Indexed OCR Text

Pages 101-120

٣٩٤٩ - وكما حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا أبو نعيم ، قال: حدثنا
إسماعيلُ بنُ إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الملك بنِ عُميرٍ، عن
عمرو بن حُرَيْثٍ
عن سعيد بن حُرَيْثٍ، أن رسولَ اللهِ وَلَ قال: ((مَنْ بَاعَ داراً أو
عَقاراً، ثم لم يَجَعَلْ ثَمَنَه في مِثْلِه، لم يُبَارَكِ لَهُ فيهِ)(١).
مما قد كان ابنُ عيينة انتزعَ فيه أنه وَجَدَ اللَّه عز وجلَّ يقولُ:
﴿وَبَارَكَ فيها وقَدَّرَ فيها أَقْوَاتَها﴾ [فصلت: ١٠]، يعني الأرضَ، فكان
مَنْ باعَ داراً أو عَقَاراً، فقد باع ما بَارَكَ الله عز وجَلّ فيه، فعاقبه بأن
جعل ما استبدله به، يعني من ما سواه من الأدُرِ والعِمارات غَيْرَ مبارك
له فيه، والله عز وجل نسأله® التوفيق.
(١) إسناده ضعيف. إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر: ضعفه ابن معين
والنسائي وأبو داود وأبو حاتم، وابن الجارود، والساجي والعقيلي، وابن حبان، وقال
البخاري: في حديثه نظر.
ورواه أحمد ٤٦٧/٣ عن ابن نمير، والدارمي ٢٧٣/٢ عن أبي نعيم، وأبو يعلى
(١٤٥٨) من طريق عفيف بن سالم الموصلي، وابن ماجه بإثر الرقم (٢٤٩٠)،
والبيهقي ٣٤/٦ من طريق عُبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، أربعتهم عن
إسماعيل بن المهاجر، عن عبد الملك بن عُمير، عن عمروبن حريث، عن أخيه
سعید بن حريث.
ورواه أحمد ٣٠٧/٤، وابن ماجه (٢٤٩٠) من طريق وكيع عن إسماعيل بن
إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الملك بن عمير، عن سعيد بن حريث.
١٠١

٦١٥ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وَّه
في أرواثِ الأنعامِ المأكولةِ لحومُها،
أَنَّها لا تُنَجِّسُ ما تُصِيبُهُ مِن
الثياب، وأن الصلاةَ في الثياب
التي أصابتها جائزة
٣٩٥٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن عثمان بنُ
حَكيم الأوديُّ، قال: حدثنا خالدٌ، يعني ابنَ مخلد القَطَّواني، قال:
حدَّثنا عليُّ بنُ صالح بن حي، عن أبي إسحاق، عن عمروبن ميمون،
قال :
حدثني عبدُ الله في بيت المال، قال: كان رسولُ اللهِ وَلّه يُصلي
عندَ البيت، وملّ من قريش جلوسٌ وقد نحروا جَزوراً، فقال بعضُهم:
أيُّكم يأخذُ هُذا الفَرْثَ بِدَمِهِ، ثم يُمْهِلُه حتَّى يَضَعَ وجهه ساجداً،
فَيَضَعُهُ على - يعني - ظهره، قال عبدُ الله: فانبعث أشقاها، فأخذ
الفَرْثَ، فذهب به، ثم أمهلَه، فلما خرَّ ساجداً، وضعه على ظهره،
فأخبرت فاطمةُ بنتُ رسولِ الله وَّهُ وعليها وهي جارية، فَجَاءَتْ تسعى،
فَأَخَذَتْه مِن ظهره، فلما فَرَغَ من صلاته، قال: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيشٍ))
ثلاثَ مرات، ((اللَّهُمَّ عليك بأبي جهلِ بنِ هشام، وشيبةَ بنِ ربيعة،
وعُتبة بن ربيعة، وعُقبة بن أبي معيط)) حتّى عدَّ سبعةٌ من قريش، قال
١٠٢

عبد الله: فوالذي أنزل الكتابَ لَقَدْ رأيتُهم جميعاً يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَلِيبٍ
واحدٍ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ وضع الشقيُّ المذكورُ فيه على
ظهر رسولِ اللهِ وَ﴿ُ وهو ساجدُ الفَرْثَ والدَّمَ اللذَيْن وضعهما عليه،
وتمادى رسولُ الله ◌َّ بعد ذلك على صلاته حتى أتمها.
فقال قائلون: ففي هذا دليل أن أرواثَ ما يُؤْكل لَحمُهُ لا يُفْسِدُ
الصلاةَ بالثوب الذي أصابته، ولا بإصابته الأبدان، وأنَّه بخلاف
النجاسات مِن الدماء المسفوحاتِ من الأنعام ومِن مَا سواها، وبخلاف
أرواثِ ما لا يُؤْكَلُ لحمه مِن الحمير والبغال، وبخلاف غائط بني آدم
وأبوالهم، وتعلّقُوا في ذلك بما رُويَ عن عبد الله بن مسعود مِن امتثاله
ذلك من نفسه بعدَ رسول الله وَلَةٍ .
وهو ما قد حدثنا محمدُ بنُ علي بنُ داود، قال: حدثنا سعيدُ بنُ
سُليمان الواسطي، قال: حدثنا هشيمٌ، عن منصورٍ وخالدٍ، عن ابنٍ
سیرین
5
(١) حديث صحيح. علي بن صالح بن حي ثقة من رجال مسلم، وباقي السند
من رجال الشيخين، وهو في ((سنن النسائي)) ١٦١/١ - ١٦٢.
ورواه البخاري في «صحيحه» (٥٢٠) عن أحمد بن إسحاق السُّرِّماري، حدثنا
عُبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمروبن ميمون ...
وفيه: ((أيكم يقوم إلى جزورٍ آلٍ فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به،
ثم يُمهله، حتى إذا سجد، وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم ...
١٠٣

عن يحيى بن الجزار أن ابنَ مسعود صلَّى وعلى بطنه فَرْثٌ ودَمٌ
فلم يُعِدِ الصَّلاة(١).
قال أبو جعفر: وهذا المذهبُ قد ذهب إليه غيرُ واحدٍ من أهل
العلم، منهم مالكٌ، والثوري، والحسنُ بنُ صالح، وزُفَّرُ بنُ الهُذيل،
ولهم في ذلك مخالفون مِن أهلِ العلم، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف،
ومحمد بن الحسن، كانوا يقولون: إن ذلك نجس، وإنه في حُكم دماء
الأشياء التي هو منها.
وكان مما احتجَّ به الذاهبون إلى قولهم هذا على أهل المقالةِ
الأولى فيما احتجُّوا به لِقولهم ذلك مِن حديث ابن مسعودٍ الذي وصفنا
أنَّ حديثَ ابن مسعود ذلك إنما رواه كما ذكروا عليّ بنُ صالح، عن
أبي إسحاق، وقد خالفه زكريا بنُ أبي زائدة، وشعبة بن الحجاج، فروياه
عن أبي إسحاق بخلاف ذلك.
٣٩٥١ - كما حدثنا الحسنُ بنُ غُلِيب، قال: حدثنا يوسفُ بنُ
(١) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى الجزار، فمن رجال
مسلم. هُشيم: هو ابن بشير، ومنصور: هو ابن زاذان الواسطي، وخالد: هو ابن
مهران الحذاء.
ورواه عبد الرزاق (٤٥٩) ومن طريقه الطبراني (٩٢١٩) عن معمر، عن قتادة،
عن محمد بن سيرين، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (٤٦٠) ومن طريقه الطبراني (٩٢٢٠) عن سفيان الثوري، عن
عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين، قال: نحر ابن مسعود جزوراً فتلطخ بدمها
وفرثها، ثم أقيمت الصلاةُ، فصلى ولم يتوضأ.
١٠٤

عديٌّ، قال: حدثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ، عن زكريا بن أبي زائدة،
عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديِّ
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: بَيْنَا رسولُ الله وَهُ
يُصَلِّي عندَ البيت وأبو جهل وأصحابٌ له جلوس عندَ البيت وقد نحروا
جزوراً بالأمس، قال أبو جهل: أيُّكم يذهبُ إلى سَلَى جزورٍ بني فلان،
فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ على كتفي رسول الله وََّ إذا سجد، فانبعث أشقى
القوم، فأخذه، فلما سَجَدَ النبيُّ نََّ، وضعه بَيْنَ كتفيه، فاستضحكوا،
وجعل بعضُهم يُقبل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنْعَةٌ،
لطرحتُه عن ظهر رسول الله صَ لَ، والنبيُّ ◌ََّ ساجدٌ ما يرفعُ رأسَه، حتى
انطلق إنسانٌ فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جَارِية فطرحَتْهُ عنه، ثم أقبلت
عليهم تَسُبَّهُم، فلما قضى النبيُّ وَلَ صِلاَتَه، رفع صوتَه، ثم دعا
عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال:
((اللَّهُمَّ عليك بقُريشٍ)) ثلاث مراتٍ. فلما سمعوا صوتَه ذهب عنهم
الضحكُ، وخافوا دعوته. ثم قال: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأبِي جَهلِ بنِ هشامٍ،
وعُتبة بن ربيعة، وشيبةً بن ربيعة، والوليد بن عُتبة، وأميةَ بن خلف،
وعُقبة بن أبي معيط))، وذكر السابع فلم أحفَظه، والذي بعثَ محمداً
﴿ ﴿ بالحقِّ لقد رأيتُ الذين سمَّاهُمْ صرعى يَوْمَ بدرٍ، ثم سُحِبُوا فِي
القليب قليبٍ بدر(١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
يوسف بن عدي، فمن رجال البخاري.
=
وقد أخرج الشيخان لزكريا بن أبي زائدة من روايته عن أبي إسحاق.
١٠٥

٣٩٥٢ - وكما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا أبو داود
الطيالسيُّ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي إسحاق، قال: سمعتُ عمروبنَ
میموپ یحدثُ
عن عبدِ الله، قال: بينا رسولُ الله ◌َِّ يُصلي وقريشٌ قعود، وسَلَى
جزورٍ قريبٌ منه، فلما سجد، قالوا: مَنْ يأخذُ هذا السَّلَى، فَيُلْقيه على
ظهره، فكأنَّهم هابوه، فقال عُقبة بن أبي معيط: أنا، فقام، فألقاه على
ظهره وهو ساجدٌ، فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمةُ عليها السَّلامُ
وهي جاريةٌ، فألقته عن ظهره، قال عبد الله: فما سمعتُ رسولَ الله
وَل* دعا على قريش غيرَ يومئذ، قال: ((اللَّهُمَّ عليك المَلَأَ مِن قُريش،
اللَّهُمَّ عليك بأبي جهل بن هشام، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بعتبة بن ربيعة، اللَّهُمَّ
عليك بشيبةً بن ربيعة، اللهم عليك بِعُقبة بن أبي معيط، اللهم عليك
بأمية بن خلف)). قال عبدُ الله: فلقد رأيتُهم قلبوا يومَ بدر جميعاً، ثم
= ورواه مسلم في ((صحيحه)) (١٧٩٤) عن عبدالله بن عمرو بن محمد بن أبان
الجعفي، عن عبد الرحيم بن سليمان، بهذا الإِسناد.
والسلى: هي الجلدة التي يكون فيها الولد يقال لها ذلك من البهائم، وأما من
الآدميات، فالمشيمة. وحكى صاحب ((المحكم)) أنه يقال فيهن أيضاً: سلى.
وقولُ ابن مسعود: ((لو كانت لي منعة)) المنعة بفتح النون وسكونها: القوة، وإنما
قال ذلك: لأنه لم يكن له بمكة عشيرة، لكونه هذلياً حليفاً وكان حلفاؤه إذ ذاك
كفاراً .
وقوله: ((وذكر السابع فلم أحفظه))، فاعل، ((فلم أحفظه)) هو أبو إسحاق وفاعل
((ذكر)) هو عمروبن ميمون، وقد تذكره أبو إسحاق مرة أخرى، فسماه عمارة بن
الوليد، كذا جاء في رواية البخاري (٥٢٠) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق.
١٠٦

سحبوا حتى ألقوا في القليب غيرَ أبي جهل أو أمية، فإنه كان رجلاً
بديناً فتقطّع(١).
٣٩٥٣ - وحدثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا وهبُ بنُ جرير،
قال: حدثنا شعبة، ثم ذكر بإسناده مثلَه(٢).
قالوا: فكان في حديثي زكريا وشعبة أن الذي جعله ذلك الشقي
على ظهرِ رسول الله وَّ وهو يُصلي كان سلى ناقةٍ منحورةٍ، وهو الذي
يكونُ فيه ما حامل به مما لا دَمَ فيه ولا فَرْثَ، ومما هو كسائر لحمها،
ولا اختلافَ بين أهل العلم أن من كان في كُمِّه لحم ناقة مذكاة لا
دَمَ ولا رَوْثَ فيه، فصلَّى وهو حاملُه كذلك أن صلاتَه جائزة.
وإذا كان هذا الاختلافُ في هذا الحديث كما ذكرنا أن يُحمل ما
رواه اثنان عليه أولى بالصحة مما رواه واحدٌ عليه، وإن كان رواته
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو داود الطيالسي - واسمه سليمان بن داود
- من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشيخين، وشعبة سمع من أبي إسحاق
قديماً.
وهو في ((مسند الطيالسي)) (٣٢٥).
ورواه البخاري (٣١٨٥) عن عبدان بن عثمان، عن أبيه، عن شعبة، بهذا
الإسناد.
ورواه البخاري (٢٤٠) من طريق يوسف بن إسحاق و(٥٢٠) من طريق إسرائيل
و(٢٩٣٤)، ومسلم (١٧٩٤) (١٠٨)، والنسائي في السير من ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ١١٩/٧ من طريق سفيان، والنسائي من طريق خالد بن الحارث، أربعتهم
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
عن أبي إسحاق، به.
١٠٧

جميعاً عدولاً أئمة حفاظاً أثباتاً، وإن جُعلت الروايتان متكافئتان، لم
تكن واحدة منهما أولى مِن الأخرى، وكانتا لما تضادتا ارتفعتا، وصار
ما فيه هذا الاختلاف من الأرواثِ من الأشياء المأكولة لحومها كما لا
حدیثَ فیه.
وأما ما رُوي فيه عن ابن مسعودٍ من حديث يحيى بن الجزار، فقد
يحتمل أن يكونَ ذلك لم يكن له مِن المقدار ما يُفْسِدُ به الصلاةَ إذ
كان قليلُ الدم في ذلك خلاف كثيره عندَ كثيرٍ من أهلِ العلم ممن
يقولُ بالمقالة الثانية من المقالتين اللتين ذكرناهما.
ثم رجعنا إلى طلب الأَوْلَى من هذين القولين بالنظرِ الصحيح
المرجوع إلى مثلِه عند عدم وجود حكم الأشياء المختلَفِ فيها في
الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فوجدنا الأصلَ المتفق عليه أن دماءً
الأنعام المأكولة لحومُها نجسة، وأن وقوعَها في المياه يفسدها، وإن
أصابتها الثيابُ نجّستها، كدماء بني آدم في ذلك، ولم يَكُنْ لِأكل لحوم
ما هي راجعة إلى حُكم لحومها، وجعلت راجعة إلى حكم دمائها،
فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك أرواتُها لا تجب طهارتها بطهارة
لحومها، وأن يكون أروائها كدمائها، وكغائط بني آدم ودمائهم في
نجاستها، فهذا النظر في هذا الباب.
فقال قائل: فإن الناقةَ المذكورة في حديث ابن مسعود الذي ذكرت
إنما نحرها الوثنيون الذين لا تَحِلَّ ذبائحهم، ولا يكون معه ذكاة،
فسلاها كسلى ناقة ميتةٍ. ففي هذا الحديث حُجَّةٌ عليهم لمن يذهبُ
إلى أنَّ من صلى وفي ثوبه نجاسةٌ، أو في بدنه نجاسة، أو وهو حامِلٌ
١٠٨

نجاسة مِن ميتة، أو مِن غيرها أن صلاتَه جائزة.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجَلَّ وعونِهِ: أن تلك الناقةً
قد كانت كذلك، ولكن كان ذلك النحر لها في وقتٍ قد كانت ذبائحُ
أهل الأوثان كذبائح مَنْ سِواهم من أهل الإِسلام، كما كان نكاحُ
نسائهم في أوَّل الإِسلام كذلك، ثم حِرَّمَ الله بعد ذلك نكاحَ نسائهم
وأكل ذبائحهم بقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ حِلِّ لَكُمْ وِطَعَامُكُمْ حِلَّ لَهُمْ والمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ
والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ [المائدة: ٥]، فكان
في ذلك تحريمُ ما قد كان قبلَ ذُلك الوقت غيرَ حرام، ثم طرأ عليه
التحريمُ الذي ذكرنا في النساءِ وفي الذبائح، فعادَ الأمر فيهما إلى ما
هو جارٍ عليه إلى يوم القيامة. والله عز وجل نسأله التوفيق.
لله تعالى
١٠٩

٦١٦ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله وَل
في أولى النّاس بالإِمامة
٣٩٥٤ - حدثنا محمدُ بنُ عمرو بن يونس، قال: حدثنا عبدُ الله
بنُ نُميرِ الهَمْدَانيُّ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء الزُّبيديِّ، عن
أوس - وهو ابنُ ضَمْعَجٍ - قال:
سمعتُ أبا مسعود الأنصاري يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((يُؤُمُّ القَوْمَ
أَقْرَؤُهُمْ لِكتابِ اللهِ عز وجل، فإن كانوا في القِراءة سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ
بالسُّنَّةِ، فإنْ كانوا في السُّنَّةِ سَواءً، فَأَقْدَمُهُم هِجْرةً، فإن كانوا في الهجرة
سواءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً، ولا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلطانِهِ، ولا يُجْلَسُ على
تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلا بإذْنِهِ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أبو داود (٥٨٤)، وأبو عوانه ٣٥/٢، والطبراني في ((الكبير)) (٦١٢)،
والبيهقي ٩٠/٣ من طريق عبدالله بن نمير، بهذا الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (٣٨٠٨) و(٣٨٠٩)، وابن أبي شيبة ٣٤٣/١، والحميدي
(٤٥٧)، وأحمد ٢٧٢/٥، ومسلم (٦٧٣)، والترمذي (٢٣٥) و(٢٧٧٢)، والنسائي
٧٦/٢، وابن الجارود (٣٠٨)، وابن حبان (٢١٢٧) و(٢١٣٣)، وابن خزيمة
(١٥٠٧)، وأبو عوانة ٣٦/٢، والحاكم ٢٤٣/١، والدارقطني ٢٨٠/١، ويعقوب بن
سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٤٤٩/١، والطبراني في ((الكبير)) ١٧ / (٦٠٠) و(٦٠١) =
١١٠

٣٩٥٥ - وحدَّثنا موسى بنُ الحسن المعروف بالسَّقَلِّي، قال: حدثنا
معاويةُ بنُ عمروبن المهلب الأسدي، قال: حدثنا زائدةُ بنُ قُدامة
القطعي، عن الأعمش، ثم ذكر بإسنادِه مثلَه غير أنَّه لم يقل: ولا يُؤَمُّ
الرجلُ(١).
قال أبو جعفر: هكذا روى الأعمشُ هذا الحديثَ عن إسماعيل بنِ
رجاء، وقد روى عن إسماعيلَ محمدُ بنُ جُحادة بخلافٍ ذلك.
= و(٦٠٣) و (٦٠٤) و(٦٠٥) و (٦٠٦) و(٦٠٧) و (٦٠٨) و(٦٠٩) و(٦١٠)، والبيهقي
١١٩/٣ و١٢٥، والبغوي (٨٣٢) من طرق عن الأعمش، به.
وقوله: ((لا يُومُّ الرجل في سلطانه)) قال الإِمام البغوي في ((شرح السنة))
٣٩٧/٣: قيل: أراد به في ((الجمعات والأعياد)) السلطان أولى لتعلق هذه الأمور
بالسلاطين، فأما الصلوات المكتوبات، فأعلمهم أولاهم، وقيل: السلطان أو نائبه
إذا كان حاضراً، فهو أولى من غيره بالإِمامة، وكان أحمد يرى الصلاةَ خلف أئمة
الجور، ولا يراها خلفَ أهل البدع، ويروى: ((ولا يُؤْمُّ الرجل في بيته ولا في سلطانه)»
وأراد به أن صاحبَ البيت أولى بالإِمامة إذا أقيمتِ الجماعةُ في بيته، وإن كانت
الخصال في غيره إذا كان هو يُحسن من القراءة والعلم ما يُقيم به الصلاة.
وقال الإِمامُ أحمد فيما نقله عنه الترمذي في «سننه)) ١ /٤٦٠ - ٤٦١: وقول
النبي ◌َّهِ ((لا يؤمُّ الرجلُ في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)) فإذا أذن فأرجو
أن الإِذَنَ في الكل ولم ير به بأساً إذا أذن له لأن يصلي به.
والتكرمة: بفتح التاء الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما
يُعدُّ لإِكرامه، وهي تفعلة من الكرامة .
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو مكرر ما قبله.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٦٠٢) من طريق زائدة، بهذا الإسناد.
١١١

٣٩٥٦ - كما حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو معمر،
قال: حدثنا عبدُ الوارث، قال: حدثنا محمدُ بنُ جُحادة، عن
إسماعيلَ بنِ رجاء، عن أوس بنِ ضَمْعَجٍ
عن عُقْبَةَ بن عمرو، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يُؤُمُّ القَوْمَ أَقْدَمُهُمْ
هِجْرَةً، فإنْ كانُوا في الهِجْرَةِ سَواءً، فَأَكْبَرُهُمْ سِنّاً، فإن كانوا في السِّنِّ
سَواءً، فأقرؤُهم))(١).
وقد رواه أيضاً المسعودي عن إسماعيل بخلاف ذلك.
٣٩٥٧ - كما حدّثنا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حدثنا أبو داود، قال:
حدثنا المسعوديُّ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ رجاء، عن أوس بن
ضَمْعَجٍ
عن أبي مسعودٍ البدريٌّ، قال: قال رسول الله وَهُ: ((يُؤُمُّ القَوْمَ
أَقْرُؤُهم لِكِتابِ اللهِ عز وجلَّ، فإن كانوا في القِراءَةِ سَواءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرةً،
فإنْ كانُوا في الهِجْرَةِ سَواءً، فَأَكْبَرُهُمْ سِنّاً، ولا يُؤَمُّ أميرٌ في بيته، ولا
في سُلطانه، ولا تَجْلِسْ على تَكْرِمَتِهِ حتَّى يأذنَ لكَ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو معمر: اسمه عبدالله بن عمروبن أبي
الحجاج المقعد المنقري .
(٢) رجاله ثقات رجال الصحيح غير المسعودي - وهو عبد الرحمن بن عبدالله بن
عتبة - فقد علق له البخاري وروى له أصحاب السنن، وهو صدوق لكنه اختلط،
وأبو داود - وهو سليمان بن داود الطيالسي - ممن سمع منه بعد الاختلاط.
ورواه الطبراني ١٧/ (٦١٤) من طريق عاصم بن علي، والبيهقي ١٢٥/٣ من
طريق عبدالله بن يزيد المقرىء عن المسعودي، بهذا الإِسناد.
١١٢

وقد رواه أيضاً شعبة عن إسماعيل بخلاف ذلك.
٣٩٥٨ - حدثنا بكار، قال: حدثنا سعيدُ بنُ عامر، قال: حدثنا
شعبةُ، عن إسماعيل بن رجاء، عن أَوْسِ بنِ ضَمْعَجٍ
عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((يُؤمّ
القَوْمَ أَقْرَؤُهم لِكِتَابِ وأَقْدَمُهُم في القِراءة، فإن كانوا في القِراءَةِ سَواءً
فَأَقْدَمُهُمْ في الهِجْرةً، فإنْ كانُوا في الهِجْرَةِ سَواءً، فَأَكْبَرُهُمْ سِنّاً، ولا
يُؤَمُّ أَميرُ في أمارته، ولا في أهله، ولا تَجْلِسْ على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذْنِهِ
أو إلَّ أَنْ يأذنَ لكَ))(١).
وقد رواه أيضاً عن إسماعيل فطرُ بنُ خليفة بخلاف ذلك.
٣٩٥٩ - كما حدثنا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَانيُّ، قال: حدثنا
خالدُ بنُ عبد الرحمن الخراسانيُّ، قال: حدثنا فطرُ بنُ خليفة، عن
إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن صَمْعَجٍ
عن أبي مسعودٍ الأنصاريّ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((لِيؤمَّكُم
أَقْرَؤُكُم، فإن كانت القراءةُ واحدةً، فَأَقْدَمُكُم هِجرةً، فإِنْ كَانَتْ الهجرةُ
واحدةً، فأَعلمُكم بالسُّنَّةِ، فإن كانت السنَّةُ واحدةً، فأقدمُكُم سِنّاً، ولا
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه أحمد ١١٨/٤ و١٢١، والطيالسي (٦١٨)، ومسلم (٦٧٣) (٢٩١)، وأبو
داود (٥٨٢) و(٥٨٣)، والنسائي ٧٧/٢، وابن ماجه (٩٨٠)، ويعقوب بن سفيان في
((المعرفة والتاريخ)) ٤٤٩/١، وابن خزيمة (١٥٠٧) و(١٥١٦)، وابن حبان
(٢١٤٤)، والطبراني ١٧ / (٦١٣)، والبيهقي ١٢٥/٣ من طرق عن شعبة، بهذا
الإِسناد.
١١٣

يُؤَمُّ الرَّجُلُ في بيته، ولا يُجْلَسُ على تَكْرِمِتِه إلا بإذْنِهِ))(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديث واختلافَ رواته فيه، عن
إسماعيل، فوجدناه يدورُ على أربع مراتب، وهي أقرأُ القومِ لِكتاب اللهِ
عز وجلَّ، وأعلمُ القومِ بالسُنَّة، وأقدمُ القومِ هجرةً، وأكبرُ القوم سناً،
وكان القرآنُ الذي يكونُ بعضهم أقرأُ له مِن بعض مما لا بُدَّ منه في
الصلاة، ومما هي مضمنة به، وكذلك ما كان مأخوذاً من السُّنَّة مما
لا تقومُ الصلاةُ إلا به الصلاةُ به مضمنة، فكانت المرتبتان الآخرتان
وهما الهجرةُ والسنُّ ليستا كذلك، وليست الصلاةُ بهما مضمنة، لأنَّ
جماعةً لو حضروا، فيهم رجلٌ من أهلِ الهجرة، وبقيتهم ليسوا من
أهلها، فَصَلُّوا دونَه، أجزأتهم صلاتُهم، وإن كان الأحسنُ لهم، والأولى
بهم، والأفضلُ لهم أن لو جعلوه إمامَهم فيها.
وكذلك لو حضر قومٌ للصلاة وفيهم رجلٌ هو أسنُّهم، فَصَلَّوْا دونَه
كانت صلاتُهم جائزة، وإن كان الأولى لهم، والأفضلُ بهم أن لو
قدموه، وائتموا به، فكانت المرتبتان الأوليان لا بُدَّ لهما في الصلاة ومما
(١) إسناده صحيح. خالد بن عبد الرحمن الخراساني روى له أبو داود
والنسائي، وهو ثقة وثَّقه ابن معين، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا بأس به، وفطر بن
خليفة روى له البخاري مقروناً ووثقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي وغيرهم.
ورواه الطبراني ١٧ / (٦١٨) من طريق خلاد بن يحيى و(٦١٩) من طريق سفيان،
والبغوي (٨٣٣) من طريق أبي نعيم، ومحمد بن يوسف، أربعتهم عن فطربن
خليفة، بهذا الإِسناد.
ورواه الدارقطني ٢٧٩/١ - ٢٨٠، والطبراني ١٧ / (٦١٥) و (٦١٧) و(٦٢١)،
والحاكم ٢٤٣/١ من طرق عن إسماعيل بن رجاء، به.
١١٤

هي به مضمنة، وكانت المرتبتان الآخرتان إنما تستعملان فيهما أدباً لا
فرضاً، وليست الصلاةُ بهما مضمنة، فكان أعلى المرتبتين الأوليين
القرآنُ، وأعلى المرتبتين الآخرتين(١) الهجرة. فاستدللنا بذلك على أنَّ
الأولى من أهلِ المراتب الأربع اللاتي ذكرنا بالإِمامة في الصلاة أهلُ
القرآن، ثم أهل السنة، ثم أهلُ الهجرةِ، ثم أهلُ السُّنِّ، ولم نجد
في رواية أحدٍ ممن روى هذا الحديث وضعَ الإِمامة في أهلٍ هذه
المراتب كذلك غيرَ الأعمش، فإنَّ روايته إيَّه كذلك، فكانت بذلك
أولاها عندنا، والله عز وجل نسأله التوفيق.
لله تعالى
(١) في الأصل: ((الأولتين)) وهو خطأ.
١١٥

٦١٧ - بابُ ما رُوي عن رسول اللهِمَّه مما يقضي بَيْنَ
المختلفين في الإِمامة في الصلوات على
الجنائز: هل يدخلُ في قولِ النبي ◌َّ:
((ولا يُؤَمُّ أَمِيرٌ فِي إِمارته)) أم لا؟
قال أبو جعفر: روينا في الباب الذي قبلَ هذا الباب عن رسولِ
الله ◌َّ: ((لا يُؤَمُّ أميرٌ في إمارته))، فكان أبو حنيفة وأصحابُه يُدخلون
الإِمامة في الصلوات على الجنائز في ذلك، وكان الشافعيُّ لا يُدخلها
فيه. فنظرنا هل رُوِيَ في شيء عمن تقدَّمهم، فوافق أحد هذين القولين
أم لا؟
٣٩٦٠ - فوجدنا أبا أمية قد حدَّثنا قال: حدَّثنا قبيصةُ بنُ عُقبة،
قال: حدثنا سفيانُ، عن أبي الجخَّاف - قال أبو جعفر: وهو داودُ بنُ
أبي عوف-، عن إسماعيل بن رجاء، قال:
أخبرني مَنْ شَهِدَ الحُسَيْنَ بنَ علي حِين مات الحسنُ عليهما
السَّلامُ قالَ لِسعيد بن العاص: تَقَدَّمْ، فلولا أنها سُنَّةٌ، ما تَقَدَّمْتَ(١).
(١) حسن. الواسطة بين إسماعيل بن رجاء وبين الحسين بن علي في هذا
السند لم يسم، لكن متابعه في الرواية الآتية - وهو سالمُ بنُ أبي حفصة - قد سماه،
فقال: عن أبي حازم، وباقي رجال السند ثقات رجال الصحيح غير أبي الجحاف =
١١٦

٣٩٦١ - ووجدنا إبراهيمَ بنَ محمد بن يونس البصري، قد حدثنا،
قال: حدَّثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا سفيانُ، عن سالم بن أبي حفصة
عن أبي حازمٍ، قال: إنِّي لشاهد يومَ مات الحسنُ بنُ علي،
فرأيتُ حُسيناً يقول لِسعيد بن العاص وهو يَطْعُنُ في عنقه: تقدَّم، لولا
أنَّها سُنَّة ما تقدمت.
قال: فكان بينهما شيءٌ، فقال أبو هريرة: تَنْفَسُونَ على ابن نبيكم
تُربةً تَدْفِئُونَه فيها، وإني سمعتُ رسولَ الله وَلِّ يقولُ: ((مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ
أَحَبَّنِي، ومَنْ أَبْغَضَهُما فقد أَبْغَضَني))(١).
= داود بن أبي عوف، فقد روى له الترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو صدوق، وانظر
ما بعده.
(١) حديث حسن إن شاء الله. أبو حذيفة - واسمه موسى بنُ مسعود النهدي -
وإن كان في حفظه شيء قد توبع، وباقي رجاله ثقات غيرَ سالم بن أبي حفصة،
فقد روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، والترمذي، قال ابن عدي: له أحاديث
وعامة ما يرويه في فضائل أهل البيت، وهو من الغالين في متشيعي أهل الكوفة،
وإنما عيب عليه الغلوُّ فيه، وأما حديثه، فأرجو أنه لا بأس به، وباقي رجاله ثقات
رجال الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وأبو حازم: هو سلمان الأشجعي.
ورواه البزار (٨١٤)، والحاكم ١٧١/٣، والبيهقي ٢٨/٤ من طريقين عن
سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
قلت: وسعيد بن العاص هو القرشي الأموي له رؤية، توفي النبي ◌َّر وله تسع
سنين ونحوها وكان أميراً شريفاً جواداً مُمَدَّحاً حليماً وقوراً، ذا حزم وعقل، ولي إمرة
المدينة غيرَ مرة لمعاوية، وقد ولي إمرة الكوفة لعثمان بن عفان، وافتتح طبرستان أيامَ
إمرته عليها، وقد اعتزل الفتنةَ ولم يُقاتل مع معاوية، وكان أحدَ من ندبه أمير المؤمنين =
١١٧

قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ ما قد دلَّ على دخولٍ
الصلواتِ على الجنائز في ذلك، فكان القياسُ عندنا يُوجِبُ هذا
القَوْلَ، وكان الشافعيُّ مما يحتجُّ به، لقوله الذي ذكرناه عنه في ذلك:
أنَّ هذا مِن الفروضِ الخاصةِ وكان مخالفوه في ذلك يقولون: إنَّها من
الفروضِ العامةِ التي تسقط عن العامة بقيامِ الخاصةِ منهم بها، لأن
على المسلمين الصلواتِ على جنائزهم كما عليهم غسلُهم، وكما
عليهم مواراتُهم في قبورهم، وكان مَنْ قام بذلك منهم، سقط به الفرضُ
عن بقيتهم، وكانت الجماعاتُ لِلصلوات الخمس في المساجد واجبةٌ
على المسلمين إلا أن من قام بذلك منهم سَقَطَ به الفرضُ عن بقيتهم،
وكانت الجماعةُ في الصلوات الخمس لو حضرها الأميرُ، كانت الإِمامة
فيها إليه دونَ غيرِه من الناسِ ، فمثلُ ذُلك في القياس الجماعةُ في
الصلوات على الجنائز إذا حضرها الأميرُ كانت الإِمامةُ فيها إليه دونَ
غيره مِن الناسِ ، والله عز وجلّ نسأله التوفيق.
= عثمان لكتابة المصحف لفصاحته وشبه لهجته بلهجة الرسول وليد .
وفيه يقول الفرزدق:
ترى الغُرَّ الجَحَاجِحَ مِن قُريشٍ إذا ما الأُمْرُ ذو الحَدَثَانِ عَالَاً
قياماً ينظرون إلى سعيدٍ كأنَّهُمُ يَرَوْنَ بِه هِلالَا
مات سنة (٥٩) ودفن بالبقيع.
انظر ترجمته في ((السير)) ٤٤٤/٣ - ٤٤٥.
١١٨

٦١٨ - بابُ بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول الله عَليه
مما تعلّق به في إمامة الصِّبيان الذين لم
يبلغوا في الفرائضِ من الصلوات
٣٩٦٢ - حدثنا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا
مِسعرُ بنُ حبيبٍ، قال: حدثنا عمروبن سَلِمَةِ الجَرْمِي
أن أباه ونفراً من قومه أَتَوْا رَسولَ اللهِ وَّهِ فقالُوا: يا رسولَ الله مَنْ
يُصلي لنا، أو قالوا: من يُصلِّي بنا؟ قال: ((أكثركُم أخذاً للقُرآنِ، أو
قال: جمعاً للقرآن))، قال: فَقَدِمُوا، فلم يَكُنْ أَحدٌّ في القومِ أَخَذَ من
القُرآن أكثرَ مما أخذتُ، فقَدَّموني وأنا غلام أُصَلِّي بهم وعليَّ شملةٌ
لي، قال مِسعر: فأنا أدركتُه يُصلي بهم، ويُصلي على جنائزهم، ولا
يُنازعه في ذلك أحد(١).
٣٩٦٣ - حدثنا بكار، قال: حدثنا أبو عمر، قال: حدثنا حمادُ بنُ
سلمة، أن أيوبَ السَّختياني أخبرهم
(١) إسناده صحيح. مسعر بن حبيب ثقة من رجال أبي داود، وباقي السند من
رجال الصحيح .
وهو في ((مسند أبي داود الطيالسي)) (١٣٦٣).
ورواه أحمد ٢٩/٥ و٧١، وابنُ سعد ٣٣٦/١ و٨٩/٧ من طرق عن مسعربن
حبیب، به .
١١٩

عن عمرو بن سلمة الجَرْمِي، قال: كنا بحَاضِرِ يَمُرُّ بنا الناسُ إذا
جاؤوا مِن عندِ رسولِ اللهِ وَ لَ، فيقولون: قال رسولُ اللهِ وَلَه، وقال
رسولُ اللهَِّ، وكنتُ غلاماً حافظاً، فحَفِظْتُ من ذلك قرآناً كثيراً، فوفد
أبي في ناسٍ من قومه إلى رسولِ اللهِ وََّ، فعلِّمهم الإِسلامَ، وقال:
(لِيؤمَّكُمْ أَقْرُؤُكم))، فلم يكن في القومِ أحدٌ أقرأ مِنِي، فكنتُ أؤْمُّهم
وأنا ابنُ سبع سنين أو ثمان وعليَّ بُرِدةٌ لي، فكنتُ إذا سجدتُ،
تكشّفْتُ، فمرت بنا ذاتَ يومٍ امرأةٌ وأنا أصلي بهم، فقالت: وَارُوا عَنَّا
عورةَ قارِئكم هذا، فاشتروا لي قميصاً عُمانياً، فلم أَفْرَحْ بشيء بعدَ
الإِسلام ما فَرَحْتُ بذلك القميص (١). قال حماد: قال أيوب: فكان
(١) إسناده صحيح. أبو عمر - واسمه حفص بن عمر الضرير - روى له أبو
داود، وهو كما قال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، عامةُ حديثه يحفظه، ومن
فوقَه ثقات من رجال الصحيح.
ورواه البخاري (٤٣٠٢) عن سلیمان بن حرب، وأبو داود (٥٨٥) عن موسی بن
إسماعيل، وابن سعد ٣٣٦/١ ٨٩/٧، وابن الجارود (٣٠٩) من طريق أبي النعمان
محمد بن الفضل السدوسي الملقب بعارم، ثلاثتهم عن حماد بن زيد، عن أيوب
السختياني، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٠/٥ و٧١، وابن سعد ٣٣٧/١ و٩٠/٧ من طريقين عن أيوب،
به .
ورواه ابن سعد ٣٣٧/١ و٩٠/٧، وأحمد ٣٠/٥ و٧١ من طريقين عن خالد
الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمروبن سلمة.
وقوله: ((كنا بحاضر)) قال الخطابي: الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به،
ولا يرحلون عنه، ومعنى الحاضر: المحضور فاعل بمعنى مفعول، ويقال للمناهل:
المحاضر، للاجتماع والحضور عليها.
١٢٠