Indexed OCR Text

Pages 501-520

=
كم
٣٩٥
بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
غيرَ طاهرٍ، فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمَرَ بالسِّواكِ لكلِّ(١) صلاةٍ)). وفي إسنادِه محمدُ بنُ
إسحاقَ، وقد رواه بالعنعنةِ، وهو مُدلِّسٌ. وحُجَّةُ مَن لم يَجعلْه واجبًا عليه: ما
رواه ابنُ ماجَه في ((سُننه))(٢) من حديث أبي أمامةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((ما
جاءنِي جبريلُ إلَّا أوصانِي بالسِّواكِ، حتى لقد خشيتُ(٣) أن يُفرضَ عليَّ وعلى
أُمَّتِي))، الحديثَ. وإسنادُه ضعيفٌ.
وروَى أحمدُ في ((مسندِه))(٤) من حديثٍ واثلةَ بنِ الأسقعِ قال: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أُمرتُ بالسِّواكِ حتى خشيتُ(٥) أن يُكتبَ عليّ)). وإسنادُه حسنٌ،
والخصائصُ لا تثبتُ إلَّا بدليلٍ صحيحٍ(٦). واللهُ أعلمُ.
الثامنةَ عشرَ: قال ابنُ عبدِ البرِّ(٧): فيه دليلٌ على فضلِ التيسيرِ في
أُمورِ الدِّيانةِ، وأنَّ ما يَشقُّ منها مكرُوهٌ؛ قال اللهُ تعالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُشْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ألا ترَى أَنَّ رسولَ اللهِ وَله، ما خُيِّرَ بِينَ
أمرينٍ [٦٨/١و] إلَّا أخذَ أيسرَهما، ما لم يكنْ إثمًا(٨).
■ التاسعة عشرَ: إن قيلَ: قد روى أبو داود والنسائيُّ(٩) بإسنادِ الصحيح(١٠)
في هذا الحديثِ: ((لولا أن أشقَّ على أُمَّتِي، لأمرتُهم بتأخيرِ العشاءِ، وبالسِّواكِ عندَ كلِّ
صلاةٍ)). وفي روايةٍ للبيهقيّ (١١): ((ولأخَّرَتُ العشاءَ إلى نصفِ اللَّيلِ)). وفي روايةٍ له:
((إلى ثُلثِ اللَّيلِ، (١٢ أو نصفِه١٢)))، فلِمَ ذهبتم إلى تأُّدِ السِّواكِ عندَ الصلاةِ(١٣)، ولم
تَذهبوا إلى استحبابٍ تأخيرِ العشاءِ؟. بل قُلتم: تقديمُها أفضلُ على الأظهرِ، كما قالَه
الرافعيُّ، والنَّرويُّ(١٤)، مع أنَّ كُلَّا منهما علَّلَ فيه تركَ الأمرِ بالمشقَّةِ؟!
(١)
في (ك): ((عند كل)).
في (ك): ((حسبت)).
(٣)
في (ك): ((حسبت)).
(٥)
التمهيد (١٩٩/٧).
(٧)
(٩) أبو داود (٤٦)، النسائي (٥٣٣).
(١١) السنن الكبرى (٣٦/١).
(١٣) في (ح): ((كل صلاة)).
(١٤) الشرح الكبير (٥٤/٣)، والمجموع (٦٠/٣).
(٢) ابن ماجه (٢٨٩).
(٤) أحمد (٤٩٠/٣).
(٦) ينظر: الإحكام لابن حزم (٤٦٩/١).
(٨) البخاري (٣٣٦٧)، مسلم (٢٣٢٧).
(١٠) في (ك): ((صحيح)).
(١٢ - ١٢) ليس في: (ح).

٣٩٦ ٪
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والجوابُ عنه من وجھینِ :
أحدُهما: أنَّ النبيَّ وَِّ واظبَ على السِّواكِ، فأجمَعوا لذلكَ على استحبابِهِ،
ولم يُواظبْ على تأخيرِ العشاءِ، بل كان الغالبُ عليه تقديمُها، وأخَّرها مرَّةً قبلَ
أن يَفشوَ الإسلامُ، وكان يُؤخِّرُها أحيانًا دُونَ ذلك، فكان(١) (٧١/٢م) الأفضلُ
تقديمَها؛ لغلبةِ ذلك من فعلِه.
والوجهُ الثانِي: أنَّ الأمرَ الذي تركَه لخشيةِ المشقَّةِ ليس مُستويًا في
الصُّورتينِ، بل الأمرُ الذي يَتعلَّقُ بالسِّواكِ أمرُ إيجابٍ وفرضٍ، كما نصَّ عليه في
قولِه(٢): ((لفرضْتُ عليهم (٣) السِّوالَك))، كما تقدَّمَ، فإنَّما ترَكَ الأمرَ الدَّالَّ على
الفرضِ، وأتَى به، وأمرَ به، إن ثبَتَ الأمرُ به، على سبيلِ الندبِ؛ وأمَّا الأمرُ
الذي يَتعلَّقُ بتأخيرِ العشاءِ: فإنَّه أمرُ ندبٍ قطعًا؛ لما ثبَتَ، وأجمعوا عليه من(٤)
جوازٍ فعلِها من أوَّلِ دُخولِ وقتِها، فلو أمرَهم بتأخيرِها(٥) إنَّما كان يَأمُرُهم على
وجه(٦) الندبِ، ولم يَأمرُهم بذلك الأمرِ الذي لو وقعَ(٧) لكان ندبًا، ولم يُواظبْ
عليه، بل كان الغالبُ من فعلِه تقديمَها، فكان تقديمُها أفضلَ. واللهُ أعلمُ.
■ الفائدةُ العشرونَ: قال النوويُّ(٨): فيه بيانُ ما كان النبيِّ وَلِّ عليه (٩)
من الرِّفقِ بأمتِهِ.
■ الحاديةُ والعشرونَ: السِّواكُ المأمورُ به، هل الأَولى أنْ (١٠) يُباشرَه
المُستاكُ(١١) بيمينه أو بشمالِهِ(١٢)؟
ذكرَ بعضُ مُتأخِّري الحنابلةِ(١٣) ممَّن رأيتُه أنَّه(١٤) يَستاكُ بيمينِه؛ [لأنَّه وردَ -
في بعضٍ طُرقِ حديثٍ عائشةَ المشهورِ: ((كان يُعجبُه التيمُّنُ في ترجُلِه وتنقُّلِه
(٣) في الأصل، (م): ((عليكم)).
(١)
في (ح): ((وكان)).
(٥)
في (ك): ((بتأخرها)).
(٧)
في (ك): ((دفع)).
ليس في: الأصل، (م).
(٩)
(١١) ليس في: (ح).
(١٣) ينظر: المغني (١٣٥/١).
(٢) ليس في: (ح).
(٤) ليس في: (ك).
(٦) في الأصل، (م): ((سبيل)).
(٨) شرح صحيح مسلم (١٤٤/٣).
(١٠) في (م): ((أنه)).
(١٢) في (ح): ((شماله)).
(١٤) ليس في: (ح).

=
بابُ السُّواكِ وخصالِ الفطرةِ
كير
٣٩٧
=
وتطهُّرِه)): ((وسِواكِه))(١)](٢).
وسمِعتُ بعضَ (٣) مشايخِنا الشافعيَّةِ يَبنِي ذلك على أنَّ السِّواكَ هل هو من
بابٍ (٤) التطهيرِ(٥) والتَّطْيُّبِ(٦)، أو من بابِ إزالةِ القاذوراتِ؟
فإن جعلناه من بابِ التطيُّبِ: استحبَّ أن يَكونَ بيمينِهِ، وإن جعلناه من بابٍ
إزالةِ القاذوراتِ: استحبَّ أن يَلِيَهُ بشمالِهِ؛ لحديثِ عائشةَ: ((كانت يَدُ رسولِ اللهِ وَلِيه
اليمنَى لظُهورِهِ وطعامِه، وكانت يَدُه اليسرَى لخلائِه(٧) وما كان من أذَّى)). رواه
أبو داود(٨) بإسنادٍ صحيح، ولَه من حديثِ حفصةَ: ((كان يَجعلُ يَمينَهُ لطعامِه
وشرابِهِ وثيابِهِ، ويجعلُ شْمالَه(٩) لما سوَى ذلك))(١٠). وما استدلَّ به على أنَّه
يُستحبُّ (١١) باليمينِ: ليس(١٢) فيه دلالةٌ على ما ذهبَ إليه؛ فإنَّ المُرادَ منه البداءةُ
بالشِّقِّ الأيمنِ في الترجُّلِ، والبداءةُ بلبسِ النعلِ، والبداءةُ بالأعضاءِ اليمنَى في
التطهُّرِ، والبداءةُ بالجانبِ الأيمنِ من الفمِ في الاستياكِ، كما تقدَّمَ. وأمَّا كونُه
يَفعلُ ذلك بيمينِهِ، فيحتاجُ إلى نقلٍ .
والظّاهرُ: أنَّه من بابٍ إزالةِ الأَذَى؛ كالامتخاطِ ونحوِهِ؛ فيكونُ بالیسرَى،
وقد صرَّحَ بذلك أبو العباسِ القرطبيُّ منَ المالكيَّةِ، فقال [٦٨/١ظ] في
((المُفهم)) (١٣) حكايةً عن مالكٍ: إنَّه لا يُتسوَّكُ في المساجدِ (١٤)؛ لأنَّه من بابٍ
إزالةِ القذرِ، واللهُ أعلمُ.
أخرجه أبو داود (٤١٤٠).
(١)
(٢) ما بين المعكوفين، ليس في: (ك).
(٤) ليس في: (ح).
في (ك): ((التطهر)).
(٥)
(٦) في (ح): ((التطبيب)).
(٨) أبو داود (٣٣).
(١٠) أبو داود (٣٣).
(١٢) في (ح): (له)).
(١١) في (ح): ((مستحب) .
(١٣) المفهم (٥١١/١). وليس فيه حكاية ذلك عن مالك.
(١٤) قال في حاشية (ت): ((صرح ابن دقيق العيد بإلحاق هذا. ذكره في الكلام على استياك
الإمام بحضرة رعيته)). وينظر: إحكام الأحكام (ص١١٦).
(٣)
لیس في: (ح).
في (ح): ((لخلافه)).
(٧)
(٩) في (ك): ((اليسرى)).

٣٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثانِي
وعن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ (٧٢/٢م) اللّهِ وَالتِ، وقال
سفيانُ مرَّةً روايةً: ((خمسٌ من الفطرةِ؛ الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ
الشارب، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: حديثُ أبي هريرةَ: أخرجَه الأئمَّةُ السِّتَّةُ، فروَوه خلا
التِّرمذيِّ(١) من طريقِ سفيانَ بنِ عُيينةَ. والتِّرمذيُّ، والنسائيُّ(٢) أيضًا من روايةٍ
معمرٍ. والنسائيُّ(٣) أيضًا من روايةٍ يُونسَ بنِ يَزِيدَ. ثلاثتُهم عن الزُّهريِّ عن ابنٍ
المُسيِّبِ. ورواه النَّسائيُّ (٤) من روايةِ سعيد المقبريِّ عن أبي هريرةَ.
■ الثانيةُ: فيه أنَّ قولَ الراوِي عن الصحابيُّ: ((روايةً)) محمولٌ(٥) على رفع
الحديثِ إلى النبيِّ وَّهِ؛ فإنَّ أحمدَ(٦) قد رواه عن ابنِ عُيينةَ على الوجهينِ معًا،
صرَّحَ مرَّةً بالرَّفع، وأشارَ إليه أُخرَى بقولِه: ((روايةً)). وهكذا رواه البخاريُّ(٧) عن
عليٍّ بنِ المدينيِّ، عن ابنِ عُيينةَ. ورواه أبو داودَ(٨) عن مُسدَّدٍ، عن ابنٍ عُيينةً،
فقال فيه: يَبلغُ به النبيَّ ◌َّهُ.
■ الثالثةُ: اختُلِفَ في المراد بالفطرةِ في هذا الحديثِ؛ فقيلَ: المرادُ بها
السُّنَّةُ. حكاه الخطّابيُّ(٩) عن أكثرِ العلماءِ، ويدلُّ عليه روايةُ أبي عوانةَ في
((المُستخرج))(١٠) في(١١) حديثٍ عائشةَ الآتِي ذكرُه: ((عشرٌ من السُّنَّةِ)).
(١) البخاري (٥٥٥٠)، ومسلم (٤٩/٢٥٧)، وأبو داود (٤١٩٨)، والنسائي (١١)، وابن
ماجه (٢٩٢).
الترمذي (٢٧٥٦)، والنسائي (١٠).
(٢)
(٦) أحمد (٢٢٩/٢، ٢٣٩).
(٤)
النسائي (٥٠٥٨).
(٨) أبو داود (٤١٩٨).
(١٠) المستخرج (٣٥٧).
(٣) النسائي (٩).
(٥) في (ك): ((مجهول)).
(٧) البخاري (٥٥٥٠).
(٩) معالم السُّنن (١٤٣/٤، ٢١١).
(١١) في (ح): ((من)).

=
كما
٣٩٩
2
بابُ السّواكِ وخصالِ الفطرةِ
وعلى هذا: فالمرادُ بالسُّنَّةِ الطريقةُ؛ أي: أنَّ ذلك من سُننِ الأنبياءِ
وطريقتِهم؛ لأنَّ بعضَها واجبٌ - كما سيأتِي على الخلافِ - ومَن لا يَرَى وجوبَ
شيءٍ منها يَحملُها على السُّنَّةِ التي تُقابلُ الواجبَ. وقيلَ: المرادُ بالفطرةِ هنا:
الدِّينُ.
وأمَّا أصلُ الفطرةِ: فابتداءُ الخلقِ واختراعُه، من قولِه تعالَى: ﴿فَاطِرٍ
السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ﴾(١) [الأنعام: ١٤]، وعن ابنِ عباسٍ قال: ((ما كُنتُ أدرِي معنَى(٢)
هذه الآيةِ، حتى احتكمَ إليَّ أعرابيَّانِ في بئرٍ، فقال أحدُهما: أنا فطرتُها؛ أي:
ابتدأتُ حفرَها))(٣). ومنه: ((بعيرٌ فاطرٌ))، إذا ابتدأ خُروجُ نابِهِ، وقيلَ: المُرادُ به
الجِبلَّةُ التي جُبِلَ عليها ابنُ آدَمَ، ومنه قولُ عليٍّ في خُطبِهِ: ((وجَبّارَ القلوبِ على
فطرتِها(٤)) (٥)؛ أي: على خلقِها وجبلَّتِها، وهو أحدُ الأقوالِ في قولِه: ((كُلُّ مولودٍ
يُولدُ على الفطرةِ»(٦).
وقيلَ: الفطرةُ: الإسلامُ، ومنه قولُ حذيفةَ: ((لو مِتَّ على هذا مِتَّ على غيرِ
فطرةٍ محمدٍ وَ﴾)»(٧). وهو أحدُ الأقوالِ أيضًا في قولِه: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على
الفطرةٍ))، وعليه حُمِلَ قولُ جبريلَ عَلَّ للنبيِّ وَّوَ لمَّا أَخذَ (٧٣/٢م) اللَّبنَ ليلةً
الإسراءِ: ((أصبتَ الفطرة))(٨) .
■ الرابعةُ: في مناسبةِ تسميةِ هذه الخصالِ فطرةً: قال صاحبُ
((المُفهم)) (٩): في هذه الخصالِ محافظة(١٠) على حُسنِ الهيئةِ والنظافةِ، وكلاهما
(١) ينظر: تفسير الطبري (٢٨٣/١١)، تفسير القرطبي (٣٥٧٥/٦)، تفسير ابن كثير (٤٨٢/٤).
(٢)
في (ح): ((يعني)).
أخرجه الدولابي في الكنى (٢٥١/٢)، البيهقي في شعب الإيمان (٢٥٨/٢). قال
(٣)
ابن كثير (٤٣/١): إسنادٌ جید.
(٤)
في (ك): ((فطاراتها)). وفي (ت): ((فطراتها)).
ابن أبي شيبة (٣٢٥/١٠)، والطبري في تهذيب الآثار (٢٢١/١).
(٥)
(٦)
البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨). (٧) البخاري (٣٨٢، ٧٥٨، ٧٧٥).
(٨) البخاري (٣٢٥٤)، ومسلم (١٦٤/٢٦٤). (٩) المفهم (٥١١/١ - ٥١٢).
(١٠) في (م): ((مما فطره))، وينظر: المفهم (٥١١/١).

٤٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَحصلُ به البقاءُ على أصلِ كمالِ الخِلقةِ التي خُلقَ الإنسانُ عليها، وبقاءُ هذه
الأمورِ وتركُ إزالتِها يُشوّهُ الإنسانَ ويُقبِّحُه، بحيثُ يُستقذرُ ويُجتنبُ، فيخرجُ عمَّا
تقتضيه الفطرةُ الأولَى، فَسُمِّيت هذه الخصالُ فطرةً لهذا المعنَى. واللهُ أعلمُ.
الخامسةُ: ذكرَ صاحبُ ((المفهم)) (١) عن ابنِ عباسٍ: أنَّ هذه الخصالَ
هي التي ابتلَى اللهُ تعالى بها إبراهيمَ عَلَّا، فأتمَّهنَّ، فجعلَه اللهُ إمامًا .
■ السادسةُ: في قولِه: ((من الفطرة)): دليلٌ على أنَّ هذه الخصالَ بعضُ
خصالِ الفطرةِ، لا كلّها، وهو كذلكَ، بدليلِ حديثٍ عائشةَ عندَ مسلم وأصحابٍ
السُّننِ(٢): ((عشرٌ من الفطرةِ؛ قصُّ الشاربِ، وإعفاءُ اللِّحيةِ، والسِّواكَ، واستنشاقُ
الماءِ، وقصُّ الأظفارِ، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانةِ [٦٩/١و]،
وانتقاصُ الماءِ)). قال زكريًّا: قال مُصعبٌ: ونسيتُ العاشرةَ، إلَّا أن تكونَ
المضمضةَ. وزادَ قُتيبةُ: قال وكيعُ: انتقاصُ الماءِ؛ يَعنِي: الاستنجاءَ. وقد ضعَّفَ
النسائيُّ رفعَه؛ فإنَّه رواه موقوفًا (٣) على طلقِ بنِ حبيبٍ، ثمَّ (٤) قال: إنَّه أولَى
بالصوابِ من حديثٍ مُصعبٍ بنِ شيبةَ، قال: ومصعبُ بنُ شيبةً منكرُ الحديثِ(٥).
وقال التِّرمذيُّ (٦): إنَّه حديثٌ حسنٌ.
وحديثُ عائشةَ هذا يدلُّ أيضًا على أنَّ خصالَ الفطرةِ أكثرُ من العشرةِ، وهو
كذلكَ؛ فإنَّه أسقطَ منها الخِتانَ المذكورَ في حديثٍ أبي هريرةَ، وذكرَ منها
الانتضاحَ في حديثٍ عمَّارِ بنِ ياسرٍ، كما رواه أبو داودَ وابنُ ماجَه(٧) (٨)؛ أنَّ
(١) المفهم (٥١١/١). وهو أثر صحيح. ينظر: تفسير الطبري (٩/٢) أخرجه من طريق
عبد الرزاق (١/ ٥٧) به.
(٢) مسلم (٥٦/٢٦١)، أبو داود (٥٣)، الترمذي (٢٧٥٧)، ابن ماجه (٢٩٣).
وقال في حاشية (ح): ((قوله: يعني: الاستنجاء. فيه أن الاستنجاء واجب، ولا يناسب
بقية الخصال، والواجب لم يكن من الفطرة، بل بأمرٍ حادث. وقوله: خصال الفطرة.
يدل على أنها من ابتداء الخلق، مفطورون على فعلها، من غير أمر فيما يظهر)).
(٣)
في (ح): ((مرفوعًا)).
(٤) بعدها في (ك): ((إنه)).
النسائي (١٢٨/٨). وينظر: الضعفاء للعقيلي (١٩٦/٤).
(٥)
(٦)
الترمذي (٢٧٥٧).
أبو داود (٥٤)، ابن ماجه (٢٩٤).
(٨)
(٧) في (ك): ((حبان)).

كير
٤٠١
بابُ السُّواكِ وخصالِ الفطرةِ
رسولَ اللهِ نَّهِ قال: ((من الفطرةِ المضمضةُ (٧٤/٢م)، والاستنشاقُ، والسِّواك،
وقصُّ الشاربٍ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ، والاستحدادُ، وغسلُ البراجم،
والانتضاحُ، والاختتانُ)). لفظُ ابنِ ماجَه. وساقَ أبو داودَ بعضَه، وأحالَ ببقيَّتِه(١)
على حديثٍ عائشةَ، وهو من روايةٍ عليٍّ بنِ زيدٍ (٢)، عن سلمةَ بنِ محمدِ بنِ
عمَّارِ بنِ ياسرٍ، عن عمَّارِ بنِ ياسرٍ. وقال البخاريُّ(٣): إنَّه لا يُعرفُ لسلمةَ سماعٌ
من عمَّارٍ. وفي روايةٍ لأبي داودَ(٤) عن سلمةَ عن أبيه. والظَّاهرُ: أنَّها مُرسلةٌ،
وقد ذكرَ منَ الفطرةِ: الفَرْق، ذكرَه أبو داودَ(٥) بعدَ حديثِ عمَّارٍ، فقال: و(٦) رُويَ
نحوُهُ عن ابنِ عباسٍ، وقال: ((خمسٌ كُلُّها في الرأسِ، ذكرَ فيها الفرقَ. و(٧) لم
يَذكرْ إعفاءَ اللُّحيةِ))؛ فقد تحصَّلَ من مجموعِ هذه الأحاديثِ ثلاثَ عشْرَةَ خصلةً.
وأمَّا قولُ مسلمٍ في إحدَى الرُّوايتينِ في حديثِ أبي هريرةَ من روايةٍ يُونسَ بنِ
يَزِيدَ عن الزُّهريِّ: ((الفطرةُ خمسٌ))(٨)، [وكذلك روايةُ النسائيّ(٩) من طريقٍ
سفيانَ: ((الفطرةُ خمسٌ))](١٠)؛ فإنَّ سفيانَ قد رواه على الشكِّ، كما هو عندَ مسلم
من طريقِه: ((الفطرةِ خمسٌ، أو خمسٌ من الفطرةِ))، فإمَّا أن يَكونَ الشُّ منه، أوٌ
ممَّن فوقَه، أو من الرُّواةِ عنه؛ وجُمِعَ بينَه وبينَ حديثٍ عائشةَ وعمَّارٍ بجوابينٍ:
أحدُهما: أن يَكونَ ذكرَ في حديثٍ أبي هريرةَ المتأكّدَ(١١) من خصالٍ
الفطرةِ، وأفردَها بالذِّكرِ لتأكُّدِها .
والثاني: أن يَكونَ أعلمَه اللهُ تعالَى بعدَ ذلك بزيادةِ الخصالِ المذكورةِ في
حديثٍ عائشةَ وحديثِ عمَّارٍ على تقديرٍ صحَّتِهما، وكذلك حديثُ ابنِ عمرَ عندَ
النسائيّ(١٢)؛ أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال: ((الفطرةُ قصُّ الأظفارِ، وأخذُ الشاربِ، وحلقُ
في (ك): ((بنفسه)).
(١)
(٣)
التاريخ الكبير (٧٧/٤).
أبو داود عقب (٥٤).
(٥)
(٧) من: (ك، ح)، ومصدر التخريج.
(٩) السنن الكبرى (٩).
(١١) في (م): ((التأكد)).
(٢) في (ك): ((يزيد)).
(٤) أبو داود (٥٤).
(٦) من: (ك، ح)، ومصدر التخريج.
(٨) مسلم (٢٥٧/ ٥٠).
(١٠) ليس في: (ح).
(١٢) النسائي (١٢/١).

=
كر
٤٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
العانةِ)). فاقتصرَ فيه على ثلاث خصالٍ، وقد رواه البخاريُ(١) (٢) بلفظ: ((من
الفطرةِ حلقُ العانةِ، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربٍ)). وفي روايةٍ له: ((من الفطرةٍ
قصُّ الشاربٍ))(٣). هكذا أوردَه من الطريقينِ في ((اللَّباسِ)) من روايةٍ حنظلةً، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ وأسقَطه المزِّيُّ في ((الأطرافِ))، فاقتصرَ على عَزِهِ
للنَّسائيّ(٤). واللهُ أعلمُ.
■ السابعةُ: فيه أنَّ مفهومَ العددِ ليس بحجَّةٍ؛ لأنَّه اقتصرَ في حديثٍ أبي
هريرةَ على خمسٍ، وفي حديثِ ابنِ عمرَ على ثلاثٍ، وفي حديثٍ عائشةً على
عشرٍ مع وُرودِ غيرِها، فأفادَنا ذلك أنَّ ذِكرَ (٧٥/٢م) العددِ لا يَقتضِي نفيَ الزِّيادةِ
عليه، وهو قولُ أكثرِ أهلِ الأصولِ(٥)، ولمن قال به أن يُجيبَ بما تقدَّمَ: من
أنَّ اللهَ أعلمَه بالزِّيادةِ في خصالِ الفطرةِ بعدَ أن لم يَكن عِلِمَه لمَّا حدَّثَ ببعضِها،
واللهُ أعلمُ.
ا الثامنةُ: الختانُ هو قطعُ القُلْفة (٢) التي تُغطّي الحَشفةَ من الرجلِ،
وقطعُ بعضِ الجلدةِ التي في أعلَى فرجِ المرأةِ، ويُسمَّى ختانُ الرجلِ إعذارًا بالعينِ
المُهملةِ، والذال(٧) المُعجمةِ، والراءِ. وختانُ المرأةِ خَفضًا بالخاءِ المُعجمةِ،
والفاءِ، والضادِ المُعجمةِ أيضًا.
واختلفَ العلماءُ هل هو واجبٌ(٨)؟. فذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى أنَّه سُنَّةٌ وليس
بواجبٍ، وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وبعضٍ أصحابِ الشافعيِّ، وذهبَ
[٦٩/١ظ] الشافعيُّ إلى وُجوبِه، وهو مُقتضَى (٩) قولِ سُحنونٍ من المالكيَّةِ، وذهبَ
(١) ليس في: (ك).
(٣)
البخاري (٥٨٨٨).
(٢) البخاري (٥٨٩٠).
(٤) تحفة الأشراف (٦/ ٩٢).
(٥) ينظر: البرهان للجويني (٣٠١/١)، البحر المحيط (١٢٤/٣)، شرح الكوكب المنير
(٥٠٨/٣)، إرشاد الفحول (٤٤/٢).
(٦) في (م): ((الغُلفة)). والقُلْفة والغُرْلة والغُلْفة بمعنىّ: الغشاء الذي يقع عليه الختان من
عورة الرجل. ينظر: فتح الباري (٦٣٧/٩).
(٧) في (م): ((الغين))!
ليس في: (ك).
(٩)
(٨) ينظر: الإفصاح (٣٤٢/١).

=
=
بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
٤٠٣
بعضُ أصحابِ الشافعيِّ إلى أنَّه: واجبٌ في حقِّ الرِّجالِ، سُنَّةٌ في حقِّ النِّساءِ(١).
واحتجَّ مَن قال: إنَّه سُنَّةٌ. بحديثٍ أبي المَليح بنٍ أُسامةَ، عن أبيه: أنَّ
النبيَّ وَِّ قال: ((الختانُ سُنَّةٌ للرِّجالِ، مكرمةٌ للنَّساءِ))(٢). رواه [أحمدُ في
(مسندِه))، و](٣) البيهقيُّ (٤)، ورواه البيهقيُّ(٥) من حديثِ(٦) أبي أيُّوبَ وابنِ عباسٍ.
قال ابنُ عبدِ البِّ(٧): إنَّه يَدورُ على الحجّاجِ بنِ أرطاةَ، وليس ممَّن يُحتجُّ به.
قُلتُ: قد رواه الطبرانيُّ في مُسندِ الشاميِّين(٨) من غيرِ طريقِ الحجَّاجِ مِنْ
روايةٍ سعيدِ بنِ (٩بشيرِ، عن٩) قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ.
وأجابَ مَن أوجبَه: بأنَّه ليس المرادُ بالسُّنَّةِ هنا خلافَ الواجبِ، بل المُرادُ
به الطريقةُ، واحتجُوا على وُجوبِه بقولِه تعالَى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾
[النحل: ١٢٣]. وثبَتَ في الصحيح(١٠) من حديث أبي هريرةَ قال: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اختتنَ إبراهيمُ النبيُّ ◌َّهِ، وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بالقدومِ)). وبما
روَى أبو داودَ (١١) من قولِهِ وَّهِ للرجلِ الذي أسلمَ: ((أَلقِ عنْك شعرَ الكفرِ
واختتنْ)).
واستدلَّ ابنُ سُريج(١٢) على وُجوبِهِ: بالإجماعِ على تحريمِ النظرِ إلى
(١) ينظر: روضة الطالبين (١٨٠/١٠)، المجموع (٤٤٨/١).
(٢) قال في حاشية (ح): ((قد يقال: ليس فيه حجة للقائل بالسنية، بعد تسليم صحة
الحديث؛ وذلك أن السُّنَّة في هذا الحديث هي الطريقة والعادة للرجال، من حين الخليل
إبراهيم، وليس المراد السُّنَّة في اصطلاح الفقهاء، وهي ما يقابل الواجب؛ لأن هذا
الاصطلاح اصطلح عليه الفقهاء بعد النبي ◌َ*، وإذا كان المراد بالسُّنَّة في الحديث
الطريقة، فلا تنافي الوجوب؛ فسقط الاستدلال للاحتمال)).
(٤) أحمد (٧٥/٥)، البيهقي في الكبرى (٣٢٥/٨).
(٣)
ليس في: (ك).
(٥) البيهقي (٣٢٥/٨).
(٦) في الأصل، (م): ((رواية)).
(٧) التمهيد (٥٩/١٢).
(٨) مسند الشاميين (٢٦٩٧).
(٩ - ٩) في (م): ((بشر بن قتادة)).
(١٠) في (ك، ح): ((الصحيحين)) وهو عند البخاري (٣٣٥٦، ٦٢٩٨)، مسلم (١٥١/٢٣٧٠).
(١١) أبو داود (٣٥٦).
(١٢) في (م): ((شريح)).

٤٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
العورة؛ فلولا أنَّ الختانَ فرضٌ لما أُبِيحَ النظرُ إليها من المختونِ(١).
ونقضَه ابنُ عبدِ البرِّ(٢): بجوازٍ نظرِ الطّبيبِ، وليس الطِّبُّ واجبًا إجماعًا(٣).
واحتجَّ القفَّالُ لوجوبِه: بأنَّ بقاءَ القُلْفةِ (٤) تحبسُ النجاسةَ، وتمنعُ صحةً
الصلاةِ؛ فتجبُ إزالتها، وشبَّهَه بالنَّجاسةِ في باطنِ الفمِ.
وقاسَه بعضُ الشافعيَّةِ(٥) على وُجوبِ القطع في السَّرقةِ؛ فقال: هو قطعُ
جُزءٍ من البدنِ لا يُستخلفُ تعبُّدًا؛ فوجبَ؛ كالقطع. واحترزَ بعدمِ الاستخلافِ
عن الشعرِ والظّفرِ، وبالتَّعبُّدِ على القطعِ للآكلةِ؛ فإنَّه لا يَجبُ.
■ التاسعةُ: (٧٦/٢م) إذا قلنا بوجوبِ الختانِ، فمحلُّ الوجوب بعد
البلوغ، على الصحيح من مذهبِنا؛ لما روَى البخاريُّ في ((صحيحِه))(٦)، عن ابنٍ
عباسٍ: أنَّه سُئلَ: مثلُ مَن أنتَ حينَ قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّهَ؟ قال: أنا يومئذٍ
مختونٌ، وكانوا(٧) لا يَختنونَ الرجلَ حتى يُدركَ.
وقال بعضُ أصحابِنا (٨): يَجبُ على الوليِّ أن يَختنَ الصغيرَ قبلَ البلوغ. وقال
بعضُهم(٩): يَحرمُ الختانُ قبلَ استكمالِ عشرٍ سنينَ، وهو مردودٌ بما رواه (١٠) .
■ العاشرةُ: الاستحدادُ: استفعالٌ من استعمالِ الحديدِ في حلقِ العانةِ،
وهو مُستحبُّ إجماعًا، واختُلِفَ في العانةِ التي يُستحبُّ حلقُها؛ فالمشهورُ
الذي (١١) عليه الجمهورُ: أنَّه ما حولَ ذَكرِ الرجلِ وفرجِ المرأةِ من الشَعْرِ .
(١) ينظر: معالم السُّنن (٣٢/١)، المفهم (٥١٤/١)، شرح السُّنَّة للبغوي (١١٠/١٢).
(٢) ينظر: المفهم (٥١٤/١).
(٣) في حاشية (ح): ((فيه أنه لا يجوز للطبيب النظر إلا حيث يجب الطب، بأن أدت العلة
إلى التلف أو المضرة الشديدة التي يباح معها المحذور، فلا نقض بذلك. فتأمل)).
(٤) في (م): ((الغُلْفة)).
ينظر: الحاوي (٤٣٢/١٣)، الفتح (٣٤٢/١٠).
(٥)
(٦)
البخاري (٦٢٩٩).
(٨) ينظر: المجموع (٣٥٠/١).
(١٠) قال في حاشية (ح): ((كذا في الأصل)).
(١١) في (ت، ك): ((ما)).
(٧) في (ك): ((قالوا)).
(٩) ينظر: المجموع (٣٥٠/١).

بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
٤٠٥
وقال أبو العباسِ ابنُ سُريج(١): إِنَّه الشعرُ الذي حولَ حلقةِ الدُّبرِ.
قال النوويُّ(٢): فيحصلُ من مجموعِ هذا استحبابُ حلقِ(٣) جميع ما على
القبلِ والدُّبرِ وحولَهما.
والأحسنُ في هذه السُّنَّةِ الحلقُ بالمُوسَى؛ لأنَّه أنظفُ ويحصلُ بالقصِّ
بالمقصَّينِ، وكذلك يَحصلُ أصلُ السُّنَّةِ بالنَّتَفِ واستعمالِ النُّورةِ ونحوِها؛ إذ(٤)
المقصودُ حصولُ النظافةِ.
■ الحادية عشرَ: فيه استحبابُ استعمالِ الكناياتِ عن التصريحِ بما
يُستحى(٥) منه إذا حصلَ الإفهامُ بغيرِ التصريحِ، وهو كذلكَ.
■ الثانيةَ عشرَ: فيه استحبابُ قصِّ الشاربِ، وهو مجمعٌ على
استحبابِه(٦)، وذهبَ بعضُ الظاهريَّةِ إلى وُجوبِهِ(٧)؛ لقولِه: ((قُصُّوا الشواربَ)).
رواه أحمدُ من حديث أبي هريرةً(٨)، وهو عندَ مسلم(٩) بلفظ: ((جُزُّوا)). وأخرجَه
الشيخانِ(١٠) من حديثِ ابنِ عمرَ، [بلفظِ: ((أحفو)) (١١)]، وفي روايةٍ
للبخاريّ(١٢)(١٣): ((أنهكوا الشواربَ)).
والمُختارُ في صفةٍ قصِّهِ: أن يَقصَّ منه حتى يَبدوَ(١٤) طَرَفُ الشفةِ، وهو
حُمرتُها، ولا يُحفيه من أصلِه، وهو قولُ مالك والشافعيِّ، وكان مالكٌ يَرى حلقَه
مُثْلَةً، ويأمرُ بأدبِ فاعلِه، وكان يَكرَه أن يَأخذَ من أعلاه(١٥).
(١) في (م): ((شريح)). وينظر: المجموع (٣٢٤/١).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٤٨/٣).
(٤)
في (ك): ((إذا)).
(٦) ينظر: المجموع (٣٤٠/١).
(٨) أحمد (٢٢٩/٢).
(١٠) البخاري (٥٨٩٢)، مسلم (٥٤/٢٥٩).
(١١) في (ح): ((أخفوا)).
(١٣) البخاري (٥٨٩٣).
(٣) ليس في: (ك).
(٥) في (م): ((يستحيا)).
(٧) ينظر: المحلى (٢١٨/٢).
(٩) مسلم (٢٦٠/ ٥٥).
(١٢) في (ح، ك): ((البخاري)).
(١٤) في الأصل، (ك): ((أطرف)).
(١٥) ينظر: البيان والتحصيل (٣٧٢/٩)، الذخيرة (٢٧٨/١٣)، القوانين الفقهية (ص٢٩٣)،
حاشية العدوي (٥٧٨/٢).

٤٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وذهبَ ابنُ عمرَ، وبعضُ التابعينَ [٧٠/١و] إلى استحبابِ إحفائِهِ واستئصالِهِ،
وهو قولُ الكوفيِينَ، واستدلُّوا بما تقدَّمَ من قولِه: ((أحفوا)) و(جُزُّوا))، وفي بعضِها:
((أنهكو))، وبروايةِ النسائيِّ في حديثِ البابِ: ((وحلقُ الشاربٍ))، وحملَ الأوَّلونَ
الجزَّ والإحفاءَ على القصِّ، وحملَه بعضُهم على إحفاءِ ما طالَ على الشفتينِ.
ويدلُّ على أنَّ المُرادَ التقصيرُ لا استئصالُهُ (١): روايةُ النسائيِّ؛ من روايةٍ
سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرةَ: ((وتقصيرُ الشاربٍ))(٢)، ويدلُّ على ذلك أيضًا:
قَصُّهُ وَ شاربَ المُغيرةِ بنِ شعبة(٣) على سواكٍ، كما رواه (٧٧/٢م) أبو داودَ،
والنسائيُّ، والتِّرمذيُّ في ((الشمائل))(٤)، فلو كان المرادُ استئصالَه لما وضعَ
السِّواكَ حتى يَقطعَ ما زادَ عليه.
وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى أنَّه مُخيّرٌ بينَ الأمرينِ: حكاه القاضِي عياضٌ(٥).
■ الثالثةَ عشرَ: يُستحبُّ الابتداءُ بقصِّ الجهة اليمنى من الشاربِ، كما
صرَّحَ به أصحابُنا (٦)؛ لحديثِ عائشةَ المثَّفقِ عليه(٧): ((كان يُعجبُه التيمُّنَ في
تطهُّرِه، وترجُلِه، وتنعُلِه، وفي شأنِه كلِّه)).
■ الرابعةَ عشرَ: يَجوزُ في قصِّ الشاربِ أن يُباشرَ ذلك بنفسِه، وأن
يَقصَّه له غيرُه؛ لحديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ المُتقدِّمِ عندَ أبي داودَ؛ إذ لا هتكَ حُرمةٍ
في ذلك، ولا نقصَ مُروءةٍ (٨).
■ الخامسةَ عشرَ: اختلفوا في كيفيَّةٍ قصِّ الشاربِ؛ هل يُقصُّ طرفاه
أيضًا، وهما المسميان بالسبالين، أم يُترك السِّبالانِ، كما يَفعلُهُ كثيرٌ من الناسِ؟
فقال الغزّاليُّ في ((إحياءِ علومِ الدِّينِ))(٩): لا بأسَ بتركِ سِبالَيه، وهما
في (ك): ((بالتقصير الاستئصاله)).
(١)
(٢) النسائي (٥٠٣/٨).
(٣)
في الأصل، (م): ((المغيرة)).
أبو داود (١٨٨)، والنسائي في الكبرى (٦٦٢١)، والترمذي في الشمائل (١٦٦).
(٤)
(٥)
إكمال المعلم (٦٢/٢).
ينظر: المجموع (٣٤٠/١)، روضة الطالبين (٢٣٤/٣).
(٦)
(٧)
البخاري (١٦٦)، مسلم (٢٦٨).
(٩) إحياء علوم الدين (١٤٠/١).
(٨) النووي على مسلم (١٤٩/٣).

=
٤٠٧
بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
طرفًا الشاربِ؛ فعلَ (١) ذلك عمرُ نَظُه وغيرُه؛ لأنَّ ذلك لا يَسترُ الفَمَ، ولا يُبقِي
فيه غَمْرَةٍ(٢) الطعام؛ إذ لا يَصلُ إليه. انتَهَى.
وروَى أبو داودَ(٣)؛ من روايةٍ(٤) أبي الزُّبيرِ، (°عن جابر٥ٍ) قال: ((كنَّا نُعفِّي
السِّبالَ إلَّا في حجٍّ أو عمرةٍ)). وكرِهَ بعضُهم بقاءَ السِّبالِ؛ لما فيه من التشبُّه
بالأعاجم، بل بالمجوسِ وأهلِ الكتابِ، وهذا أولَى بالصوابِ؛ لما رواه ابنُ حبَّانَ
في ((صحيحِه)(٦)؛ من حديثِ ابنِ عمرَ، قال: ((ذُكرَ لرسولِ اللهِ وَ ◌ِّ المجوسُ،
فقال: إنَّهم يُوقِّرونَ سِبالَهم، ويَحلقونَ لحاهم فخالفوهم)). فكان ابنُ عمرَ يَجزّ
سِبالَه، كما تُجُّ(٧) الشاةُ أو البعيرُ.
وروَى أحمدُ في («مسئدِه))(٨)؛ في أثناءِ حديثٍ لأبِي أُمامةَ: فقلنا:
يا رسولَ الله، فإنَّ أهلَ الكتابِ يَقصُّونَ عثانینَهم، ويُوفِّرونَ سِبالَهم، فقال
النبيُّ وَّهِ: ((قُصُوا سِبالَكم، ووفّروا عثانينكم، وخالفوا أهلَ الكتابِ))، والعثانينُ:
بالعينِ المُهملةِ، والتاءِ المُثلَّثةِ، وتكرارِ النُّونِ، جمعُ عُثنونٍ: وهي(٩) اللِّحيةُ (١٠).
■ السادسةَ عشرَ: فيه استحبابُ تقليمِ الأظفارِ، وهو كذلكَ، والتَّقليمُ:
تفعيلٌ من القَلْمِ، وهو القطعُ، ومنه تقليمُ الأشجارِ، وهو قطعُ أطرافِها .
■ السابعة عشرَ: لم يَثبتْ في كيفية تقليم (١١) الأظفار حديثٌ يُعملُ به،
قال(١٢) الغزّاليُّ في ((إحياءِ عُلومِ الدِّينِ))(١٣): لم أرَ في الكتبِ خبرًا مرويًّا في
ترتيبٍ فَلمِ الأظفارِ، ولكن سمِعتُ أنَّه روَى: ((أنَّهِ وَهُ بدَأ بمسبِّحةٍ(١٤) اليمنَى،
(١) في (ك): ((فعلى)).
(٢) هكذا ضبطت في الأصل، (ت)، وينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٨٤/٣).
(٤) بعدها في (ح): ((عن)).
(٣) أبو داود (٤٢٠١).
(٥ - ٥) ليس في: (ك).
(٧) في (ح): ((يجز)).
(٩) من: (ك، ح).
(١٠) ينظر: غريب الحديث للحربي (٧٣٢/٢)، والنهاية لابن الأثير (٨٧٤/٣).
(١٢) ليس في: (ك).
(١١) في (ك): ((قص)).
(١٣) أحياء علوم الدين (١٤١/١).
(٦) ابن حبان (٥٤٧٦).
(٨) أحمد (٢٦٤/٥).
(١٤) في (ك): ((بالمسبحة)).

=
٤٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وختمَ بإبهامِ اليمنَى، وابتدأ في اليسرَى بالخنصرِ إلى الإبهامِ، وفي اليمنَى من
المُسبِّحةِ إلى الخنصرِ، ويَختمُ بإبهامِ اليمنَى)).
قال الغزاليُّ: ولمَّا تأمَّلتُ هذا خطَر لِي من المعنَى ما يدلُّ على أنَّ الرِّوايةَ
فيه صحيحةٌ(١). ثمَّ ذكرَ لذلكَ حكمةً، وقد تعقَّبَهُ (٧٨/٢م) الإمامُ أبو عبدِ اللهِ
المازَرِيُّ المالكيُّ في كتابٍ(٢) وقفتُ عليه له (٣) في الرَّدِّ عليه(٤)، وبالغَ في هذا
المكانِ(٥) في إنكارِ هذا عليه، وقال: إنَّه يُريدُ أن يَخلطَ الشريعةَ بالفلسفةِ. هذا
حاصلُ كلامِهِ، وبالغَ في تقبيحِ ذلك.
والأمرُ في ذلك سهلٌ. وقد وافقَه عليه النوويُّ في ((شرح مسلم)(٦)، إلّا أنَّه
خالفَه في تأخيرِ إبهامِ اليمنَى إلى بعدِ الفراغ من اليسرَى، وقال: يَنْبَغِي أن يَختمَ
الیمنَی بإبهامِها .
والذي ذكرَه حكمةٌ ظاهرةٌ [٧٠/١ظ]؛ فإنَّه لا شكَّ أنَّ الابتداءَ باليمنَى أولَى،
ثَّ إنَّ أشرفَ أصابع اليدِ اليمنَى المُسبِّحةُ؛ فقد كان النبيُّ نَّ هِ يُشيرُ بها عندَ الدُّعاءِ
وفي التشهُّدِ؛ فكان الابتداءُ بالمُسبِّحةِ أولَى، ثمَّ يَنبغِي أن يَعقُبَها بما على جهةٍ
يَمِينِ الرجلِ. والغالبُ أنَّ الذي يَقصُّ(٧) تكونُ يَدُه ظهرُها إلى فوقٍ، فكان الذي
إلى جهةٍ يَمينِهِ الوسطى، ثمَّ ما بعدَها إلى الخنصرِ، ولم يَبقَ منها حينئذٍ إلَّا
الإبهامُ فيختمُ به. وأمَّا اليد(٨) اليسرَى، فلا فضيلةَ فيها للمسبِّحةِ على غيرِها،
وقد: ((رأى النبيُّ ◌َّه بلالًا يَدعُو، وهو يُشيرُ بأصبعيه المُسبِّحةِ من اليمنَى ونظيرِها
(١) قال النووي في المجموع (٣٣٩/١): ((الحديث باطل، لا أصل له)). وقال المصنف في
تخريج الإحياء: (لم أجد له أصلًا)). وقال الذهبي في السير (٣٤٢/١٩): ((هو أثر
موضوع)).
هو كتاب ((الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء)). ينظر: سير أعلام النبلاء (٣٣٠/١٩)،
(٢)
طبقات الشافعية الكبرى (٢٤١/٦).
(٣)
ليس في: (ح).
(٤) ليس في: (ك).
(٥)
في (ك): ((الإمكان».
(٦)
شرح النووي على مسلم (١٤٩/٣)، وينظر: المجموع (٣٣٩/١).
لیس في: (ح).
(٧)
(٨) من (ح، ك).

=
بابُ السّواكِ وخصالِ الفطرةِ
٤٠٩
من اليسرَى فقال له: ((أخِّدْ أحِّدْ)) (١)؛ أي: أشِرْ بإصبع واحدةٍ، ولا تُشرْ بنظيرِها
منَ اليسرَى، وإذا كان كذلكَ: فلا وجهَ لتقديم المُسبِّحَةِ منها، فلم يَبْقَ إلَّ البداءةُ
بأحدٍ طرفيها، ويقصُّ(٢) على الولاءِ. وأمَّا مَيلُه(٣) إلى تقديم الخِنْصرِ؛ فلأنَّ(٤)
اليدَ غالبًا تُقصُّ وظَهرُها إلى فوقٍ، فإذا بدأ بخنصرِها أتَى بعدَها بما يَلِي جهةَ
يَمينِهِ، ولو بدأ بالإبهام أوَّلًا: لأتَى بعدَها بما يَلِي جهةَ شمالِه(٥)، فكان الاعتناءُ
(" لجهةِ اليمين٦ِ) أولَى(٧)، واللهُ أعلمُ.
وزادَ النوويُّ في ((شرحٍ مسلمٍ)(٨) في تقليمٍ أظفارِ الرِّجلينِ: أنَّه يُستحبُّ أن
يَبدأ بخنصرِ اليمنَى، ويَختمَ بخنصرِ اليسرَى.
وهو يُعكِّرُ على ما تقدَّمَ(٩) من القصِّ إلى جهةِ اليمينِ(١٠)، ورأيتُ بعضَ
شُيوخِنا يَختارُ في قصِّ الأظفارِ كيفيَّةً أُخرَى، بحيثُ يَكونُ القصُّ مُخالفًا، لا على
الولاءٍ(١١)، وأنَّه يَبدأُ بمسبِّحةِ اليدِ اليمنَى، ثمَّ بالبنصرِ ثمَّ (١٢ بالإبهامِ ثمَّ
بالوسطَى١٢)، ثمَّ بالخنصرِ، ثمَّ بمسبِّحةِ اليسرَى، كذلكَ على المُخالفةِ، ثمَّ
بخنصرِ الرِّجلِ اليمنَى، ثمَّ بالوسطَى، ثمَّ بالإبهامِ، ثمَّ الإصبعِ(١٣) المُجاورةِ
للخنصرِ، ثُمَّ بالمُجاورةِ للإبهامِ، ثُمَّ بإبهامِ اليسرَى، ثمَّ بالوسطى، ثمَّ الخنصرِ(١٤)،
(١) الترمذي (٣٥٥٧)، وليس فيه ذكر بلال، وعند أبي داود (١٤٩٩)، والنسائي (١٢٧٢):
أن سعد بن أبي وقاص، هو الذي أمره رسولُ اللهِ وَّ بذلك.
(٢)
في (ك): ((نقص عن))، وفي (ح): ((تقص)).
(٣) في (ك): ((مثله)) .
(٥) في (ك): ((بشماله)).
(٤) في (ح): ((فإن)).
(٦ - ٦) في (ك): ((بجهة اليمنى)). وفي (ح): ((بجهة اليمين)).
(٧) ليس في: (ح).
(٨) شرح صحيح مسلم (١٤٩/٣).
(٩) في حاشية (ح): ((قوله: وهو يعكر على ما تقدم ... إلخ. قد يقال: الفرق بينهما ظاهر؛
لأن في اليدين كان الأولى الابتداء بالمسبحة، واعتبر الأخذ على اليمين، وإنما كانت
الرجلان ليس فيهما مسبحة كان الابتداء بأول الأصابع، وهو الخنصر، فلم يكن على
جهة اليمين أصابع فاقتضى أن يأخذ ما يليه، وهكذا)).
(١٠) في (ك): ((اليمنى)).
(١١) ليس في: (ح).
(١٢ - ١٢) في (ك): ((بالوسطى، ثم بالإبهام)). (١٣) في (ح): ((بالأصبع)).
(١٤) في (ك): ((بالخنصر)).

٤١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ثم (١) التي تُجاورُ الإبهامَ، ثمَّ التي تُجاورُ الخنصرِ، وقال: إنَّه جرَّب هذا للسَّلامةِ
من الرَّمدِ، وأنَّه كان كثيرًا ما يَرمدُ، فمن حينٍ صارَ يَقصُّ على هذا الوجهِ لم يَرمدْ
بعدَ ذلك، ورأيتُ مَن يَذكرُه حديثًا(٢): ((مَن قصَّ(٣) أظفارَه (٧٩/٢م) مُخالفًا عُوفيَ
من (٤) الرَّمدَ)، وهذا الحديثُ لا أصل له ألبتَّةَ(٥)، والكيفيَّةُ الأُولى أولَى، وإن لم
يَكنِ التقييدُ بها سُنَّةً؛ لعدم ثُبوتِها أيضًا، وكيفما قصَّ حصلَ أصلُ السُّنَّةِ. واللهُ
أعلمُ.
■ الثامنةَ عشرَ: يُخيَّرُ الذي يُقلِّمُ أظفارَه بينَ أن يُباشرَ ذلك بنفسِهِ، وبينَ
أن يَقصَّ له غيرُه؛ كقصِّ(٦) الشاربِ سواءً؛ إذ لا هتكَ حُرمةٍ في ذلك، ولا تركَ
مُروءةٍ؛ قالَه النوويُّ(٧) وغيرُه، ولا سيَّما مَن لا يحسنُ قصَّ أظفار(٨) يَدِهِ اليمنَى؛
فإنَّ كثيرًا من الناسِ لا يَستمكنُ من قصِّها؛ لعسرِ استعمالِ اليسارِ، فإنَّ الأولَى في
حقِّه أن يَتولَّى ذلك غيرُه؛ لئلَّا يَجرحَ يَدَه، أو يُؤذيَها .
■ التاسعةَ عشرَ: اختلَفتِ الأحاديثُ الواردةُ في أَوْلى(٩) أيامِ الأسبوعِ
بقصِّ الأظفارِ؛ فوردَ في بعضِها يومُ الجمعةِ، وفي بعضِها يومُ الخميسِ.
قال البيهقيُّ في ((سُنِهِ الكبرَى))(١٠): رُوِّينا عن أبي(١١) جعفرٍ مرسلًا، قال:
((كان النبيُّ وَّهِ يَستحبُّ أن يَأخذَ من شاربِهِ وأظفاره(١٢) يومَ الجمعةِ)). انتَهَى.
وأمَّا قصُها يَومَ الخميسِ: فرُوِّيناه في حديثٍ مسلسلٍ بذلك؛ أخبرني به
أبو العباس أحمدُ بنُ عبدِ الأحدِ الحرَّانيّ، ورأيتُه يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، قال:
(١) ليس في: (م).
(٢) في الأصل، (ت): ((حدثنا))!
(٣) ليس في الأصل.
(٤) ليس في الأصل.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٢٤٠/١): ((رواه عبيد الله بن بطة
بإسناده)). وقال ابن القيم في المنار المنيف (ص١٤٠): ((هذا من أقبح الموضوعات)).
(٦)
في الأصل، (ت، م): ((لقص)).
(٧)
المجموع (٣٤١/١)، شرح صحيح مسلم (١٤٩/٣).
(٨) في (م): ((أظافر)).
(٩) في (م): ((أول)).
(١٠) السنن الكبرى (٢٤٤/٣).
(١١) في (ك): ((وثنا عن ابن)).
(١٢) في (م): ((وأظافره)). وفي (ك): ((وقص أظفاره)». والمثبت موافق لمصدر التخريج.

=
بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
٤١١
أخبرنا الحافظُ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفِ الدِّمياطيُّ، ورأيتُه يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ،
قال: أخبرنا المشايخُ السِّنَّةُ؛ صقرُ بنُ يحيى بنِ صقرٍ، وأبو طالبٍ عبدُ الرحمنِ بنُ
عبدِ الرحيمِ بنِ العجميُّ، وأبو القاسمِ عمرُ بنُ سعيدِ [٧١/١و] بنِ عبدِ الواحدِ؛
الحلَبِيُّونَ، والحافظُ أبو الحجّاجِ يوسفُ بنُ خليلٍ، ومحمدٌ وعبدُ الحميدِ؛ أبناءُ
عبدِ الهادِي(١) بنِ قُدامةَ؛ الدِّمشقيُّونَ، ورأيتُ كلَّ واحدٍ منهم يُقلِّمُ أظفارَه يَومَ
الخميسِ، قالوا: أخبَرنا يحيى بنُ محمودٍ الثقفيُّ، ورأيناه يُقْلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ.
قال: [أخبرنِي جدِّي لأمِّي أبو القاسمِ إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ الفضلِ
التميميُّ (٢)، ورأيتُه يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، قال:](٣) رأيتُ الإمامَ أبا محمدٍ
الحسنَ بنَ أحمدَ السمر قنديَّ، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، قال: رأيتُ الحافظَ
أبا العباسِ جعفرَ بنَ محمدِ المُستغفريَّ، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، قال: رأيتُ
الإمامَ أبا جعفرٍ محمدَ بنَ أحمدَ المكْيَّ(٤)، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، قال:
رأيتُ الإمامَ إسماعيلَ بنَ محمدِ بنِ عليٍّ شاهِ المَروَرُّذيَّ(٥) بها، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ
الخميس، قال: رأيتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ النيسابوريَّ، وهو يُقلِّمُ أظفارَه
يومَ الخميسِ، قال: رأيتُ الفضلَ بنَ العباسِ الكوفيَّ، وهو يُقلِّمُ أظفارَه يومَ
الخميس، قال: رأيتُ الحسينَ بنَ هارونَ بنِ إبراهيمَ الضَّبِّيَّ، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ
الخميسِ، قال: رأيتُ (٨٠/٢م) عمرَ بنَ حفصٍ، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، قال:
رأيتُ أبي: حفصَ بنَ غِياتٍ، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، وقال: رأيتُ جعفرَ بنَ
محمدٍ، يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، وقال: رأيتُ محمدَ بنَ عليٍّ، يُقُلِّمُ أظفارَه يومَ
الخميسِ، وقال: رأيتُ عليَّ بنَ الحسينِ يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، وقال: رأيتُ
الحسينَ بنَ عليٍّ يُقلِّمُ أظفارَه يومَ الخميسِ، وقال: رأيتُ عليًّا رَؤُهُ يُقلِّمُ أظفارَه
(١) في (ك): ((القاري)).
(٢) قال في حاشية الأصل، (ت): ((لعله التيمي)). وهو الموافق لما في ترجمته. ينظر:
المنتظم (٩٠/١٠)، والكامل لابن الأثير (٨٠/١١)، وسير أعلام النبلاء (٨٠/٢٠).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٤) في (ك): ((المالكي)).
(٥) في (ح): ((المروزي))، والمثبت هو الصواب، وينظر: الإكمال (٣١٣/٧).

٤١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يومَ الخميسِ، وقال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهَ يُقلِّمُ أظفارَه يَومَ الخميسِ، ثمَّ قال:
((يا عليٌّ، قصُّ الظُّفرِ، ونتفُ الأنفٍ (١)، وحلقُ العانةِ (٢ يَومَ الخميس٢). والغسلُ،
والطِّيبُ، واللِّبَاسُ يَومَ الجمعةِ))(٣). وفي إسنادِهِ مَن يَحتاجُ إلى الكشفِ عنه من
المُتأخّرِينَ، فأمَّا الحسينُ(٤) بنُ هارونَ الضَّبِّيُّ ومَن(٥) بعدَهُ فثقاتٌ، واللهُ أعلمُ.
■ الفائدةُ العشرونَ: فيه استحبابُ نتفِ شعرِ الإبطِ، وهو مُجمعٌ على
استحبابِه وسُنِيَّتِه، ويَحصُلُ أصلُ السُّنَّةِ بإزالتِه بأيِّ وجهٍ كان، من الحلقِ والقصِّ
والنُّورةِ.
وحُكيَ عن يونسَ بنِ عبدِ الأعلَى قال: دخلتُ على الشافعيِّ رحِمه اللهُ
تعالَى وعندَه المُزيِّنُ يَحلقُ إبطَه، فقال الشافعيُّ: علِمتُ أنَّ السُّنَّةَ النتفُ، ولكن لا
أقوَى على الوجع(٦). ويُستحبُّ الابتداءُ بالإبطِ الأيمنِ.
■ الحاديةُ والعشرونَ: سوَّى النوويُّ بينَ الإبطِ والعانة، في أنه يَتولَّى
ذلك بنفسِه، ولا يُخيَّرُ بينَ ذلك وبينَ مباشرةٍ غيرِه لذلكَ؛ لما فيه من هتكِ
المُروءةِ والحرمةِ، بخلافٍ قصِّ الشاربِ(٧).
وهو مُسلَّمٌ فيما إذا أتَى بالأفضلِ من النتفِ في الإبطِ، أما إذا أتَى بالحلقِ
فلا بأسَ حينئذٍ بمباشرةٍ(٨) غيرِهِ لإزالتِه؛ لعسرٍ تمكّنِه من الحلقِ، كما تقدَّمَ نقلُه
عن الشافعيِّ تَخْذَلُهُ: أنَّه حلقَه له المُزيِّنُ.
(١) قال في حاشية الأصل، (ت): ((لعله الإبط))، وفي (ح): ((الإبط)). وهو الموافق لمصادر
التخريج.
(٢ - ٢) ليس في: (ح).
(٣) أخرجه المناوي في ((فيض القدير)) (٥١٩/٤) من طريق المصنف، وأخرجه القزويني في
((أخبار قزوين)) (٩/٢، ١٠)، والفاداني في ((العجالة في الآحاديث المسلسة)) (٢٩/١)
من طريق آخر عن الحسين بن هارون به، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٣٣/٥).
وينظر: ((فتح الباري)) (٣٤٦/١٠)، و(«إتحاف السادة المتقين)) للزبيدي (٤١٤/٢).
(٤)
في (ح): ((الحسن)).
(٥) في (ح): ((فمن)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في ((مناقب الشافعي))، كما في الفتح (٣٤٤/١٠).
(٧)
المجموع (٣٤١/١)، وشرح صحيح مسلم (١٤٩/٣).
(٨) في (ح، م): ((مباشرة)).

=
بابُ السِّواكِ وخصالِ الفطرةِ
٤١٣
■ الثانيةُ والعشرونَ: الحكمة في اختصاص الإبط بالنتف والعانةِ بالحلق
على وجه الأفضليَّةِ: أنَّ الإبطَ محلُّ الرائحةِ الكريهةِ، والنَّتفُ يُضعفُ الشعرَ؛
فتخفُّ الرائحةُ، والحلقُ يُكثِّفُ الشعرَ؛ فتكثرُ فيه الرائحةُ الكريهةُ (١). واللهُ أعلمُ.
■ الثالثةُ والعشرونَ: ذكرَ بعضُ الشافعيَّةِ(٢) أنَّ النبيِ ◌ّ لم يكنْ له
شعرٌ تحتَ إبطه؛ لحديثِ أنسِ المُتَّفقِ عليه(٣): ((أنَّهِ وَّ كان يَرفعُ يَديه في
الاستسقاءِ حتى يُرَی بیاضُ إبطيه)).
وفي ((الصحيحين)) (٤) أيضًا من حديثِ عبدِ اللهِ ابنِ بُحينةَ: ((أنَّ النبيَّ وَل
كان إذا صلَّى فرَّجَ بينَ يَدِيه حتى يَبدوَ بياضُ إِبْطَيه)).
وقال الشيخُ جمالُ الدِّينِ الإسنويُّ في ((المُهمَّاتِ)): إنَّ [٧١/١ظ] (٨١/٢م)
بياضَ الإبطِ كان من خواصِّه، فوردَ التعبيرُ بذلك في حقِّه، فأُطلقَ على غيرِهِ
ذُهولًا، قال: وأمَّا إبطُ غيرِهِ فأسودُ لما فيه من الشعرِ. انتهى.
وما ادَّعاه من كونِ هذا من الخصائصِ فيه نظرٌ؛ إذ لم يَثبتْ ذلك بوجهٍ من
الوجوهِ، بل لم يَرد ذلك في شيءٍ من الكتبِ المُعتمدةِ، والخصائصُ لا تثبتُ
بالاحتمالِ، ولا يَلزمُ من ذكرِ أنسٍ وغيرِهِ: ((بياضَ إبطيه))، أن لا يَكونَ له شعرٌ؛
فإنَّ الشعرَ إذا نُتَفَ بقيَ المكانُ أبيضَ، وإن بقيَ فيه آثارُ الشعرِ؛ ولذلك وردَ في
حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أقرم(٥) الخزاعيّ، أنَّه صلَّى مع رسولِ اللهِ وَّهِ بالقاعِ من نمرةً،
فقال: ((كنتُ أنظرُ إلى عُفرةِ إبطيه إذا سجدَ)). أخرجَه التِّرمذيُّ وحسَّنَه، والنسائيُّ،
وابنُ ماجَه(٦)، فذكرَ الهرويُّ في ((الغريبَيْنِ))، وابنُ الأثيرِ في ((النِّهايةِ))(٧): أنَّ
العُفْرَةَ بياضٌ ليس بالنَّاصعِ، ولكن كلونِ عَفَرِ الأرضِ، وهو وجهُها، وهذا يدلُّ
(١) ينظر: إحكام الأحكام (ص١٢٩).
(٢) هو قول المحب الطبري، كما في فتح الباري (٢٩٥/٢).
(٣)
البخاري (٣٥٦٥)، مسلم (٧/٨٩٥).
(٤) البخاري (٣٩٠)، مسلم (٤٩٥ /٢٣٥).
في (م): ((أقوم))، والمثبت موافق لمصادر ترجمته، وينظر: طبقات ابن سعد (٢٩٦/٤)،
(٥)
التاريخ الكبير (٣٢/٥)، الإصابة (١٠/٦).
(٦) الترمذي (٢٧٤)، النسائي (٥٦١/٢)، ابن ماجه (٨٨١).
(٧) غريب الحديث لابن سلّام (١٤٢/٢)، والنهاية في غريب الأثر (٩٢٨/٣).

٤١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
على أنَّ آثَارَ الشَعرِ هو الذي جعلَ المكان(١) أعفرَ، وإلا فلو كان خاليًا من نباتٍ
الشعرِ جُملةً، لم يَكنْ أعفرَ، وإطلاقُ بياضِ الإبطينِ في حقٌّ غيرِهِ وَِّ موجودٌ في
كلامٍ جمعٍ كثيرٍ من الفقهاءِ، ولا إنكارَ فيه؛ لأنَّ الإبطَ لا تنالُه الشمسُ في السفرِ
والحَرِّ؛ فيُغيَّرُ لونُه؛ كسائرِ الجسدِ الذي يَبْدُو للشمسِ.
نعم، الذي نعتقدُ (٢) فيه وَ﴿ أَنَّه لم يَكنْ لإبطِه رائحةٌ كريهةٌ(٣)، بل كان
نظيفًا، طيِّبَ الرائحةِ، كما ثبتَ في ((الصحيح)) (٤) من حديثِ أنسٍ: ((ما شَمَمْتُ
عَنبرًا قطُ، ولا مِسكّا، ولا شيئًا أطيبَ من ريحِ رسولِ اللهِ وَّ﴾)). وفي
((الصحيح))(٥) أيضًا: ((أنَّ أُمَّ أنسٍ كانت تجمعُ عَرَفَه بَ لهَ في قارورةٍ، فتجعلُه في
طيِها، قالت: وهو من أطيبِ الطَّبِ.
وأبلغُ من ذلك ما كان يُوجدُ من الرائحةِ الطَّيِّيةِ عندَ قضائِه ◌َّ حاجته، كما
حكاه القاضِي عياضٌ، عن بعضِ المُعتنينَ بأخبارِهِ: أنَّه كان (٦) إذا أرادَ أن يَتغوَّطَ
انشقَّتِ الأرضُ؛ فابتلعت غائطَه وبولَه، وفاحت لذلكَ رائحةٌ طيِّبةٌ، ويدلُّ على
ذلك ما رواه ابنُ سعدٍ في ((الطَّبقاتِ))(٧) بإسنادِه إلى عائشةَ: أنَّها قالت للنَّبِيِّ وَلَّى:
((إنَّك تأتِي الخلاءَ، فلا نرَى منك شيئًا من الأذَى؟))، فقال: ((يا عائشةُ، أو ما
علمتِ أنَّ الأرضَ تبلعُ ما يَخرجُ من الأنبياءِ)).
وقد قال بعضُ العلماءِ بطهارةِ الحدثينِ منه وَّ، وزادَه تشريفًا وتكريمًا .
■ الرابعةُ والعشرونَ: فإن قيلَ: قد (٨) قدَّمتُم الاتِّفاقَ على: أنَّ حلقَ
العانةِ وتقليم الأظفارِ سُنَّةٌ وليس بواجبٍ، فما وجهُ قولِهِ وَِّ فيما (٨٢/٢م) رواه
(١) في (ح): ((مكان الشَعر)).
(٢) في (ك): ((يعتقد)).
(٣)
في (ك): ((كرهة)).
في الأصل، (م): ((الصحيحين))، وهو في البخاري (١٩٧٣)، ومسلم (٨١/٢٣٣٠).
(٤)
(٥)
في الأصل، (م): ((الصحيحين))، وهو في البخاري (٦٢٨١)، مسلم (٨٤/٢٣٣١).
(٦)
لیس في: (م).
الطبقات (١٧١/١)، وفي إسناده عنبسة بن عبد الرحمن القرشي: متروك.
(٧)
لیس في: (ح).
(٨)