Indexed OCR Text

Pages 41-60

بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
٤١
=
وقَولُ مَن قال: إنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ؛ أي: (١) مِن جِهَةِ اللَّفِظِ.
وأمَّا في الحُكمِ: فَهُو مَرفُوعٌ، بِنَاءً عَلَى المُرَجَّح(٢): أنَّ قَولَ الصَّحَابِيِّ:
(كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا)). حُكُمُهُ الرَّفِعُ، وإن لَم يُصَرِّحْ بِإِضَافَةٍ ذَلِكَ إِلَى عَصرِ (٣) النَّبِيِّ ◌َهِ.
وقَد ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو عَبدِ اللهِ الحَاكِمُ مِن المُحَدِّثِينَ، والإمَامُ فَخرُ الدِّينِ
الرَّازِيُّ مِن أهلِ الأُصُولِ (٤)، وقَواهُ النَّووِيُّ(٥)، لَكِن ذَهَبَ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ
وابنُ الصَّلَاحِ: إِلَى أَنَّهُ مَوقُوفٌ حكمًا (٦)، إذَا لَم يُضَف إلَى عَهِدِ النَّبِيِّ وَلِ(٧).
ا الثَّانِيَةُ: قُبَاءَ: بِضَمِّ القَافِ وبِالْبَاءِ (٨) المُوخَّدَةِ، مَوضِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ
مِن المَدِينَةِ، وأصلُهُ اسمُ بِئرٍ هُنَاكَ [٩٨/١ و]، وفيهِ المَدُّ والقَصرُ، والصَّرفُ
وعَدَمُهُ، والتَّذكِيرُ والتَّنِيثُ، والأفصَحُ فيهِ المَدُّ والصَّرفُ(٩) والتَّذْكِيرُ.
والظّاهِرُ: أنَّهُ مِن جُمْلَةِ العَوالِي، فَإِنَّهَا القُرَى الَّتِي حَولَ المَدِينَةِ مِن جِهَةِ
أعلَاهَا .
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ، والقَاضِي عِيَاضٌ: أنَّ أدنَاهَا مِيلَانٍ وأبعَدَهَا ثَمَانِيَةٌ(١٠)،
وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ(١١): ((وبَعض العَوالِي مِن المَدِينَةِ عَلَى أربَعَةِ أَمْيَالٍ، أو
نَحوِهِ»(١٢)، ورَوى البَيهَقِيُّ هَذِهِ الرِّوايَةَ بِلَفِظِ: ((وبَعد)) بَدَلُ ((بعض)). وقال: هَذَا
مِن قَولِ الزُّهرِيِّ(١٣)، وفي رِوايَةٍ: عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ، وأسنَدَهَا البَيْهَقِيُّ: ((وبُعد
(١)
ليس في: (ك).
(٣)
في (ح): ((زمن)).
(٥)
ليس في: الأصل.
في (م): «كما)). وفي الأصل: ((حكمًا إلى)).
(٦)
ينظر: المقدمة لابن الصلاح (٤٧/١)، والنكت للحافظ (٨٤/١)، ومعرفة علوم الحديث
(٧)
(٦٣/١)، وتدريب الراوي (١٨٥/١).
(٨) في (ح): ((والباء)).
(٩) في (ك): ((والقصر)).
(١٠) التمهيد (١٧٨/٦)، وإكمال المعلم شرح صحيح مسلم (٥٨٦/٢)، وينظر: شرح
ابن رجب (١٠٥/٣)، والنووي على مسلم (١٢٢/٥).
(١١) في (ك): ((البخاري)).
(١٣) سنن البيهقي (١/ ٤٤٠).
(٢) في (ك): ((الراجح)).
(٤) المحصول (٦٤٣/٤).
(١٢) البخاري (٥٥٠).

٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
العَوالِي أربَعَةُ أمْيَالٍ، أو ثَلَاثَةٌ))(١). وفي سُنَنِ أبِي دَاوُد، عن الزُّهرِيِّ: ((والعَوالِي
[على ميلين، أو ثلاثة)). وأحسبه قال: ((وأربعة)). وفي رواية للدارقطني:
(والعوالي](٢) مِن المَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ))(٣).
■ الثَّالِثَةُ: فيهِ الرَّدُّ عَلَى مَن قال: إنَّهُ لَا يَدخُلُ وقتُ العَصرِ إلَّا بِصَيرُورَةٍ
ظِلِّ الشَّيءٍ مِثْلَيْهِ، وهُو قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ (٤).
فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمَا (٥) وصَلَ المُصَلِّي بِالمَدِينَةِ إِلَى قُبَاءَ إلَّا بَعدَ نُزُولٍ
الشَّمسِ، وآَكَدُ مِن ذَلِكَ الرِّوايَةُ الأُخرَى الَّتِي قال فيها: ((إلَى العَوالِي)). ولَا سِيَّمَا
الرِّوايَةُ الَّتِي قال فيها: ((والعَوالِي مِن المَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أمَيَالٍ)). وقَد خَالَفَهُ في
ذَلِكَ (١٦٥/٢م) الجُمُورُ، حَتَّى صَاحِبَاهُ، فَقَالُوا بِدُخُولٍ وقتِ العَصرِ بِصَيرُورَةِ ظِلٌ
الشَّيءٍ مِثلَهُ غَيرَ ظِلِّ الاستِواءِ، بَل قال الإصطَخرِيُّ مِن الشَّافِعِيَّةِ: بِخُرُوجِ وقتٍ
العَصرِ؛ بِصَيرُورَةٍ ظِلِّ الشَّيءٍ مِثْلَيهِ، كَمَا هُو ظَاهِرُ حَدِيثِ جِبِرِيلَ عَلَا، وحَمَلَهُ
الجُمهُورُ عَلَى خُرُوجٍ وقتِ الاختِيَارِ (٦).
الرَّابِعَةُ: وفيهِ: استِحبَابُ تَقدِيم صَلَاةِ العَصرِ في أولِ وقتِهَا، وبِهِ قال
مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأحمَدُ، والجُمهُورُ، خِلَافًا لِلحَنفية، فَإِنَّهُم قَالُوا: بِاستِحِبَابِ
تَأْخِيرِهَا، وذَهَبَ إلَيهِ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ.
وحَاوَلَ الطَّحاوِيُّ(٧) تَأوِيلَ هَذَا الحَدِيثِ، وأنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْجِيلِ، لِجَوازٍ
أن يَكُونَ: ((والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ)): قَد اصفَرَّت.
فَرَوى عن عَاصِمٍ بِنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ، عن أنَسٍ، أنَّهُ قال: ((مَا كَانَ أَحَدٌ أَشَدَّ
(١) البخاري (٧٣٢٩)، البيهقي (٤٤٠/١). (٢) ليس في: الأصل، (م).
(٣) أبو داود (٤٠٥)، والدارقطني (٢٥٣/١).
ينظر: بدائع الصنائع (١٢٢/١)، والهداية (٣٨/١)، واللباب (٢٩/١).
(٤)
(٥)
في (ح): ((ما)).
(٦) ينظر: الحاوي (١٨/٢)، والشرح الكبير (١٧/٣)، وحلية العلماء (٣/٢)، وروضة
الطالبين (١٨٠/١).
(٧) شرح معاني الآثار (١٨٩/١ - ١٩٠).

٤٣
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
تَعجِيلًا لِصَلَاةِ العَصرِ مِن رَسُولِ اللهِ وَّهِ، إِن كَانَ أبعَدَ رَجُلَينِ مِن الأنصَارِ دَارًا
مِن مَسجِدٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: لَأَبُو لُبَابَةَ ابنُ(١) عَبدِ المُنذِرِ أخُو بَنِي عَمرِو بنِ
عَوفٍ (٢)، وأَبُو عَبسٍ(٣) بنُ جبرٍ(٤) أحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، [دَارُ أَبِي لُبَابَةَ بِقُبَاءَ، ودَارُ
أبِي عَبسٍ في بَنِي حَارِثَةً] (٥)، ثُمَّ إِن كَانَا لَيُصَلِّيَانِ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ العَصرَ، ثُمَّ
يَأْتِيَانِ قَومَهُمَا، ومَا صَلَّوهَا لِتَبِكِيرِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بِهَا)).
ثُمَّ رَوي عن إسحَاقَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ أبِي طَلحَةَ، عن أنَسٍ، قال: ((كُنَّا نُصَلِّي
العَصرَ، ثُمَّ يَخرُجُ الإنسَانُ إِلَى بَنِي عَمرِو بنِ عَوفٍ، فَيَجِدُهُم يُصَلُّونَ العَصرَ)). ثُمَّ
رَوَى حَدِيثَ الزُّهرِيِّ، عن أنَسِ هَذَا، ثُمَّ رَوى عن أبِي(٦) الأبَيَضِ(٧)، قال: حَدَّثَنَا
أَنَسُ بنُ مَالِكِ، قال: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي بِنَا العَصرَ، والشَّمسُ بَيِضَاءُ، ثُمَّ
أرجِعُ إِلَى قَومِي فِي نَاحِيَةِ المَدِينَةِ، فَأَقُولُ لَهُم: قُومُوا فَصَلُّوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
قَد صَلَّى)).
ثُمَّ(٨) قال الطَّحاوِيُّ: فَقَد اختُلِفَ عن أنَسٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، فَكَانَ مَا رَوى
(١)
ليس في: (ك).
ينظر: طبقات ابن سعد (٤٥٧/٣)، والاستيعاب (١٧٤٠/٤).
(٢)
(٣)
بفتح العين وسكون الباء.
في (م): ((حبر)). والصواب المثبت، وهو أبو عَبس بن جَبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن
(٤)
حارثة بن الحارث الأوسي، بدري كبير، له ذرية بالمدينة وببغداد، وكان هو وأبو بردة بن
نيار يكسران أصنام بني حارثة، آخى رسول الله وَّهِ بَيْنَهُ وبَينَ خُنَيسٍ بنِ حذافة السَّهمِيِّ.
شَهِدَ بَدرًا والمَشَاهِد، وكَان فيمن قَتل کَعب بنَ الأشرَفِ. مات بالمدينة سنة أربع
وثلاثين، وصلى عليه عثمان. طبقات ابن سعد (٣٣٢/٨)، والاستيعاب (٨٢٧/٢)،
والسير (١٨٨/١)، والإصابة (٢٤٨/١١).
(٥)
ليس في: (ك).
(٦) ليس في: (ح).
(٧) أبو الأبيض العنسي الشامي، قيل: اسمه عيسى، ويُقال: هو مدني، من بني زهير بن
جذيمة، ويُقال: من بني عامر، روى عن: أنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، روى
عنه: إبراهيم بن أبي عبلة، وربعي بن حراش، ويمان بن المغيرة. وهو تابعي ثقة.
التاريخ الكبير (٨/٩)، والجرح والتعديل (٢٩٣/٦)، والثقات للعجلي (٣٨١/٢)،
وتهذيب الكمال (٨/٣٣).
(٨) ليس في: (ك).

=
٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عَاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ (١) قَتَادَةَ، وإسحَاقُ بنُ عَبدِ اللهِ، وأبُو الأبيضِ عنهُ: يَدُلُّ عَلَى
التَّعْجِيلِ بِهَا؛ لِأَنَّ في حَدِيثِهِم: ((أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَانَ يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَذْهَبُ
الذَّاهِبُ إلَى المَكَانِ الَّذِي ذَكَرُوا؛ فَيَجِدُهُم لَم يُصَلُّوا العَصرَ)). ونَحنُ نَعلَمُ أنَّ
أولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا إلَّا قَبَلَ اصفِرَارِ الشَّمسِ، فَهَذَا دَلِيلُ الَّعجِيلِ.
وأمَّا رِوايَةُ الزُّهرِيِّ عن أنَسٍ: فَقَد يَجُوزُ أن تكُونَ(٢) ((والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ)):
((قَد اصفَرَّت)). فَقَد اضطَرَبَ حَدِيثُ أَنَسٍ؛ لِأَنَّ مَعنَى مَا رَوى الزُّهرِيُّ مِنْهُ:
بِخِلَافِ مَا رَوى إسحَاقُ وعَاصِمٌ وأبُو الأبْيَضِ عنهُ، هَذَا كَلَامُ الطّحَاوِيِّ.
وفیهِ نَظَرٌ مِن أوجُهٍ :
أحَدُهَا: أنَّ هَذَا الاحتِمَالَ [٩٨/١ظ] الَّذِي ذَكَرَهُ، مِن كَونِهِ يَأْتِيهِم والشَّمسُ
(٢/ ١٦٦م) مُرتَفِعَةٌ قَد اصفَرَّت: يَرُدُّهُ قَولُهُ في رِوايَةِ أبِي دَاوُد، عن قُتَيبَةَ، عن
اللَّيثِ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ: ((والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ)). كَذَا رَواهُ البَيهَقِيُّ في
(سُنَّنِهِ)) مِن طَرِيقِ ابنِ دَاسَةَ، عن أبِي دَاوُدُ(٣). وقال في ((المَعرِفَةِ)): ((وفي رِوايَةٍ
اللَّيْثِ: فَيَأْتِيهَا والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ))(٤) انتَهَى. وحَيَاتُهَا بَقَاءُ حَرِّهَا وَلَونِهَا، وهَذَا
يُنَافي أن تَكُونَ قَد اصفَرَّت.
ثَانِيهَا(٥): لَو لَم تَرِدِ هَذِهِ اللَّفِظَةُ، (وهِيَ حَيَّةٌ)). وكَانَ ارتِفَاعُهَا لَا يُنَافي
صُفْرَتَهَا، عَلَى مَا قَرَّرَهُ الطَّحاوِيُّ: فَذَلِكَ لَا يَحصُلُ مَقصُودُهُ؛ لِأَنَّ المُصَلِّيَ مَعَ
النَّبِّ وََّ بِالمَدِينَةِ إِذَا وصَلَ إِلَى قُبَاءَ، الَّتِي هِيَ عَلَى (٦) ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، والشَّمسُ
مُرتَفِعَةٌ: فَذَلِكَ دَلِيلُ التَّعجِيلِ، ولَو كَانَت الشَّمسُ مُصفَرَّةً، ولَا سِيَّمَا الرِّوايَةُ الَّتِي
فيهَا: ((العَوالِي)). وفيها(٧): ((أَنَّهَا عَلَى أربَعَةِ أميَالٍ)). وفي رِوايَةٍ: ((سِنَّةُ أَمْيَالٍ)).
ولَو لَم يُعَجِّل بِالعَصرِ أولَ وقتِهَا لَمَا وصَلَ إِلَى هَذِهِ المَسَافَةِ إلَّا بَعدَ الغُرُوبِ.
ثَالِثُهَا: كَيفَ يَجعَلُ حَدِيثَ أنَسٍ مُضطَرِبًا، مَعَ أنَّ الرِّوايَاتِ عنهُ لَم يَتَحَقَّقَ (٨)
(١) في (ك): ((عن)).
السنن للبيهقي (٤٤٠/١).
(٣)
(٥) في (م): ((ثانيهما)).
في (م): ((وقتها)).
(٧)
(٢) في (ك، م): ((یکون)).
(٤) معرفة السنن والآثار (٤٥٧/١).
(٦) ليس في: (ح).
(٨) في (ت): ((نتحقق)).

بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
22
٤٥
=
اختِلَافُهَا، وغَايَةُ مَا ذَكَرَهُ: أنَّ رِوايَةَ الزُّهرِيِّ عن أنَسٍ تَحتَمِلُ مُخَالَفَةَ رِوايَةٍ
البَاقِینَ؟!
وقَد صَرَّحَ هُو بِذَلِكَ في قَولِهِ: فَقَد يَجُوزُ أن تكُونَ(١) ((والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ قَد
اصفَرَّت»!
ومَعَ احتِمَالِ المُخَالَفَةِ والمُوافَقَةِ: لَا يَكُونُ اضطِرَابًا، بَل الواجِبُ: حَملُ
الرِّوايَةِ المُحتَمِلَةِ عَلَى الرِّوايَاتِ المُصَرِّحَةِ، وجَعلُهَا عَلَى نَسَقٍ واحِدٍ لَا اخْتِلَافَ
بَيْنَهَا (٢) ولَا تَضَادَّ، وكَيفَ نَجِيءُ(٣) إِلَى الرِّوايَةِ الَّتِي هِيَ صَرِيحَةٌ في المَقصُودِ لَا
تَحتَمِلُ التَّوِيلَ، فَنَرُدُّهَا (٤) بِوُرُودِ رِوايَةٍ أُخرَى، تَحتَمِلُ أن تُخَالِفَهَا احتِمَالًا
مَرجُوحًا؟!
بَل لَو كَانَ احتِمَالُ المُخَالَفَةِ [رَاجِحًا: لَكَانَ الواجِبُ الحَمْلَ عَلَى
المَرجُوحِ، لِيُوافِقَ بَقِيَّةَ الرِّوايَاتِ، فَكَيفَ واحتِمَالُ المُخَالَفَةِ](٥) هُو المَرجُوحُ،
أو (٦) الإِحْتِمَالَانِ مُسْتَوِيَانٍ إن تَنَزَّلْنَا؟
والواقِفُ عَلَى كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ في هَذَا المَوضِعِ يَفْهَمُ مِنْهُ التَّعَصُّبَ بِبَادِئٍ(٧)
الرَّأيِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ، أولًا: أنَّ رِوايَةَ الزُّهرِيِّ عن أنَسٍ: مُحتَمَلَةٌ لَأن تَكُونَ الشَّمسُ
اصفَرَّت، ثُمَّ إِنَّهُ نَزَّلَ هَذَا الإِحْتِمَالَ مَنزِلَةَ المَجْزُومِ بِهِ!
وقال: فَقَد اضطَرَبَ حَدِيثُ أَنَسٍ، ثُمَّ جَزَمَ: بِأنَّ مَعنَى مَا رَوى الزُّهرِيُّ
بِخِلَافِ مَا رَواهُ غَيْرُهُ، مَعَ قَولِهِ، أولًا: إنَّهُ يَحْتَمِلُ المُخَالَفَةَ فَقَط!
ثُمَّ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: حَدِيثَ أبِي الأبيَضِ، عن أنَسٍٍ، قال(٨): ((كَانَ
(١)
في (م): ((يكون)).
(٢) في (ح): ((فیھا)).
(٣)
في (ح): (يجيء)).
(٤) في (ح): ((فيردها)).
(٥)
ليس في: (ك).
(٦) في (ح): (و)).
بادئ: بالهمز وتركه، فمن همزه معناه عنده: أول الرأي وابتداؤه، من غير حاجة إلى
(٧)
فكر، أو تأمل، ومن لم يهمز، فمعناه: ظهر له رأي من البداء، وهو ظهور رأي لم
يكن. أفاده النووي في شرح مسلم (١٤٤/١٥).
(٨) ليس في: الأصل.

٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي صَلَاةَ العَصرِ، والشَّمسُ بَيَضَاءُ مُحَلِّقَةٌ(١)).
وقال: ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَد كَانَ يُؤَخِّرُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عن النَّبِيِّ ◌َِّه:
((أنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ)) [بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين، أو
ثلاثة](٢)، وذكر (٣) أن ذلك دالٌّ (٤) على التأخير أيضًا، [ورَوى أن عمر بنظُبه،
كتب إلى عماله: ((صلوا العصر، والشمس مرتفعة بيضاء نقية، قَدرَ مَا يَسِيرُ
(١٦٧/٢م) الرَّاكِبُ فَرَسَخَينٍ، أو ثَلَاثَةً)). وذَكَرَ أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّخِيرِ أيضًا](٥) (٦)،
وهَذَا مِن أعجَبِ العَجَبِ، واللهُ تعالى أعلَمُ.
الحَدِيثُ الرَّابِعُ
وعن(٧) عُروةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي
العَصرَ قَبلَ أن تَخرُجَ الشَّمسُ مِن حُجرَتِي طَالِعَةً) (٨).
فیهِ فَوائِدُ:
■ الأُولَى: الحُجرَةُ: بِضَمِّ الحَاءِ المُهمَلَةِ، وإسكَانِ الجِيمِ: البَيتُ، وكُلُّ
مَوضِعِ حُجِرَ عَلَيهِ الحِجَارَة، فَهُو حُجرَةٌ قالهُ في ((المَشَارِقِ)) (٩)، وأصلُهُ، كَمَا ذَكَرَ
في ((الصِّحَاحِ)) (١٠): حَظِيرَةٌ لِلإِبِلِ.
وقَولُهُ: ((طَالِعَةً): مَنصُوبٌ عَلَى الحَالِ، وهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ
مِن الحُجرَةِ إلَّا طَالِعَةً.
(١) محلقة: اسم فاعل من التحليق، بمعنى: الارتفاع؛ أي: مرتفعة: أفاده السندي في
حاشيته على النسائي (١/ ٢٥٣).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في (ك).
(٤)
ليس في الأصل، (م).
(٦) ينظر: شرح معاني الآثار (١٩١/١).
(٨) البخاري (٥٤٦)، ومسلم (٦١١).
(١٠) (٦٢٣/٢).
(٣) في (م): ((فذكر)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٧) في (م): ((عن)).
(٩) ينظر: (١٨١/١).

٤٧
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
=
والمُرَادُ بِالشَّمسِ: شُعَاعُهَا، وهُو مَعنَى قَولِهِ في رِوايَةِ الشَّيخَينِ مِن طَرِيقٍ
مَالِكٍ أيضًا: ((كَانَ يُصَلِّي العَصرَ، والشَّمسُ في حُجرَتِهَا، قَبَلَ أن تَظْهَرَ))(١)؛ أي:
تَعلُو عَلَى (٢) الحِيطَانِ، ولِلحَدِيثِ في الصَّحِيحَينِ وغَيرِهِمَا ألفَاظٌ أُخرَى مُتَّفِقَةُ
المَعنَى، وفي رِوايَةٍ لِلبَيهَقِيِّ(٣): ((والشَّمسُ في قَعرِ حُجرَتِي)) (٤) [٩٩/١و]، وفي
هَذِهِ الرِّوايَةِ زِيَادَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلَزَمُ مِن كَونِ الشَّمسِ في الحُجرَةِ: أن تَكُونَ في
فَعرِهَا .
، الثَّانِيَةُ: فيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعجِيلِ صَلَاةِ العَصرِ في أولِ وقتِهَا أيضًا، وبِهِ
قال الجُمهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى(٥): وهَذَا مِن أبيَنِ مَا
رُوِيَ في أولِ الوقتِ؛ لِأَنَّ حُجَرَ أزواجِ النَّبِيِّ وََّ فِي مَوضِعِ مُنخَفِضٍ مِن المَدِينَةِ،
ولَيسَت بِالواسِعَةِ، وذَلِكَ أقرَبُ لَهَا مِن أن تَرتَفِعَ الشَّمسُ مِنْهَا في أولِ وقتٍ
العَصرِ .
وقال النَّوِيُّ في ((شَرح مُسلِم)): ((وكَانَت الحُجرَةُ ضَيِّقَةَ العَرْصَةِ (٦) قَصِيرَةً
الجِدَارِ، بِحَيثُ يَكُونُ طُولُ جِدَارِهَا أَقَلَّ مِن مَسَافَةِ العَرصَةِ بِشَيءٍ يَسِيرٍ، فَإِذَا صَارَ
ظِلُّ الجِدَارِ مِثْلَهُ دَخَلَ وقتُ العَصرِ، وتَكُونُ الشَّمسُ بَعدُ في أواخِرِ العَرصَةِ، لَم
يَرتَفِعِ الفَيُ في الجِدَارِ الشَّرقِيِّ، وكُلُّ الرِّوايَاتِ مَحمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرِنَاهُ))(٧)،
انتَھَی .
ومَا ذَكَرَهُ النَّووِيُّ: مِن أَنَّ العَرْصَةَ كَانَتِ ضَيِّقَةً: قَد تَقَدَّمَ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ
الإشَارَةُ إِلَيهِ في قَولِهِ: ((ولَيسَت بِالواسِعَةِ)). وصَرَّحَ بِهِ الخَطَّابِيُّ (١٦٨/٢م)
وغَيْرُهُ(٨).
البخاري (٥٢٢)، ومسلم (١٦٨/٦١١). (٢) في الأصل: ((أعلى)).
(١)
(٥)
(٣)
في (ك): ((البيهقي)).
(٤) سنن البيهقي (٤٤٢/١).
معرفة السنن والآثار (٤٦٢/١).
- بفتح العين وسكون الراء وصاد مهملة - ساحة الدار: المشارق (٧٣/٢)، فتح الباري
(٦)
(٦ / ١٨١).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٠٩/٥).
(٨) معالم السُّنن (١/ ١٣٠) شرح ابن رجب (٩٨/٣).

٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال القُرطُبِيُّ في مَعنَى الحَدِيثِ: ((إنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ يَنصَرِفُ
مِن صَلَاةِ العَصرِ، والشَّمسُ في وسَطِ الحُجرَةِ لَم يَصعَد فَيَؤُهَا في جُدُرِهَا، وذَلِكَ
لِسَعَةِ سَاحَتِهَا، وقِصَرِ جُدرَانِهَا))(١)، انتَهَى.
ومَا ذَكَرَهُ مِن سِعَةِ سَاحَتِهَا: خِلَافُ المَعرُوفِ، ولَا يَتَوقَّفُ بَقَاءُ الشَّمسِ
فِيهَا، أولَ وقتِ العَصرِ عَلَى سَعَةِ سَاحَتِهَا، بَل يَحصُلُ ذَلِكَ: بِأَن تَكُونَ العَرصَةُ،
أوسَعَ مِن طُولِ الجِدَارِ بِشَيءٍ يَسِيرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ عن الثَّوِيِّ، وذَلِكَ لَا يُصَيِّرُهَا
واسِعَةً.
ومَا ذَكَرَتُهُ مِن دَلَالَةٍ هَذَا الحَدِيثِ عَلَى التَّعجِيلِ بِصَلَاةِ العَصرِ: قَد(٢) فَهِمَتْهُ
عَائِشَةُ(٣) رِؤُّ، واستَدَلَّت بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وفَهِمَهُ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ: رِوايَةً عنها،
وأنكَرَ بِهِ عَلَى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ تَأْخِيرَهُ صَلَاةَ العَصرِ، وهُو مُتَّفَقٌ عَلَيهِ بَينَ
العُلَمَاءِ(٤).
وشَذَّ الطَّحَاوِيُّ! فَنَاضَلَ عن مَذهَبِهِ في تَأخِيرِ العَصرِ: بِأَن حَاولَ أنَّ هَذَا
الحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ(٥) فيه (٦) عَلَى ذَلِكَ، فَقال: قَد(٧) يَحْتَمِلُ (٨) أن يَكُونَ ذَلِكَ
كَذَلِكَ، وقَد أَخَّرَ العَصرَ لِقِصَرِ حُجرَتِهَا، فَلَم تَكُن الشَّمسُ تَنقَطِعُ(٩) عنهَا إلَّا
بِقُربٍ (١٠) غُرُوبِهَا: فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى تَعجِيلِ العَصرِ(١١)، انتَهَى.
وهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ: لَا يُمكِنُ مَعَ ضِيقِ الحُجرَةِ، وهُو المَعْرُوفُ مِن صِفَتِهَا
كَمَا تَقَدَّمَ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنيَانِهِم وحِيطَانِهِم؛
لِنَّ (١٢) الحَدِيثَ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعجِيلُ العَصرِ، وذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِصَرِ الحِيطَانِ،
المفهم (٢ /٢٣٣).
(١)
(٣)
لیس في: (ح).
(٥)
بعدها في الأصل، (م): ((له)).
ليس في: (ح).
(٧)
ليس في: (ك).
(٩)
(١١) شرح معاني الآثار (١/ ١٩٣).
(٢) في (ح): ((فقد)).
(٤) ينظر: شرح ابن بطال (١٧٢/٢).
(٦) ليس في: الأصل، (م).
(٨) في مصدر التخريج: ((يجوز)).
(١٠) في (ك): ((تغرب)).
(١٢) بعدها في (ك): ((هذا)).

٤٩
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
=
ثُمَّ ذَكَرَ عن الحَسَنِ البَصرِيِّ: أنَّهُ قال: «كُنت أدخُلُ بُيُوتَ النَّبِيِّ وََّ، وأَنَا مُحَلِمٌ،
فَأْنَالُ سَقفَهَا بِيَدِي)). وذَلِكَ في خِلَافَةِ عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهُ(١).
الحديثُ الخَامِسُ
وعن عَلِيٍّ ◌َّبه، قال: قال رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ يَوْمَ الخَندَقِ: ((مَا لَهُم!
مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُم وقُبُورَهُم نَارًا، كَمَا حَبَسُونَا عن صَلَاةِ الوُسطَى حَتَّى غَابَت
الشَّمسُ))(٢).
فیهِ فَوائِدُ:
■ الأُولَى: يَومَ الخَندَقِ: إحدَى غَزَواتِهِ وََّ، ويُقَالُ لَهُ: يَومُ الأحزَابِ
أيضًا (٣)، وقَد عَبَّرَ بِهِ في رِوايَةٍ مُسلِمٍ في (٤) هَذَا الحَدِيثِ، والمَشهُورُ أنَّهُ كَانَ في
السَّنَّةِ الرَّابِعَةِ (١٦٩/٢م)، وقِيلَ: في الخَامِسَةِ.
ولَيسَ المُرَادُ بِيَومِ الخَندَقِ يَومًا بِعَينِهِ، بَل هُو إشَارَةٌ إلَى الغُزَاةِ، كَمَا يُقال:
يَومُ بَدٍ ويَومُ أُحُدٍ، وَنَّحوُ ذَلِكَ(٥). وسُمِّيَ بِذَلِكَ، لِلخَندَقِ الَّذِي (٦) حُفِرَ حَولَ
المَدِينَةِ، وهُو فَارِسِيٍّ مُعَرَّبٌ، وأصلُهُ: كَنده(٧)؛ أي: مَحْفُورٌ (٨).
■ الثَّانِيَةُ: الضَّمَائِرُ فِي قَولِهِ: ((مَا لَهُم! مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُم وقُبُورَهُم): يَعُودُ(٩)
التمهيد (٩٨/٨)، والاستذكار (١٧/١).
(١)
(٢)
البخاري (٤١١١)، ومسلم (٢٠٥/٦٢٧).
(٣)
ليس في: الأصل، (م).
(٤) في (م): ((وفي)).
ينظر: مغازي الواقدي (ص١٧٣)، وتاريخ الطبري (٩٠/٢)، والبداية والنهاية (٨/٦).
(٥)
(٦)
ليس في: (ك).
هكذا ضبطت في: (ح)، وهي في (ك) بالتاء المربوطة لا بالهاء، هكذا: ((كندة)).
(٧)
قاله ابن دريد. ينظر: جمهرة اللغة (١٣٢٥/٣)، والمخصص لابن سِيدَه (٦٧/٣)، وتاج
(٨)
الزبيدي (٢٦٦/٢٥).
(٩) في (ح): ((تعود)).

طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عَلَى المُشرِكِينَ [٩٩/١ظ] الَّذِينَ شَغَلُوهُ عن الصَّلَاةِ بِمُقَاتَلَتِهِم، وهُو دُعَاءٌ بِدَلِيلٍ
قَولِهِ فِي رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ: ((اللَّهُمَّ املأ قُبُورَهُم وبُيُوتَهُم نَارً))(١)، فَفيهِ جَوازُ الدُّعَاءِ
عَلَى المُشرِكِينَ بِمِثلِ هَذَا، وفي رِوايَةٍ أَبِي عَوانَةً في ((صَحِيحِهِ)): ((وبُطُونَهُمْ)(٢)،
وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ في ((التَّفْسِيرِ)): ((مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُم وبُيُوتَهُم، أو أجوافَهُم - شَكَّ
يَحيَى - نَارً))(٣)، وفي رِوايَةٍ لِمُسلِم: ((مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُم نَارًا، أو بُيُوتَهُم، أو
بُطُونَهُم، شَكَ شُعبَةُ فِي الْبُيُوتِ، والْبُطُوَّنِ))(٤).
■ الثَّالِثَةُ: مُقْتَضَى هَذَا الحَدِيثِ: أنَّهُ اسْتَمَرَّ اشْتِغَالُهُ بِقِتَالِ المُشرِكِينَ حَتَّى
غَابَتِ الشَّمسُ، ويُعَارِضُهُ مَا في ((صَحِيحِ مُسلِم)): عن ابنٍ(٥) مَسعُودٍ أنَّهُ قال:
حَبَسَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ عن صَلَاةِ العَصرِ، حَتَّى احمَرَّت(٦) الشَّمسُ، أو
اصفَرَّت، فَقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((شَغَلُونَا عن الصَّلَاةِ(٧) الوُسطَى: صَلَاةِ العَصرِ،
مَلَأَ اللهُ أجوافَهُم وقُبُورَهُم نَارًا، أو حَشَى اللهُ أجوافَهُم وقُبُورَهُم نَارًا»(٨). ومُقْتَضَى
هَذَا: أنَّهُ لَم يَخرُج الوقتُ بِالكُلِّيَّةِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٩): الحَبس(١٠): انتَهَى إِلَى ذَلِكَ
الوقتِ؛ أي: الحُمرَةِ، أو الصُّفرَةِ، ولَم تَقَع الصَّلَاةُ إلَّا بَعدَ المَغرِبِ، وقَد يَكُونُ
ذَلِكَ لِلاِشْتِغَالِ بِأَسَبَابِ الصَّلَاةِ، أو غَيرِهَا، انتَهَى.
ورَوى ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه! عن حُذَيفَةَ تَظُبه، قال: ((سَمِعت
رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ يَومَ الخَندَقِ: شَغَلُونَا عن صَلَاةِ العَصرِ مَلَا اللهُ قُبُورَهُم
وبُيُوتَهُم نَارًا، أو قُلُوبَهُم))(١١)، قال: ولَم يُصَلِّهَا يَومَئِذٍ حَتَّى غَابَتِ الشَّمسُ، فَقَد
يُفهَمُ مِن هَذَا اللَّفِظِ الأخِيرِ: أنَّهُ لَم يُؤَخِّر بَعدَ المَغِيبِ سِوى الصَّلَاةِ فَقَط، مَعَ
(١) الترمذي (٢٩٨٤).
(٣)
البخاري (٤٥٣٣).
(٥) في (ك): ((أبي)).
(٧) في (ح): ((صلاة)).
(٩) إحكام الأحكام (ص١٨١).
(١١) صحيح ابن حبان (٢٨٩١).
(٢) مسند أبي عوانة (١٠٤٥).
(٤) مسلم (٢٠٣/٦٢٧).
(٦) في الأصل: ((غابت)).
(٨) مسلم (٢٠٦/٦٢٧).
(١٠) في (م): ((انحبس)).

=
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
٥١
تَقْدِيمٍ(١) الأسبَابِ عَلَى خُرُوجِ (٢) الوقتِ. وهَذَا يُؤَيِّدُ الجَوابَ المُتَقَدِّمَ.
ويُمكِنُ أن يُجَابَ بِجَوابٍ آخَرَ: وهُو أنَّ وقعَةَ الخَندَقِ بَقِيَت أيَّامًا، فَأَشَخَّرَ في
بَعضِهَا الصَّلَاةَ إلَى الحُمرَةِ، أو الصُّفْرَةِ، وفي بَعضِهَا إِلَى الغُرُوبِ، ويُؤَيِّدُهُ: أنَّ
رَاوِيَ التَّخِيرِ إلَى الغُرُوبِ غَيرُ رَاوِي التَّأْخِيرِ إِلَى الحُمرَةِ، أو الصُّفْرَةِ، عَلَى أنَّ
لَفْظَ رِوايَةِ ابنِ مَاجَه(٣) لِحَدِيثِ(٤) ابنِ(٥) مَسعُودٍ: ((حَتَّى غَابَتِ الشَّمسرُ)).
الزَّابِعَةُ: مُقْتَضَى هَذِهِ الرِّوايَةِ المَشهُورَةِ: أنَّهُ لَم يَفْت غَيرُ العَصرِ، وفي
((المُوطٍَّ)(٦): ((الظُّهرُ والعَصرُ)). وفي ((جَامِعِ التِّرمِذِيِّ)) (١٧٠/٢م): عن أبِي عُبَيدَةَ
ابن(٧) عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، عن أبِيهِ: ((أنَّ المُشرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللهِ،وَ ل عن
أربَعِ صَلَواتٍ يَومَ الخَندَقِ))، الحَدِيثَ. وقال: لَيْسَ بِإِسنَادِهِ بَأسٌ؛ إلّا أنَّ أبَا عُبِيدَةَ
لَم يَسمَع مِن عَبدِ اللهِ(٨)، فَمَالَ ابنُ العَرَبِيِّ إِلَى التَّرجِيحِ، وقال: الصَّحِيحُ أنَّ الَّتِي
شُغِلَ عنهَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ر واحِدَةٌ، وهِيَ العَصرُ(٩)، وقال النَّووِيُّ: طَرِيقُ الجَمعِ
بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَاتِ: أنَّ وقعَةَ الخَندَقِ بَقِيَت أيَّامًا، فَكَانَ هَذَا في بَعضِ الأيَّامِ،
وهَذَا فِي بَعضِهَا (١٠) .
■ الخَامِسَةُ: قال النَّوِيُّ: وأمَّا تَأْخِيرُ النَّبِّ وَّهِ صَلَاةَ العَصرِ حَتَّى غَرَبَت
الشَّمسُ: فَكَانَ قَبلَ نُزُولِ صَلَاةِ الخَوفِ، قال العُلَمَاءُ: يُحتَمَلُ: أنَّهُ أَخَّرَهَا نَسِيَانًا
لَا عَمِدًا، وكَانَ السَّبَبُ في النِّسَيَانِ: الاشتِغَالَ بِأمرِ العَدُوِّ، ويُحتَمَلُ: أَنَّهُ أخّرَهَا
عَمِدًا، لِلاِشتِغَالِ بِالعَدُوِّ، وكَانَ هَذَا عُذرًا في تَأخِيرِ الصَّلَاةِ قَبلَ نُزُولٍ صَلَاةٍ
الخَوفِ .
(١) في (ك): ((تقدم)).
ابن ماجه (٦٨٦).
(٣)
(٥) في (ك): ((أبي)).
الموطأ (١٨٤/١)، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا.
(٦)
في الأصل، (م): ((عن)).
(٧)
(٨) الترمذي (١٧٩)، وينظر: التاريخ الكبير (٥١/٩)، والجرح والتعديل (٤٠٣/٩).
(٩) عارضة الأحوذي (٢٩١/١).
(٢) في (ح): ((دخول)).
(٤) في (ح): ((كحدیث)).
(١٠) شرح النووي على مسلم (١٣٠/٥).

2
٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأمَّا اليَومَ: فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عن وقتِهَا بِسَبَبٍ(١) العَدُوِّ والقِتَالِ، بَل
يُصَلِّي (٢) صَلَاةَ الخَوفِ، عَلَى حَسَبِ الحَالِ، ولَهَا أنواعٌ مَعرُوفَةٌ في كُتُبٍ
الفِقهِ(٣)، انتَهَى.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ بَعدَ ذِكرِهِ الاحتِمَالَينِ المُتَقَدِّمَينِ [١٠٠/١و]: وَذَهَبَ
مَكحُولٌ إلَى تَأخِيرٍ صَلَاةِ الخَوفِ إِذَا لَم يُمكِن أدَاؤُهَا مَعَهُ إلَى وقتِ الأمنِ(٤)،
عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الجُمهُورُ: صَلَاتُهَا عَلَى سُنَّتِهَا إذَا
أمكّنَ، فَإِن لَم يَستَطِعِ فَبِحَسَبٍ قُدرَتِهِ ولَا يُؤَخِرُهَا، ثُمَّ قال: وقِيلَ فيهِ وجهٌ آخَرُ:
أن يَكُونُوا عَلَى غَيرٍ وُضُوءٍ، فَلَم يُمكِنْهُم تَركُ مَا هُم فيهِ لِلوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ، ولَا
الصَّلَاةُ دُونَ طَهَارَةٍ(٥) .
ونَقَلَ القُرطُبِيُّ: التَّأخِيرَ، عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، عن مَكحُولٍ والشَّامِينَ (٦).
■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((عن صَلَاةٍ(٧) الوسطَى)). كَذَا الرِّوايَةُ، وهُو مِن إضَافَةِ
المَوصُوفِ إلَى صِفَتِهِ، نَحوُ قَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤]،
ومَذْهَبُ الكُوفيينَ: جَوازُهُ، ومَنَعَهُ البَصرِيُّونَ(٨)، وأوّلُوا مَا كَانَ نَحو هَذَا: بِأن
قَدَّرُوا فيهِ مَوصُوفًا مَحذُوفًا، فَالتَّقِدِيرُ عِندَهُم في الآيَةِ: ((ومَا كُنتَ بِجَانِبِ
الجانب(٩) الغَربِيِّ). وفي الحَدِيثِ: ((حَبَسُونَا عن صلاة (١٠) الصَّلَاةِ الوُسطَى))؛
أي: عن فِعلِ الصَّلَاةِ الوُسطَى(١١).
(١) في (ح): ((لسبب)).
شرح النووي على مسلم (١٣٠/٥).
(٣)
(٢) في (ح): ((تصلی)).
(٤) في (ح): ((الأمكن)).
(٥) إكمال المعلم للقاضي عياض (٣٣٢/٢). (٦) المفهم (٢٥٦/٢).
(٧) في (م): ((الصلاة)).
ينظر: الإنصاف لابن الأنباري (٤٣٦/٢)، وشرح الرضي على الكافية (٢٣٨/٢)،
(٨)
وشرح التصريح على التوضيح (٧٠٤/١).
(٩) ليس في: الأصل، (م).
(١٠) ليس في: (ك، م)، وفي (ح): كتبها هكذا: ((حبسونا عن الصلاة صلاة العصر)). ثم قال
في الحاشية: ((لعله: عن صلاة الصلاة الوسطى)).
(١١) ينظر: النووي على مسلم (١٢٩/٥).

بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
٥٣
=
=
السَّابِعَةُ: الوُسطَى: فُعلَى، واختَلَفُوا، هَل هُو فُعَلَى مِن العَدَدِ المُتَوَسِّطِ،
وهُو المساوي(١) في البُعدِ لِكُلِّ واحِدٍ مِن الطَّرَفَينِ؛ أي: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مُتَوسِّطَةٌ
في العَدَدِ، بَيْنَ شَيءٍ قَبَلَهَا وشَيءٍ بَعدَهَا، أو مِن الوسَطِ، وهُو الفَاضِلُ، ومِنْهُ: قَوله
تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فَالمُرَادُ بِكَونِهَا وُسطَى؛ أي
(١٧١/٢م): فُضلَى، قَولَانِ مَشهُورَانٍ، وعَلَى الأولِ: فَذَكَرَ بَعضُهُم احتِمَالَينِ، في
قَوله تَعَالَى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
أحَدُهُمَا: أنَّ قَولَهُ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ﴾: يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِن الصَّلَواتِ، إذ
أَقَلُّ الجَمِعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى الأَصَحِّ(٢)، وقَولُهُ: ﴿وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾: يَدُلُّ عَلَى صَلَاتَينِ:
إحدَاهُمَا: مِن جَوهَرِ اللَّفِظِ، إذ العَطفُ يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ، والأُخرَى: مِن
لَا زِمِهِ، إذ لَا يُمكِنُ أن يَكُونَ لِلمَجمُوعِ(٣) مِن هَذِهِ الصَّلَاةِ ومِن الصَّلَواتِ
المَذكُورَةِ قَبلَهَا - وسَطٌ، فَلا بُدَّ مِن ضَمَّ أُخرَى إِلَيهَا، حَتَّى تَصِيرَ خَمسَةً،
فَيَكُونُ(٤) لَهَا وسَطٌّ.
ثَانِيهِمَا: أنَّ قَولَهُ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ﴾: يَتَنَاولُ الصَّلَواتِ الخَمسَ،
وقَولَهُ: ﴿وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾: مِن عَطفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ، وهُو دَالٌّ عَلَى شَرَفِهِ
والاِهِتِمَامِ بِهِ، وهَذَا الثَّانِي أُرجَحُ.
وهَذَا الخِلَافُ مَبنِيٌّ عَلَى مَسألَةٍ أُصُولِيَّةٍ، ذَكَرَهَا الرُّويَانِيُّ في ((البَحرِ)) عن
والِدِهِ، وهِيَ: أَنَّ اللَّفظَ العَامَّ إذَا عُقِّبَ(٥) بِذِكرِ مَن كَانَ مِن حَقِّ العُمُومِ(٦) أن
يَتَنَاوَلَهُ، هَل يَدُلُّ هَذَا التَّخصِيصُ، عَلَى أَنَّهُ غَيرُ مُرَادٍ بِاللَّفِظِ العَامِّ، إذ(٧) لَّوَ كَانَ
دَاخِلَا تَحتَهُ لَم يَكُن لِلإِفرَادِ فَائِدَةٌ، أو هُو دَاخِلٌ في العُمُومِ وفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ، ومَثَّلَ
لَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؟
(١) في الأصل: ((التساوي)). وفي (م): ((مساو)).
(٢) ينظر فيها: الإحكام لابن حزم (٤١٣/٤)، وإرشاد الفحول (٣١٠/١).
(٣) في الأصل: ((المجموع)).
(٥)
في (ك): ((عقد)) .
(٧) في (م): ((إِذّا)).
(٤) في (ح): ((فيصير)).
(٦) في (ك): ((العلوم)).

٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال الطّحَاوِيُّ: قال قَومٌ: سُمِّيَتْ صَلَاةُ العَصرِ الوُسطَى؛ لِأنَّهَا بَينَ
صَلَاتَينِ مِن صَلَاةِ اللَّيلِ، و(١صَلَاتَينٍ مِن١) صَلَاةِ النَّهَارِ، وقال آخَرُونَ: مَا
رَوِينَاهُ(٢) عن عُبَيدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ ابنِ(٣) عَائِشَةَ، قال(٤): ((إنَّ آدَمَ عَلَّا لَمَّا تِيبَ(٥)
عَلَيهِ عِندَ الفَجرِ: صَلَّى رَكَعَتَينٍ، فَصَارَتِ الصُّبحَ، وقُدِيَ إِسحَاقُ(٦) عِندَ الظُّهرِ،
فَصَلَّى إبرَاهِيمُ عَلَّهِ أربَعًا فَصَارَت الظُّهرَ، ويُعِثَ عُزَيْرٌ، فَقِيلَ له(٧): كَم لَبِئت؟
فَقال: يَومًا، فَرَأى الشَّمسَ، فَقال: أو بَعضَ يَومٍ، فَصَلَّى أربع ركعات(٨)،
فَصَارَتِ العَصرَ، وَغُفِرَ لِدَاوُدَ عَلَّهُ عِندَ المَغْرِبِ، فَقَامَ يُصَلِّي أربَعَ رَكَعَاتٍ، فَجُهِدَ
فَجَلَسَ في الثَّالِثَةِ، فَصَارَ(٩) المَغرِبُ ثَلَاثًا، وأولُ مَن صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ
فَبَِّ فَ). فَلِذَلِكَ قَالُوا: الصَّلَاةُ الوُسطَى هِيَ صَلَاةُ العَصرِ .
قال الطَّحَاوِيُّ: فَهَذَا عِندَنَا مَعنَى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ أولَى الصَّلَواتِ إِن كَانَت
الصُّبحَ، وآخِرَهَا العِشَاءُ الآخِرَةُ: فَالوُسطَى فيمَا بَيْنَ الأُولَى والأخِيرَةِ، وهِيَ (١٠)
العَصرُ(١١)، انتَهَى.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ: ذِكرُ الوُسطَى: إمَّا أن يُرَادَ بِهِ التَّوسُّطُ في الرُّكُوعِ
(١ - ١) ليس في: (ح).
(٢) في المطبوع من معاني الآثار: ((وقال آخرون: ما حدثني: القاسم بن جعفر، قال:
سمعت بحر بن الحكم الکیساني ... )).
(٣) في (ك): ((عن)). والصواب المثبت، وهو أبو عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن
حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي البصري، يعرف
بابن عائشة وبالعيشي وبالعائشي، نسبة إلى عائشة بنت طلحة؛ لأنه من ذريتها. التاريخ الكبير
(٤٠٠/٥)، الجرح والتعديل (٣٣٥/٥)، السير (٥٦٤/١٠)، شذرات الذهب (٦٤/٢).
(٤) ليس في: (ح).
(٥) في (م): ((تلیت)).
(٦) هذا على القول بأن الذبيح إسحاق، وهو قول طائفةٍ، والصحيح الذي عليه الأكثر سلفًا
وخلفًا: أنه إسماعيل. قال ابن القيم في زاد المعاد (٧١/١): ((أما القول بأنه إسحاق:
فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه،
يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم)).
(٨) في (م): ((أربعًا)).
(٧) ليس في: الأصل، (م).
(٩) في الأصل، (م): ((فصارت)). وهما وجهان في العربية.
(١٠) في مصدر التخريج: ((هي)). وهو، أوجه. (١١) شرح المعاني (١٧٥/١، ١٧٦).

=
٥٥
بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
والسُّجُودِ، أو في العَدَدِ، أو في الزَّمَانِ، فَأَمَّا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ: فَإِنَّ حُكمَ
الصَّلَواتِ فِيهَا واحِدٌ، فَهَذَا القِسمُ لَا يُرَاعَى لِلِتِّفَاقِ عَلَيهِ.
وأمَّا القِسمَانِ الآخَرَانِ: فَإِن رَاعَينَا العَدَدَ: أَذَّى إلَى (١٧٢/٢م) مَذْهَبٍ
قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيبٍ: أَنَّهَا المَغْرِبُ؛ لِأَنَّ أكثَرَ أعدَادِ الصَّلَواتِ أَرَبَعُ رَكَعَاتٍ، وأقَلَّهَا
اثْتَتَانِ، والوسَطُ ثَلَاثٌ، فَهِيَ المَغرِبُ [١٠٠/١ ظ]، وإن رَاعَينَا الأوسَطَ في الزَّمَانِ:
كَانَ الأبيَنُ: أنَّ الصَّحِيحَ أحَدُ قَولَينٍ، إمَّا الصُّبحُ، وإمَّا العَصرُ.
فَأَمَّا الصُّبحُ: فَإِنَّا إِذَا قُلنَا: إنَّ مَا بَينَ الفَجرِ وطُلُوعِ الشَّمسِ: لَيسَ مِن
النَّهَارِ ولَا مِن اللَّيلِ: كَانَتِ هِيَ الوُسطَى؛ لِأنَّ(١) الظّهرَ والعَصرَ مِن النَّهَارِ،
والمَغرِبَ والعِشَاءَ مِن اللَّيلِ، وبَقِيَ وقتُ الصُّبحِ مُشتَرَكًا، فَهُو وسَطّ بَيْنَ الوقتَينِ،
وعَلَى القَولِ بِأنَّ ذَلِكَ الزَّمَانِ مِن الَّهَارِ: يَكُونُ الأَظهَرُ أنَّ الوُسطَى العَصرُ؛ لِأنَّ
الصُّبحَ والظُهرَ سَابِقَتَانٍ(٢) لِلعَصرِ، والمَغرِبَ والعِشَاءَ مُتَأْخِّرَانِ عن العَصرِ، فَهِيَ
إِذَا وسَطٌ بَيْنَهُمَا(٣)، انتَهَى.
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ: لَا يَصلُحُ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ أن يَكُونَ سَبَبًا لِلخِلَافِ
فيهَا، إذ لَا مُنَاسَبَةَ لِمَا ذُكِرَ، لِكَونِ هَذِهِ الصَّلَاةِ أفضَلَ وأوكَدَ (٤) مِن غَيرِهَا، أمَّا
أعدَادُ الرَّكَعَاتِ: فَالمُنَاسِبُ هُو (٥) أن تَكُونَ(٦) الرَّبَاعِيَةُ(٧) أفضَلَ؛ لِأَنَّهَا أكثَرُ
رَكَعَاتٍ وأكثَرُ عَمَلًا، والقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا كَثُرَ عَمَلُهُ كَثُرَ ثَوابُهُ(٨).
وأمَّا مُرَاعَاةُ أعدَادِ الصَّلَواتِ: فَيَلزَمُ مِنْهُ أن تَكُونَ(٩) كُلُّ صَلَاةٍ هِيَ
الوُسطَى، وهُو الَّذِي أبطَلْنَاهُ، وأيضًا فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَينَ أكثَرِيَّةِ الثَّوابِ،
(١) بعدها في (ك): ((إلى)).
(٣) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣).
(٥) ليس في: (ح).
(٧)
في (ك): ((بالرباعية)).
(٨) ينظر تفصيلها: قواعد العز بن عبد السلام (٣٢/١)، والمنثور للزركشي (٤١٣/٢)،
والأشباه والنظائر للسيوطي (ص٢٦٨).
(٩) ليس في: (ك).
(٢) في (ك): ((سابقان)).
(٤) في مصدر التخريج: ((أو، أوكد)).
(٦) في الأصل، (م): (يكون)).

٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وأمَّا اعتِبَارُهَا مِن حَيثُ الأزمَانِ: فَغَيرُ مُنَاسِبٍ أيضًا؛ لِأَنَّ نِسبَةَ الصَّلَاةِ(١) إلَى
الأزمان (٢) كُلِّهَا مِن حَيثُ الزَّمَانِيَّةُ واحِدَةٌ، فَإِن فُرِضَ شَيءٌ يَكُونُ في بَعضٍ
الأزمَانِ أفضَلَ: فَذَلِكَ لِأمرٍ خَارِج عن الأزمَانِ، قال: والَّذِي يَظهَرُ لِي أنَّ السَّبَبَ
في خِلَافِهِم فيهَا: اختِلَافُهُم في مَفْهُومِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ. وسَاقَ الكَلَامَ عَلَى
ذَلِكَ(٣).
وقال الشَّيخُ زَكِيُّ الدِّينِ المُنذِرِيُّ: في المُرَادِ بِالوُسطَى، ثَلَاثَةُ أقوالٍ:
أحَدُهَا: أوسَطُ الصَّلَواتِ مِقَدَارًا، والثَّانِي: أنَّهَا، أوسَطُهَا مَحَلًا، والثَّالِثُ: أَنَّهَا
أفضَلُهَا، وأوسَطُ كُلِّ شَيءٍ أفضَلُهُ، فَمَن قال الوُسطَى الفُضلَى: جَازَ لِكُلِّ مَذْهَبٍ
أن يَدَّعِيَهُ، ومَن قال مِقِدَارًا: فَهِيَ المَغرِبُ؛ لِأنَّ أقَلَّهَا رَكعَتَانِ وأكثَرَهَا أَرَبَعٌ، ومَن
قال مَحَلًا: ذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مُنَاسَبَةً يُوجّه(٤) بِهَا قَولُهُ. ثُمَّ حَكَى مَذَاهِبَ العُلَمَاءِ
فِيهَا، كَمَا سَيَأْتِي (٥) .
■ الثَّامِئَةُ: في صَحِيحِ البُخَارِيِّ: ((وهِيَ صَلَاةُ العَصرِ)). وفي صَحِيحِ
مُسلِم: ((شَغَلُونَا عن الصَّلَاةِ الوُسطَى صَلَاةِ العَصرِ))(٦). (١٧٣/٢م) وهو (٧) حُجَّةٌ
واضِحَّةٌ لِمَن قال: إنَّ الصَّلَاةَ(٨) الوُسطَى هِيَ صَلَاةُ العَصرِ، قال التِّرمِذِيُّ: وهُو(٩)
قَولُ أكثَرِ العُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَةِ، فَمَن بَعدَهُم (١٠)، وعَزَاهُ لِلجُمهُورِ أيضًا:
المَاوردِيُّ، والبَغَوِيُّ، وابنُ عَطِيَّةَ، وغَيرُهُم (١١)، وبِهِ قال أبُو حَنِيفَةَ، وصَاحِبَاهُ،
وأحمَدُ، ودَاوُد، وابنُ المُنذِرِ، وابنُ حَبِيبٍ مِن المَالِكِيَّةِ، والمَاوردِيُّ مِن
الشَّافِعِيَّةِ، وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ: عن عَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ،
وَزَيدِ بنِ ثَابِتٍ، وأبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، وابنِ عُمَرَ، وابنٍ عَبَّاسٍ، وعَبِيدَةَ السَّلمَانِيِّ،
(١) في مصدر التخريج: ((الصلوات)).
(٢) في (م): ((الزمن)).
(٣)
المفهم (٢٥٤/٢).
(٤) في (م): ((توجّه)).
(٥)
ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (١٣٠/١)، شرح أبي داود للعيني (٢٧١/٢).
(٦)
البخاري (٦٣٩٦)، مسلم (٢٠٥/٦٢٧).
(٧)
في (ت، م): ((وهي)). وكلاهما له وجه. (٨) ليس في: (ح).
(٩) في (ك): ((هو)).
(١٠) الترمذي عقب (١٨٢).
(١١) الحاوي (٧/٢)، شرح السنة (٢٣٦/٢)، تفسير ابن عطية (٣١٥/١).

ك
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
٥٧
=
والحَسَنِ البَصرِيِّ، والضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ، وحَكَاهُ الخَطَّابِيُّ: عن عَائِشَةَ، وحَفْصَةَ.
وحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، وعَبدِ اللهِ بنِ عَمٍو. وحَكَاهُ النَّوِيُّ في ((شَرحِ
مُسلِمٍ)): عن ابنِ مَسعُودٍ، وإبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وقَتَادَةَ، والكَلِيِّ، ومُقَاتِلٍ(١).
والقَولُ الثَّانِي: أنَّهَا الصُّبحُ: حَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ: عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ،
وعَائِشَةَ، وعِكرِمَةَ، وطَاوُسٍ، وعَطَاءٍ، ومُجَاهِدٍ (٢). وحَكَاهُ الخَطَابِيُّ: عن أبِي مُوسَى
الأشعَرِيِّ، وجَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، والمَكِّيِّينَ (٣). وحَكَاهُ البَيْهَقِيُّ: عن أَنَسٍِ بنِ مَالِكٍ.
وحَكّاهُ النَّوِيُّ: عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، ومُعَاذٍ بِنِ جَبَلٍ، والرَّبِيعِ بنِ أَنَسٍ (٤) وبِهِ قال
مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ، كَمَا نَصَّ عَلَيهِ، و(٥) جُمْهُورُ أصحَابِهِ (٦).
نَعَم، قال المَاوردِيُّ(٧): مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ أنَّهَا العَصرُ، لِصِحَّةِ الأحَادِيثِ
فيهِ، قال: وإنَّمَا نَصَّ عَلَى أنَّهَا الصُّبحُ؛ لِأَنَّهُ لَم تَبلُغْهُ الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ في
العَصرِ، ومَذهَبُهُ اتُبَاعُ الحَدِيثِ.
وأمَّا نَقلُ ابنِ عَبدِ البَرِّ، والقَاضِي عِيَاضٍ (٨)، عن الشَّافِعِيِّ: أنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا
العَصرُ. فَهُو وهمّ، أو مُؤَولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عن المَاوردِيِّ، وحَكَى الإمَامُ فَخرُ الدِّينِ
الرَّازِيّ(٩) في ((تَفسِيرِهِ)(١٠): عن عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ: أنَّهَا الصُّبحُ، وهِيَ رِوايَةٌ
عنهُ: ذَكَرَهَا(١١) مَالِكٌ في ((المُوطًّا)(١٢): أنَّهُ بَلَغَهُ: أنَّ عَلِيَّ بنَ أبِي طَالِبٍ،
(١) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي (١٨٥/١)، الأوسط لابن المنذر (٣٣٢/٣)، شرح النووي على
صحيح مسلم (١٢٧/٥)، أعلام الحديث في شرح البخاري للخطابي (٤٣٢/١، ٤٣١).
(٢) الأوسط (٣٣٢/٣).
أعلام الحديث في شرح البخاري للخطابي (١/ ٤٣٣، ٤٣٢).
(٣)
(٥) ليس في: (ك، م).
(٤)
سنن البيهقي (١٩٦/١).
(٦) نص عليه في اختلاف الحديث له (ص٥٢٢)، وينظر: الحاوي (٧/٢)، وروضة الطالبين
(١٨٢/١).
(٧) الحاوي الكبير (٨/٢)، ونقله عنه النووي في الروضة (١٨٢/١).
(٨) ينظر: التمهيد (٢٨٩/٤)، والاستذكار (١٤٨/٢)، وإكمال المعلم (٥٩٢/٢).
(٩) ليس في: (ح).
(١١) في (ح): ((ذكر)).
(١٢) الموطأ (١٣٩/١)، باب الصلاة الوسطى.
(١٠) مفاتيح الغيب (٤٨٤/٦).

٥٨
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
(١ وعَبَدَ اللهِ بن١َ) عَبَّاسِ: كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الوُسطَى [١٠١/١و] صَلَاةُ الصُّبح.
قال مَالِكٌ: وذَلِكَ رَأيِي(٢) .
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: لَا خِلَافَ عن عَلِيٍّ، مِن وجهٍ صَحِيحِ أنَّهَا العَصرُ.
قال: وقَد رُوِيَ مِن حَدِيثِ حُسَينِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ ضُمَيرَةَ، عن أبِيهِ، عن
جَدِّهِ، عن عَلِيٍّ ◌َُّهِ: أنَّهُ قال في الصَّلَاةِ الوُسطَى: صَلَاةِ الصُّبحِ. قال: وحُسَينٌ
هَذَا مَترُوكُ الحَدِيثِ مَدِينِيٌّ(٣)، ولَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ بِهَذَا الإسنَادِ، قال: وقال قَومٌ:
إِنَّ مَا أرسَلَهُ مَالِكٌ في ((المُوطَّ)) عن عَلِيٍّ: أخَذَهُ مِن حَدِيثِ ضُمَيْرَةَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا
يُوجَدُ عن عَلِيٍّ إلَّا مِن حَدِيثِهِ، والصَّحِيحُ عن عَلِيٍّ مِن وُجُوهِ شَتَّى صِحَاحِ، أنَّهُ
قال في الصَّلَاةِ الوُسطَى: صَلَاةُ العَصرِ (٤).
القَولُ الثَّالِثُ: أنَّهَا صَلَاةُ (١٧٤/٢م) الظُّهرِ، رَواهُ أَبُو دَاوُد في ((سُنَّنِهِ)»: عن
زَيدِ بنِ ثَابِتٍ(٥)، قال ابنُ المُنذِرِ: ورَوينَاهُ عن ابنِ عُمَرَ، وعَائِشَةَ، وعَبدِ اللهِ بنِ
شَدَّادٍ(٦)، ورَوَاهُ البَيْهَقِيُّ: عن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وأبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، وابنِ عُمَرَ(٧)،
وهُو رِوايَةٌ عن أبِي حَنِيفَةً(٨).
الرَّابِعُ: أَنَّهَا المَغرِبُ: قالهُ قَبِيصَةُ بنُ(٩) ذُؤَيبٍ، وهُو رِوايَةٌ عن قَتَادَةَ.
الخَامِسُ: أَنَّهَا العِشَاءُ: حَكَاهُ(١٠) أبُو الطَّيِّبِ: سَهلُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ سُلَيمَانَ،
(١ - ١) في (ح): ((وابن)).
(٢) عبارة مالك: ((وقول علي، وابن عباس أحب ما سمعت إلي في ذلك)).
(٣) كذبه أبو حاتم وابن الجارود وابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث. تاريخ البخاري
(٣٨٨/٢)، الجرح والتعديل (٥٧/٣)، الضعفاء للعقيلي (١٩٦/٢)، الكامل لابن عدي
(٣٥٦/٢).
(٤) التمهيد (٢٨٧/٤).
(٥) أبو داود (٤١١).
(٦) الأوسط (٣٦٦/٢).
(٧) سنن البيهقي (١٨٠/١).
(٨)
النووي على مسلم (١٢٩/٥)، العيني على أبي داود (٢٧٠/٢).
(٩) بعدها في (ح): ((أبي)). وهو وهَمِّ. وهو الإمام الكبير الفقيه أبو سعيد قبيصة بن ذؤيب بن
حلحلة الخزاعي، ولأبيه صحبة. توفى سنة ست وثمانين. طبقات ابن سعد (١٧٨/٥)،
تاريخ البخاري (١٧٤/٧)، السير (٢٨٢/٤).
(١٠) في (م): ((حکاها)).

كيو
٥٩
M
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
عن بَعضِهِم، وإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيُّ بنُ أحمَدَ النَّيسَابُورِيُّ (١) في ((تَفسِيرِ))(٢).
السَّادِسُ: أنَّهَا إحدَى الخَمسِ: مُبهَمَةٌ (٣) واستَأَتَرَ اللهُ بِعِلمِهَا، قالهُ الرَّبِيعُ بنُ
خُثَيم (٤)، وحُكِيَ: عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، ونَافِعٍ، وشُرَيحِ، ومَالَ إِلَيهِ:
أبُو الحَسَنِ بنُ المُفَضَّلِ المَقدِسِيُّ، وصَحَّحَهُ: القَاضِي أبُوَ بَكرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ(٥)، قال:
لِأَنَّ الأحَادِيثَ الَّتِي (٦) سَاقَهَا التِّرمِذِيُّ: لَم يُصَحِّحِهَا، ويُعَارِضُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قُلت: قَد صَحَّحَ البُخَارِيُّ وغَيرُهُ: حَدِيثَ عَلِيٍّ(٧).
السَّابِعُ: أنَّهَا جَمِيعُ الخَمسِ: حَكَاهُ النَّقَّاشُ في ((تَفسِيرِهِ): عن مُعَاذِ بنِ
جَبَلٍ، وعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ غَنمِ، وحَكَاهُ أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ: عن مُعَاذٍ، وقال:
قال(٨): لِأَنَّهَا، أوسَطُ الدِّينَ(٩)، وضَعَّفَه القَاضِي عِيَاضٌ، وقال النَّوِيُّ: وهُو
ضَعِيفٌ، أو غَلَطُ؛ لِأِنَّ العَرَبَ لَا تَذكُرُ الشَّيءَ مُفَصَّلًا ثُمَّ تُجمِلُهُ، وإِنَّمَا تَذْكُرُهُ
مُجمَلًا ثُمَّ تُفَصِّلُهُ، أو تُفَصِّلُ بَعضَهُ، تَنِيهًا عَلَى فَضِيلَتِهِ (١٠).
وقال القُرطُبِيُّ: إنَّهُ أضعَفُ هَذِهِ الأقوالِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ عَادَةٍ
الفَصَاحَةِ، مِن، أوجُهٍ :
أحَدُهَا: فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عن النَّوِيِّ.
ثَانِيهَا: أنَّ الفُصَحَاءَ لَا يُطلِقُونَ لَفظَ الجَمعِ ويَعِطِفُونَ عَلَيهِ أَحَدَ مُفرَدَاتِهِ،
(١) هو: شيخ التفسير أبو الحسن الواحدي، صَنّف التفاسير الثَّلاثَة: ((البسيط))، و((الوسيط))،
و((الوجِيز))، وبِتِلكَ الأسمَاء سمَّى الغزَّالِيُّ تَوالِيفه الثَّلاثَة في الفِقه، وكَانَ طَوِيل البَاعِ في
العَرَبِيَّةَ واللُّغَات، مَاتَ: بِنَيسَابُورَ في جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وسِتِينَ وأربَعِ مائَة.
ينظر: السير للذهبي (٣٠٩/٣٥).
(٢) ينظر: كشف المشكل (١٣٠/١).
(٣) في (ك): ((منهم)).
(٥) في (م): ((عربي)).
(٤)
في (م): ((خیثم)).
في (ك): ((الذي)) وينظر: عارضة الأحوذي (٢٩٦/١، ٢٩٥).
يقصد حديث الباب، المتفق عليه: (( ... شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت
(٧)
الشمس ... )).
(٨) ليس في: (م).
(٩) المفهم (٢٥٣/٢).
(١٠) إكمال المعلم (٥٩٢/٢)، شرح النووي على مسلم (١٢٩/٥)، العيني على أبي داود
(٢٧٠/٢).
(٦)

٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ويُرِيدُونَ بِذَلِكَ المُفرَدِ: ذَلِكَ الجَمعَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي غَايَةِ العِيِّ والإلبَاسِ.
ثَالِثُهَا: أنَّهُ لَو أرَادَ بِالصَّلَاةِ الوُسطَى: الصَّلَواتِ(١)، لَكَانَ كَأَنَّهُ قال: حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَواتِ(٢) والصَّلوات(٣)، ويُرِيدُ بِالثَّانِي الأولَ، ولَو كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ
فَصِيحًا في لَفِظِهِ، ولَا صَحِيحًا في مَعنَاهُ، إذَ لَا يَحصُلُ بِاللَّفِظِ الثَّانِي تَأْكِيدُ
الأولِ؛ لِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيهِ، ولَا يُفيدُ مَعنَى آخَرَ، فَيَكُونُ حَشوًا، وحَملُ كَلَامِ اللهِ
عَلَى شَيءٍ مِن هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ مَسُوعٍ وَلَا جَائِزٍ (٤)، انتَهَى.
ومَالَ ابنُ عَبدِ البَرُّ: إِلَى هَذَا القَولِ، فَقال(٥) في ((التَّمهِيدِ)): كُلُّ واحِدَةٍ مِن
الخَمسِ وُسطَى؛ لِأِنَّ قَبلَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَلَاتَيْنِ وبَعدَهَا صَلَاتَينٍ، والمُحَافَظَةُ
عَلَى جَمِيعِهِنَّ واجِبٌ(٦).
الثَّامِنُ: أَنَّهَا صَلَاةُ الجُمُعَةِ: حَكَاهُ المَاوردِيُّ وغَيرُهُ، وضَعَّفَهُ القَاضِي عِيَاضٌ
والنَّووِيُّ(٧): بِأنَّ المَفْهُومَ مِن الإيصَاءِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَيهَا إِنَّمَا هُو؛ لِأنَّهَا مُعَرَّضَةٌ
لِلِضَّيَاعِ، وهَذَا لَا يَلِيقُ (١٧٥/٢) بِالجُمُعَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا في العَادَةِ
أكثَرَ مِنْ غَيرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي في الأُسْبُوعِ مَرَّةً، بِخِلَافِ غَيرِهَا .
قُلت: ويُمكِنُ أن يُقال: إنَّ المَفْهُومَ مِن الإيصَاءِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَيهَا: كَونُهَا
أفضَلَ مِن غَيرِهَا، وأشَدَّ تَأكُّدًا، فَيُخشَى مِن عَاقِبَةِ إضَاعَتِهَا والتَّفْرِيطِ فيهَا أكثَرُ مِن
غَيرِهَا، وهَذَا مَوجُودٌ في الجُمُعَةِ، والله تعالى أعلمُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهَا الجُمُعَةُ(٨) في يَومِ الجُمُعَةِ، وفي (٩) سَائِرِ الأيَّامِ الظُهرُ: حَكَاهُ
أَبُو بَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ مِقْسَمٍ في ((تَفْسِيرِهِ)»(١٠)، عن عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ.
(١)
في الأصل: ((الصلاة)).
ليس في (ك)، وفي (م): ((والصلاة)).
(٣)
(٥)
ليس في: (ك).
(٧) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٢)، شرح النووي (١٢٩/٥).
(٨) ليس في: (ك).
(٢) بعدها في (ك): ((الوسطى)).
(٤) المفهم (٢/ ٢٥٣).
(٦) التمهيد (٢٩٤/٤).
(٩) في (ك): ((في)).
(١٠) هو كتاب ((الأنوار في علم القرآن)). وصاحبه: الشيخ المقرئ محمد بن الحسن بن
يعقوب بن الحسن بن مقسم البغدادي أبو بكر العطار، توفي في ربيع الآخر سنة أربع
وخمسين وثلاث مائة. المنتظم (٣٠/٧)، طبقات القراء (٢٤٦/١)، السير (١٠٥/١٦).