Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إِلَيها
وفِي بَعضِ ألفَاظِهِ، عِندَ مُسلِم: («تَزِيدُ عَلى (١) صَلَاتِهِ وحدَهُ))(٢). وفِيهِ
التَّصرِيحُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وحدَهُ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: للقائِلِ بِاشْتِرَاطِ الجَمَاعَةِ أن يُجِيبَ، عَمَّا استَدَلَّ بِهِ مِنَ
الاشتِرَاكِ في الأفضليةِ بينَ الجَمَاعَةِ والفَذِّ، بأن يُحمَلَ ذلك على صلاةِ الفَذِّ
الصَّحِيحَةِ عِندَهُم؛ كَمَن لَهُ عُذرٌ مِن مَرَضٍ ونحوه.
والجَوابُ عنهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أنَّ المَعذُورَ لَا يُكتَبُ لَهُ(٣) التَّضعِيفُ المَجعُولُ
لِلجَمَاعَةِ، بِدَلِيلِ مَا رَواهُ البُخَارِيُّ(٤) مِن حَدِيثِ(٥): ((إِذَا مَرِضَ العَبدُ أو سَافَرَ،
كَتَبَ اللهُ لَهُ(٦) مَا كَانَ يَعمَلُهُ، صَحِيحًا مُقِيمًا)».
ورَوى أبو دَاودَ، والنَّسَائِيُّ(٧)؛ مِن حَدِيثٍ أبي هريرةَ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّه: ((مَن تَوضَّأ (٢٩٨/٢م) فَأحسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَد
صَلَّوا: أعطَاهُ الله ◌َ أجرَ مَن صَلََّها وحَضَرَها، لَا يَنقُصُ ذلك مِن أجرِهِم
شيئًا)) .
وأمَّا قَولُ النَّووِيِّ في ((شَرحِ المُهَذَّبٍ))(٨): إنَّ أصحَابَ الأعذَارِ، لَا
يَحصُلُ(٩) لَهُم فَضِيلَةُ الجَمَاعَةِ بِلاَ شَكٌّ، فهو مَردُودٌ استِدلَالًا بِمَا [١٣٩/١ و]
ذَكَرِنَاهُ، ومَرُدُودٌ نَقلًا بِمَا ذَكَرَهُ القَفَّالُ، والرُّويَانِيُّ، والغَزَّالِيُّ، مِن حُصُولِ ثَوابٍ
الجَمَاعَةِ لَهُم (١٠)، واللهُ أعلمُ.
الخَامِسَةُ: قَد اختَلَفَتِ الأحَادِيثُ، في العَدَدِ الذي تَفضُلُ بِهِ صلاةٌ
الجَمَاعَةِ على الاِنفِرَادِ، فَفِي حَدِيثِ البَابِ: ((بِسَبعِ وعِشرِينَ))، وفِي الرِّوايَاتِ
(٢) مسلم (٦٥٠/ ٢٥٠).
(١) في الأصل، (م): ((عن)).
(٣)
ليس في: (ك).
(٤)
البخاري (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى.
(٥)
لیس في: (ح).
أبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٨٥٤).
(٧)
(٩) في (ح): ((تحصل)).
(٦) ليس في: (ح).
(٨) المجموع شرح المهذب (٢٠١/٤).
=
(١٠) ينظر: الحاوي الكبير (٣٠٠/٢)، والشرح الكبير (٢٨٢/٤)، وبحر المذهب (٣٩٣/٢).

٢٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
المَذكُورَةِ في بَقِيَّةِ البَابِ: ((بِخَمسٍ وعِشرِينَ))، ولِابنِ مَاجَه (١) مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ
كَعبٍ: «أربَعًا وعِشرِينَ، أو خَمسًا وعِشرِينَ دَرَجَةً)). فَمَا الجَمعُ بَينَ هذا(٢)
الاِختِلَافِ؟
وقَدْ أُجِيبَ عن ذلك بِأجوِبَةٍ :
أحَدُها: مَا قِيلَ: إنَّ الدَّرَجَةَ أصغَرُ مِن الجُزءِ، فَكَأنَّ الخَمسَةَ وعِشرِينَ جُزءًا،
إِذَا جُزِّئَت دَرَجَاتٍ، كَانَت سَبعًا وعِشرِينَ، حَكَّاهُ صَاحِبُ ((المُفهِم)). وغيره(٣).
وهذا الجَوابُ يَرُدُّهُ: مَا ذُكِرَ في بَقِيَّةِ البَابِ مِن الرِّوايَةِ، التي في
((الصَّحِيحَينِ))(٤) مِن حَدِيثِ أبي هريرةَ: ((خَمسًا وعِشرِينَ دَرَجَةً)). وكَذَا مَا ذُكِرَ عِندَ
البُخَارِيِّ(٥)، مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ: ((بِخَمسٍ وعِشِرِينَ دَرَجَةً)».
والثَّانِي: أنَّ اللهَ كَتَبَ فِيها: أنَّها أفضَلُ بِخَمسَةٍ وعِشْرِينَ جُزءًا، ثُمَّ تَفضُلُ
بِزِيَادَةِ دَرَجَتَيْنِ .
والثَّالِثُ: أنَّ ذلك بِحَسَبٍ أحوالِ المُصَلِّينَ، فَيَحصُلُ التَّضعِيفُ لِبَعضِهِم
بِخَمسَةٍ وعِشْرِينَ، ولِبَعضِهِم بِسَبعَةٍ وعِشِرِينَ، بِحَسَبٍ مُحَافَظَّتِهِم على آدَابِ الجَمَاعَةِ.
والرَّابِعُ: أنَّ ذلك يَرجِعُ إلَى أعيَانِ الصَّلَواتِ، فَيَفْضُلُ بَعضُها بِخَمسٍ،
وبَعضُها بِسَبع: حَكَاها كُلَّهَا صَاحِبُ ((المُفهِمِ)).
وأما(٦) حَدِيثَ أُبَيِّ: فهو شَكٍّ مِن بَعضِ الرُّواةِ، وقَد حَفِظَ غَيرُهُ خَمسًا
وعِشِرِينَ، والله تعالى أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: ذَكَرَ صَاحِبُ (المُفهِم)) (٧): أنَّ صلاةَ الجَمَاعَةِ بِثَمَانِيَةٍ(٨)
وعِشرِينَ صَلَاةً، أخَذَ ذلك مِن قَولِهِ: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ على صَلَائِهِ
(١) ابن ماجه (٧٩٠).
(٢) ليس في: الأصل.
ينظر: المفهم (٢٧٤/٢)، وفتح الباري (١٣٢/٢)، والزرقاني على الموطأ (٣٧٥/١).
(٣)
(٤)
البخاري (٤٧٧)، ومسلم (٢٤٦/٦٤٩). (٥) البخاري (٦٤٦).
(٦)
في (م): ((فذکر)).
(٧) المفهم (٢٧٥/٢، ٢٧٤).
(٨) كذا في النسخ، وقال في حاشية (م): ((صوابه: بثمانٍ وعشرين)). وفي المفهم: ((ثمانية
وعشرون جزءًا)). كما سيذكرها بعدُ.

٢٦٣
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشىِ إلَيها
وحدَهُ، سَبعًا وعِشرِينَ دَرَجَةً)). فَقال: وقَد أَفَادَت هَذِهِ الزِّيَادَةُ، أنَّ المُصَلِّيَ في
جَمَاعَةٍ يَكُونُ لَهُ ثَمَانِيةٌ وعِشرُونَ(١)، بِاعتِبَارِ الأصلِ الذي زِيدَ عَلَيهِ سَبعٌ وعِشْرُونَ،
ويَكُونُ لِلْمُصَلِّي وحدَهُ جُزءٌ واحِدٌ.
السَّابِعَةُ: هَل هذا الفَضلُ المَذْكُورُ لِلجَمَاعَةِ مُقَيَّدٌ، بِكُونِها في المَسجِدِ،
أو التَّضعِيفُ حَاصِلٌ بِمُطلَقِ الجَمَاعَةِ في أيِّ مَوضِعٍ كَانَت؟
حَكَى صَاحِبُ ((المُفهِم))(٢) فيه خِلَافًا، قال: والظَاهِرُ الإطلَاقُ؛ لِأَنَّ
الجَمَاعَةَ هُو الوصفُ الذي عُلِّقَ عَلَيهِ الحُكمُ.
قُلتُ: ولكن ظَاهِرُ الرِّوايَةِ المَذكُورَةِ مِنِ ((الصَّحِيحَينِ))(٣)، في آخَرِ البَابِ
يَقْتَضِي التَّقِيدَ بِالمَسجِدِ، لِمَا فيه مِنَ (٢٩٩/٢م) الإشَارَةِ إلَى العِلَّةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ
أنَّها: ((تَفضُلُ بِخَمسَةٍ وعِشرِينَ ضِعفًا، أو بِبضعٍ وعِشرِينَ دَرَجَةً)). قال: ((وذَلِكَ،
أنه إِذَا تَوضَّأْ فَأحسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ))، فَذَكَرَ
الحدیثَ.
فَعَلَّلَ مَا ذَكَرَ مِن الثَّوابِ(٤) أولًا، بِمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا، وفِيهِ الخُرُوجُ إلَى
المَسجِدِ، وكَذَا(٥) قَولُهُ في أولِ (٦) الحديثِ: ((تَزِيدُ على صَلَائِهِ في بَيتِهِ وفِي
سُوقِهِ)). ورُبَّمَا كَانَت صَلَاتُهُ فِي بَيتِهِ أو في سُوقِهِ جَمَاعَةً، فَرَتَّبَ عَلَيها الفَضلَ
بِالتَّضعِيفِ المَذكُورِ، والله تعالى أعلمُ.
■ الثَّامِنَةُ: تَكَلَّفَ بَعضُ شَارِحِي البُخَارِيِّ، وهُو ابنُ بَطَّالٍ، بِأن عَيَّنَ
الدَّرَجَاتِ السَّبعَ وعِشرِينَ مِن أَحَادِيثَ ذَكَرَها، وهِيَ نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ،
والخُطَى إِلَى المَسجِدِ، وصَلَاةُ المَلَائِكَةِ عَلَيهِ، وكَوُهُ في صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ،
وإدرَاكُ النِّدَاءِ، والصَّفِّ الأولِ، والتَّهجِيرُ، واجتِمَاعُ مَلَائِكَةِ الليلِ، ومَلَائِكَةٍ(٧)
(١) في الأصل، (م): ((وعشرين)).
(٣)
تقدم تخريجه.
(٥)
في (ك): ((وأما)).
ليس في: (ح).
(٧)
(٢) المفهم (٢٧٥/٢).
(٤) في (ح): ((القول)).
(٦) ليس في: (ك).

٢٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الَّهارِ في الصُّبحِ والعَصرِ، وإجَابَةُ دَاعِيَ الله، والسَّكِينَةُ في إتّيَانِ الصَّلَاةِ، والذّكرُ
في طَرِيقِهِ إِلَيها، والصَّلَاةُ على النَّبِيِّ نََّ، والدُّعَاءُ عِندَ دُخُولِ المَسجِدِ، وعِندَ(١)
الخُرُوجِ مِنْهُ، والسَّلامُ عِندَ دُخُولِ المَسجِدِ، وتَحِيَّةُ المَسجِدِ، (٢) وتَركُ الخَوض٢ِ)
في الذُّنيَا في المَسجِدِ، وإجَابَةُ الدُّعَاءِ بِحَضرَةِ النِّدَاءِ، واعتِدَالُ الصُّفُوفِ،
والتَّرَاصُ فِيها، واستِمَاعُ قِرَاءَةِ الإِمَامِ، وقَولُ: رَبَِّا وَلَك الحَمدُ، بَعدَ قَولِ الإمَام:
سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، [١٣٩/١ظ] ومُوافَقَةُ المَلَائِكَةِ في التَّأْمِينِ، وشَهادَةُ المَلَائِكَةِ
لِمَن حَضَرَ الجَمَاعَةَ، وتَحَرِّي مُوافَقَةَ الإِمَامِ، وفَضلُ تَسلِيمِهِ على الإمَامِ، وعَلَى
مَن بِجَنبِهِ (٣)، وفَضْلُ دُعَاءِ الجَمَاعَةِ، والاعتِصَامُ بِالجَمَاعَةِ مِن سَهوِ الشَّيطَانِ،
قال: فَتَمَّتِ سَبعًا وعِشرِينَ دَرَجَةٌ(٤).
■ التَّاسِعَةُ: قَولُهُ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، عِندَ أَبِي دَاوُدَ: ((فَإِذَا صَلََّها في
فَلَاةٍ)). هَل المُرَادُ مِنْهُ صَلَّاها في الفَلَاةِ في جَمَاعَةٍ، أو مُنفَرِدًا، أو أعَمُّ مِن
ذَلِكَ؟
حَكَى أبو دَاوُد في ((سُنَنِهِ))(٥)، بَعدَ تَخْرِيجِهِ، مَا يَقتَضِي أنَّ المُرَادَ مَعَ
الِنفِرَادِ، فَقال: قال عَبدُ الواحِدِ بنُ زِيَادٍ، في هذا الحديثِ: ((صلاةُ الرَّجُلِ في
الفَلَاةِ، تُضَاعَفُ على صَلَاتِهِ فِي الجَمَاعَةِ)). وسَاقَ الحديثَ.
قُلتُ: وليسَ في الحديثِ مَا يَقتَضِي كَونَهُ مُنفَرِدًا أو في جَمَاعَةٍ، بَل يَحتَمِلُ
كُلَّ مِنِ الأمرَينِ، فَإِن كَانَ المُرَادُ بِهِ الجَمَاعَةَ في الفَلَاةِ، فَإِنَّمَا ضُعِّفَت على
الجَمَاعَةِ في المَسجِدِ؛ لِأَنَّ المُسَافِرَ لَا يَتَأْكَّدُ فِي حَقِّهِ الجَمَاعَةُ، كَمَا تَتَأكَّدُ على
المُقِيمِ، حَتَّى اذَّعَى النَّورِيُّ(٦): أنه لَا يَجرِي في المُسَافِرِ الخِلَافُ، الذي في
(١) يس في: (ح).
(٢ - ٢) في (ح): ((والخوض))، وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة: ((وترك الخوض)).
(٣) في (ح): (یجیبه)).
شرح صحيح البخاري (٢٧٣/٢ - ٢٧٥).
(٤)
(٥) أبو داود (٥٦٠).
(٦) ينظر: المجموع شرح المهذب (١٨٧/٤)، وروضة الطالبين (٣٣٩/١).

==
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
٢٦٥
كَونِها فَرِضَ كِفَايَةٍ، أو فَرِضَ عَينٍ لِشُغلِهِ (٢/ ٣٠٠م) بِالسَّفَرِ، فَإِذَا أقامَها جَمَاعَةً في
السَّفَرِ، مَعَ (١) وُجُودِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، ضُوعِفَت لَهُ على الإقامَةِ، فَكَانَت بِخَمسِينَ،
وإِن كَانَ المُرَادُ بِهِ فِعلَها مُنفَرِدًا، فَلَمَّا وَرَدَ أنَّ: ((مَن أَذَّنَ فِي فَلَاةٍ، وأقامَ وصَلَّى،
صَلَّى مَعَهُ صَقِّ مِن المَلَائِكَةِ، لَا يُرَى طَرَفَاهُم))(٢)، فَضُوعِفَتْ صَلَاتُهُ، لأفضَلِيَّةِ
المَلَائِكَةِ الذين صَلَّوا مَعَهُ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ العَاشِرَةُ: مَا ذَكَرِنَاهُ عن الحَاكِمِ، مِن جَعلِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ على شَرطِ
الشَّيخَينِ، وقَعَ لِلحَاكِم فيه وهَمٌ، وهُو أنه قال بَعدَ ذلك: فَقَد اتَّفَقا على الحُجَّةِ،
بِرِوايَاتِ (٣) هِلَالِ بنِ أَبِي(٤) هِلَالٍ، ويُقالُ: ابنُ أبِي مَيمُونَةَ، [ويُقالُ: ابنُ عَلِيٍّ،
ويُقالُ: ابْنُ أُسَامَةَ، و(٥) كُلُّهُ واحِدٌ(٦)، انتَهَى كَلَامُهُ.
وهُو وهَمٌ، فَإِنَّ هِلَالَ بنَ مَيمُونٍ (٧)](٨): المَذكُورَ في سَنَدِ هذا الحديثِ،
ليسَ هُو هِلَالًا الذي احتَجَّ بِهِ الشَّيخَانِ، ذَاكَ أقدَمُ مِن هذا، وهُو مَدَنِيٍّ قُرَشِيٍّ
عَامِرِيٌّ، مَولَاهُم، مِن التَّابِعِينَ.
ورَاوِي هذا الحديثِ مِن جُهَينَةَ، ويُقالُ: مِن هُذَيلٍ، فِلَسِطِينِيٌّ رَملِيٍّ، مِن
أتبَاعِ التَّابِعِينَ، وقَد فَرَّقَ بَينَهُمَا الْبُخَارِيُّ (٩)فِي ((التَّارِيخ))٩)، وابنُ أَبِي حَاتِمٍ في
(الجَرحِ والتَّعدِيلِ))، وابنُ حِبَّانَ في ((الثِّقَاتِ))(١٠) فَذَكَرَ ذَاكَ(١١) فِي طَبَقَةِ التَّابِعِينَ،
وهذا في طَبَقَةٍ(١٢) أتبَاعِ الَّابِعِينَ، وذَاكَ مُتَّفَقٌ على عَدَالَتِهِ، وهذا مُختَلَفٌ فِيهِ،
تَكَلَّمَ فِيهِ أبو حَاتِم، ووثَّقَهُ الجُمهُورُ، واللهُ أعلمُ.
(١) في (م): ((ومع)).
ابن المنذر في الأوسط (٤٧/٣) (١١٦٢)، (٦١/٤) (١٢٠٧) من حديث سلمان.
(٢)
(٣)
في (ح): ((بروایة)).
(٥)
ليس في: (م).
(٧) في (ح): ((ميمونة)).
(٩ - ٩) ليس في: الأصل.
(١٠) التاريخ الكبير (٢٠٥/٨)، والجرح والتعديل (٧٦/٩)، والثقات (٥٧٢/٧).
(١١) في (ك): ((ذلك)).
(٤) ليس في: (ك).
(٦) المستدرك (٢٠٨/١).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(١٢) ليس في: (ح).

٢٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحَادِيَةَ عَشرَ: ذَكَرِنَا في الأصلِ، عن التِّرمِذِيِّ، أَنَّ عَامَّةَ مَن رَواهُ،
قالُوا: ((خَمسَةً وعِشرِينَ)). إلَّا ابنَ عُمَرَ. وذَكَرنَا مِن حَدِيثٍ أحمَدَ: ((سَبع
وعِشْرِينَ)). مِن غَيرِ طَرِيقِ ابنِ عُمَرَ.
وهُو عِندَ أحمَدَ هَكَذَا (١): ثَنَا أبو النَّضرِ، ثَنَا شَرِيكٌ، عن الأشعَثِ بنِ
سُلَيمٍ، عن(٢) أبي الأحوصِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((فَضْلُ
صلاةِ الجَمَاعَةِ على الواحِدَةِ(٣) سَبعًا وعِشِرِينَ دَرَجَةً)).
وشَرِيكُ هذا هُو النَّخَعِيُّ، تُكُلُّمَ فيه مِن قِبَلِ حِفِظِهِ، وعَلَّقَ عنْهُ البُخَارِيُّ،
ورَوَى لَهُ مسلمٌ في المُتَابَعَاتِ (٤)، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: استَدَلَّ بِهِ بَعضُ المَالِكِيَّةِ، لِلمَشْهُورِ عن مَالِكٍ، أنه
لَا فَضلَ لِجَمَاعَةٍ على جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الجَمَاعَاتِ كُلَّها(٥) بِسَبعٍ وعِشِرِينَ،
أو خَمسٍ وعِشِرِينَ، ولَم يُفَرِّق بَيْنَ جَمَاعَةٍ وجَمَاعَةٍ.
وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، والجُمهُورُ إلَى(٦) أنَّ الجَمَاعَاتِ(٧) تَتَفَاوتُ، لِمَا رَوى
أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه(٨) مِن حَدِيثٍ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ،
قال: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، أزكَى مِن صَلَاتِهِ وحدَهُ، وصَلاَتُهُ مَعَ الرَّجُلَينِ،
أزكَى مِن صَلَائِهِ مَعَ الرَّجُلِ، ومَا كَثُرَ فهو أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى)) .
ولَيسَ في حَدِيثٍ (٢/ ٣٠١م) البَابِ حُجَّةٌ لِمَن تَعَلَّقَ بِهِ في تَسَاوِي
الجَمَاعَاتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: أقَلُّ مَا تَحصُلُ (٩) بِهِ الجَمَاعَةُ مُحَصِّلٌ (١٠) لِلتَّضعِيفِ، ولَا
مَانِعَ مِن تَضعِيفٍ(١١) آخَرَ، (١٢ بِسَبَبٍ آخَر١٢َ)، مِن كَثرَةِ الجَمَاعَةِ، أو شَرَفٍ
المَسجِدِ، أو بُعدِ طَرِيقِ المَسجِدِ، أو غَيرِ ذلك، والله تعالى أعلمُ.
(١) أحمد (٣٢٨/٢).
(٢) في الأصل: ((بن)).
في (ح): ((الواحد)). وفي المطبوع من المسند: ((الوحدة)).
(٣)
ينظر: التاريخ الكبير (٢٣٧/٤)، والجرح والتعديل (٣٦٥/٤)، والميزان (٢٧٠/٢).
(٤)
(٥)
ليس في: (ح).
(٦) ليس في: (ك).
(٧)
في (ح): ((الجماعة)).
(٨) أبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٢)، وابن ماجه (٧٩٠).
(١٠) في (ك): ((محصِّن)).
(٩) في (ك): ((يحصل)).
(١١) في (ح): ((تعظيم)).
(١٢ - ١٢) ليس في: الأصل.

=
٢٦٧
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إِلَيها
وقَولُهُ [١٤٠/١ و] في حَدِيثِ أبي هريرةَ: ((لَم يَخطُ خُطوةً إلَّا رُفِعَ له (١) بِها
دَرَجَةً)(٢). المَشهُورُ في الخَطوةِ: فَتحُ الخَاءِ، وقَيَّدَهُ صَاحِبُ ((المُفهِم)) بِضَمِّها،
وقال(٣): إنَّ(٤) الرِّوايَةَ كَذَا، قال(٥): وهِيَ واحِدَةُ الخُطَا، وهِيَ مَا بَينَ القَدَمَينِ،
قال: فَأمَّا الخَطوةُ بِفَتحِ الخَاءِ، فَهِيَ لِلمَصدَرِ، والضَّمُّ لِلِاسمِ، والفَتحُ لِلمَصدَر.
وقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ)) (٦): الخُطوةُ بِالضَّمِّ: بُعدُ مَا بَينَ القَدَمَينِ في المَشي،
وبِالفَتحِ المَرَّةُ الواحِدَةُ.
ومِمَّا يُسألُ عنهُ(٧): هَل المُرَادُ بِهَذِهِ الخُطَا مَا كَانَ في الذَّهابِ إلَى المَسجِدِ
فَقَط، أو في الذَّهابِ والرُّجُوعِ؟
يَحتَمِلُ كُلَّ مِنِ الأمرَينِ، وظَاهِرُ الحديثِ تَعَلُّقُهُ بِالذَّهابِ فَقَطْ، لِقَولِهِ في
بَقِيَّةِ الحديثِ: ((حَتَّى يَدخُلَ المَسجِدَ). (٨ وقَد ورَد٨َ) التَّصرِيحُ بالاحتِمَالِ الثَّانِي،
فِيمَا رَواهُ أحمَدُ(٩) مِن حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمروٍ (١٠)، قال: قال رسولُ اللهِ وَت:
((مَن رَاحَ إلَى مَسجِدِ الجَمَاعَةِ، فَخُطوةٌ تَمحُو (١١) سَيِّئَةً، وخُطوةٌ تَكتُبُ (١٢) لَهُ
حَسَنَةً، ذَاهِبًا ورَاجِعًا)). وفِي إِسنَادِهِ ابنُ لَهِيعَةَ، وقَد ورَدَ في حَدِيثٍ آخَرَ، عِندَ
أحمَدَ(١٣) مِن حَدِيثِ عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: ((أنه يُكتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطوةٍ يَخطُوها إِلَى
المَسجِدِ عَشرُ حَسَنَاتٍ».
والجَمِعُ بَيْنَهُ وبَينَ مَا قَبلَهُ: أَنَّ المُرَادَ بِالحَسَنَةِ في ذلك الحديثِ، حَسَنَةٌ
مُضَاعَفَةٌ، (١٤ ولَا اخْتِلَافَ ١٤) حِينَئِذٍ بَينَهُمَا، والله تعالى أعلمُ.
في (ت): ((لها))، وفي (م): ((الله)).
(١)
(٣)
المفهم (٢٩٠/٢).
(٥)
لیس في: (ح).
(٧)
بعده في (ك): ((أنه)).
(٨ - ٨) في (ك): ((فورد)).
(٩) أحمد (١٧٢/٢).
(١٠) في النسخ: ((بن عمر)). والمثبت موافق لما في مصدر التخريج، وهو الصواب.
(١٢) في (ح): ((تکسب)).
(١١) في الأصل، (ك) هكذا: ((تمحوا)).
(١٣) أحمد (١٥٧/٤).
(٢) البخاري (٤٧٧)، ومسلم (٢٧٢/٦٤٩).
(٤) في (م): ((إنه)).
(٦) النهاية لابن الأثير (٢/ ٥١).
(١٤ - ١٤) في (ك): ((والاختلاف)).

٢٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحديثُ الثَّانِي
عن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: «كُلُّ سُلَامَى
مِنِ النَّاسِ عَلَيَّهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ الشَّمسُ، قال: تَعدِلُ (١) بَينَ
الاثْنَينِ (٢) صَدَقَةٌ، وتُعِينُ(٣) الرَّجُلَ فِي دَابَتِهِ (٣٠٢/٢م): تَحمِلُهُ عَلَيها،
أو تَرفَعُ(٤) لَهُ مَتَاعَهُ عَلَيها صَدَقَةٌ، وقال: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ (٥)، وقال:
كُلُّ خُطوةٍ تمشِيها(٦) إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ(٧) الأذَى عن الطَّرِيقِ
صَدَقَةٌ(٨)(٩).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: السُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ المُهمَلَةِ، وفَتحِ المِيمِ مَقصُورٌ، وهُو جَمِعُ
سُلَامِيَّةَ، وقِيلَ: واحِدَهُ وجَمِعُهُ سَواءٌ، ويُجمَعُ على سُلَامَيَاتٍ.
واختُلِفَ في مَعنَاها؛ فَقِيلَ: السُّلَامِيَّةُ: الأُنْمُلَةُ مِنِ أَنَامِلِ الأصَابِعِ، وقِيلَ:
السُّلَامَى: كُلُّ عَظِمِ مُجَوفٍ مِن صِغَارِ العِظَامِ، وقال أبو عُبَيدٍ: هُو عَظمٌ يَكُونُ في
(١٠)
فِرْسِنِ الْبَعِيرِ(١٠).
قُلتُ: والصَّوابُ: أنَّ السُّلَامَى هِيَ (١١) المَفَاصِلُ، وأنَّها ثَلَاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ
مَفْصِلًا، كَمَا ثَبَتَ ذلك مُبَيَّنًا في ((صَحِيحِ مُسلِم))، مِن حَدِيثٍ عَائِشَةَ، أنَّ
(١) في (ك): ((يعدل)). وهما روايتان.
(٢) في الأصل، (م): ((اثنين)). وفي (ك): ((الناس)).
(٣) في (ك): ((ويعين)).
(٤) في (ك): ((يرفع)).
(٥)
ليس في: (ك).
(٦) في الأصل: ((يمشها)). وفي (ك، ح): ((يمشيها)).
(٨) ليس في: (ح).
(٩) البخاري (٢٧٠٧)، ومسلم (٥٦/١٠٠٩).
(٧)
في (ح): ((ويميط)).
(١٠) ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١٠/٣)، والنهاية (٣٩٦/٢)، وتاج العروس
(٣٩٥/٣٢). والفرسن: طرف خف البعير.
(١١) في (ك): ((هو)).

٢٦٩
بابٌ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيٍ إِلَيها
رسولَ اللهِ وَّه، قال: ((إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنسَانٍ مِن بَنِي آدَمَ، على سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
مَفصِلٍ، فَمَن كَبَّرَ الله، وحَمِدَ الله، (١ وهلل الله ١)، وسَبَّحَ الله، واستَغْفَرَ الله، وعَزَلَ
حَجَرًا عن (٢) طَرِيقِ النَّاسِ، أو شَوكَةً، أو عَظمًا، عن طَرِيقِ النَّاسِ، وأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ،
أو نَهَى عن مُنكَرٍ: عَدَدَ تِلكَ السِِّّينَ والثَّلَاثِمِائَةِ السُّلَامَى؛ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَومَئِذٍ وقَد
زَحزَحَ نَفسَهُ عن النَّارِ)»(٣)، وفِي رِوايَةٍ لَهُ: ((يُمسِي)) (٤).
فَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هذا: أنَّ السُّلَامَى هِيَ المَفَاصِلُ.
الثَّانِيَةُ: مَعنَى هذا الحديثِ: أنَّ كُلَّ عَظم أو مَفصِلٍ مِن ابنِ آدَمَ عَلَيهِ
صَدَقَةٌ، وإِذَا(٥) كَانَ كذلك، فَظَاهِرُ الثَّعِيرِ بِقَولِهِ: ((عَلَّيْهِ)): إنَّ ذلك مِنِ الواجِبَاتِ؛
لِأَنَّ السُّنَنَ لَا تُوصَفُ بِأنَّها على المُكَلَّفِ؟.
والجَوابُ: أنَّ هذا قَد يُطلَقُ في الفِعلِ المُتَأْكِّدِ، وإن لم يَكُن واجِبًا؛
كَقَولِهِ: ((لِلمُسلِمِ على المُسلِمِ: سِتُّ خِصَالٍ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ))(٦)، الحديثَ.
ومَعلُومٌ أَنَّ البُدَاءَةَ بِالسَّلَامِ: سُنَّةٌ، وإنَّمَا لم يَجعَل مَجمُوعَ هَذِهِ الخِصَالِ
واجِبَةً، وإن كَانَ بَعضُها مِن فُرُوضِ الكِفَايَاتِ، ما وَرَدَ في ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ))
أيضًا(٧) مِن حَدِيثِ أبِي ذَرِّ: ((يُصبِحُ على كُلِّ سُلَامَى مِنَ أحَدِكُم
صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسِيحَةٍ صَدَقَةٌ)). فَذَكَرَ الحديثَ وقال في آخِرِهِ: ((ويُجزِئُ مِن
ذلك، رَكَعَتَانِ يَركَعُهُمَا مِنِ الضُّحَى)). ومَعلُومٌ أنَّ النَّوافِلَ لَا تُجزِئُ عن
الواجِبَاتِ، مَعَ الاِتِّفَاقِ على عَدَم وُجُوبٍ صلاةٍ [١٤٠/١ظ] الضُّحَى على عُمُوم
النَّاسِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
على أنه يُمكِنُ أن تُؤَوَّلَ(٨) هَذِهِ الأَفعَالُ المَذْكُورَةُ في الْبَابِ على الوُجُوبِ،
(٣٠٣/٢م) كما سيأتي.
(١ - ١) ليس في: (م).
(٣) مسلم (١٠٠٧/ ٥٤).
(٥) في (ك): ((وإن)).
(٧) مسلم (٧٢٠/ ٨٤).
(٢) في (ح): ((من)).
(٤) مسلم (١٠٠٧/ ٥٤).
(٦) مسلم (٥/٢١٦٢).
(٨) في الأصل، (ت): ((قول)).

٢٧٠
22
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّالِثَةُ: فيه أنَّ العِبَادَةَ والنَّوافِلَ يُدَاوَمُ عَلَيها (١) كُلَّ يَومٍ، وأنَّ العِبَادَةَ إِذَا
وقَعَت في يَومٍ، لَا تُغنِي(٢) عن يَومِ آخَرَ، فَلَا يَقُولُ(٣) مَثَلًا: قَد فَعَلتُ أمس،
فَأَجِزَأ عني اليَومَ. لِقَولِهِ: ((كُلَّ يَومٍ تَطَّلُعُ الشَّمسُ)).
الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((تَعدِلُ بَينَ الاثْنَينِ (٤)). يَحتَمِلُ أن يُرَادَ بِهِ العَدلُ في
الأحكام مِنِ القُضَاةِ والأُمَرَاءِ، ويَحتَمِلُ أن يُرَادَ بِهِ الإصلاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وإِن كَانَ
مِن غَيرِ مَن لَهُ وِلَايَةٌ على ذلك ولا تَسلِيطٌ، وهُو الظَّاهِرُ؛ لِأنَّ عَدلَ القُضَاةِ
والأُمَرَاءِ واجِبٌ، لَا تَطَوُّعٌ، وقَد أدخَلَهُ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِهِ))، في بَابِ
الإصلَّاحِ بَيْنَ النَّاسِ(٥)، وإن أُرِيدَ حَملُهُ على الواجِبِ حَقِيقَةً، فَيُحمَلُ على عَدلٍ
الحُكّامِ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((وتُعِينُ(٦) الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، تَحمِلُهُ(٧) عَلَيها)).
هُو أن يُرِكِبَ العَاجِزَ عن الرُّكُوبِ على دَابَّتِهِ، وهَكَذَا أن يحمِلَ مَعَهُ على
دَابَّتِهِ مَتَاعَهُ، وَبَوبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ: بَابُ فَضلِ مَن حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ في
السَّفَرِ (٨).
ويُمكِنُ أن يحملَ على الوُجُوبِ في المُكَارِي، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ إِركَابُ
الشَّيخِ، لِعَجزِهِ عن الرُّكُوبِ وحدَهُ، وَيَجِبُ عَلَيهِ إِبْرَاكُ الجَمَلِ لِلمَرأةِ لِعَجزِها،
أو المَشَقَّةِ عَلَيها في رُكُوبِ الْبَعِيرِ قائِمًا، واللهُ أعلمُ.
] السَّادِسَةُ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: يَحْتَمِلُ أن يُرَادَ بِها المُخَاطَبَةُ لِلنَّاسِ؛
كَأن (٩) يُجِيبَ السَّائِلَ بِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ مِن غَيرِ إفحَاشٍ، ونَحوِ ذلك، وهُو الظَّاهِرُ
(١) في (ك): ((عليهما)).
في (ح): ((تقول)).
(٣)
(٥)
البخاري (٢٧٠٧).
في (ك، ح): ((يحمله)).
(٧)
(٩) في الأصل: ((كما)).
(٢) في (ك): ((يغني)).
(٤) في الأصل، (م): ((اثنين).
(٦) في (ك، ح): ((ويعين)).
(٨) البخاري (٢٨٩١).

٢٧١
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيٍ إِلَيها
كَمَا قال في حَدِيثٍ آخَرَ: ((تَبَسُّمُك في وجهِ أخِيك صَدَقَةٌ))(١). وفِي حَدِيثٍ
آخَرَ: ((وَلَو أن تَلقَى أخَاك، ووجهُك مُنْبَسِطٌ إلَيْهِ))(٢) .
ويَحْتَمِلُ: أن يُرَادَ بِها الكَلِمَةُ، مِنَ الأذكَارِ؛ كَالتَّهلِيلِ، والتَّسبِيحِ،
والتَّحمِيدِ، كَمَا هُو مُصَرَّحْ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهُ، مِن(٣) عِندِ مُسلِمِ،
في ذِكرِ السُّلَامَى: ((فَمَن(٤) كَبَّرَ الله، وحَمِدَ الله، وهَلَّلَ الله، (° وسَبَّحَ الله ٥)،
الحديثَ. وهُو أحَدُ الأقوالِ في قَوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ﴾(٦)
[إبراهيم: ٢٤]. أنَّ(٧) المُرَادَ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَكَذَا قِيلَ في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
اُلْكَلِمُ الَِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
السَّابِعَةُ: في قَولِهِ: ((كُلُّ خُطوةٍ يمشِيها (٨) إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ)). مَا
يَقتَضِي أَنَّ ثَوابَ الخُطَا إِنَّمَا هُو في الذَّهابِ إلَى المَسجِدِ دُونَ الرُّجُوعِ، وهُو
مُحْتَمَلٌ، لَكِن قَد ورَدَ التَّصْرِيحُ في ((مُستَدِ أحمَدَ))، بِقَولِهِ: ((ذَاهِبًا ورَاجِعًا(٩)). وقَد
تَقَدَّمَ في آخِرِ الحديثِ الذي قَبلَهُ.
وإن حَمَلْنَاهُ على الوُجُوبِ؛ فَيُمكِنُ أن يُحمَلَ على السَّعيِ الواجِبِ؛ كَالسَّعى
لِلجُمُعَةِ، إلَّا أنه يَرُدُّهُ قَولُهُ: (كُلَّ يَومِ تَطْلُعُ(١٠) الشَّمسرُ)). فَإِنَّمَا (١١) يَجِبُ السَّعيُّ
مَرَّةً في الجُمُعَةِ. نَعَم، يُحمَلُ على قَولِ مَن أوجَبَ الجَمَاعَةَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، واللهُ
تعالى أعلمُ.
(١) البخاري في الأدب (٨٩١)، والترمذي (١٩٥٦).
(٢) أبو داود (٤٠٨٤).
(٤) في (ك): ((فيمن)).
(٥ - ٥) ليس في: (ح).
(٣) ليس في: (ك).
في النسخ: ((ومثل كلمة طيبة)). وينظر: تفسير الطبري (٥٦٧/١٦)، (٤٤٤/٢٠).
(٦)
(٧) ليس في: (ك).
(٨) في الأصل: ((يمشها))، وفي (م): ((تمشيها)).
(٩) في (ك): ((ورجوعًا)).
(١١) في (ح): ((وإنما)).
(١٠) في (ك): ((يطلع)).

٢٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الثَّامِئَةُ: الألفُ واللامُ في الصَّلَاةِ، هَل هِيَ لِلعَهدِ أو (٣٠٤/٢م)
لِلچِنسِ؟
الظّاهِرُ الأولُ، فَيَكُونُ المُرَادُ مِنْهُ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةَ، وإن أُرِيدَ الجِنسُ،
فَيَدخُلُ فيه كُلُّ صَلَاةٍ يُشرَعُ المَشِيُّ إِلَيها؛ كَالِعِيدٍ، والجِنَازَةِ أيضًا، وهُو بَعِيدٌ،
والله تعالى أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: المُرَادُ بِإِمَاطَةِ الأَذَى مِنَ (١) الطَّرِيقِ: إزَالَةُ مَا يُؤْذِي المَارَّ(٢)
مِن حَجَرٍ أو شَوكٍ، وكَذَا قِطَعُ الأحجَارِ (٣) مِنَ الأَمَاكِنِ الوعِرَةِ، كَمَا يُفعَلُ في
طَرِيق الحاج(٤)، وكَذَا كَنسُ الطَّرِيقِ مِنَ التُّرَابِ، الذي يَتَأْذَّى بِهِ المَارُّ، وَرَدمُ مَا
فيه مِن حُفْرَةٍ أو وهدَةٍ، وقَطعُ شَجَرَةٍ تَكُونُ في الطَّرِيقِ، وفِي مَعنَاهُ: تَوسِیعُ
الظُّرُقِ(٥) التي تَضِيقُ على المَارَّةِ، وإقامَةُ مَن يَبِيعُ أو يَشتَرِي فِي وَسَطِ الظُّرُقِ(٦)
العَامَّةِ؛ كَمَحَلِّ السَّعي بَيْنَ الصَّفَا والمَروةِ، ونَحوِ ذلك، فَكُلَّهُ مِن بَابِ إِمَاطَةٍ
الأَذَى عن الطَّرِيقِ.
ومِن ذلك: مَا يَرتَفِعُ إلَى دَرَجَةِ الوُجُوبِ؛ كَالبِئِ التي في وسَطِ الطَّرِيقِ،
التي يُخشَى أن يَسقُطَ فِيها الأعمَى والصَّغِيرُ والذَّابَّةُ، فَإنَّهُ يَجِبُ طَمُّها، أو التَّحوِيطُ
عَلَيها، إن لم يَضُرَّ ذلك بِالمَارَّةِ، واللهُ أعلمُ.
وزَادَ البُخَارِيُّ في هذا الحديثِ: ((ودَلَّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)(٧). وهُو أن يَدُلَّ مَن
لَا يَعرِفُ الطَّرِيقَ عَلَيها(٨).
(١)
في (ح، م): ((عن)).
(٢) في الأصل، (م): ((المارة)).
(٣)
في (ك): ((الحجارة».
(٤)
ليس في: (م).
في (ت، ح): ((الطريق)).
(٥)
في (ح): ((الطريق)).
(٦)
البخاري (٢٨٩١).
(٧)
ينظر: مشارق الأنوار (٢٥٧/١)، وفتح الباري (٨٥/٦)، وفيض القدير (٢٨/٥).
(٨)

بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
٢٧٣
=
الحديثُ الثَّالِثُ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قال: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم:
مَلائِكَةٌ بِالليلِ ومَلَائِكَةٌ بِالَّهارِ ، ويَجَمِعُونَ في صلاةِ الفَجرِ وصَلَاةِ العَصرِ، ثُمَّ
يَعرِجُ(١) الذَيْنِ بَاتُوا فِيكُم، فَيَسألُهُم وهُو أعلَمُ بِهِم: كَيفَ تَرَكُمْ عِبَادِي؟
فَيَقُولُونَ(٢): تَرَكِنَاهُم وهُم يُصَلَّونَ، (٣٠٥/٢م) وأَتَيْنَاهُم وهُم يُصَلُّونَ))(٣).
جَ وعن هَمَّام، [١٤١/١و] عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِتٍ:
((المَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ)) (٤)، الحدیثَ.
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: التَّعَاقُبُ: هُو أن يَأْتِيَ هذا في عَقِبِ هذا، وهذا في عَقِبٍ
هذا، على بَابِ المُفَاعَلَةِ.
وقَولُهُ: (يَتَعَاقَبُونَ)). جَاءَ على لُغَةِ بَنِي الحَارِثِ، وهي (٥) أنَّهُم يُلحِقُونَ عَلَامَةً
الفَاعِلِ لِلجَمعِ والتَّتِيَةِ مَعَ تَقَدُّمِ الفِعلُ، وهُم القائِلُونَ: أكَلُونِي(٦) البَرَاغِيثُ، وهِيَ
لُغَةٌ مَعرُوفَةٌ (٧).
وعَلَيها حَمَلَ الأخفَشُ(٨) قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣].
ولم يَحمِل بَعضُهُم الآيَةَ الكَرِيمَةَ على هَذِهِ اللُّغَةِ، بَل جَعَلَ الضَّمِيرَ في
قَولِهِ: ﴿وَأَسَرُوا﴾. عَائِدًا إِلَى النَّاسِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُم، وجَعَلَ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. بَدَلًا
مِنِ الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ هذا بَدَلَ الْبَعضِ مِنِ الْكُلّ(٩).
في الأصل، (م): ((يرجع)).
(١)
(٢) في (ك): ((فيقولوا)).
(٣)
البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٢١٠/٦٣٢).
(٤)
مسلم (٦٣٢).
(٥) في (ح): ((وهم)).
(٦)
في الأصل: («أكلني)».
ينظر: سر صناعة الإعراب لابن جني (٦٢٩/٢)، وعلل النحو للورَّاق (ص٢٧٢).
(٧)
(٨)
ينظر: معاني القرآن للأخفش (٢٢٩/١)، (٦/٣).
ينظر: تفسير الطبري (١٨/ ٤١٠)، ومعاني القرآن للفراء (٣١٦/١)، وشواهد التوضيح
(٩)
لابن مالك (ص٢٧٤).

٢٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والظّاهِرُ: أنَّ الحديثَ أسقَطَ مِنْهُ بَعضُ (١) [الرُّواةِ ذِكرَ المَلَائِكَةِ](٢) في أولٍ
الحديثِ، فَقَد ثَبَتَ في ((صَحِيح مُسلِم))(٣) زِيَادَتُها: ((المَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم؛
مَلَائِكَةٌ بِالليلِ، ومَلَائِكَةٌ بِالنَّهارِ))، وهذا وَاضِحٌ.
وأبعَدَ الشَّيخُ أثِيرُ الدِّينِ أبو حَيَّانَ النُّجَعَةَ، فَنَسَبَ هَذِهِ الرِّوايَةَ إِلَى
(مُسنَدِ البَزَّارِ))(٤)، وهِيَ ثَابِتَةٌ في ((صَحِيحِ مُسلِم))، كَمَا ذَكَرَنَا، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّانِيَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في المُرَادِّ بِهَؤُلَاءِ المَلَائِكَةِ، هَل هُمُ الحَفَظَةُ،
أو غَيرُهُم؟
فَحَكَى صَاحِبُ ((المُفهِم)) (٥) عن الجُمُهُورِ: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ، وقال: إنَّ الأَظهَرَ
عِندَهُ: أَنَّهُم غَيرُ الحَفَظَةِ .
ومَا ذَكَرَ أنه الأَظهَرُ، (٦ هُو الذي٦) لَا يُتَّجَهُ غَيرُهُ؛ لأنَّهُ لم يُنقَلِ أنَّ حَفَظَةَ
الليلِ غَيرُ حَفَظَةِ النَّهارِ، وهذا الحديثُ لَا يَدُلُّ لِمَا حَكَاهُ عن الجُمُهُورِ.
■ الثَّالِثَةُ: بَنَى صَاحِبُ ((المُفهِم)) على هذا الخِلَافِ، مَا هُو المَعنَى
المَقصُودُ فِي سُؤَالِ المَلَائِكَةِ؛ فَإِن كَانُواَ هُمُ الحَفَظَةَ، فَسُؤَالُهُ لَهُم عن كِتَابَةٍ
أعمَالِهِم وحِفِظِها عَلَيهِم، وإن كَانُوا غَيرَهُم، (٧ فَسُؤَالُهُ لَهُم٢) إِنَّمَا هُو على جِهَةِ
التَّوبِيخ لِمَن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾. وإظهارٌ لِمَا سَبَقَ في مَعلُومِهِ، إذ قال لَهُم:
﴿إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال: أو يَكُونُ سُؤَالُهُ لَهُم استِدعَاءً لِشَهادَتِهِم لَهُم، ولِذَلِكَ قالُوا: ((أَتَيْنَاهُم
وهُم يُصَلُّونَ، وتَرَكِنَاهُم وهُم يُصَلُّونَ)).
■ الرَّابِعَةُ: فيه فَضِيلَةُ صلاةِ العَصرِ والصُّبحِ، بِاجتِمَاعِ المَلَائِكَةِ فِيهِمَا،
وهُمَا المُرَادُ بِقَولِهِ تعالى: ﴿وَسَبْحْ(٨) بِحَمْدِ (٩) رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوًِ﴾
(١) ليست في: (ك).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٣)
مسلم (٢١٠/٦٣٢).
(٤) البزار (٩١١٨) من حديث أبي هريرة، وينظر ما اعتذر عن أبي حيان به الحافظ في الفتح
(٣٤/٢، ٣٥).
(٥) ليس في: (ك). وينظر: المفهم (٢/ ٢٦١).
(٧ - ٧) في (ك): ((فسؤالهم)).
(٦ - ٦) ليس في: (ح).
(٨) في النسخ: ((فسبح)).
(٩) في الأصل: ((باسم)).

=
بابٌ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
كير
٢٧٥
[طه: ١٣٠]. كَمَا قالهُ جَرِيرُ بنُ عبدِ اللهِ، حِين رَوى عن النَّبِيِّ وَّهِ: ((فَإن استَطَعْتُم
أَّا تُغْلَبُوا على صَلَاةٍ؛ قَبَلَ طُلُوعِ الشَّمسِ، وقَبلَ غُرُوبِها؛ يَعنِي: العَصرَ، والفَجرَ)).
ثُمَّ قَرَأْ جَرِيرٌ: الآيَةَ. أخرَجَهُ الأَئِمَّةُ السِّيَّةُ(١).
وفِي (صَحِيحِ مُسلِم))(٢) مِن حَدِيثٍ عُمَارَةَ بنِ رُؤَيبَةَ: سَمِعتُ (٣٠٦/٢م)
رسولَ اللهِ وَله، يَقُولُ: ((لَّن يَلِجَ الثَّارَ أحَدٌ صَلَّى قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ، وقَبلَ
غُرُوبِها؛ يَعنِي: الفَجرَ، والعَصرَ)). وفِي ((الصَّحِيحَينِ))(٣) مِن حَدِيثِ أبِي مُوسَى:
((مَن صَلَّى البَردَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ)).
■ الخامسة: قَولُهُ: ((ثُمَّ يَعرُجُ الذين بَاتُوا فِيكُمْ)). ولَم يَذكُر عُرُوجَ
المَلَائِكَةِ الذين(٤) كانُوا بِالنَّهارِ، ولا أنَّ اللهَ تعالَى يَسألُهُم، كَيفَ تَرَكُم عِبَادِي،
كَمَا سَألَ(٥) مَلَائِكَةَ الليلِ، فَهَل يَظهَرُ (٦) لِذَلِكَ مَعنّى أم لا؟
والجوابُ عنهُ، من ثلاثةِ أُوجهٍ:
أحَدُها: أنَّ الليلَ مَحَلُّ اختِفَاءٍ واستِتَارٍ عن الأعيُنِ(٧)، وإغلاقِ النَّاسِ
أبوابَهُم، عَلَى مَا يَبِيْتُونَ عَلَيهِ، فَكَانَ سُؤَالُ مَلَائِكَةِ الليلِ أَبلَغَ في أنَّهُم لم يَرَوا إلَّا
خَيرًا، مِن مَجِيئِهِم إليهِم وهُم يُصَلُّونَ، وتَركِهِم وهُم يُصَلُّونَ، بِخِلَافِ النَّهارِ، فَإِنَّهُ
مَحَلُّ الانتِشَارِ والإظهارِ، وإن أمكنَ الاختِفَاءُ فيه والإظهارُ في الليلِ، ولَكِن جَرَى
ذلك على غَالِبِ الأحوالِ .
والوجهُ الثَّانِي: أنَّ مَلَائِكَةَ الليلِ إِذَا صَلَّوا مَعَهُم الصُّبحَ عَرَجُوا، فَحَسُنَ
سُؤَالُهُم، لِيُجِيبُوا بِمَا فَارَقُوهُمْ عَلَيهِ، ومَلَائِكَةُ النَّهارِ قَد لَا يَعرُجُونَ بَعدَ الصَّلَاةِ، بَل
يَستَكمِلُونَ في الأرضِ بَقِيَّةَ النَّهارِ؛ لِأنَّهُم يَضبِطُونَ مَا وقَعَ في جَمِيعِ النَّهارِ، بِنَاءً
على القَولِ بِأنَّهُمُ الحَفَظَةُ، وعَلَى تَقدِيرِ كَونِهِم غَيرَ الحَفَظَةِ، فَقَدَ أخبَرَ أنَّهُم:
((مَلَائِكَةٌ بِالليلِ، ومَلَائِكَةٌ بِالنَّهارِ)). والظَّاهِرُ مِنْهُم استِيعَابُ النَّهارِ، وإذا لم يُفَارِقُوا
(١) البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٢١١/٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)،
والنسائي في الكبرى (٤٦٠)، وابن ماجه (١٧٧).
(٢)
مسلم (٦٣٤/ ٢١٣).
(٤)
ليس في: (ك).
(٦) ليس في: الأصل.
(٣) البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٢١٥/٦٣٥).
(٥) في (م): ((يسأل)).
(٧) في الأصل: ((أعين)).

=
٢٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بَنِي آدَمَ عَقِبَ (١) الصَّلَاةِ، أمكَنَ أن يَطْرَأْ بَعدَ الصَّلَاةِ ما لا يُرِيدُ اللهُ تعالى مِنهُمُ
الإخبَارَ بِهِ، وهُو أعلَمُ، أو مَا لَا يُرِيدُونَ هُم أن يَشهَدُوا بِهِ، فَلَم يَسألُهُم عن ذَلِكَ.
والوجهُ الثَّالِثُ: أنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ إِنَّمَا تَعرُجُ مَلَائِكَةُ الليلِ فَقَط، وأنَّهُم
هم الذين يَعْرُجُونَ ويَنْزِلُونَ، وأنَّ مَلَائِكَةَ النَّهَارِ هُمُ الحَفَظَةُ، لَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ .
ويُقَوِّي هذا الثَّالِثَ: أنه [١٤١/١ ظ] لم يُنْقَل لَنَا (٢) مُرُوجُ مَلَائِكَةِ النَّهارِ، وفِهِ
مُوافَقَةٌ للجُمُهُورِ، في أنَّ المُرَادَ الحَفَظَةُ، فَيُحمَلُ على أنَّ الحَفَظَةَ مَلَائِكَةُ النَّهارِ،
وأنَّهُم مُقِيمُونَ مَعَ بَنِي آدَمَ، وأنَّ مَلَائِكَةَ الليلِ غَيرُ الحَفَظَةِ، يَنْزِلُونَ مِنَ العَصرِ إِلَى
صلاةِ الصُّبحِ، ولَا يَضُرُّ في ذلك قَولُهُ: ((يَتَعَاقَبُونَ)). إذ التَّعَاقُبُ يَقْتَضِي الاشتِرَاكَ،
فَقَد يَرِدُ التَّفَاعُلُ على غَيرِ بَابِهِ؛ كَقَولِهِم: طَارَقَتْ(٣) الَّعلُ(٤)، والله أعلمُ.
وقَد اقتَصَرَ الشَّيخَانِ(٥) في بَعضٍ طُرُقِهِ على اجتِمَاعِ المَلَائِكَةِ في الصُّبحِ،
فقال: ((ويَجتَمِعُ مَلَائِكَةُ الليلِ، ومَلَائِكَةُ النَّهارِ في صلاةِ الفَجرِ)). ثُمَّ يَقُولُ
أبو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَؤُوا إن شِئْتُم: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
■ السَّادِسَةُ: فِيهِ بَيَانُ (٣٠٧/٢م) لُطفِ اللهِ تعالى بِعِبَادِهِ، وإظهارُ جَمِيلٍ
أفعَالِهِم، وسَترٍ قَبِيحِها، إذ(٦) جَعَلَ اجتِمَاعَ المَلَائِكَةِ مَعَ بَنِي آدَمَ في حَالَةٍ(٧) عِبَادَتِهِم،
ولَم يَجْعَلِ اجْتِمَاعَهُمْ مَعَهُم في حَالِ خَلَواتِهِم بِلَذَّاتِهِم، وانِهِمَاكِهِم على شَهَواتِهِم، فَلَهُ
الحَمدُ على تَوفِيقِهِ لِلخَيرِ، وإظهارِهِ، والإثَابَةِ عَلَيهِ، وعَلَى سَترِهِ لِلِقَبِيحِ، ومَحَبَّةِ سَتِهِ،
وكَرَاهَةِ إِشَاعَتِهِ، حَتَّى قال النَّبِيُّ وَهْ لِهِزَّالٍ (٨): ((لَو سَتَرَتَهُ بِثَوبِك، كَانَ خَيْرًا لَك))(٩) .
(١) في (ح): ((عقيب)).
(٢) بعده في (ح): ((عن)).
(٣)
في الأصل: ((طارقه)).
ينظر: المقتضب للمبرد (١٠٠/٢)، وتاج العروس (٤٩١/٢٠).
(٤)
(٥)
البخاري (٦٤٨)، ومسلم (٢٤٦/٦٤٩).
(٦)
في الأصل: ((أو)).
(٧) في (ح): ((حال)).
هزّال، بالزاي المشددة، بن يزيد بن ذئاب بن كليب الأسلمي. ينظر: طبقات ابن سعد
(٨)
(٣٢٣/٤)، وأسد الغابة (٤١٢/٥)، والاستيعاب (١٥٣٨/٤)، وتبصير المنتبه (١٤٥٤/٤).
(٩) أحمد (٢١٧/٥)، وأبو داود (٤٣٧٧)، والنسائي في الكبرى (٧٢٧٤).

=
بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشيِ إلَيها
٢٧٧
الحديثُ الرَّابِعُ
وعنهُ (١)، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِبَدِهِ، لَقَد
هَمَمتُ أن آمُرَ فِيَانِي أن يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَم مِن حَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّيَ
بِالنَّاسِ، ثُمَّ نُحَرِّقَ بُيُوتًا على مَن فِيهَا))(٢)."
وعن الأعرَج، عن أبِي هُرَيرَةَ: نَحوهُ(٣)، بِزِيَادَةٍ فِيهِ (٤): ذُكِرَت في
الأصلِ(٥).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: فيه أنه لَا بَأْسَ بِالحَلِفِ فِيمَا يُرِيدُ(٦) المُخبِرُ أن يُخبِرَ بِهِ(٧)،
لِلتَّأْكِيدِ والاِهِتِمَامِ .
■ الثَّانِيَةُ: فيه أنه (٨) لَا بَأسَ لِلإِمَامِ أن يَستَنِيبَ عنْهُ في الإمَامَةِ، لِحَاجَةٍ
تَعرِضُ لَهُ، وهُو كذلك.
■ الثَّالِثَةُ: فيه جَوازُ العُقُوبَةِ بِالمَالِ، مِن قَولِهِ: ((نُحَرِّقُ (٣٠٨/٢م) بُيُوتًا)).
وإِلَيْهِ ذَهَبَ أحمَدُ، وذَهَبَ الجُمهُورُ إلَى أنَّ العُقُوبَاتِ بِالمَالِ مَنسُوخَةٌ بِنَهِهِ عن
إِضَاعَةِ المَالِ، ونَحوِ ذَلِكَ، وقَد يُقالُ: (٩) هذا مِن بَابٍ مَا لَا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا بِهِ؛
◌ِأنَّهُم قَد يَختَفُونَ في مَكَان لَا يُعلَمُ، فَأَرَادَ التَّوصُّلَ إلَيْهِم بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ.
الرَّابِعَةُ: فيه تَأكُّدُ صلاةِ الجَمَاعَةِ، والحَضُّ عَلَيها، والتَّهِدِيدُ لِمَن
تَرَکَها .
(١) أي: همام بن منبه، عن أبي هريرة.
(٣)
ليس في: (ح).
(٢) مسلم (٦٥١/ ٢٥٣).
(٤) ليس في: (ح).
(٥) مسلم (٢٥١/٦٥١). وهي: «لو يعلم أحدهم: أنه يجد عظمًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين
لشهد العشاء)).
ليس في: (ك).
(٦)
(٨) في (م): ((أن)).
(٧) ليس في: (ك).
(٩) بعده في (ك): ((إن)).

5
٢٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الخَامِسَةُ: احتَجَّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلَى أَنَّ الجَمَاعَةَ فَرِضُ عَينٍ، وأنَّها لَو
كَانَت سُنَّةً، أو فَرِضَ كِفَايَة لَمَا(١) هَمَّ بِتَحرِيقِهِم، وبَوبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ: بَابُ(٢)
وُجُوبٍ صلاةِ الجَمَاعَةِ (٣). وأجَابَ القاضِي عِيَاضٌ(٤)، والقُرطُبِيُّ عن ذلك(٥):
بِأَنَّهُ هَمَّ، ولَم يَفعَل.
قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ (٦): وهذا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَا يَهُمُّ إلَّا بِمَا يَجُوزُ لَهُ
فِعلُهُ، لَو فَعَلَهُ(٧)، إن سَلَّمَ المُجِيبُ بِهِذا أنَّ هذا في حَقِّ المُؤمِنِينَ.
قال القُرطُبِيُّ (٨): وإنَّمَا مَخرَجُهُ مَخرَجُ التَّهدِيدِ والوعِيدِ لِلمُنَافِقِينَ، الذين
كَانُوا يَتَخَلَّقُونَ عن الجَمَاعَةِ والجُمُعَةِ، وقَد كَانَ التَّخَلُّفُ عن صلاةِ الجَمَاعَةِ عَلَامَةً
مِن عَلَامَاتِ النِّفَاقِ عِندَهُم، كَمَا قال ابنُ مَسعُودٍ: ((لَقَد رَأيتنَا ومَا يَتَخَلَّفُ عنها (٩)
إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ))(١٠)، وكَمَا قَالَ وَّهِ: (بَيْنَنَا وبَيْنَ المُنَافِقِينَ، شُهُودُ العَثَمَةِ،
والصُّبحِ، لَا يَستَطِيعُونَهُمَا))(١١).
قال القاضِي عِيَاضٌ(١٢): ولِأنَّهُ لم يُخبِرُهُم أنَّ مَن تَخَلَّفَ عن الجَمَاعَةِ
فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، غَيرُ مُجزِئَةٍ، وهُو مَوضِعُ البَيَانِ.
وأجَابَ عنهُ (٣٠٩/٢م) ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(١٣)، بِمَا حَاصِلُهُ: أنَّ البَيَانَ لَا يُشتَرَطُ
فيه أن يَكُونَ نَصَّا، قَد يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ، (١٤ وذِكرُهُ لَهَمِّه بذلك دَال١٤ٌّ) على وُجُوبٍ
الحُضُورِ، إن دَلَّ دَلِيلٌ على أنَّ مَا وجَبَ في العِبَادَةِ كَانَ شَرطًا فِيها، كَمَا هُو
الغَالِبُ.
في (ح): ((ما).
(١)
(٣)
البخاري (٦٤٤).
إكمال المعلم (٦٢٢/٢)، والمفهم (٢٧٦/٢).
(٥)
(٦)
ليس في: (ك). وينظر: إحكام الأحكام (ص٢٠١).
(٧)
ليس في: (ح).
(٩) في (ك): ((عنا)).
(٢) في (ك): ((ما)).
(٤) ليس في: الأصل.
(٨) المفهم (٢٧٧/٢، ٢٧٦).
(١٠) مسلم (٢٥٧/٦٥٤).
(١١) في (ح): ((يستطيعونها)). والحديث أخرجه مالك في الموطإ (١٣٠/١)، ومن طريقه
البيهقي في الشعب (٢٥٩٦) عن سعيد بن المسيب، مرسلًا.
(١٢) إكمال المعلم (٦٢٢/٢).
(١٤ - ١٤) في (م): ((لهم بذلك دل)).
(١٣) إحكام الأحكام (ص٢٠٢).

بابُ صلاةِ الجماعَةِ والمَشىِ إلَيها
٢٧٩
=
■ السَّادِسَةُ: فيه تَقدِيمُ الوعِيدِ والتَّهدِيدِ على العُقُوبَةِ، قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ (١):
وسِرُّهُ أنَّ المَفسَدَةَ إذَا ارَفَعَت بِالأهونِ مِنِ الزَّواجِرِ، اكتُفِيَ بِهِ عن الأعلَى.
السَّابِعَةُ: اختَلَفَتِ الرِّوايَاتُ والعُلَمَاءُ في تَعبِينِ الصَّلَاةِ المُتَوغَّدِ على
تَركِها بِالثَّحريق(٢)؛ هَل هِيَ العِشَاءُ، أو هِيَ و(٣) الصُّبحُ، أو الجُمُعَةُ؟
فَظَاهِرُ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ (٤)، وهِيَ رِوايَةُ الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ المُرَادَ
العِشَاءُ، لِقَولِهِ في آخِرِهِ: ((لَو يَعلَمُ أحَدُهُم أنه يَجِدُ عَظمًا سَمِينًا، أو مِرمَاتَينٍ
حَسَنَتَيْنٍ، لَشَهِدَ العِشَاءَ)).
وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِهِ، فِيمَا رَواهُ عَبدُ الله بنُ وهبٍ، عن ابنِ أبِي [١٤٢/١ و]
ذِئبٍ، عن عَجَلَانَ، مَولَى المُشمَعِلِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ إِليه :
((لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ مِمَّن حَولَ المَسجِدِ، لَا يَشْهَدُونَ العِشَاءَ، أو لَأُحَرِّقَنَّ حَولَ
بُيُوتِهِم))(٥). وحَكَى ابنُ بَطَالٍ هذا القَولَ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ(٦).
وقِيلَ: هِيَ العِشَاءُ والصُّبحُ مَعًا، ويَدُلُّ لَهُ مَا رَواهُ ((الشَّيخَانِ))(٧) في بَعضٍ
طُرُقِ هذا الحديثِ: ((إنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ على المُنَافِقِينَ؛ صلاةُ العِشَاءِ، وصَلَاةُ الفَجرِ،
ولَو يَعلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًّا، ولَقَد هَمَمت)). فَذَكَرَهُ.
وقِيلَ: هِيَ الجُمُعَةُ، وَيَدُلُّ لَهُ رِوايَةُ(٨) البَيْهَقِيِّ(٩)، المَذكُورَةُ في الأصلِ:
((فَأُحَرِّقُ على قَومِ بُيُوتَهُم، لَا يَشْهَدُونَ الجُمُعَةَ)). ويَدُلُّ لَهُ أيضًا مَا ذَكَرته في
الأصلِ، مِن ((كِتٍَّ مُسلِمٍ))(١٠) مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قال لِقَومٍ
يَتَخَلَّقُونَ عن الجُمُعَةِ: (لَقَدَّ هَمَمتُ)). فَذَكَرَهُ.
(١) إحكام الأحكام (ص٢٠٣).
(٣)
ليس في: (ح، م).
(٤)
ليس في: (ك). والحديث أخرجه البخاري (٦٤٤).
أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١٠٧/٢) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد
(٥)
(٢٩٢/٢، ٣١٩) من طريق ابن أبي ذئب به.
(٦) شرح البخاري لابن بطال (٢٦٩/٢).
(٨) في (ك): ((ما رواه).
(١٠) مسلم (٢٥٤/٦٥٢).
(٢) في (م): ((بالتخويف)).
(٧) البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٢٥٢/٦٥١).
(٩) البيهقي (٥٦/٣).

٢٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وحَكَى ابْنُ بَطَالٍ (١) هذا القَولَ عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، وعن ابنِ مَعِينٍ أيضًا؛
أنَُّ(٢) قال: إنَّ هذا الحديثَ في الجُمُعَةِ، لَا فِي غَيرِها، انتَهَى.
وهذا مِمَّا يُضَعِّفُ قَولَ مَنِ احتَجَّ بِالحديثِ، على أنَّ الجَمَاعَةَ فَرضُ
عَينٍ(٣)؛ لأنَّهُ إذا كَانَ (٤) المُرَادُ الجُمُعَةَ، فَالجَمَاعَةُ فِيها شَرٌ، فَلَا يَبقَى فيه دَلِيلٌ
على الجَمَاعَةِ في غَيرِها مِنِ الصَّلَواتِ.
قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(٥): ويُحتَاجُ أن يُنظَرَ في تِلكَ (٦) الأحَادِيثِ التي (٧ بينت
فيها٧) تِلكَ الصَّلَاةِ أَنَّها الجُمُعَةُ أو العِشَاءُ أو الفَجرُ، فَإن كَانَت أحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً؛
قِيلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، وإن كَانَ حَدِيثًا واحِدًا اختَلَفَ فِيهِ (٨) بَعضُ الظُّرُقِ، وعُدِمَ
التَّرجِيحُ، وقَفَ الاِستِدلَال، هذا حَاصِلُ كَلَامِهِ.
قُلتُ(٩): رِوايَةُ البَيهَقِيِّ في كَونِها الجُمُعَةَ، ورِوايَةُ كَونِها العِشَاءَ، [ورِوايَةُ
كَونِها العِشَاءَ و](١٠) الصُّبحَ، حَدِيثٌ (٣١٠/٢م) واحِدٌ، وحَدِيثُ ابنِ مَسعُودٍ في
كَونِها الجُمُعَةَ، حَدِيثٌ آخَرُ مُستَقِلٌّ بِنَفسِهِ، فَعَلَى هذا لَا يَقدَحُ حَدِيثُ ابنِ مَسعُودٍ
في حَدِيثِ أبي هريرةَ، ويُنظَرُ في اختِلَافِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وقَد رَجَّحَ البَيهَقِيُّ رِوايَةَ الجَمَاعَةِ فيه، على رِوايَةِ الجُمُعَةِ، فَقال بَعدَ رِوايَةٍ
الجُمُعَةِ فِيهِ (١١): والذي يَدُلُّ عَلَيهِ (١٢) سَائِرُ الرِّوايَاتِ، أنه عَبَّرَ بِالجُمُعَةِ عن
الجَمَاعَةِ.
وقال النَّورِيُّ في ((الخُلَاصَةِ))(١٣)، بَعدَ حِكَايَةٍ كَلَامِ البَيهَقِيِّ: بَل هُمَا
شرح صحيح البخاري (٢٦٩/٢).
(١)
(٣) ليس في: (ح).
(٥) إحكام الأحكام (ص٢٠٢).
(٧ - ٧) في (م): ((ثبتت في)).
(٩) في الأصل: ((الثامنة)).
(١١) البيهقي (٥٩/٣).
(١٢) في (ح): ((على)).
(١٣) خلاصة الأحكام (٦٥٣/٢، ٦٥٢).
(٢) في (ح): (ثم)).
(٤) ليس في: (ك).
(٦) في (ك): ((ذلك)).
(٨) في الأصل: ((في)).
(١٠) ليس في: (م).