Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ = فِعلُ الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، ولَا يَلزَمُ مِن إِيَاحَتِهِم الرَّكعَتَينِ بِوُرُودِ (١) النَّصِّ فيهِمَا: إِيَاحَةُ التَّطَوُّعِ بَعدَ العَصرِ مُطلَقًّا، فَيَكُونُ هَذَا مَذْهَبًا ثَالِثًا مُفَصَّلًا بَيْنَ الرَّكعَتَينِ، ومَا زَادَ عَلَيهِمَا . وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: قال قَائِلُونَ: لَا بَأسَ بِالتَّطَوُّعِ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ؛ لِأنَّ النَّهيَ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَركُ الصَّلَاةِ عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ و(٢) غُرُوبِهَا، واحتَجُوا بِقَولِهِ وَّهِ: ((لَا تُصَلُّوا بَعدَ العَصرِ إِلَّا أن تُصَلُّواَ، والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ)). وبِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((لَا تَحَرَّوا بِصَلَائِكُمْ طُلُوعَ الشَّمسِ ولَا غُرُوبَهَا)). وبِإجمَاعِ المُسلِمِينَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الجِنَائزِ(٣)، بَعدَ الصُّبْحِ والعَصرِ، إِذَا لَم يَكُنْ عِندَ الظُّلُوعِ و(٤) الغُرُوبِ، قَالُوا: فَالنَّهيُّ عن الصَّلَاةِ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ: هَذَا مَعنَاهُ وحَقِيقَتُهُ، قَالُوا: ومَخرَجُهُ عَلَى قَطِعِ الذَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ (١٨٧/٢م) لَو أَبِيحَتِ الصَّلَاةُ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ: لَم يُؤْمَن التَّمَادِي فيهَا إِلَى الأوقَاتِ المَنِهِيِّ عنهَا، وهِيَ حِينَ طُلُوعِ الشَّمسِ وحِينَ غُرُوبِهَا. هَذَا مَذْهَبُ ابنٍ عُمَرَ، قال: ((أمَّا أَنَا فَلَا أنھَى أحَدًا يُصَلِّ مِن لَيلٍ أو نَهَارٍ، غَيرَ أن لَا يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشَّمسِ ولَا غُرُوبَهَا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ نَهَى عَن ذَلِكَ)): ذَكَرَهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ(٥) . قُلتُ: هُو في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٦). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وهُو قَولُ عَطَاءٍ، وظَاؤُسٍ، وعَمرِو بنِ دِينَارٍ، وابنٍ جُرَيجٍ، ورُوِيَ عن ابنِ مَسعُودٍ مِثْلُهُ. وهُو مَذهَبُ عَائِشَةَ: قالت: ((أوهِمَ عُمَرُ، أَنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عن الصَّلَاةِ: أن يَتَحَرَّى بِهَا(٧) طُلُوعَ الشَّمسِ، أو غُرُوبَهَا))(٨). وقال مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ(٩): تُكرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ؛ بَعدَ العَصرِ، وبعد الصُّبحِ، ونِصفَ النَّهَارِ في شِدَّةِ الحَرِّ، وتَحرُمُ فِي سَاعَتَينٍ؛ حِينَ يَطلُعُ (١) (٣) في (ك، م): ((الجنازة)). المصنف (٣٩٦٨)، وينظر: التمهيد (٣١/١٣ - ٣٢). البخاري (٥٨٩). (٦) (٨) أحمد (١٢٤/٦)، والنسائي (٥٦٩). (٢) في (ح): ((وعند)). (٤) في (ح): (ولا عند)). (٥) في الأصل: ((لورود)). (٧) ليس في: الأصل. (٩) مصنف عبد الرزاق (٣٩٥٦). ٨٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قَرِنُ الشَّمسِ(١) حَتَّى يَستَوِيَ طُلُوعُهَا، وحِينَ تَصفَرُّ حَتَّى يَسْتَوِيَ غُرُوبُهَا (٢)، انتَهَى. وهُو مَذهَبٌ رَابِعٌ؛ لِأَنَّ المَذكُورِينَ قَبلَهُ لَم يَكرَهُوا الصَّلَاةَ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ، وهَذَا كَرِهَهَا . فَإِن قَلتَ: هَذَا مَذْهَبُ الحَنَفيةِ(٣)؛ لِأَنَّهُم اقتَصَرُوا في كُتُبِهِم: عَلَى الكَرَاهَةِ في هَاتَينِ الصُّورَتَيْنِ، وعَبَّرُوا في الصُّورِ(٤) الأُخرَى: بِعَدَمِ الجَوازِ. قُلتُ: هُو كَذَلِكَ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُخَالِفُهُم؛ لِأَنَّهُ ضَمَّ حَالَةَ الاستِواءِ إلَى هَاتَينِ الصُّورَتَينِ في الكَرَاهَةِ، وهُم ضَمُّوهَا إِلَى طُلُوعِ الشَّمسِ وغُرُوبِهَا، في عَدَمِ الجوازِ. وذَهَبَ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ: إِلَى التَّحْرِيمِ فِي حَالَتَي الظُّلُوعِ والغُرُوبِ، والكَرَاهَةِ فيمَا بَعد الصُّبحِ والعَصرِ(٥). ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وقال آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ بَعدَ الصُّبح؛ أي: ويَجُوزُ(٦) بَعدَ العَصرِ، ومِمَّن ذَهَبَ إلَيهِ ابنُ عُمَرَ، ثُمَّ (٧) رَوى بِإسنَادِهِ: عن قُدَامَةَ بنِ إبرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ حَاطِبٍ، قال: مَاتَت عَمَّتِي، وقَد، أوصَت أن يُصَلِّيَّ عَلَيْهَا (٨) عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، فَجِئته حِينَ صَلَّيْنَا الصُّبحَ فَأْعلَمته، فَقال: اجلِس، فَجَلَست حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ وصَفَت، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى عَلَيهَا، قَالُوا: فَهَذَا ابنُ عُمَرَ، وهُو يُبِيحُ الصَّلَاةَ بَعدَ العَصرِ: قَد كَرِهَهَا بَعدَ الصُّبحِ(٩)، انتَهَى. فَهَذَا مَذهَبٌ خَامِسٌ في المَسأَلَةِ، وبِهِ يقول(١٠) ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ (١١): مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعدَ صَلَاةِ الصُّبح، وجَوزَهَا [١٠٥/١ظ] بَعدَ العَصرِ إلَى الاصفِرَارِ، لِحَدِيثِ (٢) التمهيد (٣١/١٣، ٣٢). في (ح): ((الشيطان)). (١) (٣) ينظر: المبسوط (٢٧٩/١)، الهداية (٤٠/١). (٤) في الأصل، (ح): ((الصورة)). (٥) ينظر: شرح ابن بطال للبخاري (٢١١/٢). (٦) في (ك، ح): ((وتجوز)). (٧) ليس في: الأصل. (٩) التمهيد (٣٣/١٣). (٨) ليس في: الاصل. (١٠) في الأصل، (م): ((قال)). (١١) ينظر: المحلى (٢٦٤/٢ - ٢٧٥)، (٢/٣). ٨٣ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ = الرَّكعَتَينِ، ولِحَدِيثِ عَلِيٍّ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َِِّ «نَهَى عن الصَّلَاةِ بَعدَ العَصرِ، إِلَّ والشَّمسُ مُرْتَفِعَةٌ)). وهُو في سُنَنِ أبِي دَاوُدُ(١)، وإسنَادُهُ صَحِيحٌ، وزَادَ عَلَيهِ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ: فَجَوزَهَا إِلَى بَعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ، وَرَأى النَّهيَ عن ذَلِكَ مَنسُوخًا. (١٨٧/٢م). ] السَّابِعَةُ: الَّذِينَ قَالُوا بِالنَّهي في هَاتَينِ الصُّورَتَينِ، اَنَّفَقُوا عَلَى أَنَّ(٢) النَّهِيَ فيمَا بَعدَ العَصرِ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعلِ الصَّلَاةِ، فَإِن قَدَّمَهَا: اتَّسَعَ وقتُ النَّهي، وإن أخَّرَهَا: ضَاقَ. وأمَّا(٣) فيمَا بَعدَ الصُّبح، فَاختَلَفُوا: فَقال الشَّافِعِيُّ: هُو كَالَّذِي قَبلَهُ، إِنَّمَا تَحصُلُ الكَرَاهَةُ بَعدَ فِعلِ الصُّبح، كَمَا هُو مُقْتَضَى الأحَادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ، وهُو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ: عن الحَسَنِ البَصرِيِّ. وَذَهَبَ المَالِكِيَّةُ والحَنَفيةُ: إلَى تُبُوتِ الكَرَاهَةِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ سِوى رَكعَتَي الفَجرِ، وهُو المَشُورُ عن أحمَدَ، وهُو وجهٌ في مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، قال ابنُ الصَّبَّاغُ(٤) في ((الشَّامِلِ)): إنَّهُ ظَاهِرُ المَذهَبِ، وقَطَعَ بِهِ المُتَولِّي في ((الَِّمَّةِ)). ورَواهُ ابنُ أَبِي شَيْبَةً في (مُصَنَّفِهِ)): عن ابنِ عُمَرَ، وابنٍ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ. وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَكرَهُونَ إِذَا طَلَعَ الفَجرُ أن يُصَلُّوا إلَّا رَكعَتَينِ (٥). وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ: عن العَلَاءِ بنِ زِيَادٍ، وحُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، قال: ورُوِيَت كَرَاهَتُهُ عن ابنِ عُمَرَ، وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرو (٦)، ولَيسَ يَثْبُتُ ذَلِكَ عنْهُمَا (٧)، واحتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا فِي سُنَنِ أبِي دَاوُد: عن يَسَارٍ مَولَى ابْنِ عُمَرَ قال: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وأنَا أُصَلِّي بَعدَ ◌ُلُوعِ الفَجرِ، فَقال: ((يَا يَسَارُ! إنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ خَرَجَ عَلَيْنَا ونَحنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ، فَقال: لِيُبِغِ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُم: لَا تُصَلُّوا بَعدَ الفَجرِ إلَّا سَجِدَتَينٍ)) (٨)، وفي لَفِظِ لِلدَّارَ قُطِنِيِّ(٩): ((لَا صَلَاةَ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ إِلَّا سَجِدَتَانٍ)). (١) سنن أبي داود (١٢٧٤). (٣) في (ك، م): ((فأما)). (٥) ابن أبي شيبة (٣٥٥/٢). الأوسط (٤٢١/٣). في (ح): ((الدار قطني)). (٩) (٢) ليس في: (ك). (٤) في (ك): ((الصلاح)). (٦) في (م): ((عمر)). (٨) أبو داود (١٢٧٨). (٧) = ٨٤ كـ طرح التثريب في شَرّحِ التَّقْرِيبِ وفي لَفِظِ لَهُ: ((إِلَّا رَكَعَتَي الفَجرِ)). وقال: غَرِيبٌ(١). وفي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وجهٌ ثَالِثٌ: أنَّهُ (٢) إِنَّمَا تَثْبُتُ الكَرَاهَةُ بَعدَ صَلَاةِ رَكَعَتَي الفَجرِ، فَلَهُ قَبلَهُمَا(٣) أن يُصَلِّيَ مَا شَاءَ، والمَشْهُورُ عِندَ أصحَابِنَا: المَذُورُ، أولًا، ولِهَذَا قَالُوا: إنَّ أوقَاتَ الكَرَاهَةِ خَمسَةٌ، ثَلَاثَةٌ يَتَعَلَّقُ النَّهِيُ فيهَا بِالزَّمَانِ، واثْنَانِ يَتَعَلَّقُ النَّهيُّ(٤) فيهِمَا بِالفِعلِ . وعَدَّهَا النَّوِيُّ في ((المِنهَاجِ))(٥): ثَلَاثَةً، عِندَ الاِستِواءِ، وبَعدَ الصُّبحِ حَتَّى تَرتَفِعَ الشَّمسُ، وبَعدَ العَصرِ حَتَّى تَغْرُبَ. ونُسِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى نَوعِ تَسَاهُلٍ. وقال هُو في ((شَرح المُهَذَّبِ))(٦): إنَّ عَذَّهَا خَمسَةٌ أجودُ؛ لِأَنَّ مَن لَم يُصَلِّ الصُّبحَ حَتَّى(٧) طَلَعَتِ الشَّمسُ، أو العَصرَ حَتَّى غَرَبَت: يُكرَهُ لَهُ (٨) التَّفُلُ، وهَذَا لَا يُفْهَمُ مِن عَدِّهَا ثَلَاثًا . [وفي ((المُغنِي))(٩) لِابنِ قُدَامَةَ: أنَّ أحمَدَ عَدَّهَا: ثَلَاثَةً](١٠) [وعَدَّهَا أصحَابُهُ: خَمسَةً](١١). وكَذَا فَعَلَ ابنُ شَاسٍ في ((الجَواهِرِ))(١٢): خَلَطَ وقتَي الفِعلِ بِوقتَي الزَّمَانِ، وأفرَدَ(١٣) الكَرَاهَةَ فيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجرِ، وصَلَاةِ الصُّبحِ عَلَى مَذهَبِهِم، فَجَعَلَهَا وقتًا آخَرَ، فَقال: إنَّ أوقَاتَ الكَرَاهَةِ أربَعَةٌ، بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ حَتَّى (١٨٩/٢م) تُصَلَّى الصُّبحُ، وبَعدَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ وتَرتَفِعَ، وبَعدَ صَلَاةِ العَصرِ حَتَّى (١) سنن الدارقطني (٤١٩/١). (٣) في الأصل: ((قبلها)). (٢) ليس في: (ح). (٤) ليس في: (ك). (٥) المنهاج (ص٩)، وينظر: مغني المحتاج (١٢٨/١)، وشرح المحلي على المنهاج (١٤٤/١). (٦) (٧٦/٤). (٧) ليس في: (ك). (٨) في (ح): ((أما)). (٩) (٥٢٣/٢). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (ك، ح). (١١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (١٢) الجواهر الثمينة على مذهب عالم المدينة في الفروع، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي المالكي، المتوفى سنة ست عشرة وستمائة، وضعه على ترتيب الوجيز للغزالي، والمالكية عاكفة عليه لكثرة فوائده. كشف الظنون (٦١٣/١). (١٣) في (م): ((فأفرد)). بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ ٨٥ تَغْرُبَ الشَّمسُ، وسَنَحكِي(١) الرَّابِعَ عنهُ بَعدَ ذَلِكَ. وَكَذَا فَعَلَ الدَّارِمِيُّ(٢) مِن الشَّافِعِيَّةِ، في إفرَادِ مَا(٣) بَيْنَ طُلُوعِ الفَجرِ وصَلَاةٍ الصُّبحِ، فَعَدَّهَا سَبعَةً: الخَمسَةُ المَشْهُورَةُ، وهَذِهِ الصُّورَةُ، والسَّابِعَةُ: بَعدَ غُرُوبٍ الشَّمسِ إلَى صَلَاةِ المَغرِبِ، عَلَى وجهٍ عِندَنَا . واستَثْنَى المَالِكِيَّةُ(٤) مِن الكَرَاهَةِ: فيمَا بَينَ(٥) طُلُوعِ الفَجرِ وصَلَاةِ الصُّبحِ، اسْتِدرَاكَ قِيَامِ اللَّيلِ لِمَن نَامَ عن عَادَتِهِ، فَقَالُوا: يَفعَلُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجرِ وصَلَاةِ الصُّبحِ. ورَوى ابنُ أبِي شَيبَةَ: عن الشَّعِيِّ: أنَّهُ سُئِلَ عن رَجُلٍ بَقِيَ عَلَيهِ مِن وِردِهِ شَيءٌ، وهُو يُصَلِّي، وقَد طَلَعَ الفَجرُ؟ فَقال: يَقرَأُ بَقِيَّةَ وِردِهِ. وعن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ: إنَّ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ لَجُزءًا حَسَنًا مِن اللَّيلِ، وكَانَ يَقرَأُ بَعدَ الفَجرِ بِالبَقَرَةِ(٦). ، الثَّامِنَةُ: زَادَ المَالِكِيَّةُ في أوقَاتِ الكَرَاهَةِ: وقتًا آخَرَ، وهُو بَعدَ صَلَاةٍ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنصَرِفَ النَّاسُ [١٠٦/١و]، وهُم مُطَالَّبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ؟ وهِيَ الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ، الَّتِ وعَدت بِحِكَايَتِهَا مِن كَلَامِ ابنِ شَاسٍ، وزَادَ الحَنَفيةُ وقتًا آخَرَ، وهُو بَعدَ الغُرُوبِ قَبلَ صَلَاةِ المَغرِبِ، [وهُو وجهٌ عِندَنَا، حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ. (١) في الأصل: ((وسيجيء)). (٢) هو: الإمام أبو الفرج الدارمي البغدادي، محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عمر بن ميمون، نزيل دمشق، تفقه على أبي الحسين الأردبيلي وعلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، توفي بدمشق في ذي القعدة، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. له كتب شهيرة، منها الاستذكار، جامع الجوامع ومودع البدائع، مصنَفٌ في المتحيرة، نقل عنه في الروضة كثيرًا. طبقات ابن السبكي (١٨٢/٤)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢٣٥/١). (٣) في (ح): ((ها)). (٤) ينظر: التمهيد (١٠١/٧)، تهذيب مسائل المدونة (١١٠/١)، حاشية العدوي على الصعيدي (٣٧١/١). (٥) في الأصل: ((بعد)). (٦) ابن أبي شيبة (٣٥٤/٢، ٣٥٥). 5 ٨٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ويَرُدُّهُ الأمرُ بِصَلَاةِ رَكعَتَينٍ قَبلَ المَغرِبِ](١)، وهُو في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)): مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ (٢). وقال شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ في ((المُهِمَّاتِ)): المُرَادُ بِحَصرِ الكَرَاهَةِ في هَذِهِ الأوقَاتِ: إِنَّمَا هُو بِالنِّسَبَةِ إلَى الأوقَاتِ الأصلِيَّةِ، فَقَد ذَكَرُوا: أنَّهُ يُكرَهُ التَّنَقُّلُ وقتَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، ووقتَ صُعُودٍ الإمَامِ لِخُطبَةِ الجُمُعَةِ. ■ التَّاسِعَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في النَّهي عن الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأوقَاتِ، هَل هُو لِلتَّحْرِيمِ، أو لِلشَّزِيهِ؟ ولِأصحَابِنَا في ذَلِكَ وجهَانٍ، فَالَّذِي صَحَّحَهُ النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ)). و((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٣)، وغَيرِهِمَا: أنَّهُ لِلتَّحرِيمِ، وهُو ظَاهِرُ النَّهىِ في قَولِهِ: (لَا تُصَلُّو)). والنَّفى في قَولِهِ: ((لَا صَلَاةَ))؛ لِأَنَّهُ خَبَرَّ مَعنَاهُ النَّهيُّ. وقَد نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى عَلَى هَذَا في ((الرِّسَالَةِ))(٤)، وصَخَّحَ النَّووِيُّ في ((التَّحقِيقِ)): أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنزِيهِ، وهَل تَنعَقِدُ الصَّلَاةُ لَو فَعَلَهَا، أو هِيَ بَاطِلَةٌ؟ صَحَّحَ النَّورِيُّ في ((الرَّوضَةِ) تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ: بُطلَانَهَا، وظَاهِرُهُ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، ولَو قُلنَا بِأَنَّهَا مَكَرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنزِيهِ، وقَد صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ الوسِيطِ)). تَّبَعًا لِابنِ الصَّلَاحِ، واستَشكَلَهُ شَيخُنَا الإسنَوِيُّ في ((المُهِمَّاتِ)): بِأَنَّهُ كَيفَ يُبَاحُ الإقدَامُ عَلَى مَا لَا يَنْعَقِدُ، (١٩٠/٢م) وهُو ◌َلَاعُبٌ؟! ولَا إشكَالَ فيهِ؛ لِأَنَّ نَهيَ التَّنزِيهِ إِذَا رَجَعَ إِلَى نَفسِ الصَّلَاةِ يُضَادُّ الصِّحَّةَ كَنَهىِ التَّحرِيمِ، كَمَا هُو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ، وحَاصِلُهُ: أنَّ المَكرُوهَ لَا يَدخُلُ تَحتَ مُطلَقِ الأمرِ، وإلَّا يَلزَمُ أن يَكُونَ الشَّيءُ مَطلُوبًا مَنهِيًّا، ولَا يَصِحُ إلَّا مَا كَانَ مَطْلُوبًا(٥) . (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢) البخاري (٦٢٤). ينظر: الروضة (١٩٢/١)، والمجموع (٧٦/٤)، والمنهاج (ص٩). (٣) (٤) الرسالة (ص٣١٦). (٥) ينظر: التلخيص (٤٦٣/١)، والبحر المحيط (٢٤٢/١)، وشرح الكوكب (٤١٥/١). بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ ٨٧ = = العَاشِرَةُ: حَمَلَ(١) الحَنَفيةُ(٢): هَذَا النَّهِيَ الَّذِي فِي هَذَا الحَدِيثِ، وفي صُورَةِ الاِستِواءِ عَلَى عُمُومِهِ، فَطَرَدُوا(٣) النَّهيَ في كُلِّ صَلَاةٍ، ولَو كَانَت فَرِيضَةً فَائِتَةً، ولَو كَانَت ذَاتَ (٤) سَبَبٍ؛ كَصَلَاةِ الجِنَازَةِ، وسُجُودِ التِّلَاوةِ، ولَو صُبْحَ يَومِه، فَلَو أَخَّرَ صَلَاةَ الصُّبحِ حَتَّى شَرَعَتِ الشَّمسُ في الظُلُوعِ: لَم يَجُزِ أن يَبتَدِئَهَا حَتَّى يَتِمَّ(٥) طُلُوعُهَا وتَرتَفِعَ، ولَو شَرَعَ فيهَا قَبلَ ذَلِكَ فَطَلَعَتَ الشَّمسُ، وهُو في أثنَائِهَا: بَطَلَت، ووجَبَ اسْتِنَافُهَا بَعدَ ذَلِكَ، ولَم يَستَئنوا(٦) مِن ذَلِكَ إلَّا عَصرَ يَومِهِ، فَقَالُوا: لَهُ فِعلُهُ عِندَ غُرُوبِ الشَّمسِ، ولَو شَرَعَ فيهِ قَبلَ ذَلِكَ فَغَرَبَتِ الشَّمسُ، وهُو في (٧أثنَائِه: أَتَمَّه٧)، وقَالُوا: إنَّ النَّهيَ عن الصَّلَاةِ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ لَيسَ عَلَى عُمُومِهِ، فَلَهُ أن يُصَلِّيَ فِي ذَينِك (٨) الوقتَيْنِ الفَوائِتَ ويسجُدَ (٩) للتِّلَاوةِ، ويُصَلِّيَ عَلَى الجِنَازَةِ، وعَلَّلُوهُ: بِأنَّ الكَرَاهَةَ إِنَّمَا هِيَ لِحَقِّ (١٠) الفَرضِ، لِيَصِيرَ (١١) الوقتُ كَالمَشغُولِ بِهِ، لَا لِمَعنّى في الوقتِ، بِخِلَافِ الأوقَاتِ الثَّلَاثَةِ المتَقَدِّمَةِ(١٢) . وبِذَلِكَ يَظهَرُ: أَنَّ قَولَ النَّوِيِّ في ((شَرحِ مُسلِم)): اتَّفَقُوا عَلَى جَوازِ الفَرَائِضِ المُؤَدَّاةِ فِيهَا(١٣): مَرَدُودٌ، فَإِنَّ الحَنَفيةَ مَنَعُوا الصُّبحَ فَّيِهَا، واللهُ أعلَمُ. وزَادَ بَعضُهُم عَلَى ذَلِكَ، فَمُنِعَ العَصرُ أيضًا: ذَكَرَ ابنُ حَزمٍ مِن طَرِيقَينِ (١٤): ((أنَّ أَبَا بَكرةُ (١٥) نَامَ في بُستَاذٍ عن العَصرِ، فَلَم يَستَيقِظِ حَتَّى أَصفَرَّت الشَّمسُ: فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى))(١٦) . (١) في (ك): ((وحمل)). ينظر: المبسوط (٢٧٦/١)، والهداية (٤٠/١)، والاختيار (٤٥/١). (٢) (٣) في (ك، م): ((فطرد)). (٥) في (ح): ((تتم)). (٧ - ٧) في (ك، م): ((أثنائها أتم)). (٩) في (ك، م): ((وسجدة التلاوة)). (١١) في (ك): ((ليصل)). (١٠) في (ك، م): ((حق)). (١٢) في (م): ((المُقدَّمة)). (١٤) في (ك، م): ((طريقه)). (٤) في (ح): ((ذا سبب)). (٦) في (ك، م): (يستثن)). (٨) في (ك): («تلك)). (١٣) شرح مسلم (١١٠/٦). (١٥) في (م): ((بكرٍ)). (١٦) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٥٠) من طريق ابن سيرين عنه، وابن أبي شيبة (٦٢/٢) (٤٧٦٥) عن مولى أبي بكرة. = ٨٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وذَهَبَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: إلَى أنَّ النَّهيَ في جَمِيعِ الصُّورِ: ((إنَّمَا هُو١) في صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا، فَأَمَّا مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيهِ، أو مُقَارِنٌ لَهُ: فَيَجُوزُ فِعلُهُ في وقتِ الكَرَاهَةِ، وهَذَا (٢) كَالفَائِتَةِ، ولَو كَانَت مِن السُّنَنِ الرَّواتِبِ، أو مِن النَّوافِلِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الإنسَانُ وِردًّا لَهُ، وكَصَلَاةِ الجِنَازَةِ، وسُجُودِ الثِّلَاوِ والشُّكرِ، ورَكعَتَي الطَّوافِ، وصَلَاةِ الكُسُوفِ، وسُنَّةِ الوُضُوءِ، ولَو تَوضَّأ في وقتِ الكَرَاهَةِ، وصَلَاةِ الاسْتِسقَاءِ [١٠٦/١ظ] عَلَى الأَصَحِّ، خِلَافًا لِمَا صَخَّحَهُ النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٣) فيهَا في بَابِهَا، وتَحِيَّةُ المَسجِدِ: إِذَا دَخَلَ لِغَرَضٍ غَيرِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ، فَلَوَ دَخَلَ لَا لِحَاجَةٍ، بَل لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَقَط: فَفيهِ وجهَانٍ. ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ والنَّووِيُّ(٤): أنَّ أقيَسَهُمَا(٥) الكَرَاهَةُ، وشَبَّهَا ذَلِكَ: (١٩١/٢م) بِمَا لَو أخَّرَ الفَائِتَةَ، لِيُصَلِّيَهَا (٦ في هَذِهِ الأوقَاتِ ٦). وفيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَو فَعَلَ ذَلِكَ: لَم نَقُل بِكَرَاهَةِ فِعلِها(٧) في هَذِهِ الأوْقَاتِ، والمَكَرُوهُ: هُو التَّأْخِيرُ، فَمُقْتَضَاهُ: أن يَكُونَ المَكَرُوهُ هُنَا دُخُولَهُ المَسجِدَ في ذَلِكَ الوقتِ بِذَلِكَ القَصدِ، لَا فِعلَ التَّحِيَّةِ فِي ذَلِكَ الوقتِ، وقَولِي، أولًا: مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ، أو مُقَارِنٌ: خَرَجَ بِهِ مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَأخِرٌ عنهُ؛ كَصَلَاةِ الاِستِخَارَةِ، وَرَكَعَتَّي الإِحرَامِ، فَيُكرَهُ فِعلُهُمَا في وقتِ الكَرَاهَةِ، عَلَى الأَصَحِّ. وقال في ((شَرِحِ المُهَذَّبَ» (٨): إنَّ مُقَابِلَهُ قَوِيٌّ. هَذَا(٩) تَفصِيلُ مَذهَبِنَا، ووافَقَنَا الحَنَابِلَةُ: في(١٠) قَضَاءِ الفَائِتَةِ إِذَا كَانَت فَرِيضَةً، وفي رَكعَتَي الطَّوافِ، وفَصَّلُوا في قَضَاءِ النَّافِلَةِ(١١)، فَقَالُوا في الوِتِرِ: إنَّ لَهُ فِعلَهُ قَبلَ صَلَاةِ الصُّبح، مَعَ أنَّ المَشهُورَ عِندَهُم ثُبُوتُ الكَرَاهَةِ مِن طُلُوع (١ - ١) في (ك): ((فإنما هي)). (٢) في (ك): ((وكذا)). (٣) المجموع (٧٧/٥). (٤) ينظر: الشرح الكبير (١١١/٣)، المجموع (٧٨/٤)، الروضة (١٩٣/١). (٥) في الأصل: ((أقيسها)). (٦ - ٦) ليس في: (ح). (٧) في (م): ((فعلهما)). (٨) المجموع (٧٨/٤). (٩) في (م): ((فهذا)). (١١) في الأصل: ((الفائتة)). (١٠) في (ك، م): ((على)). ٨٩ بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ = الفَجرِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وكَذَا حَكَى ابنُ أبِي مُوسَى(١) في ((الإرشَادِ))(٢): عن أحمَدَ، أنَّ لَهُ قَضَاءَ صَلَاةِ اللَّيلِ قَبلَ فِعلِ الصُّبحِ، فِيَاسًا عَلَى الوِتِرِ، وقَد تَقَدَّمَ مِثلُ ذَلِكَ عن المَالِكِيَّةِ، وجَوزُوا أيضًا قَضَاءَ سُنَّةِ الفَجرِ بَعدَهَا، وإن كَانَ الأفضَلُ عِندَهُم تَأخِيرَ ذَلِكَ إلَى الضُّحَى. وأمَّا بَقِيَّةُ الرَّواتِبِ: فَالصَّحِيحُ عِندَهُم: جَوازُ قَضَائِهَا بَعدَ صَلَاةِ العَصرِ خَاصَّةً، دُونَ بَقِيَّةٍ، أوفَاتِ النَّهي، وعن أحمَدَ: رِوايَةٌ أُخرَى: أنَّهُ يَجُوزُ فِعلُهَا فِي أوفَاتِ النَّهىِ مُطلَقًا. [وأمَّا كُلُّ صَلَاةٍ لَهَا سَبَبٌ؛ كَتَحِيَّةِ المَسجِدِ، وصَلَاةِ الكُسُوفِ، وسُجُودِ التِّلَاوةِ، فَالمَشهُورُ عِندَهُم: مَنعُهَا في كُلِّ، أوقَاتِ النَّهي، وقِيلَ: بِجَوازِهَا(٣) مُطلَقًا](٤)، وأمَّا صَلَاةُ الجِنَازَةِ: فَجَوزُوهَا فيمَا بَعدَ صَلَاةٍ(٥) الصُّبح، والعَصرِ، وهُو مُجمَعٌ عَلَيهِ، كَمَا حَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ، ومَنَعُوهَا في الأوقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي في حَدِيثٍ عُقْبَةَ؛ فَأَشبَهُوا فِي ذَلِكَ الحَنَفيةَ، وعن أحمَدَ رِوايَةٌ أُخرَى: بِجَوازِهَا في الأوقَاتِ كُلِّهَا، وأمَّا المَالِكِيَّةُ: فَاستَثنَوا مِن أوقَاتِ الكَرَاهَةِ قَضَاءَ(٦) الفَائِتَّةِ عُمُومًا؛ أي: الفَرَائِضُ، فَإِنَّهُم يَمنَعُونَ قَضَاءَ الفَوائِتِ(٧) مُطلَقًا، ولَو كَانَت رَواتِبَ، واستَثْنَوا أيضًا: رَكعَتَي الفَجرِ، واستِدرَاكَ قِيَامِ اللَّيلِ لِمَن نَامَ عن عَادَتِهِ قَبلَ فِعلِ الصُّبْحِ فِيهِمَا، كَمَا تَقَدَّمَ. وأمَّا صَلَاةُ الجِنَازَةِ وسُجُودُ الثِّلَاوةِ: فَمَنَعُوهُمَا (٨) عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ (١) بعدها في (ح): ((المديني)). (٢) الإرشاد الى سبيل الرشاد، في فقه الحنابلة: للفقيه محمد بن أحمد بن أبي موسى، الهاشمي، ويعرف بابن أبي موسى، ومن مصنفاته: ((شرح كتاب الخرقى))، قال القاضي أبو يعلى الشهيد: إنه شاهد أجزاء بخطه من شرحه لكتاب الخرقى، وكانت حلقته بجامع المنصور، وله رسالة اسمها: باب ما تنطق به الألسنة، وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات. معجم الكتب (ص٦١). (٣) ليس في: (ك). (٥) (٧) في (ك، م): ((الفوائت)). (٤) ليس في: (ح). (٦) في (ك): ((وقضاء)). زيادة في: (ح، م). (٨) في (ح): ((فمنعوها)). طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وغُرُوبِهَا، كَمَا فَعَلَ الحَنَفيَةُ والحَنَابِلَةُ، وضَابِطُ ذَلِكَ عِندَهُم مِن(١) وقتِ الإسفَارِ والاِصفِرَارِ. وأمَّا فِعلُهُمَا بَعدَ صَلَاةِ الصُّبحِ وقَبلَ الإسفَارِ، وبَعدَ صَلَاةِ العَصرِ، وقَبلَ الاصفِرَارِ: فَفيهِ عِندَهُم ثَلَاثَةُ أقوالٍ: المَنعُ، وهُو (٢) مَذهَبُ ((المُوطَّ)(٣)، وهُو فَادِحٌ في نَقلِ (٤) ابنِ المُنذِرِ (١٩٢/٢م) الإجمَاعَ في صَلَاةِ الجِنَازَةِ في هَذَينٍ الوقتَينِ(٥)، كَمَا تَقَدَّمَ. والجَوازُ: وهُو مَذهَبُ ((المُدَونَةِ)) (٦)، وتَخصِيصُ الجَوازِ بِمَا بَعدَ الصُّبحِ دُونَ مَا بَعدَ العَصرِ، وهُو رَأيُ ابنِ حَبِيبٍ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وهَذَا لَا وجهَ لَّهُ في النَّظَرِ؛ إذ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ مِن خَبَرٍ ثَابِتٍ ولَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ(٧)، انتَهَى. وهَذَا كُلُّهُ مَا لَم يُخشَ تَغَيُّرُ المَيِّتِ، فَإِن خِيفَ ذَلِكَ صُلِّيَ عَلَيهِ فِي جَمِيعِ الأوقَاتِ. وقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ: أنَّ أربَابَ المَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ: جَوزُوا في أوقَاتِ النَّهِي مَا لَّهُ سَبَبٌ في الجُمْلَةِ، وإن اختَلَفُوا في تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وأنَّ الحَنَفيةَ: جَوزُوا ذَلِكَ في وقتَينٍ مِن أوقَاتِ الكَرَاهَةِ، وهُمَا بَعدَ الصُّبحِ وبَعدَ العَصرِ، دُونَ بَقِيَّةِ الأوقَاتِ. وجَوزَ ابنُ حَزم (٨): في أوقَاتِ النَّهي مَا لَهُ سَبَبٌ، إذَا لَم يَتَذَكَّرَهُ إلَّا فِيهَا، فَإِن تَذَكَّرَهُ قَبَلَهَا، فَتَعَمَّدَ (٩) تَأْخِيرَهُ إِلَيْهَا: لَمْ يَجُز فِعلُهُ فيهَا، وهُو ظَاهِرُ قَولِهِ: ((لَا يَتَحَرَّى أحَدُكُمْ))، وتَمَسَّكَ الجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ، بِقَولِهِ نَّهِ: (مَن نَسِيَ صَلَاةً، أو نَامَ عنهَا فَكَفَّارَتُهَا أن يُصَلَِّهَا(١٠) إذَا ذَكَرَهَا)). رَواهُ الْبُخَارِيُّ، ومُسلِمٌ، واللَّفِظُ لَهُ(١١) مِن حَدِيثٍ أَنَسٍ(١٢)، وبِحَدِيثٍ (١٣) أُمِّ سَلَمَةَ: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ [١٠٧/١ و] صَلَّى (١) في الأصل: ((في)). (٣) الموطأ (٢٠٦/١). (٢) ليس في: (ك). (٤) في (ك): ((قول)). (٥) الأوسط (٣٩٤/٢)، وقد نقل ابنُ المنذر الخلافَ في المسألة أيضًا في الأوسط (٣٩٥/٥). (٦) المدونة الكبرى (١٩٩/١). (٧) التمهيد (٤٦/١٣). (٨) المحلى (٧/٣). (٩) في (ك): ((فيعتمد). (١٠) في الأصل: ((يصلها)). (١١) ليست في: الأصل. (١٢) البخاري (٥٩٧)، مسلم (٣١٤/٦٨٤). (١٣) في (ح): ((وحديث)). ٩١ = بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ رَكَعَتَيْنِ بَعدَ العَصرِ، فَلَمَّا انصَرَفَ، قال لِي: سَأَلتِ عن الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِن عَبدِ القَيسِ بِالإِسلَامِ مِن قَومِهِم، فَشَغَلُونِي عن اللَّتَينِ بَعدَ الظَّهرِ، فَهُمَا هَاتَانِ بَعدَ العَصرِ)). رَواهُ البُخَارِيُّ ومُسلِمٌ (١)، وهَذَا مُختَصَرٌ، وبِحَدِيثِ(٢) عَائِشَةَ: ((مَا تَرََكَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ السَّجِدَقَيْنِ بَعدَ العَصرِ عِندِي قَطُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ أيضًا(٣)، وبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أيضًا: ((أنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ يُصَلِّي رَكَعَتَينٍ قَبَلَ العَصرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عِنْهُمَا، أو (٤) نَسِيَهُمَا، فَصَلَُّهُمَا بَعدُ ثُمَّ أَثبَتَهُمَا، وكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَةً أَثبَتَهَا)): رَواهُ مُسلِمٌ (٥) . وذَكَرَ ابنُ حَزم (٦): أنَّ حَدِيثَ(٧) هَاتَيْنِ الرَّكعَتَينِ، نُقِلَ نَقلَ تَواتُرٍ يُوجِبُ العِلمَ (٨)، والأحَادِيثُ في هَذَا المَعنَى كَثِيرَةٌ، وفيمَا ذَكَرِنَاهُ كِفَايَةٌ، والفَرقُ بَيْنَ بَعضِ ذَواتِ السَّبَبِ وبَعضِهَا لَا مَعنَى لَهُ، وكَذَلِكَ الفَرقُ بَيْنَ بَعضٍ، أوقَاتِ الكَرَاهَةِ وبَعضِهَا: فَالواجِبُ طَردُ الحُكمِ في جَمِيعِ الصُّورِ؛ لِأَنَّا فَهِمِنَا مِن نَفْسٍ الشَّرعِ تَخصِيصَ النَّهىِ بِغَيرِ ذَاتِ السَّبَبِ، فَطَرَدنَا الحُكمَ في سَائِرِ الصُّورِ (٩)، واللهُ تعالى أعلمُ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهِيدِ)): قَولُهُ في هَذَا الحَدِيثِ: ((لَا يَتَحَرَّى)»: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَقصُودَ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرضِ، وقَد يَجُوزُ أن يَكُونَ قَصَدَ بِهِ: أن لَا يَتْرُكَ المَرْءُ صَلَاةَ العَصرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمسِ، ولَا صَلَاةَ الصُّبحِ إلَى ظُلُوعِهَا، ثُمَّ يُصَلِّي في ذَلِكَ الوقتِ (١٩٣/٢م) قَاصِدًا لِذَلِكَ مُفَرِّطًا، ولَيسَ (١٠) ذَلِكَ لِمَن نَامَ، أو نَسِيَ فَانتَهَ، أو (١١) ذَكَرَ في ذَلِكَ الوقتِ؛ لأنَّ مَن عَرَضَ لَهُ مِثلُ ذَلِكَ: فَلَيسَ (١) البخاري (١٢٣٣)، (٢٩٧/٨٣٤). البخاري (٥٩٢)، مسلم (٢٩٩/٨٣٥). (٣) (٥) مسلم (٢٩٨/٨٣٥). (٧) ليس في: (ك). ينظر: المحلى (٢٦٤/٢ - ٢٧٥)، (٢/٣ - ٧). (٨) (٩) في (ح): ((الصلوات)). (١١) في (ح): (و)). (٢) في (ح): ((وحديث)). (٤) في الأصل: ((و)). (٦) في (ح): ((مسلم)). (١٠) بعدها في (م): ((في)). ٩٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بِمُتَحَرِّ لِلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الوقتِ] (١)، ولَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَذَا الْبَابِ، بِدَلِيلٍ قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مَن أدرَكَ رَكعَةً مِن الصُّبحِ قَبَلَ أن تَطْلُعَ الشَّمسُ: فَقَد أدرَكَ الصُّبحَ، ومَن أدرَكَ رَكَعَةً مِن العَصرِ قَبَلَ أن تَغْرُبَ الشَّمسُ: فَقَد أدرَكَ العَصرَ)). ومَعلُومٌ: أنَّ مَن أدرَكَ رَكعَةً مِن الصُّبحِ قَبلَ الظُّلُوعِ، أو رَكعَةً مِن العَصرِ قَبلَ الغُرُوبِ: فَقَد صَلَى عِندَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَعِندَ غُرُوبِهَا . ودَلِيلٌ آخَرُ: قَولُهُ بَّهِ: ((مَنْ نَامَ عن صَلَاةٍ، أَو نَسِيَهَا فَلَيُصَلِّهَا(٢) إِذَا ذَكَرَهَا)). وهَذَا كُلُّهُ: يُوضِّحُ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعُ والتَّعَمُّدُ لِتَركِ الفَرَائِضِ(٣)، وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ» (٤) بَعدَ ذِكرِهِ حَدِيثَ النَّهيٍ، وحَدِيثَ: ((مَن نَامَ عن صَلَاةٍ، أو نَسِيَهَا)): إنَّ بَينَ الحَدِيثَينِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجهٍ، فَحَدِيثُ الثَّهيٍ: خَاصٌّ في الوقتِ عَامٌّ في الصَّلَاةِ، وحَدِيثُ الَّومِ والنِّسيَانِ: خَاصٌّ في الصَّلَاةِ الفَائِتَةِ عَامٍّ في الوقتِ، فَكُلُّ(٥) واحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسَبَةِ إلَى الآخَرِ: عَامٌّ مِن وجهٍ، خَاصِّ(٦) مِن وجهٍ؛ يَعْنِي: وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمكِنُ القَضَاءُ لِحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ لِعَدَمِ المُرَجِّحِ (٧)، لَكِنَّ حَدِيثَ: ((صَلَائِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، بَعدَ صَلَاةِ (٨) العَصرِ: الزَّكعَتَيْنِ اللَّتَينِ بَعدَ الظُّهرِ)): لَا يَأْتِي فيهِ هَذَا البَحثُ، فَهُو (٩) صَرِيحٌ في المَقصُودِ، وحُجَّةٌ لِلجُمْهُورِ، وقَولُ أُمّ سَلَمَةَ لَهُ وَِّ، فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ (١٠): ((أسمَعُك تَنهَى عن هَاتَينِ الرَّكعَثَينِ، وأرَاك تُصَلِّيهِمَا)): دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ قَضَاهُمَا بَعدَ العَصرِ، بَعدَ نَهِهِ عن الصَّلَاةِ في هَذِهِ الأوقَاتِ، فَامتُنِعَ أن يُقال: إنَّ فِعَلَهُ لَهُمَا مَنسُوخٌ بِالَّهي عن الصَّلَاةِ في هَذِهِ الأوقَاتِ، ولَا يُقال: إنَّ ذَلِكَ مِن خَصَائِصِهِ مََّ! فَالأصلُ عَدَمُ التَّخصِيصِ. (١) ليس في: (ح). (٣) التمهيد (١٢٨/١٤، ١٢٩). (٥) في (ك، ح): ((وكل)). في (ك): ((الترجيح)). (٧) (٩) في (ك): ((وهو)). (٢) في (ك): ((فليصليها)). (٤) إحكام الأحكام (ص١٨٩). (٦) في (ح، م): ((وخاص)). (٨) ليس في: (ح). (١٠) بعدها في (ك): ((أراك)). ٩٣ بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ = ومَا رُوِيَ مِن أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، قالت: أفنقضيهما(١) يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا فَاتَتَا(٢)؟ قال: (لَ)). لَم يَصِحَّ، كَمَا أوضَحَهُ البَيْهَقِيُّ، وغَيرُهُ(٣). والَّذِي اختَصَّ بِهِ، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِالرَّكعَتَينِ دَائِمًا بَعدَ العَصرِ، وإن لَم تَفُوتَاهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أثبَتَهُ، ولِهَذَا كَانَ المُرَجَّحُ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّهُ لَو قَضَى فَائِتَةً في هَذِهِ الأوقَاتِ، لَم يَكُن لَهُ المُواظَةُ عَلَى مِثْلِهَا في وقتِ الكَرَاهَةِ. وقال بَعضُ أصحَابِنَا: لَهُ ذَلِكَ، ولَم يَجعَل هَذَا مِن الخَصَائِصِ [١٠٧/١ظ]، وهُو الَّذِي حَكَاهُ ابنُ حَزْمٍ عن الشَّافِعِيِّ. وقال النَّووِيُّ في ((شَرح مُسلِم))(٤): هَذَا الحَدِيثُ هُو عُمدَةُ أصحَابِنَا في المَسألَةِ، ولَيسَ لَنَا أصَحُّ دَلَالَةً مِنْهُ، وَدَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ. وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)(٥)، بَعدَ أن قَرَّرَ جَوازَ قَضَاءِ الفَرَائِضِ الفَائِتَةِ في جَمِيعِ أوقَاتِ النَّهى: رُوِيَ نَحوُ ذَلِكَ عن عَلِيٍّ، وغَيرٍ واحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ، وبِهِ قال أبُو العَالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والأوزَاعِيُّ، وإسحَاقُ، وأَبُو ثَورٍ، وابنُ المُنذِرِ. ثُمَّ قال: ومِمَّن طَافَ بَعدَ الصُّبحِ والعَصرِ، وصَلَّى (٦) رَكَعَتَينٍ: ابنُ عُمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، وفَعَلَّهُ ابنُ عَبَّاسٍ، والحَسَنُ، والحُسَينُ، ومُجَاهِدٌ، والقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وفَعَلَهُ عُروةُ بَعدَ الصُّبحِ، وهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، ومُسلِمٍ، وأبِي ثَورٍ. ثُمَّ قال بَعدَ تَجوِيزِ الوِترِ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ: ورُوِيَ ذَلِكَ عن ابنِ مَسعُودٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وحُذَيفَةَ، وأبِي الدَّردَاءِ، وعُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وفَضَالَةَ بنِ عُبيدٍ، وعائشةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عَامِرٍ بنِ رَبِيعَةَ، وعَمرِو بنِ شُرَحِيلَ. وقال أيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وحُمَيدٌ الّوِيلُ: إنَّ أكثَرَ وِترِنَا لَبَعدَ (٧) طُلُوعِ الفَجرِ (٨)، وبِهِ قال مَالِكٌ، والثَّورِيُّ، والأوزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ ◌َظُهِ: أنَّهُ خَرَجَ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ، (١) في (ح): ((أفتقضيهما)). (٣) معرفة السنن والآثار (٢٧٢/٢). (٤) شرح صحيح مسلم (١٢١/٦). (٥) المغني (٢٨٠/٣ - ٣٠٠). (٦) في (ك، م): ((فصلى)). (٨) ينظر: الأوسط لابن المنذر (١٩٣/٥). في (ح): ((بعد)). (٧) (٢) في الأصل: ((فاتتنا)». وهما روايتان. ٩٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَقال: لَنِعمَ سَاعَةُ الوِتِرِ هَذِهِ. ورُوِيَ عن عَاصِم، قال: جَاءَ نَاسٌ(١) إلَى أبِي مُوسَى؛ فَسَأْلُوهُ عن رَجُلٍ لَم يُوتِرِ حَتَّى أَذَّنَ المُؤَذِّنُّ؟ فَقال: لَا وِتَرَ لَهُ. فَأَتَوا عَلِيًّا فَسَأْلُوهُ، فَقال: أغرَقَ (٢) في النَّرْعِ، الوِتْرُ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلَاةِ، انتَهَى. ■ الحَادِيَةَ عَشرَ(٣): استَثنَى أصحَابُنَا، مِن كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأوقَاتِ: مَن هُو بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللهُ تَعَالَى، فَقَالُوا: لَا تُكرَهُ الصَّلَاةُ فيهَا فِي شَيءٍ مِن هَذِهِ الأوقَاتِ، لَا رَكعَتَا الطّوافِ ولَا غَيرُهُمَا، وقِيلَ: إِنَّمَا يُبَاحُ(٤) رَكعَتَا الطّوافِ، وبِهِ قال الحَنَابِلَةُ، وسَوى الحَنَفيةُ والمَالِكِيَّةُ: في ذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ وغَيرِهَا(٥) . [وحَكَاهُ التِّرمِذِيُّ: عن سُفْيَانَ الثَّورِيِّ](٦)، واستَدَلَّ أصحَابُنَا لِذَلِكَ، بِحَدِيثٍ مُجُبَيرِ بنِ مُطعِم، قال: قال رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((يَا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، لَا تَمنَعُوا أَحَدًّا طَافَ بِهَذَا الْبَيتِ وصَلَّى (٧) أيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنِ اللَّيْلِ، والنَّهَارِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، والتِّرمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِهِ). وقال التِّرِمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ(٨). وقال ابنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ لَم يَصِحَّ(٩). وهَذَا مَرُدُودٌ عَلَيهِ، قال ابنُ حَزم (١٠): وإسلَامُ (١٩٥/٢م) جُبِيرٍ مُتَأْخِرٌ جِدًّا، إنَّمَا أسلَمَ يَومَ (١١) الفَتحِ، وهَذَا بِلَا شَكِّ بَعدَ نَهيِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عن الصَّلَاةِ في الأوقَاتِ: فَوجَبَ استِثنَاءُ ذَلِكَ مِن النَّهي. (١) في (م): ((أناس)). (٣) في (م): ((عشرة)). (٢) في (ح): ((أعرق)). (٤) في الأصل: ((تباح)). (٥) ينظر: بدائع الصنائع (٢٩٦/١)، والتمهيد (٣٩٥/٨)، والشرح الكبير للرافعي (١١٢/٣)، الشرح الكبير لابن قدامة (٧٧٩/١). (٦) ليس في: (ك). (٧) بعدها في (ك): ((في)). أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٤)، وابن ماجه (١٢٥٤)، وابن (٨) حبان (١٥٥٣). (٩) عارضة الأحوذي (٢٩٩/١). (١١) في (ح): ((بعد)). (١٠) المحلى (٣٧/٣). ٩٥ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ قُلت: قَد يُقال: إنَّ هَذَا مِمَّا سَمِعَهُ قَبلَ إسلَامِهِ؛ كَسَمَاعِهِ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ◌َهِ، في المَغرِبِ بِالطُّورِ قَبَلَ إسلامِهِ (١)، لَكِنَّ مُخَاطَبَتَهُ بَنِي عَبدِ مَنَافٍ بِهَذَا الكَلَامِ: إِنَّمَا هُو بَعدَ أن صَارَت مَكَّةُ(٢) دَارَ إسلام، وهُو بَعدَ الفَتحِ، فَهُو مُتَأخّرٌ عن النَّهى قَطِعًا، فَلَو اسْتَنَدَ ابنُ حَزِمٍ إِلَى هَذَا لَكَانَ أحسَنَ. ورَوى الدَّارَقُطْنِيُّ، والبَيهَقِيُّ، عن أبِي ذَرِّ مَرْفُوعًا: ((لَا صَلَاةَ بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ، ولَا بَعدَ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ، إِلَّا بِمَكَّةَ))(٣)، لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وفي حَدِيثٍ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ مَا يُقَوِّيهِ، مَعَ قَولِ جُمهُودِ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ بِهِ (٤). قُلتُ: ويَطرُقُ الحَدِيثَ الأولَ مِن البَحثِ: مَا تَقَدَّمَ عن الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ، مِن أَنَّ كُلَّا مِنْهُمَا عَامٌّ مِن وجهٍ خَاصٌّ مِن وجهٍ، والأصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَّةَ، بَل يَعُمُّ جَمِيعَ الحَرَمِ، ثُمَّ الاِستِثنَاءُ في حَقِّ مَن يَطُوفُ، أمَّا غَيرُهُ: فَفيهِ وجهَانٍ، حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ في ((الاستِذكَارِ)) وهُمَا [١٠٨/١ و]، عَلَى غَرَابَتِهِمَا؛ كَالوجهَينٍ فيمَن لَم يَحضُرِ الجُمُعَةَ يَومَ الجُمُعَةِ. وذَكَرَ المَحَامِلِيُّ في (المُقنِع))(٥): أنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الأوقَاتِ بِحَرَم مَأَّةَ خِلَافُ الأولَى: حَكَاهُ عنهُ شَيخُنَا في ((المُهِمَّاتِ)). ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ(٦): في رِوايَةِ البُخَارِيِّ ومُسلِمٍ (٧): زِيَادَةٌ في حَدِيثٍ ابنِ عُمَرَ، لَيسَت مِن طَرِيقِ مَالِكٍ، عن نَافِعِ. وإنَّمَا هِيَ مِن رِوايَةِ هِشَامٍ بِنِ عُروةَ، (١) البخاري (٧٦٥). (٢) ليس في: (ك). (٣) سنن الدارقطني (٤٢٤/١)، وسنن البيهقي (٤٦١/٢). (٤) التمهيد (٤٥/١٣). المقنع في فروع الشافعية، مجلد يشتمل على فروع كثيرة بعبارة مختصرة، لأبي الحسن (٥) أحمد بن محمد المحاملي، المتوفى سنة خمس عشرة وأربعمائة. كشف الظنون (١٨١٠/٢)، أسماء الكتب (ص٢٦٢). (٦) في (م): ((عشرة)). (٧) ليس فى: الأصل. ٩٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ عن أبِيهِ عن ابنٍ عُمَرَ: رَواهَا الْبُخَارِيُّ في: ((صِفَةِ(١) إِبِلِيسَ وجُنُودِه)). مِن رِوايَةٍ عَبدَةَ عنهُ، لَفِظُهَا(٢): ((فَإِنَّهَا (٣) تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، أو الشَّيْطَانِ، لَا أدرِي أيَّ ذَلِكَ قال هِشَامٌ؟))(٤). والحَدِيثُ في البُخَارِيِّ هُنَا، مِن طَرِيقٍ يَحيَى القَطَّانِ عنْهُ، بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَرَواهَا مُسلِمٌ هُنَا مِن طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عنْهُ لَفِظُهَا: ((فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَي(٥) شَيطَانٍ))(٦)، وأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى: العِلَّةِ في النَّهيِ عن الصَّلَاةِ في هَاتَيْنِ الحَالَتَينِ. قال الخَطَّابِيُّ: واختَلَفُوا في تَأْوِيلِ هَذَا الكَلَامِ، فَقِيلَ: مَعنَاهُ: مُقَارَنَةُ الشَّيْطَانِ لِلشَّمسِ، عِندَ دُنُوَّهَا لِلِغُرُوبِ، كَمَا رُوِيَ(٧): ((أنَّ الشَّيْطَانَ يُقَارِنُهَا إذَا طَلَعَت، فَإِذَا ارتَفَعَت فَارَقَهَا، [فَإِذَا استَوت قَارَنَهَا، فَإذَا زَالَت فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَت لِلغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَت فَارَقَهَا))](٨). فَحُرِّمَت(٩) الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الأوقَاتِ الثَّلَاثَةِ لِذَلِكَ(١٠). وقِيلَ: مَعنَى قَرِ الشَّيطَانِ: قُوتُهُ، (١٩٦/٢م) مِن قَولِك: أنَا مُقرِنٌ لِهَذَا الأمرِ؛ أي: مُطِيقٌ لَهُ قَوِيٌّ عَلَيهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيطَانَ إِنَّمَا يَقوى أمرُهُ في هَذِهِ الأوقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُسَوِّلُ لِعَبَدَةِ الشَّمسِ: أن يَسجُدُوا لَهَا فِي هَذِهِ الأوقَاتِ، وقِيلَ: قَرِنُهُ حِزِبُهُ وأصحابُهُ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمسَ، وقِيلَ: إنَّ هَذَا تَمِثِيلٌ وتَشِيةٌ، وذَلِكَ أنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا هُو من(١١) تَسوِيلُ الشَّيطَانِ لَهُم وتَزِيِينُهُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِم، وذَواتُ القُرُونِ إِنَّمَا تُعَالِجُ الأَشْيَاءَ وتَدَفَعُهَا بِقُرُونِهَا، فَكَأَنَّهُم لَمَّا دَافَعُوا الصَّلَاةَ، وأخَّرُوهَا عن أوقَاتِهَا، بِتَسوِيلِ الشَّيطَانِ لَهُم، حَتَّى اصفَرَّت الشَّمسُ: صَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا يُعَالِجُهُ(١٢) ذَواتُ القُرُونِ بِقُرُونِهَا وتَدَفَعُهُ بِأَرواقِهَا(١٣). (١) في (ك): ((قصة)). (٢) في (ك): ((ولفظها)). (٤) البخاري (٣٢٧٣). (٣) ليس في: (ك). (٥) في (ح): ((بين قرني)). (٦) مسلم (٢٩٠/٨٢٨). (٧) أخرجه أحمد (٣٤٨/٤)، والنسائي (٥٥٨)، وابن ماجه (١٢٥٣). (٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (١٠) معالم السُّنن (١٣٠/١). (١٢) في (ح): («تعالجه)). (٩) في (ح): ((فحدیث)). (١١) ليس في: (م). (١٣) أرواق، - بتقديم الراء -: جمع رَوق، وهو القَرن. العين للخليل (٢٠٨/٥). ٩٧ بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ = وقِيلَ: إنَّ الشَّيطَانَ يُقَابِلُ الشَّمسَ عِندَ طُلُوعِهَا ويَنْتَصِبُ دُونَهَا، حَتَّى يَكُونَ طُلُوعُهَا بَيْنَ قَرِنَيهِ، وهُمَا جَانِبَا رَأْسِهِ، فَيَنْقَلِبُ سُجُودُ الكُفَّارِ لِلشَّمسِ عِبَادَةً لَهُ(١)، انتَھَی. وقال القَاضِي عِيَاضٌ: ومَعنَى قَرِنَي الشَّيطَانِ هُنَا: يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ والمَجَازَ، وإِلَى الحَقِيقَةِ: ذَهَبَ الدَّاوُدِيُّ وغَيرُهُ، ولا بُعدَ فيهِ، وقَد جَاءَت آثَارٌ مُصَرِّحَةٌ: (بِغُرُوبِهَا عَلَى قَرِنَي الشَّيْطَانِ، وأَنَّهَا(٢) تُرِيدُ عِندَ الغُرُوبِ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَأْتِي شَيطَانٌ يَصُدُّهَا، فَتَغْرُبُ بَينَ قَرِنَيهِ، ويُحرِقُهُ الله))(٣). وقَدْ قِيلَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ حِينَئِذٍ يَجعَلُهَا بَيْنَ قَرِنَيهِ، لِيُغَالِطَ نَفْسَهُ فيمَن يَعْبُدُهَا ويَسجُدُ لَهَا عِندَ طُلُوعِهَا وغُرُوبِهَا، وإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَسجُدُونَ لَهُ، وقِيلَ: قَرِئُهُ عُلُوُّهُ وارتِفَاعُهُ بِهَذَا . وقِيلَ مَعنَاهُ: المَجَازُ والاِتِّسَاعُ، وإنَّ قَرْنَي الشَّيطَانِ، أو قَرِنَهُ: الأُمَّةُ الَّتِي تَعبُدُ الشَّمسَ، وتُطِيعُهُ في الكُفرِ بِاللهِ، وإنَّهَا لَمَّا كَانَت تَسجُدُ لَهَا، ويُصَلِّ مَن يَعْبُدُهَا مِن الْكُفَّارِ حِينَئِذٍ: نَهَى النَّبِيُّ بَّهِ عن التَّشَبُّهِ بِهِم، ويَعضُدُ هَذَا التَّوِيلَ: قَولُهُ في بَعضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: ((فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرنِ الشَّيْطَانِ، ويُصَلِّي لَهَا الكُفَّارُ)) (٤)، وفي رِوايَةٍ: ((يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ))(٥)، وقِيلَ: قَرِنُهُ: قُوتُهُ وسُلَطَانُهُ. وهُو عِبَادَةُ مَن عَبَدَهَا حِينَئِذٍ مِمَّن أطَاعَهُ، وقال الحَربِيُّ: فيهِ قَرنَا الشَّيْطَانِ: نَاحِيَتَا رَأسِهِ، وقال: هَذَا مَثَلٌ؛ أي: حِينَ يَتَسَلَّطُ الشَّيْطَانُ، وقِيلَ: مَعنَى قَرِهِ: مُقَارَنَتُهُ، قال الخَطَّابِيُّ: وقِيلَ: هُو تَمْثِيلٌ؛ أي: إنَّ تَأْخِيرَهَا ودَفعَهَا عن وقتِهَا [١٠٨/١ ظ]، بِتَزيِينِ الشَّيطَانِ؛ كَدَفعِ ذَواتِ القُرُونِ لِمَا تَدفَعُهُ(٦)، انتَهَى. وصَخَّحَ النَّوِيُّ(٧): الوجهَ الأخِيرَ في كَلَامِ الخَطَّابِيِّ، وعَزَا لِلخَطَّابِيِّ: الجَزمَ بِالوجهِ الرَّابِعِ، وقَد عَرَفتَ أنَّهُ حَكَى هُنَا: خَمسَةَ أوجُهٍ مِن غَيرِ تَرجِيحٍ. (١) معالم السُّنن (١٣٠/١ - ١٣١). (٢) في الأصل، (ح): ((وإنما)). (٣) أسنده ابن عبد البر في التمهيد (٧/٤)، وابن عساكر (٢٧١/٩)، من طريق أبي بكرٍ الهذلي، وهو متروك، عن عكرمة، عن ابن عباس. (٤) أبو داود (١٢٧٧). (٦) إكمال المعلم (٥٨٧/٢ - ٥٨٨). (٥) أحمد (١١١/٤). (٧) شرح مسلم (١٢٤/٥). ٩٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بَابُ الأَذَانِ الحَدِيثُ الأولُ عن الأعرج، عن أَبِي هُرَيرَةَ رَظُبه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ، قال: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أدبَرَ الشَّطَانُ ولَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسمَعَ التَّذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أقبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أدبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أقبَلَ، حَتَّى يَخطُرَ بَيْنَ المَرِهِ ونَفسِهِ، ويَقُولَ لَهُ: اذكُر كَذَا، واذكُر كَذَا، لِمَا لَم يَكُنِ يَذْكُرُ مِن قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِن يَدرِيَ كَمْ صَلَّى))(١). وعن هَمَّام، عن أبِي هُرَيرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ)) الحَدِيثَ، وقال: ((فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أقبَلَ حَتَّى إِذَا تُوِّبَ أَدبَرَ))(٢). ولَم يَقُل: ((مِن قَبْلُ)). والبَاقِي مِثْلُهُ سَواءٌ(٣). فيه فوائدُ: ■ الأُولَى: النِّدَاءُ: بِكَسرِ النُّونِ، وضَمِّهَا لُغَتَانٍ، الأُولَى أَشھَرُ وأفصَحُ، الأَذَانُ، وفي الرِّوايَةِ الأُولَى: ((لِلصَّلَاةِ)). وفي الثَّانِيَةِ: ((بِالصَّلَاةِ)). وكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. يُقَالُ: نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، وبِالصَّلَاةِ، وإِلَى الصَّلَاةِ، قال الله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُوِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. (١) البخاري (٦٠٨)، ومسلم (١٩/٣٨٩)، وأبو داود (٥١٦)، والنسائي (٦٦٩). (٢) مسلم (٢٠/٣٨٩)، ولفظه عند ابن حبان (١٦٦٣). ليست في: (ك). (٣) بَابُ الأذَانِ ٩٩ = والتَّثوِيبُ بِالتَّاءِ المُثَنَّةِ، ثُمَّ المُثَلَّئَةِ، المُرَادُ بِهِ هُنَا: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، ويَدُلُّ لِذلك قَولُهُ في رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ: ((فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ))(١)، ولا يُمكِنُ أن يَكُونَ المُرَادُ بِالتَّتْوِيبِ هُنَا: قَولَ المُؤَذِّنِ: ((الصَّلَاةُ (١٩٨/٢م) خَيرٌ مِن النَّوم)). مَرَّتَيْنٍ، وإن كَانَ يُسَمَّى تَثوِيبًا، لِأمرَينِ: أحَدُهُمَا: أنَّ هَذَا خَاصٌّ بِأذَانِ الصُّبحِ، والحَدِيثُ عَامٌّ في كُلِّ أَذَانٍ . والثَّانِي: أنَّ الحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّوِيبَ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَذَانِ فَصِلٌ يَحضُرُ فِيهِ الشَّيْطَانُ، والتَّوِيبُ الَّذِي في الصُّبْحِ لَا فَصلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأَذَانِ، بَل هُو في أثنَائِهِ. وأصلُ التَّثوِيبِ: أن يَجِيءَ الرَّجُلُ مُستَصرِخًا، فَيَلُوحَ بِثَوبِهِ لِيُرَى ويُشْتَهَرَ، فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَوِيبًا لِذلك، وكُلُّ دَاعِ مُثَوِّبٌ، وقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ تَثِيبًا، مِن ثَابَ يَثُوبُ إذَا رَجَعَ، فَالمُؤَذِّنُ رَجَعَ بِالإِقَامَةِ إلَى الدُّعَاءِ لِلصَّلَاةِ، قال عَبدُ المُطَلِبِ : فَحَنَّتِ نَاقَتِي فَعَلِمتُ أَنِّي غَرِيبٌ حِينَ تَابَ إلَيَّ عَقلِي وقال غَيرُهُ(٢): لَو رَأينَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجٍ مَا شَفَعنَا الأَذَانَ بِالشَّثوِيبِ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): يُقَالُ: (*َثَوبَ الدَّاعِي٤): إذَا كَرَّرَ دُعَاءَهُ إلَى الحَربِ، قال حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ (٥): في فِتِيَةٍ كَسُيُوفِ الهِندِ أوجُهُهُم لَا يَنكُلُونَ إِذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي (١) مسلم (١٦/٣٨٩) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة. (٢) البيت لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي، وهو في ديوانه (ص٣٨)، والخصائص لابن جني (٢٤/١)، وعزاه في الخصائص لكتاب ((الاشتقاق))، تأليف أبي العباس المبرد، في باب ما كان غرضه معناه دون لفظه. (٣) ينظر: التمهيد (٣١٠/١٨، ٣١١)، والاستذكار (٣٨٩/١). (٤ - ٤) في (ك): ((ثوبه الدعاء)). (٥) ديوان حسان بن ثابت (ص١٤). M ١٠٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ (١ وقال آخَر١ُ): لَخَيرٌ نَحنُ عِندَ النَّاسِ مِنكُم إذَا الدَّاعِي المُثَوِّبُ قال بَا لَا وقَولُهُ: ((قُضِيَ النِّدَاءُ، وقُضِيَ الَّوِيبُ))؛ أي: فُرِغَ مِنْهُ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((يَخطْرُ))، بِضَمِّ الطَّاءِ(٢) وكَسرِهَا: لُغَتَانٍ، حَكَاهُمَا القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ))(٣)، قال: ضَبَطْنَاهُ عن المُتْقِنِينَ بِالكَسرِ، وسَمِعنَا مِن أكثَرِ الرُّواةِ بِالضَّمِّ، قال: والكَسرُ هُو الوجهُ، ومَعنَاهُ: يُوسوِسُ، وهُو مِن قَولِهِم: خَطَرَ الفَحْلُ بِذَنَبِهِ: إِذَا حَرَّكَهُ يَضرِبُ بِهِ فَخِذَيهِ، وأمَّا بِالضَّمِّ: فَمِن السُّلُوكِ (٤) والمُرُورِ؛ أي: يَدْنُو مِنْهُ، فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِلَةِ، فَيَشْغَلُهُ عَمَّا هُو فِيهِ. وبِهَذَا (٥) فَسَّرَهُ الشَّارِحُونَ لِلمُوطَّإِ، فَقال البَاجِي(٦): مَعنَاهُ: أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ مَا يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ، مِن إقبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وإخلاصِهِ، وبِالأولِ: فَسَّرَهُ الخَلِيلُ(٧). ■ الثالثةُ: المَرءُ (٨) الإنسَانُ، وفيهِ سَبِعُ لُغَاتٍ؛ فَتَحُ المِيمِ، وضَمُّهَا، وكَسرُهَا، وتَغَيُّرُهَا (٩) بِاعتِبَارِ إِعرَابِ اللَّفْظَةِ، فَإِن كَانَت مَرفُوعَةً، فَالمِيمُ مَضمُومَةٌ (١٩٩/٢م)، وإِن كَانَت مَنصُوبَةً(١٠)، فَالمِيمُ مَفتُوحَةٌ، وإن كَانَت مَجرُورَةً، فَالمِيمُ مَكِسُورَةٌ، والخَامِسَةُ، والسَّادِسَةُ، والسَّابِعَةُ: امرُؤْ، بِزِيَادَةِ هَمزِ الوصلِ، مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ، في سَائِرِ الأحوالِ، ومَعَ فَتحِهَا في سَائِرِ الأحوالِ، ومَعَ تَغَيُّرِهَا بِاعتِبَارِ حَرَكَاتِ الإعرَابِ، حَكَاهُنَّ في ((الصِّحَاحِ)) (١١)، إلَّا اللُّغَةَ الثَّالِثَةَ، والرَّابِعَةَ: (١ - ١) ليس في: الأصل. والبيت لزهير بن مسعود الضبي. ونسبه ابن الأنباري في الزاهر (١٣٨/١) للفرزدق. ينظر: النوادر لأبي زيد (ص٢١)، والخصائص لابن جني (٢٧٦/١). (٢) في الأصل: ((الخاء)). (٣) المشارق (٢٣٤/١). (٤) في الأصل: ((الشكوك)). (٥) في (ك): ((هذا)). المنتقى شرح الموطأ (١٦٠/١). وانظر: شرح الزرقاني (٢١٠/١)، تنوير الحوالك (٦) (٦٩/١). (٧) كتاب العين (٢١٤/٤)، وانظر: مشارق الأنوار (٢٣٥/١). (٨) رسمها في (ح): ((المرؤ)). (٩) في (ك): ((وتغييرها)). (١٠) في (ك): ((مضمومة)). (١١) الصحاح (١/ ٧٢).