ)). الخَامِسُ: قَوَّلُهُ: لا يَحِلُّ أن يُظَنَّ بِالصَّحَابَةِ مُخَالَفَةُ أمرِهِ. يُقَالُ لَهُ: أَخَالَفَ أفضَلُ الصَّحَابَةِ أمرَهُ بِصَلَاتِهِ قَائِمًا خَلفَ الجَالِسِ، أم لَم يُخَالِف؟ ولَا يُمكِنُهُ أن يَقُولَ: إِنَّهُ خَالَفَ أمرَهُ. وإذَا كَانَ لَم يُخَالِفِ، فَكَذَلِكَ بَقِيَّتُهُم، لَم يُخَالِفُوا أمرَهُ بِقِيَامِهِم. بَل هم استَدَلُّوا على القِيَامِ بِقِيَامِ أبِي بَكرٍ، وتَقرِيرٍ النَّبِّ وَِّ لَهُ على القِيَامِ، فَإِنَّهُ لَم يَأمُرُه بِالجُلُوسِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ التي وقَعَت في مَرَضِهِ القديم، فَإِنَّهُ لَمَّا رَآهُم قِيَامًا، أَشَارَ إلَيهِم وهُو(٤) في الصَّلَاةِ، فَجَلَسُوا، هَذَا إن لَم يَكُن عِندَهُم دَلِيلٌ على النَّسخِ قَبلَ ذَلِكَ؛ فَقَضِيَّةُ الصِّدِّيقِ كَافيةٌ في مَعرِفَةِ النَّسخِ. السَّادِسُ: قَولُهُ: إِنَّهُ لو ورَدَ أنَّهُم صَلَّوا قِيَامًا، لَم يَدُلَّ على النَّسخِ، بَل هُو بَيَانٌ أنَّ الأمرَ الأولَ كَانَ على النَّدبِ. كَلَامٌ مَرَدُودٌ، وكَيفَ يُمكِنُ أن يَكُونَ الأمرُ الأولُ(٥) على النَّبِ، مَعَ تَأكِيدِهِ (٦) لَهُ بِإِشَارَتِهِ به وهُو في الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَصرِيحِهِ (٧) بِذَلِكَ بَعدَ سَلَامِهِ، ثُمَّ تَشِيهِ فِعلِهِم بِفِعلِ الكَفَرَةِ المُجُوسِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا قَرَائِنُ على أنَّ النَّهَيَ لِلتَّحِيمِ. والفَرضُ (٨): أنَّ ابنَ حَزم مِمَّن يَقُولُ: إِنَّهُ(٩) على النَّحرِيمِ، وإِنَّهُ يَحْرُمُ على (١) الأم (٣٥٤/٢). مسلم (٤١٣ /٨٤). (٣) ليس في: (ك). (٥) (٧) في (ك): ((بتصريحه)). (٩) في (ك): ((بأنه)). (٢) البخاري (٧١٢). (٤) في (م): ((وهم)). (٦) في (ك): ((تأكده)). (٨) في (ك): ((الفرق)). بَابُ الإمَامَةِ ٣٢٩ بَقِيَّةِ المأمُومِينَ غَيرِ المَبَلِّغ أن يَقُومَ خَلفَ الإمَامِ الجَالِسِ(١)، ومَتَى وَرَدَ القِيَامُ بَعدَ الأمرِ بِالجُلُوسِ، لا يَكُونُ إلَّا نَاسِخًا. السَّابِعُ: هَذِهِ المقالةُ التي ذَهَبَ إلَيهَا ابنُ حَزم، وهِيَ الفَرقُ بَينَ المَبَلِّغ وغَيرِهِ مِن المأمُومِينَ، قَولٌ مُختَرٌَ لَم يُسبَق إِلَيهِ، والأَكثَرُونَ مِن الأُصُولِيِّينَ على امتِنَاعِ ذَلِكَ. فَهَذَا الذي ذَكَرتُه مِن الجَوابِ عن حَدِيثِ الْبَابِ بِأنَّهُ مَنسُوٌ، هُو الجَوابُ المعتَمَدُ، والاعتِرَاضَاتُ عَلَيهِ مَرَدُودَةٌ، كَمَا ذَكرته. وأجَابَ بَعضُهُم عَنْهُ؛ بِحَملِ قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((وإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)). على أنَّهُ إذَا كَانَ فِي حَالَةِ الجُلُوسِ؛ كَالتَّشَهُّدِ، ونَحوِهِ، فَاجلِسُوا ولَا تُخَالِفُوهُ بِالقِيَامِ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ: ((إِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا))؛ أي: (٢) إِذَا كَانَ فِي حَالَةِ القِيَامِ، فَقُومُوا، ولَا تُخَالِفُوهُ بِالقُعُودِ. وحَكَاهُ ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِهِ))(٣) عن بَعضِ العِرَاقِيِّينَ، مِمَّن كَانَ يَنتَحِلُ مَذْهَبَ الكُوفيينَ، وقال: (٣٣٩/٢م) فَحَرَّفَ الخَبَرَ عن عُمُومٍ مَا (٤ورَدَ فيه، بِغَيرِ دَلِيلٍ يَثْبُتُ ٤) لَهُ على تَأْوِيلِهِ. وكَذَا استَبعَدَهُ القَاضِي عِيَاضٌ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ))(٥)، وقالا: إِنَّهُ يُنَافيه قَولُهُ في حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((فَأَشَارَ إِلَيهِم أن اجلِسُوا)). وتَعلِيلُهُ، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، ذَلِكَ بِمُوافَقَةِ الأَعَاجِمِ في القِيَامِ [١٥٠/١ظ] على مُلُوكِهِم، وسِيَاقُ الحَدِيثِ(٦) يَرُدُّهُ. وأجَابَ بَعضُهُم عَنْهُ؛ بِأنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ وَهِ. وَهَذَا أيضًا ضَعِيفٌ، فَالأصلُ عَدَمُ التَّخصِيصِ، فَلَا يُصَارُ إِلَيهِ إلَّا بِدَلِيلٍ(٧). (١) المحلى (٥٩/٣ - ٦٠). (٢) ليس في: (ح). (٣) صحيح ابن حبان (٤٧٨/٥). (٤ - ٤) في (ح): ((أورد فيه خير دليل ثبت)). (٥) إكمال المعلم (٣١٣/٢)، شرح العمدة (ص٢٣٣). (٦) ليس في: (ك). (٧) ينظر: المحصول للرازي (٣١/٣)، إرشاد الفحول (٣٤٦/١). = ٣٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ المذهَبُ الثَّانِي، وهُو الرَّابِعُ: أَنَّهُ لا تَجُوزُ صَلَاةُ القَادِرِ على القِيَامِ خَلفَ القَاعِدِ لِعُذرٍ، لا قَائِمًا ولَا قَاعِدًا، وهَذَا هُو مَذهَبُ مَالِكِ المشهُورُ عَنهُ، ومُحَمَّدٍ بِنِ الحَسَنِ، وحَكَاهُ ابنُ بَطَّالٍ (١) عن الثَّورِيِّ. قال ابنُ حَزم(٢): مَا نَعلَمُ أَحَدًا مِن الثَّابِعِينَ قال ذَلِكَ، إلَّا مَا رُوِيَ عن مُغِيرَةَ بنِ مِقِسَم، أَنَّهُ قال: أكرَهُ ذَلِكَ. قال(٣): ولَيسَ هَذَا مَنعًا مِن جَوازِهَا. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): واختَلَفَ أصحَابُ مَالِكِ، في إمَامَةِ المرِيضِ بِالمرضَى جُلُوسًا كلهم، فَأَجَازَهَا بَعضُهُم، وهُو قَولُ جُمُهُورِ الفُقَهَاءِ، وكَرِهَهَا أكثَرُهُم، وهُو قَولُ ابْنِ القَاسِمِ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ. انتَهَى. وأجَابُوا عن الحَدِيثَينِ مَعًا؛ بِأنَّهُمَا مَنسُوخَان بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: (لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعدِي جَالِسًا))(٥). وبِفِعلِ الخُلَفَاءِ بَعدَهُ، وأنَّهُ لَم يَؤُمَّ أَحَدٌ مِنْهُم قَاعِدًا، وإن كَانَ النَّسخُ لا يُمكِنُ بَعدَ النَّبِيِّ وَ ﴿، فَمُثَابَرَتُهُم على ذَلِكَ (٦ تَشْهَدُ بِصِحَّة٦ٍ) نَهِهِ عن إمَامَةِ القَاعِدِ بَعدَهُ. قال القَاضِي عِيَاضٌ: وهَذَا أولَى الأقَاوِيلِ؛ لأنه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، لا يَصِحُّ التَّقدمُ بَيْنَ يَدَيهِ في الصَّلَاةِ ولَا غَيرِهَا(٧)، لَا لِعُذرٍ ولَا لِغَيرِ عُذرٍ، وقد نَهَى اللهُ تَعَالَى الذينَ آمَنُوا عن ذَلِكَ، ولَا يَكُونُ أحَدٌ شَافِعًا لَهُ، وقد قال: ((أئِمَّتُكُم شُفَعَاؤُكُمْ)) (٨). ولِذَلِكَ(٩) قال أبو بَكرٍ: مَا كَانَ لِابنِ أبِي قُحَافَةَ أَن يَتَقْدَمَ بَيْنَ يَدَي (١) شرح البخاري (٣١٤/٢). (٣) ليس في: (ح). (٢) المحلى (٧١/٣). (٤) التمهيد (١٤٤/٦). (٥) الدارقطني (٣٩٨/١)، والبيهقي (٨٠/٣)، وهو مرسل. (٦ - ٦) في (ك): ((يشهد لصحة)). (٧) في (ح): ((غيره)). (٨) لم أهتد إليه بهذا اللفظ، وقد ورد بلفظ: ((أئمتكم وفدكم إلى اللهِ رَ)). قال العراقي في تخريج الإحياء (١٧٤/١): أخرجه الدارقطني (٨٨/٢)، والبيهقي (٩٠/٣)، وضعف إسناده من حديث ابن عمر، والبغوي (١٩٥/٥)، وابن قانع (١٦١٦)، والطبراني (٣٢٨/٢٠) في ((معاجمهم))، والحاكم (٢٤٦/٣)، من حديث مرثد بن أبي مرثد نحوه، وهو منقطع، وفيه يحيى بن يحيى الأسلمي، وهو ضعيف. (٩) في (ح): ((وکذلك)). بَابُ الإمَامَةِ ٣٣١ = رسولِ اللهِ وَل﴾(١). وغَيرُهُ إِذَا أصَابَهُ عُذرٌ قدّمَ غَيرَهُ، ولَم يَكُن لِيُقدمَهُ مَعَ نَقْصٍ صَلَاتِهِ، وهُو يَجِدُ العِوضَ، لَكِنَّ إِمَامَةَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ به عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ تُعَارِضُ هَذَا، وقَولُ النَّبِيِّ وَّهُ لِبِلَالٍ(٢)، حِينَ أرَادَ تَأْخِيرَهُ: ((دَعهُ)) (٣). وصَلَاتَهُ خَلفَهُ مَا أدرَكَهُ، وقد يُقَالُ (٤) في قَضِيَّةِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ: إنَّهَا مُخْتَصَّةٌ عن هَذَا الأصلِ، لِبَيَانِ حُكمِ القَضَاءِ بِفِعِلِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، لِمَن فَاتَهُ مِن الصَّلَاةِ شَيءٌ، وإِنَّ تَقْدمَ النَّبِّ وَل ◌َ هُنَا مِن بَابِ الأولَى، لا مِن بَابِ الواجِبِ، وفي قَضِيَّةِ عَبدِ الرَّحمَنِ مِن بَابِ الواجِبِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): وقد (٢/ ٣٤٠م) قِيلَ: إنَّ الحُكمَينِ مَنسُوخَانٍ، نَسَخَ آخِرُهُمَا (٦) الأولَ، ثُمَّ نُسِخَ الآخِرُ بِقَولِهِ: (لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعدِي جَالِسًا)). انتَهَى. ومَا ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ مِن أَنَّ هَذِهِ أولَى الأَقَاوِيلِ مَرَدُودٌ، وقد رَدَّهُ صَاحِبُهُم القَاضِي(٧) أبو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ (٨)، فقال، بَعدَ حِكَايَتِهِ لِقَولِ مَالِكٍ: ولَا جَوابَ لَّهُ عن حَدِيثِ مَرَضِ النَّبِّ وَِّ، ولَا لِأحَدٍ مِن أصحَابِهِ مَخلَصٌ (٩) عِندَ السَّبكِ(١٠)، فَالعَمَلُ بِآخِرِ الأمرَينِ مِن رسولِ اللهِ وَّ﴿ أولَى، واتِّبَاعُ الأمرِ أصَحُ وأحرَى. انتَهَى. والحَدِيثُ الذي استَدَلُّوا به ضَعِيفٌ جِدًّا، رَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ(١١)، مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ يَزِيدَ الجُعفيِّ (١٢)، عن الشَّعْبِيِّ، عن النَّبِيِّ وَّةِ، وهُو مُرسَلٌ. وجَابِرُ بنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ جِدًّا، ورُوِيَ أيضًا مِن رِوايَةِ عَبدِ الملِكِ بنِ حَبِيبٍ، عَمَّن أخبَرَهُ، عن مُجَالدٍ (١٣)، عن الشَّعبِيِّ(١٤)، ومُجَالٌ(١٥) ضَعِيفٌ، وفي السَّنَدِ (١) البخاري (٦٨٤). مسند أبي عوانة (٥٢٩/١) (١٩٧٩). (٣) (٥) إكمال المعلم (٣٢١/٢، ٣٢٢). (٧) ليس في: (ك). (٩) في (ك): ((تخلص)). (٢) ليس في: (ح). (٤) بعدها في (ح): ((إن)). (٦) في (ك): ((أحدهما)). (٨) عارضة الأحوذي (١٥٨/٢، ١٥٩). (١٠) في العارضة: ((الشك)). (١١) الدارقطني (٣٩٨/١)، والبيهقي (٨٠/٣). (١٢) ليس في: (ح). (١٣) في الأصل، (م): ((مجاهد)) وهو تصحيف. (١٤) ذكره ابن حزم في المحلى (٦١/٣) من هذه الطريق. (١٥) في الأصل، (م): ((مجاهد))، وهو تصحيف. ٣٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ إِلَيهِ مَن لَم يُسَمَّ، فَلَا يَصِحُّ الاحتِجَاجُ به، لا سِيَّمَا مَعَ مُعَارِضَةِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ التي لا مَطعَنَ فيها. قال الشَّافِعِيُّ (١): قد عَلِمَ الذي احتَجَّ بِهَذَا أن لَيسَت فيه حُجَّةٌ، وأنَّهُ لا يَثْبُتُ؛ لأنه مُرسَلٌ، ولِأَنَّهُ (٢) عن رَجُلٍ يَرغَبُ النَّاسُ عن الرِّوايَةِ عَنْهُ. وقال الدَّارَ قُطْنِيُّ(٣): لَم يَروِهِ غَيْرُ جَابِرِ الجُعفي، وهُو مَترُوٌ، والحَدِيثُ مُرسَلٌ، لا تَقُومُ به حُجَّةٌ. وقال البَيَهَقِيُّ في ((المعرِفَةِ))(٤): وهُو مُختَلَفٌ فيه على جَابِرِ الجُعفي، فَرُوِيَ عَنْهُ هَكَذَا، ورَواهُ إبرَاهِيمُ بنُ طَهِمَانَ، عن جَابِرٍ، عن الحَكَمِ، قال كَتَبَ عُمَرُ: (لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ جَالِسًا بَعدَ النَِّّ ◌َّ). وهَذَا مُرسَلٌ [١/ ١٥١و] مَوقُوفٌ، وَرَاوِيهِ عن الحَگمِ ضَعِيفٌ. وقال ابنُ حَزمٍ(٥): حَدِيثُ الشَّعبِيِّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ جَابِرٌ الجُعفيِ الكَذَّابُ، المشهُورُ بِالقَولِ بِرَجَعَةٍ عَلِيٍّ ◌َبه، ومُجَالِدٌ وهُو ضَعِيفٌ، وهُو مُرسَلٌ مَعَ ذَلِكَ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): هُو حَدِيثٌ لا يَصِحُ عِندَ أهلِ العِلمِ بِالحَدِيثِ، إِنَّمَا يَروِيِهِ جَابِرٌ الجُعفيُّ، عن الشَّعبِيِّ، وجَابِرٌ الجُعفي لا يُحتَجُّ بِمَا يَروِيهِ مُسنَدًا، فَكَيفَ بِمَا يَروِبِهِ مُرسَلًا . ولَمَّا ذَكَرَ ابنُ العَرَبِيِّ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ لا يَصِحُ، عَقَّبَهُ بِقَولِهِ (٧): بَيدَ أَنِّي سَمِعتُ بَعضَ الأشياخِ يَقُولُ: إنَّ الحَالَ أحَدُ وُجُوهِ الشَّخصِيصِ، وحَالُ النَّبِّ وَِّ، والتَّبُرُُّ به، وعَدَمُ العِوضِ مِنْهُ، يَقْتَضِي الصَّلَاةَ خَلفَهُ قَاعِدًا، ولَيسَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِغَيرِهِ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ))(٨). وقد عُرِفَ أنَّ الأصلَ عَدَمُ التَّخصِيصِ، حَتَّى يَدُلَّ عَلَيهِ دَلِيلٌ. (١) البيهقي في الكبرى (٢٨١/٣)، وفي المعرفة (٣٦١/٢) عن الشافعي. (٢) في (ح): ((وأنه)). (٣) الدار قطني (٣٩٨/١). معرفة السنن والآثار (٣٦١/٢). (٤) (٥) المحلى (٦١/٣). التمهيد (١٤٣/٦)، والاستذكار (١٣٥/٢). (٦) عارضة الأحوذي (١٦٠/٢، ١٥٩). (٧) (٨) إحكام الأحكام (ص٢٣٣). بَابُ الإمَامَةِ ٣٣٣ = قُلتُ: وفي ((سُنَنٍ أبي داودَ)(١) عن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ(٢): أنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُم، قال: فَجَاءَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَعُودُهُ، فقالوا(٣): يا رسولَ الله، إنَّ إمَامَنَا (٣٤١/٢°م) مَرِيضٌ. فقال: ((إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا فُعُودًا)). وتَقدمَ مِن كَلَام ابنِ المنذِرِ: ((أنَّ إِمَامًا اشْتَكَى على عَهدِ رسولِ اللهِ لّهِ فَكَانَ يَؤُمُّهُم جَالِسًا، وهُمَ جُلُوسٌ))، ورَواهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ، كَمَا تَقدمَ، فَهَذَانِ الحَدِيثَانِ يَدُلَّان على أنَّ الإمَامَةَ جَالِسًا لا تَخْتَصُ بِالنَّبِّ ◌َلخير. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٤): وأمَّا الاستِدلَال بِتَركِ الخلفاءِ(٥) الإمَامَةَ عن قُعُودٍ، فَأَضعَفُ، فَإِنَّ تَركَ الشَّيءٍ لا يَدُلُّ على تَحْرِيمِهِ، ولَعَلَّهُم اكتَفَوا بِالاِسْتِنَابَةِ لِلقَادِرِينَ، وإِن كَانَ الاِتِّفَاقُ حَصَلَ على أنَّ إمَامَةَ القَاعِدِ لِلقَائِمِ مَرُوحَةٌ، وأنَّ الأولَى تَرِكُهَا، فَذَلِكَ كَافٍ فِي بَيَانِ سَبَبٍ تَركِهِم الإمَامَةَ مِن قُعُودٍ. وقَولُهُم: إِنَّهُ يَشْهَدُ لِصِحَّةٍ (٦) نَهِهِ عن إمَامَةِ القَاعِدِ بَعدَهُ. لَيْسَ كَذَلِكَ، لِمَا بَيِّنَّاهُ مِن أنَّ التَّركِ لِلفِعلِ لا يَدُلُّ على تَحرِیمِهِ. الحَادِيَةَ عَشرَ: قال الحَنَابِلَةُ(٧): لا يَؤُمُّ القَاعِدُ مَن يَقْدِرُ على القِيَامِ، إلَّا بِشَرطَينِ : أحَدُهُمَا: أن يَكُونَ إِمَامَ الحَيِّ، نَصَّ عَلَيهِ أحمَدُ، قال: ذَلِكَ لِإِمَامِ الحَيِّ. لأنه لا حَاجَةَ بِهِم إلَى تَقدِيم عَاجِزٍ عن القِيَامِ، إذَا لَم يَكُن الإمَامُ الرَّاتِبُ، فَلَا يُحتَمَلُ إسقَاطُ رُكٍ في الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّبِيُّ ◌َ حَيثُ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُو الإمَامُ الرَّاتِبُ. الثَّانِي: أن يَكُونَ مَرَضُهُ يُرجَى زَوالُهُ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الزَّمِنِ، ومَن لا تُرجَى قُدرَتُهُ على القِيَامِ رَائِبًا، يُفضِي بِهِم إلَى تَركِ القِيَامِ على الدَّوامِ، ولَا حَاجَةَ إِلَيهِ، (١) أبو داود (٦٠٧)، وقال: وهذا الحديث ليس بمتصل. (٢) في (ك): ((حصين))، وهو تصحيف. (٣) في (ك): ((فقال)). (٤) إحكام الأحكام (ص٢٣٣). (٦) في (ح): ((بصحة)). (٧) ينظر: الكافي (٢٩٣/١)، والمغني (٦٤/٣). (٥) من: (ك، ح). ٣٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ولِأَنَّ الأصلَ فِي هَذَا فِعلُ النَّبِّ وَّهِ، وَالنَّبِيُّ وَ كَانَ يُرجَى بُرُؤُهُ، وقد ظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّ أحمَدَ إنَّمَا يَقُولُ بِجُلُوسِ المأمُومِينَ خَلفَ الإمَامِ القَاعِدِ بِشُرُوطٍ : أحَدُهَا: أن يَكُونَ ابتَدَأْ الصَّلَاةَ بِهِم جَالِسًا . والثَّانِي: أن يَكُونَ إِمَامًا رَاتِبًا . والثَّالِثُ: أن يَكُونَ مَرَضُهُ مَرَجُو الزَّوالِ. فَلَا يَصِحُ إطلاقُ القَولِ عَنْهُ بِجُلُوسِ المأمُومِينَ خَلفَ الإمَامِ القَاعِدِ، وقد تَلَخَّصَ في اقتِدَاءِ القَادِرِ (١) على القِيَامِ بِالعَاجِزِ عَنْهُ مَذَاهِبُ: أحَدُهَا: أنَّهُ لا يُقتَدَى به أصلًا، وهُو مَشهُورُ مَذهَبِ مَالِكٍ. والثَّانِ: أنَّهُ يُقْتَدَى به قَائِمًا، وبِهِ قال الشَّافِعِيُّ، وأبو حَنِيفَةً. والثَّالِثُ: أَنَّهُ يُقْتَدَى به جَالِسًا، وهُو قَولُ جَمَاعَةٍ. والرَّابعُ: أنَّهُ يُقتَدَى به جَالِسًا، إلَّا في حَقِّ المَبَلِّغِ عَنْهُ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ القِيَامِ والجُلُوسِ، وبِهِ قال ابنُ حَزمٍ. والخَامِسُ: أَنَّهُ يُقْتَدَى به جَالِسًا، بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ، وهُو مَذْهَبُ أحمَدَ، كَمَا تَقْدمَ. وهُو مُرَكَّبٌ مِن مَذْهَبِ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ (٢/ ٣٤٢°م)، وغَيرِ هِمَا؛ لأنه يَقُولُ بِمَذْهَبِ مَالِكِ في مَنعِ الاِقتِدَاءِ به بِالكُلِيَّةِ، فيما [١/ ١٥١ظ] إذَا كَانَ غَيرَ رَاتِبٍ، وفيمَا إِذَا كَانَ زَمِنًا (٢). ويَقُولُ بِمَذهَبِ الشَّافِعِيِّ، فيما إذا ابتَدَأْ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ويَقُولُ بِالجُلُوسِ فِي غَيرِ هَذِهِ الأحوالِ. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: اختَلَفَ الحَنَابِلَةُ(٣) فيما إذَا صَلَّى الأَصِحَّاءُ ورَاءَ القَاعِدِ قِيَامًا، هَل تَصِحُّ صَلَاتُهُم، أم لَا؟ على وجهَينِ: أحَدُهُمَا: أنَّهَا لا تَصِحُ، وإِلَيهِ أومَأْ أحمَدُ؛ لأنه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمَرَهُم بِالجُلُوسِ، ونَهَاهُم عن القِيَامِ، والأمرُ يَقتَضِي الوُجُوبَ، والنَّهِيُّ يُقْتَضَى فَسَادَ المنهِيِّ عَنْهُ. (١) في (ح): ((القادرين)). (٣) ينظر: المغني (٦٣/٣، ٦٤). (٢) في (ك): ((راتبًا)). بَابُ الإمَامَةِ ٣٣٥ 2 = والثَّانِي: تَصِحُّ؛ لأنه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، لَمَّا صَلَّى ورَاءَهُ قَومٌ قِيَامًا، لَم يَأْمُرُهُم بِالإِعَادَةِ. فَعلى هَذَا يُحمَلُ الأمرُ على الاِستِحِبَابِ. قال ابنُ قُدَامَةَ، بَعدَ حِكَايَةِ المذهَبَينِ (١): ويُحتَمَلُ أن تَصِحَّ صَلَاةُ الجَاهِلِ بِوُجُوبِ القُّعُودِ دُونَ العَالِمِ بِذَلِكَ؛ كَقَولِنَا فِي مَن رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ. ■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: قد يُستَدَلُّ به على أنَّهُ إذَا صَلَّى الإمَامُ مُضطَجِعًا لِعُذرٍ، يُصَلِّي ورَاءَهُ المأمُومُونَ مُضطَجِعِينَ، لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّمَا الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ))(٢). لَكِن ذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ(٣): أنَّهُ لا خِلَافَ في أنَّ المصَلِّيَ خَلفَ المضطّجِعِ لا يَضَجِعُ. انتَھَی. وفي نَفي الخِلَافِ: نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابنَ حَزِمٍ يَقُولُ(٤): إنَّ المقتَدِيَ بِالمضطّجِعِ لا يُصَلِّي إلَّا مُضطَجِعًا مُومِيًا . إلَّا أن يُقالَ: خِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ غَيرُ مُعتَدٍّ به، أو نَرَى هَذَا قَوْلًا مُختَرَعًا، لَم يُسبَق إِلَيهِ قَائِلُهُ. ومَذْهَبُ الحَنَابِلَةِ: مَنعُ الاقتِدَاءِ بِالمضطَجِعِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلَم يَستَوفُوا العَمَلَ بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّمَا الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)). وأمَّا المالِكِيَّةُ: فَإِنَّهُم مَنَعُوا الاقتِدَاءَ بِالقَاعِدِ مُطلَقًّا، فَالمضطَجِعُ أولَى بِذَلِكَ، ووافَقَهُم أبو حَنِيفَةَ في المضطَجِعِ، فَمَنَعَ اقِدَاءَ القَائِمِ بِالمضطَجِعِ، مَعَ تَجوِيزِهِ اقْتِدَاءَ القَائِمِ بِالقَّاعِدِ، وجَوزَ الشَّافِعِيُّ اقِتِدَاءَ القَائِمِ بِالمضطَجِعِ، كَمَا جَوزَ اقتِدَاءَهُ بِالقَاعِدِ، وبِهِ قال زُفَرُ بنُ الهُذَيلِ، فقال: يَقتَدِي القَائِمُ بِالمضطَجِعِ فَائِمًا، وحَكَاهُ ابنُ المنذِرِ(٥): عن أصحَابِ الرَّأيٍ. واستَدَلَّ ابنُ قُدَامَةَ، على مَنع الاقتِدَاءِ به (٦): بِأنَّهُ أَخَلَّ بِرُكنٍ لا يَسقُطُ في النَّافِلَةِ، فَلَمْ يَجُز لِلقَادِرِ عَلَيهِ الاِئْتِمَامُ به؛ كَالقَارِئٍ بِالأُمِّيِّ. انتَهَى. (١) المغني (٦٤/٣). (٣) المغني (٦٦/٣). (٥) الإشراف (١٤٤/٢). (٢) البخاري (٣٧٨)، مسلم (٧٧/٤١١). (٤) المحلى (٥٩/٣). (٦) المغني (٦٥/٣). ٣٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقَولُهُ: إِنَّهُ لا يَصِحُ النَّفَلُ مُضطَجِعًا. مَرُدُودٌ، فَالأصَحُّ في مَذْهَبِنَا: صِحَّتُهُ مُضطَجِعًا، فَبَطَلَ قِيَاسُهُ على القِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسقُطُ في النَّافِلَةِ. قال ابنُ قُدَامَةً: فَأْمَّا إن أمَّ مِثْلَهُ، فَقِيَاسُ المذهَبِ صِحَّتُهُ. (٣٤٣/٢م) الحَدِيثُ الثَّالِثُ وعَنْ أَنَسِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِن الصَّلَواتِ قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انصَرَفَ، قال: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإِذَا رَكَعَ فَارَكَعُوا، وإِذَا رَفَعَ فَارِفَعُوا، وإذَا قالٍ: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الحَمدُ. وإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجمَعُونَ))(١). وأمرُهُم بِالجُلُوسِ مَنسُوخٌ، بِمَا في ((الصَّحِيحَينِ))(٢) مِن حَدِيثٍ عَائِشَةَ: ((مِن صَلَائِهِ جَالِسًا في مَرَضِ مَوتِهِ، وأبو بَكرٍ والنَّاسُ ورَاءَهُ قِيَامًا)). فيه فوائدُ، غَيرُ مَا تَقدمَ في الحَدِيثِ قَبلَهُ: ■ الأولى: قَولُهُ: ((فَصُرِعَ)). بِضَمِّ الصَّادِ المهمَلَةِ، وكَسرِ الرَّاءِ؛ أي: (٣) سَقَطَ عن ظَهرِ الفَرَسِ. قال في ((المحكَمِ))(٤): الضَّرُ الطَّرحُ بِالأرضِ. وقَولُهُ: ((فَجُحِشَ)). بِضَمِّ الجِيمِ، وكَسرِ الحَاءِ المهمَلَةِ، بَعدَهَا شِينٌ مُعجَمَةٌ؛ أي: قُشِرَ جِلدُهُ، وخُدِشَ. وذَكَرَ بَعضُهُم أنَّ الجَحْشَ أكبَرُ مِن الخَدشِ. وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَخُدِشَ، أو فَجُحِشَ))(٥). وهَذَا (٢/ ٣٤٤م) يَقْتَضِي فَرِقًّا بَيْنَهُمَا، إلَّا أن يَكُونَ شَكًا مِن الرَّاوِي، في اللَّفِظِ المُقُولِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): قد يَكُونُ مَا أَصَابَ رسولَ اللهِ وَّةٍ مِن ذَلِكَ (١) البخاري (٣٧٨)، مسلم (٤١١ / ٧٧). (٣) ليس في: (ح). (٥) البخاري (١١١٤). (٢) البخاري (٦٦٤)، مسلم (٤١٨/٩٥). (٤) المحكم (٤٣٤/١). (٦) إكمال المعلم (٣١١/٢). بَابُ الإمَامَةِ ٣٣٧ السُّقُوطِ رَضٌّ في الأعضَاءِ، وتَوجُعٌ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهُ القِيَامَ في الصَّلَاةِ. انتَهَى. وقَولُهُ: ((شِقُّهُ)). بِكَسرِ الشِّينِ المعجَمَةِ؛ أي: جَانِبُهُ، وفي رِوايَةِ اللَّيثِ، الاِقتِصَارُ على قَولِهِ: (فَجُحِشَ)). وهِيَ في ((الصَّحِيحَينِ))(١)، وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ(٢)، (٣)عن ابنٍ عُيَينَة٣ً)، حَفِظت: ((شِقُّهُ الأيمَنُ)). [١٥٢/١ و] فَلَمَّا خَرَجنَا مِن عِندِ الزُّهرِيِّ، قال ابنُ جُرَيجِ: ((فَجُحِشَ سَاقُهُ الأيمَنُ)). انتَهَى. وقَولُهُ: ((فَجُحِشَ سَاقُهُ الأيمَنُ)). لا يُنَافِي قَولَهُ في الرِّوايَةِ المشهُورَةِ: ((شِقُّهُ الأيمَنُ)). لِأَنَّ الجَحْشَ لَم يَستَوعِب الشِّقَّ، وإنَّمَا كَانَ فِي بَعضِهِ. وقد تَبَيَّنَ بِتِلكَ الرِّوايَةِ أنَّ ذَلِكَ البَعضَ هُو السَّاقُ، وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))، وغَيرِهِ(٤) عن جَابِرٍ: ((رَكِبَ رسولُ اللهَِّهِ فَرَسًّا بِالمدِينَةِ، فَصَرَعَهُ على خِذم(٥) نَخْلَةٍ، فَانفَكَّت قدمُهُ)). الحَدِيثَ. فَيُحتَمَلُ أن يُقالَ في الجَمعِ بَينَهُ وبَيْنَ حَدِيثٍ أنَسٍ: لا مَانِعَ مِن حُصُولِ فَكِّ القدمِ، وقَشرِ الجِلدِ مَعًا، ويُحتَمَلُ أنَّهُمَا واقِعَتَانِ. ■ الثانيةُ: قَولُهُ: ((فَصَلَّى صَلَاةً مِنِ الصَّلَواتِ)). الظَّاهِرُ: أنَّ المرَادَ مِن الصَّلَواتِ المعهُودَةِ، وهِيَ الخَمسُ، وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ في ((صَحِيحِهِ)) (٦): (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ» . قال القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّووِيُّ، وغَيرُهُمَا (٧): ظَاهِرُهُ أنَّهُ صَلَّى بِهِم صَلَاةَ مَكتُوبَةً . قُلتُ: وفي ((سُنَنِ أبي داودَ)) مِن حَدِيثِ جَابِرِ التَّصرِيحُ: ((بِأَّهُ صَلَّى بِهِم صَلَةً مَكْتُوبَةً))(٨). وفي رِوايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ(٩): (صَلَّى بِنَا رسولُ اللهِوَِّ الظُّهرَ، (١) البخاري (٣٧٨)، مسلم (٤١١/ ٧٧). (٣ - ٣) ليس في: (ح). (٢) البخاري (٨٠٥). (٤) أبو داود (٦٠٢). (٥) في (م): ((جذع)). وجذم النخلة: أصلها. ينظر: النهاية (٢٥٢/١). (٦) مسلم (٤١١ / ٧٧). النووي على مسلم (١٣٢/٤)، إكمال المعلم (٣١٢/٢)، فتح الباري (٢/ ١٨٠). (٧) أبو داود (٦٠٢). (٨) النسائي (٧٩٧). وقال في حاشية (ت): ((رواية النسائي هذه، إنما هي في صلاته وَلطاقة (٩) بهم في المسجد في مرض موته، فإنها الظهر، كما ثبت في الصحيحين)). ٣٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأبو بَكرٍ خَلفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رسولُ اللهِ وَلِ كَبَّرَ أبو بَكرٍ يُسمِعُنَا)). وفي هَذَا رَدٍّ على مَن قال: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ كَانَت نَفلًا. وقد أشَارَ إلَى ذَلِكَ، أعنِي كَونَهَا كَانَت (١) نَفْلًا، ابنُ القَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكِ، كَمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ، وغَيرُهُ(٢). ■ الثَّالِثَةُ: فيه صَلَاةُ المرِيضِ قَاعِدًا، وهُو مُجمَعٌ عَلَيهِ، ولَا يَتَوقَّفُ ذَلِكَ على عَدَمِ إمكَانِ القِيَامِ، بَل لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا، إذَا خَافَ الهَلَاكَ، أو زِيَادَةَ المَرَضِ، أو لُحُوقَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أو خَوفَ الغَرَقِ، ودَورَانِ الرَّأسِ في حَقِّ رَاكِبِ السَّفينَةِ، واختَارَ إِمَامُ الحَرَمَينِ فِي ضَبطِ العَجزِ: أن يَلحَقَّهُ بِالقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذهِبُ خُشُوعَهُ(٣). ■ الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((فَصَلَّيْنَا ورَاءَهُ قُعُودًا)). قد يَقتَضِي أنَّهُم قَعَدُوا مِن أولِ الأمرِ، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٤) مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((فَصَلَّى وَرَاءَهُ قَومٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيهِم أن اجلِسُوا))، وكَذَا في حَدِيثِ جَابِرٍ(٥)، والجَمِعُ بَيْنَهُمَا مِن أوجُهٍ: أحَدُهَا: أنَّهُ ذَكَرَ في حَدِيثِ أَنَسٍ مَا آلَ إلَيهِ الأمرُ مِن قُعُودِهِم بَعدَ أمرِهٍ لَهُم بِذَلِكَ. ثَانِيهَا: يُحتَمَلُ أنَّ بَعضَهُم قَعَدَ مِن (٣٤٥/٢م) الأول، فَأخبَرَ عَنهُ أَنَسٌ، وبَعضَهُم قَامَ، حَتَّى أَمَرَهُ(٦) النَّبِيُّ ◌َّهُ بِالجُلُوسِ، فَجَلَسَ، فَأَخِبَرَت عَنْهُ عَائِشَةُ، وجَابِرٌ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ ((المفهِم))(٧). ثَالِثُهَا: يُحتَمَلُ أنَّهُمَا واقِعَتَانِ. ■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: (فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا))؛ أي: لِمَن استَطَاعَ ذَلِكَ، فَمَن عَجَزَ عَنْهُ، صَلَّى على حَسَبِ حَالِهِ، مَعَ الاقتِدَاءِ بِالإِمَامِ القَائِمِ، وهَذَا لا خِلافَ فیه. (١) ليس في: (ح). (٢) إكمال المعلم (٣١٢/٢)، وينظر: فتح الباري (١٨٠/٢). (٣) ينظر: الشرح الكبير (٢٨٥/٣)، وروضة الطالبين (٢٣٤/١). البخاري (٦٨٨)، مسلم (٨٢/٤١٢). (٥) مسلم (٨٤/٤١٣). (٤) (٦) في (ك): ((أمرهم)). (٧) المفهم (٤٦/٢). بَابُ الإمَامَةِ ٣٣٩ ■ السَّادِسَةُ: فيه أنَّهُ يَجُوزُ لِلإِمَامِ إذَا مَرِضَ، وعَجَزَ عن القِيَامِ أن يُصَلِّيَ بِنَفْسِهِ، ولَا يَسْتَخِلِفُ، لَكِنَّ الأفضَلَ لَهُ الاستِخلَافُ. قال الشَّافِعِيُّ لَهُ(١): وإِنَّمَا اختَرتُ أن يُوكِّلَ الإمَامُ، إذَا مَرِضَ، رَجُلًا صَحِيحًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَائِمًا، أنَّ مَرَضَ رسولِ اللهِ وَ ﴿ كَانَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وإِنَّا لَم نَعلَمُهُ صَلَّى بِالنَّاسِ جَالِسًا في مَرَضِهِ إلَّا مَرَّةً واحدة، لَم يُصَلِّ بِهِم بَعدَهَا عَلِمتُه، حَتَّى لَقِيَ اللهَ رَتْ، فَدَلَّ ذَلِكَ على أنَّ التَّوكِيلَ بِهِم والصَّلَاةَ قَاعِدًا جَائِزَانِ عِندَهُ مَعًا، وكَانَ مَا صَلَّى (٢) بِهِم غَيرُهُ بِأمرِهِ أكثَرَ مِن ذَلِكَ. انتَهَى. ومُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِكَونِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يُصَلِّ بِالنَّاسِ جَالِسًا في مَرَضِهِ إلَّا مَرَّةَ: مَرَضِ مَوتِهِ، فَإِنَّهُ قد صَلَّى بِهِم في غَيرِ مَرَضِ الموتِ غَيرَ مَرَّةٍ، وَهُو جَالِسٌ، وهُم جُلُوسٌ، كَمَا دَلَّت عَلَيهِ الأحَادِيثُ. وكَذَا ذَكَرَ الحَنَابِلَةُ(٣): أنَّهُ يُستَحَبُّ لَهُ الاستِخلَافُ عِندَ العَجِزِ عن القِيَامِ، وعَلَّلُوهُ(٤): بِأنَّ النَّاسَ اختَلَفُوا في صِحَّةِ إِمَامَتِهِ، فَنَخْرُجُ(٥) مِن الخِلَافِ، وبِأَنَّ صَلَاةَ القَائِم أكمَلُ، فَيُستَحَبُّ أن يَكُونَ الإمَامُ كَامِلَ الصَّلَاةِ، وأجَابُوا عن هَذَا الحَدِيثِ بِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الجَوازِ، واستَخلَفَ في الأكثَرِ، وبِأنَّ الاقتِدَاءَ بِالنَّبِّ وَِّ قَاعِدًا أفضَلُ مِن الاقتِدَاءِ بِغَيرِهِ قَائِمًا . ا السَّابِعَةُ: تَبَيَّنَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وجَابِرٍ أنَّ ذَلِكَ لَم يَكُن في المسجِدِ، وإنَّمَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، وكَأنَّهُ لَم يَستَطِعِ [١٥٢/١ ظ] الخُرُوجَ لِعُذرِهِ، ولا يُمكِنُ التَّقدُّمُ عَلَيهِ، فَصَلَّى بِهِم، وصَلَى النَّاسُ ورَاءَهُ فِي مَنزِلِهِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): والظَّاهِرُ: أنَّ مَن في المسجِدِ صَلَّى بِصَلَاتِهِ لِكَونِ مَنزِلِهِ في المسجِدِ، قال: وفيه جَوازُ صَلَاةِ الإمَامِ على أرفَعَ مِمَّا عَلَيهِ أصحَابُهُ، إذَا كَانَت مَعَهُ جَمَاعَةٌ هُنَاكَ؛ أي: لِأَنَّ في حَدِيثِ جَابِرِ: ((أَنَّهُ كَانَ فِي مَشرُبَةٍ لِعَائِشَةً)). (١) الأم (٥٣٥/٨)، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي (٣٥٣/٢). (٢) في (ح): ((يصلي)). (٤) في (ح): ((وعللوا)). (٦) إكمال المعلم (٣١٥/٢). (٣) المغني (٦٠/٣). (٥) في (ح): ((فيخرج)). ٣٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال: وقد رُوِيَ هَذَا عن مَالِكٍ، وحَمَلَهُ شُيُوخُنَا على تَفسِيرٍ مَا وقَعَ لَهُ مِن الكَرَاهَةِ مُجمَلًا (١)، وأنَّ مَنعَهُ مِن ذَلِكَ إِنَّمَا هُو لِمَن يَفعَلُهُ تَكَبُّرًا، وهُو ضِدُّ مَا وُضِعَتْ لَّهُ الصَّلَاةُ، مِن التَّواضُعِ والسَّكِينَةِ، ولِذَلِكَ قال: لِأَنَّ هَؤُلَاءٍ يَعِبَثُونَ. انتَهَى. وهَذِهِ الصُّورَةُ، إن صَحَّ فيها أنَّ أهلَ المسجِدِ صَلَّوا مُقْتَدِينَ بِالنَّبِيِّ وَل (٣٤٦/٢م)، لَيسَت مِن صُورِ المنعِ عِندَ مَالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ؛ لأنهمَا يَقُولَانِ: إن كَانَ مَعَ الإِمَامِ في العُلُوِّ طَائِفَةٌ، جَازَت بِالذينَ أسفَلَ، وإلَّ فَلَا. الحَدِيثُ الرَّابِعُ جَ وعَن الأعرج، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ، قال: «إِذَا صَلَّى أحَدُكُم لِلنَّاسِ فَليُخَّفِّف، فَإِنَّ فيهم السَّقِيمَ والضَّعِيفَ والكَبِيرَ، وإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ (٢) لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ))(٣). وعَنْ هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا مَا قَامَ أحَدُكُم لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّف، فَإِنَّ فيهم الكَبِيرَ، وفيهم الضَّعِيفَ، وفيهم السَّقِيمَ، وإِذَا قَامَ(٤) وحدَهُ، فَلْيُطِلِ (٥) صَلَاتَهُ مَا شَاءَ))(٦). فيه فوائدُ: ■ الأولى: فيه أمرُ الأَئِمَّةِ بِتَخفيفِ الصَّلَاةِ، مُرَاعَاةً لِحَالِ المأمُومِينَ. وقال التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِهِ))(٧): وهُو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلم؛ اختَارُوا أن لا يُطِيلَ الإمَامُ الصَّلَاةَ، مَخَافَةَ المِشَقَّةِ على الضَّعِيفِ والكَبِيرِ والمرِيضِ. انتَهَى. وهُو يَقتَضِي خِلَافًا فِي ذَلِكَ بَيْنَ أهلِ العِلمِ، ولَا أعلَمُ فيه خِلَافًا . (١) في (ك): ((حملًا)). (٢) ليس في: (ك). (٣) البخاري (٧٠٣)، ومسلم (١٨٣/٤٦٧). (٤) في (ك): ((صلى)). (٥) في الأصل، (م): ((فليطول)). (٦) مسلم (٤٦٧ /١٨٤). جامع الترمذي (٤٦١/١)، عقب الحديث (٢٣٦). (٧)