Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
وكَونُهَا سَاعَةً يَفُوحُ فِيهَا (١) لَهَبُ جَهَنَّمَ وحَرُّهَا: يَقْتَضِي الكَفَّ عن الصَّلَاةِ،
كَمَا في حَدِيثٍ عَمرِو بنِ عَبَسَةَ: ((فَإِذَا اعتَدَلَ النَّهَارُ فَأَقصِر؛ يَعنِي: عن الصَّلَاةِ،
فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُسجَرُ فِيهَا جَهَنَّمُ))(٢) .
■ الثَّالِثَةُ: والَّذِينَ لَم يَستَحِبُّوا الإبرَادَ مُطلَقًا: أجَابُوا عن هَذَا الحَدِيثِ
بأنّ(٣) مَعنَاهُ: صَلُّوهَا في أولِ الوقتِ، أخذًا مِن بَردِ النَّهَارِ، وهُو أولُهُ(٤).
ويُبِطِلُ هَذَا: قَولُهُ: ((فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيِحِ جَهَثَّمَ))؛ لِأِنَّ أولَ وقتِ الظُّهرِ
أشَدُّ حَرًّا مِن آخِرِهِ، وحَدِيثُ أبِي ذَرِّ المُتَقَدِّمُ في الفَائِدَةِ قَبلَهَا: صَرِيحٌ في أنَّ
المُرَادَ بِالإِبْرَادِ التَّخِيرُ إلَى وقتِ البَردِ.
وقال الخَطَّابِيُّ(٥): مَن (٦) تَأولَ الحَدِيثَ عَلَى بَردِ النَّهَارِ: فَقَد خَرَجَ مِن
جُمْلَةِ قَولِ الأُمَّةِ(٧) .
وتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَم يَسْتَحِبُوا الإبرَادَ مُطلَقًّا بِالأحَادِيثِ الذَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ
أولِ الوقتِ، ولحَدِيثِ(٨) خَبَّابُ: ((شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ حَرَّ الرَّمضَاءِ فَلَم
يُشكِنَا))(٩) .
(١) ليس في: (ك).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة (١٢٧٥)، وابن حبان (١٥٥٠)، وأصله: في صحيح مسلم
(٢٩٤/٨٣٢).
(٣)
في (ك، ح): ((أنّ)).
قاله الهروي في ((الغريبين)). وينظر: الفتح لابن رجب (٦٥/٣)، وشرح ابن بطال (٩٩/١).
(٤)
(٥)
معالم السُّنن (١١٢/١)، وينظر: شرح أبي داود للعيني (٢٦٢/٢).
في (م): ((ومن)).
(٦)
في (ح، م): ((الأئمة)). والمثبت موافقٌ لمصدر التخريج، والنسخ.
(٧)
في (ك، م): ((وبحديث)).
(٨)
(٩)
مسلم (١٨٩/٦١٩)، وقوله: ((فلم يُشكِنا)): من الفعل أشكى، قيل معناه: فلم يحوجنا
إلى شكوى، بل أذن لنا في الإبراد: حُكى هذا عن ثعلب، ورجحه السندي في حواشيه
على السنن، لكن يرده أنّ في الخبر زيادة: رواها ابن المنذر بعد قوله: ((فلم يشكنا))
قال: ((إذا زالت الشمس فصلوا)). والصحيح: أن معناه: فلم يُزِل شكونا. ينظر: النووي
على مسلم (١٢١/٥)، وفتح الباري (١٧/٢).

=
٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والجَوابُ عن أحَادِيثِ أولِ الوقتِ: أنَّهَا عَامَّةٌ، فَيُقَدّمِ(١) عَلَيْهَا هَذَا الحَدِيثَ
لِخُصُوصِهِ (٢)، وعن حَدِيثِ خَبَّابِ مِن أوجُهٍ:
أحَدُهَا: أنَّهُ إِنَّمَا لَم يُجِبُهُم لِمَا سَأْلُوا ويُزِل(٣) شَكواهُم؛ لِأَنَّهُم أرَادُوا أن
يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ بَعدَ الوقتِ الَّذِي حَدَّهُ (١٥٤/٢م) لَهُم، وأمَرَهُم بِالإِبرَادِ إلَيهِ،
ويَزِيدُوا عَلَى الوقتِ المُرَخَّصِ لَهُم فيهِ، ومِن المَعلُومِ أنَّ حَرَّ الرَّمضَاءِ الَّذِي يُسجدُ
عليه: لَا يَزُولُ إلَّا بَعدَ خُرُوجِ الوقتِ كُلِّهِ، ذَكَرَ المَازَرِيُّ هَذَا (٤) الجَوابَ، وقال:
إِنَّهُ الأَشبَهُ؛ يَعنِي: أشبَهَ الأَجوِبَةَ(٥).
ثَانِيهَا: أنَّ هَذَا الحَدِيثَ ونَحوهُ مِن الأحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّقْدِيمِ: مَنسُوخَةٌ
بِأَحَادِيثِ الإبرَادِ؛ لِأَنَّهَا رُوِيَت مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيرَةَ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ،
ونَحوِهِمَا، مِمَّن تَأَخَّرَ إسلَامُهُ، بِخِلَافِ أحَادِيثِ التَّعجِيلِ؛ كَحَدِيثٍ خَبَّابٍ،
وحَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ.
ويَدُلُّ لِهَذَا (٦): مَا رَواهُ ابنُ مَاجَه، وابنُ حِبَّنَ في (صَحِيحِهِ)): عن قَيسٍ بِنِ
أبِي حَازِمٍ، عن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ رَّهِ، قال: ((كُنَّا نُصَلِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ
الظّهرِ بِالْهَاجِرَةِ، فَقال لَنَا: أبرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيِحِ جَهَنَّمَ)(٧)،
ورَواهُ الطَّحاوِيُّ بِلَفِظِ، ثُمَّ قال: ((أبرِدُو))(٨). وأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِم [٩٥/١,]: بِأَنَّهُ رُويَ
عن فَيْسٍ بِنِ أبِي حَازِمٍ، عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ مِن قَولِهِ (٩).
وذَكَرَ الخَلَّالُ عن المَيمُونِيِّ: أنَّهُم ذَاكَرُوا (١٠) أَبَا عَبدِ الله؛ يَعنِي: أحمَدَ بنَ
حَنْبَلٍ، حَدِيثَ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، فَقال: أسَانِيدُ جِيَادٌ، ثُمَّ قال: خَبَّابُ يَقُولُ:
(١) في (م): ((فنقدم)).
(٣) في (م): ((وترك)).
(٥) ينظر: المعلم للمازَرِي (١٩٦/١)، واختاره ابن رجب أيضًا، كما في شرحه للبخاري
(٢/ ٢٧٣).
(٦) في (ح): ((لها)».
(٨) شرح المعاني (١/ ١٨٧).
(١٠) في الأصل: ((ذكروا)).
(٢) في (ح): ((بخصوصه)).
(٤) ليس في: (ك).
(٧) ابن ماجه (٦٨٠)، وابن حبان (١٥٠٥).
(٩) العلل (١٣٦/١).

بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
٢٣
((شَكَونَا إِلَى النَّبِيِّ وَ فَلَمْ يُشكِنَا)). والمُغِيرَةُ كَمَا تَرَى رَوى القِصَّتَينِ جَمِيعًا، قال:
وفي رِوايَةٍ غَيرِ المَيُمُونِيِّ: ((وكَانَ آخِرُ الأمَرَينِ مِن رَسُولِ اللهِ وَّوَ الإِبْرَادَ)).
وقال الأثرَمُ بَعدَ ذِكرِ أحَادِيثِ التَّعجِيلِ والإبرَادِ: فَأمَّا الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا التَّعجِيلَ
في غَيرِ الحَرِّ، فَإِنَّ الأمرَ عَلَيهَا. وأمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ وجَابِرٍ، ومَا كَانَ فيهَا مِن
شِدَّةِ الحَرِّ: فَإِنَّ ذَلِكَ عِندَنَا قَبْلَ أن يَأْمُرَ بِالإِبْرَادِ، وقَد جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثَينِ :
أحَدُهُمَا: حَدِيثُ بَيَانٍ، عن قَيْسٍ(١)، عن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، قال: كُنَّا نُصَلِّي
مَعَ النَّبِّ وَِّ بِالْهَاجِرَةٍ، فَقال لَنَا: ((أبرِدُوا)): فبيَّن هذا (٢) أنَّ الإبرَادَ كَانَ بَعدَ التَّهِجِيرِ.
والحَدِيثُ الآخَرُ: أبيَنُ (٣)مِن هَذَا٣)، خَالِدُ بنُ دِينَارٍ أبُو خَلدَةَ، قال: سَمِعت أنَسًا
يَقُولُ: ((كَانَ: النَّبِيُّنَّهَ إِذَا كَانَ البَردُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وإِذَا كَانَ الحَرُّ أَبَرَدَ بِالصَّلَاةِ))(٤).
ثَالِثُهَا: أنَّ الإبرَادَ رُخصَةٌ، وَتَقْدِيمُهُ وَّهِ الصَّلَاةَ(٥) كَانَ أخذًا بِالأَشَقِّ(٦) والأولَى.
وبِهَذَا قال بَعضُ أصحَابِنَا(٧)، ونَصَّ عَلَيهِ (٨) الشَّافِعِيُّ في ((البُويطِيِّ)) (٩)،
وصَحَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ السِّنجِيُّ(١٠)، لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِن مَذهَبِنَا(١١): أنَّ الإبرَادَ هُو
(١) أخرجه أحمد (٢٥٠/٤)، وابن ماجه (٦٨٠)، من حديث بيان بن بشر عن قيس بن
أبي حازم عنه به.
(٢)
في (أ، م): ((فتبين لنا)).
(٤)
البخاري (٩٠٦).
(٦)
في (ك): ((الأسبق)).
قال النووي في الروضة (١٨٤/١): هو (وجه شاذ)). وينظر: الشرح الكبير (٥١/٣).
(٧)
(٨)
ليس في: (ك).
(٣ - ٣) ليس في: (ح).
(٥) ليس في: (ك).
(٩) ينظر: الأم (٧٢/١)، ومختصر المزني (ص١٣).
(١٠) هو: الفقيه الشافعي حسين بن شعيب بن محمد بن الحسين، المعروف بابن السِنجي،
من قرية سِنج : - بكسر السين المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم، وهي من أكبر قرى
مرو، تفقه على إمامي عصره القفال والاسفراييني، له ((شرح التلخيص)): وهو شرحٌ كبيرٌ
قليلُ الوجود، على كتاب ((التلخيص)) لابن القاص الطبري الشافعي، وله كتاب المجموع
في فروع الشافعية، يتكرر ذكره في ((الوسيط)) و(النهاية)). وكتب متأخرى الخراسانيين،
توفى سنة ثلاثين وأربع مائة. طبقات ابن السبكي (٣٤٤/٤)، وطبقات شهبة (٢٠٧/١)،
وكشف الظنون (٤٧٩/١)، (١٦٠٦/٢، ١٦٣٥).
(١١) ينظر: الوسيط (٢٤/٢)، والشرح الكبير (٤٥/٣)، ومنهاج الطالبين (ص٩).

٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الأفضَلُ، فَلَا يَمْشِي عَلَيهِ (١) هَذَا الجَوابُ(٢).
رَابِعُهَا: أنَّ مَعنَى قَولِهِ: ((فَلَم يُشكِنَا)): لَم يُحوِجنَا إِلَى شَكوى، بَل رَخَّصَ
لَنَا في الإبرَادِ: حَكَّاهُ القَاضِي(٣) أبُو الفَرَجِ المَالِكِيُّ: عن ثَعلَبِ، ويَرُدُّهُ: أَنَّ في
بَعضِ طُرُقِهِ: ((فَمَا أَشكَانَا)). وقال: ((إِذَا زَالَت (١٥٥/٢م) الشَّمسُ فَصَلُّوا)). رَوى
هَذِهِ الزِّيَادَةَ: أَبُو بَكرِ ابنُ المُنذِرِ (٤)، كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ القَطَّانِ(٥) .
خَامِسُهَا: أنَّ الإبرَادَ أفضَلُ، وحَدِيثُ خَبَّابٍ: فيهِ بَيَانُ جَوازِ الشَّعجِيلِ: دَلَّ
عَلَيهِ كَلَامُ ابنِ حَزمٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ استِحَبَابَ الإبرَادِ، ثُمَّ قال: وإنَّمَا لَم نَحمِل(٦) هَذَا
الأمرَ عَلَى الوُجُوبِ، لِحَدِيثِ (٧) خَبَّابُ.
لَكِن في هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ خَبَّابُ المَنعُ مِن التَّأْخِيرِ، أو أنَّهُ
مَرَجُوحٌ بِالنِّسِبَةِ إِلَى التَّقْدِيمِ، واللهُ تعالى أعلَمُ.
■ الرَّابِعَةُ: لَفِظُ الصَّلَاةِ عَامٌّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ المُفرَدَ المُعَرَّفَ بِالألِفِ واللَّام
لِلعُمُومِ(٨)، فَيَتَنَاولُ سَائِرَ الصَّلَواتِ، وَذَلِكَ يَقتَضِي: تَأْخِيرَ كُلِّ مِنهَا في شِدَّةٍ
(١) في (ك): ((على)).
(٢) قال في المجموع (٦٢/٣): هكذا حكاه جماعات من الخراسانيين والقاضى أبو الطيب
في تعليقه بهذا اللفظ، ومنهم أبو علي السنجي في ((شرح التلخيص)). وزعم أنه الأصح!
وليس كما قال، بل هذا الوجه غلط، منابذ للسنن المتظاهرة، فقد ثبت في الأحاديث
الصحيحة عن رسول الله وثر: أنه أمر بالإِبراد، وأنه فعله.
(٣) ليس في: (ح). وهو عمرو بن محمد الليثي البغدادي، ويقال: عمرو بن عمرو، فقيهٌ
مالكيٍّ أصوليٍّ لغوي، ولي قضاء طرسوس، أصله بالبصرة ونشأ ببغداد، له كتاب
الحاوي في مذهب مالك، واللمع في أصول الفقه، توفي سنة ثلاث وثلاث مائة.
الديباج لابن فرحون (ص٢١٥)، وطبقات الفقهاء لابن منظور (ص١٦٦)، ومعجم
المؤلفين (١٣/٨).
(٤) الأوسط (٣١٢/٣). وينظر: معجم الطبراني (٩١/٤)، وسنن البيهقي (٤٣٨/١).
(٥) الوهم والإيهام (٥٩٧/٥)، وصحح هذه الزيادة. وتعقبه الذهبي (في الرد عليه)
(ص٢٢)، فقال: هي زيادة منكرة، وينظر: نصب الراية (٢٤٥/١)، والتلخيص الحبير
(٦١٣/١).
(٦)
في (ك، ح): ((يحمل)).
(٧) في (ح): ((بحديث)).
(٨) ينظر: الإحكام للآمدي (٢١٩/٢)، والبحر المحيط (٢٢٨/٢)، وإرشاد الفحول (٢٩١/١).

٢٥
بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
=
الحَرِّ، وبِهِ قال الجُمهُورُ في الظُّهرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وقال بِهِ أَشهَبُ وحدَهُ في صَلَاةِ
العَصرِ، قال: تُؤَخَّرُ رُبعَ القَامَةِ (١)، وقال بِهِ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ في رِوايَةٍ عنهُ: في
صَلَاةِ العِشَاءِ، فَرَأى تَأْخِيرَهَا في الصَّيفِ وتَعجِيلَهَا في الشِّتَاءِ (٢)، وعَكَسَ
ابنُ حَبِيبٍ مِن المَالِكِيَّةِ: فَرَأى تَأخِيرَهَا في الشِّتَاءِ، لِطُولِ اللَّيلِ وتَعِيلَهَا في
الصَّيفِ لِقِصَرِهِ (٣).
وهُو أَظهَرُ في المَعنَى، ولَا نَعلَمُ أحَدًا قال بِالإبرَادِ في المَغرِبِ، وكَأنَّ ذَلِكَ
لِضِيقِ وقتِهَا، ولَا في الصُّبح، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ وقتَهَا أبرَدُ الأوقَاتِ مُطلَقًا، فَلَا
مَعنَی لِلإِبرَادِ بِهَا .
وجَوابُ الجُمهُورِ عن تَركِ القَولِ بِالإبرَادِ (٤) في العَصرِ والعِشَاءِ: أنَّ المُرَادَ
بِالصَّلَاةِ هُنَا: صَلَاةُ الْظُهرِ، كَمَا وَرَدَ بَيَانُهُ في بَعضِ (٥) ◌ُرُقِ الحَدِيثِ، فَقال:
((أبرِدُوا بِالظّهرِ)). رَواهُ البُخَارِيُّ؛ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ (٦)، وتَكُونُ الألِفُ واللَّامُ
في الصَّلَاةِ لِلعَهدِ، وأيضًا: فَإِنَّ أولَ وقتِ العَصرِ وأولَ وقتِ العِشَاءِ: لَا يَكُونُ
في الغَالِبِ أشَدَّ حَرًّا مِن آخِرِ وقتِ الظُهرِ، فَإِذَا فُعِلَت الُظُهرُ في آخِرِ وقتِهَا فَفِعلُ
العَصرِ في أولِ وقتِهَا، (٧ والعِشَاءِ في أولٍ وقتِهَا(٧)، وهُمَا أقَلُّ حَرًّا، أولَى بِذَلِكَ،
وأيضًا: فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، لَم يُنقَل عنهُ في خَبَرِ الإبْرَادُ، لَا (٨) بِالعَصرِ
ولَا بِالعِشَاءِ، بَل كَانَ يَأْتِي بِكُلِّ مِنْهُمَا في أولِ وقتِهَا، صَيفًا وشِتَاءً.
وأمَّا تَأْخِيرُهُ العِشَاءَ(٩) في بَعضِ الأوقَاتِ: فَهُو إمَّا لِاجتِمَاعِ النَّاسِ، كَمَا
ورَدَ بَيَانُهُ، أو لِمَا في تَأْخِيرِهَا مِن الفَضلِ، ولَيسَ ذَلِكَ (١٠) لِأجلِ [٩٥/١ظ]
(١) ينظر: الشرح الكبير للدردير (١٨٠/١)، شرح الخرشي لمختصر خليل (٢١٥/١).
(٢)
ينظر: الفروع (٤٣٥/١)، والكافي (١٨٣/١)، والعدة شرح العمدة (٥٩/١)، وشرح
الزركشي على الخرقي (١٥٤/١).
ينظر: المدونة الكبرى (١٥٦/١)، والاستذكار (٧٩/١)، والتمهيد (٥٠١/٤).
(٣)
ليس في: (ك).
(٤)
(٥) ليس في: (ح).
البخاري (٥٣٨).
(٦)
(٧ - ٧) ليست في: (ك).
ليست في: (ك).
(٨)
(١٠) في (ح): ((كذلك)).
(٩) ليست في: (ك).

٢٦
طرح التثريب في شَرّحِ التَّقْرِيبِ
الإِبْرَادِ، ولَا فَرِقَ فِيهِ بَيْنَ الصَّيفِ والشِّتَاءِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلَى استِحِبَابِ الإبرَادِ بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، لِدُخُولِهَا
في مُسَمَّى الصَّلَاةِ، وأيضًا: فَإِنَّهَا في وقتِ الظُهرِ وقَائِمَةٌ مَقَامَهَا. والعِلَّةُ المُقْتَضِيَةُ
لِلإِبَادِ (١٥٦/٢م) بِالظُّهرِ، وهِيَ شِدَّةُ الحَرِّ: مَوجُودَةٌ في وقتِهَا .
وأيضًا: فَقَد رَوى البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِهِ)): عن أبِي خَلدَةَ، وهُو خَالِدُ بنُ
دِينَارٍ، قال: سَمِعت أنَسَ بنَ مَالِكِ يَقُولُ: ((كَانَ النَّبِيُّ وََّ إِذَا اشتَدَّ الحَرُّ أَبَرَدَ
بِالصَّلَاةِ(١)، وإِذَا اشتَدَّ البَردُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ))؛ يَعنِي: الجُمُعَةَ(٢)، وهَذَا أَحَدُ
الوجهَينِ لِأصحَابِنَا .
والوجهُ الثَّانِي، وهُو الأصَحُّ: أنَّهُ لَا يُبْرِدُ بِهَا(٣)، وبِهِ قال سُفْيَانُ الثَّورِيُّ،
ومَالِكٌ، وأحمَدُ (٤).
والجَوابُ عن قَولِهِ: (فَأَبِرِدُوا بِالصَّلَاةِ)): أنَّ المُرَادَ بِهَا الظّهرُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وعن وُجُودِ العِلَّةِ المُقتَضِيَةِ لِلإِبْرَادِ، وهِيَ شِدَّةُ الحَرّ: أنَّهُ لَيسَ النَّظَرُ(٥)
لِمُجَرَّدِ شِدَّةِ الحَرِّ، بَل لِوُجُودِ المَشَفَّةِ في شِدَّةِ الحَرِّ، والمَشَقَّةُ في الجُمُعَةِ لَيسَت
في التَّعجِيلِ، بَل في التَّأْخِيرِ، فَإِنَّ (٦) النَّسَ نُدِبُوا لِلتَّبَكِيرِ لَهَا، وإذَا حَضَرُوا كَانَت
رَاحَتُهُم في إيقَاعِ الصَّلَاةِ، لِيَنصَرِفَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُم (٧) إِلَى مَنزِلِهِ، فَيَستَرِيحَ مِن
شِدَّةِ الحَرِّ، لَا في التَّأخِيرِ؛ فَإِنَّهُم يَتَضَرَّرُونَ بِطُولِ الإِجْتِمَاعِ في شِدَّةِ الحَرِّ:
فَانعَگَسَ الحُكمُ.
وعن الحَدِيثِ الَّذِي أورَدْنَاهُ مِن ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٨): أنَّهُ لَيسَ مِن نَقلِ
(١) ليست في: (ك).
(٢) البخاري (٩٠٦).
(٣) ينظر: الشرح الكبير (٤٥/٣)، والمهذب (٥٣/١)، والروضة (١٨٤/١).
(٤) ينظر: الاستذكار (٣٦/١)، ومواهب الجليل (٤٢/٢)، والزركشي على الخرقي
(٢٤٦/١)، والشرح الكبير على المقنع (٤٣٣/١).
(٦) في (ح): ((لأن)).
(٥)
ليس في: (ح).
(٧)
ليست في: (ك، ح).
البخاري (٩٠٦)، وبوّب عليه: باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة. ينظر: شرح ابن رجب
(٨)
(٤٢٢/٥)، وشرح ابن بطال (٤٩٨/٢).

بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
٢٧
=
الصَّحَابِيِّ عن فِعلٍ (١) النَّبِيِّ وَّهِ، وإِنَّمَا هُو مِن فَهم الرَّاوِي، ولِهَذَا قال: يَعْنِي
الجُمُعَةَ. ولَو كَانَ مِن تَتِمَّةِ كَلَامٍ أَنَسٍ لَم يَحتَجِ لِقَولِهِ: يَعنِي، وإذَا لَم يَكُن في
المَسألَةِ نَصِّ، وجَبَ مُرَاعَاةُ المَعنَى ومُلَاحَظَتُهُ، والمَعنَى مُقْتَضٍ لِلتَّعجِيلِ، كَمَا
تَقَدَّمَ .
فَهَذَا هُو الجَارِي عَلَى قَواعِدِ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى، في كَونِهِ لَيسَت
العِلَّةُ عِندَهُ في الإبرَادِ شِدَّةَ الحَرِّ، بَل المَشَقَّةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، ولِهَذَا شُرِطَ(٢) في
الإبرَادِ(٣)، في شِدَّةِ الحَرِّ: كَونُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وكَونُ المُصَلِينَ يَقصِدُونَهَا مِن
بُعدٍ، ولَا يَجِدُونَ كِنَّا يَمِشُونَ تَحتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ(٤)، والله تعالى أعلمُ.
السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((فَأْبرِدُوا عن الصَّلَاةِ)). تحتمل(٥) ((عن)) (٦) هُنَا،
أوجهًا :
أحَدُهَا: أن تكُونَ (٧) بِمَعنَى البَاءِ، كَمَا أنَّ البَاءَ تَكُونُ بِمَعنَى عن، فَمِنِ الأولِ
(٢/ ١٥٧م)، فيمَا (٨) قِيلَ: قَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَّ ﴾﴾ [النجم: ٣]؛ أي:
بِالهَوى(٩). ومِن الثَّانِي: قَوله تَعَالَى ﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وتُسَمَّى
هَذِهِ: بَاءَ المُجَاوزَةِ (١٠).
ثَانِيهَا: أن تَكُونَ زَائِدَةً؛ أي: أبرِدُوا الصَّلَاةَ، يُقال: أبرَدَ الرَّجُلُ كَذَا: إذَا
فَعَلَّهُ فِي بَردِ النَّهَارِ، ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهُ(١١).
(١) لیس في: (ح).
(٢) في (ك، ح): ((اشترط)).
(٣) بعدها في (م): (أو)).
(٤) ينظر: الحاوي (٦٤/٢)، والشرح الكبير (٥١/٣)، والروضة (١٢٤/١).
(٥)
في (ح، م): ((يحتمل)).
(٦) ليس في: (ح).
(٧)
في (م): ((یکون)) .
(٨) في (ح): ((كما)).
(٩) قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن (٢٣٦/٢)، وينظر: تفسير الطبري
(٤٩٨/٢٢)، تفسير البغوي (٧/ ٤٠٠).
(١٠) قاله الزجاج في إعراب القرآن. وينظر: تفسير البغوي (٩١/٦)، تفسير ابن كثير (١١٩).
وينظر في باء المجاوزة: مغني اللبيب، (ص١٤١).
(١١) مشارق الأنوار (٨٣/١).

=
٢٨
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وفيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَن جَعَلَ ((عن)) تَأْتِي زَائِدَةً: قَيَّدَ ذَلِكَ، بِأن تُزَادَ لِلتَّعوِيضِ
مِن أُخرَى مَحذُوفَةٍ، ومَثَلُوهُ بِقَولِ الشَّاعِرِ:
أَتَجزَعُ إن نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُهَا فَهَلَّا الَّتِي عن بَينٍ جَنْبَيك تَدَفَعُ(١)
قال أبُو الفَتحِ(٢): أرَادَ تَدفَعُ عن الَّتِي بَيْنَ جَنَبَيك، فَحُذِفَت ((عن)) مِن أولٍ
المَوصُولِ، وزِيدَت بَعدَهُ.
ثَالِثُهَا: تَضمِينُ(٣) أبرِدُوا مَعنَى أَخِّرُوا، وحَذفُ مَفعُولِهِ، تَقدِيرُهُ: أخّرُوا
أنفُسَكُم عن الصَّلَاةِ، قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٤): مَعنَى قَولِهِ: ((أبرِدُوا)):
أُخِرُوا إِلَی زَمَانِ البَردِ.
ولَا يَنتَظِمُ ذَلِكَ مَعَ قَولِهِ: ((عن))(٥)، فَإِنَّ صُورَتَهُ: أَخِّرُوا عن الصَّلَاةِ، إلَّا
بِإِضمَارٍ (٦)، تَقدِيره: أخِرُوا أنفُسَكُم عن الصَّلَاةِ، وهُو قَرِيبٌ مِن قَولِ الخَطَّابِيِّ:
مَعنَى قَولِهِ: ((أبرِدُوا عن الصَّلَاةِ)): تَأْخِّرُوا عنهَا مُبَرِّدِينَ(٧)
قُلت: أي: دَاخِلِينَ في وقتِ البَردِ. انتَھَی.
(١) البيت من الطويل، ينسب إلى زيد بن رزين بن الملوح المحاربي، أخي بني بكر، وهو
شاعر فارس، ويروى: ((أتجزع)) مكان ((أتدفع)). ويروى الشطر الثاني: فهل أنت عما بين
جنبیك تدفع؟.
ومعنى البيت: أراك مضطربًا خائفًا، عندما يحل الموت ضيفًا على أحدهم، فهل تستطيع
منعه من أخذ روحك، عندما تحين ساعتك؟! والشاهد فيه قوله: ((التي عن بين جنبيك))
حيث جاءت عن زائدة، للتعويض عن المحذوف بعد الفعل، بتقدير: فهلا تدفع عن التي
بین جنبيك.
شرح شواهد المغني (٤٣٦/١)، وجواهر الأدب (ص٣٢٥)، ومغني اللبيب (١٩٨/١)،
وشرح الأشموني للألفية (٩٦/٢).
(٢) ينظر: المحتسب لأبي الفتح ابن جني (٢٨٠/١).
(٣) في (ك): ((تضمن)). ومعنى التضمين: أنهم قَدِ يُشرِبون لَفظًا مَعنَى لَفظ آخر، فيعطونه حُكمَه،
وهو باب قياسي عند كثير من النحاة، وفَائِدتُه: أَن تُؤدِّيٍ كَلِمَةٌ مُؤَدَّى كَلِمَتَين. ينظر: مغني
اللبيب (٦٨٧/١)، وهمع الهوامع (٣٣٩/٢)، وشرح الأشموني على الألفية (٥٤/٢).
(٤)
عارضة الأحوذي (٢٦٦/١).
(٥) لیس في: (ح).
(٦) بعده في (م): ((و)).
(٧) ينظر: شرح ابن رجب على البخاري (٦٥/٣)، والمغني (١٧٨/٢).

٢٩
بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
وهُو مِثْلُ كَلَامِ ابنِ العَرَبِيِّ، إلَّا إِنَّهُ ضَمَّنَ أبرِدُوا مَعنَى فِعلٍ قَاصِرٍ لَا يَحتَاجُ
إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ، وهُو تَأْخّرُوا.
السَّابِعَةُ: وقَولُهُ في الرُّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((أبرِدُوا عن الحَرِّ))؛ أي: أخِرُوا
الصَّلَاةَ عن الحَرِّ إلَى البَردِ. وقَولُهُ: ((في الصَّلَاةِ». يَحتَمِلُ: أنَّ تَقدِيرَهُ ذَلِكَ في
شَأَنِ الصَّلَاةِ، ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ المَفعُولُ المَحذُوفُ: فِعلكُم؛ أي: أخِّرُوا عن
الحَرِّ فِعلَكُم فِي الصَّلَاةِ.
ويُحْتَمَلُ [٩٦/١و] أن يَكُونَ فِي بِمَعنَى الْبَاءِ، كَمَا فِي قَولِهِ (١).
* بَصِيرُونَ فِي طَعنِ الأَبَاهِرِ والكُلَى﴾
الثَّامِنَةُ: فَيحُ جَهَنَّمَ وفَوحُهَا (٢): بِالْيَاءِ(٣) والواوٍ، مَعَ فَتَحِ الأولِ فيهِمَا،
وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ: سُطُوعُ حَرِّهَا وانتِشَارُهُ، يُقال: فَاحَتِ القِدرُ تَفيحُ وتَفُوحُ: إِذَا
غَلَت، وجَهَنَّمُ مِن أسمَاءِ النَّارِ، وهُو غَيرُ مَصرُوفٍ لِلعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ (٤).
واختُلِفَ في هَذِهِ اللَّفِظَةِ، هَل هِيَ عَرَبِيَّةٌ، سُمِّيَت بِذَلِكَ لِبُعدِ فَعرِهَا، ومِنْهُ
رَكِيَّةٌ جِهِنَّامُ؛ أي: بَعِيدَةُ القَعرِ، أو فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ، وقِيلَ: هِيَ تَعرِيبُ كِهِنَّامٍ
(٥)
بِالعِبرَانِيٌّ(٥).
(١) هذا عجز بيتٍ من الطويل، صدره:
وتركب يوم الرَّوع فيها فوارسٌ
وهو لزيد الخيل الطائي، قاله في جملة أبياتٍ، يرد فيها على كعب بن زهير، قال
الأحول: الأباهر والكلى: مقتلان، والأباهر: جمع أبهر والأبهر: عرق إذا قطع مات
صاحبه، والكلى: جمع كلوة. قال الجواليقي: أي: هم بصراء عالمون بمواضع الطعن.
ينظر: خزانة الأدب (٤٩٦/٩)، والمخصص لابن سيده (٢٣٩/٤)، وتاج العروس
(٢٦٣/٣٩)، ومغني اللبيب (ص٢٢٤)، وشرح الرضى على الكافية (٢٧٩/٤).
(٢) في الأصل: ((وفيحها)).
(٣) في (ك، ح): ((بالفاء)).
(٤) ينظر: شرح ابن رجب على البخاري (٦٥/٣)، والنووي على مسلم (١٩٨/١٤)، وفتح
الباري (١٦٩/١)، (١٧/٢).
(٥) ينظر: الزاهر لابن الأنباري (١١٩/٢)، وكشف المشكل (٢٢٢/١)، والنووي على
مسلم (١٢١/٢)، وتاج الزبيدي (١٢٦/٣٤).

٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
واختَلَفَ العُلَمَاءُ في قَولِهِ: ((فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيِحِ جَهَنَّمَ)). هَل هُو حَقِيقَةٌ،
أو مَجَازٌ، فَحَمَلَهُ الجُمهُورُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وقَالُوا: إنَّ وَهَجَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ،
ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي: (١٥٨/٢م) ((اشتَكَت النَّارُ إلَى رَبِّهَا رَ))(١).
وقِيلَ: إِنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ مَخرَجَ التَّشِيهِ؛ أي: كَأنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ في الحَرِّ، فَاجْتَنِبُوا
ضَرَره. قال القَاضِي عِيَاضٌ: وكِلَا الوجهَينِ ظَاهِرٌ، وحَملُهُ عَلَى الحَقِيقَةِ أولَى(٢).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: القَولُ الأولُ يَعضُدُهُ عُمُومُ الخِطَابِ وَظَاهِرُ الكِتَابِ،
وهُو أولَى بِالصَّوابِ(٣)، انتَهَى.
وعَلَى تَقدِيرٍ حَمْلِهِ عَلَى الحَقِيقَةِ: فَفيهِ أنَّ النَّارَ مَخلُوقَةُ الآنَ مَوجُودَةٌ، وهَذَا
إجمَاعٌ مِمَّن يُعتَدُّ بِهِ، إلَّا أنَّ المُعتَزِلَةَ قَالُوا: إنَّهَا إِنَّمَا تُخلَقُ يَومَ القِيَامَةِ! والأدِلَّةُ
السَّمْعِيَّةُ مُتَوافِرَةٌ (٤) عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ(٥).
■ التَّاسِعَةُ: هَذَا المُؤَذِّنُ المُبهَمُ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: هُو بِلَالٌ، كَمَا وَرَدَ
التَّصرِيحُ بِهِ: في رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ في ((جَامِعِهِ))، وأبِي عَوانَةً في ((صَحِيحِهِ))(٦).
■ العَاشِرَةُ: الفَيءُ: بِفَتحِ الفَاءِ، مَهمُوزٌ: الظُّلُّ الَّذِي يَكُونُ بِعد الزَّوالِ،
سُمِّيَ بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِ مِن جِهَةِ المَشرِقِ إِلَى المَغرِبِ، وأصلُ الفَيءِ الرُّجُوعُ،
و((الثُّلُولُ)) بِضَمِّ التَّاءِ المُثَنَّةِ مِن فَوقُ، جَمِعُ (تَلِّ)) بِفَتِهَا، وهِيَ الرَّوابِي المُرتَفِعَةُ،
وقال ابنُ بَظَّالٍ: كُلُّ شَيءٍ بَارِزٌ عَلَى وجهِ الأرضِ مِن حَجَرٍ، أو نَبَاتٍ (٧)، أو
غَيرِهِ(٨)، انتَهَى.
وهُو خِلَافُ المَعْرُوفِ.
(١) البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧ /١٨٥).
(٢) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم (٣٢٥/٢).
(٤) في (ح): ((متواترة)).
(٣) الاستذكار (١/ ٨١).
ينظر: الفِصَل لابن حزم (٦٨/٤)، بيان تلبيس الجهمية (٤٥٨/٢).
(٥)
(٦) سنن الترمذي (١٥٨)، ومسند أبي عوانة (١٠١٩).
(٧)
في (ك): ((تراب)).
شرح صحيح البخاري (١٥٩/٢).
(٨)

22
بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
٣١
=
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: ظَاهِرُ قَولِهِ في حَدِيثِ أبِي ذَرِّ عِندَ الشَّيخَينِ(١): أَذَّنَ
مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقال النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أبرِه)): أنَّ الأمرَ بِالإبرَادِ رَاجِعٌ إلَى
الصَّلَاةِ فَقَط؛ لِأَنَّ الأَذَانَ قَد وقَعَ وانقَضَى، وفي رِوايَتَينِ أُخرَتَينٍ (٢) لِلْبُخَارِيِّ:
((فَأْرَادَ المُؤَذِّنُ أن يُؤَذِّنَ الظُّهرَ (٣)). فَقال: ((أبرِه)). وذَلِكَ يَقتَضِي: أنَّ الأمرَ
بِالإِبْرَادِ رَاجِعٌ إِلَى الأَذَانِ أيضًا، وأنَّهُ مَنَعَهُ مِن الأذَانِ فِي ذَلِكَ الوقتِ.
وقال البَيهَقِيُّ(٤) بَعدَ ذِكرِ الرِّوايَةِ الأُولَى: وفي هَذَا كَالدَّلَالَةٍ عَلَى أَنَّ الأمرَ
بِالإِبْرَادِ كَانَ بَعدَ التَّأَذِينِ، وأنَّ الأذَانَ كَانَ في أولِ الوقتِ.
وقال شَيخُنَا الإمَامُ جَمَالُ الدِّينِ (٥عَبدُ الرَّحِيمِ) الإسنَوِيُّ في ((المُهِمَّاتِ)):
كَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُفهِمُ: أنَّهُ لَا يُستَحَبُّ الإبرَادُ بِالأَذَانِ، وقَد نَقَلَّهُ ابنُ الرِّفْعَةِ (١٥٩/٢م)
في ((المَطَلَبِ))(٦)، عن بَعضِهِم.
قُلت: ويَنْبَغِي بِنَاءُ هَذَا عَلَى أَنَّ (٧) الأذَانَ مَشرُوعٌ لِلوقتِ، أو لِلصَّلَاةِ، فَإِن
قُلْنَا لِلوقتِ: أَذَّنَ، وإن قُلْنَا لِلصَّلَاةِ: فَلَا، وقَد بَنَى أصحَابُنَا عَلَى هَذَا الخِلَافَ في
الأذَانِ لِلفَائِتَةِ، فَالجَدِيدُ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ: أنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا، والقَدِيمُ، وَرَجَّحَهُ
النَّووِيُّ: أَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا .
ونَصُّ ((الإملَاء))(٨):
(١) البخاري (٥٣٥)، ومسلم (١٨٤/٦١٦).
(٢) في (م): ((أخريين)). ينظر: البخاري (٥٣٩)، (٦٢٩).
(٣) في (ح): ((للظهر)).
(٤) السنن الكبرى (٤٣٨/١).
(٥ - ٥) لیس في: (ح).
(٦) هو كتاب: المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي، ولم يكمله. ينظر: المعجم
المفهرس لابن حجر (٤٠٦)، كشف الظنون (٤٩٩/٤)، الأعلام للزركلي (٢٢٢/١).
(٧)
ليس في: (ح).
(٨)
قال في كشف الظنون عن الإملاء (١٦١/١): هو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر
والقراطيس، فيتكلم العالِمُ بما فتح الله ثَلاَّ عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير
كتابًا، ويسمونه: ((الإملاء، والأمالي)). وكذلك كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل
العربية وغيرها في علومهم، فاندرست! لذهاب العلم والعلماء، وإلى الله المصير)).
وكان للشافعي محمد بن إدريس ◌ْذَلهُ: الإملاء الصغير، والأمالي الكبير، كتابان، الثاني =

AM
٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
إِن رَجَا(١) اجتِمَاعَ طَائِفَةٍ يُصَلُّونَ مَعَهُ أَّنَ، وإِلَّا فَلَا، قال أصحَابُنَا: الأَذَانُ في الجَدِيدِ :
حَقُّ الوقتِ(٢)، وفي القَدِيمِ: حَقُّ الفَرِيضَةِ(٣)، وفي ((الإملَاءِ»: حَقُّ الجَمَاعَةِ(٤).
ويُمكِنُ الجَمِعُ بَيْنَ الرِّوايَتَينِ: إمَّا بِحَمَلٍ قَولِهِ في الرِّوايَةِ الأُولَى: ((أَذَّنَ)).
عَلَى مَعنَى: أَرَادَ الأَذَانَ، كَمَا فَسَّرَتَهُ الرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، وإمَّا بِحَملِ الأَذَانِ في الرِّوايَةِ
الثَّانِيَةِ عَلَى الإِقَامَةِ. فَقَولُهُ: ((فَأْرَادَ أن يُؤَذِّنَ))؛ أي: يُقِيمَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ: قَولُهُ في
رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ: ((فَأرَادَ أن يُقِيمَ، فَقال: أبرِد)). وقال بَعدَ قَولِهِ: ((حَتَّى رَأينَا فَيَ
الثُّلُولِ)»: ((ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى».
وكَذَا حَكَى ابنُ الرِّفْعَةِ في ((المَطلَبٍ))، عن بَعضِهِم: أنَّهُ حَمَلَ تَأْخِيرَ الأَذَانِ
هُنَا عَلَى الإِقَامَةِ، لَكِن في رِوايَةِ أبِي عَوانَةً في ((صَحِيحِهِ)). بَعدَ قَولِهِ: ((حَتَّى رَأيْنَا
فَيَ الثُّلُولِ)): (ثُمَّ أمَرَهُ فَأَذَّنَ وأقَامَ)) [٩٦/١ظ]. وهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أنَّهُ لَم يَكُن أَذَّنَ،
أولًا، أو لَم يُعتَدَّ بِأذَانِهِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَولِهِ فِي رِوايَتِهِ: ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّ فِي
سَفَرٍ)). عَلَى مَشرُوعِيَّةِ الأذَانِ لِلمُسَافِرِ(٥)، وهُو مَذهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وسُفَانَ الثَّورِيِّ
والشَّافِعِيِّ وأحمَدَ وإسحَاقَ وأبِي ثَورٍ والجُمهُورِ، وهُو رِوايَةُ أَشهَبَ عن مَالِكٍ،
وقال في رِوايَةِ ابنِ القَاسِمِ: لَا أَذَانَ عَلَى مُسَافِرٍ، إِنَّمَا الأَذَانُ عَلَى مَن يجتَمعُ إِلَيهِ
لِتَأْذِينِهِ، وَرُوِيَ عن طَائِفَةٍ مِن التَّابِعِينَ: أنَّهُ يُقِيمُ المُسَافِرُ ولَا يُؤَذِّنُ: مِنْهُم مَكحُولٌ
والحَسَنُ البَصرِيُّ، والقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ وعُروةَ والثَّورِيِّ والنَّخَعِيِّ:
إن شَاءَ أَذَّنَ، وإن شَاءَ أَقَامَ(٦).
أكبر حجمًا من الأول، وقد يتوهم أنهما واحدٌ، وليس كذلك. وينظر: كشف الظنون
=
(١٦٤/١، ١٦٩)، أسماء الكتب: زاده (ص٥٧).
(١) في (ت): (رجى)). وفي (ك): ((رجي): مرسومة بالياء.
(٢)
في (ك): ((للوقت)).
(٣) في (ك): ((للفريضة)).
في (ك): ((للجماعة)). وينظر: الشرح الكبير (١٥١/٣، ١٥٢)، والوسيط (٤٧/٢)،
(٤)
(٥)
وروضة الطالبين (١٩٧/١)، ومنهاج الطالبين (٩/١).
البخاري (٦٢٩)، باب ((الآذان للمسافر إذا كانوا جماعة)).
(٦) ينظر: الاستذكار (٣٥٣/١).

بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
٣٣
وفي ((المُوطًّا)) عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ في السَّفَرِ إلَّا في
الصُّبحِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهَا ويُقِيمُ(١).
وقال عَطَاءٌ: إذَا كُنت في سَفَرٍ فَلَم تُؤَذِّن ولَم تُقِم: فَأَعِد الصَّلَاةَ(٢)، وقال
مُجَاهِدٌ: إذَا نَسِيَ الإِقَامَةَ في السَّفَرِ أَعَادَ(٣).
قال ابنُ بَطَّالٍ: والحُجَّةُ لَهُمَا: قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لِلرَّجُلَينِ: ((أَذِّنَا
وأقِيمًا)). قالا: وأمرُهُ عَلَى الوُجُوبِ، والعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِ قَولِ عَطَاءٍ ومُجَاهِدٍ؛
لِأَنَّ الإِيجَابَ (١٦٠/٢م) يَحتَاجُ(٤) إِلَى دَلِيلٍ لَّا مُنَازِعَ فيهِ، وجُمهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى
أنَّهُ غَيرُ واجِبٍ في الحَضَرِ، فَالسَّفَرُ الَّذِي قُصِرَت فيهِ الصَّلَاةُ عن هَيئَتِهَا، أولَى
بِذَلِكَ(٥)، انتَھَى.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((حَتَّى رَأيْنَا فَيَ التُّلُولِ)): يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ التَّأْخِيرِ
بِالإِبْرَادِ، إذ التُّلُولُ لَا يَظهَرُ ظِلُّهَا إلَّا بَعدَ تَمَكُّنِ الفَيءٍ وطُولِهِ بِخِلَافِ الأَشَاءِ
المُنْبَسِطَةِ، فَإِنَّ ◌ُظُهُورَ ظِلِّهَا سَرِيعٌ، وقَد ذَكَرَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ (٦): أنَّ الإبرَادَ بِالظُهرِ
يَكُونُ بِقَدرِ مَا يَبقَى(٧) لِلحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فيهِ السَّاعِي لِلجَمَاعَةِ، قَالُوا: ولَا يَنْبَغِي
أن يُؤَخِّرَ عن النِّصفِ الأولِ مِن الوقتِ، قال الشَّافِعِيُّ تَخْذُ في ((الأُمُ)): ولَا يَبلُغُ
بِتَأْخِيرِهَا آخِرَ وقتِهَا، فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا مَعًا، ولَكِن بِقَدرِ مَا يَعلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مُتَمَهِّلًا
فَيَنصَرِفُ مِنْهَا قَبلَ آخِرِ وقتِهَا، لِيَكُونَ بَيْنَ انصِرَافِهِ مِنْهَا وبَينَ آخِرٍ وقتِهَا فَصِلٌ (٨).
وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ(٩)، وقَدَّرَ المَالِكِيَّةُ(١٠): التَّأخِيرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى رُبعِ القَامَةِ إِلَى
نِصفِ الوقتِ.
(١) الموطأ (١/ ٧٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢١٨/١) (٢٢٨٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢١٨/١) (٢٢٨٧).
(٤)
ليس في: الأصل.
(٦)
ينظر: الشرح الكبير (٥١/٣)، وروضة الطالبين (١٨٤/١).
(٧)
في الأصل: (يلقي)).
(٨) في (ك): ((فضل)). وينظر: الأم (١/ ٧٣).
(٩) ينظر: الكافي لابن قدامة (١٨٣/١)، والزركشي على الخرقي (١٥١/١).
(١٠) ينظر: الاستذكار (٧٨/١)، والتمهيد (١٦٩/٣).
(٥) شرح صحيح البخاري (٢٥٧/٢).

5
٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
واختَلَفُوا، هَل يَنْتَهِي بِالإِبْرَادِ إلَى آخِرِ الوقتِ أم لا؟
فَمَنَعَهُ أشهَبُ، وأجَازَهُ ابنُ عَبدِ الحَكَمِ، ويَدُلُّ لَهُ قَولُهُ فِي رِوايَةِ البُخَارِيِّ:
((حَتَى سَاوى الظِّلُّ التُّلُولَ))(١). وذَكَرَ أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ: أنَّ هَذَا الحَدِيثَ حُجَّةٌ
لِأَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: إِنَّمَا أَخَرَ إلَى أن كَانَ لِلتُّلُولِ والجُدرَانِ فَيءٌ
يُسْتَظَلُّ بِهِ، وَذَلِكَ في وسَطِ الوقتِ(٢).
وفيهِ نَظَرٌّ؛ لِأَنَّ فَيَ التُّلُولِ لَا يُستَظَلُّ بِهِ إلَّا في آخِرٍ (٣) الوقتِ، وخَلطُه
الجُدرَانَ(٤) مَعَ هَذَا: لَا مَعنَى لَهُ، فَإِنَّهُم كَانُوا فِي السَّفَرِ، ولَا جُدرَانَ(٥) هُنَاكَ!
ورَوى ابنُ أبِي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ»؛ عن عُمَارَةَ، قال: ((كَانُوا يُصَلُّونَ الظُّهرَ،
والظُّلُّ قَامَةٌ)».
وعن الحَسَنِ البَصرِيُّ: ((إِذَا زَالَ الفَيُ عن طُولِ الشَّيءٍ فَذَاكَ حِينَ تُصَلَّى
الُهِرُ)).
وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، ومُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ: ((تُصَلَّى (٦) الظُهرُ إذَا كَانَ الظُّلُّ
ثَلَاثَةَ أُذرُعِ)).
وعن أبي مِجلَزِ: ((صَلَّيتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ الظُّهرَ: فَقِست ظِلِّي، فَوجَدته ثَلَاثَةَ
أذرُع)»(٧) .
(١) البخاري (٦٢٩).
(٢) عارضة الأحوذي (٢٦٩/١).
(٣)
في الأصل: ((أوآخر)).
في (ت)، الأصل: ((الجدرات)).
(٤)
(٥) في (ت)، الأصل، (ك): ((الجدرات)). والجَدر والجِدَار: الحائط، جمعه: جُدُر،
بضمتين، وجُدران وجُدرات: جمع الجمع.
(٦) في (ح): ((يصلي)).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٥/١، ٣٢٦) (٣٣٠٩، ٣٣١١ - ٣٣١٤) عن عمارة بن عمير،
والحسن، والنخعي، وابن سيرين، وأبي مِجلَّز لاحق بن حميد.

=
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلَاةِ
٣٥
الحَدِيثُ الثَّانِي
وعن سَعِيدٍ، عن أبِي هُرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَر (١٦١/٢م):
((اشْتَكَت النَّارُ إِلَى رَبِّهَا رَ، فَقالت: أكَلَ بَعضِي بَعضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفْسَينِ،
نَفَسٌ في الشِّتَاءِ، ونَفَسٌ في الصَّيفِ، فَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِن الحَرِّ مِن فَیحِ
جَهَنَّمَ)) (١). [١/ ٩٧و].
فیهٍ فَوائِدُ:
■ الأُولَى: استُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ قَولَهُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّم: ((فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ
مِن فَيَحِ جَهَّمَ)): عَلَى حَقِيقَتِهِ، وهُو قَولُ الجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ(٢)، لِكَونِهِ صَرَّحَ(٣) فيهِ
بِشَكوى (٤) النَّارِ إلَى رَبِّهَا، مِن أكلِ بَعضِهَا بَعضًا، وإذنِهِ لَهَا بِنَفسَينٍ، وأنَّ شِدَّةَ
الحَرِّ(٥) مِن ذَلِكَ النَّفَسِ، وهَذَا لَا يُمكِنُ مَعَهُ الحَمَلُ عَلَى المَجَازِ، ولَو حَمَلنَا
شَكوى النَّارِ عَلَى المَجَازِ؛ لِأَنَّ الإذنَ لَهَا في التَّنَفُسِ(٦)، ونَشأةِ شِدَّةِ الحَرِّ عنهُ:
لَا يُمكِنُ فِيهِ التَّجَوُّزُ، والله تعالى أعلَمُ(٧).
■ الثَّانِيَةُ: إن قُلتَ: قَولُهُ فِي هَذَا (٨) الحَدِيثِ: ((أشَدُّ مَا يَكُونُ مِن الحَرِّ
مِن فَيِحِ جَهَنَّمَ)): أخَصُّ مِن قَولِهِ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّم (٩): ((فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيِحِ
جَهَنَّمَ))؛ لِأنَّ شِدَّةَ الحَرِّ بَعضُهَا أشَدُّ مِن بَعضٍ، فَمُقْتَضَى هَذَا الحَدِيثِ: أنَّهُ لَاَ
يَكُونُ مِن فَيَحِ جَهَنَّمَ إلَّا مَا هُو أشَدُّ.
قُلتُ: لَا يُرَادُ بِأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِن الحَرِّ: التَّحقِيقُ؛ لأنَّهُ (١٠) لَا يَصدُقُ ذَلِكَ
(١) البخاري (٥٣٧).
(٢) ونسبه ابن رجب إلى المحققين، واستظهره القاضي عياض، وصوّبه النووي. ينظر: شرح
ابن رجب على البخاري (٧٠/٣)، والنووي على مسلم (١٢٠/٥).
في ت: ((صح)). وفي (ك): ((صريح)). (٤) في (ك): ((شكوى)).
(٣)
بعدها في (ك): ((من الحر)).
(٥)
(٦) في (ك): ((النفسين)).
قال بحمله على المجاز جماعةٌ. ينظر: التمهيد (١١٦/١٩)، والاستذكار (١٠٠/١).
(٧)
(٨) ليس في: (ك).
(١٠) في (م): ((فإنه)) .
(٩) في الأصل: ((المقدَّم)).

٣٦
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
إلَّا عَلَى شَيءٍ يَسِيرٍ، لَا يُوجَدُ إلَّا في بَعضِ أيَّامِ السَّنَةِ، وفي بَعضِ البِلَادِ، فَلَا
يُؤمَرُ حِينَئِذٍ بِالإِبْرَادِ بِصَلَاةٍ(١) الظّهرِ، إلَّا فِي تِلكَ الحَالَةِ، ولَا قَائِلَ بِهِ، وإِنَّمَا يُرَادُ
بِذَلِكَ الثَّقرِيبُ، فَمَا قَارَبَ مَا هُو أَشَدُّ جُعِلَ مِن الأشَدِّ، أو يُرَادُ الأشَدُّ الَّذِي
يَكُونُ غَالِبًا دُونَ الأَشَدِّ الَّذِي لَا يُوجَدُ إلَّ نَادِرًا، فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ فِي هَذَا المَوضِعِ
شِدَّةُ الحَرِّ وأشَدُّ الحَرِّ.
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذكَار)): عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، أَنَّهُ قال: ((فَمَا
كَانَ مِن بَردٍ يُهلِكُ شَيْئًا: فَهُو مِن زَمْهَرِيرِهَا، ومَا كَانَ مِن سَمُومٍ يُهلِكُ شَيئًا: فَهُو
مِن حَرِّهَا)).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: والشِّدَّةُ(٢)؛ أي: المَذْكُورَةُ(٣) في الحَدِيثِ مَعنَى قَولِ
الحَسَنِ (٤)، انتَهَى.
فَبَيَّنَ(٥) هَذَا الكَلَامُ: أنَّ ضَابِطَ شِدَّةِ البَردِ والحَرِّ مَا يُهلِكُ شَيئًا، والله تعالى
أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: كَونُ شِدَّةِ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ، هَل اقتَضَى (١٦٢/٢م) تَأْخِيرَ
الصَّلَاةِ، لِمَا في إيقَاعِهَا في تِلكَ (٦) الحَالَةِ مِن المَشَقَّةِ، أو أنَّ الحَالَةَ الَّتِي يَنتَشِرُ
فِيهَا أَثَرُ العَذَابِ(٧) لَا يَنْبَغِي التَّعَبُّدُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا؟
يَنبَغِي أَن يَكُونَ الأولُ: قَولَ مَن يَرَى أَنَّ الإبرَادَ رُخصَةٌ، فَلَو تَكَلَّفَ المَشَقَّةَ
وصَلَّى في أولِ الوقتِ: لَكَانَ أفضَلَ، وأن يَكُونَ الثَّانِي: قَولَ مَن يَرَى أنَّهُ
الأفضَلُ، وقَد يَكُونُ القَائِلُ بِأَنَّهُ الأفضَلُ يَعتَبِرُ المَعنَى الأولَ أيضًا، ويَقُولُ تِلكَ
المَشَقَّةُ تَقْتَضِي مَرجُوحِيَّةَ الصَّلَاةِ في تِلكَ الحَالَةِ، لِمَا يَحصُلُ مِن الاضطِرَابِ
السَّالِبِ لِلخُشُوعِ.
(١) في (ح): ((أصلًا)).
(٢) في (ك): ((وأشد)).
(٣)
في (ك): ((المذکور)).
(٤)
الاستذكار (٨١/١)، والتمهيد (٨/٥)، وينظر: شرح ابن رجب (٧١/١).
(٥)
في (ك): ((فتبين)).
بعدها في (ح): ((التي)).
(٧)
(٦) ليس في: (ك).

بَابٌ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
٣٧
=
وقَد يُستَشكَلُ(١) كَونُ الحَالَةِ الَّتِي يَنتَشِرُ فيهَا أَثَرُ العَذَابِ لَا يَنبَغِي الصَّلَاةُ
فيها، ويُقال: الصَّلَاةُ سَبَبُ للرَّحمَةِ(٢)، فَيَنبَغِي فِعلُهَا لِطَردِ العَذَابِ، ولَكِنَّ التَّعلِيلَ
إِذَا جَاءَ مِن الشَّارِعِ: يَجِبُ تَلَقِّيه بِالقَبُولِ، وإِن لَم يُفهَم (٣) مَعنَاهُ، لَكِنَّا (٤) نُرَجِّحُ
بِهَذَا الإشكَالِ: المَعنَى الأولَ، وهُو أنَّ تَركَ الصَّلَاةِ في تِلكَ الحَالَةِ، إنَّمَا هُو لِمَا
فيهَا مِن المَشَقَّةِ، ويَتَرَجَّحُ مَعَ ذَلِكَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِسَلبِ الخُشُوعِ.
■ الرَّابِعَةُ: حَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ وَغَيرُهُ خِلَافًا، في قَولِهِ: ((اشتَكَتِ النَّارُ إلَى
رَبِّهَا)). فَقال جَمَاعَةٌ هُو عَلَى الحَقِيقَةِ، وأَنَّهَا تَنطِقُ يُنطِقُهَا الَّذِي يُنطِقُ الجُلُودَ
ويُنِطِقُ كُلَّ شَيءٍ، وَلَهَا لِسَانٌ كَمَا شَاءَ اللهُ تعالى، واستَشهَدُوا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ
نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َزِيدٍ
)﴾ [ق: ٣٠]، وبِقَولِهِ تعالى: ﴿سَمِعُواْ لَمَا
تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، وهَذَا في القُرآنِ والسُّنَّةِ كَثِيرٌ.
وقال آَخَرُونَ: هُو عَلَى المَجَازِ؛ كَقَولِهِ(٥):
*شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى*
في أمثِلَةٍ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ولِكِلَا القَولَينِ وجهٌ (٦)، ورَجَّحَ
(٢) في الأصل، (م): ((الرحمة).
في (م): ((استشكل)).
(١)
(٣) في الأصل، (ت): ((نفهم)).
(٤) قال في حاشية (ح): ((هذا الترجيح لا بأس به، وهو في نفسي صحيح، لكن يمكن أن
يقال: العلة في ترك الصلاة في ذلك: الوقت؛ لأنه يشبه فعل المجوس عباد النار، وهذا
أحسن في وجه العلة، لما يرد على ما قاله الشارح من كراهة النافلة في وقت الاستواء،
فإنها ليست للمشقة، بل لكون النار تسجر في ذلك الوقت، فيكون وجه العلة هنا وفي
الإبراد بالفريضة ما ذكرته: وهو التشبه بالمجوس)).
(٥) هذا صدر بيت من الرجز، عجزه:
صبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى
وهو منسوب للملبد بن حرملة، من بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وقيل لغيره،
والشاهد فيه: أنه لم يرد حقيقة الشكوى من جمله بلسان المقال، إنما أراد أنه صار إلى
حالٍ يشتكي من مثلها، فكأنه بلسان حاله شكا له، لا سيما والجَمَل لا ينطق، أراد:
التجوز ومقابلة الكلام بمثله. ينظر: الكتاب (٣٢١/١)، وشرح أبيات سيبويه (٣١٧/١)،
وأمالي المرتضى (١٠٧/١)، وتاج العروس (٣٩٢/٣٨).
(٦) الاستذكار (٨٠/١).

5
٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
[٩٧/١ظ] جَمَاعَةٌ الأولَ، فَقال القَاضِي عِيَاضٌ: إنَّهُ الأظهَرُ، وقال القُرطُبِيُّ: إنَّهُ
الأولَى، وقال النَّوِيُّ: إنَّهُ الصَّوابُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الحَدِيثِ، ولَا مَانِعَ مِن حَملِهِ
عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَوجَبَ الحُكمُ بِأَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ (١).
■ الخَامِسَةُ: وفيهِ: أنَّ النَّارَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ، وهُو أمرٌ قَطعِيٍّ
لِلتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ، وبِهِ قال أهلُ السُّنَّةِ، خِلَافًا لِمَن قال مِن المُعتَزِلَةِ: إنَّهَا إِنَّمَا
تُخلَقُ يَومَ القِيَامَةِ(٢).
السَّادِسَةُ: النَّفَسُ: بِفَتح الفَاءِ، أصلُهُ لِلإِنسَانِ وذَواتِ الرُّوحِ، وهُو
خَارِجٌ مِن الجَوفِ، ودَاخِلٌ إلَيهِ مِن الهَواءِ، فَشَبَّهَ الخَارِجَ مِن حَرَارَةٍ جَهَنَّمَ وبَردِهَا
إِلَى الدُّنيًا: بِالنَّفَسِ الَّذِي يَخرُجُ مِن جَوفِ الإنسَانِ، وقال القُرطُبِيُّ (٣) في ((شَرحِ
مُسلِم): النَّفَسُ التَّنَفْسُ (٤). وفيهِ نَظَرُ (٥)؛ لِنَّ النَّفَسَ اسمٌ، والتََّفُسَ مَصدَرٌ.
السَّابِعَةُ: زَادَ في رِوايَةِ الْبُخَارِيِّ ومُسلِمٍ: (١٦٣/٢م) ((وأشَدُّ مَا تجدون(٦)
مِن الزَّمَهَرِيرِ)) (٧)، وفي رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ: ((فَمَا وجَدتُمْ مِن بَردٍ، أو زَمَهَرِيرٍ: فَمِن نَفَسٍ
جَهَنَّمَ))(٨).
فَإِن قُلتَ: فَلِمَ لَا أُخّرتِ الصَّلَاةُ(٩) في وقتِ شِدَّةِ البَردِ (١٠)، كَمَا أُخِّرَتْ فِي
وقتِ شِدَّةِ الحَرِّ؟
قُلتُ: شِدَّةُ البَردِ تَكُونُ غَالِبًا (١١) وقتَ الصُّبح، ولَا تَزُولُ(١٢) إِلَّا بِطُلُوعٍ
(١) إكمال المُعلم (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣)، والمفهم (٢٤٤/٢-٢٤٥)، والنووي على مسلم (١٢٠/٥).
(٢) ينظر: التمهيد (٨/٥)، والاستذكار (١٠٣/١)، والنووي على مسلم (٢٠٧/٦).
(٣)
في الأصل: ((الدارقطني)) .!
المفهم (٢٤٤/٢). وهذا هو قول الخليل في معجم ((العين)) (٢٧١/٧)، وابن عبّاد
(٤)
الصاحب الوزير في ((المحيط)) (٣٤١/٨).
(٥) قال في حاشية (ح): ((هو كذلك، إلا أن مراد القرطبي: أن النَفَس في الحديث مراد به
التنفس، فقوله: ((فأذن لها بنَفَسين))؛ أي: بتنفسين، إذ الحكم إنما يتعلق بالأفعال)).
(٦)
في (م): ((يجدون)).
(٨) مسلم (١٨٧/٦١٧).
(١٠) ليس في: (ك).
(١٢) في الأصل: ((يزول)). وفي (ك): ((تزال)).
(٧) البخاري (٥٧٣)، ومسلم (١٨٥/٦١٧).
(٩) ليس في: (ك).
(١١) بعدها في (ك): ((في)).

٣٩
=
بَابُ مَواقِيتِ الصَّلاَةِ
الشَّمسِ وارتِفَاعِ النَّهَارِ، فَلَو أُخِّرَت الصَّلَاةُ لِشِدَّةِ البَردِ: لَخَرَجَت عن وقتِهَا، ولَا
سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ.
الحديثُ الثَّالِثُ
وعن أنَسِ، أنَّهُ قال: «كُنَّا نُصَلِّ العَصرَ، ثُمَّ يَذهَبُ الذَّاهِبُ إلَی
قُبَاءَ فَيَأْتِيهِم، والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ)).
فیهِ فَوائِدُ:
■ الأُولَى: كَذَا في الصَّحِيحَينِ وغَيرِهِمَا (١)، مِن طَرِيقِ مَالِكٍ عن الزُّهرِيِّ
عن أنَسٍ، ورَوى البُخَارِيُّ مِن طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبِي حَمزَةً وصَالِحِ بنِ کَیسَانَ،
ومُسلِمٍ مِن طَرِيقِ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ وعَمٍو بنِ الحَارِثِ، أربَعَتُهُم عن الزُّهرِيِّ عن
أَنَسِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ كَانَ يُصَلِّي العَصرَ والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ
إِلَى العَوالِي فَيَأْتِيهِم، والشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ))(٢).
وذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ في ((العِلَلِ)): أنَّ الصَّحِيحَ هَذِهِ الرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ(٣)، وقال
ابنُ عَبدِ البَرِّ: لَم يُخْتَلَف عن مَالِكِ أنَّهُ قال فيهِ: ((إِلَى قُبَاءَ)). ولَم يُتَابِعُهُ عَلَى ذَلِكَ
أحَدٌ مِن أصحَابِ ابنِ شِهَابٍ، وسَائِرُ أصحَابِ ابنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ فيهِ: ((ثُمَّ يَذهَبُ
الذَّاهِبُ إِلَى العَوالِي)). وهُو الصَّوابُ عِندَ أهلِ الحَدِيثِ، والمَعنَى فِي ذَلِكَ
مُتَقَارِبٌ(٤).
البخاري (٥٥١)، ومسلم (٦٢١/ ١٩٣).
(١)
البخاري (٥٥٠، ٧٣٢٩)، ومسلم (٦٢١/ ١٩٢).
(٢)
(٣) العلل للدار قطني (١٦٩/١٢، ١٧٠).
في (ك): ((متفاوت)). والمثبت موافقٌ لما في الاستذكار (٣٥/١)، والتمهيد (١٧٨/٦).
(٤)
وقال: ((المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة، وأقربها
إلى المدينة: ما كان على ميلين، أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال
وعشرة ... ، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة)).

٤٠
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال القَاضِي عِيَاضٌ: قَولُهُ في حَدِيثِ مَالِكٍ: ((ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى
قُبَاءَ)). كَذَا قال (١) رَواة(٢) ((المُوطَّأ) عنهُ(٣)، قال الدَّارَقُطِنِيُّ(٤): هَذَا مِمَّا انتُقِدَ عَلَى
مَالِكٍ، ولَم يُتَابَعِ عَلَيهِ؛ لِأنَّهُ أوقَفه(٥)، وقال: ((إِلَى قُبَاءَ)). وخَالَفَهُ فيهِ عَدَدْ كَثِيرٌ
فَقَالُوا: ((العَوالِي)). قال غَيرُهُ: مَالِكٌ أعلَمُ بِبَلَدِهِ وأمكِنَتِهَا مِن غَيرِهِ، وهُو أثبَتُ في
ابنِ شِهَابٍ مِمَّن سِواهُ.
وقَد رَواهُ بَعضُهُم (١٦٤/٢م) عن مَالِكِ: ((إِلَى العَوالِي)). كَمَا قالت الجَمَاعَةُ،
ورَواهُ ابنُ أبي ذِئبٍ عن الزُّهرِيِّ، فَقال: ((إِلَى قُبَاء)). كَمَا قال مَالِكٌ(٦). انتَهَى.
وبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ في ((العِلَلِ)): أنَّهُ اختُلِفَ عَلَى ابنِ أبِي ذِئبٍ في ذَلِكَ،
وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ عن البَزَّارِ (٧)، أنَّهُ قال: الصَّوابُ مَا اجتَمَعَت عَلَيهِ الجَمَاعَةُ (٨)،
وهُو مِمَّا يُعَدُّ عَلَى مَالِكِ أنَّهُ وهَمَ [فيهِ.
قال ابنُ بَطَّالٍ(٩): وقَد رَوى خَالِدُ بنُ مَخلَدٍ، عن مَالِكٍ: ((إِلَى العَوالِي)).
كَمَا رَواهُ أصحَابُ ابنِ شِهَابٍ: ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَلَم يَهِم](١٠) فيهِ مَالِكٌ، انتَهَى.
والَّذِي وقَفت عَلَيهِ في ((عِلَلِ الدَّارَقُطْنِيّ)) (١١): ورَواهُ خَالِدُ بنُ مَخلَدٍ
وعَبدُ اللهِ بنُ نَافِعٍ، عن مَالِكِ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ مَرفُوعًا أيضًا. انتَهَى.
فَلَمْ يَحْكِ عن خَالِدِ بنِ مَخلَدٍ: أنَّهُ رَوى عن مَالِكِ: ((إلَى العَوالِي)).
وإِنَّمَا خَالَفَ الأكثَرِينَ في تَصرِيحِهِ بِالرَّفعِ، والله تعالى أعلمُ.
(٢) في الأصل، (ك، م): ((رواه)).
(١) ليس في: الأصل، (م).
(٣) الموطأ: رواية يحيى الليثي (١١)، ورواية محمد بن الحسن (٣).
(٤) ينظر: علل الدارقطني (١٧٠/١٢)، والإلزامات والتتبع ص (٣٠٠)، والأحاديث التي
خولف فيها مالك للدارقطني (١٦).
(٥) يعني: أن مالكًا قال في روايته للحديث: ((كنا نصلي العصر ... )). ولم يقل: ((أن
رسول الله كان يصلي العصر ... )).
(٦) إكمال المعلم (٥٨٦/٢).
(٧) ينظر: مسند البزار (٥/١٣).
(٨) ينظر: العلل للدارقطني (١٦٩/١٢، ١٧٠).
(٩) شرح البخاري (١٧٤/٢).
(١٠) ليس في: الأصل.
(١١) ينظر: العلل للدار قطني (١٦٩/١٢، ١٧٠).